الفصل 23 | من 33 فصل

رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رونا فؤاد

المشاهدات
25
كلمة
8,476
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

قال برفق وهو يتجه ناحيتها: "ياسيرين انتي اللي استفزتيني.... متنسيش انك رفعتي ايدك عليا." تجاهلت كلامه وزفرت بسخط: "هتنام علي الارض ولا انام انا." سحب وسادة وألقاها على الأرض قائلاً بضيق شديد: "ماشي ياسيرين هنام على الأرض." رفع إصبعه أمام وجهها وأكمل بنبرة تحذير مبطنة: "بس يكون في علمك أنا مش عاجبني اللي بتعمليه... خناقة عادية حصلت بينا مش لازم تأدبيني أنا مش عيل صغير هتعاقبيني."

احتقن وجهها بالغضب منه فور نطقه أمامها بكلمة "خناقة عادية". أهكذا يصوغ الأمر وما حدث بينهما؟ لتصيح به بغيظ: "ومين قال إني بعاقبك... أنا مش طايقاك." انصدمت ملامحه مما نطقت به لتكمل بغضب شديد: "أعتقد أن ده إحساس طبيعي جداً بعد اللي عملته." نفرت عروقه بجانب صدغه بجنون مما نطقت به وتعبيرها عن نفورها منه، ليهتف بحدة وعناد: "وأنا عملت إيه... متوقعة مني أعمل إيه لما ألاقي واحد بيتصل بمراتي؟ سخر بشدة وتابع:

"أحطلك التليفون على ودانك عشان تكلميه." لو كانت للكلمات نصل، لما شعرت بوجع أكبر ينغرس بصدرها وهو يرشقها بتلك الكلمات التي ألهبت نيران غضبها من تصويره للأمر وكأنه ملاك بريء بينما هي من أخطأت. احتدت كل ملامحها لتزدهر الحمرة بوجهها وتضرم النيران بغابات عيونها الخضراء وهي تزمجر بحدة: "أنت أكيد مجنون عشان تقول كده." استنفرت عروق جسده واندفع ناحيتها يمسك ذراعها هاتفا بعصبية شديدة: "لمي لسانك ياسيرين وخذي بالك من كلامك."

اندفعت بغضب أكبر: "خذ بالك من كلامك أنت الأول واعرف أني مسمحلكش تقول عني الكلام ده." هز رأسه بانفعال: "أنا مقلتش عنك حاجة... أنا بفهمك إن حقي أغار عليكي." غزت الدموع مقلتيها، فعن أي غيرة يتحدث وهو بتلك العصبية والأفعال وإلقاء التهم وإصراره الرهيب على موقفه بأنه يحق له ما فعله. كبحت تلك الدموع داخل أهدابها وهي تهتف به بنبرة مليئة بالحزن والشجن: "دي مش غيرة... ده شك وعدم ثقة."

تلاقت عيناها بعيناه لحظة ليري احتباس دموعها، ولكنها هربت من عيناه سريعاً ونزعت ذراعها من يده بعنف، تمددت على الفراش وأولته ظهرها، وكل عرق بداخلها ينتفض بمزيج فائر من المشاعر: غضب، حزن، ألم، ووجع. أأيجرؤ على النطق أن ما حدث شئ عادي وأنه فقط يغار، بل وتنتابه نوبة جنون بتلك الطريقة بدلاً من الاعتذار؟ يعود مجدداً ليكون ذلك الرجل الذي كان يؤذيها.

ظل واقفاً مكانه بضع لحظات يفرك وجهه بعصبية شديدة. لا يعرف كيف بتلك البساطة يمكن أن يؤلم كل منهما الآخر، لماذا يتحول كل حديث بينهم لشجار؟ يعرف أنه عصبي ولا يستطيع التحكم في أعصابه خاصة حينما يتعلق الأمر بها، لماذا لا تراعي أعصابه التي تثيرها أقل كلمة منها؟ فماذا كان سيحدث إن قالت لن تحادث زميلها هذا مرة أخرى وتطفئ نيران غيرته بحبها؟

ماذا كان سيحدث إن اعتذرت عن عدم تجاهله وطلبها لطلب من رجل سواه بدلاً من تأنيبه بتلك الطريقة وإخباره أنه مشغول لذا لجات لسواه؟ مشغول ولكن عنها لا يشغله شيء. لماذا لا تقدر أن حبه وغيرته عليها شيء خارج عن سيطرته؟ لماذا دوماً تكون إثارة أعصابه أسهل شيء تفعله ويكون جنون عصبيته من نصيبها؟ جلس على الأرض وأوجعته رؤيتها تتماسك وتدفن دموعها بعيونها، فهو يحبها ويعشقها وجنون غيرته يصل حد السماء، ألا يغفر له هذا؟

هي حامل ومتعبة وهو يصب عليها جام غضبه، ولكن كله بسبب لسانها وإثارتها لأعصابه.

حاولت أن تجذب النوم لعيونها وتتجاهل الألم الذي تشعر به في أسفل بطنها وظهرها وذلك الغثيان الذي ازداد مع توترها وغضبها، تبعد أي تفكير فيما حدث بينهم، فهي مستنزفة ولا تستطيع التفكير أو فعل شيء سوى الاستسلام لذلك الحزن المؤلم، فهي بالنهاية لم تفعل شيئاً لكل هذا الجنون الذي نالته. لم تفعل شيئاً أبداً ليتهمها أنه لا يعرف ماذا تفعل خلف ظهره وكلامه تفوح منه رائحة اتهام بأنه لا يثق بها بسبب غدر عائلتها به. هل يتوقع أن تصمت عن اتهام كهذا؟

تقلب حمزة على الأرضية الصلبة التي لا تقل صلابة عن عقله الذي يصارع قلبه المشفق عليها ولا يريد أن يكون للخصام والجفاء سبيل بينهما. قلبه يريد منه أن يجذبها ويدفنها بين ضلوعه ويطفئ لهيب الغيرة والغضب المشتعل بداخله بحبها، ولكن عقله يصارعه بقوة، فهو لم يخطئ وعليها أن تتوقف عن عنادها وتحديها له. لقد أخبرها من قبل أنه لا يسمح بمجرد حديث بينها وبين رجل آخر وهي ضربت بكلامه عرض الحائط بل وطلبت منه طلب بينما هو زوجها لا يعرف شيئاً.

تماوجت الحرب بشد وجذب بين عقله وقلبه، بينما كانت عيناه لا تفارق النظر إليها تارة بغيظ وحنق وتارة بندم، فهي محقة بغضبها منه وهو محق بغيرته عليها. وأكثر ما أشعره بالضيق وأفلت عقدة أعصابه هو أنها أبعدته عنها وصممت ألا تنام بجواره وهي من بدأت بإغضابه فور تصريحها أنها تنفر منه ولا تطيقه، لذا اهتاجت أعصابه بتلك الطريقة. فهو بالرغم من أي شيء يحدث بينهما، إلا أنه دوماً يحبها ويريد قربها ولم يشعر للحظة أنه يريد بعدها الذي لا يقوى عليه أساساً لتنطق هي تلك الكلمات مراراً...

لا تطيقه! كور قبضته بغضب شديد. ومع ذلك أنبته نفسه كثيراً لقسوته عليها وتركها تنام وهي بهذا الحزن. فقد كان عليه تحمل غضبها منه، فهي محقة. لقد غضب عليها بشدة وحطم هاتفها واهتاج بجنون، لم يكن عليه أن يتهمها بتلك الكلمات. زفر بضع مرات قبل أن يعتدل جالساً على الأرض ينظر إليها، بينما يجدها هي الأخرى لا تستطيع النوم من حركة جسدها المتشنجة. قال بهدوء: "سيرين خلينا نتكلم براحة ونتفاهم."

دون أن تلتفت إليه هتفت بحدة متألمة من وجع ظهرها وشعورها بالغثيان: "قلتلك مش طايقاك ولا عاوزة أتكلم معاك." اعتدل واقفاً بعصبية من تكرارها لتلك الكلمة، فهو لم يكد يهدأ حتى استفزته مجدداً ليتجه ناحيتها قائلاً بانفعال: "ماشي ياسيرين براحتك... بس يكون في علمك مش عشان أنا عاوز أصالحك يبقى أنتِ مش غلطانة... أنتِ اللي غلطانة من الأول وأنتِ اللي وصلتينى لكده." اعتدلت جالسة بانفعال شديد لتزمجر به بعيون تتقد شراً: "أنا...

أومأ لها قائلاً من بين أسنانه: "أولاً أنتِ عارفة موضوع زميل ده مرفوضة بالنسبالي وكان لازم تحترمي رأيي ومع ذلك ولا عملتي اعتبار لكلامي وكمان بيتصل بيكِ." "ثانياً إزاي تطلبي من حد أي خدمة أو طلب وأنا موجود وكمان أكون آخر من يعلم." "ثالثاً رديتي عليا واستفزتيني وكمان رفعتي إيدك عليا وأنتِ عارفة إن عصبي بتجننيني."

اجتاح الألم كل شبر بها وامتزج بتماوج الغضب بداخلها من كلماته وتبريره أنه لم يخطئ، لذا بالرغم من عدم قدرتها على الكلام، إلا أنها تحاملت على نفسها وتحدثت بحدة: "أنت مصدق نفسك في اللي بتقوله ولا أنت بتبرر عدم ثقتك وشكك فيا بأي كلام وخلاص؟ ومع ذلك أنا هرد عليك... بالنسبة لزميل ده شيء عادي والمفروض إنك واثق فيا وفي أخلاقي وقولت سبب اتصاله." "ثانياً أنت عارف كويس أوي حساسية علاقتك بعيلتي، يعني استحالة أطلب منك حاجة تخصهم."

"ثالثاً موضوع إني استفزيتك، كنت متوقع مني أسكت؟ وأنا كنت عملت إيه أصلاً عشان تقولي ياعالم بتعملي إيه من ورا ضهري... أكيد كان لازم أرد لما ألاقيك بتهيني بالطريقة دي. وأنت نفسك قلت لو مكنتش حامل كنت أدتيني بدل القلم عشرة، يعني عندك استعداد تمد إيدك عليا؟ هتف بانفعال وهو يهز رأسه: "لا ياسيرين ده كان كلام لحظة غضب... وكل اللي قلته كان غيرة مش أكتر ولا كنت قاصد أهينك أو أتهمك."

"وموضوع حساسية مامتك، جايز عندك حق من وجهة نظرك، بس أنا استحالة تطلبي مني حاجة ومعملهاش مهما كانت... أنتِ شفتي إني مستحملتش زعلك يوم ما هشام سلم نفسه ومهما كنت مصمم على رأيي وقراري مقدرتش على زعلك وجيت على نفسي وتنازلت عن حقي وفضلتلك أنتِ مع إني كنت مستحيل أعملها وأسامحه بعد غدره بي."

تسارعت أنفاسها وامتقع وجهها بالألم ما إن تطرق مجدداً لتلك الحلقة التي دوماً تلف حول عنقها لتخنقها وتجعلها تدفع ثمن ذنب لم تقترفه. أظلمت عيناها وداهمها الغثيان بقوة ليتفاجيء بها تركض إلى الحمام. "سيرينا... أسرع خلفها بقلق شديد. بينما جثت سرين على الأرضية الرخامية الباردة وانهارت باكية من كل ما تمر به. ليتمزق نياط قلبه ويؤلمه وجعها وبكاؤها بتلك الطريقة. فهي حامل ولا تستطيع احتمال كل هذا الضغط العصبي.

استندت بيدها إلى الحائط وفتحت المياه الباردة تغسل وجهها تحاول إيقاف شلال دموعها المنساب. لا تعرف أيهما يؤلمها أكثر، وجع قلبها أم جسدها؟ برفق وحنان أحاط بخصرها وكتفيها بيده ومد يديه ليغسل وجهها. جفف وجهها برفق وانحنى يحملها متجاهلاً لكماتها لصدره بينما تقول بصوت باكي: "ملكش دعوة بيا... ابعد عني، كل ده بسببك."

غابت بنوبة بكاء بينما يزداد ألمها الذي يجتاح كل شبر بجسدها ولا تعرف سببه. ليضمها إليه برفق شديد متحمل ضربها لصدره هامساً: "شششش بس متعيطيش... دفنت رأسها بصدره تبكي منه له... تشكو قسوته لحنانه، تشكو غضبه لرفقه ولينه، تشكو نيرانه لجنته. فكم حبه غابة مظلمة لا تخطو بها خطوة دون أن تتوه بمتاهته. وضعها على طرف الفراش برفق ورفع وجهها إليه وجفف دموعها بحنان قائلاً: "حقك عليا، متزعليش مني." قالت بوهن:

"أنت على طول ظالمني وأنا مش هسامحك أبداً." ضمها إليه متجاهلاً يدها التي تبعده عنها لتطوقها يداه بينما يقول بهدوء بعد أن هدأت قليلاً: "... سيرين.... حبيبتي.... أنا بحبك وبموت فيكي لدرجة أنتِ مش ممكن تتخيليها... أمسك ذقنها برفق لينظر إلى عيونها ويكمل: "سيرين أنا جايز عصبي مجنون والغيرة بتعميني بس ده من حبي فيكي... أنا عمري ما كنت كده ولا عمري حسيت بنار الغيرة دي قبل كده...

حتى معاها عمري ما فكرت أصلاً ولا حسيت باللي بحسه معاكي... كانت بتخرج وبتلبس وبتحضر معايا حفلات ومكنتش بهتم إلا لشكلِ كراجل مش أكتر. إنما معاكي أنتِ حاجة تانية... بغير عليكي من الهوا... بتجنن وبفقد أعصابي لأقل حاجة... بصة طارق ليكي أنا لسه فاكرها وبتحرق كل ما افتكر إن راجل تاني بص لك... ابن خالتك بموت وأنا بتخيل إنه بيفكر فيكي وعندي استعداد أخنقه من غير تفكير لو بس قرب منك...

ذبلت زيتونتا عيونها بينما نظر إليها بعينيه التي اجتاحتها فوران مشاعره وهو يكمل: "أنا مش ناسي أبداً إني اتجوزتك غصب عنك يعني أنا اتفرضت عليكي وعلى حياتك... اضطريتي تبقي مراتي وتعيشي معايا... أنتِ مختارتنيش بإرادتك وأنا خايف تندمي وتسبيني في يوم من الأيام." عقدت حاجبيها وهتفت باستنكار: "أنت إزاي تقول كده... أنا لو مكنتش عاوزاك مكنش فيه حاجة في الدنيا تجبرني أعيش معاك لحظة." نظر إلى عيونها راجياً: "يعني بتحبيني؟ قالت

وهي تبعد عيناها عن عيناه: "أنت عارف." "محتاج أتأكد إنك عمرك ما هتسبيني... غص صوته بينما قال: "سيرين حتى لو خسرت كل حاجة في الدنيا أنا معنديش استعداد أخسرك." نظرت إليه باستفهام: "ليه بتقول كده... إيه اللي يخليني أسيبك؟ نظرت إليه وتابعت بجدية: "حمزة أنت هتفضل في دايرة الشك دي وهتدمر علاقتنا." أومأ لها قائلاً بصدق: "عندك حق... بس غصب عني اللي عيشته." قاطعته قائلة: "اللي عيشته مكنش معايا، ماليش ذنب عشان أدفع تمنه."

جذبها إلى صدره ومرر يديه برفق على ظهرها بينما يقول: "عندك حق.. أنا آسف ياسيرين سامحيني.... وعد مني إن دي آخر مرة أزعلك." قاطعته بوهن وهي تبتعد عن صدره: "... متوعدنيش." نظر إليها لتقول: "أنت وعدتني قبل كده كتير... لسه من كام أسبوع وعدتني وكررت غلطتك وقبلها وقبلها." هتف ليوقفها: "سيرين متضغطيش عليا." هزت رأسها بشجن وتعب: "مش بضغط عليك..... أنا بقول الحقيقة.... مينفعش نعيش مع بعض وأنت مش واثق فيا." قال بإصرار:

"أنا بثق فيكي ياسيرين.... قولتلك بغير." "تغير بعقلك؟ هتفت باستنكار حاد: "هو فيه عقل في الغيرة؟ أومأت له: "أه... لازم تحكم عقلك عشان أنا تعبت من عصبيتك اللي ملهاش داعي." بعد أن هدأت الأمور قليلاً قبل لحظات عادت نبرتهم لتحتد مجدداً بينما هتف بانفعال: "يبقى قدري عصبيتي وراعي غيرتي ياسيرين ومش هتحصل بينا أي مشاكل."

رفعت حاجبيها منه بحنق، فهو لن يتغير ويلقي باللوم كله عليها. هو يغار بجنون وهي يجب أن تقدر جنونه، هذا هو ملخص ما حدث. إذن فكل ما تحدثا به هباء مادام ما زال مصمماً أن هذا هو الأمر: غيرة وعليها احترامها. زمّت شفتيها وهي تضغط بيدها على بطنها بألم قائلة: "خلصت." عقد حاجبيه باستفهام لتكرر وهي تضغط على شفتيها حتى لا تتوجع أمامه: "لو خلصت كلامك... لو سمحت قوم نام على الأرض عشان أنا تعبت وعايزة أنام."

كلماتها الهبت أعصابه الثائرة مجدداً، ولكنها أغمضت عيناها بقوة تحاول السيطرة على انفعاله وهو يقول من بين أسنانه: "برضه... شاحت بوجهها دون قول شيء ليقول: "أنا فهمتك سبب عصبيتي." هتفت ببرود: "وأنا سمعتك بس حالياً مش مسامحاك ولا طايقاك." "يعني مصممة؟ قالت بعناد: "لغاية ما تعترف إنك غلطان." أغمضت عيناها بسرعة واجفلت من صوت تنفسه العالي الغاضب والذي كاد يحرقها من سخونة أنفاسه التي لفحت وجهها، بينما تبرطم بحنق:

"ماشي ياسيرين براحتك.... قام من جوارها وسحب بحنق علبة سجائره وخرج إلى الشرفة يخرج غضبه بأنفاس سيجارته التي تحترق كما تحترق أعصابه. يالها من عنيدة متمرّدة. لا ينكر أنه يعشق طبعها الثائر الذي يميزها بسحر غريب لا يفهمه جعله يغرق بعشقها حتى أذنيه، ولكنها لا تدري أنه بالرغم من عشقه لها ولهذا العناد الذي يميزها، إلا أن ما تدفعه إليه من جنون أفعالها لا يطاق ويدفعه إلى حافة الجنون.

لم ينم طوال الليل وكان واضح من ملامح وجهه المتجهمة في الصباح مقدار سوء ليلته التي قضاها يدخن بشراهة حتى خيوط الفجر الأولى. التعت نبيلة لرؤيته بتلك الحالة في الصباح وقد كان حرفياً يخنق الهواء الذي يتنفسه. قالت بهدوء وهي تتطلع إليه: "صباح الخير يا ولدي." قال باقتضاب: "صباح الخير يا حاجة." قطبت جبينها بينما ترى الغضب الذي يجتاح ملامحه: "مالك يا حمزة... أنتوا اتخانقتوا تاني؟ شاح بوجهه وزفر دون قول شيء لتمسك بيده قائلة:

"... طيب تعالي اقعد واحكيلي اللي حصل." هز رأسه: "لا أنا نازل." "رايح فين بدري كده يا ولدي؟ "رايح الشغل." تفت بامتعاض: "من غير فطار؟ قال باقتضاب: "ماليش نفس." هزت رأسها: "لا مينفعش... تعالي بس اهدي وأنا هجهز الفطار نفطر كلنا سوا." استدار بنفس لحظة خروج سيرين من غرفتها، والتي لا تعلم كيف وافقت شيطان عنادها على تلك الخطوة لتسكب بنزين على النيران. قالت نبيلة: "صباح الخير يا بنتي." نظر حمزة إلى سيرين التي قالت

بابتسامة باهتة لنبيلة: "صباح الخير يا ماما نبيلة." تشعر بالغضب منه ومن عناده وقررت أنها ليست من ستجلس وتبكي، بل ستعاند وتتمرد. اختفت ملامح وجهه الساكنة وحل محلها استفهام مهدد بالشر، بينما يسألها وقد رآها ارتدت ملابسها: "أنتِ رايحة فين؟ قالت ببرود: "رايحة شغلي." رأت نبيلة السماء ترعد وتبرق مهددة بعاصفة هوجاء ستهب من الكلمات التي نطقت بها سيرين. حاول التمسك بأعصابه بينما قال بهدوء خدعها:

"أعتقد أننا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده." قالت بعدائية: "اسمها أنت قلت، مش اتكلمنا." قال بجمود: "أي أن يكون... الموضوع انتهى ياسيرين." رشقته بلهيب نظراتها المتمردة: "يعني إيه؟ قال بحزم: "يعني أنا قلت مفيش شغل." تفتت بشراسة: "مفيش حاجة اسمها كده، مش من حقك." قال بحزم: "لا من حقي... أنا جوزك." تدخلت نبيلة: "اهدي بس يا ولدي." قال حمزة بهدوء شديد وهو يضغط على حروفه: "أنا هادي وبتكلم براحة... شغل مفيش...

خروج من البيت من غيري مفيش." احتقن وجهها بالغضب من هيمنته الكاملة بإصدار فرمانات أوامر التي يستحيل أن تقبل بها لتقول بعداء: "والمفروض إن العبدة اللي اشتراها توافق." نظر إليها بلهيب مستعر لتتدخل نبيلة سريعاً تحاول قول أي شيء تهدئ به الوضع وكلاهما يتناقران كالديوك: "لا يابنتي عبدة إيه بس... هو حمزة خايف عليكي... أنتِ حامل ولازم ترتاحي ده اللي قصده."

نظرت إلى نبيلة لا تنفي كلام نبيلة أن كان سيهدئ نوبة جنونها، فلا بأس، فلتع تعتبر قراره خوفاً عليها لا يمانع، فذلك أسلم لها من إثارة أعصابه. نظرت لنبيلة بعتاب... وهل هي طفلة لتخدعها بسبب واهٍ؟ بينما رفعت عيناها الشرسة إليه قائلة: "أنا مش تعبانة وكويسة ومش هسمحلك تتحكم فيا وتضايقني وتضغط عليا بالطريقة دي." قال ببرود قاتل: "لو شايفة حبي وغيرتي عليكي ضغط يبقى اتعودي.....

قراري نهائي ياسيرين ولو انطبقت السما على الأرض مش هرجع في كلمة منها." احتدت ملامحها بقوة وتجاهلت كل الإنذارات التي أرسلها لها عقلها وحتى جسدها المنهك لتهتف به بضراوة: "يبقى شوف واحدة تانية غيري اتحكم فيها وشك فيها واحبسها براحتك لآني مش هقبل بفرمانات سيادتك." اتسعت عيون نبيلة بهلع لتوقفها: "إيه اللي بتقوليه يابنتي؟ زادت من سكب البنزين على النيران وهي تهتف بعنفوان: "اللي سمعته.....

أنا مش هقعد في بيته ده تاني، يشوف واحدة غيري يخرسها فيه، إنما أنا ماشية من البيت ده." حسناً، بالرغم من اقتناعها بموقفها ورفضها التام لإخضاعه لها بتلك الطريقة، إلا أنها ترتجف من تلك النظرات التي ارتسمت بعينيه، وبالرغم من أنها أضرمت النيران بعقله وقلبه، إلا أنها تفاجأت بصوته يخرج هادئاً ولكنه مبطن بالتحذير الشرس الذي يسري بعروقه: "لو رجلك عتبت برا البيت ياسيرين هتكرهيني من اللي هعمله فيكي.... زجرته نبيلة: "بس ياحمزة."

تسارعت أنفاسها لتهتف بنبيلة: "شايفه بيهددني إزاي؟ قالت نبيلة وهي تمسك بكتفها: "لا يابنتي ميقصدش.... اهدي يابنتي وكفاية كده." هزت سيرين رأسها وقد هب مارد عنادها ووقف بعقلها يثور لتزمجر بعصبية: "مش كفاية.... من أول ما اتجوزنا وهو كل حاجة عصبية وأوامر وتحكم وغيرة وشك وعدم ثقة وإهانة." استعرت نبرته بالرغم من هدوئها بينما قال بتأنيب: "هو ده بس اللي فكراه ليا من وقت ما اتجوزنا؟

بالرغم من رفض عقلها وقلبها للنطق وإنكار الحب والسعادة التي عاشتها برفقته، إلا أن العناد تملك منها وسيطر على لسانها الذي انفلت منها باندفاع ونطق: "أه، ومتنساش أصلاً إنك اتجوزتني غصب عني." رشقه بسهم غاشم مسموم بتلك الكلمات التي لم تعنيها أبداً... فقط أرادت أن تجرحه بأي كلمة، فهو للتو بالأمس أخبرها بسبب غيرته المجنونة عليها وها هي تنهشه به. أمسكت نبيلة بيدها تبعدها من أمامه تهتف بانفعال:

"بس بقي كفاية محدش فيكم يقول أي كلمة تانية.... ادخلي أوضتك." ندمت لما تفوهت به، ولكن شبح العناد سيطر على عقلها في تلك اللحظة. قالت نبيلة لحمزة: "حمزة يا ولدي روح شغلك ولما تهدي ابقوا اتكلموا."

استصعب خروج كلمة من جوفه المحترق، فلو نطق الآن سيؤلمها بحق. حبه وتملكه وغيرته وحش ضارٍ وها هي فكت أسر هذا الوحش بسم لسانها. إن كانت تخبره أنه يمتلكها غصباً وقوة، فهو سيريها كيف يمتلكها بقوة ستحطم عظامها وتجعلها لا ترى بالرجال سواه. حمد لله كثيراً على وجود جدته، وإلا لكانت انفلتت حمم غضبه عليها وأحرقت كليهما. بعد ذهابه هتفت بها نبيلة بعتاب: "ميصحش أبداً اللي عملتيه يابنتي.... قالت بعناد: "وهو اللي عمله عادي؟

هزت نبيلة رأسها: "مش عادي إنكم تناطحوا بعض بالطريقة دي... شايفاه اتعصب تسكتي مؤقتاً لغاية ما يهدي." ربتت على كتفها وتابعت بأمومة: "يابنتي، جوزك عصبي وأنتِ بتعصبيه زيادة لما بتردي الكلمة بكلمتها." هزت قدمها بانفعال: "وأنا المطلوب مني أعمل إيه وهو بيتعامل معايا كده... خلاص مخلّاش فيا أي عقل أفكر بيه." "بيحبك وبيغير عليكي.... استهدي بربنا وقومي خدي دوش واهدي كده." أخرج حمزة القليل من غضبه بتلك القيادة السريعة المتهورة

وهو يتذكر كلماتها: ألا ينسى كيف تزوجها غصب. هل تهدده بالخروج من حياته وتتوقع منه العقل والهدوء؟ ألم يخبرها بالأمس أنه يغار بجنون؟ ألم تكن تحبه لتأتي اليوم تخبره ألا ينسى كيف تزوجها. تختصر حياتها وحبه له بأوامر وشك وإهانة. ألم ترَ منه إلا هذا؟ إلى هذا الدرجة كان مقصراً بحبها فلم يستطع أن ينسيها آثامه الماضية.

ما إن وصلت الفتيات حتى استغلت نبيلة الفرصة لتتركها برفقتهم لتهدأ وتذهب لحمزة الذي تأكل قلبها قلقاً عليه منذ خروجه بتلك الطريقة وأيضاً لا يجيب على هاتفه. قالت ريحان بلؤم وهي ترى تغير ملامح سيرين ونبيلة منذ قدومها: "مالك ياسيرين؟ قالت بشجن: "مفيش." "مفيش إزاي..... ده أنتِ شكلك مش طبيعي... نظرت إليها وتابعت بلؤم: "أنتِ متخانقة مع حمزة.... صمتت لحظة بعدها اندفعت بدموع تخبرها هي وسارة بما حدث. لتقطب سارة جبينها بتأثر،

بينما قالت ريحان بخبث: "وهو مين كان بيتصل بيكي؟ مين ممدوح ده؟ قالت سيرين بعدم اكتراث: "واحد زميلي في الشغل." هزت ريحان رأسها: "مممم زميل." "أيوة والموضوع مكانش مستاهل كل اللي عمله." قالت سارة تحاول تهدئتها: "معلش ياسيرين هو تلاقيها لحظة انفعال... كنتِ فهمتيه براحة." قالت بقله حيلة: "وهو أداني فرصة." "معلش هو بس تلاقيه بيغير شوية... ده من حبه ليكي." قالت ريحان بامتعاض تقصده لإثارة غضب سيرين عكس

سارة التي حاولت تهدئتها: "إيه اللي بتقوليه ده... لحظة انفعال إيه؟ وغيرة إيه؟ وحب إيه؟ لا طبعاً مالوش حق ده بيشك فيها." زجرته سارة بنظراتها لتتجاهلها ريحان وتبدأ باستغلال الوضع: "ده لو عايش عندنا مش هيعمل كده... إيه التحكم ده... ده ناقص يربط رجلها في بيته." هتفت بها سارة بحدة: "ريحان." هزت كتفها بتأثر زائف: "وأنا قلت إيه... أنا زعلانة عشانها.... ومش عاجبني اللي بيعمله معاها....

بصراحة مالوش أي سبب ولا تبرير غير إنه مش واثق فيها." زجرته سارة بغضب: "بس ياريحان إيه اللي بتقوليه ده." "سيرين متسمعيش اللي بتقوله." قالت ريحان بلؤم: "أنا آسفة ياسيرين مقصدش.. بس... بس.. إحنا طبعاً عارفين الموضوع وعارفين إن مالكيش ذنب... بس واضح إن حمزة شايف إن ليكي ذنب ولو ماخدتيش موقف منه هيفضل طول الوقت يتعامل معاكي كده." هتفت لها سارة بحدة: "بس بقي ياريحان.... إيه اللي بتقوليه ده." "سيرين متسمعيش اللي بتقوله."

قامت سيرين من مكانها واتجهت إلى غرفتها قائلة بشرود وأسى: "عندها حق ياسارة." التفتت سارة إلى ريحان بغضب بعد ذهاب شيرين لغرفتها: "أنتِ غبية... إيه اللي عملتيه؟ قالت ريحان ببرءاه: "وأنا عملت إيه؟ قالت سارة باتهام: "بتصطادي في الميه العكرة." هزت كتفها ببرود: "أنا ولا عملت حاجة.. أنا قلت رأيي.... أنتِ اللي مش شايفة ولا إيه هو لو بيثق فيها كان عمل كده." "بيغير يامتخلفة." قالت بابتسامة خبيثة: "مش باين." هتفت بها سارة بغضب:

"منك لله بدل ما تهديها تسخنيها عليه كده." بالفعل استطاعت ريحان القضاء على أي ذرة تعقل لدى سيرين التي كما اعتادها مندفع، شرسة لا تقبل بأن يتحكم بها أحد. دفعته بشماتة كلماتها لأخذها من بيتها عنوة وفعل بها الأفاعيل لإثارتها غضبه بتحديها له. تفاجيء حمزة بنبيلة تدخل إلى مكتبه. "إيه يا حاجة خير في إيه؟ قالت بحنان وهي تنظر لملامح وجهه المرهقة والمستنزفة: "مفيش يا حبيبي جيت أطمن عليك." "أنا كويسة."

أجلسها على الأريكة الجلدية الأنيقة بجانب مكتبه لتمسك بيده تجلسه بجوارها: "تعالي يا ولدي نتكلم براحة." تحدثت معه تحاول تهدئة الوضع بينه وبين زوجته لتكمل: "يا ولدي البنت طيبة وغلبانة أنت بتقسي عليها جامد.... وراسك يابس معاها... أنا كلمتك قبل كده وقلتلك خدها بالمسايسة." هز كتفه قائلاً بامتعاض وخشونة: "وأعمل إيه... اتجننت وخلاص كان لازم هي تفهم كده مش تستفزني بالطريقة دي....

تحمد ربنا إني سكتت على كل العند والتحدي اللي وقفت تكلمني بيهم." قالت نبيلة برفق: "ماهي فاهمة يا ولدي.... بس أنت عارف إن مراتك مش واحدة عادية هتسمع وتسكت... أهي ردت بكلمتين لحظة غضب لما منعتها من الشغل والخروج من غير سبب... ويكون في علمك أنا مش معاك في اللي عملته.... أنا دايماً بقف لخالك لما يقسي على بناته وياما وقفت لجدك لما قال للبنات كفاية تعليم...

يا ولدي أنت عندك حق تغير على مراتك وهي كمان ليها حق متحسش إنها من غير رأي قدام جوزها... إيه النكد والمشاكل من غير داعي..... لازم كل واحد فيكم يفهم طبع التاني ويحاول يتطبع عليه واللي يقدر يجي على نفسه يجي عشان المركب تمشي..... كنت أقدر أقعد جنبها وهي بتكلم الجدع زميلها وأعرف في إيه ولو في حاجة مش عاجباك اتكلم براحة معاها." رفع حاجبه باستنكار: "لا والله." هتفت نبيلة بامتعاض: "وفيها إيه يا حمزة؟ صاح بحدة:

"فيها إن أنا مستحملش حاجة زي دي واللي يكلمها أقطع لسانه." اتسعت عيون نبيلة بعدم تصديق ليكمل بخشونة: "تكلم راجل تاني ليه أصلاً.... لما ربنا ياخدني تبقي تطلب من غيري." قالت بلهفة: "بعد الشر عليك يا ابني... لية بس الكلام ده." هز رأسه بعناد: "أهو أنا كده... نصيبها وقدرها الأسود وقعها فيا تستحمل بقية." هزت رأسها: "ماهي مستحملة.... بس مش كده برضه يا حمزة... أنت من ناحيتك اتنزل حبة وهي حبة... أنت مش بتحبها؟

أشاح بعينيه قائلاً: "ما أنتي عارفة إني بحبها." "يبقى زعلها ميهونش عليك.... البنت حامل وربنا العالم تعب الحمل مبرجلها إزاي لازم تقدر ده كويس." نظرت إليها سارة بدهشة: "إيه ده ياسيرين؟ أنتِ خارجة؟ أومأت لها سيرين: "أه." قالت سارة باستفهام: "يعني رايحة فين؟ قالت سيرين التي تمرد شيطانها وقررت كسر كلماته وتتحداه بجراءة تجهل ثمنها. حاولت سارة إثناءها عن رأيها: "بس ياسيرين بلاش تخرجي أنتِ كده بتستفزيه."

هزت كتفها بعدم اكتراث لتقول ريحان بخبث شديد وبداخلها يرقص فرحاً، فها هي الأوضاع مشتعلة دون أدنى مجهود كأنها أتت الرياح بما تشتهي سفنها التي تسعى للخراب. حاولت سارة إيقافها بيأس: "يعني هتروحي فين طيب؟ استني أجي معاكي." "لا." أسرعت سارة لهاتفها... لتوقفها ريحان: "هتعملي إيه؟ "هاتصل بتيتة تيجي تشوف المصيبة دي." قالت ريحان ببرود: "مصيبة إيه؟ صاحت بها سارة بغضب: "إيه البرود اللي أنتِ فيه ده....

أنتِ عارفة لو حمزة عرف إنها خرجت هيعمل إيه؟ هزت كتفها بعدم اكتراث: "مشكلتها هي..... وإحنا مالنا." دفعتها سارة من أمامها قائلة: "أوعي كده... أنتِ إيه يا شيخة.... شيطانة." ابتسمت له نبيلة قائلة: "أنت الراجل يا ولدي وأنت اللي في إيدك تهدي الأمور بينكم." أومأ لها لتربت على يده: "ربنا يهدي سركم يا حمزة." تعالي رنين هاتف نبيلة لتجد صوت سارة الملهوف: "أنتِ فين يا تيتة؟ قالت نبيلة بقلق: "مالك ياسارة في حاجة؟ قالت سارة بتوتر:

"الحقِ يا تيتة سيرين خرجت." اخفت نبيلة تغيير ملامحها التي انصدمت بينما تقول بهدوء: "متقلقيش ياسارة أنا عند حمزة وراجعة على طول." سألها حمزة بقلق: "في حاجة يا حاجة؟ هزت رأسها تخفي ارتباكها، فشئ كهذا لا يجب أن يعلمه حمزة أبداً لتقول: "لا أبداً يا ولدي... دول البنات بس بيطمنوا عليا..... أنا أصلي نزلت وراك من غير ما أقوله." أومأ لها قائلاً: "طيب يلا أوصلك." هزت رأسها بسرعة: "لا خليك أنت في شغلك... أنا معايا السواقة."

هز رأسه: "لا خلي السواق يرجع وأنا هروح معاكي..... وأهو أحاول أتكلم معاها وأصالحها." هزت نبيلة رأسها بارتباك واضح: "لا... لا أنت خليك في شغلك... أهو تهدي على الآخر وبليل لما ترجع تصالحها." رفع حمزة حاجبه: "في إيه يا حاجة. ده أنتِ بقالك ساعتين بتقنعيني أروح أصالحها دلوقتي تقوليلي لما ترجع؟ أومأت له بتوتر: "أه... قصدي... يعني أنا هروح الأول أهديها هي كمان بكلمتين وأهو لما ترجع تكون الأمور هديت."

نظر إليها بعدم اقتناع لتقول نبيلة بمرح من بين توتر أعصابها، فأن عاد حمزة برفقتها الآن سيجد أن سيرين خرجت دون علمه وستقوم القيامة: "وبعدين أنا هعملك حمام تاكل صوابعك وراه لما ترجع على العشا." ضحك حمزة ليرفع يديها إلى شفتيه يقبلها بحنان، فقد عوضه الزمن عن غياب أمه وعوضه بجدته الحنونة: "تسلم إيدك يا حاجة.... بس متتعبيش نفسك." هزت رأسها بحنان وهي تربت على رأسه: "تعبك راحة."

تنفست نبيلة الصعداء بينما فتح لها عواد باب السيارة لينطلق بها عائداً إلى منزل حمزة. ما إن دخلت المنزل حتى هتفت بسارة وريحان بحدة: "أنتم إزاي تسيبوها تخرج؟ قالت ريحان ببرود: "أهو اللي حصل يا تيتة... هنحبسها يعني؟ "اسكتي انتي ياريحان." "والله ياتيته حاولت أقنعها بس هي صممت." "وفجأة كده نزلت." هزت سارة رأسها ونظرت إلى ريحان بغل: "لا ياتيته.... بصراحة الغبية دي قعدت تشعللها لغاية ما راحت قامت وخرجت." وكزتها

ريحان بجانبها قائلة: "وأنا مالي بقى يا ست سارة..... إحنا كنا بنكلمها عادي وبنحاول نهديها لما حكت الخناقة بتاعتها هي وحمزة." نظرت سارة بغضب إلى كذبها وصاحت: "كذابة... أنتِ مكنتيش بتهديها." التفتت ريحان لسارة: "أنتِ هتحمليني أنا الذنب ليه وأنا مالي وهي عيلة صغيرة..... هو أنا قلت لها كسري كلام جوزك." هتفت بهم نبيلة بغضب ونفاذ صبر: "اخرسوا انتوا الاتنين واختفوا من قدامي." فركت يدها بتوتر تنظر في الساعة وهي تقول برجاء:

"يارب.... يارب عدّيها على خير. لو عرف إنها خرجت مش هيسكت..... ليه بس كده ياسيرين.... "يارب." جلست نبيلة تدعو أن تعود سيرين قبل عودته وليس بيدها شيء تفعله سوى الدعاء، فلا يوجد هاتف مع سيرين لتتصل بها ولا تعرف أين هي لتذهب إليها. تماوجت الأسئلة وعصفت برأسها. أتكون تركت المنزل؟ إنها حتى لا تعرف منزل عائلة سيرين لتذهب إليهم تسألهم عنها. سألتها سلمى بينما ترى صمتها منذ أن خرجت برفقها: "إيه يابنتي مش ناوية تفهميني مالك؟

قالت سيرين: "مفيش ياسلمى زهقت قلت نخرج." "فجأة كده." هزت كتفها: "وفيها إيه." أومأت لها سلمى قائلة: "طيب أنتِ شكلك متغير.... احكيلي مالك." قالت سيدرا بدلال: "زعلانة منك يا عزام بيه." قال عزام: "ليه بس ياقمر؟ قالت باغواء: "يعني أكون تبع عزام بيه الصاوي ويتطلب مني ضمانات؟ ضحكت عالياً وهو يقول: "وهي ضمانات البنك فيها تبع مين؟ قامت لتتجه ناحيته وتميل عليه بدلال: "طبعاً لما أكون تبع عزام بيه الصاوي، متعاملش زيي زي أي حد."

هز رأسه وارتجع ظهره للخلف يتأمل جمالها الأخاذ قائلاً بتمهل: "لا ياحبيبتي أنتِ لسه صغيرة في السوق..... كله بتمنه. وضمانات البنك أما تكون ضمانات أو فلوس." نظرت إليه باستفهام: "يعني إيه؟ نظر بتمهل إليها يرى المكر والطمع بعيونها: "يعني قرض بـ 200 مليون هتدفعي فيه 10 مليون من غير ضمانات للي يسهلك القرض." تحاول اغواءه والحصول على أكبر فائدة منه، ولكن ليس عليها أن تكشف مقدار طمعها كله أمامه حتى لا يخشاها. هزت رأسها بتفكير:

"طيب ماتضمن أنت." ضحك قائلاً: "ياريت أقدر.... بس مينفعش." "أنت بخيل أوي يا عزام بيه." أشار لنفسه: "أنا برضه.... ده التوكيل اللي بتحلمي بيه هيتمضي خلال أسبوع ومن غير أي مليم.. يبقى أنا بخيل؟ نظرت إلى الخاتم الألماس الذي أهداه لها قائلة بدلال: "بصراحة لا.. مش بخيل خالص ياعزام بيه." ضحك قائلاً: "إيه موضوع عزام بيه دي.... إحنا مش اتفقنا خلاص هنبقى واحد قريباً." أومأت له وهي تسبل أهدابها برقة: "أكيد." أومأ لها قائلاً:

"يبقى يلا بسرعة خلصي موضوع القرض ده عشان نتجوز ونمضي عقد التوكيل في نفس اليوم." أومأت له بابتسامة تحلم باليوم الذي ستتزوج به عزام الصاوي وتكون شريكته لتقول بحماس: "طيب أنا عندي وديعة بـ 150 مليون." نظر إليها بطرف عيناه: "وديعة بالمبلغ ده ومخبياها؟ هزت كتفها: "الزمن.... لازم أأمن نفسي." "طيب هايل أنا هكلم مراد البنهاوي مدير البنك عشان يخلص الإجراءات بضمان الشركة والوديعة." "والشركة كمان..؟ أومأ لها قائلاً:

"متقلقيش ياروحي... في نفس اليوم هيكون في حسابك أنتِ وجمال بيه 200 مليون." هزت رأسها: "جمال لا." قطب جبينه باستفهام: "يعني إيه؟ وضعت يدها فوق الأخرى قائلة بمكر شيطاني: "يعني جمال كفاية عليه أوي كده.... ضيق عيناه قائلاً: "بس ده شريك معاكي ونص القرض باسمه." قامت ناحيته ومالت عليه باغواء: "آه.... بس أنا بقى عاوزاك تخلي مدير البنك يحط كل الفلوس في حسابي أنا." "وجمال نقوله إيه؟ مررت يدها برقة على صدره:

"نقوله أي حاجة مؤقتاً.... وبعدين أنا لازم أعمل كده عشان أأمن نفسي... افرض أخد فلوس القرض ومسددهاش.. الشركة بتاعتي يتحجز عليها." هز رأسه وانساق إلى اغواءها قائلاً: "لا طبعاً ياحياتي.... لازم تأمني نفسك." أومأت له بثقة وقالت: "المهم نمضي الشراكة عشان أنا بأسرع وقت عاوزة أبدأ شغل وأتحكم في الشحنات اللي داخلة لكل الشركات." رفع حاجبه بتساؤل: "وليه بسرعة؟ هزت كتفها: "عادي..... هو مش أنا صاحبة التوكيل.....

عاوزة أتحكم فيهم وأرفع الأسعار." قال بتحذير: "بس خدي بالك أنا متفق مع كتير من الشركات دي." قالت بهدوء: "ده بيزنس.... مفيهوش اتفاقات." ضحك قائلاً: "إحنا كبرنا أهو وبقينا نتكلم في البيزنس." ضحكت بنعومة: "تلميذتك." هلت ملامح سلمى ما إن أخبرتها سيرين بما حدث لتقول بعيون متسعة: "يعني أنتِ خرجتي من ورايا؟ هزت سيرين كتفها تتظاهر بعدم الاكتراث: "من وراه ولا قدامه أنا مش مسجونة." هزت سلمى رأسها بعدم رضى: "لا يا سيرين....

أنتِ طبعاً غلطانة... إيه العناد ده." هتفت بجبين مقطب: "وهو إيه التحكم؟ قالت سلمى بعقلانية: "أي أن يكون... كنتِ تتكلمي معاه ياسيرين مش تخرجي من وراه..... يلا ياسيرين عشان أنتِ لازم تروحي وادعي ربنا تروحي قبل ما يرجع." هزت رأسها: "لا طبعاً أنا عايزاه يعرف إني خرجت وإن كلامه ميمشيش عليا." صاحت سلمى بحزم: "لا يمشي ده جوزك ياسيرين." نظرت إليها وتابعت: "أنتِ مش بتحبيه ياسيرين؟ قالت سيرين: "بحبه أكيد." سألتها سلمى:

"طيب بتعملي كده ليه.... أنتِ كده بتدمرى وبتولعي في حياتكم." "هو اللي بدأ." "هو مش تحدي ياسيرين مين بدأ ومين هيكسب... دي حياتك وسعادتك.... الحياة مش كده ياسيرين. أنا عارفة طبعك بس الست لازم تتفهم وحمزة طيب وحنين وبيحبك أوي وده كلامك أنتِ عنه مش أنا...... بصراحة أنا مش معاكي." أمسكت بحقيبتها وأعطتها لها قائلاً: "يلا قومي هروح معاكي."

لتنكر أنها شعرت بقليل من الندم على تسرعها وانقيادها خلف غضبها منه، وازداد شعورها هذا مع نظرات نبيلة لها الغير راضية ما أن دخلت إلى المنزل. أسرعت نبيلة ناحيتها ما إن فتحت الباب بينما ارتسمت خيبة الأمل على وجه ريحان، فكم تمنت أن يعود حمزة قبلها ووقتها بلا تردد ربما كان يطلقها. قالت نبيلة بنبرة غير راضية: "كنتي فين يابنتي؟ قالت سيرين وهي تضع تلك الأكياس التي اشترتها من يدها: "خرجت ياماما نبيلة....

كنت عايزة أشتري شوية حاجة." قالت نبيلة بحزم: "مش جوزك منبه عليكي متخرجيش من غيره." صمتت سيرين. لتتابع نبيلة بتأنيب: "أنتِ عارفة لو حمزة عرف إنك خرجتي هيعمل إيه؟ قالت بجراءة زائفة: "يعمل اللي اللي يعمله أنا معملتش حاجة غلط كنت بشتري هدوم للحمل وتليفون جديد بل اللي كسره." هتفت نبيلة بقليل من الحدة: "عملتي حاجة غلط لما خرجتي من وراه." قالت ريحان بخبث: "٠على فكرة ياتيته هو مالوش حق أصلاً يمنعها تخرج." قالت نبيلة بغضب:

"متدخليش انتي." أمسكت بها سارة: "بس ياريحان سيبي تيته تتكلم مع سيرين." سحبت نبيلة نفس مطولاً بينما قالت: "اسمعي يابنتي... أنا مش بتحكم فيكي ولا بقول الكلام ده عشان حمزة حفيدي، أنا بقول الحق..... أه هو غلط بس أنتِ كمان غلطتي ومالكيش حق أبداً تعاندي معاه..... أه هو غلط وضايقك بس هو راجل ومش أي راجل... ده راجلك وله كلمة عليكي ولازم تسمعيها. أنا بحبك زيه بالظبط وعشان كده بقولك الكلام ده...

وعشان بحبك أنا مش هقوله إنك خرجتي وربنا يسامحني إن هخبي عليه بس أنا خايفة على البيت ده... اللي ممكن في لحظة غضب وعند بينكم يتهد..... الست لازم تحافظ على بيتها وجوزها." "حمزة قالك عذره.. قالك إنه بيغير وبيتعصب." أومأت لها وتابعت: "أه مالوش حق بس أنتِ مراته ستره وغطاه وسره.... أنتِ اللي بينام في حضنك ولازم تفهميه تشوفي إيه يريحه وتعمليه هتلاقيه هو كمان بيريحك....

اختاري الوقت المناسب وكلميه في اللي مضايقكمش تقفي الكلمة بالكلمة يابنتي. أنا كنت أقدر أقعد جنبها وهي بتكلم الجدع زميلها وأعرف في إيه ولو في حاجة مش عاجباك اتكلم براحة معاها." صدقت كلمات نبيلة التي أيقظتها برفق من اندفاعها وراء شيطان تمردها الذي جعلها لا ترى كم أخطأت. أنه أخطأ بحقها نعم، ولكن بعد فعلتها أضاعت حقها!

في المساء، اجتاح الندم المؤلم ملامح وجهها وقلبها حينما دخل حمزة إلى الغرفة بابتسامته الحلوة وملامحه الهادئة. بينما بدون مقدمات اتجه حيث كانت جالسة على طرف الفراش تنازع نفسها بكلمات سلمى ونبيلة وتتذكر كيف احتدت عليه هذا الصباح. لينحني حمزة ناحيتها فتتغلغل رائحته الأخاذه بأنفها بينما يقبل رأسها قائلاً بحنان: "متزعليش مني."

ما يفعله الآن حطم كل جسور الشجاعة الزائفة التي تحلت بها، فهو لم يحتمل أن يجافيها أو يغضبه. لم تقو على النظر بعيونه خجلاً من فعلتها. فشعرت به يجلس بجوارها على الفراش لتغمض عيونها، ولكنه سرعان ما كان يميل تجاهها ويمسك بوجهها لتنظر إليه قائلاً بحنان: "مش كفاية خصام بقي ياسيري... إحنا الاتنين غلطنا في حق بعض... بس حقك أنتِ عليا أنا عشان زعلتك بالطريقة دي."

لمعت الدموع بعيونها من نبرته، والتي بعد خطأها نطق بها. لماذا لم يأتي بوجهه غاضب لتريح ضميرها أنها ستخفي عنه خروجها؟ انتبهت من شرودها على ضحكته بينما يضع بجوارها تلك العلبة التي ما إن وقعت عيناها عليها حتى لم تستطع هي الأخرى منع الضحكة التي لاحت على وجهها، ولكنها أخفتها سريعاً وتظاهرت بالجدية وهي تبعد العلبة باقتضاب: "ده التليفون رقم كام دا؟ داعب شعرها بمرح: "متعديش... أهو فرصة أشتريلك كل مرة الأحدث."

غص حلقها، فهي لتغيظه اشترت هاتفاً جديداً وها هو لم ينساها. لحظات وشعرت بيداه تتحرك برقة على كتفها يبعد خصلات شعرها لأحد كتفيها بينما يضع حول عنقها تلك السلسلة الذهبية الخلابة هامساً: "متزعليش مني."

ظلت سيرين صامتة لا تقوى على النطق، فها هو مزيج حمزة المتناقض يغرقها مجدداً بمتاهة غابته. ها هو حنون رقيق يحبها، يعتذر عما بدر منه ليشعرها بذنب قاتل تجاهه، بينما منذ عدة ساعات كانت تتمنى فعل أي شيء يجرحه ويوجعه. لماذا عليه أن يكون الآن بهذا الحنان؟

ما إن أغلق قفل السلسلة حتى تحركت شفتاه برقة يقبل جانب عنقها لترتعش أوصالها أسفل شفتيه وتبتعد عنه لا إرادياً، فهي ضائعة ما بين تناقضاته التي دفعتها بتخريب حياتهم. تشعر بالذنب وتحتقر كذبها عليه، بينما هو فسر بعدها أنها ما زالت غاضبة. أمسك بيدها برقة وقربها إليه بينما مرر أنفه برقة على وجنتها قائلاً بهمس حميمي: "أنتِ عارفة إني بحبك ومقدرش أبعد عنك." وضعت يدها على صدره تبعده وهي تقول بعتاب: "بس بتعرف تزعلني." "آسف."

هتفت بوهن ولوم: "بعد إيه؟ أنت خليتني أضايقك وأقول الكلام." وضع إصبعه برقة على شفتيها يمنعها من قول المزيد: "خلاص ياسيري... قلتلك إحنا الاتنين غلطنا." وضع وجهها بين يديه وتابع بنعومة: "حبيبتي أنا عارف إن طبعي صعب وخصوصاً مع ضغط الشغل الفترة دي عصبيتي زايدة... بس أنتِ حبيبتي ونفسي تتحمليني مش تبعدي عني." لمعت الدموع من عيونها تهتف به من داخلها، لماذا لم يفعل هذا منذ البداية؟ لماذا كان عليه أن يدفعها للجنون والغضب؟

يالله ماذا ستفعل الآن؟ إن أخبرته واعتذرت لن يكتفي وسيثور ويجن جنونه، وإن صمتت ستموت من تأنيب الضمير. تحبه وتعشق حنانه وتفهمه ورومانسيته. تحبه وهو هكذا يحبها ومتفهم لها وقادر على احتوائها، وتكره عصبيته وتحكمه. لطالما ضاعت وسط متاهة غابته التي يلقيها كل مرة بها، وقبل أن تتوه تجد يداه تمسك بها.

أغمضت عيناها بينما أحكمت شفتيه شفتيها بقبلة تواقة تحمل اشتياق وحب كبير شعر به سنوات وليس بضعة أيام. لا تعرف متى ولا كيف استجابت لتلك القبلة التي خطفت أنفاسها قبل أن تضع يديها برفق فوق صدره توقفه عن الاسترسال بجنون عاطفته هامسة: "حمزة... إحنا هنتأخر عليهم." ارتسمت ابتسامة عابثة على جانب شفتيه بينما همس بمكر بجوار أذنها: "الحاجة هتفهم إني بصالحك." غمز وتابع بعبث بينما يحيط خصرها بذراعه يقربها لصدره:

"دي حتى الحاجة عاملالي حمام على العشا النهاردة." اندفعت الحمرة لخدودها ليبتسم برقة لجمالها الذي يعشقه ويسلب أنفاسه ويتابع بمرح: "متعرفش إني بنام على الأرض." أفلتت ضحكتها الناعمة لتنتهي بين شفتيه التي لم تترك أثر شفتيها إلا حد الارتواء من حبها. نظرت نادية إلى سيدرا قائلة: "كل الفرحة دي عشان هيتجوزك عرفي... عرفي... أمّال لو رسمي كنتِ عملتي إيه؟ قالت سيدرا بمكر: "عرفي.. رسمي.. مش فارقة... المهم أبقى على اسمه...

وبعدين يا أمي العزيزة.... أنتِ متعرفنيش مخ بنتي. أنا أه وافقت متجوز عرفي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...