انتزعها حمزة من بين ذراعي والدها ودفعها بقوة علي الأريكة هاتفا بهشام: دي أول خطوة في اللي هعمله فيك أنت وعيلتك. هحسرك على بنتك! اطلع برا، ورجلك متعتبرش بيتي تاني يا حرامي يا واطي، برا! هل ابنته ضاعت منه؟ هل هي من ستدفع ثمن طمعه؟ هل ستكون هي ضحية غدر أختها بينما تتمتع الأخرى بما نهبته دون عقاب؟ لا، لا، لن يترك ابنته أبدًا. بتلك النيران التي لم ترَ منها شيئًا بعد، فحَمزة سينتقم أشد انتقام! قال هشام بتوسل:
حمزة يا ابني، أبوس إيدك بنتي ملهاش ذنب. عض حمزة على أسنانه بقوة حتى كاد يحطمها وهو يصيح بهشام: أنا مش قلتلك أنا مش ابنك يا راجل أنت! أمسك ذراعه بقوة يهتف به: برا بيتي يا واطي يا حرامي، بدل ما أخلص عليك. توسله هشام وقد مزقت سكاكين الذنب قلبه: اعمل اللي انت عاوزه فيا، بس سيب بنتي سيرين ملهاش ذنب في اللي عملته أخته. نظر إليه حمزة باحتقار: يا راجل، على أساس إنك هتخلف ملاك مثلًا؟ هتختلف إيه عن بنتك ال... التانية!
تشتعلت ملامحه بالحقد وهو يناظر هشام بنظرات التشفي، بينما أكمل بخبث: يلا بقى غور في داهية من هنا، عشان عاوز أقعد مع مراتي. مليء الخزي ملامح هشام، بينما يرى نهاية طمعه ومساعدته لابنته على طعن زوجها والغدر به لتدفع تلك البريئة الثمن. احتقن وجهه سيرين بالغضب، ودفعت يداه التي أمسك بها ذراعيها تصيح به: ابعد عني. قال حمزة بوقاحة، قصدها ليهين هشام ويتشفي به: هو في راجل بيبعد عن مراته ليلة دخلته؟ أسرع هشام لينحني أمامه:
أبوس رجلك سيبها، سيرين ملهاش ذنب. دفعه حمزة من أمامه بغل وأمسك بذراع سيرين يسحبها بقوة بعيدًا عن هشام الذي تمسك بها وهو يهتف بتوسل: حرام عليك، أنت جوز أختها! ازداد لهيب الغل والحقد بداخله ما أن استمع لتلك الكلمة والتي ألهمت عقله وهو يزمجر بهشام بعنف، بينما أسرع ناحيته يمسك بتلابيبه: أنت عارف إن بنتك ال... أول ما اتسجنت اتطلقت مني. سخر بمرارة:
وأنا اللي كنت فاكر ده أقصى غدر ممكن تعمله فيا لما واجهتني أزمة. اتاريها مرتبة لكل حاجة. تستغل وجودي في المستشفى، تاخد التوكيل، تبيع لنفسها كل حاجة، تبلغ عني إني سرقت فلوس المستثمرين، يتقبض عليا، تطلب الطلاق مني. اتحمق لكرامتي وأطلقها، تاخد الفلوس وتهرب. وفي الآخر المغفل يكتشف إنها مرتبة كل ده خطوة خطوة ومكانش صدفة.
كلما استرسل بالتحديث عما حدث، كلما ازدادت يداه عنفًا حول عنق هشام الذي احمر وجهه وأصبح يلتقط أنفاسه بصعوبة. أخذت سيرين تلكمه بقوة وتحاول انتزاع يده من حول عنق أبيها، ولكنه كان كالصخرة لا يتزحزح ولا يتحرك. دفعها بيد واحدة بينما الأخرى ما زالت تقبض على عنق هشام وهو يزأر به كالأسد الضاري: بنتك عملت كده بمساعدة مييين غيرك؟ مييين يعرف بفلوس القرض؟
مييين طلع المستندات الغلط للمستثمرين وعرفهم إن الشركة هتفلس وخلاهم يبلغوا عني عشان أتشغل عنها وتقدر تسحب فلوس القرض وتهرب بيهم؟ مييين غيرك اللي لعب في الحسابات عشان معرفش كل ده إلا بعد ما تكون عملت عملتها؟ إيه... أنتوااا شياطين!
هرع زين بسرعة من الخارج بعد أن وقف يتابع انصراف قوات الشرطة حينما تعالت صراخ سيرين التي لم تتوقف عن محاولة إبعاد ذلك الوحش عن أبيها، والذي أصبح أعمى لا يرى سوى الانتقام والغل والحقد، بينما يسترسل بتذكر تلك الخطة الشيطانية التي لعبتها عليه تلك الحقيرة وأبوها. حمزة! صاح زين بخوف وهو يبعد حمزة عن عنق هشام الذي أخذ يسعل بقوة وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه: هتضيع نفسك عشان واحد زيه ميستاهلش.
تنفس حمزة بصوت عالٍ وقد أصبح صدره يعلو ويهبط من فرط الانفعال ليهتف بقوة: ارميه برا! ارميه برا بيتي! الكلب ابن ال... ارميه برا يا زين! ولو رجله عتبت هنا تاني هقطعهاله. جذب زين هشام الذي تسمرت قدماه الواهنة بالأرض، ينظر بندم قاتل إلى ابنته التي منحها حمزة نظراته المتشفية وهو يجذبها من خصلات شعرها أمامه حينما أرادت التمسك بأبيها: بابا! جذبها بقوة يتحدى هشام ويكسر رجولته بأنه لن يستطيع حماية ابنته منه:
تعالي رايحة فييين ياعروسة؟ هتهربي من أوله؟ توسله هشام: لا لا أبوس رجلك، اقتلني أنا بس سيب بنتي. سيرين، بنتي ملهاش ذنب. حرام عليك. غاب صوت هشام بينما يسحبه زين للخارج، وتعالت صراخ سيرين بينما تسبه وتشتمه وتضرب يداه التي تقبض على خصلات شعرها: أوعي! سيبيني يا حيوان يا زبالة. تابع حمزة جرها على درجات السلم دون أن يبالي للكماتها أو لركلاتها التي لم تتوقف للحظة عن مقاومته بهم. دفعها بعنف إلى تلك الغرفة لترشقه بنظرات
الاحتقار والغل وهي تقول: أوعي تكون فاكر اللي بتعمله ده رجولة. أنت واحد حيوان قليل الأدب عشان تعمل كدة في راجل قد أبوك، وتستقوي عليه وفاكر نفسك قوي. اندفع ناحيتها وأمسك فكها بعنف: إيه قلتي إيه؟ هتفت بتحدي: اللي سمعته. حاول الإمساك بأعصابه، فالحفلة لم تبدأ بعد وهو يريد التلذذ بتعذيبها لإطفاء لهيب حقده، ولكن لسانها السليط يدفعه لإخراسها. أشد يداه حول فكها الذي شعرت به يكاد ينكسر من قوة قبضته وهو ينظر إليها باحتقار:
ويا شاطرة اللي عمله الراجل اللي قد أبويا يبقى إيه؟ الحرامي وبنته ال... يبقوا إيييييه؟ بادلته النظرات المتحقرة وهي تقول بجراءة: كون إن مراتك تضحك عليك وتسرقك، ميديش ليك الحق إنك تحاكم ناس تانية بذنبها وتتهم أبويا. ولا أنت مقدرتش عليها جاي تتشطر علينا وتعمل علينا راجل؟
صفعه قوية أطاحت بها من أمامه وجعلت تلك الدوائر السوداء تحيط برأسها لترحب سيرين بها بدلاً من رؤية نظرات عيناه المرعبة، حينما انقض عليها وهي ما بين الوعي واللاوعي ليذيقها عاقبة ما نطقت به. كان صوته مرعبًا وهو يتوعدها: أنا هوريك هعمل عليك راجل إزاي.
للحظة ظنت أنها هالكة أمام ذلك الحريق الذي أشعلته وستحترق به. لحظة رعب حقيقي عاشتها حينما جذبها من خصلات شعرها ليجعلها تقف ودفعها بعنف إلى الحائط خلفها لتصرخ بقوة من ألم ظهرها الذي شعرت به أنه انكسر. صرخت به وحاولت تخليص نفسها من قبضته، ولكن كلماتها المسمومة لن تمر بدون عقاب. استمع زين لصراخها ليسرع يصعد الدرج، فصديقه عبارة عن كتلة من اللهيب لن يردعها أحد، وهو لن يقف يشاهده وهو يقتل أحد ويقضي على مستقبله. اندفع زين
يمسك به ويبعده عنها هاتفا: حمزة! أنت بتعمل إيه؟ دفعه حمزة بعيدًا عنه: أوعى يا زين خليني أربي بنت ال... دي. أمسك زين به بقوة: سيبها يا حمزة وتعالى معايا. دفعه حمزة بعيدًا عنه وحاول الانقضاض عليها مجددًا: أوعى يا زين ومتدخلش. أمسكه زين بقوة وجاهد ليدفع بجسده الضخم خارج الغرفة قائلاً: لازم أتدخل ياحمزة، مينفعش أسيبك تضيع نفسك. أمسك صديقه بقوة ودفعه خارج الغرفة: تعالي ياحمزة. تعالي عندنا حاجات أهم.
لم تصدق سيرين كل ما مر عليها وكانها بكابوس مرعب. انسابت قدماها بانهيار يماثل قوة احتمالها لتجثو على ركبتيها تنتحب وتبكي. بأعجوبة نفذت من يداه الآن، وهو من داخله ممتن لإيقاف زين له، فهو كان سيقتلها بسبب سم كلماتها لولا وجود زين. قال بعدم تصديق: إيه اللي عملته ده ياحمزة؟ أنا مش مصدق. أنت عمرك ما مديت إيدك على واحدة. قال حمزة بأنفاس ملتهبة من الحريق المشتعل بجوفه: هموت يا زين، بنت ال...
استغفلتني وسرقت شقا عمري أنا وأبويا. دمرت اسمي وسمعتي. قال زين بجبين مقطب: طيب وأختها ذنبها إيه بس؟ كلهم عينه واحدة، أكيد متفقة معاها، زي ما اتفقت مع أبوها. أنا لازم أنتقم منهم كلهم، على رميتي في السجن شهور. اهدي بس ياحمزة وخلينا نفكر بعقل، عشان أنا مبقتش فاهمك. صاح حمزة بحدة: إيه اللي مش فاهمه؟ بقولك ضحكت عليا واستغفلتني وسرقتني وهربت بعد ما اتطلقت كمان وأنا في السجن. وأنا بقولك البنت ذنبها إيه؟
أمال عاوزني أعمل إيه؟ ده أنا هولع فيهم كلهم لغاية ما أرجع شقا عمري. وبعدين بتدافع عنها كده ليه؟ تعرفها منين؟ ماهي حية زيها زي أختها، هتفرق إيه؟ وتقدر تقولي لما هي بريئة، أمال أسر أخده إزاي؟ إيه خلاص الرحمة واخدة حدها معاها تاخد عيل متعرفوش وتربيه؟ كله بتمنه. أنت كده بتظلم من غير دليل. عشان اتظلمت. زين بلاش مثاليتك دي مع الأشكال ال... أنا اللي غلطان إني مسمعتش كلامك من الأول واتسرعت في جوازتي من بنت ال...
دي. كان لازم أفهم إنها طماعة زبالة. زم زين شفتيه: واللي عملته دلوقتي أنا مش موافق عليه. إزاي تتجوز أختها؟ أمال كنت عاوزني أعمل إيه؟ كان لازم أضمن إن هشام هيفضل صباعه تحت ضرسي. كده هيعرف يوصل لبنت ال... دي بأي طريقة ويحاول يخليها ترجع عشان تنفذ أختها. وأنت فاكر إنها بالسهولة دي هترجع ولا حتى هتهتم بأختها؟ هز رأسه بغضب: مش هترجع، بس هشام مش هيسكت وهيحاول يوصلها. وقتها أنا كمان هوصلها. وأشفي غليلي منها.
يعني أنت واخد البنت دي كوبري عشان توصل لأختها؟ أمال متجوزها عشان سواد عينيها؟ مجرد ضمان عشان أرجع حقي. يعني مش هتأذيها؟ رفع حمزة حاجبه بغضب جارف وهو يتهكم: ده أنا مش هعمل حاجة غير إني أأذيها! هز زين رأسه برفض وفتح فمه ليعترض، ليوقفه حمزة: مش عاوز كلام في الموضوع ده يا زين. حقي هاخده بطريقتي. خلينا في دلوقتي... أنا لازم أسلم الفيلا بكرة الصبح للمشتري. شوفلي شقة أُقعد فيها. هز زين رأسه وأسرع يخرج مفتاح شقته قائلاً:
أنت هتقعد في شقتي وأنا هروح أقعد مع أمي. هز حمزة رأسه: لا يا زين خليك في بيتك أنا هتصرف. قال زين: حمزة الشقة دي جت بسببك. قال حمزة: بسبب تعبك وشغلك يا زين. بطل عناد، هتقعد فين؟ في أي داهية. أنت ناسي البنت اللي ربطتها بيك؟ قال بوعيد: ودي حاجة تتنسي. دي هي اللي هتطفي شوية من النار اللي جوايا. أغمض زين عينيه: يا حمزة بلاش الانتقام يخليك ظالم. هما اللي بدأوا. مش هما... هي. حرام تاخد الكل بذنبها.
قلتلك مش عاوز نصايح يا زين. بكرة الصبح تكون شفت ليا أي شقة. ودلوقتي خلينا نروح للمحامي نشوف وصل لإيه مع البنك. لازم أقف على رجلي تاني يا زين. لازم! بتلك الفيلا الأنيقة كانت تلك المرأة التي تجاوزت الخمسين جالسة تضع ساق فوق الأخرى وترتشف من قهوتها بتعالي. بينما جلست في المقعد المقابل لها فتاة جميلة بخصلات شعر شقراء تماشى مع فستانها الأسود المكشوف. انتفضت من مكانها: حمزة خرج يا ماما! تبدلت نظرات المرأة لتقطب جبينها:
أنتي عرفتي منين؟ أشارت لهاتفها بنظرات قلقة: الخبر نازل! قالت المرأة وهي تتناول الهاتف من يد ابنتها لتهتف بعدم تصديق: خرج إزاي؟ ده كان أقل ما فيها هياخد 15 سنة. هزت سيدرا رأسها بحيرة: مش عارفة. ده كمان البنك بينزل تكذيب لخبر إنه حجز على أملاكه. لا يا ماما الموضوع كده فيه إن... حمزة جاب منين فلوس يرجع للبنك القرض والبنك يتنازل ويخرج حمزة؟ نظرت إليها نادية: أكيد كان فيه فلوس تانية محدش يعرف عنها حاجة؟
فلوس إيه بس. أنا حولت لنفسي كل حاجة في حساباته. لولا الفيلا والعربية وأصول شركته مقدرتش أقرب منهم ودول ميجوش نص القرض. أمال؟ أنا خايفة يا ماما. حمزة مش هيرحمني. وهو هيعرف طريقك منين؟ وبعدين متبقيش جبانة كده. إحنا هنا في أمان ومحدش هيعرف يوصلنا. هزت رأسها بحيرة: مش عارفة بس خايفة. أنتِ متعرفيش حمزة. ضحكت نادية باستهزاء: وهو مين اللي بالبساطة دي اداكي التوكيل مش حمزة برضه؟ متخافيش ولا هيقدر يعملك حاجة.
أيوه يا ماما عمل لي توكيل عشان كان واثق فيا. ضحكت نادية مجدداً باستهزاء: وأهو دفع التمن. ال كنتِ عاوزة تفضلي طول عمرك عايشة على الفتافيت. شفتي تفكير أمك. رفعت سيدرا حاجبيها بنشوة الانتصار: عندك حق يا ماما. هو بالرغم من العيشة اللي كان معيشهالي... بس كان آخري إيه يعنى. طلع بكام ألف وكام هدية. لا أنا كده بقيت صاحبة الملايين دي كلها. هتفت نادية بطمع: ولسه لما جمال يشغلك الفلوس دي هتشوفي. ضحكت سيدرا عالياً
وهي تهز رأسها بتهكم: جمال مين اللي يشغل لي فلوسي؟ قطبت نادية جبينها لتنظر إليها سيدرا: وأنا هبلة؟ يعني أعمل كده في جوزي وجمال يعملها فيا؟ لوت نادية شفتيها: أنتِ مش واثقة فيه؟ أنا مش بثق في حد غير نفسي يا ماما. بس جمال صاحب الفكرة وهو اللي جاب الناس اللي ساعدتك.
واخد تمن خدماته. وأنتي كمان نابك من الحب جانب. واخدتي نايب حلو أوي كمان ومعملتش معاكي زي اللي عملته مع هشام وطلعته من المولد بلا حمص، لا وكمان اتسجن. يبقى متحلميش بأكثر من كده. دخل ذلك الرجل إلى ذلك المنزل العريق بالصعيد مهرولاً. الحق يا حج عبد الحميد. انتفض ذلك الرجل المهيب من على مقعده: في إيه ياواد يا ماهر؟ في ناس عند الأرض الشرقية بتاعة حمزة بيه وبيسرحوا العمال. قطب جبينه: بيسرحوا العمال؟
آه بيقولوا إنه باع لهم الأرض. اتسعت عيناه بصدمة ليردد: باع الأرض؟ فتح حمزة تلك الخزانة الضخمة يفرغ محتوياتها بتلك الحقيبة الكبيرة لينظر بسخرية مريرة للخزانة الحديدية أسفل الخزانة والمفتوحة على مصراعيها. لقد أخذت تلك الحقيرة محتوياتها والتي أغدقها عليها مجوهرات وهدايا. أحمق! كور قبضته وأخذ يضرب الخزانة بقوة وكأنه يلكم نفسه على حماقته. كيف استطاعت أن تخدعه بتلك السهولة؟
كيف سلم لها نفسه لتتلاعب بها بين أصابعها بتلك السهولة؟ لقد ظن أن أقسى غدرها به هو طلبها الطلاق أول ما تم إلقاء القبض عليه لتثور كرامته ويطلقها على الفور ليكتشف أن الطلاق كان آخر خطوة بعد أن نهبت أمواله ويكتشف أن إلقاء القبض عليه كان بترتيب منها ليلتهي عنها. غبي!
لقد وضعت خطة شيطانية وأوهمت المستثمرين بحسابات مزورة ليتم القبض عليه، وحتى يتم اكتشاف الحقيقة تكون قد استولت على ملايين القرض وتطلقت وهربت منه. كل شيء كان مرتب بخطة شيطانية! ومن يفعل هذا إلا أبوها الذي يعلم كل شيء بحسابات الشركة ويستطيع التلاعب بها!
حطم محتويات الغرفة بهياج وهو يتذكر كل شيء. كيف كان رجل أحمق ليتزوج بفتاة مثلها. لم يكن يومًا متعجرفًا ولا ممن يضعون الفوارق الاجتماعية بالحسبان، لأنه أول من عانى بسببها. فأبيه أحب والدته وتزوجها بالرغم عن عائلتها التي وضعت الفارق الاجتماعي عقبة. استطاع أبيه تخطيها وكون اسمًا وثروة، لذا ظن أن زواجه بتلك الفتاة التي تقربت منه خلال تلك الأشهر خطوة صحيحة. لا يستطيع القول إنه أحبها، ولكنها كانت فتاة جميلة وغاية بالذكاء استطاعت أن تجتذب اهتمامه وتجعله يتزوج بها. زم شفتيه بغضب أهوج وقام من مكانه ينتوي أن يذهب ليفرغ غضبه بتلك الشرسة التي سنت أظافرها لمواجهته. إنه أعمى مجنون يريد أن ينتقم بأي ثمن، ولكن ما ذنبها هي؟
إنها أختها فقط!
لم تكن علاقتهم قوية ولم تكن بينهم أي علاقة من الأساس. فهي كبرت على نغمة والدتها أنها ابنة من سرقت أباها منها. سيدرا دومًا ابنة الزوجة الثانية الكريهة. وسيرين لم تكن يومًا قريبة منها، فطوال عمرها لم تحاول سيدرا التقرب منها ودوماً تعاملها بكبرياء وتعالٍ، بالرغم من أن سيرين تفوقها في كل شيء، جمالاً وأدباً ورقياً في أخلاقها، إلا أن سيدرا من هؤلاء الفتيات التي تحسن استغلال أسلحتها كانثى وتعرف كيف تستغلها. بدأ كل شيء حينما بدأت بالتقرب إليهم ما أن وضعت عيناها على حمزة مدير والدها صاحب الثروة!
لم تهتم سيرين كثيراً لا لاقتراب سيدرا ولا لابتعادها ولا حتى لسماع والدتها التي طالما تحدثت عن سيدرا بالسوء. وقد حدث ما أرادته وتزوجت بمدير أبيها المليونير، ولم تهتم حتى أنها لم تدعُ أختها للزفاف الأسطوري، فقط كان أبوها لأنه كارهتها الرابح لتعرف كل شيء عن ثروة زوجها. رأتها سيرين مرات قليلة منذ ذلك الاقتراب الزائف، منهم تلك المرة التي ذهبت إليها سيرين ما أن سمعت بحادث زوجها لتواسيها، ولكن كعادتها سيدرا عاملتها
باستعلاء، ويومها كانت نادية أمها برفقتها واشمأزت سيرين منهم، بينما رأتها تتعامل وكأن زوجها مات وسترتث تلك الثروة، فغادرت على الفور. وبالرغم من هذا انخدعت بها ولم تفهم نيتها الخبيثة حينما أتت إلى منزلهم منهارة بعد إلقاء القبض على زوجها. تحدثت مع أبيها مطولاً لتستمع لجزء من حديثهم،
بينما هتف هشام: لا يا سيدرا، إحنا متفقناش على كده. أنتِ قلتي الورق ده عشان تأمني مستقبلك. يا بابا متخافش، أنا بعمل كده عشان مصلحة حمزة، لازم أعرف كل حاجة عشان أقف معاه. هل كان أبوها يعرف بنيتها لسرقته أموال زوجها؟ لا، لا. هزت رأسها، فلا شيء في الحديث يدل على هذا. وحتى سيدرا قالت إنها تريد الوقوف بجوار زوجها. حتى أنها طلبت منها الاهتمام بهذا الطفل:
سيرين معلش أنتِ شايفة ظروفي، ده ابن ملك صاحبتي تعبانة وبتعمل عملية سايباه أمانة عندي وأنا لازم أكون جنب حمزة. خليه عندك يومين لغاية ما أرتب أموري.
وافقت سيرين على الفور وأخذت الطفل الجميل ووافقت أن تهتم به بعد معرفة أن والدته مريضة. لتتفاجأ بعد عدة أيام بإلقاء القبض على أبيها. وتعرف بأمر هروب سيدرا بعد سرقة أموال زوجها الذي قضى أشهر في السجن كانت ستمتد لسنوات. إنه مظلوم، لا تنكر سيرين أن هذا حال بتفكيرها الآن بعد أن فكرت لحظة بخطة أختها الشيطانية، ولكن لماذا يظلمها هي وأبوها؟ ما ذنب أبيها أن ينال تلك الألفاظ الجارحة والإهانة؟
ألا يكفي أنه قضى ذلك الوقت بالسجن وهو مظلوم؟ انتفضت سيرين من مكانها حينما سمعت صوت المفتاح يدور بالباب لتهب واقفة وهي تمسح دموعها سريعاً لتواجهه وهي تتخلى بكل قوتها، فهي لن تكون سجين هذا الحقير. نظر إليها حمزة باحتقار وخبث وهو يقول: إيه ياحلوة بتعيطي ليه؟ هو انتي لسه شفتي حاجة؟ نظرت إليه سيرين من فوق أعلى لأسفل، قول شيئاً لتستفزه ليمسك يدها بقوة: متستفزنيش يابنت هشام أحسن لك. نزعت يدها من يده وهي تهتف به بجراءة:
أنت متهددنيش، أحسن لك. رفع حاجبه باستهزاء: أحسن لي؟
ومات له وبلحظة كانت تركله بركبته بقوة في رجولته وتسرع تفر من باب الغرفة المفتوح مستغلة ذلك الألم الشديد الذي شعر به حمزة ليسبها بأبشع الألفاظ وهو يتحامل على نفسه ويسرع خلفها. ركضت سيرين بأقصى قوتها من أعلى الدرج وعيناها مثبتة على ذلك الباب الزجاجي الضخم المتمثل بخلاصها. ركض حمزة خلفها يلحق بها ولكنها كانت قد فتحت ذلك الباب الزجاجي وخرجت منه. ركضت من فوق تلك الثلاث درجات الحجرية لتري تلك البوابة الحديدية الضخمة وتركض تجاهها بكل قوتها ما أن رأت والدتها تدخل منها. بعدم تصديق ممزوج بصوت أنفاسها المتعالية
صاحت وهي تظن نفسها تحلم: ماما! أسرعت هدى ومدت يديها تجاه ابنتها التي تركض تجاهها وتمد يديها إليها هي الأخرى: ماما! ضاع صوتها ما أن شعرت بتلك القبضة الحديدية تقبض على خصلات شعرها التي كادت تنتزع بيده بينما يهتف بصوت مرعب: على فين؟ صرخت هدى ببكاء وأسرعت تركض تجاه ابنتها التي مزق قلبها رؤيتها لهذا الوحش يمسك بها بتلك الطريقة: سيرين! ترجته هدى وهي تحاول تخليص ابنتها من قبضته: حرام عليك بنتي ملهاش ذنب.
أبعدها حمزة من أمامه: قولي كده لجوزك. هتفت به سيرين التي أبت أن تبكي بالرغم من ذلك الألم الرهيب الذي تشعر به بسبب إمساكه بخصلات شعرها بتلك القوة. ولكن رؤيتها له يدفع والدتها ألمها أكثر: مالكش دعوة بماما. ترك حمزة خصلات شعرها وأمسك بيدها بقوة يوقفها خلف ظهره هاتفا بهدى بتهديد: لو زعلانة على بنتك أوي... خلي هشام يقول لي مكان بنته. قالت هدى بتوسل: سيب بنتي أبوس إيدك. بنتي ملهاش ذنب. أبوس إيدك سيبها.
يبقى تخلي جوزك يقول لي مكانها. انهارت هدى باكية: ميعرفش، والله ما يعرف. سخر حمزة: لما يشوف عذاب بنته... هيعرف! دفعها حمزة من أمامه وسحب سيرين خلفه بيداه التي تقبض على يدها بقبضة من حديد ليجرها على درجات السلم التي جعلت الكدمات تملأ جسدها. دفعها بقوة إلى داخل الغرفة وعيناه تطلق شرراً جعل جسدها يرتجف: فاكرة إنك هتقدري تهربي مني؟ هزت رأسها بجراءة زائفة: أنت اللي فاكر إنك هتقدر تحبسني!
نظرت إليه لتواجه عيناها الجميلة عيناه الثائرة وهي تهتف بجراءة وتحدي: هرب منك تاني وتالت ورابع ومش هتقدر تمنعني كل مرة. وأول ما أخرج من هنا هفضحك يا حيوان وأقول للناس إنك أجبرتني على الجواز منك. وحته الورقة اللي أنت فاكر نفسك ربطتني بيها تبلها وتشرب ميتها. استعرت النيران بعيون حمزة وهو ينظر إليها تلك النظرات المخيفة: صفق... أووه ده أنتِ جريئة أوي.
نظرت إليه بتحدي ليجذبها حمزة فجأة من ذراعها يقربها إليه ويميل ناحيتها هامساً بهسيس مرعب: أنتي قد اللي نطقتي بيه؟ تغلغلت رائحة عطره القوية بجنبات مسامها، بينما انمحت المسافة بينهما لترتجف أوصالها من همسه المخيف: عارفة إن اللي بتعمليه ده بيخليني أجل انتقامي منك. أمسك بذقنها بقوة يرفع وجهها لتنظر إليه: حظك إني أنا ناوي أستمتع وأنا بذلك وأكسرك عشان كده حسابنا وقته مجاش. شدد على قبضته على ذقنها ليكمل بوعيد:
بس ده ميمنعش إنك لو طولتي لسانك ده تاني هقطعهولك. دفعها بقوة من بين يده لتقع على الفراش خلفها، لينظر إليها بخبث قبل أن يغادر قائلاً: قريب أوي... الحساب هيجمع. تركها وانصرف لتسمع لصوت إغلاق الباب بالمفتاح ليتركها حمزة وهو ينتوي لها. بكت هدى بانهيار وكاد قلبها يتوقف وهي تصيح بهشام: بنتي ضاعت... بنتي ضاعت يا هشام... أنت وبنتك السبب. منكم لله.
وضع هشام وجهه بين كفيه بحسرة دون قول شيء، ليتعالى رنين الباب فتقوم هدى بسرعة تفتحه لتجد أختها تندفع منه بقلب لهيف: اللي قولتي في التليفون ده حصل يا هدى. سيرين اتخطفت. أومات هدى ببكاء وعويل ليدخل ذلك الشاب مديد القامة خلف والدته: إيه اللي حصل يا طنط؟ قالت هدى ببكاء وهي تنظر إلى عمتها بتأنيب: كله من نادية وبنتها. ضيعوا بنتي. بنتي ضاعت. قال إياد بجدية: قولي لي إيه اللي حصل عشان أعرف أتصرف. شهقت هناء اخت هدي: خطفها!
وهي مالها؟ مقدرش على مراته جاي يتشطر على بنات الناس. قال إياد بوعيد: أنا هوديه في ستين داهية. هي سايبة ولا إيه؟ يعني إيه يخطفها؟ أنت إزاي يا عمي متبلغش عنه إنه خطف سيرين؟ قال هشام بصوت مختنق: بلغت يا ابني. بلغت. نظر إليه إياد بنفاذ صبر: وبعدين؟ قال هشام بخزي: على ما رحت كان كتب كتابه عليها وقال إنها هربت معاه عشان تتجوزه وأنا مخطفهاش. انصعق إياد كما سمعه، بينما ضربت هناء وجهها بكفها تتلوي بعويل:
أنت بتقول إيه يا هشام؟ اتجوزها إزاي؟ ده جوز أختها. طأطأ هشام رأسه بخزي ولم يستطع قول المزيد لتهتف هناء بأختها: الكلام ده صح؟ هزت هدى رأسها بقله حيلة واعتصرت عيونها ببكاء أدمى قلبها، وهي تقول: أيوه يا هناء. صاح إياد الذي أفاق من صدمته: أيوه يعني إيه؟ ماهو مطلق بنت نادية من شهور. هتف إياد من بين أسنانه: الجوازة دي حصلت غصب عن سيرين. يعني باطلة. أنا مش هسكت!
أسرع إياد يغادر يقطع الخطوات بغضب أهوج ممزوج بنيران الغيرة، فابنة خالته تلك الجميلة الرقيقة التي طالما حلم بها ضاعت من بين يديه. لا! لن يسمح بشيء كهذا أبداً. لقد انتظر سنوات ليبوح لها بحبه ليخسرها بلحظة. في اليوم التالي كانت بين قبضته مرة أخرى ليدفعها إلى تلك الشقة الصغيرة. سخر وعيناه تدور بأرجاء تلك الشقة قائلاً: طبعاً مش زي الفيلا اللي مكنتوش تحلموا تعيشوا فيها يا بنات هشام.
أمسك ذراعها بعنف وقربها إليه ليهمس بأنفاسه الساخنة بجوار أذنها: بس مش بطالة. تنفع تكون مكان عمرك ما هتنسيه من اللي هتشوفيه هنا. انتزعت ذراعها من يده ودفعته بعيداً عنها: متحلمش أوي كده. بدل ما تكون آخر مكان عينيك تشوفها. أطلق صفيرًا متهكمًا، فهي محاربة شرسة تجعله كل لحظة يؤجل انتقامه ليتلذذ به: متستعجليش على حسابك يابنت هشام، وتقولي كلام أنتِ مش قدّه. أمسك بذراعيها بقوة هاتفا بتحذير: اسمعي يابنت ال...
من اللحظة دي البيت ده هيبقى سجنك. هتعيشي فيه زي الكلبة تحت رجليا. مسمعش منك غير نعم وحاضر في أي كلمة أقولها، ولو خالفتي كلامي هتشوفي مني الويل. أنتي حتة حشرة. خدامة. لغاية ما أشفي غليلي منك ومن أهلك بالطريقة اللي تعجبني. حالياً طول ما أنا في البيت مش عاوز أشوف خيالك. قربها إليه أكثر وهمس بفيحيح وقح: بس وقت ما أحب هتكوني في سريري وتحت أمري، فاهمة؟ نظرت إليه باحتقار وهي تحاول انتزاع ذراعها من يده: ابعد عني.
ترك ذراعها لتتقهقر للخلف، بينما سخر منها: أكيد هبعد حالياً، أصلي قرفان حتى المسك.
تركها وانصرف ليغلق الباب بالمفتاح، لتتهاوى سيرين مكانها وتترك لدموعها العنان، لا تعرف أي ذنب اقترفته ليكون مصيرها أسود بتلك الطريقة على يد ذلك المجنون المتعطش للانتقام. نامت مكانها على الأرضية الصلبة من الإرهاق والتعب، حتى أنها لم تأكل شيئًا منذ الأمس، وهو لم يتحل بقدر من الرحمة ليجعلها حبيسة تلك الغرفة حتى صباح اليوم التالي، كما تسببت أختها بحبسه لشهور.
أفاقت في اليوم التالي على وخزة من طرف قدمه لتفتح عيونها المتورمة على صوته الذي هتف بإذلال: قومي كلي، عشان مش عاوزك تموتي دلوقتي. لسه حسابنا طويل. لم تنظر إليه، فقد اكتفت من النظر لملامح وجهه المتشبعة بالتوحش، ليطالعها باحتقار وهو يكمل بلهجة أمره: أنا خارج. لو فكرتي بس مجرد تفكير تهربي ولا تطلعي صوت، هيكون صوتك على أبوكي اللي هخلص عليه.
تركها وانصرف ليغادر الشقة مغلق الباب عليها من الخارج. قامت بجسد يأن وجعاً وألماً لتنظر بعيونها بحثاً عن الحمام، فتدخل إليه وتغلق الباب خلفها، تخلع ملابسها وتنظر إلى جسدها المتلون بكافة ألوان الكدمات والجروح، تقف أسفل الماء الساخن لعلها تضمد القليل من وجعها. انسابت دموعها التي تحبسها أمامه، فلا تريد أن تمنحه لذة رؤية ضعفها. بعد قليل خرجت لتحيط جسدها بالمنشفة، بينما غسلت ملابسها المتسخة واتجهت للخارج. لا تريد تناول شيء من طعامه، ولكن جسدها يأن جوعاً وهواناً لتضطر لتناول الطعام.
جلس بشركته التي أصبحت خاوية بعد أن انصرف العاملين بها لإجازة لا يعلم إلى متى ستدوم، ولكنه لا يملك حتى دفع مرتبات موظفيه بعد أن باع كل شيء ليخرج من السجن. نظر إليه زين يرى مقدار حسرته مهما حاول إخفاءها وهو يفكر بحل لينهض على قدميه. إيه يا شاكر عملت إيه؟ قال المحامي المخضرم: وصلت لحل مع مدير البنك واتفقت معاه على مواعيد جديدة لتسديد باقي القرض على دفعات، أولها بعد ست شهور. دي أقصى حاجة قدرت أوصلها. هز رأسه:
مش بطال. كده عندنا وقت نحاول نعمل فيه حاجة. التفت إلى زين: أخبار المصنع إيه؟ هز زين رأسه: لو قدرنا نقنع الشركة الأجنبية تجيب المعدات وتأجل الدفعات مؤقتاً، نقدر نشتغل كمان شهرين. وممكن وقتها نقدر نستعيد ثقة الممولين ونطرح أسهم للبيع توفر لنا سيولة نبدأ بها. هز رأسه ليكمل زين: عاوزين على الأقل خمسة مليون دلوقتي. زفر حمزة وفرك وجهه بانفعال من قلة حيلته، فليس لديه شيء. للتدخل شاكر: حمزة بيه، تسمح لي أقول رأيي؟
أومأ له ليحمحم قائلاً: لو بعنا المصنع. قاطعه حمزة بنبرة قاطعة: لا المصنع مش هيتباع. بس يا حمزة بيه، ده هيوفر لنا على الأقل دفعتين. قلت لا. وبعدين حتى لو سمعت كلامك، باقي الدفعات هنعمل فيها إيه؟ أومأ له شاكر وطأطأ رأسه، ليقول زين بتشجيع: عندك حق يا حمزة. المصنع هو أملنا الوحيد للخروج من الأزمة دي. المهم، نفكر إزاي نوفر الفلوس اللي هنبدأ بيها، وأما هسافر أحاول أقنع الشركة وأقدم لهم كل الضمانات اللي محتاجينها.
تمام. حتى لو اتضاعفت فايدة الفلوس أنا موافق. صمت الجميع حينما دخل ذلك الرجل المهيب إلى المكتب وعيناه ترشق حمزة بنظراته غير الراضية. انصرف الجميع ليقف حمزة يواجه جده بنظرات قوية تماثل نظرات ذلك الرجل الستيني الذي لم يزده الزمن إلا قوة وبجبروت. بعت أرض عيلتك يا ابن السيوفي. قال حمزة ببرود: أعتقد إن الأرض دي حقي وورث أمي يا عبد الحميد بيه. يهتف به عبد الحميد:
أنا الحاج عبد الحميد، مش بيه ولا باشا. أنا جدك اللي اتحديته زي ما أمك عملت وجريت ورا واحدة بعتها اللي وراك وقدامك. احتقن وجهه حمزة بالغضب، ولكن ما أن فتح فمه حتى ألقى عبد الحميد تلك الأوراق بوجهه. خد يا ابن السيوفي، دي عقود الأرض اللي بعتها بالساهل. أرض عيلتك مش أرض أمك. الأرض اللي أجدادك بيورثوها لعيالهم مش بيبيعوها بالساهل زي ما عملت. نظر حمزة للعقود التي وقعت أرضاً باحتقار: مش عاوزها. هتف عبد الحميد:
ومين قال إني برجعهالك؟ أنا برجعها لعيلة البدراوي. أمسك بكتفه بقسوة: الأرض رجعت، بس ليا. ليا أنا جدك. اللي طول عمرك واقف قصاده. نظر إليه بقسوة وتابع: لو مش عاوز تتمرمغ في الوحل أكتر من كده، ترجع لعيلتك، ووقتها هقف معاك. نظر إليه حمزة بقوة: بتحلم. العيلة اللي طردت أمي وعمرها ما قبلت وجود أبويا، عمري ما هحتاج لها. رشق حمزة بنظرات قوية قائلاً: هتشوف يا ابن السيوفي.
أسرعت سيرين إلى تلك الغرفة مجدداً ما أن استمعت لصوت مفتاح الباب بمنتصف الليل لتسمع لخطواته تقترب فتسرع تندثر بالغطاء الخفيف تغمض عيناها تتضرع لربها ألا يأتي فليس لديها أي قوة لمواجهته، وهي لا تريد من نفسها أن تكون ضعيفة أمامه. وقد استجاب الله لدعائها لتسمع لصوت خطواته يتوجه إلى الغرفة المجاورة ويصفق الباب خلفه. اعتدلت جالسة تفكر في سبيل لخروجها من هذا المنزل. أيها أيكم...
طبعاً خلاص موضوع الجمع بين الاختين. طبعاً شكراً على تعليقاتكم شجعتني بجد. اقتباس: بابا... أنا كويسة متخافش عليا. تجمدت مكانها حينما شعرت بتلك اليد القوية تقبض على الهاتف من يدها ويهتف بوالدها بنبرة قوية: لا خاف، خاف أوي يا هشام، قطتك بتخرشم يا هشام. بس متقلقش هقص ضوافرها. أصلي محبش مراتي تخرمش. هتفت به سيرين وهي تدفعه بقوة: أنت حيواااان! لمي نفسك يابت انتي. أنت اللي لم نفسك يا حيوان. لا ده أنت زودتيها أوي. هتفت
به بجراءة لاتعرف ثمنها: أنا مش خايفة منك. كنت قدرت عليها مش جاي تستقوي عليا؟ صفعها بقوة مزمجراً: أنا هوريك إزاي أقدر أستقوي عليكي. تابعت هدى ببكاء وعويل ليدخل ذلك الشاب مديد القامة خلف والدته: إيه اللي حصل يا طنط؟ قالت هدى ببكاء وهي تنظر إلى عمتها بتأنيب: كله من نادية وبنتها. ضيعوا بنتي. بنتي ضاعت. قال إياد بجدية: قولي لي إيه اللي حصل عشان أعرف أتصرف. شهقت هناء اخت هدي: خطفها! وهي مالها؟
مقدرش على مراته جاي يتشطر على بنات الناس. قال إياد بوعيد: أنا هوديه في ستين داهية. هي سايبة ولا إيه؟ يعني إيه يخطفها؟ أنت إزاي يا عمي متبلغش عنه إنه خطف سيرين؟ قال هشام بصوت مختنق: بلغت يا ابني. بلغت. نظر إليه إياد بنفاذ صبر: وبعدين؟ قال هشام بخزي: على ما رحت كان كتب كتابه عليها وقال إنها هربت معاه عشان تتجوزه وأنا مخطفهاش. انصعق إياد كما سمعه، بينما ضربت هناء وجهها بكفها تتلوي بعويل: أنت بتقول إيه يا هشام؟
اتجوزها إزاي؟ ده جوز أختها. طأطأ هشام رأسه بخزي ولم يستطع قول المزيد لتهتف هناء بأختها: الكلام ده صح؟ هزت هدى رأسها بقله حيلة واعتصرت عيونها ببكاء أدمى قلبها، وهي تقول: أيوه يا هناء. صاح إياد الذي أفاق من صدمته: أيوه يعني إيه؟ ماهو مطلق بنت نادية من شهور. هتف إياد من بين أسنانه: الجوازة دي حصلت غصب عن سيرين. يعني باطلة. أنا مش هسكت!
أسرع إياد يغادر يقطع الخطوات بغضب أهوج ممزوج بنيران الغيرة، فابنة خالته تلك الجميلة الرقيقة التي طالما حلم بها ضاعت من بين يديه. لا! لن يسمح بشيء كهذا أبداً. لقد انتظر سنوات ليبوح لها بحبه ليخسرها بلحظة. في اليوم التالي كانت بين قبضته مرة أخرى ليدفعها إلى تلك الشقة الصغيرة. سخر وعيناه تدور بأرجاء تلك الشقة قائلاً: طبعاً مش زي الفيلا اللي مكنتوش تحلموا تعيشوا فيها يا بنات هشام.
أمسك ذراعها بعنف وقربها إليه ليهمس بأنفاسه الساخنة بجوار أذنها: بس مش بطالة. تنفع تكون مكان عمرك ما هتنسيه من اللي هتشوفيه هنا. انتزعت ذراعها من يده ودفعته بعيداً عنها: متحلمش أوي كده. بدل ما تكون آخر مكان عينيك تشوفها. أطلق صفيرًا متهكمًا، فهي محاربة شرسة تجعله كل لحظة يؤجل انتقامه ليتلذذ به: متستعجليش على حسابك يابنت هشام، وتقولي كلام أنتِ مش قدّه. أمسك بذراعيها بقوة هاتفا بتحذير: اسمعي يابنت ال...
من اللحظة دي البيت ده هيبقى سجنك. هتعيشي فيه زي الكلبة تحت رجليا. مسمعش منك غير نعم وحاضر في أي كلمة أقولها، ولو خالفتي كلامي هتشوفي مني الويل. أنتي حتة حشرة. خدامة. لغاية ما أشفي غليلي منك ومن أهلك بالطريقة اللي تعجبني. حالياً طول ما أنا في البيت مش عاوز أشوف خيالك. قربها إليه أكثر وهمس بفيحيح وقح: بس وقت ما أحب هتكوني في سريري وتحت أمري، فاهمة؟ نظرت إليه باحتقار وهي تحاول انتزاع ذراعها من يده: ابعد عني.
ترك ذراعها لتتقهقر للخلف، بينما سخر منها: أكيد هبعد حالياً، أصلي قرفان حتى المسك.
تركها وانصرف ليغلق الباب بالمفتاح، لتتهاوى سيرين مكانها وتترك لدموعها العنان، لا تعرف أي ذنب اقترفته ليكون مصيرها أسود بتلك الطريقة على يد ذلك المجنون المتعطش للانتقام. نامت مكانها على الأرضية الصلبة من الإرهاق والتعب، حتى أنها لم تأكل شيئًا منذ الأمس، وهو لم يتحل بقدر من الرحمة ليجعلها حبيسة تلك الغرفة حتى صباح اليوم التالي، كما تسببت أختها بحبسه لشهور.
أفاقت في اليوم التالي على وخزة من طرف قدمه لتفتح عيونها المتورمة على صوته الذي هتف بإذلال: قومي كلي، عشان مش عاوزك تموتي دلوقتي. لسه حسابنا طويل. لم تنظر إليه، فقد اكتفت من النظر لملامح وجهه المتشبعة بالتوحش، ليطالعها باحتقار وهو يكمل بلهجة أمره: أنا خارج. لو فكرتي بس مجرد تفكير تهربي ولا تطلعي صوت، هيكون صوتك على أبوكي اللي هخلص عليه.
تركها وانصرف ليغادر الشقة مغلق الباب عليها من الخارج. قامت بجسد يأن وجعاً وألماً لتنظر بعيونها بحثاً عن الحمام، فتدخل إليه وتغلق الباب خلفها، تخلع ملابسها وتنظر إلى جسدها المتلون بكافة ألوان الكدمات والجروح، تقف أسفل الماء الساخن لعلها تضمد القليل من وجعها. انسابت دموعها التي تحبسها أمامه، فلا تريد أن تمنحه لذة رؤية ضعفها. بعد قليل خرجت لتحيط جسدها بالمنشفة، بينما غسلت ملابسها المتسخة واتجهت للخارج. لا تريد تناول شيء من طعامه، ولكن جسدها يأن جوعاً وهواناً لتضطر لتناول الطعام.
جلس بشركته التي أصبحت خاوية بعد أن انصرف العاملين بها لإجازة لا يعلم إلى متى ستدوم، ولكنه لا يملك حتى دفع مرتبات موظفيه بعد أن باع كل شيء ليخرج من السجن. نظر إليه زين يرى مقدار حسرته مهما حاول إخفاءها وهو يفكر بحل لينهض على قدميه. إيه يا شاكر عملت إيه؟ قال المحامي المخضرم: وصلت لحل مع مدير البنك واتفقت معاه على مواعيد جديدة لتسديد باقي القرض على دفعات، أولها بعد ست شهور. دي أقصى حاجة قدرت أوصلها. هز رأسه:
مش بطال. كده عندنا وقت نحاول نعمل فيه حاجة. التفت إلى زين: أخبار المصنع إيه؟ هز زين رأسه: لو قدرنا نقنع الشركة الأجنبية تجيب المعدات وتأجل الدفعات مؤقتاً، نقدر نشتغل كمان شهرين. وممكن وقتها نقدر نستعيد ثقة الممولين ونطرح أسهم للبيع توفر لنا سيولة نبدأ بها. هز رأسه ليكمل زين: عاوزين على الأقل خمسة مليون دلوقتي. زفر حمزة وفرك وجهه بانفعال من قلة حيلته، فليس لديه شيء. للتدخل شاكر: حمزة بيه، تسمح لي أقول رأيي؟
أومأ له ليحمحم قائلاً: لو بعنا المصنع. قاطعه حمزة بنبرة قاطعة: لا المصنع مش هيتباع. بس يا حمزة بيه، ده هيوفر لنا على الأقل دفعتين. قلت لا. وبعدين حتى لو سمعت كلامك، باقي الدفعات هنعمل فيها إيه؟ أومأ له شاكر وطأطأ رأسه، ليقول زين بتشجيع: عندك حق يا حمزة. المصنع هو أملنا الوحيد للخروج من الأزمة دي. المهم، نفكر إزاي نوفر الفلوس اللي هنبدأ بيها، وأما هسافر أحاول أقنع الشركة وأقدم لهم كل الضمانات اللي محتاجينها.
تمام. حتى لو اتضاعفت فايدة الفلوس أنا موافق. صمت الجميع حينما دخل ذلك الرجل المهيب إلى المكتب وعيناه ترشق حمزة بنظراته غير الراضية. انصرف الجميع ليقف حمزة يواجه جده بنظرات قوية تماثل نظرات ذلك الرجل الستيني الذي لم يزده الزمن إلا قوة وبجبروت. بعت أرض عيلتك يا ابن السيوفي. قال حمزة ببرود: أعتقد إن الأرض دي حقي وورث أمي يا عبد الحميد بيه. يهتف به عبد الحميد:
أنا الحاج عبد الحميد، مش بيه ولا باشا. أنا جدك اللي اتحديته زي ما أمك عملت وجريت ورا واحدة بعتها اللي وراك وقدامك. احتقن وجهه حمزة بالغضب، ولكن ما أن فتح فمه حتى ألقى عبد الحميد تلك الأوراق بوجهه. خد يا ابن السيوفي، دي عقود الأرض اللي بعتها بالساهل. أرض عيلتك مش أرض أمك. الأرض اللي أجدادك بيورثوها لعيالهم مش بيبيعوها بالساهل زي ما عملت. نظر حمزة للعقود التي وقعت أرضاً باحتقار: مش عاوزها. هتف عبد الحميد:
ومين قال إني برجعهالك؟ أنا برجعها لعيلة البدراوي. أمسك بكتفه بقسوة: الأرض رجعت، بس ليا. ليا أنا جدك. اللي طول عمرك واقف قصاده. نظر إليه بقسوة وتابع: لو مش عاوز تتمرمغ في الوحل أكتر من كده، ترجع لعيلتك، ووقتها هقف معاك. نظر إليه حمزة بقوة: بتحلم. العيلة اللي طردت أمي وعمرها ما قبلت وجود أبويا، عمري ما هحتاج لها. رشق حمزة بنظرات قوية قائلاً: هتشوف يا ابن السيوفي.
أسرعت سيرين إلى تلك الغرفة مجدداً ما أن استمعت لصوت مفتاح الباب بمنتصف الليل لتسمع لخطواته تقترب فتسرع تندثر بالغطاء الخفيف تغمض عيناها تتضرع لربها ألا يأتي فليس لديها أي قوة لمواجهته، وهي لا تريد من نفسها أن تكون ضعيفة أمامه. وقد استجاب الله لدعائها لتسمع لصوت خطواته يتوجه إلى الغرفة المجاورة ويصفق الباب خلفه. اعتدلت جالسة تفكر في سبيل لخروجها من هذا المنزل. أيها أيكم...
طبعاً خلاص موضوع الجمع بين الاختين. طبعاً شكراً على تعليقاتكم شجعتني بجد. اقتباس: بابا... أنا كويسة متخافش عليا. تجمدت مكانها حينما شعرت بتلك اليد القوية تقبض على الهاتف من يدها ويهتف بوالدها بنبرة قوية: لا خاف، خاف أوي يا هشام، قطتك بتخرشم يا هشام. بس متقلقش هقص ضوافرها. أصلي محبش مراتي تخرمش. هتفت به سيرين وهي تدفعه بقوة: أنت حيواااان! لمي نفسك يابت انتي. أنت اللي لم نفسك يا حيوان. لا ده أنت زودتيها أوي. هتفت
به بجراءة لاتعرف ثمنها: أنا مش خايفة منك. كنت قدرت عليها مش جاي تستقوي عليا؟ صفعها بقوة مزمجراً: أنا هوريك إزاي أقدر أستقوي عليكي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!