الفصل 11 | من 32 فصل

رواية ضحايا الماضي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
19
كلمة
3,508
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

له يوسف بصدمة ليتابع أدم بسخرية: كنت عندي ١٥ سنة و فاهم اللي بيحصل كويس، كنت بشوفها وهي بتعيط وبتتجنبك وسمعت كلامك مع ثريا ساعتها، وانت بتقولها إنها استغلت إنك سكران وقربت منك!!! ثم تابع وهو ينظر لشقيقته: الجزء الجاي بقى محدش هيحكيه غير حياة، يمكن عشان هي كانت حاضرة وقت الحادثة مثلا!!! حياة بسخرية وعيناها مليئة بنظرات الحزن:

شوفت كل حاجة… شوفت ثريا ومحسن وهما بيحطوا أمي في السرير بعد ما خدروها وقلعوها هدومها. ده الزبالة ده. ثم أشارت بيدها نحو ذلك الرجل الذي تملأ الدماء وجهه، ثم ضحكت ساخرة وهي ترى الصدمة بادية على وجه يوسف وجسده تصلب: كنت بحاول أصرخ بس مراتك وعشيقها كانوا كاتمين نفسي عشان ما أتكلمش وأعرف حد إنهم موجودين في القصر. ثم توجهت تقف أمام هدير قائلة بسخرية مريرة:

هدير هانم… صاحبة أمي الروح بالروح بنت خالتها أقرب ماليا… كانت الشريك التالت!!! ريان بغضب: العربية اللي خبطت أمي بعد ما يوسف باشا طردها من القصر كانت بتسوقها هدير بالاتفاق مع ثريا ومحسن!!! أدم وهو يشير لأحد رجاله لكي يقوم بتشغيل الشاشات ليظهر فيديو لمحسن وثريا بغرفة: دلوقتي بقى نشوف الدليل على كل اللي اتقال. الجميع يشاهد بصدمة ما يحدث بالفيديو. Flash Back محسن بضيق: أهدى بقى واقعدي بقى، خايلتيني. ثريا بغضب وغل:

أهدى… أهدى إزاي؟ انت مش شايف اللي بيحصل فينا بعد كل اللي عملته زمان… بقيت على آخر الزمن أنا اتبهدل على إيد ولاد ليلى. محسن بضيق: قولتلك زمان لازم نخلص منهم، مسمعتيش مني. كنا زمان مرتاحين دلوقتي ولا خسرنا كل ده. أشعل سيجارته وهو يردد بقلق: أنا قلقان لأ، يوسف يحن ليهم ويرجع يغير وصيته بعد ما كان موزعها عليكي انتي وسارة ويخليهم يشاركونا في الفلوس دي. ثريا بغضب وغل:

ده على جثتي إن ولاد ليلى يطولوا مليم من الفلوس ده، حتى لو حكمت إني أقتل يوسف وأخلص منه عشان أضمن إن محدش يشاركني في الفلوس دي، حقي ومش بعد كل اللي عملته ولسه بعمله أطلع من المولد بلا حمص. نظرت له تسأله بخوف: بس حياة… ممكن تحكي وتقول اللي حصل زمان. متنساش إنها سمعت وشافت كل اللي حصل. محسن بنفي: مظنش إنها ممكن تكون فاكرة حاجة من اللي اتقال. دي كانت لسه صغيرة وبعدين حتى لو عارفة كانت قالت من زمان، إيه اللي هيسكتها؟

ثريا بقلق وتفكير: معرفش، بس مش مطمنة. هما مش ناوين على خير، إحنا لازم نخلص منهم. مرت دقائق في صمت قطعه هو قائلاً بتفكير: نضيق عليهم كل حاجة، يعني نضربهم كذا ضربة ورا بعض، نشغلهم بحيث إنهم ما يكونوش مستعدين لما نفكر نخلص منهم. ثريا بتساؤل: نعمل إيه مثلا؟ محسن بمكر:

نخلص من سليم الجارحي وأمير في يوم واحد. هيتشغلوا في موتهم ومش هيكونوا واخدين احتياطاتهم، وساعتها هيبقى سهل ندبر ليهم حادثة تخلصنا منهم زي ما خلصنا من أمهم وحسين. سألته بتعجب: طب هنخلص منهم إزاي؟ محسن بتفكير:

أمير نفك فرامل العربية بتاعته أو ندبر ليه حادثة تبان قضاء وقدر. أما سليم فمحدش هيقدر يقوم بالمهمة دي غير هدير، لأن مش هنكون ضامنين الشغالين اللي جوه القصر… ده من اللي كنا بنحطه لحسين في أي حاجة بيشربها وتبان قضاء وقدر زي ما حصل معاه برضه. سألته بتفكير: بس تفتكر هترضى؟ دي مستحيل توافق بعد اللي عملناه فيها زمان. محسن بسخرية:

هترضى متخافيش، هي متورطة معانا ولو اتكشفنا هي كمان هتتكشف وهتروح في داهية، يعني مصلحتنا واحدة. موافقتها أو لا مش هتفرق، غضب عنها هتوافق ولو نشفت دماغها الفلوس تلينها. أومأت له قائلة بقلق وخوف من القادم: أما نشوف، ربنا يستر. اقترب منها محاوطاً خصرها قائلاً بوقاحة: ما تيجي جوه، ده انت واحشني موت يا جميل. دفعت يده بعيداً عنها قائلة بضيق: محسن مش وقته. جذبها إليه مرة أخرى قائلاً بوقاحة: ده هو ده وقته!!

بعد وقت قضاه الاثنان بفعل تلك الفاحشة التي اهتز لها عرش الرحمن، أشعلت ثريا سيجارتها قائلة بقلق وخوف: تفتكر الزفتة اللي اسمها حياة كان قصدها حاجة لما قالت إن سارة بنتك ولا كانت مجرد كلمة؟ محسن بنفي: محدش غيري أنا وانتِ نعرف إن سارة بنتي وبنتك، يبقى هتعرف منين؟ ثريا بخوف: معرفش، بس طريقتها في الكلام مكنتش مريحاني. ياريتني سمعت كلامك زمان وخلصنا منهم. محسن وهو يشعل سيجارة: متخافيش، هيحصل وهنخلص منهم. أومأ له قائلة بشر:

هنخلص منهم واحد واحد وكل حاجة هترجع زي ما كانت!!! Back أدم ساخراً لثريا التي شحب وجهها وأصبح جسدها يرتجف من الخوف: دخولي القصر مكنش ع الفاضي، الأوضة اللي نقلتي فيها انتي ومحسن كانت كلها كاميرات ومايك في كل حتة، حتى تليفونك انتي وهو كان متراقب. ثم تابع وهو ينظر لجمال عمه بشكر:

كله حصل بمساعدة عمي جمال، زي ما ساعدنا ناخد ملكية القصر. هو صحيح مكنش يعرف سبب طلبنا إيه، بس نفذ وقبل يساعدنا لأنه كان متأكد زينا من براءة أمي، رغم إنه مكنش يعرف كل الو… بتاعتهم دي. ثم تابع بسخرية:

يوماً ما سمعت الفيديو ده، قولت لجدي على كل حاجة. عرفت إنه مربي حية في بيته، قتلت بنته وعايزة تقتله هو كمان، والخدامة اللي اتفقت معاها كانت هتنفذ فعلاً، بس إحنا هددناها إنها تعمل عكس اللي قولتي، وخدت فلوس ونفذت وباعتك… عشان كده كنتوا مستغربين جدي مماتش لحد دلوقتي ليه، رغم إنه حسين العمري كلها أسبوع وكان مات. ريان بسخرية:

ساعتها في نفس اليوم برضه استغلينا إنك مش في البيت، وأوضتك كلها كانت متركبة مايكات، حتى تلفونك رقبناه. ثم أشار بيده لصقر الذي قام بتشغيل المقطع الصوتي بينها وبين ثريا. Flash Back منتصف الليل بقصر الجارحي. كانت تجلس بغرفتها تتحدث بالهاتف بغل: دي آخر مرة هساهدكم فيها يا ثريا، لأني مش ناسية اللي حصل زمان، واحمدي ربنا إني لسه ساكتة لحد دلوقتي. ثريا بسخرية:

إنتي ساكتة لحد دلوقتي يا هدير عشان عارفة إنك هتشيلي الليلة لوحدك، إنتي اللي خبطيها بالعربية يومها وبسببك ماتت، يعني إحنا ملناش دخل. ثم تابعت بتهديد: يعني إنتي اللي تحمدي ربنا إننا ساكتين لحد دلوقتي وما بلغناش عنك. هدير بغل: آه يا ولاد… قاطعتها ثريا قائلة بتحذير: بلاش تغلطي في الكلام عشان منزعلش سوا، وإنتي عرفاني زعلي وحش. هدير بغل وغضب:

أنا غلطت زمان لما سيبته ليها كل السنين دي، وغلطت لما سمحت لواحدة زيك تاخده مني تاني، على حياة عيني وزي ما قتلت ليلى زمان عندي استعداد أقتل تاني، فخافي مني!!!!!! ثريا بغضب:

خافي إنتي مني يا حلوة، واعرفي إني مش بتهدد. إنتي كبرتي يا هدير ومش حمل مرمطة وسجن على آخر الزمن، ومش عايزة أفكرك إني الكاميرات اللي قدام القصر أنا اللي حذفت منها تسجيل الحادثة، بس لسه معايا، أعتقد إنك مش هتحبي إنهم يظهروا، وخصوصاً لو اتبعتوا لأولاد ليلى في رسالة من مجهول. طبعاً هما ما هيصدقوا. صمتت هدير تكور قبضة يدها بغل لتتابع الأخرى بغرور وسخرية: مش قولتلك خافي مني!!!! Back أمير ساخراً وهو ينظر لمحسن وثريا:

كل ذكي في الأذكى منه. حياة باحتقار: وصلت بيهم الحقارة إنهم كانوا عايزين يعيدوا اللي حصل زمان… كانوا عايزين يعيدوه مع أخواتي وإنهاردة!!! أمير بغضب وميران تشتعل بصدره: أوس مع فرح خطيبتي في شقة لوحدهم متخدرين وبنفس الوضع اللي أمي كانت فيه، وبوليس الآداب يكبس عليهم وتبقى فضيحة وأخسر أخويا وممكن كمان أقتله!!!!

كور قبضة يده وهو يردد الكلام الذي استمع له من محسن عبر مسجل الصوت، ثم بلحظة كانت قبضة يد أمير تعرف طريقها لوجه محسن ليسقط أرضاً. أبعده ريان للخلف ليشير أدم لصقر الذي قام بتشغيل فيديو آخر مسجل لمحامي العائلة قبل وفاته بعامين يردد فيه بصوت متعب:

حسين باشا كان قالي قبل ما يموت إنه عايز يكتب وصيته وعايز يوزع الورث بين أولاده وكمان يخلي ليلى هانم وفرحة هانم يكون ليهم نصيب في الورث. كلن عايز يكتب القصر باسمهم وكتبت ليه الوصية، بس بعدها بفترة قصيرة قابلت محسن واتقربنا من بعض بقينا أصدقاء. كنا بنسهر سوى وكنا في مرة سهرانين وبنشرب في بيته وكان موجود معانا بنات قضينا ليلة هناك، بس بعد يومين اتفاجئت بيه مصورني مع البنت اللي قضيت معاها الليلة وهددني بالفيديو ده يسكت

مقابل إنه يشوف وصية حسين باشا. وبعدها لقيته جاي بعد كام يوم بيطالبني أعدل في الوصية يا إما يفضحني. وساعتها كنت متجوز وعندي أولاد وخوفت ونفذت اللي طلبه مني وعدلت الوصية إن حسين بيه عاوز يوسف ابنه يتجوز ثريا بعد ما اتطلقت يا إما الورث كله يروح للجمعيات الخيرية. ونفذت وبعدها بأسبوع حسين باشا اتوفى…

أغلق الفيديو لتنزل صدمة أخرى على الجميع ليردد أدم بسخرية واحتقار: ده طبعاً غير الشقة اللي في المعادي اللي كان مكان لقاء العشاق واللي كانوا طبعاً مخبيين فيها كل الورق اللي يخص شغلهم الو… في المخدرات وتهريب السلاح، حتى شقق الدعارة اللي بيديروها من بعيد لبعيد. ريان ساخراً:

بس أحب أقولكم إن الورق ده بقى معانا دلوقتي، أو بالاصح بقى مع البوليس. حتى كل الفيديوهات دي بقت مع البوليس اللي فيها طبعاً ما يثبت إن انتوا اللي قتلوا أمي. اقتربت حياة من ثريا قائلة بسخرية وانتصار: مش قولتيلي متهدديش بعشم أوي يا ثريا، لأن محدش عارف بكرة في إيه. نظرت لها ثريا بغل وسرعان ما توسعت عيناها بصدمة وذعر، وكذلك محسن وهدير عندما استمعوا لصوت صفارات سيارة الشرطة!!!!

وضع محسن يده على خصره يتأكد من وجود سلاحه، ليستغل اقتراب حياة منهم، سرعان ما جذبها يقبض على خصلات شعرها ويضع سلاحه برأسها. صرخ الجميع بفزع. اقترب أدم منه غاضباً ليحذره الآخر قائلاً بتوعد: ارجع مكانك أحسن ما أخلي الحلوة تحصل أمها. أوس بغضب: ورحمة أمي ما هرحمك لو شعرة منها اتأذت. ضحك محسن باستخفاف قائلاً بغل:

بينا حساب طويل وهنصفيه سوا، بس دلوقتي يا هتخرجوني من هنا يا أما هقتلها. أنا كده كده داخل السجن فمعنديش مانع أقتلها كمان، مش هخسر حاجة، بس إنتوا اللي هتخسروا. كان بدر وكذلك إلياس يحاولون التحرك ببطء خلفه دون أن يلاحظ، لكنه لاحظ تحرك إلياس ليطلق النار أسفل قدمه، لكنها لم تصبه قائلاً بسخرية: خليك مكانك يا بن العمري.

لتستغل حياة إبعاده للسلاح عن رأسها لتقوم بدعس قدمه بقدمها بقوة، ثم بمعصم يدها اليمنى قام بضربه بوجهه، ليستغل أوس إفلات شقيقته من بين يديه لينهال عليه باللكمات، بينما بدر أبعد السلاح عنه وهو يتفقد حياة بقلق وكذلك إلياس. دقائق قليلة ودخلت عناصر الشرطة معهم ضابط صديق أدم منذ الصغر ويدعى هاشم، مكبلين كلاً من ثريا ومحسن وهدير التي تصرخ بهستيرية:

هي السبب، هي اللي خلتني أموتها، هي السبب، خدته مني وهي عارفة إني بحبه، كانت عارفة إني بحب يوسف وخدته مني بسببها. أنا كنت في نظر الكل قليلة، كانت أحسن مني في كل حاجة، بسببها اتجوزت واحد أكبر مني…

أخذت تردد بعض الكلمات غير المفهومة بانهيار حتى فقدت وعيها، تم نقلها للمستشفى تحت حراسة مشددة، بينما أخذت عناصر الشرطة ثريا ومحسن اللذان يتوعدان لهم بالمزيد، بينما سارة انهارت على الأريكة خلفها لا تستوعب حتى الآن ما استمعت له!!!! غادر الجميع. لم يتبقى سوى عائلة الجارحي وعائلة العمري. نظرت حياة ليوسف بسخرية وهي تراه يتراجع للخلف يجلس على المقعد بصدمة وهو يسترجع كل ما استمع له وشاهده قبل قليل.

لم يشعر أي من أبنائه لا بشفقة ولا بأي شعور، فقد نظرات خاوية من المشاعر صوبها الخمسة تجاهه، لكنها لم تستطع أن تصمت دون أن تقول تلك الكلمات: عاشت معاك أكتر ما عاشت معانا، كنت المفروض تصدقها أكتر واحد فينا، بس انت محبتهاش. كأنك ما صدقت تخلص منا ومنها. نظر لها بألم وحزن مردداً بخفوت: هما السبب. ضحكت ساحرة قبل أن تتابع حديثها:

محسن وثريا وهدير مش السبب لوحدهم، انت كنت سبب أساسي إن عيلتنا كلها تتدمر. لو كنت قعدت دقايق بس وفكرت بعقلك كنت هتلاقي إنها مظلومة. واحدة عاشت معاك سنين أكيد كنت عارفها وعارف أخلاقها، لو كنت فكرت كنت هتلاقي إن مفيش واحدة بتخون جوزها وهي في بيته وعلى سريره وهي عارفة كويس إنه ممكن يجي في أي وقت. أمير بسخرية مريرة:

انت عجبك دور المظلوم اللي عيشت نفسك فيه، وحتى لو كانت خاينة، إحنا كان ذنبنا إيه ترمينا واحنا في أكتر وقت محتاجينك فيه؟ خليتنا أيتام أم وأب في نفس اليوم… روحت ربيت بنت مش بنتك ورميت ولادك في الشارع. تنهد أمير متابعاً بسخرية:

أوعى تفتكر إن اللي بقوله ليك دلوقتي ده لوم، لا، انت اللوم حتى ماتستاهلوهوش. انت متستاهلوش لا كره ولا حب ولا لوم، أنا بس بقولك اللي يخليك تشوف نفسك. انت ظالم، ظلمت نفسك زمان وظلمت أمي وظلمتنا، ومتحطش اللوم عليهم لأنك أنت السبب مش حد تاني.

وقف بصعوبة ثم نظر لهم بألم وأعين تلمع للدموع، لحظات ووضع يده على صدره يشعر بألم حاد لم يستطيع تحمله ليسقط أرضاً فاقداً للوعي بعدما حاول أن يتنفس لكن دون جدوى. انتفض الجميع نحوه بقلق وفزع، بينما هم لم يتحركوا خطوة واحدة.

لم يشفقوا عليه، لا يجب أن يلومهم أحد على تلك القسوة التي بقلوبهم تجاهه، فهو من علمهم إياها بهجره لهم سنوات… بكلماته القاسية وأفعاله هو من جعلهم هكذا وهو من اختار أن يكونوا أموات بالنسبة له، فلا لوم عليهم.

تم نقل يوسف للمستشفى، بينما غادرت عائلة الجارحي بعد أن غادر الخمسة القصر واحداً تلو الآخر بصمت تام بعد أن سقط يوسف أرضاً وتم نقله للمستشفى… مر وقت طويل ولم يستطيع أحد أن يتوصل للخمسة، كلاً منهم يغلق هاتفه، لا أحد يعلم عنهم شيء. حزن يخيم على الجميع، لكن على الرغم من ذلك الحزن لم يتمكن سليم من عدم الشعور بالسعادة لظهور براءة ابنته ولم يتمكن من كبح شعور الشماتة بيوسف، يعلم إن ذلك خطأ، لكن ما فعله بابنته وأحفاده ليس بالهين أبداً.

يجلس في صمت تام شارد في سكون الليل، بينما هي تتابعه بحزن كبير وقلب يؤلمها على وجعه الذي تراه بوضوح بعينيه، تتذكر كيف هاتفها وطلب منها أن تخرج خارج الفيلا وستجده ينتظرها بدون حديث، انطلق بسيارته وجاء بها لهنا حيث ذلك المكان الخالي من الناس يشبه الصحراء. قص عليها كل ما حدث اليوم، وبعدها اكتفى بالصمت. قطعت هي ذلك الصمت الذي طال، فمنذ أن قص عليها كل شيء منذ ساعاتين تقريباً وهم على هذا الحال: أمير أنت كويس؟

ظل على صمته لدقائق قبل أن يجيب بسخرية مريرة: كنت فاكر إني هبقى كويس بعد ما حققت انتقامي، كنت فاكر إنهاردة هيكون أسعد يوم في حياتي، بس بالعكس حاسس بنار جوايا… حاسس بوجعي زاد أكتر ما كان. ثم تابع بعينين لامعتين بالدموع: كنت بحبه أوي، كانت بتعامل معاه على إنه صاحبي. مش أنا بس اللي كده، هو كان حاجة كبيرة بالنسبة لينا، رغم وجعي على أمي لما ماتت، بس وجعي منه كان أكبر. نزلت دموعها بحزن عليه وهو يتابع قائلاً بحزن:

عارفة شعور إنك تكون فاكر إنك حاجة كبيرة أوي عند الشخص ده، وفجأة في لحظة يتخلى عنك بسهولة كأنك ولا حاجة في حياته… صدمني يومها، كنت أول مرة أشوف منه قسوة. نظر لها قائلاً بألم وقد تمردت دمعة من عينيه: عارفة طول السنين دي كلها كنت بحاول ألاقي ليه مبرر على اللي عمله عشان أعذره عشان ما أكرهوش، حتى بعد ما رمانا فضلت أيام مستنية يرجع ياخدنا، قلبه يحن، بس معملش كده. ثم تابع بصوت متألم:

لو اديته مبرر على الخيانة اللي أمي اتظلمت فيها، مش هديله مبرر على إنه اتخلى بسهولة، ولا كأن إحنا ولاده. نظر لها متابعاً بألم: خديني في حضنك يا فرح. بدون تردد جذبته لأحضانها تضمه بقوة ودموعها تغرق وجهها، وكذلك فعل هو يحاول أن يستمد من أحضانها الأمان، أن يجد الراحة التي لم يحصل عليها منذ سنوات.

بفيلا الأدم حيث قادته قدمه لهنا بعد ساعات من السير بالشوارع… بغرفة الرياضة الموجودة بحديقة الفيلا كان يلكم ذلك الكيس الرملي المعلق، يحاول أن يخرج الغضب والنيران المشتعلة بداخله. أخذ يلكمه ويلكمه بدون ارتداء القفازات حتى جرحت يده ونزفت دماء… لقد ظن إن النيران المشتعلة بصدره تلك ستهدأ اليوم، ظن إنه سيرتاح، لكن حدث العكس. هيئة يوسف وهو يسقط أرضاً لا تفارق باله أبداً. يكون كاذباً إن قال إنه لم يحزن عليه.

كان منشغلاً بلكم ذلك الكيس بغضب ولم يشعر بها وهي تدخل من الباب بعدما كانت تجلس بالحديقة تذاكر دروسها ورأت أنوار تلك الغرفة مضيئة، تفاجأت به. سرعان ما شهقت بقوة وهي ترى يده تنزف دماء. التفت للخلف لترى هيئته المزرية تلك عاري الصدر جسده بأكمله يتصبب عرقاً، يتنفس بقوة وعيناه حمراء. لا تنكر شعورها بالخوف الشديد، لكنها رأت حيرة وحزن بعينيه. اقتربت منه قائلة بخوف: انت كويس؟ إيدك بتنزف جامد. لم يجيب، فقط يحدق بها. خرجت

من الغرفة قائلة بتعجل: استنى بس ثواني هجيب شنطة الإسعافات الأولية، هاجي علطول. مرت دقائق وجاءت، ثم بهدوء جذبته ليجلس أرضاً بتلك الغرفة التي لا يوجد بها مقعد واحد حتى. ثم جذبت يده تضعها على قدمها تضمدها برفق، ثم التقطت يده الأخرى وفعلت المثل وهو فقط يتابعها بصمت. أقلقتها نظرت له لتجد عينيه لامعتين بالدموع والحزن والألم يشع منهما. سألته بحزن: في حاجة مضايقاك؟ هو الجرح بيوجعك؟

ياليت جرح قلبه كان مثل جرح يده، سيطيب ويشفى بدون أثر، لكن ما بداخله لن يشفى أبداً. بصمت انحنى بجسده يضع رأسه على قدمها يغمض عينيه. تعجبت مما فعل، ليقرر الحديث أخيراً قائلاً بصوت مرهق حزين لامست فيه الرجاء: مش هعمل حاجة يا مهرة، خليني كده بس. بتردد وضعت يدها على رأسه تمررها بلطف تعبث بخصلات شعره بلطف.

ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه، وتلك الذكرى لاحت على باله الآن هو ووالدته بنفس المشهد. كم كان يعشق أن ينام هكذا على قدمها وهي تعبث بخصلات شعره بحنان.

أغمض عينيه، بينما هي كانت تتأمله بحزن. لا تعرف ما به، لكن قلبها يؤلمها وهي تراه هكذا. مر وقت وشعرت بانتظام أنفاسه. أرادت أن تجعله يستيقظ لكن خشيت أن تزعجه وأرادت أن تذهب، لكن قلبها لم يطاوعها أن تذهب وتتركه هكذا. بقيت بجانبه تعبث بخصلات شعره بحنان وبحب. مرت يدها على وجهه الوسيم. مر وقت قليل حتى غفت هي الأخرى بجانبه.

تجلس أمام النيل هكذا منذ ساعات بشرود. كلما وقعت عيناها على طفل صغير أو طفلة برفقة والديها تشعر بحسرة كبيرة وغيرة. لطالما كانت هكذا منذ الصغر. بينما هو كان يقود سيارته بالشوارع يبحث عنها. القلق ينهش قلبه حزين لأجلها. توقف عندما لمحها تجلس على أحد المقاعد الخشبية أمام النيل بشرود تام كأنها بعالم آخر. توجه لها ثم جلس بجانبها قائلاً بقلق: بقالي كتير بدور عليكي… حتى تليفونك مقفول. إنتي كويسة؟

صمت… كان جوابها عليه الصمت. بقى هكذا بجانبها لوقت غير معلوم حتى قطعت هي الصمت قائلة بحزن وأعين لامعة بالدموع: تخيلي فجأة إن يبقى أقرب واحد ليك وأكتر حد بتحبه في يوم وليلة يبقى عدوك… أنا اتوجعت منه أكتر ما اتوجعت على موت أمي. بسببه اتحرمت من حاجات كتير أوي. نظرت له قائلة بدموع: أقولك على سر. نظر لها بحزن ثم أومأ لها بنعم لتتابع هي بدموع تغرق وجهها وألم:

أنا كنت ساعات كتير بغير من أدم وأوس وريان وأمير عشان هما عاشوا معاها ومعاه وشبعوا من حنانهم. قدروا يكونوا ذكريات معاهم. أول يوم مدرسة كانوا معاهم، يعني عاشوا معاهم الطفولة، المرحلة اللي بتبقى أهم مرحلة في حياة كل إنسان بيكون فيها ذكريات كتير مع أهله. ثم تابعت ببكاء وحزن:

أنا ساعات كمان كنت بغير من زينة وزمايلي في المدرسة لما كل واحدة تيجي تحكيلي عن باباها ومامتها جابولها إيه وعملولها إيه. كنت بغير وبزعل أوي وبحس بحرمان كبير. كنت دايماً أسأل نفسي ليه أنا مش زيهم. مسحت دموعها بظهر يدها قائلة بصوت مختنق: ليه ذكريات طفولتي كلها حزن ووجع ملوش آخر؟

أنا كنت فاكرة إني هرتاح إنهاردة بالذات بس محصلش. أنا دايماً حاسة إني تايهة، مش عارفة أنا عايشة ليه ولا عايزة إيه. الأول كنت عايشة عشان آخد حق أمي، بس دلوقتي إيه السبب عشان أعيش؟ نظرت له باكية بينما هو الحزن مرتسم على وجهه لأجلها: أنا ساعات كتير كنت بفكر أنتحر أو أموت نفسي، بس كنت بخاف إني لو موت ما أشوفهاش، لأني ساعتها هبقى في النار. بكت بقوة وهي تتابع بحزن:

عارف يومها… يوم ما ماتت قدام عيني ولحظة ما وقعني وقال مش ولادي، جوايا حاجة اتكسرت مش هترجع زي ما كانت أبداً. هما خدوا مني حاجات كتير، طفولتي، براءتي، أحلامي، الحنان اللي كان نفسي أحس بيه وسط عيلتي.

بلحظة جذبها لاحضانه بقوة بعدما فشل في قول شيء يخفف عنها، بينما هي لم تمانع بل تشبثت به بقوة. كل ما كانت تحتاج له عناق قوي يشعرها بالأمان. بكت بقوة وهي تتشبث به. بقى الاثنان هكذا حتى غفت بين ذراعيه. حملها برفق شديد وتوجه لسيارته. مر وقت وكان يحملها بين يديه مرة أخرى يصعد بها الدرج حيث غرفته. كان الجميع بغرفهم.

وضعها على الفراش ثم دثرها بالأغطية وجلس بجانبها يربت على خصلات شعرها بحنان وقلبه يدمي من الحزن عليها. ليتها استطاعت أن تأخذ كل أوجاعها وتتحملها بدلاً عنها… هي ليست سوى طفلة صغيرة تائهة تبحث عن الأمان، تريد الحنان والحماية، طفلة لم تعش طفولتها كما يجب. قبل جبينها ثم أزال سترته وتسطح على الأريكة ينظر لها من حين لآخر حتى أخذه سلطان النوم.

يقف على تلك القمة الجبلية بمنطقة المقطم، بينما هي تجلس بالسيارة منذ أن خرج من القصر وهي ركضت خلفه وصعدت لسيارته عنوة. وهو يلتزم الصمت فقط يقف هنا منذ ساعات. لم تكن تعلم إنه تحمل كل هذا وبداخله كل هذا الألم. انتفضت بجلستها عندما سمعت صوت صراخه المتألم بصوت عالي: آآآآه.

خرجت من السيارة سريعاً لتجده يفتح ذراعيه ينظر للسماء صارخاً، لامست الألم والوجع بصوته. ركضت له تحتضنه من الخلف وهي تستند برأسها على صدره تبكي بقوة، قلبها يؤلمها وهي تراه هكذا. لم يتحرك، بقى واقفاً مكانه، يغمض عينيه. التفت لها لتتقابل الأعين، ثم بلحظة جذبها نحوه آخذاً شفيتها في قبلة قوية. لم تكن قاسية لكنها استشفت بها حاجته الكبيرة لها… بعد وقت ابتعد عنها يجذبها لاحضانه قائلاً بوجع: احضنيني جامد يا زينة.

على الفور نفذت ما قال وهي تبكي بحزن لأجله، لم تعهده بحياتها هكذا. أمام غرفة العمليات يقف جميع عائلة العمري بانتظار خروج الطبيب حتى يطمئنوا على يوسف. مر وقت وخرج الطبيب قائلاً بأسف…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...