تخلص من سترته على الفور، يساعدها بأن ترتديها فوق ثوبها الخفيف ذي الحمالات الرفيعة. قائلاً بحب وصدق: "هفضل جنبك لاخر العمر، بحبك يا حياة بدر." أغلق سحاب سترته من الأمام حتى يدفئها أكثر. كان الاثنان قريبان من بعضهما للغاية. هي ثملة لا تعي ما تفعل أو ما تقول، بينما هو لم يكن بحال أفضل منها. يكفي النظر لعيناها التي لم يرى أجمل منها بحياته حتى يثمل هو.
الآن أمام خيارين: أن يكون خائنًا للأمانة، أو يقتنص قبلة من تلك الشفاه التي منذ أن وقعت عيناه عليها وهو يتمنى تذوقها. وهي أبدًا لن تمانع، وهو ليس بسيدنا يوسف حتى لا يضعف.
انتفض واقفًا، متغلبًا على رغبته. لن يفعلها. هي لم تبح له بحبها، وربما لم تشعر نحوه بيوم من الأيام. لذا لن يأخذ شيئًا يمكن أن يكون بيوم من الأيام ملكًا لغيره. وفوق كل هذا، لن يخون الأمانة. لن يقع بذلك الخطأ. انحنى ثم حملها بين يديه مغادرًا المكان. بينما هي ظلت تهذي ببعض الكلمات حتى غفت. وما إن وصل لقصر الجارحي، تقابل بسليم الذي ما إن اقترب منهم اشتم رائحة الخمر تفوح منها، ليسأله بصدمة: "شاربة؟
أومأ له بدر بتوتر، ثم أخبره أين وجدها. وصعد لغرفتها ثم دثرها بالفراش وغادر الغرفة وعقله لا يتوقف عن تذكر ذلك الحديث الذي دار بينهم. *** بينما بقصر الجارحي: كان أول من تحدث جمال، قائلاً بتعجب: "تتجوز مين؟ صمتت للحظات قبل أن يقول بجمود: "هند بنت الدكتور منصور جارنا." مازن شقيقه باستغراب: "اشمعنا؟ إلياس بسخرية: "هو إيه اللي اشمعنا؟ أظن إن جي الوقت اللي أتجوز فيه وأكون عيلة، ولا مش من حقي؟ مازن بسخرية مماثلة:
"طب وج حياة اللي كنت عمال تجري وراها إيه النظام؟ مش ناوي تتجوزها؟ إلياس ببرود يعكس النيران التي تشتعل بصدره من الغضب والغيرة كلما يتذكرها أو يتخيلها بأحضان رجل آخر: "متنفعنيش ولا تلزمني." سعاد بتعجب: "طب اشمعنا هند بالذات؟ ما إحنا ياما اتحايلنا عليك تتجوزها زمان ورفضت." ضحك قائلاً بسخرية: "على الأقل هتكون أحسن من حياة." تدخل يوسف بالحديث قائلاً بحدة: "أنا بنتي مش أحسن من حد يا إلياس، ولم تجيب سيرتها تتكلم عدل."
إلياس بتهكم: "بتدافع عنها على أساس إيه يا عمي؟ تعرفها أو عيشت معاها عشان تعرف أخلاقها؟ يوسف بحدة: "بلاش ترمي بالكلام، يا تقول اللي عندك ضهري ومن غير لف ولا دوران، يا أما تسكت." إلياس بسخرية: "يبقى اسكت أحسن يا عمي، لأن كلامي مش هيعجبك ولا هيعجب الموجودين." زفر يوسف قائلاً بغضب: "يبقى أحسن." صمت عم المكان للحظات، قاطعه إلياس قائلاً بجمود قبل أن يصعد لغرفته: "أنا كلمتهم وخدت ميعاد، نزورهم بكرة بليل." ***
بغرفة جمال وفرحة: كانت تحدثه قائلة: "عارف يا جمال... نظر لها لتتابع هي: "حياة بحبها وكل حاجة، وبحسها بنتي، بس... نظر لها قائلاً بتساؤل: "بس إيه؟ أنتي فرحانة إنه مش هيتجوزها؟ أومأت له قائلة: "الصراحة آه. حياة بعد اللي شافته، آسفة في اللي هقوله، بس معقدة ومش هتريح ابني وهيتعب معاها، و... قاطعها قائلاً بحدة: "هو الجواز عشان ابنك يرتاح بس؟
أنا وإنتي عارفين إن طباع ابنك صعبة، يعني اللي تتجوزه لازم يريحها زي ما هي هتريحه، مش عشان هو يرتاح بس." زفرت قائلة بضيق: "معرفش بقى يا جمال، مش شايفة إنها مع ابني وكويس إنها جت منه لأني كنت هتحرج أرفض ومش هبقى موافقة ع الجوازة من جوايا." ثم تابعت بتساؤل: "هي عندك مش عاجباك ولا إيه؟ زفر جمال قائلاً بضيق: "البنت كويسة ومفيهاش حاجة، بس قلبي بيقولي إن ابنك ليه غرض تاني غير الجواز والاستقرار اللي طلع بيهم فجأة."
فرحة بدفاع عن ابنها: "بلاش تظلمه، إحنا مدخلناش جواه." جمال بضيق: "ابنك كان رافض هند وريقنا نشف من الكلام معاه عشان يتجوزها، ودلوقتي فجأة حلت في عينه. في حاجة في دماغه، وقلبي حاسس إنه واخدها كبري، شكله هيظلم البنت معاه يا فرحة." فرحة بنفي وبالطبع دافعت عن ابنها:
"لا ظلم ولا حاجة. هو الجواز لعبة ابني، أكيد عارف كده كويس وفكر قبل ما ياخد القرار ده. ويمكن عشان الممنوع مرغوب، هو كان رافض لما كنا بنتحايل عليه، ولما سكتنا هو بقى عايزها." تنهد قائلاً بتمني: "ربنا يخلف ظني يا ستي، وتطلع غلطان." انتهى الحديث بينهم لهنا، لكنه لا يشعر بالارتياح لقرار ابنه المفاجئ. *** في صباح اليوم التالي: "إيه اللي جابني هنا؟
قالتها حياة بألم وتضع يدها على رأسها الذي يؤلمها وبشدة، وتنظُر لغرفتها باندهاش. نهضت بصعوبة وارتدت ثيابها. وما إن خرجت من غرفتها، وجدت بدر كاد أن يطرق بابها. ألقى عليها الصباح قائلاً بهدوء: "دماغك وجعاكي مش كده؟ أومأت له قائلة باستغراب: "عرفت منين؟ وضع بيدها كوب حليب ومعه دواء مسكن قائلاً بعتاب: "بعد الشرب اللي شربتيه امبارح لازم ده اللي يحصل." تناولتهم منه قائلة بتساؤل: "عرفت منين إني شربت وإيه اللي جابني هنا؟
سألها بتوتر: "إنتي مش فاكرة اللي حصل امبارح؟ نفت برأسها ليعاتبها قائلاً: "غلطي أوي يا حياة لما شربتي امبارح... لكن جاء صوت سليم مقاطعًا حديثه قائلاً بصرامة: "تعالي ورايا ع المكتب يا حياة." ذهبت خلفه، وما إن دخلت لمكتبه، ضرب سليم بغصاه التي يستند عليها في سيره قائلاً بغضب: "إزاي تشربي الزفت ده وتحطيه في بؤك، يا مؤمنة ياللي بتصلي؟ لم تجب، واخفضت وجهها أرضًا ليصرخ عليها بغضب: "ما تنطقي! لم تجب أيضًا، ليتابع هو قائلاً
بحدة: "ده محدش من إخواتك الرجالة عملها، تيجي إنتي وتعمليها؟ وأهو شفتي أدهم بيدفع التمن لمجرد إنه شرب الزفت ده." اخفضت وجهها بخزى، وهو يتابع توبيخه لها: "في بيت لوحدك وسكرانة؟ ما خوفتيش يحصلك حاجة وإنتي ولا هتبقى دريانة؟ مخوفتيش من ربنا؟ تنهدت قائلة باعتذار وخزى: "كلامك كله صح يا جدو، أنا آسفة." زفر بضيق قائلاً: "مكنتش متخيل إنك ضعيفة كده عشان يوصل بيكي الحال إنك تشربي الهباب ده." وقف مقتربًا منها قائلاً برفق:
"أنا عارف كل حاجة، وعارف اللي عمله الزفت إلياس معاكي. انسيه يا بنتي، ده مينفعكيش. عارف إيه قلتله يبعد عنك وحذرته من كده، وقلتله إنك مش هتبقي ليه. قال إيه؟ نظرت له، وبداخلها أرادت أن تسمع رده التي كانت متأكدة أنها ستجرحها، لكنها بحاجة لتلك الكلمات حتى تكرهه أكثر وأكثر: "قالي خليهالك، هو باع يا بنتي، وافتكري دايما اللي يبيعنا عمرنا ما نشتريه أبدًا." أومأت له قائلة بجدية:
"مش محتاج تقولي الكلام ده يا جدو، من اللحظة اللي اتهمني فيها بكلامه أنا طلعته من حياتي، وأنا اللي مش عاوزاه أصلًا، ولا اشتريته من الأساس، ولا وعدته بحاجة، ولا قلتله كلمة واحدة تبين ليه إني بحبه. يعني هو مش من حقه يتهمني ويقول إن خاينة في كل حتة." أومأ لها بصمت، لتقبل جبينه ثم يده قائلة باعتذار: "حقك عليا، وآخر مرة تحصل." أومأت له قائلاً بتحذير: "آخر مرة يا حياة، اللي حصل ده يتكرر." أومأت له قائلة بوعد:
"أوعدك آخر مرة." ثم غادرت لغرفتها تحاول أن تتذكر ما حدث أمس. *** بعد وقت: كانت تجلس ببهو القصر في صمت، تنظر للفراغ بشرود. لم يقاطع شرودها سوى صوت بدر الذي جلس بجانبها قائلاً: "ناوية تعملي إيه؟ نظرت له بعد فهم قائلة: "أعمل إيه في إيه؟ "في حياتك." صمتت للحظات قائلة: "هرجع لندن." قطب جبينه قائلاً بتساؤل: "ليه؟ تنهدت قائلة وهي تحاوط قدمها بيدها: "حياتي كانت هناك، أنا يدوب كنت نازلة هنا لهدف حققته خلاص، هقعد أعمل إيه؟
أومأ برأسه قائلاً بهدوء: "إنتي عايزة ترجعي لندن عشان تهربي، مش عشان حياتك هناك." نفت برأسها قائلة بتوتر: "مش صح." تنهد قائلاً بتصميم: "لأ صح... قاطعته قائلة بحدة وصوت عالٍ من توترها: "فرضًا إنه صح، يخصك إيه؟ حياتي وأنا حرة فيها، خليك في حالك، أنا مش ناقصة وجع دماغ وأسئلة عم... قاطعها قائلاً بحدة وغضب: "حياة." زفر بضيق قائلاً:
"بلاش طريقة كلامك دي معايا، وبلاش تعلي صوتك عليا. مش معنى إني بكلمك بهدوء وبآخد وأدي معاكي، هسمحلك تتجاوزي حدودك معايا. كان ممكن تقولي إنك مش حابة إنك تتكلمي في حياتك معايا، وكنت هسكت." وقف قائلاً بجدية: "لكن تتكلمي بالأسلوب ده مش هقبله. بعد كده مش هتدخل في حاجة تخصك طالما بتضايقي كده." "عن إذنك."
ثم صعد لغرفته مرة أخرى. أخذت تلوم نفسها على ما قالت. مرت دقائق وصعدت لغرفته. طرقت الباب لحظات وسمح لها بالدخول. ما إن دخلت، رأته يجلس على أحد المقاعد الموجودة بزوايا الغرفة، يضع حاسوبه على قدمه، يبدو أنه يتابع عمله. اقتربت حتى وقفت أمامه قائلة بحرج: "بدر." لم يبعد نظره عن الحاسوب قائلاً باقتضاب: "خير." تنهدت قائلة بتوتر: "أنا آسفة، حقك عليا." لم يجيب عليها لتتابع هي حديثها قائلة:
"متبقاش قموصة بقى، مكنتش كام كلمة قولتهم في لحظة غضب مني." لم يجيب، لتعتذر مرة أخرى قائلة: "أنا مقصدش والله أتكلم معاك بالأسلوب ده، بس كنت متعصبة، والصراحة بقى أنا اتوترت لما إنت قولت إن بكذب، لأن دي الحقيقة." تنهد قائلاً بهدوء ولم ينظر لها: "حصل خير. مش هضايقك بأسئلتي تاني. حياتك وإنتي حرة فيها." أغلقت شاشة الحاسوب الذي أمامه قائلة:
"مش بتضايقني أسئلتك يا بدر، أنا بكون معاك على طبيعتي وبتكلم معاك زي ما بتكلم مع إخواتي، وبكون معاك صريحة في الكلام." نظر لها بهدوء لتتابع هي بيأس: "متزعلش مني، أنا آسفة، حقك عليا." ابتسم قائلاً بهدوء: "مش زعلان خلاص." ابتسمت قائلة بمرح: "بمناسبة الصلح، اسأل براحتك يا سيدي." ضحك بخفوت قائلاً: "عايزة تهربي من إيه؟ من إلياس؟ تنهدت قائلة بهدوء:
"هو سبب من الأسباب، لكن أنا بجد مش قادرة أستنى هنا في مصر. كل اللي ليا فيها ذكريات توجع القلب وبس، واتحججت بالسفر عشان أبعد عن هنا، رغم إني مقدرش أبعد عن إخواتي." صمت لدقائق ثم نظر لها قائلاً بعد تفكير:
"تسافري نيويورك معانا، ومنه تكملي دراستك وتبعدي عن هنا، ومنه بردو متبقيش لوحدك في بلد غريب. ده مجرد اقتراح، فكري، والصراحة أنا شايف إنه حل مناسب، لأني أكيد محدش من إخواتك هيبقى مأمن إنك تسافري لوحدك، حتى جدي سليم نفس الكلام." نظرت له بصمت ليتابع قائلاً: "فكري وقرري اللي عاوزاه." *** باليوم التالي أشيع على كافة مواقع التواصل الاجتماعي خبر ارتباط رجل الأعمال إلياس العمري بابنة الطبيب الشهير "هند منصور".
ابتسمت حياة بسخرية وهي تغلق هاتفها وتلقيه بجانبها، وهي تعلم لما اتخذ تلك الخطوة. *** تمر الأيام ببطء شديد على البعض، حتى مضى شهر كامل ليعود كلا منهم وعروسه من شهر العسل. في صباح اليوم التالي كانت هنا تجلس بغرفتها برفقة زوجة خالها قمر التي جاءت لها بكأس حليب. يدور بينهم الحديث كالتالي: قمر برفق: "يا بنتي استهدي بالله، ذنبه إيه اللي في بطنك ده؟ طفل و لازم يتربى في حضن أمه وأبوه." هنا بتصميم:
"ده آخر كلام عندي يا مرات خالي، في ولاد كتير بيتربوا بين أب وأم منفصلين، ومفيش حاجة بتحصل." تنهدت قائلة بجدية: "أنا وأدهم الحياة بينا بقت مستحيلة خلاص، وأنا مش هاخد ابني وأعيش آخر الدنيا. أنا عايشة هنا بينكم، وابني هيتربى وسطكم، مش في بيت حد تاني." قمر برجاء: "بس بردو هيأثر على نفسية الولد يا بنتي. أدهم ندمان، ادي لنفسك فرصة معاه عشان خاطر ابنكم." هنا بنفي وحزن: "فكرت ومش هقدر يا مرات خالي." حاوطت
جنينها بيدها قائلة بحزن: "أنا مش هرجع لأدهم غصب، وعشان سبب تاني. أول مرة ابنك أجبرني أتجوزه، ودلوقتي لازم أرجعله عشان خاطر ابني مجبورة. مش هيحصل، وابني هعرف إزاي أعوضه ومش هحسسه بفرق، وأدهم كمان هيبقى موجود في حياة ابنه. لو رجعت لأدهم، وبيني وبينه المشاكل، مش بعيد نسبب مشاكل نفسية للولد أكتر." تنهدت قمر قائلة بحزن: "ربنا يهديكم يا بنتي." *** بينما بمستشفى الجارحي:
كانت سارة تجلس صامتة على فراشها، تنظر للغرفة حولها بقهر وتحسر على ما أصبحت عليه الآن. سمعت صوت الباب يفتح، التفتت لترى من، لتقع عيناها على آخر شخص توقعت رؤيته قائلة: "عمر؟! نعم، هو. بعد أيام قضاها في التفكير قبل أن يأتي لها. لم يطاوعه قلبه على تركها بتلك الأزمة، بالرغم مما فعلته به ومعرفته بسبب تواجدها هنا. ابتسم بسخرية قائلاً: "حمد الله ع السلامة." أشاحت بوجهها بعيدًا عنه قائلة: "جاي تشمت فيا مش كده؟
ضحك بخفوت قائلاً بتهكم: "أشمت فيكي ليه؟ نظرت له قائلة بغرور: "عشان اللي عملته فيك زمان، بس كان حتة رهان. نظرتي مخابتش أبدًا. قولت لهم هجيبه راكع، وجيت راكع. لما كنت طلبت منك إيه، كنت بتعمله." أشارت نحو إصبعها قائلة بإهانة: "كنت زي الخاتم في صباعي." ضحك بسخرية قائلاً: "كنت بعمل كده حب، بس واحدة زيك متعرفش الحب ولا بتحس من أساسه عشان تعرف اللي بيحب بيعمل إيه." رغم غضبها من إهانته، إلا أنها تصنعت
البرود قائلة بتهكم وغرور: "بس اللي عملته فيك حرقك أوي، عشان كده بعد السنين دي كلها جاي تشمت؟ لسه مش ناوي تنساني مش كده؟ عندك حق، سارة عمرها ما تتنسي يا عمر." أومأ لها قائلاً بهدوء: "هو من ناحية ما تتنسيش، فإنتي فعلاً ما تتنسيش." شملها بنظراته باحتقار قائلاً: "محدش أبدًا ممكن ينسى أحقر بني آدم بيقابله في حياته، ولا حد بالرخص ده." صرخت عليه بغضب من إهانته: "إنت اتجننت؟ اط... قاطعها قائلاً ببرود ولم يعطِ
لها فرصة للحديث: "اللي جابني مش إني محروق منك زي ما بتقولي، تؤ. أنا بس كنت زيارة هنا وشفتك وصعبتي عليا. أنا هنا شفقة مش أكتر. ملقتش حد معبرك، قولت أدخل أزورك. ده حتى بيقولوا زيارة المريض." "عليه ثواب." كورت يدها بغضب وصدرها، خاصة عندما تابع هو حديثه قاصدًا إيلامها والتقليل منها: "عايزة الحق، واحدة زيك لازم تفضل لوحدها ومحدش يعبرها. هو في حد عاقل يستحمل يقعد معاكي؟ تنهد قائلاً بضيق:
"سنين مغيرتش فيكي حاجة، زي ما إنتي بتقدرى تطلعي أسوأ ما في الواحد. بس الفرق إنك زمان كنتي بتشوفي نفسك بالفلوس. هتعملي إيه من غيرها دلوقتي؟ بقيتي لوحدك، لا فلوس ولا أصحاب ولا أهل ولا أي حاجة، آخرتك مرمية على سرير بين أربع حيطان." كان صدرها يعلو ويهبط بانفعال، وهو مستمر في التقليل منها بكلماته والنظر لها باحتقار قائلاً: "تتعظي؟ لأ، لسه فيكي جبروت وغرور." صرخت عليه قائلة بغضب: "بس كفاية، اسكت." رفع حاجبه قائلاً بتهكم:
"أسكت ليه؟ مش هي دي الحقيقة؟ صرخت عليه بغضب وانفعال: "بقولك اسكت، اطلع بره يا عمر، بقولك اطلع بره." ابتسم بسخرية قبل أن يغادر. وما إن أغلق الباب، استمع لصوت بكائها. كانت تبكي وتنتحب بقوة. ألمت قلبه الأحمق الذي حتى الآن لا يزال يحبها. *** مرت وقت حتى وصل الجميع لقصر الجارحي. استقبلهم الجميع بترحيب حار، بينما حياة احتضنتهم قائلة بسعادة واشتياق: "وحشتوني." جذبها أوس معانقًا إياها قائلاً باشتياق:
"إنتي كمان يا حبيبتي، جايب لك معايا شوية هدايا هيعجبوكي أوي." ريان بسخرية وهو يجذبها لاحضانه هو الآخر: "مش لوحدك يا خويا، جايب هدايا أنا كمان." ضحكت حياة بسعادة، ثم رحبت بزوجاتهم. مر وقت طويل قضوه مع الجميع، ثم غادروا للفيلا الخاصة بهم والقريبة من قصر الجارحي، وبعد إصرار ذهبت حياة معهم. *** "أنا مش هسافر لندن." قالتها حياة لإخوانها ما إن جلست معهم بمفردها. أمير بسعادة: "كنت متأكد إنك هتصرفي نظر عن الموضوع."
صمتت للحظات ثم قالت بتردد: "هسافر عند جدو عاصم." آدم بحدة: "هو سفر وخلاص؟ زفرت قائلة بانفعال: "افهموني، أنا مش قادرة أستنى هنا، هما وإني أعيش هنا، آه بهرب، بهرب من كل الذكريات دي، بهرب من نفسي ومن الماضي. كل اللي عيشته في مصر هنا يوجع، ومليش ذكرى واحدة حلوة أستنى عشانها." تنهدت قائلة باختناق: "محتاجة أبعد فترة، هخلص دراسة وأرجع. مش عايزة أبعد عنكم، وفي نفس الوقت محتاجة أبعد عن هنا. ساعدوني وبلاش تصعبوها عليا."
نظرت لهم قائلة: "مش عايزني أسافر وأقعد لوحدي عشان خايفين، أهو هسافر وسط عيلتنا بردو ومش هبقى لوحدي." آدم على مضض وحزن على شقيقته: "ماشي يا حياة." تنهدت قائلة بهدوء: "هسافر آخر الأسبوع ده." *** مرت الأيام سريعًا، وقد جاء اليوم المحدد لسفرها برفقة بدر وعائلته. كانت تجلس برفقتهم بالمطار في انتظار موعد إقلاع الطائرة برفقة إخوانها أيضًا.
بينما على الناحية الأخرى، كانت ندا قد علمت ندا مصادفة ما حدث بين شقيقها وحياة من ريان. تمسكت بهاتفها مترددة في إخبار إلياس حتى يلحق بها. بقيت هكذا لوقت، ثم حسمت أمرها وهاتفنه، ثم أخبرته بكل شيء علمته. بحث سريعًا على مواقع التواصل عن اسم ذلك الطبيب الذي أخبرته به، وما إن ظهرت صورته اتضح له كل شيء. سرعان ما كان يركض للمطار ليلحق بها. ***
يركض هنا وهناك يبحث عنها بين وجوه الجميع. ما إن رآها تعبر تلك البوابة لداخل المطار برفقة بدر وعائلته بعد توديع من إخوانها، ركض سريعًا نحوها حتى يلحق بها، ولكن ما إن اقترب كانت هي دخلت للداخل. منعه آدم من الاقتراب قائلاً بحدة: "خير؟ نظر له قائلاً برجاء: "حياة، لازم أتكلم معاها ضروري قبل ما تمشي." ثم دفع آدم من أمامه ليتراجع الآخر عدة خطوات قائلاً بضيق: "أوعى من طريقي." عاد آدم من جديد يعترض طريقه قائلاً بغضب:
"حياة مسافرة خلاص، خد بعضك وامشي لو لسه عندك شوية كرامة عشان متزعلش." إلياس برجاء: "أنا عرفت كل حاجة وظلمتها، عارف، سيبني بس هكلمها دقيقتين مش أكتر." ريان بحدة وغضب: "لأ، وامشي من هنا بالذوق عشان أنا لحد دلوقتي عامل حساب إنك أخو ندا." إلياس بغضب: "مش همشي غير لما أتكلم معاها." ضحك أوس بسخرية قائلاً وهو يشير للسماء لتلك الطائرة التي حلقت بالجو: "ابقى اطلع كلمها فوق في السحاب." ابتعد آدم عنه قائلاً بتحذير وغضب:
"ابعد عن أختي وطلعها من تفكيرك خالص. هي لو وافقت، لا أنا ولا هما هنوافق عليك، لأني لما أنوي أسلمها لراجل يصونها ويحطها في عينه، مش ليك." أمير بسخرية: "روح لخطيبتك يا عريس." قالها ثم غادر برفقة إخوانها، وتركه ينظر للسماء بتحسر وندم. ولكن أبدًا لن يستسلم، سيفعل المستحيل حتى يصل لها ويطلب غفرانها. بينما بسيارة أوس أثناء عودتهم، نظر لهم آدم قائلاً بتساؤل وتفكير: "عرف منين إن حياة بريئة؟
وإزاي عرف إنها هتسافر النهارده بالذات وفي الوقت ده؟ كل تلك الأسئلة جعلت ريان يفكر أنه من الممكن أن تكون ندا أخبرته بكل شيء. وها هو ما إن وصل للفيلا، صعد مباشرة لغرفته قائلاً بهدوء: "رحتي قولتي لإلياس مش كده؟ توترها وتهربها من النظر له جعلها يتيقن أنها من فعلت. ليصرخ عليها بغضب ونفاذ صبر: "ما تنطقي! أجابته بخوف وتلعثم من نبرته العالية: "ده أخويا." ركل المقعد بقدمه قائلاً بغضب نادرًا ما يظهر عليه: "أخوكي وأنا جوزك!
فضفضت معاكي بكام كلمة تروحي تنقليهم ليه على طول؟ ويا ترى كنتي بتحكي إيه تاني ليه؟ نظرت له قائلة بتبرير: "ريان كفاية، ده أخويا، ومكنش ينفع أسكت وأنا شيفاه بيغرق، كان لازم أفوقه عشان يلحق... قاطعها قائلاً بغضب: "فكرك لو كان لحقها، كنا هنسمح ليه؟ أخوكي لو آخر واحد على وش الأرض، أختي مش هتبقى ليه. أخوكي عمري ما هأمن على أختي معاه." نظرت له قائلة بغضب: "اشمعنا هو سلمك أخته؟
صرخ عليها غاضبًا، بينما اجتمع كل من بالمنزل على صوتهم العالي، وقد خمن إخوانه ما حدث من حديثهم الذي وصل للجميع: "لو كنت عملت اللي عمله مع أختي فيكي، ساعتها لا إنتي ولا هو هترضوا بيا. بس أخوكي من قبل ما أتجوزك، وهو كان رافض وواقفلي ع الواحدة عشان الجوازة تبوظ." "أطلق سراحي وحرر قيودي، فأنا كالفراشة لا أتروض بين قبضتك، رقيقة... كور قبضة يده متابعًا بغضب:
"أخوكي أناني ومش بيحب غير نفسه. باللي عملتيه ده، تخليني أندم إني اتكلمت معاكي في حاجة، وكانت الأولى وهتبقى الأخيرة يا ندا." قال الأخيرة ثم غادر الغرفة، بل القصر بأكمله، صافعًا الباب خلفه بقوة، رافضًا التوقف والاستماع لإخوانه، بينما الفتيات دخلن لندا التي انهارت بالبكاء فور أن غادر، ولحق الثلاثة بريان. ***
بتلك البناية التي تدل على ثراء من يسكن بها، بالطابق السادس، حيث نزل الطبيب عمر الذي يمكث فيه برفقة شقيقه الأصغر حسن ووالده. قطب عمر جبينه عندما انتفض شقيقه حسن من جانبه على الأريكة بعدما جاءته تلك المكالمة الهامة، فسأله بقلق: "حصل إيه؟ أخذ متعلقاته قائلاً بسرعة قبل أن يغادر: "لازم أروح المستشفى بسرعة. المريضة اللي كنت حكيت لك عنها قبل كده، حاولت تنتحر."
لحظات فقط يحاول أن يستوعب فيها ما قال، سرعان ما كان رغبة قلبه في الاطمئنان عليها تتغلب عليه ليركض خلف شقيقه، صاعدًا للسيارة بجانبه. قطب الآخر جبينه بتعجب عندما قال عمر: "جاي معاك." كان الآخر مندهشًا مما يفعل شقيقه، الذي صرخ عليه قائلاً بحدة من قلقه: "إنت لسه هتتصدم؟ اطلع بسرعة." نفذ ما قال، وتوجه الاثنان للمستشفى، الآخر يتملكه القلق والخوف، والآخر مندهش مما يحدث. ***
بعد وقت كان يدخل لغرفتها، بعد فحص شقيقه لها وتأكد من أنها بخير، فهي حاولت ابتلاع العديد من أقراص الدواء، لكن لحقت بها الممرضة بآخر لحظة. وقعت عيناه عليها، كانت تدفن وجهها بالوسادة، بينما صوت شهقاتها يملأ الغرفة، كانت تبكي بحرقة وجسدها ينتفض بشدة. اقترب منها قائلاً بهدوء، ولم تخلو نبرته من الحزن: "حاولتي تنتحري ليه؟ انتحبت أكثر قائلة بصوت متقطع من كثرة البكاء، لينهش الألم قلبه على حالتها تلك: "عايزة... أموت."
اقترب منها ثم جعلها تنظر له قائلاً بحدة: "مش كفاياكي اللي عملتيه في دنيتك؟ عايزة تموتي كافرة كمان؟ بكت أكثر قائلة بانكسار: "الموت أهون من إني أعيش عاجزة ومرمية كده." زفر بضيق، لم يعهدها يومًا بكل هذا الانكسار. قلبه الأحمق لا يزال يحزن لأجلها، لماذا يحبها وعلى ماذا لا يعرف. تنهد قائلاً بحزن وحدّة:
"غيرك بيمروا بأصعب من كده وبيعيشوا حياتهم. ده عقاب ربنا ليكي ع اللي عملتيه في حياتك. احمدي ربنا إنك لسه فيكي نفس تقدري تتوبي وتغيري من نفسك قبل فوات الأوان، غيرك مبيبقاش عنده الفرصة دي." أخذت تهذي بكلمات غير مفهومة بسبب البكاء، لكنه لم يستمع سوى: "هما السبب." زفر بضيق قائلاً بحدة: "إنتي اللي وصلتي نفسك لهنا، بلاش تلومي حد تاني على غلطك إنتي." نظرت له قائلة ببكاء وتوسل وهي تتمسك بيده، فقد كان يقف بجانب فراشها:
"أبوس إيدك يا عمر خرجني من هنا، أنا هموت لو فضلت هنا." جذب يده من يدها وغادر الغرفة، صافعًا الباب خلفه بقوة. وما إن خرج، ارتمى على المقعد الموجود بجانب باب الغرفة يتنفس بعنف. لما ظهرت بحياته الآن؟
لقد ظن أنه تجاوزها وتجاوز ذلك الماضي التي كانت أسوأ شيء فيها. تلك الحمقاء تظن أنها كسبت ذلك الرهان السخيف وجعلته خاتم بأصبعها، فقط لأنها استطاعت أن تؤثر عليه بأنوثتها الطاغية. تظن أنه من هؤلاء الرجال الذي يسيل لعابهم عند رؤيتها. مخطئة. لقد جذبته من أول مرة وقعت عيناه عليها. لا يعرف لما، لكنها جذبت انتباهه منذ أول مرة. لقد كانت إحدى طلابه عندما كان يعمل بمجال التدريس الذي تركه بسببها.
كلما حاول تجاهل ذلك الشعور الذي ينمو بداخله يومًا بعد يوم، مذكّرًا ذاته بأنها لا تصلح له، يفشل ويزداد إعجابه بها يومًا بعد يوم، حتى أصبحت نظراته لها مكشوفة للعيان. ليأتي ذلك اليوم الذي جاءت له وبدون مقدمات تعترف لها بأنها تحمل مشاعر نحوه. بقدر ما شعر بالتوجس من تلك الخطوة، إلا أن جراءتها أعجبته، ليخبرها بأنه الشعور بينهم متبادل.
تطورت علاقته بها يومًا بعد يوم، لا يمر يوم بدون أن يهاتفها، يخرج برفقتها لأماكن عديدة، أصبحت جزءًا لا يتجزأ من يومه، ليستمر الحال بينهم لنصف عام. صحيح أنه رأى بها عيوبًا كثيرة تطغى على مميزاتها، لكنه كان يؤمن بأن الحب يكمن في تقبل بل حب عيوب شريكك قبل مميزاته، وأصدق حب هو عندما تحب شخصًا لا تعرف لماذا أحببته.
ليأتي ذلك اليوم الذي قرر فيه الاعتراف بحبه الصادق لها وطلبها للزواج. تفاجأ بها تخبره أن كل ذلك لم يكن سوى لعبة بينها وبين صديقاتها، إن كانت ستقدر على الإيقاع بذلك الطبيب الوسيم ذي الشخصية الجادة والصرامة مع الجميع. ها هي استطاعت. لقد هشمت قلبه يومها وجعلته يرى كم كان أحمق. لم يتحمل تهامس الطلاب عليه ونظراتهم له التي تظهر له كم كان أحمق، لذا ترك مجال التعليم بالجامعة وافتتح عيادة خاصة به.
مرت سنوات وقد ظن أنه تجاوزها، لكن ما إن وقعت عيناه عليها، استعاد كل تلك الذكريات. المشاعر التي عادت تهاجم قلبه مرة أخرى. بين نارين الآن: يحتفظ بكرامته ويبتعد عنها، أم يساعدها ويضرب بكل شيء عرض الحائط؟ *** على الناحية الأخرى، بمكان يبعد عن القاهرة بكثير، بنيويورك، بصباح اليوم الذي يلي سفرهم، بتلك الفيلا الساحرة التي يقيم بها بدر وعائلته، والتي كانت جميلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. "بتعرف ترسم؟
قالتها حياة لبدر عندما نزلت لحديقة الفيلا، لتتفاجأ بتلك الغرفة المحاوطة بزجاج شفاف، ولم تكن سوى مرسم مخصص له. أومأ لها بابتسامة قائلاً: "صباح الخير."
ردت الصباح عليه قائلة بابتسامة وهي تتأمل تلك اللوحات الجميلة التي رسمها. وقعت عيناها على دفتر كبير مخصص للرسم، التقطته وقبل أن يمنعها من فتحه، كانت فعلت هي بالفعل، لتتملكها الصدمة عندما رأت صورًا لها مرسومة بحرفية شديدة تكاد تكون حقيقية. صور كثيرة، تارة وهي تضحك، وتارة حزينة. بينما هو شعر بالحرج منها، لكنها تجاهلت الحديث عنه. فاغلقته ثم وضعته بجانبها، حتى تبعد عنه الحرج قائلة: "أنا كمان بعرف أرسم."
قرب يده منها بالفراشاة قائلاً بتحدي: "طب ما تورينا مواهبك." نظرت له قائلة بابتسامة: "بتتحداني يعني؟ حرك رأسه بنعم. التقطتها منه ثم جاءت بمقعد وجلست بجانبه وبدأت بالرسم معه. مر وقت والاثنان في اندماج تام. التقطت حياة أنبوب اللون الأسود ثم أخذت تفرغ منه القليل، لكن بدون قصد ضغطت على الأنبوب بقوة، ليتطاير ما به بالهواء، يصيب ملابس بدر ووجهه قليلاً. شهقت بخفوت قائلة وهي تغمض عين وتغلق أخرى كالأطفال: "آسفة."
تظر لها قائلاً بغيظ: "قصداها مش كده." نفت برأسها قائلة: "لا، هقصدها ليه يعني؟ رد عليها بغرور واهٍ وغيظ: "عشان متغاظة إن برسم أحسن منك." شهقت قائلة بغيظ: "مستحيل، رسمي أنا أحسن طبعًا. أنا عارفة إنك أكيد متغاظ عشان رسم... هيي! شهقت بقوة عندما أفرغ عليها ألوانًا هو الآخر، لتنظر له قائلة بغيظ: "قاصدها مش كده."
أومأ لها ببرود، لتقضم شفيتها بغيظ، ثم أخذت تفرغ عليها الألوان هي الأخرى، وكذلك فعل هو، لتبدأ حرب بين الاثنين. بدأت بغيظ ثم انتهت بمرح بين الاثنين، وسرعان ما تعالت ضحكاتهم بالمكان. حتى قاطعهم صوت يعرفه بدر تمام المعرفة: "إيه اللي بيحصل هنا؟! تنهد بدر قائلاً بابتسامة لم تصل لعينيه: "إزيك يا نسرين." اقتربت منه نسرين قائلة بصوت ناعم:
"مش كويسة خالص، وحشتني كتير أوي يا بدر. ما كنتش مصدقة لما مامتك كلمتني الصبح وقالتلي إنكم وصلتوا، جيت على طول جري." ابتسم بدر بجفاء. لتلاحظ حياة أنه غير مرتاح بالحديث مع تلك الفتاة التي لم تشعر بالارتياح نحوها أيضًا. نسرين بتساؤل: "مين دي؟ بدر بابتسامة ولمعة بعينيه لم تخفَ على نسرين التي استشعرت الخطر بوجود تلك الفتاة: "حياة بنت عمتي، ودي نسرين جارتنا من زمان أوي، مصرية بردو."
ابتسمت حياة بمجاملة، بينما نسرين بادلتها نفس الابتسامة قائلة بمزاج ثقيل: "مش كبرتي يا حبيبتي ع اللعب بالألوان؟ اكتفت حياة بابتسامة باردة، ليتدخل بدر قائلاً: "يا ستي إحنا عيال صغيرين وبنحب نلعب بالألوان، ملكيش دعوة، ويلا بقى سلام، هنروح ناخد شاور." ثم جذب يد حياة وخرج من المرسم قائلاً بضيق: "الله يسامحك يا ماما." سألته حياة: "هي مضايقاك ولا إيه؟ أومأ لها قائلاً بضيق:
"جدا، خانقة. أصل الست الوالدة شايفاها عروسة مناسبة وبتعمل خطط ومؤامرات." سألته بمرح: "طب وإنت شايفها إيه؟ نظر لها قائلاً بابتسامة ومغزى: "أنا مش شايف غير واحدة بس." تنحنحت قائلة بحرج وخجل: "احم، هطلع آخد شاور، سلام." قبل أن تصعد الدرج، أوقفها قائلاً بابتسامة: "حياة، على فكرة شكلك وإنتي بتضحكي تحت أحلى بكتير من السكوت والحزن. مفيش حاجة مستاهلة تزعلي نفسك عليها وتضيعي دقيقة من عمرك من غير ما تكوني مبسوطة."
أعطته ابتسامة ثم صعدت لغرفتها، وتركه ينظر لأثرها بحب، ثم لحق بها هو الآخر لغرفته. *** بينما بالقاهرة بقصر العمري: كان صوت جمال الغاضب يرن بالأرجاء قائلاً: "قولت عايز أخطبها، واتنيلنا خطبنهالك، ويفوت أقل من شهر وتروح تفسخ خطوبتك من البنت ببرود." إلياس باقتضاب: "مش بحبها." جمال بغضب: "هو إنت لسه متنيل عارف إنك مش بتحبها دلوقتي؟ يا أخي ده أخوك الصغير واختك أأاعل منك." فرحة بعتاب:
"حرام عليك يا بني، البنت منهارة على الآخر." تجاهل الحديث عن ذلك الموضوع قائلاً بهدوء: "أنا مسافر بكرة، ومازن يتابع الشغل بدالي." فرحة بتساؤل: "مسافر فين؟ فهمنا يا بني، إيه اللي بيحصل؟ قص عليهم ما حدث الأيام الماضية بخزى وحرج، ليضرب جمال يده بالأحرى قائلاً بسخرية: "أنا مش لاقي حاجة أقولها. ده إنت تحرق الدم يا شيخ، أوعى من وشي." ***
ها هو ينفذ ما قال وسافر باليوم التالي إليها. وبعد بحث لم يستغرق وقت طويلاً، استطاع أن يجد مكانها، وها هو بطريقه إليها يحاول إيجاد كلمات اعتذار أو أي شيء يجعلها تسامحه، فما فعله لا يغتفر أبدًا.
بينما على الناحية الأخرى، كانت حياة تلهو مع ذلك الكلب ذي الجسد الضخم قليلاً، والخاص ببدر. صوت الضحكات يصدح بالمكان. سرعان ما اختفت الابتسامة من على شفتيهما عندما وقعت عيناهما على إلياس الذي نزل من سيارته أمام باب القصر الداخلي، وكاد أن يدخل، لكن اجتذبه صوت ضحكات عالية تأتي من جهة الحديقة، لتقع عيناه عليها برفقته، والاثنان يلهون معًا، وهي تضحك بقوة لم يسبق ورآها هكذا. اقترب إلياس منهم قائلاً لها بتردد:
"أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا." كاد بدر أن يغادر، لكنها تمسكت بيده قبل أن يغادر. لم تشأ أن تبقى مع إلياس بمفردها قائلة بهدوء: "اتكلم، أنا بسمع." ابتلع ريقه بصعوبة قائلاً بتوتر وتلثم: "أنا جيت المطار بس ملحقتكيش... احم، أنا عرفت كل حاجة، ليه مفهمتنيش؟ مكنتش أعرف إنه... إنه." ضحكت بسخرية قائلة: "أنا اللي أعرفه إن اللي ما يعرفش حاجة بيسأل، مش بيحط قصة وهمية في دماغه ويصدقها ويعمل قاضي ويحكم كمان." اخفض وجهه بخزى،
لتسأله هي ببرود: "جاي عاوز إيه؟ تنهد بحزن قائلاً بتبرير: "معنديش عذر، عارف، بس أنا سألتك، وكل مرة كنتي بتكدبي عليا. شوفتك بعيني، وكل مرة كنت أسألك تكدبي عليا." نظرت له قائلة بصرامة، بينما بدر بجانبها، رغم ثباته الخارجي، إلا أنه بداخله يرتعب من الخوف: "أكذب ولا لأ، أنا حرة. بتكدبني وتتهمني في شرفي وإني خاينة على أساس إيه؟ أديتك كلمة ولا وعدتك وعد؟ رايح جاي تشوه سمعتي قدام الكل، طب على أساس إيه؟ اخفض وجهه قائلاً بخزى:
"كل اللي هتقوليه عندك حق فيه. أنا بس عايز فرصة تانية، صدقيني هصلح اللي حصل كله وهنسيكي اللي عملته. أنا عارف إن في مكان ليا في قلبك، وطمعان فيه المرة دي في فرصة أخيرة." ضحكت بخفوت ثم قالت بتهكم: "جايب منين الثقة دي؟ مين قالك إن في مكان ليا في قلبك؟ ولو فيه، عقلك صورلك إني ممكن في يوم أقبل بيك؟ نظرت له باحتقار مثلما كان يفعل قائلة بسخرية:
"إذا كان وأنا بنت عمك قولت عليا الكلام ده، وكنت عمال تتكلم في شرفي على أساس قصة وهمية في عقلك، تفتكر أنا هأمن أكون مراتك؟ كورت قبضة يدها بغضب قائلة بسخرية: "يمكن الجملة الوحيدة اللي لسه بعمل بيها من كلام يوسف العمري، ولسه فكراها: اللي يبيعك، بيعه." نظر له قائلاً بتوسل وهو يمسك يدها: "حياة... قاطعته قائلة بصرامة:
"إنت بعت، وأنا مش بشتري اللي يبيعني، وكلمة أخيرة قبل ما تمشي، إنت بالذات يا إلياس، ولو آخر راجل على وش الدنيا." أبعدت يدها بعيدًا عنها قائلة بنفور: "متلزمنيش." ثم دخلت للداخل، وخلفها بدر الذي عادت إليه أنفاسه من جديد، لقد شعر بالخوف للمرة الثانية من أن يفقدها. على الرغم من شعوره بالسعادة، إلا أن قلبه يؤلمه على الحزن الذي يسكن عيناها، والذي سيجاهد وسيبذل كل ما بوسعه ليخفيه من عيناها للأبد.
بينما إلياس غادر محني الرأس، محقًا بكل ما قالت، لا أحد يلومها، هو وحده المخطئ والملام الوحيد. لقد خسرها، لكنه سيبذل قصارى جهده ليحصل على غفرانها. *** بالطبع أخبر عاصم سليم بوجود إلياس وتحدثه مع حياة. سرعان ما علم إخوانها، وأخبرها أمير بكل شيء بأن ندا سبب معرفته. ***
ثلاثة أيام من التجاهل تمامًا بينه وبينها. هي لم تنس حديثه عن شقيقها وأنه لم يضع نفسه بمكانها، وهو يرى أنها تبوح بحديثه معها هكذا ببساطة. كلاهما محق، لكنه يرى الوضع من ناحيته فقط. تعالى رنين هاتفه وما إن أجاب، جاءه صوت حياة قائلة بضيق: "مزعل مراتك ليه؟ ابتسم بسخرية قائلاً: "الأخبار لحقت توصلك؟ تنهدت قائلة بضيق: "وصلت وخلاص، ممكن أعرف بقى مزعلها ليه؟ زفر بضيق قائلاً بسخرية: "أكيد اللي وصلك الخبر عرفك السبب بردو."
"ريان." زم شفتيه قائلاً بغضب: "الهانم هي اللي عرفت إلياس كل حاجة، وجالك المطار و... " ثم قص عليها ما حدث بينهم. لتعاتبه قائلة: "بتلومها على إيه؟ اتصرفت طبيعي. أي واحدة مكانها بتحب أخوها مش هتحب تشوفه بيغرق، كان لازم أفوقه. وأنا لو مكانها كنت هعمل كده، حتى إنت لو مكانها كنت هتعمل كده وتتصرف زي ما هي اتصرفت." زفر بضيق قائلاً بغضب: "الغلط عندي من الأول إني اتكلمت معاها وفضفضت بكلمتين." صمتت للحظات ثم تابعت قائلة:
"ريان، أنا من الأول كنت رافضة إنك تعرف أي حاجة من اللي عملها إلياس عشان كده. عشان الموضوع هيكون فيه حساسية ليك وليها. إنت غلطت وقلت كلام يوجع ليها، ده أخوها، يعني مهما حصل مينفعش تغلط فيه قدامها." زم شفتيه قائلاً بضيق: "أنا غلطت وهي مغلطتش." تنهدت قائلة: "إنتوا الاتنين غلطانين ومعاكم حق في نفس الوقت. إنت شايف الموضوع من ناحيتك إنت وبس، وهي نفس الكلام. لو كنت حطيت نفسك مكانها، وهي كمان عملت كده، كان الموضوع هيعدي."
ثم تابعت بضيق: "بعدين هي قالتله متقولوش، ولا هيفرق معايا. بلاش تعمل مشكلة بينكم على مفيش، عاتبها وبلاش الزعل يكبر بينكم لحد كده على موضوع مش مستاهل، إنتوا لسه عرسان جداد." صمتت لوقت قصير ثم سألته: "هتصالحها؟ أجابها باقتضاب قائلاً: "إن شاء الله." تنهدت قائلة بتصميم: "ريان، روح صالح مراتك." ***
دخل للغرفة ليجدها كالأيام الماضية، تنام على الفراش صامتة، تغطي جسدها بأكمله حتى رأسها، تتهرب من النظر له والحديث معه أيضًا. وكذلك فعل هو، كان يتحرك في الغرفة بصمت، ويتنهى اليوم بينهم، كلاهما ينام ويعطي ظهره للآخر، وما إن يشعر بانتظام أنفاسها يجذبها لاحضانه. جلس بجانبها على الفراش قائلاً بهدوء: "ندا." لم تجب، ليكرر النداء قائلاً بهدوء: "ندا، قومي، أنا عارف إنك صاحية."
لم تستجب له، ليشعر بانتفاضة جسدها أسفل الغطاء ليعرف أنها تبكي. أزال الغطاء من عليها ثم جعلها تجلس أمامه قائلاً بعتاب: "بتعيطي ليه؟ مين اللي المفروض يزعل من التاني؟ أجابته ببكاء وهي تتحاشى النظر له: "أنا مغلطتش، ده أخويا، لو كنت مكاني كنت هتعمل زي ما أنا عملت." تنهد قائلاً بهدوء: "الغلط مني ومنك، لا إنتي حطيتي نفسك مكاني، ولا أنا حطيت نفسي مكانك." صمتت للحظات قائلة:
"هو أخوكي آه، بس أذى أختي، وإنتي طلعتي كلامي اللي قولته ليكي بره. لا أنا حطيت نفسي مكانك وقلت أخوها واللي عملتيه شيء طبيعي. ولا إنتي حطيتي نفسك مكاني بأن كلامي وغضبي ده كان بسبب أختي بردو اللي خايف عليها منه، واللي مش هقدر طول عمري أغفرله غلطته في حقها، وإني زعلت إن كلامي معاكي في لحظة فضفضة طلع بره." نظرت له ليتابع بهدوء: "أنا وإنتي غلطنا يا ندا." أومأت له بهدوء، فهو محق. لتصمت لحظات قبل أن تقول باعتذار:
"عندك حق، أنا آسفة." ابتسم قائلاً باعتذار هو الآخر بعدما قبل جبينها: "أنا كمان غلطان، حقك عليا." ابتسمت بهدوء، ليتابع هو قائلاً: "ظروفي وأنا وإخواتي مع عيلة العمري، إنتي عارفاها صعب بعد السنين دي كلها يكون في تعامل بينا وننسى اللي حصل كده بسهولة، بس بحاول عشان كده. أنا عاوز أطلب منك طلب، أي حاجة تحصل معانا مش لازم تتحكي ليهم، ممدش زمان اهتم يسمع عننا حاجة، هيهتموا دلوقتي." نظرت له قائلة بحزن:
"بس يا ريان، عني يوسف ندمان ونفسه... قاطعه قائلاً بغضب حاول التحكم به: "يوسف العمري بالذات اسمه ممنوع يتذكر في البيت هنا. أرجوكي تتفهمي ده. أنا مشكلتي في قصر العمري معاه، ومع أخوكي، وسعاد هانم. متبقيش مستنية مني معاملة كويسة مع ناس أذوني أنا وإخواتي، وأنسى اللي حصل بسهولة كده وأتخطاه." أومأت له بصمت وحزن، ليقبل يدها قائلاً بحب:
"أنا بحبك يا ندا، والله بحبك. وعارف إن كلامي دلوقتي ممكن يكون سبب شك ليكي إن مش بحبك، ويمكن عشان مش بقولها كتير، بس خليكي واثقة إني والله بحبك." أومأت له بابتسامة، ليتابع قائلاً: "مش عايز الخصام بينا يطول كده، ومش عاوز يوم ننام وإحنا زعلانين من بعض. عاوز قبل ما اليوم يخلص وقبل ما نحط دماغنا ع المخدة دي نحل اللي بينا." اخفضت وجهها قائلة بحزن: "كانوا أصعب تلات أيام عليا وإنت بعيد عني."
أجابها بحزن هو الآخر، أخرج من جيب سترته تلك العلبة القطيفة، ثم أخرج من ذلك الخاتم الألماسي ووضعه بيدها، قائلاً بحب: "متزعليش مني عشان زعقت وإنا بكلمك أو قولت كلام يضايقك." ابتسمت بسعادة، ثم ارتمت بأحضانه قائلة بسعادة: "ربنا يخليك ليا، أنا بحبك." بادلها العناق بسعادة وحب، وقضى الاثنان الليل، كلاهما ينعم باحضان الآخر، بعد ثلاثة أيام من الخصام. ***
بمنزل عمر، كان حسن يقص على والده تصرف عمر الغريب واهتمامه بتلك المريضة، قبل أن يسأل والده عن اسمها. تفاجأ الاثنان بباب الغرفة يفتح، يليه دخول عمر برفقة تلك الفتاة. انتفض والده ويدعى طه من مكانه قائلاً بصدمة: "إنتي؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!