غادر الجميع بعد يوم سعيد قضوه سويا. وما إن وصل سليم وعائلته، وشقيقه عاصم وعائلته برفقة نسرين لقصر الجارحي، قبل أن يصعد كل منهم لغرفته، أوقفهم سليم قائلاً بجدية: "في عريس متقدم لهنا وهي موافقة، وهيجي بليل عشان نتعرف عليه! تصنم جسد أدهم بمكانه وتبادل الجميع النظرات بصدمة وذهول. كانت حينها صعدت هنت لغرفتها برفقة طفلها، ليسأله أدهم بهدوء يسبق العاصفة: "عريس مين ده؟ سليم بهدوء قبل أن يصعد لغرفته:
"هتبقى تتعرف عليه بكرة. كله يطلع ينام يلا، تصبحوا على خير." قالها وغادر بكل هدوء. أثار غضب أدهم الذي منع نفسه بصعوبة من الصعود لها وهو بحالته تلك. نيران تشتعل بصدره، لقد وافقت؟ ترى هل أحبته؟ لكن كيف ومتى ومن؟ أسئلة كثيرة تدور برأسه جعلته يعجز عن النوم هذه الليلة. يريد معرفة إجابة. ***
في صباح اليوم التالي، كانت تجلس حياة على طاولة الطعام معهم، تعبث بطعامها بدون شهية. لقد اعتادت طوال العامين والنصف الماضيان على أن يكون معها، اعتادت على مشاكساتهم في الصباح قبل أن يوصلها لجامعتها ثم ينطلق لعمله. فتحت هاتفها عندما استلمت تلك الرسالة على هاتفها تنص على: "صباح الورد يا صغنن". ابتسمت بتوسع ثم أرسلت له ردت عليه قائلة: "مش هرد عليك ولا هقولك صباح النور." وصلتها رسالة منه على الفور: "ليه بس يا صغنن؟
ضحكت بخفوت ثم أغلقت الهاتف ووضعته بجانبها، ليسألها أمير: "مين بيكلمك ع الصبح وبيضحك كده؟ نفت برأسها قائلة بابتسامة: "مفيش." أوس بغيرة: "أيوه مين يعني؟ تنحنحت قائلة بتوتر أخفته: "مفيش، ده بدر." آدم بغيرة مماثلة: "بيكلمك ليه أصلاً؟ مزهقتوش من بعض بقالكم سنتين مع بعض بره مشبعتوش كلام؟ ركزي معانا إحنا وسيبيه." ضحكت حياة قائلة بمرح وهي تقف: "لو أنا ركزت معاك مراتك إنت وهما شغلتهم إيه؟ أمير بتساؤل: "طب رايحة فين؟ التقطت
هاتفها قائلة بابتسامة: "رايحة قصر الجارحي، جدو وحشني." زينة بمكر وغمزة من عينيها: "جدو بس؟ آدم بحدة وغيرة على شقيقته: "زينة." فرح بمكر: "ابقى سلميلي على جدو أوي يا حياة." أمير بحدة هو الآخر: "فرح." نظرت له قائلة ببراءة: "إيه؟ بقولها تسلملي على جدو." نظر لها بغيظ لتضحك حياة قائلة بمرح: "في إيه؟ هتحفلوا عليا ولا إيه؟ ريان بضيق وغيرة: "جدو وحشة وإحنا لأ يعني كأنك بايتة في حضننا من سنتين وشوية."
ضحكت قائلة بابتسامة وهي تقترب منه مقبلة وجنته بقوة قائلة: "وحشتوني إنتوا كمان، بس أنا عندي كذا مشوار منهم إني أروح أسلم على جدو، وأدهم عمال يرن عليا من امبارح، هروح أشوفه عاوز إيه وهارْجع. إنتوا أصلاً عندكم شغل وماشيين وأنا اتأخرت ولازم أمشي. يلا سلام بقى."
تبادل الأربعة النظرات بضيق ظاهر للجميع. نظرات بدر لحياة وكذلك هي بالأمس وحديثهم سويا. كل منهم سعيد لأنها استطاعت أن تحصل على السعادة أخيرًا وتحب من يستحقها، لكنهم يغاروا من ابتعاد شقيقتهم عنهم. *** ما إن وصلت القصر الذي يبعد أمتار فقط عن فيلا أشقائها، وجدت بدر يجلس على الدرج الذي يصل بباب القصر الداخلي. ابتسم ما إن رآها. لتقترب منه قائلة بابتسامة زينت ثغرها على الفور ما إن رأته: "قاعد كده ليه؟
جلست بجانبها لينظر لها قائلاً بابتسامة: "مستنيكي." نظرت للأمام قائلة بابتسامة: "عرفت منين إني جاية؟ تنهد قائلاً بهيام وحب: "قلبي حس بيكي." نظرت له ثم ضحكت قائلة: "والله؟ أومأ لها قائلاً ببراءة: "آه والله، قولت أكيد وحشتك وهتيجي تشوفيني." أشاحت وجهها بخجل قائلة بكذب: "لأ محصلش، وبعدين توحشني بأمارة إيه؟ على أساس مش موجود قدام عيني بقالك سنتين بحالهم." نظر للسماء قائلاً بمشاكسة: "إنكري براحتك، بس أنا عارف إنك وحشتيني."
ألفتت له قائلة بغيظ: "إنت رخْم على فكرة." ضحك بخفوت لتمر دقائق بصمت على الاثنان، قاطعته حياة قائلة: "هتسافروا من غيري؟ أومأ لها بصمت لتخفض وجهها أرضًا قائلة بحزن: "متسافرش." تنهد بعمق ثم وضع يده أسفل ذقنها قائلاً بحب ورجاء لكي تتحدث: "مش عايزاني أسافر ليه يا حياة؟ نظرت له قائلة بخفوت: "يعني إنت مش عارف؟ تنهد بعمق مرددًا: "عرفيني إنتِ." أخفضت عيناها بخجل قائلة بتلعثم: "أنا... ااا... أنا يا بدر." سألها بخفوت ولهفة ولا
يزال يضع يده أسفل ذقنها: "إنتي إيه؟ ابتلعت ريقها وهي تجد صعوبة في نطق تلك الكلمة، ليس تردد بل خجل: "آآ... أنا بـ... كادت أن تقولها لكن قاطعهم أدهم قائلاً بلهفة وهو يقترب منهم: "حياة! على الفور ابتعدت عنه، وكذلك هو، ولم يتوقف عن التذمر والتأفأف بغيظ من أدهم، ليسأله بغيظ: "خير يا أدهم، في إيه؟ وقتك ده؟ تجاهل أدهم الرد عليه قائلاً لحياة بغضب: "روحي اتكلمي مع هنا." سألته بتعجب: "أكلمها في إيه؟ أجابها بغضب كبير ونفاذ صبر:
"في الزفت العريس اللي متقدم ده! اعرفي منها اسمه، بيشتغل إيه؟ أي زفت معلومة عنه." سألته بصدمة: "طب ما تسألها إنت، وليه أنا؟ كور قبضة يده قائلاً بغضب: "محدش راضي يعرفني اسم أمُّه إيه، وهكلمك إنتِ أكيد مش حد من إخواتك الرجالة وأقوله كلمها." سألته بحزن على حاله وحال هنا: "طب هي وافقت؟ أومأ برأسه قائلاً بغضب وغيرة: "اتنيلت وافقت." تدخل بدر قائلاً: "طب يبقى الموضوع خلص، هي موافقة وراضية، بتتدخل ليه؟ تنهد قائلاً بحزن:
"عشان لسه بحبها، وعشان هي أم ابني اللي مش هسمح يتربى مع راجل غريب." حياة بحزن لأجله: "طالما وافقت عليه، يبقى بتحبه." مسك يدها قائلاً برجاء: "معرفش، اسأليها، اعرفي منها كل حاجة، يمكن يكون شخص مش كويس، مش بيحبها." أبعد بدر يده قائلاً بغيرة وحدّة: "ابعد بس إيدك دي." كتمت حياة ضحكتها قائلة بتساؤل: "لو بتحبه، هتعمل إيه؟ هتبعد؟ أومأ لها قائلاً بحزن: "آه هبعد، لو هيسعدها ويستاهلها، هبعد."
أومأت له ثم صعدت لأعلى حزينة على الاثنان. *** بغرفة هنا، كانت تتابع بعينيها صغيرها وهو يجلس على الفراش يتابع أحد أفلام الكرتون وهو يتناول كأس العصير. دخلت حياة للغرفة مقبلة جبينه قائلة بحنان وهي تداعب وجنتيه: "إزيك يا بطل؟ ابتسم الصغير بتوسع قائلاً بصوت طفولي: "حياة وحشتيني أوي." قبلت وجنته قائلة بحنان: "إنت كمان وحشتني يا بطل. إيه رأيك تنزل تجيب ليا عصير حلو زي بتاعك على ما أتكلم مع مامي شوية؟
أومأ لها وركض للأسفل، لتقترب هي من هنا قائلة بابتسامة: "إيه بقى من العريس اللي متقدملك أعرفه؟ نفت هنا برأسها قائلة بخفوت: "لأ، ده اتعرفت عليه في النادي، هو عنده شركة ملاحة، اسمه أيمن." قطبت حياة جبينها قائلة بتساؤل: "اسمه أيمن إيه؟ هنا بتعجب: "مهتمة أوي ليه؟ حياة بثبات: "بلاش اهتمام يعني، بنت خالتي، وبعدين عايزك أعرف يمكن أطلع أعرفه." هنا بهدوء: "اسمه أيمن عبد الكريم." أومأت لها حياة بصمت ثم سألتها: "بتحبيه؟
لم تجيب هنا وبقت صامتة، لتسألها حياة: "هي الإجابة صعبة كده؟ هنا بصوت مختنق: "لأ، مش بحبه." سألتها بهدوء: "اومال وافقتي عليه ليه؟ أجابتها الأخرى بهدوء: "شخص كويس طبعًا، زي بعض، طلب إيدي وشوفت إنه مناسب أكمل حياتي معاه." "طب وأدهم؟ أخفضت هنا وجهها قائلة: "أدهم طليقي وأبو ابني وبس." سألتها حياة مباشرة: "لسه بتحبيه؟ صمتت هنا لدقائق، لتسألها حياة: "الإجابة صعبة أوي كده؟ تنهدت هنا بحزن قائلة:
"مش هتفرق إجابتي، أنا طلعت من حياتي خلاص." صمت عم المكان لدقائق، قطعهته حياة مرددة: "هنا، أدهم غلط بس معذور، وإنتي بتحبيه وهو كمان بيحبك. ابنك بيكبر، وبعدك إنتي وأدهم بالشكل ده هيأثر عليه، خصوصًا لما تتجوزي." ثم تابعت بهدوء: "لو إنتي وأدهم مش بتطيقوا بعض أو الحياة بينكم مستحيلة، عمري ما كنت هقولك كده." ربتت على يدها قائلة برفق:
"الحب اللي بينكم وابنكم يستاهلوا فرصة تانية. عقاب سنتين ونص كفاية أوي. أدهم أنا متأكدة إنه اتعلم من غلطه، وهيحافظ عليكي المرة دي بجد." أخفضت هنا وجهها أرضًا ولم تتحدث، لتتابع حياة قائلة بحزن: "الفترة اللي فاتت كل واحد فينا مر بتجربة مكنتش لطيفة خالص، وكلنا اتعلمنا منها. وزي ما إنتي اتعلمتي منها وعرفتي تقفي على رجلك من تاني وبنيتي شخصية أحسن من الأول بكتير، هو كمان اتعلم وعرف قيمتك، ومستني منك نظرة واحدة بس، مش كلمة."
كانت هنا تستمع لها بصمت ولم تجيب، لتقف حياة قائلة بهدوء: "فكري كويس يا هنا، بلاش تاخدي خطوة غلط وتتسرعي، فكري كويس." غادرت، وما إن نزلت للأسفل سألها أدهم بلهفة: "اتكلمتي معاها؟ أومأت له بصمت، ليسألها بلهفة: "قالتلك إيه؟ صمتت للحظات قبل أن تقول: "اسمه أيمن عبد الكريم، وعنده شركة ملاحة." أومأ لها ثم سألها بخوف وترقب: "بتحبه؟ بعد تردد كبير، حركت رأسها بلا، ليزفر براحة، لتسأله حياة بتوتر: "هتعمل إيه؟ "هتصرف."
تنهدت حياة قائلة: "أدهم بلاش تهور، سيب الأمور تمشي طبيعي. محدش عارف، يمكن ترفض بعدين." زفر بضيق قائلاً: "لو ما رفضتش أعمل إيه ساعتها؟ بدر بتساؤل: "طب ناوي على إيه؟ أخبرهم قبل أن يغادر مسرعًا: "هسأل عنه وأشوف!! ما إن غادر أدهم، التفت بدر لها قائلاً بلهفة: "كنا بنقول إيه بقى؟ وقفت قائلة بابتسامة: "كنت بقول إن عندي مشوار ولازم أمشي." سألها بتذمر: "مشوار إيه؟ ابتسمت بحزن قائلة: "هزور ماما." أومأ لها بهدوء قائلاً:
"ينفع أجي معاكي؟ تنهدت قائلة: "مرة تانية، عايزة أكون معاها لوحدي. هبقى أجي بليل ساعة العريس." أومأ لها بصمت لتغادر، وتركته ينظر لأثرها بحب. *** كانت تجلس أمام قبر والدتها بعد وضعت باقة الزهور التي كانت تفصلها والدتها الراحلة، وقرأت لها الفاتحة. تتحسس بيدها اسم والدتها المحفور على الرخام: "مدفن المرحومة ليلى سليم الجارحي". مرددة باششتاق وأعين تلمع بالدموع: "وحشتيني أوي يا ماما." تنهدت ثم تابعت بابتسامة:
"أنا عارفة إنك شيفاني وحاسة بيا. عارفة أنا عمري ما كنت مبسوطة غير الفترة دي." ابتسمت وبدأت ترقص عليها ما تشعر به: "لأول مرة أبقى عارفة أنا عايشة ليه وعايزة إيه. السنتين اللي فاتوا غيروا فيا كتير أوي، وللأفضل." ابتسمت بحب وأعين لامعة رددت: "أنا أول مرة أعرف يعني إيه حب حقيقي. أول مرة أبقى واثقة من مشاعري، ومفيش جوايا أي خوف أو تردد. أنا لقيت نفسي خلاص." تنهد بعمق متابعة حديثها:
"اللي فات عمري ما هقدر أنساه، بس اتعلمت إزاي أعيش بيه وموقفش حياتي عليه. حياتنا كلنا اتغيرت وللأفضل، ومفيش حاجة ناقصنا غير وجودك جنبنا." بقت وقت طويل بجانب قبرها تدعو لها وتردد آيات من القرآن الكريم، ثم غادرت لقصر الجارحي. *** بشركة العمري، يجلس إلياس خلف مكتبه، وهي تجلس أمامه متعجبة من زيارة نسرين له، وهو بالأساس لم يتحدث معها ولم يعرف عن نفسه بالأمس. ليسألها بجدية: "خير، سبب زيارتك إيه؟ ابتسمت قائلة بمكر:
"اللي جابني هنا هو حاجة تهمني وتهِمك." سألها بعد فهم وتعجب: "إيه اللي يهمك ويهمني أنا أصلاً؟ أعرفك منين؟ ابتسمت قائلة: "أنا كمان معرفكش، بس سألت وعرفِت إنت مين وتقرب لحياة إيه، حتى اللي حصل بينك وبينها من كام سنة." سألها بصدمة: "ده يهمك في إيه بقى؟ نظرت له قائلة بمكر: "لسه بتحبها، ونظراتك ليها امبارح كانت ظاهرة للكل. عايزها تسامحك وترجعلك من تاني." سألها بهدوء: "أرجع ليها أو لأ، ده يخصك في إيه؟ ابتسمت قائلة بحقد:
"يهمني إني أبعدها عن بدر." نظر لها بصدمة لتبتسم قائلة: "مش بقولك اللي يهمني يهمك." سألها بهدوء: "المطلوب إيه؟ ابتسمت قائلة بمكر: "يبقى وافقت." أومأ لها بصمت لتتابع حديثها بخبث: "بدر راجل أوي وشهم، ولو غلط هيتحمل غلطه، مش هيهرب. يعني لو نمت معاه عمره ما هيهرب، هيتجوزني طبعًا." سألها بعدم فهم، وبداخله مشمئز منها ويشعر بالاحتقار من حديثها: "طب ما تعلمي كده، تاعبة نفسك وجاية لحد هنا ليه؟ إيه اللي ممكن أعمله؟
ابتسمت قائلة بمكر: "زي ما أنا عايزة أبعد بدر عن حياة، عايزاها كمان تبعد عنه. بمعنى إني عايزة حياة تشوفه وهو بيخونها بجد." "دورك إنك تظهر في حياتها، تعوضها، وتبقى في نظرها الشخص اللي بيحبها، وهي الخاين، وإنت لأ." سألها بسخرية: "واثقة أوي إنها تحبك وتنسى؟ ابتسمت قائلة بمكر: "لو محبتكش، على الأقل مش هتقبل بيه بعد ما تشوفه في حضن واحدة تانية، وممكن تتجوزك عند فيه." سألها بهدوء: "هو فيه بينهم حاجة؟
كورت قبضة يدها بغل قائلة: "الأعمى يقدر يشوف ويحس النظرات اللي بينهم. أنا معاهم بقالي سنتين ونص، وأقدر أقولك وأنا متأكدة مية في المية إن الاتنين بيحبوا بعض." أومأ لها بصمت لتسأله يترقب: "طب إيه رأيك في الحل ده؟ صمت لدقائق بعدها نظر لها قائلاً بهدوء: "لو رفضت؟ ابتسمت قائلة:
"تبقى إنت الخسران. إنت لسه بتحب حياة، وهي زي ما قدرت تنساك وتحب بدر، سهل تحب غيرك. ممكن بملاليم أشوف واحد يقدر يعمل اللي إنت مش هتعمله، ويقرب منها، وهتحبه." ثم تابعت بمكر: "بس أنا عارفة إنك ذكي ومش هتضيع الفرصة دي من إيدك، ولو بتبحبها بجد هتحارب عشان تحصل عليها زي ما أنا ما بعمل عشان أوصل لبدر." دقائق في صمت وهي تراقبه بترقب، حتى قطع الصمت قائلاً بهدوء: "موافق." ابتسمت بانتصار، ثم سألته بلهفة:
"ننفذ في أسرع وقت. بدر مش هيقعد في مصر غير أسبوع واحد، عدى منهم امبارح، وانهاردة يعني معانا خمس أيام بس." أومأ لها بصمت قائلاً بهدوء: "اللي تشوفيه." ابتسمت قائلة: "هقولك في يومها." أومأ لها بصمت، فغادرت، وتركته ينظر لأثرها بهدوء. *** ما إن وصلت لقصر الجارحي، أخذت تبحث عن بدر بكل مكان، حتى وجدته يخرج من غرفته. أوقفته قائلة بتوتر: "بدر." ابتسم قائلاً بهيام وحب: "عيونه." فركت يدها بتوتر وخجل قائلة:
"عايزة أتكلم معاك. الصبح مكملناش كلامنا وأنا... قاطعه قائلاً بلهفة وهو يقترب منها حتى اصطدمت بالحائط وأصبح محاصرًا لها: "نكمله حالاً. قولي بقى." أخفضت وجهها بتوتر وخجل قائلة: "أنا يا بدر... أنا بح... لثالث مرة جاء من قاطع أهم لحظة بحياته، ولم تكن سوى نسرين قائلة: "بدر." دفعه حياة بسرعة ليزفر بضيق قائلاً بغضب: "الله يحرقك يا شيخة." ثم التفت لها قائلاً بحدة: "في إيه؟ كتمت حياة ضحكتها بصعوبة، بينما نسرين
قطبت جبينها قائلة بضيق: "بتزعقلي كده ليه؟ الضيوف وصلوا وقالولي أنادي ليك إنت وهي." أومأ لها قائلاً بضيق وهو يشير بيده لكي تذهب: "طيب، روحي." بقت واقفة تنظر لحياة بحقد وغضب، ليعيد حديثه مرة أخرى بنفاذ صبر قائلاً: "قولت روحي يا نسرين." ذهبت بغضب وهي تقسم أنه سيكون لها مهما حدث. وما إن غادرت، التفت بدر لحياة قائلاً بلهفة: "كملي، كنتي بتقولي إيه؟ ابتسمت بخجل قائلة: "أنا بح... للمرة الرابعة قاطعه صوت والدته قائلة بتعجب:
"إنتوا واقفين بتعملوا إيه؟ الضيوف تحت." هنا ضحكت حياة بقوة وهي ترى عيناه تخرج نيران من شدة الغضب والغيظ. نزل للأسفل وهو يضرب كفًا بآخر قائلاً وهو على وشك البكاء: "أنا نحس، والله أنا نحس." ضحكت حياة ونزلت خلفه برفقة صبا التي لا تفهم سبب غضب ابنها وما فعل. ***
بينما بالأسفل، كان يجلس ذلك الشاب الذي يبدو في منتصف الثلاثين برفقة الجميع، وأمامه يجلس أدهم الذي لم يتوقف عن إلقاء نظرات الغضب والغيرة تجاهه. لو كانت النظرات تقتل، لكان وقع صريعًا بفعل نظرات أدهم الحارقة تجاهه.
لقد بحث عنه وعرف أنه شاب لعوب، لا تمر ليلة دون أن يقضيها برفقة إحدى فتيات الليل، بالإضافة لسمعته السيئة. لا يعرف كيف استطاع أن يجعلها توافق عليه، بل وكيف استطاعت أن تنخدع به. نظراته واضحة للعيان، وما إن جلست حياة برفقتهم، لم يزيح عينيه عنها. حتى مال عليها بدر قائلاً بخفوت وحدّة: "اطلعي فوق لحد ما يمشي." تعرف لما؟ فهي أيضًا لم تعجبها نظرات ذلك الشاب أبدًا، لكنها ادعت الجهل قائلة ببراءة وخفوت: "ليه؟
خليني قاعدة، عايزة أسمع." جز على أسنانه قائلاً بغضب وغيرة وهمس: "اقصري الشر وامشي عشان أنا أصلاً على آخري، واحتمال تقلب الليلة غم لما أفقع له عين أمه." كتمت ابتسامتها بصعوبة قائلة: "إيه الألفاظ دي؟ وبعدين أنا مبسوطة هنا." كور قبضة يده ثم اعتدل واقفًا قائلاً: "عن إذنكم يا جماعة." بدون كلمة إضافية، غادر القصر وهو يجذبها خلفه، ليس بقوة، وأدخلها سيارته وانطلق بها. سألته بضيق واهية: "إيه اللي عملته ده؟
إزاي تسحبني من إيدي كده؟ لم يجيب، ونظرات ذلك الشاب الحقير الوقحة لجسدها تشعل النيران بصدره، لولا جلوس الجميع لكان لقنه درسًا لا ينسى، لكن صبرًا، سيريه كيف ينظر لما يخصه. حياة بضيق: "بدر، أنا بكلمك، رد عليا." توقف فجأة بسيارته أمام النيل بمكان خالٍ من الناس، ونزل منها يتنفس بانفعال وغضب، وهي خلفه قائلة: "بدر، إنت... جذبها فجأة من يدها حتى أصبحت أمامه، عيناها بعينيه قائلاً بحدة وغيرة:
"عشان بحبك يا حياة. بحبك وبغير، ولولا إني مسكت نفسي وعملت حساب للناس اللي قاعدة، كنت خزقت عنيه الاتنين عشان بصت ليكي بالطريقة دي، وكن... وضعت يده على شفتيه فجأة قائلة بحب صادق: "طب ما أنا كمان بحبك." بالتأكيد تشعر الآن بأنفاسه المتسارعة، وتسمع لصوت دقات قلبه الذي يقرع مثل الطبول الآن. أبعدت يدها عن شفتيه ليسألها بعدم تصديق: "إنتي قولتي إيه؟ ابتسمت بخجل قائلة ببطء: "أنا كمان بحبك يا بدر." كاد أن يتحدث
لتوقفه قائلة بابتسامة: "إنت مش هتقول حاجة انهاردة يا بدر، طول عمرك بتقول وأنا بسمع. دلوقتي أنا اللي هتكلم وإنت اللي هتسمع بس." أومأ بها ببطء، ورغم أنه كان يعلم أنها تود قول تلك الكلمة له، إلا أنه مصدوم ولا يصدق أنها خرجت من بين شفتيها أخيرًا وبكل ذلك الصدق الذي يراه بعينيها. تنهدت قائلة بابتسامة:
"أنا يا بدر، لأول مرة أبقى عارفة أنا عايزة إيه وعايشة عشان إيه. لأول مرة أبقى متأكدة من اللي حاسة بيه، وقلبي وعقلي مقتنع بيه." ضحكت بخفوت قائلة بابتسامة: "كنت غبية زمان عشان مقدرتش أقتنع إن الشعور اللي بحسه ناحيتك حب، وغبية عشان كنت معيشة نفسي في وهم وفاكرة إني حبيته." ثم اقتربت منه، مسكت يده بين يديها قائلة بصدق: "بس كنت غلطانة، أنا معاك عرفت يعني إيه حب. إنت الحب اللي أعرفه يا بدر."
كلماتها تنزل على أذنيه تطربه، لا يصدق ما يحدث، ربما هي أحد أحلامه ودقائق ثم يفيق منها. فتحت حقيبتها تخرج منها ذلك الدفتر الكبير قائلة بابتسامة: "لما كنت بتابع مع الدكتورة إميليا، قالتلي نفس اللي قاله دكتور عمر، اكتب. اكتب كل اللي بحس بيه من شعور سلبي على ورق، ماضي أو حاضر أو مستقبل." "قالتلي اكتبي مذكراتك، وكتبتها." نظرت له قائلة بابتسامة وحب: "كل الماضي هنا." وقفت أمام النيل، ثم بكل قوتها ألقته به قائلة بصدق وحب:
"الماضي ده كله ميهمنيش ومش عاوزه. أنا عايزة أعيش معاك الحاضر والمستقبل، وكل لحظة فاضلة في عمري عايزة أعيشها معاك وبس." أشارت لنفسها قائلة بحب ودموع من السعادة: "حياة اللي قدامك دلوقتي بقت كده بسببك إنت. أنا بحبك يا بدر، وبحبك قليلة أوي على اللي في قلبي ليك." حاوط وجنتها بيده قائلاً بمشاكسة وأعين دامعة من السعادة التي تغمره الآن: "أنا بموت فيك يا صغنن." ضحكت بخفوت ليمسح دموعها قائلاً بحب:
"أنا بعشقك يا حياة، وفي حياتي كلها محبتش، ولا عمري اتمنيت أسمع الكلمة دي غير منك، والحقيقة إن أنا اللي مفيش كلمة توصف حبك في قلبي قد إيه. بحبك يا تاعبة قلبي." جذبها لاحضانه بسعادة لتعانقه بقوة هي الأخرى. دقائق، ساعات، لا أحد منهم يعلم كم مضى من الوقت وهم هكذا بأحضان بعضهما، حتى أبعدها عنه قائلاً بحب وهو ينظر لداخل عينيها: "بحبك يا صغنن." ابتسمت بتوسع حتى ظهرت أسنانها البيضاء، ليقترب منها مقبلًا جبينها بحب قائلاً
بمرح: "بما إن اللحظة دي مكنش معمول حسابها، ومش عامل حسابي أنا كمان، فعشان كده... قطف وردة بيضاء مزروعة بجانب أحد الأشجار الموجودة بأحد الجوانب، ثم انحنى على ركبتيه قائلاً بابتسامة وعشق: "تتجوزيني؟ ضحكت بسعادة وأومأت له بنعم، ليقف على الفور واضعًا الوردة البيضاء خلف أذنها قائلاً بصدق: "وعد مني لأخر نفس في عمري، هفضل أعشقك كل لحظة تمر من حياتي، وهفضل أمانك وسندك، وعمري ما هخذلك أبدًا يا حياة." ابتسمت قائلة بحب:
"معنديش شك في ده، أنا يا بدر بثق فيك أكتر من نفسي، وواثقة في حبك ليا." ابتسم بسعادة ثم جذبها من يدها بسرعة قائلاً بلهفة: "طب يلا." أوقفته قائلة بتعجب: "على فين؟ ابتسم قائلاً بحماس: "هروح أطلبك من إخواتك ونتجوز في أسرع وقت." ابتسمت قائلة: "بلاش جنان، استنى بس." نفى برأسه قائلاً بتصميم:
"استنيت كتير ومش هستني تاني يا حياة، امشي يلا عشان أنا هروح يعني هروح، فامشي بالذوق بدل ما أشيلك لحد العربية، أنا مجنون وأعملها والله." ضحكت بقوة وفعلت ما قال، وها هي تقف برفقته أمام باب الفيلا بانتظار أن يفتح أحد لهم الباب. ***
كان يجلس أمام الطبيب برفقة شقيقه جمال، الذي أصر عليه ليجري بعض الفحوصات بعدما لاحظ أعراضًا غريبة بدأت تظهر على شقيقه. ليقوم الطبيب بإجراء بعض الفحوصات، وبعد ساعات من الانتظار، جاء بها الطبيب لهم وعلى وجهه يظهر الحزن الشديد، ليسأله جمال بقلق: "طمني يا دكتور." الطبيب بأسف: "أنا مش عارف أقولكم إيه، بس... ااا... ااا... يوسف بجدية: "أنا عندي إيه؟ تنهد الطبيب قائلاً بشفقة وحزن:
"للأسف الشديد، حاد ينتشر بسرعة، وأستاذ يوسف في المرحلة الأخيرة منه!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!