الفصل 28 | من 32 فصل

رواية ضحايا الماضي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
12
كلمة
4,760
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

الندم بعد فوات الأوان، تقدير الأشياء ومعرفة قيمتها بعد خسارتها سمة موجودة بالإنسان، وهذه هي الطبيعة. الكثير منا، وليس القليل، لا يقدر الأشياء إلا حينما يفقدها.

كانت تجلس على الأريكة بمنزلها البسيط الذي خصصه لها يوسف لتبقى فيه، بل وساعدها على التعافي من جديد. وها هي بعد علاج أكثر من عام، استطاعت أن تتخلى عن ذلك المقعد المتحرك الذي تعلمت من تجربتها معه الكثير وغيرت فيها الكثير. استطاعت أن تحصل على عمل بعد عناء، تجنبت اللقاء من العائلتين وأي فرد منهم، عدا يوسف. وكم تشعر بالحزن للوحدة والعزلة التي تعيش بها، بيدها تجني الآن حصيلة أفعالها مع الجميع. أما هو، فكانت تأمل أن يسامحها ويغفر لها ما فعلته به ثم يعودا من جديد. لكنها تفاجأت بعد أن تركت منزله بخمسة أشهر فقط بزواجه، الذي رأت صوره على أحد مواقع التواصل الاجتماعي. لقد تزوج. بقدر ما حزنت، بقدر ما فرحت له أنها استطاعت أن يتخطاها.

تأملت سكون المنزل من حولها بحزن ودموع. التقطت سترتها الرياضية ومتعلقاتها ونزلت للأسفل، تتمشى بالشوارع قليلاً. ذلك الحل سيكون أفضل كثيراً من العزلة التي تعيش بها.

كانت تسير على النيل لتقع عيناها على بدر وحياة، يبدو أنها أخيراً وجدت السعادة ومن يحبها حقاً. كانت تقف بعيداً ورأت كيف ركع على ركبتيه، وكيف كانت حياة تبتسم له بسعادة. ابتسمت بخفوت وأكملت سيرها لتتوقف مرة أخرى عندما وقعت عيناها على عمر الذي يجلس برفقة زوجته وطفله الصغيرة. يبدو أنها ابنته، فهي تشبهه لحد كبير جداً. أرادت أن تذهب قبل أن يراها، لكن لسوء حظها، لقد رأها بالفعل، والتقطت عيناها بعينيه. سرعان ما أشاحت بوجهها وأكملت السير بسرعة والدموع تنهمر على وجنتها بغزارة.

جلست على أحد المقاعد قائلة بحسرة وحزن: الكل عاش حياته ومحدش حياته واقفة غيرك يا سارة. بتحصدي كل عمايلك زمان، وادي آخرتها لوحدك بين أربع حيطان. لو متي محدش منهم هيحس بيكي ولا يفتكرك بالخير. *** فتحت الخادمة الباب لبدر وحياة، وما إن دخلا سألت، تفاجأت بالسكون الذي يعم المكان. سألت الخادمة عنهم قائلة: هو محدش هنا ولا إيه؟ أجابتها بتهذيب:

لا يا هانم، كلهم مشيوا من شوية وراحوا القصر عند سليم بيه، والأولاد كلهم نايمين فوق ما عدا صافي، زينة هانم خدتها معاها. أومأت لها بصمت، ليبتسم بدر قائلاً: يلا نروح لهم. أومأت له، وبالفعل ذهبوا هناك، وكان المكان قريب جداً. دقائق قليلة وكانوا هناك، لتتفاجأ بدر بوجود سيارة ذلك الحقير الذي تجرأ. نظر لها بوقاحة قائلاً بغضب: هو بسلامته لسه هنا؟ حياة بتحذير:

بدر اهدى، مش عايزين مشاكل. أصلاً أنا عندي إحساس كبير إن هنا هترفضه بعد كلامي الصبح. لحظات واستمع الاثنان لصوت أحد يتألم يأتي من ناحية الحديقة، فركضوا لهناك على الفور ليصدموا عندما وجدوا أدهم يبرح العريس ضرباً. قبل قليل بالحديقة، كانت هنا تجلس برفقة أيمن بالحديقة بعدما استأذن من الجميع التحدث معها. قائلة بحرج: أيمن، أنا عارفة إن اللي هقوله دلوقتي غلط ومينفعش أوافق عليك. بعدين أرجع أرفض. أيمن بصدمة: ترفضي؟

أومأت له قائلة بحزن: أبقى بظلمك لو وافقت وأنا لسه بفكر في أدهم وعقلي وقلبي معاه. كنت فاكرة إني هقدر آخد الخطوة دي، بس مقدرتش. لما الموضوع دخل في الجد، مقدرتش. أنا آسفة. كان أدهم يقف على مقربة منهم يستمع للحديث الذي يدور بينهم. كان في بداية الأمر غاضباً، يشعر بالغيرة الشديدة، لكن سرعان ما تبدد كل ذلك وسعادة غامرة احتلت قلبه وهو يستمع لها. بينما أيمن انتفض من مكانه قائلاً بغضب: هو لعب عيال ولا إيه؟

كادت هنا أن تعتذر منه، لكنه سبقها أدهم الذي ظهر فجأة وبدون مقدمات قائلاً بحدة: هي مش قالت لك طلبك مرفوض؟ ما عندناش بنات للجواز، ويا ريت منشوفش طلتك البهية دي تاني. أيمن بغضب: وأنت مالك؟ أدهم بغضب: بقولك إيه؟ غور من وشي واشتري نفسك، عشان شكلك لسه متعرفش مين هو أدهم الجارحي. أيمن بسخرية واستهزاء:

لأ طبعاً. عارفه طليقها، وعارف كمان أنت طلقتها ليه. هي هنا صحيح مقالتش حاجة، بس محسوبك ليه مصادره الخاصة برضه. بس هنا هتبقى مراتي على فكرة، رفضها أو موافقتها ميهمنيش، مش أنا اللي أعوز حاجة وما آخدهاش. أدهم بهدوء يسبق العاصفة: يعني مش هتبعد عنها؟ أومأ له أيمن بتحدي، ليبتسم أدهم قائلاً بابتسامة ليست بمحلها: كويس أوي، جت منك والله، وأنا بتلكك وعايز أضربك. تعالى بقى يا رو...

صرخت هنا بخوف بعدما كانت تأخذ دور المستمع، عندما لكم أدهم أيمن بقوة أطاحت به أرضاً. ثم انحنى تجاهه وأنهال عليه بالمزيد من اللكمات القوية، والأخت لم يصد أي منهم نظراً للفرق الواضح بين بنيته وبنية أدهم. *** بتلك اللحظة جاء بدر وحياة، التي قالت بقلق: أدهم بتعمل إيه؟ سيبه هيموت في إيدك. بينما بدر اقترب منه قائلاً بابتسامة واسعة: مش كنت تقول، كنت ساعدت وقمت بالواجب يا بن عمي. ***

ثم بلحظة جذب أيمن الملقي أرضاً من ثيابه ولكمه بقوة شديدة. ركضت هنا للداخل حتى تطلب ميادة منهم، بينما حياة حاولت الفصل بينهم لكن دون جدوى. بينما أيمن كاد أن يغشى عليه من كثرة الضرب، فهو يأخذ لكمة من أدهم ثم لكمة من بدر. لتقول حياة بضيق وقلق: بدر ابعد عنه، أنت بتعمل إيه؟ جاء من خلفهم صوت سليم قائلاً بصرامة: في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ أبعد آدم وريان بدر وأدهم عن أيمن قائلاً: انتوا بتعملوا إيه انتوا الاتنين؟ أدهم بغضب:

الزبالة ده ميدخلش هنا تاني. فاطمة بقلق: ليه حصل إيه يا بني؟ جذبه بدر ليقف على قدمه هامساً بخفوت بجانب أذنه وبنبرة تدل على كل شر أخافته لم يسمعها سواه: المرة الجاية قسماً بالله هخزقلك عينك اللي بصت ليها بطريقة و... زيك. ثم دفعه بقوة قائلاً بغضب: غور. فر أيمن هارباً بخوف وجسده بالكامل يؤلمه. سليم بغضب وصرامة: أنا عايز أفهم اللي بيحصل هنا. قص عليه أدهم ما حدث، ليسأل سليم بدر بصرامة: البيه بقى ضربه ليه؟ بدر بغضب:

مشوفتش كان بيبص لحياة إزاي يا جدي؟ سليم بمكر: إيه اللي ضايقك كده يعني؟ بدر بغضب وغيرة: يهمني لأن حياة تخصني، وبما إن الكل موجود أنا عايز أتـ... أوس بغيرة وحدة: لأ، ما عندناش بنات للجواز. بدر برفعة حاجب: لأ ليه؟ عايز أعرف السبب. تبادل الأربعة النظرات، وكلاً منهم يشعر بالغيرة على شقيقته، ليتدخل سليم قائلاً بهدوء: رافض ليه يا أوس؟ وبعدين لسه مسمعناش رأي صاحبة الشأن. رافضة ولا موافقة؟

سليم بهدوء لحياة التي تخفض وجهها بحرج وخجل. نظرت لإخوانها لتجد الرفض على وجوههم، لكنها تعلم سبب ذلك بالطبع، الغيرة. اخفضت وجهها أرضاً من الحرج. هي الآن بموقف لا تحسد عليه، أن ترفض لأجل أن لا تحرج أشقاءها، وحينها ستخذل بدر الذي فعل لأجلها الكثير، أو تقبل وتسبب الحرج لهم وتسعد بدر. نظرت لبدر برجاء أن يتصرف. هي الآن لا تعرف ماذا تفعل، ليتنهد قائلاً بهدوء: الطلب كان مفاجأة يا جدي. سيبها تفكر، وهما كمان يفكروا براحتهم.

أومأ سليم بصمت، ثم دخل الجميع للداخل. وقبل أن تلحق هنا بهم، جذبها أدهم من يدها قائلاً: ابننا ميستاهلش فرصة تانية يا هنا. صدقيني، غصب عني، أوعدك عمرها ما هتتكرر تاني. وحياة سليم، وافقي وأنا والله هعمل أي حاجة عشان أعوضك عن غبائي زمان. كانت تنظر للأرض بتردد، تخشى من كلمة نعم وما يمكن أن يترتب عليها فيما بعد. ليمس يدها قائلاً بتوسل: وافقي يا هنا، وافقي، وأنا عمري ما هخذلك أبداً. وحياة سليم، عمري ما هعملها تاني.

بعد صمت دقائق، نطقت بصعوبة ودموع: آخر فرصة يا أدهم. ابتسم بتوسع، وقبل أن تنطق بكلمة أخرى كان يحملها يدور بها صارخاً بكل ما فيه من قوة، من السعادة. *** صباح اليوم التالي. أغلقت ندا الهاتف مع والدها الذي أخبرها بحالة يوسف السيئة، وأنها بمرحلة متقدمة جداً من المرض اللعين. بكت بقوة وتأثر، تجمع على أثرها زينة وفرح ومهرة، التي سألتها بقلق: مالك يا ندوش؟ بتعيطي ليه؟ مين زعلك؟ قصت عليها ما استمعت له من والدها،

لتتنهد زينة قائلة بحزن: ربنا يشفيه. ندا ببكاء: عمي حالته خطيرة أوي. أنا خايفة عليه يا زينة. فرح وهي تربت على كتفها قائلة برفق: ربنا يشفيه. خلي أملك في ربنا كبير. ندا بدموع: ونعم بالله. زينة بتردد: هنقول لهم على حالة عم يوسف؟ ندا بتصميم ودموع: أيوه لازم. عمي محتاج لهم أوي جنبه. فرح بقلق: هنقول لهم إزاي؟ انتوا عارفين الموضوع صعب أوي نكلمهم فيه. زينة بقلق: هنحاول، وربنا يستر بقى.

اتفق الأربعة على أن تخبر كل واحدة منهم زوجها. جاء المساء والمشهد كالتالي بغرفة أوس. بتردد جلست مهرة بجانبه تخبره بما حدث. وما إن انتهت، نظر بها قائلاً بثبات: أيوه، أعمل إيه يعني؟ مهرة: روح شوفه. اتكلم معاه. نظر لها قائلاً بصرامة: اسمعي يا بنت الناس، الموضوع ده ما يتفتحش في البيت ده، وسيرة الراجل ده ما... قاطعته قائلة: الراجل ده يبقى أبوك. صرخ عليها بغضب: الراجل ده مش أبويا، انتي فاهمة؟

لو مش عايزاها تقلب بخناق، اقصري الشر واسكتي. نفت برأسها قائلة بتصميم: مش هسكت يا أوس. هو آه غلط، بس إحنا كمان بشر وبنغلط، و... قاطعها قائلاً بحدة: غلط عن غلط يفرق. تمسكت بيده قائلة بحزن ورجاء: هو محتاجلك. أبعدها عنه قائلاً بغضب وقهر: أنا كمان كنت محتاج له. كل لحظة كانت بتعدي في حياتي، كنت بحتاج له فيها. احتاجت له ورماني أنا وإخواتي في أكتر وقت كنت محتاجين له فيه.

حاولت الاقتراب منه، لكنه أبعدها، ثم خرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه بغضب. لحظات وركضت للشرفة بقلق عندما استمعت لصوت إطار سيارته يحتك بالأرض مصدراً صوتاً مزعجاً. *** كذلك كان الحال بغرفة ريان وندا، التي ما إن انتهت من سرد ما حدث وطلبت منه أن يسامحه، قاطعها قائلاً بغضب: اسكتي. نفت برأسها قائلة بحزن: مقدرش اسكت يا ريان، ده عمي وأبوك. تمسكت بيده قائلة برجاء: روح شوفه عشان خاطري. مهما كان اللي عمله، في الأول والآخر أبوك.

ركل المقعد بقدمه قائلاً بغضب وقهر: إحنا كمان كنا ولاده في الأول والآخر. مهما كان اللي عملته أمي زي كان بيتهمها، إحنا ولاده واتخلى عنا. توسلته مرة أخرى قائلة برجاء: حالته خطر والدكتور بيقول مسألة وقت. روح له، اتكلم معاه لآخر مرة، واجهه باللي جواك، واللي متأكدة إنه مش كره زي ما أنت مبين. تلـمعت عيناه بالدموع، لتقترب منه قائلة بحزن:

عينك اللي بتلمع بالدموع دي حزن. قلبك واجعك عليه، ونفسي تجري عنده وتطمن. نفسك ترمي نفسك في حضنه. محقـة بكل ما قالت، لكن لا يزال يكابر، مردداً بانفعال: لأ، مش صح. اقتربت منه قائلة بحزن: خليك صريح مع نفسك لمرة واحدة يا ريان، أنت عمرك ما قدرت تكرهه. دفعها من أمامه مغادراً الغرفة، بل الفيلا بأكملها بغضب، مصدراً بسيارته نفس الصوت، لتركض هي الأخرى للشرفة تنظر لأثره بحزن شديد وقلق. ***

بغرفة أمير وفرح، ما انتهت ما أخبره بما حدث، خيم الصمت على المكان. لتسأله: أمير، أنت سمعت أنا قولت إيه؟ نظر لها قائلاً بهدوء ظاهري: أيوه سمعت. سألته بترقب: طب هتروح تشوفه؟ أجابها بهدوء وهو يخلع جاكيت بدلته: لأ. شعرت بالتوجس من هدوئه، لتسأله: ليه؟ أجابها بصرامة: كده، واقـ... صرخ عليها بغضب لم تعهدها منه منذ زواجهم: أنا مش قولت اقفلي الزفت الموضوع ده. نفت برأسها قائلة بتصميم: مش هقفله. ثم اقتربت منه

محاوطة وجهه بيدها قائلة: يا حبيبي، ده والدك. مينفعش تسيبه في وقت زي ده. عارفة إن صعب تسامح في اللي عمله معاك، ومش عارفة لو كنت مكانك كنت هقدر أعمل اللي بقولك عليه ده ولا لأ. ثم تابعت بتشجيع: روح له، هو محتاجلك، وأنت محتاج له. أبعد يدها عنه قائلاً بغضب وانفعال: أنا مش محتاج له. مش بعد كل السنين اللي قضيتها من غيره هحتاج له دلوقتي. نفت براسها قائلة بحزن:

محدش يقدر يعيش من غير أبوه وأمه، من غير ما يحتاج لهم في أي لحظة في حياته. اقتربت منه مرة أخرى تتمسك بيده قائلة برجاء: روح له، يمكن تكون آخر مرة تشوفه، ويمكن تندم في يوم إنك معملتش كده، ما اتكلمتش معاه، مقولتش اللي في قلبك ليه. نظر لها قائلاً بمكابرة رغم تأثره بكل كلمة قالتها: اللي في قلبي ليه معروف، كره و ب... قاطعته قائلة بحزن: مش وقت تكذب فيه على نفسك. عيونك فضحاك، أنت زعلان عليه، نفسك تجري وتعـ...

كحال أخوته، غادر مثلهم بغضب. قلبه يود الذهاب إليه وعقله يرفض الخضوع لرغبة القلب. *** نفس الحال بغرفة أدم وزينة. كان يجلس على الفراش وهي تجلس أمامه أرضاً تتمسك بيده. قائلة بحزن: والدك محتاجلك دلوقتي بالذات. ليأتيها رده قائلاً بانفعال: أنا كمان احتاجت له. عارفة كام مرة احتاجت له وقد إيه. وقف وجذبها لتقف أمامه قائلاً بغضب وقهر:

خمسة عشر سنة، كل يوم فيهم وكل لحظة كنت محتاج له فيها. أنا كنت لسه في بداية حياتي، معرفش يعني إيه مسؤولية. فجأة لقيت أمي بتموت وأب بيرميني أنا وإخواتي بذنب ملناش دعوة بيه. في يوم وليلة، ألقى نفسي في رقبتي أربع أخوات. طفل في رقبته مسؤولية أربع أطفال زيه. كور قبضة يده قائلاً بانفعال: سنين شقى وتعب وأيام كتير كانت بتعدي عليا، كنت بحتاج له عشان أترمي في حضنه. جلس مرة أخرى على الفراش قائلاً بقهر وألم:

استنيته كتير، سنة اتنين، إن قلبه يحن ويجي يعتذر، يرجعنا لحضنه من تاني. معملهاش، أذاني وأذى إخواتي، وحرمني من أمي اللي ماتت وهي لسه في شبابها. ظلم. حرك رأسه بنفي قائلاً بأعين تلمع بالدموع: إني أسـ... ده خيانة ليها. جلست بجانبه وهي تضع يدها على وجنته قائلة بمواساة وحزن: عارفة إن اللي عيشته وشوفته صعب، بس ده أبوك. مهما عمل، اسمه أبوك. وعمتو اللي يرحمها عمرها ما هتكون مبسوطة وهي شايفة الوضع ده.

تمردت دموعه على رغبته وفرت دمعة عاصية يليها الكثير بصمت، لتمسحهم بيدها قائلة برجاء: روح له وريح قلبه وقلبك اللي متأكدة إنه موجوع منه، مش بيكرهه. أبعدها عنه قائلاً بنفي قبل أن يغادر الغرفة: مقدرش أعمل كده. تنهدت بحزن وهي تنظر لأثره، خرجت للشرفة لتقع عيناها عليها وهو يغادر الفيلا منطلقاً بسيارته بسرعة عالية. التقت يميناً ويساراً لتقع عيناها على فرح ومهرة وندا، ومن هيئتهم يبدو أن الثلاثة فشلوا في إقناع أزواجهم مثلها.

*** بينما حياة علمت من زينة التي هاتفتها وأخبرتها، لتصعق هي الأخرى بهذا الخبر. دقائق أم ساعات، لا تعرف كم بقيت شاردة والدموع تلمع بعينيها تهدد بالنزول بأي لحظة. هاتفت إخوانها لكن لا من مجيب، بالتأكيد كلا منهم مصدوم مثلها. وضعت يدها على وجهها ودخلت في نوبة من البكاء.

مر الليل وجاء الصباح وهي مثلما كانت تجلس بالأمس، لازالت تنظر للفراغ بشرود. بعد تفكير طويل، اتخذت ذلك القرار، رغم أن بداخلها ليست مقتنعة به كلياً. هاتفت إخوانها لكن أيضاً لا يجيب أحد. لذا بعثت رسالة صوتية على أحد مواقع التواصل الاجتماعي قائلة بحزن: أنا عارفة إنكم مصدومين، وعارفة إن محدش فينا قدر يكرهه، رغم إن اللي كنا بنبيـ...

كان كره وبس، لكن أنا متأكدة إن إحنا موجوعين منه. مش بطلب منك تسامحوه، لأني أنا كمان مش قادرة أعمل كده. مش قادرة بين يوم وليلة أسامح. أبوكم محتاج لنا دلوقتي بالذات، وكل واحد فيكم دلوقتي أب. ربنا وصانا عليه، ومهما عمل هو اسمه أبونا. تنهدت ثم تابعت بجدية:

أنا رايحة قصر العمري أجيب أبوكم للفيلا. أتمنى إخواتي يفضلوا رجالة زي طول عمرهم ما كانوا. شيلوا الخلافات اللي بينا على جنب، وكل واحد يعمل اللي حاسه، واللي متأكدة إن محدش فيكم قلبه هيطاوعه يبعد في وقت زي ده ويتخلى. ظهرت لها إشارة زرقاء دليل على استماعهم للرسالة التي أرسلتها على جروب خاص بهم. ***

بتردد وضعت يدها على جرس الباب الداخلي لقصر العمري. أدخلتها الخادمة على الفور ما أن رأتها، وبدون حديث صعدت لأعلى حيث غرفته. كادت أن تطرق الباب الذي لم يغلق كاملاً، لترى من ذلك الشق يوسف يجلس على فراشه، يمسك بيده كوب الماء، ويمسك بيده أحد شرائط الدواء، ويظهر عليه التعب الشديد، لكن وقع الشريط من يده.

كاد أن ينحني ليلتقطه، ليجد يداً سبقته والتقطتها، وما أن رفع وجهه ليرى الفاعل، لترتسم الصدمة على ملامح وجهه عندما وجد ابنته التي بصمت جلست بجانبه على الفراش بصمت، تخرج حبة دواء من الشريط، وضعتها بيدها بصمت. لكنه من الصدمة لم يتحرك من الأساس، لتنطق هي بصعوبة: الدوا. تناولها بصدمة وعيناه تلمع بالدموع، بينما هي كانت تنظر أمامها تحاول تفادي النظر لوجهه حتى لا يرى دموعها التي تهدد بالانهمار بأي لحظة. لتنطق بصوت مختنق:

ألف سلامة عليك. نطق بصعوبة هو الآخر وصدمة: الله يسلمك. بدون حديث، توجهت لغرفة الملابس تبحث عن حقيبة ثياب لتجدها. أخذت تضع بها ثياب له، بينما هو ذهب خلفها بصدمة ليجدها تضع ثيابه بالحقيقة، فسألها بصدمة: بتعملي إيه يا حياة؟ تنهدت بعمق قبل أن تجيبه بهدوء يخالف ما بداخلها الآن: بجهز شنطتك. أيمن: ليه؟ أجابته بصوت مختنق من الدموع: عشان تعيش في بيت ولادك. صدمة تلي الأخرى. هو للآن لم يتجاوز صدمة تواجدها الآن وأنها تتحدث معه،

ليخرج من شفتيه فقط كلمتان: مش فاهم حاجة. جاءه صوتها بعد لحظات صمت قائلة بما صدمه مرة أخرى: مش فاهم إيه بس يا بابا؟ بقولك هتيجي تعيش في بيت ولادك. شهق بصدمة وفرت دمعة من عيناه، يليها المزيد بصدمة وسعادة. بينما هي كانت انتهت من وضع ثياب تكفي بحقيبته، واقتربت منه قائلة بابتسامة: هتيجي ولا حابب تفضل هنا؟ من الصدمة لم يجيب والدموع تنهمر على وجنته بغزارة، بينما هي بتوتر رفعت يدها تمسح دموعه قائلة بنفس الابتسامة: هتيجي.

أومأ له سريعاً بسعادة ولهفة، تمسكت بيده وباليد الأخرى تجر حقيبة ملابسه. وما أن وصل لمنتصف الدرج برفقتها، تفاجأ بأبنائه جميعاً يقفون بالأسفل. تحرك أمير وأخذ من يدها الحقيبة، لتبتسم هي لهم. بينما جمال ومازن وفرحة وإلياس وسعاد يراقبون سعادة يوسف الظاهرة بوضوح على وجهه بسعادة. كان أول من تحدث ريان قائلاً بهدوء: يلا خلينا نمشي. ودع الجميع يوسف الذي لم يكن معهم من الأساس، عيناه لم تفارق النظر لأبنائه ثانية واحدة.

ابنته تتمسك بيده وتناديه بأبي، وأبناؤه جائوا لأجل أن يأخذوه ليقيم معهم ما تبقى من عمره، أيام... أسابيع... شهور سيقضيهم برفقتهم وبرفقة أحفاده، الذي كان يتجنب الحديث معهم بوجود أبناءه حتى لا يسبب الضيق لهم. *** ما إن وصل يوسف لفيلا أبناءه، استقبلوه زوجاتهم ترحيباً شديداً، لتقول ندا وهي تربت على كتفه: أحلى أوضة لأحلى عم في الدنيا جهزتها أنا والبنات لحضرتك بنفسنا.

ابتسم لهم يوسف بشكر وعيناه على أبناءه الصامتين للآن، حتى طوال الطريق لم ينطق أي منهم بأي كلمة. تبادل الأربع فتيات النظرات، ثم وقفوا قائلين: هنروح نجهز الغدا أنا والبنات. ما أن غادروا، كان الصمت يعم المكان. كلاً منهم يجد صعوبة في الحديث، والجو أصبح مشحوناً بالتوتر. لتتحدث حياة أخيراً بعد صمت طويل: تحب تطلع ترتاح في أوضتك؟

انتظر أن يتحدث أي من أبناءه الأربعة، لكن لم يحدث. وقف بعدما أومأ لها بصمت. كادت أن تمسك بيده تساعده على السير، لكن سبقها ريان قائلاً بهدوءه المعتاد: خليكي يا حياة، أنا هوصله. أومأت له، وابتعدت بهدوء، ليصعد يوسف برفقته في صمت تام. بينما حياة ما أن صعدوا، نظرت لهم قائلة بابتسامة: اللي عملتوه هو الصح. وشكراً عشان محدش فيكم رفض طلبي. أوس بهدوء يعكس ما بداخله:

محدش رفض عشان ده اللي كان المفروض يحصل أولاً، وعشان خاطرك غالي عندنا أوي يا حياة. ابتسمت له، ثم صعدت لأعلى لغرفتها، وما أن أغلقت الباب، انهمرت دموعها بغزارة على وجنتها، ولم تستطع كتمانها أكثر من ذلك. *** بينما بغرفة يوسف. ساعده ريان على الاستلقاء على فراشه وفتح حقيبته الطبية وأخذ يفحصه بهدوء. وما أن انتهى، تنهد بعمق قائلاً بصعوبة: ألف سلامة عليك. يوسف بأعين دامعة: الله يسلمك يا بني.

صمت ريان للحظات قبل أن يقول بهدوء لا يمس بصلة ما يشعر به الآن من الداخل: اللي حصل صعب أسامح فيه، وصعب أنسى بين يوم وليلة، وصعب أتعامل معاك كأن مفيش حاجة حصلت. أنا مش بكرهك. تنهد متابعاً حديثه بصعوبة: مش بكرهك، ولا عمري قدرت أكرهك، ولا حد فينا قدر يحس كده ناحيتك. إحنا كنا موجوعين منك، كنا بنحبك أوي، وعلى قد ما حبناك اتوجعنا منك. اخفض يوسف وجهه بحزن ودموعه تنهمر على وجنتيه بصمت، وهو يستمع لحديث ابنه:

بعد ما ماما ماتت، استنيناك كتير عشان تيجي، وكنا هنسامحك بس لو جيت، لكن أنت مجيتش. اتخذلنا منك كتير أوي واتوجعنا منك. بتلك اللحظة دخل أوس وأدم وأمير، الذي قال بحزن ظاهر بوضوح بصوته: أنت موجود هنا دلوقتي مش شفقة زي ما بتفكر، أنت هنا عشان إحنا محتاجين ده قبلك. أنت هنا عشان محدش فينا كان مبسوط بحالتك، ولا فرحانين باللي حصلك. موجوعين منك، بس محدش فينا بيكرهك، ولا عايزين نخسرك. تابع أوس الحديث بصعوبة:

أنت هنا عشان تكون فيه فرصة نقدر فيها نسامح ونعدي اللي حصل زمان. مش هننساه، ولا عمرنا هنقدر، بس على الأقل نقدر نتعايش بيه. بعد صمت لحظات، تحدث أدم أخيراً قائلاً بصعوبة: ريان قال كل اللي إحنا كنا عايزين نقوله، ويا ريت متتكلمش في الماضي تاني، وإحنا كمان هنعمل كده. يوسف ببكاء وندم: سامحوني. لم يتحدث الأربعة بعد طلب السماح منهم، ليأتي بتلك اللحظة صوت فرح قائلة: بتعملوا إيه عندكم؟ يلا الغدا جاهز. يلا يا عمي.

نفى يوسف برأسه قائلاً بحزن: مليش نفس يا بنتي، بالهنا والشفا انتوا. أوس بجدية: لأزم تاكل كويس عشان الدوا اللي بتاخده شديد. بينما ريان ابتسم بمجاملة قائلاً: كمان عشان الأولاد عايزين يقعدوا على السفرة مع جدهم أول مرة. ابتسم يوسف مربتاً على كتف ريان الذي يجلس بجانبه، ونزلوا جميعاً للأسفل مجتمعين على تلك الطاولة التي لأول مرة تجمعهم معاً منذ سنوات طويلة. *** في المساء.

كان إلياس يجلس خلف مكتبه وعقله شارد في صراع كبير. منذ أن جاءت له تلك الفتاة حتى تتفق معه ذلك الاتفاق، يحذرهم منها أو يكمل في تلك الخطة، لعله يسترجعها من جديد ويكسب قلبها الذي كسره بتسرعه وشكه بها. لكن جاءت اللحظة الحاسمة ليقرر فيها ماذا سيختار، أن يكون نذلاً معها للمرة الثانية، وأن يختار سعادتها التي يراها بوضوح وهي برفقة بدر. وصلته رسالة صوتية من رقم نسرين على أحد مواقع التواصل الاجتماعي تقول فيها:

أنا مع بدر دلوقتي في أوتيل. أنت دلوقتي روح لحياة عشان لما أبعتلها رسالة وصورة ليه معايا تكون جنبها وتجيبها وتيجي عندي. بعد لحظات، كان يمسك مفاتيح سيارته وانطلق بسرعة شديدة لينفذ ما اختار أن يكون. *** بينما على الناحية الأخرى، كانت نسرين تجلس برفقة بدر بالكافيه الخاص بالفندق، وهو يجلس أمامها يحرك قدمه بنفاذ صبر وغضب قائلاً: بقالنا نص ساعة، وبسلامته ما وصلش. تصنعت البكاء قائلة:

أنا آسفة يا بدر، معطلاك معايا، بس كنت محتاجة راجل يقف جنبي، وأنا معرفش غيرك يساعدني في الموضوع ده. بالطبع جاءت به إلى هنا بكذبة من تأليفها. لقد أخبرته أن هاتفها تمت سرقته منها، والسارق استطاع أن يصل لكل شيء على الهاتف من صور خاصة وغيره، ويهددها بهم مقابل مبلغ وقدره من المال. مرت ربع ساعة أخرى لم يأتِ، لتعتذر منه قائلة بدموع وحزن: أنا آسفة يا بدر، معطلاك معايا، بس مليش غيرك. أشفق عليها قائلاً بهدوء:

خلاص يا نسرين، مفيش حاجة. أنا معاكي، وإن شاء الله المشكلة تتحل من غير أي مشاكل. مسكت يده قائلة بامتنان: شكراً يا بدر، بجد شكراً. سحب يده منها على الفور بضيق، طلب قهوة له، وكذلك هي. مر وقت قصير وجاء النادل بهم، ثم غادر. لتمر لحظات وأرسلت لهاتفها رسالة من النادل تنص على كلمة واحدة فقط: "حصل". ابتسمت بمكر وهي ترى بدر يقرب فنجان القهوة من فمه ليرتشف منه، لكن بلحظة وجدت يداً تطـ...

الفنجان من يده بغضب. انتفضت مكانها عندما وجدت إلياس الفاعل، قائلة بغضب: أنت اتجننت! إلياس بحدة وغضب: هاتها وتعالى بره عشان اللي هيتقال مينفعش حد يسمعه خالص. كان بدر مصدوماً مما حدث، وكانت نسرين ترتجف من الخوف. ستخسر بدر نهائياً إذا علم شيء عن مخططها مع إلياس. دفع بدر الحساب وجذبها من يدها لخارج المطعم قائلاً بحدة لإلياس: ممكن أعرف إيه اللي أنت عملته ده؟ إلياس بهدوء:

معرفش، هي كدبت عليك وجابتك هنا بحجة إيه، بس القهوة اللي كنت هتشربها فيها منوم، وكانت هتاخدك وتطلع أوضة فوق عشان توهم حياة إنك بتخونها، وكانت عايزاني... قص عليه اتفاقها معه بالكامل، وما أن انتهى. قبض بدر بيده على ذراع نسرين قائلاً بغضب: أنا مشوفتش رخص كده. قولتهالك مية مرة، مش عاوزك ولا طايقك. إيه؟ مش بتفهمي؟ معندكيش كرامة؟ وصلت بيكي إنك تفكري في كده. نسرين ببكاء وغضب:

عملت كده عشان بحبك. أنا عرفتك قبلها، فضلت أجري وراك كتير، وهي جات في لحظة خدتك مني فيها. إيه؟ زيادة عني؟ صرخ عليها بغضب واحتقار: أنتي وهي متتقارنوش ببعض خالص. انتي رخيصة، لكن هي لأ. هي غالية وهتفضل غالية، وعمرها ما رخصت نفسها ونزلت لمستواكي اللي خلاك تفكري تجبري نفسك على واحد مش طايقك. دفعها باحتقار قائلاً بغضب وتوعد: امشي من خلقتي، وآخر مرة أشوف وشك ليها. حتى الشركة اعتبري نفسك مطرودة من النهاردة.

تمسكت بيده حتى ترجوه أن يتراجع عنه، قال لكنه دفعها باحتقار وغادر، وخلفه إلياس، والاثنان تركوها تجلس أرضاً تبكي وتنتحب بقوة. *** بالخارج، وقف إلياس بجانب بدر الذي يستند على سيارته يتنفس بقوة من الانفعال والغضب. خرت دقائق وهم على هذا الحال في صمت. قطعه بدر قائلاً بصدمة: آخر حد كنت أتوقع إنه ممكن يساعدني. إلياس بسخرية: مش عشان جمال عيونك يعني. أنا عملت كده عشان حياة. تنهد بحزن متابعاً حديثه:

مش عايز أكون ندل معاها للمرة التانية. خذلتها مرة، وعارف إنها اتوجعت، مش عايز أعيشها نفس الوجع مرتين. هي تستاهل تعيش مبسوطة، وعارف إنها بتحبك، وأنت كمان بتحبها. ابتلع غصة مريرة بحلقه قائلاً: حافظ عليها. أنا عارف إنك مش زيي، وإنك كنت أرجل مني معاها، وعملت معاها اللي أنا مقدرتش أعمله لأني بغبائي نهيت كل حاجة من البداية. كان بدر يستمع له بشفقة وحزن، ليردد إلياس متابعاً حديثه بحزن وألم:

حياة تستاهل الأحسن مني، وأنا عارف إنك أحسن مني. أنت بجد تستاهلها. انتوا الاتنين تستاهلوا بعض. *** كاد أن يغادر، ليوقفه بدر قائلاً: إلياس، شكراً. ابتسم إلياس قائلاً بمرح باهت: قولتلك مش عشان جمال عيونك. فمفيش داعي للشكر. قالها وغادر، وخلفه سيارة بدر منطلقة، ليرى حبيبته التي اشتاق لها. *** " سامحتيه؟ كانت تلك الكلمة الوحيدة التي خرجت من بدر بعدما قصت له ما حدث. صمتت للحظات قبل أن تقول بحزن:

أبقى كدابة لو قلت آه. لسه في جوايا جزء مش مسامح ومش قادر يتقبل كده. في جزء جوايا بيقولي إزاي تعملي كده وتسـ... الراجل اللي عمل كده فيكم ودمركم. جزء جوايا بيقولي أنت بتخوني باللي بتعمليه. مامتك اللي كانت ضحية للراجل ده زيك أنتِ وإخواتك بالظبط، وهي أول ضحية. ربت على يدها قائلاً برفق: الصوت اللي جواكي وبيقولك كده ده الشيطان. بلاش تسمعي ليه. الشيطان عمره ما هيكون مبسوط لما يشوفك بتعملي حاجة صح. " يعني اللي بعمله صح؟

اخفضت وجهها قائلة بحزن: بلاقي صعوبة في التعامل معاه، بحس إني بتعامل مع راجل غريب عني، مش أبويا. أومأ لها بتفهم: طبيعي. بقالك قد إيه بعيدة عنه؟ سنين مش أيام. انتي بس محتاجة شوية وقت. صمتت للحظات وبدأت تبكي بصمت. جذبه لاحتضانه، وهو حزين عليها، يتفهم ذلك الصراع الذي يدور بداخلها الآن. بعد دقائق من البكاء، شاكسها قائلاً: كده تبلي القميص بتاعي بدموعك. ابتعدت عنه ثم مسحت دموعها قائلة: فدايا. نفى برأسه قائلاً بمكر:

لأ، مش فداكي. وأنا حالاً عايز تعويض. زفر بضيق قائلة بعبوس: هجيب لك غيره. نفى برأسه قائلاً بمكر: تؤ، غيره إيه بس؟ أنا عايز تعويض تاني خالص. نظرت له قائلة: عايز إيه؟ ضم شفتيه ثم أخذ يحركها بمعنى يريد تقبيلها، لتشهق هي بخجل قائلة بغيظ: يا سافل، يا قليل الأدب! نظر لها بغيظ قائلاً بتوعد: بعد الشتيمة دي، هيبقوا اتنين. وقفت وكذلك فعل هو، ثم رفعت إصبعها بوجهه قائلة بحدة تخفي بها خجلها:

بعينك، ولو قربت هصوت وألم عليك البيت كله. قبل إصبعها، لتسحب يدها على الفور، ثم بدأت بالتراجع للخلف عندما بدأ هو يتقدم منها قائلاً بمشاكسة ومكر: معنديش مانع والله، وساعتها أصلح غلطتي ونعجل بالجواز بقى عشان أنا على آخري والله. صرخت عليه بصدمة وحدة: بدر، أنت طلعت قليل الأدب أوي، مكنتش متخيلك كده خالص. ضحك بقوة قائلاً: مين اللي ضحك عليكي وقال لك كده؟ مفيش راجل مش قليل الأدب يا روحي. ***

اصطدام جسدها بالجدار خلفها، كادت أن تركض من أمامه، لكنه حاصرها بيديه قائلاً بابتسامة وهو يلاعب حاجبيه: على فين يا شابة؟ ده إحنا هنروقوكي. زمت شفتيها قائلة بغيظ: ابعدي يا ريا. اقترب بوجهه منها قائلاً بمرح: بذمتك ريا كانت قمر كده؟ ضمت يدها لصدرها قائلة بغيظ: أووف، مش هرد عليك. غمزها قائلاً بوقاحة صدمتها وهو ينظر لشفتيها: مش هتلحقي، أصلهم هيكونوا مشغولين. ضربته بصدره قائلة بحدة وخجل:

أنت قليل الأدب، أنا رجعت في كلامي، مش عايزة أتـ... اقترب منها قائلاً بصرامة لكن طريقته مضحكة: رحلة هي عشان ترجعي في كلامك، وبعدين الكلام ده عند ماما يا حبيبتي، أنا قتيل الجوازة دي. زمت شفتيها بغيظ قائلة: بدر ابعد بقى. نفى برأسه قائلاً: أبداً، لازم آخد حقي. هاخد البوستين، يعني هاخدهم، كمان عشان العطلة دي بقوا أربعة. كان يقترب منها، لكنها دفعته بصدره للخلف ليبتعد قليلاً، قائلة بخجل وحدة: بدر.

ابتسم واقترب مرة أخرى قائلاً بخفوت بجانب أذنها بصوته الرجولي: أنا نفسي أقرب وأدوق الشهد، بس مش هيحصل غير و أنتِ مراتي وعلى اسمي. اخفضت وجهها خجلاً، ليداعب أنفها بإصبعه قائلاً بمشاكسة: حبيبي المكسوف. أنا كنت بهزر. كان وجهه قريب من وجهها، وبنفس اللحظة قاطعهم صوت شخص يتنحنح بحدة. ابتعد عنها على الفور، في الحقيقة هي من دفعته بقوة: احم احم. لم يكن سوى يوسف، ليلتفت بدر لها قائلاً بقلق واهٍ: إيه؟ لسه عينك بتوجعك؟ تلعثمت

من الخجل والحرج قائلة: ها... ا... لأ، خلاص. ليلـتفت بدر ليوسف قائلاً بابتسامة واسعة: عمي حبيبي، أوقاتك دي ما شاء الله عليها. احم حياة عنيها بتوجعها، فا... ا... جز يوسف على أسنانه قائلاً بحدة: كنت بتحطلها قطرة يا حبيب عمك، مش كده؟ تمتم بدر بضيق: ملحقتش للأسف. وكزته حياة في ذراعه قائلة ليوسف بحرج: احم، إيه اللي نزل حضرتك من السرير؟ يوسف بحدة وهو ينظر لبدر: زهقت، وزي ما يكون ربنا بعتني في الوقت المناسب.

طب استأذن أنا بقى، الوقت اتأخر. يوسف بابتسامة صفراء: أنا برضه بقول كده. ليلـتفت بدر لحياة قائلاً بمكر: مش هتوصليني للباب، أصلي نسيت الطريق. نظرت له بغيظ، وكذلك يوسف، فقادته للباب الذي يبعد عن الدرج بمسافة ليست قصيرة، وبالمنتصف يوجد عمود كبير. فتحت الباب له ليذهب، وهي تنظر له بغيظ، وفجأة قبلها من وجنتها قائلاً بمشاكسة: تصبح على خير يا صغنن. *** في صباح اليوم التالي.

تعالى رنين جرس المنزل، فتحت مهرة الباب لتتفاجأ بوجود سارة أمامها، لتردد بصدمة: انتي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...