الفصل 26 | من 32 فصل

رواية ضحايا الماضي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
15
كلمة
3,005
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

دفعت بكرسيها نحو غرفتها ودفعت الباب خلفها تلتقط سماعة الهاتف المنزلي، لن تبقى هنا بهذا المنزل بعد الآن حتى وإن بقيت بالشوارع. اتصلت بذلك الرقم الوحيد الذي تحفظه، لحظات وأتاها الرد لتقول بدموع وصوتها يحمل رجاء بأن لا يخذلها: بابا يوسف!!! ميز صوتها على الفور ليسألها بجفاء: عايزة إيه يا سارة؟ بكت قائلة بانكسار: أنا مش عارفة أعمل إيه، محتاجالك أوي يا بابا عشان خاطري ساعدني، مليش حد ومش عارفة أتصرف إزاي بعد اللي حصلي.

يوسف بجفاء: بعد اللي عملتيه في بنتي وولادي واللي عمله أبوكي وأمك ليكي عين تطلبي مني مساعدة؟ بكت قائلة بتوسل: أنا مليش غيرك دلوقتي عشان كده كلمتك، إنت عارف كويس إني دايماً كنت بتعامل معاك كأنك أبويا الحقيقي، وبنتك محتاجة تقف جنبها لأنك كنت دايماً تعاملني كويس من لما كنت صغيرة وأنا مليش ذنب، إنت قلبك كبير و... أجابها بجفاء:

أنا عندي بنت واحدة بس اسمها حياة، وغلطانة لو فاكرة إني عندي قلب، أنا نفسي كنت فاكر كده لحد ما عرفت الحقيقة، أنا واحد معندوش رحمة في قلبه عشان يعمل في ولاده اللي أنا عملته. تنهد بحزن قائلاً بندم: عملت في ولادي كل ده، مستنية مني أساعدك؟ ولادي اللي من دمي موقفتش جنبهم، هقف جنبك إنتي وإنتي اللي آذتيهم إنتي وأمك وأبوكي. أجابته ببكاء وانكسار:

أبوس إيدك، أنا مليش حد، أنا محتاجة مساعدتك، مليش غيرك دلوقتي أطلب منه مساعدة، اقف جنبي لو لسه فاكر ليا أي موقف كويس معاك. لم تسمع سوى تنهيدات تخرج منه، مرت دقائق في صمت لتتوسله مرة أخرى قائلة: أرجوك. زفر بضيق قائلاً بتردد: إنتي فين؟ أخبرته بمكانها ليجيبها بتردد: هبعتلك مازن وهو هيتصرف ويعمل اللازم. ابتسمت بسعادة قائلة بامتنان: شكراً، بجد شكراً أوي يا بابا يوسف.

أغلق الهاتف دون إجابة، ثم أخبر مازن الذي وافق على مضض مرغماً، بينما هو جلس على فراشه. يتمنى حقاً أن لا يندم على ما فعل، كان حقاً يعتبرها ابنته، لكن ما فعلته هي ووالديها جعله كل هذا الجفاف بينهما. بينما مازن فعل ما طلبه عمه، تلمعت عيناه بالشفقة. عندما وقعت عيناه عليها وهو يراها تدفع بمقعدها المتحرك نحوه، والانكسار والذل يرتسم على ملامح وجهها، لطالما عهدها قوية، بل كان يرى أنه لا يوجد أحد يملك غرور مثلها.

ودعتها أم حمدي قائلة بحزن: والله هتوحشيني يا بنتي، ابقي اسألي عليا وأنا هبقى أطمن عليكي من وقت للتاني، ربنا يحميكي ويكفيكي شر ولاد الحرام. ابتسمت سارة بامتنان لها، فتلك المرأة حقاً من كانت تعاملها برفق وحنان، سواء بأفعالها أو كلماتها الحنونة بهذا المنزل.

بينما مازن كان يرمق الاثنين باندهاش، يتساءل أين سارة التي كانت لن تتوقف عن إلقاء نظرات الاحتقار لتلك المرأة والتقليل منها كعادتها مع الأقل منها شأناً، لكنه أخفى اندهاشه، يدفع بمقعدها لخارج المنزل وهي تضع على قدمها حقيبة ثيابها الصغيرة جداً. ما إن وصلوا لخارج البناية، التقت بعمر، اخفضت وجهها قائلة بحزن وأعين دامعة: شكراً ع الفترة اللي استضفتني فيها في بيتك، وأسفة لو كنت ضيفة تقيلة، عن إذنك. سألها بجمود ظاهري:

هتروحي فين ومين حضرته؟ كاد مازن أن يجيب لكنها سبقته قائلة بهدوء: متشغلش بالك، وشكراً مرة تانية. قالتها وهي تدفع بقدمها للأمام، ساعدها مازن وأم حمدي لكي تركب السيارة، وهو يراقبها بحزن، يريد أن يمنعها من الذهاب، لكن لا يقدر. كلماته لها كانت قاسية، يعلم، لكنها ليست أقسى مما فعلت به. بدون قصد، رفع رأسه لشوفة منزله، لتتقابل عينه بأعين والده، ليرى بهم شفقة وحزن.

صعد لأعلى بعدما ألقى نظرة على السيارة قبل أن تذهب، ثم صعد لأعلى ثم لغرفته على الفور، ليتفاجأ بوالده يجلس على فراشه قائلاً بهدوء: تعالى اقعد. قالها وهو يشير لمكان فارغ بجانبه على الفراش، جلس عمر بصمت، يتابع الآخر قائلاً بحنان: أنا أب يا عمر، مش هبقى مبسوط وأنا شايف ابني بيعيد نفس غلط زمان تاني، مش هقدر أشوفك بتغرق نفسك وأقعد أتفرج. تنهد ثم تابع مردداً بحزن:

أسلوبي كان وحش وخنقتك وكلامي كان قاسي، عارف، بس من خوفي عليك يا بني، طلعها من دماغك وحياتك، أنا عارف إنك لسه بتحبها حتى لو قلت العكس، إنت حاسس بيك. ابتلع عمر غصة مريرة بحلقه، ليتابع والده بحزن: بس الحب ده يا بني مؤذي ليك، وطالما بيأذيك يبقى تبعد، مجاش من وراه غير المشاكل وبس، خسرت كتير بسببها، مستني إيه تاني يحصل عشان تعرف إن واحدة زي دي مينفعش تتحب أصلاً، لو كانت تنفعك زمان فدلوقتي لا.

أومأ له عمر بصمت، ليغادر طه بحزن ويتركه يفكر بكلامه الذي وجده على حق، لكن يا ليت. النسيان سهل. بفيلا الادم بغرفة أوس ومهره. كانت تتوسد صدره تسأله بتردد: أوس. ابتسم قائلاً وهو يعبث بخصلات شعرها النارية: نعم يا حبيبتي. سألته بتوتر: إنت مش ملاحظ إن غريبة إن عمي ومراته وابنهم من ساعة ما جم وهددونا محدش فيهم لا بلغ ولا قرب مننا خالص؟ سكوتهم غريب. ابتسم بمكر قائلاً: لا غريب ولا حاجة. اعتدلت تنظر له قائلة بشك:

إنت عملت ليهم حاجة؟ ضحك قائلاً بمكر: عرفتهم بس مين هو أوس الجارحي، متشغليش بالك بيهم، هما دلوقتي قبل ما يقربوا منك هيفكروا ألف مرة إيه اللي ممكن يحصللهم. سألته بتردد: عملتلهم إيه يعني؟ جذبها لاحضانه مرة أخرى قائلاً: قولتلك متشغليش بالك وارتاحي.

قالها وهو يغلق إضاءة الغرفة وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة، وهو يتذكر كيف منعهم من التوجه للقسم بمساعدة شقيقه أمير، واحتجزهم حتى تزوج منها، والضرب المبرح الذي أخذه عنها وابنه، بل وأخذ إمضت الاثنين قسراً على العديد من الشيكات حتى يفكر كلاهما قبل الاقتراب منها. مرة أخرى. في نيويورك. كانت حياة تجلس بجانب بدر بسيارته تسأله بنفاذ صبر وفضول: أنا عايزك تعرف إنت واخدني فين. أجابها بابتسامة: هتعرفي لما نوصل. زمت شفيتها بضيق قائلة:

طيب معلومة حتى أخمن منها. لاعب حاجبيها لها قائلاً بمشاكسة: عايزة تعرفي رايحين فين؟ أومأت له بنعم، ليشير على وجنتها بإصبعه قائلاً بمشاكسة ومكر: تديني بوسة وأقولك. شهقت بخجل ثم وكزته بذراعها قائلة بغضب: بس يا قليل الأدب. ضحك بقوة وهو يتابع بطرف عينيه وجنتها التي اصطبغت بحمرة قانية بافتتان. بعد وقت قصير توقفت بها أمام بناية فخمة، سألته بتعجب: إحنا جايين هنا ليه؟ جذب يدها ثم دخل البناية قائلاً بهدوء: هتعرفي دلوقتي.

صعد معها بالمصعد للطابق السادس، ثم أشار لباب منزل مفتوح، ومعلق بجانبه لوحة لعيادة طبيبة نفسية تدعى أميليا (Amelia) نظرت له بصدمة، ليشير لها قائلاً بابتسامة: خدتي الخطوة دي بس مكملتيهاش للآخر. نفت برأسها قائلة: مش عاوزة. تنهد قائلاً بتساؤل: إنتي خدتي الخطوة دي ليه يا حياة من الأول؟ أشاحت بوجهها، ليعيد السؤال مرة أخرى، اخفضت وجهها قائلة بصوت مختنق وهي على وشك البكاء:

كنت عاوزة أنسى وأعيش حياتي من غير خوف، عشان أقدر أحدد أنا عاوزة إيه. امتدت يده يرفع وجهها لتنظر له مردداً بابتسامة: إيه اللي جد؟ مش عاوزة تنسي وتعيشي حياتك؟ مش عايزة تعرفي إنتي عاوزة إيه؟ مش عاوزة تخرجي من حالتك دي؟ أشار بيده للعيادة قائلاً بهدوء: عايزة تلاقي نفسك وتساعدي نفسك عشان تعيشي حياتك صح. ثم تابع وهو يشير للمصعد:

ولا نرجع من مكان ما جينا وتحبسي نفسك تاني في حزنك وتضيعي اللي باقي من عمرك في حيرة مش عارفة إنتي عاوزة إيه ومش عارفة تاخدي خطوة في حياتك من غير تردد. بقيت صامتة لدقائق قصيرة، ثم دخلت للعيادة بدون حديث، وهو خلفها يبتسم، دخل معاها لعدة دقائق ثم خرج ينتظرها بالخارج حتى تنتهي. أيام... أسابيع... شهور...

عام. لقد مضت فترة طويلة، هي تواظب على جلساتها، وبكل مرة يأتي معها لهنا، ينتظرها حتى تنتهي ويعود بها. أحياناً تنسى موعدها، لكنه أبداً لم ينسى. مرت فترة طويلة على الجميع، قاربت على الثلاث سنوات، حدث بهم الكثير وتغير بهم الكثير. بمصر الحبيبة. بتلك الفيلا التي أصبحت مليئة بالكثير وأصوات ضحكات تصدح بكل مكان بها، آدم الذي أصبح لديه طفلان، "ياسين" البالغ من العمر عامان، وطفلته الرضيعة التي أتمت أسبوع من عمرها "صافي".

بينما أوس أصبح أباً لطفل أسماه "مالك" والذي يبلغ من العمر عامان، وزوجته حامل بشهرها الثاني. يريد أن تكون فتاة ليسميها "ليلى" على اسم والدته الراحلة، وكم تشاجر مع إخوته حتى لا يقوم أحدهم بتسمية هذا الاسم. بينما أمير أصبح أباً لطفلتين تؤام غير متشابه، أسماهم "جوان وجوري"، تبلغان من العمر عامان. بينما ريان أصبح أباً لطفلة أسماها "ليلة" بعدما احتكر أوس اسم والدتهم له وحده، لذا قام بتسمية ابنته باسم يقرب لاسمها.

كان الجميع يعمل على قدم وساق ليتم الانتهاء من التجهيزات الخاصة لحفل الرضيعة الذي سيقام بالغد، وقد اتفق الجميع أن يكون مقتصر على العائلة، وبالطبع ستحضر عائلة العمري، كم أراد الخمسة حضور حياة، حتى سليم قام بدعوة شقيقه وعائلته، لكنهم اعتذروا عن المجيء. في نيويورك.

تركض بحديقة الفيلا الواسعة، نفس المشهد يعاد لكن باختلاف المكان والشعور، قبلاً كانت نيران الغضب بداخلها لا تخمد، أما الآن فبداخلها سعادة، حماس للغد، طاقة، العديد والعديد من المشاعر الإيجابية، ما وصلت له الآن لم يكن سهلاً على الإطلاق، لقد استغرق منها الكثير. توقفت حتى تأخذ أنفاسها، لتقع عيناها على شرفة غرفة بدر، الذي لو يعلم كم هي ممتنة له وتدين له بالكثير، لقد جاهد معها عامان ونصف بدون ملل.

يعود الفضل لما وصلت له الآن له وحده، لقد استطاع أن يمحو نظرة الحزن من عينيها ويستحوذ على قلبها بالكامل، بل روحها. نظرت لساعة يدها، ثم انطلقت حيث غرفتها مباشرة لتستعد، ميعاد الطائرة بعد ساعتين، ستعود لموطنها حيث إخوانها وعائلتها، كم اشتاقت لهم، الأهم من كل ذلك أنها ستعود لهم برفقته ورفقة عائلتها الثانية التي حصلت عليها. نزلت من غرفتها على عجل وهي تحمل بيدها حقيبة السفر، ولكن بلحظة انتشلها بدر من يدها قائلاً

بمرحه المعتاد: إيه صغنن مش قادر يشيل الشنطة. حدقته بنظرات مغتاظة قائلة: بطل تقولي يا صغنن. قرص وجنتها بمشاكسة قائلاً: طب يا صغنن يا صغنن يا صغنن. ضحكت قائلة: والله إنت اللي صغنن مش أنا. حمل حقيبته وحقيبتها، أعطاهم لأحد الرجال ليضعهم بحقيبة السيارة، مرت دقائق وكان الجميع هو وهي وجده وجدته ووالديه منطلقين نحو المطار للسفر لمصر ليحضروا حفلة السابع لابنة شقيقها آدم الصغيرة، والتي رفض تسميتها حياة معللاً ذلك:

أنا عندي بنت واحدة اسمها حياة، ومفيش أب بيسمي ولاده الاتنين بنفس الاسم، أنا عندي حياة واحدة وبس. بقصر الجارحي. كانت هنا تركض خلف طفلها الذي شارف على إنهاء عامه الثالث قائلة: سليم حبيبي يلا البس هدومك عشان متبردش. كان يركض الصغير بأرجاء غرفته وهو يضحك حتى اصطدم بقدم والده الذي دخل غرفته لتوه، لينحني له يحمله بين يديه قائلاً بحنان: بتجري ليه يا بطل ومجرد ماما وراك. ضحك الصغير ليقبل أدهم وجنته بحب قائلاً:

اسمع كلام ماما يلا وألبس هدومك. أومأ له وركض لهنا التي ساعدته في ارتداء ملابسه، ليقترب منها أدهم قائلاً بهدوء: أساعدك في حاجة. نفت برأسها بدون حديث، وما إن انتهى سليم من ارتداء ملابسه، ركض خارج الغرفة قائلاً بصوته الطفولي، فقد بدأ الحديث منذ فترة صغيرة لكن بحروف معظمها ليست صحيحة: سليم هيلوح ألعب مع جدو. التفت أدهم لهنا التي أخذت ترتب ملابس طفلها بخزانته، تتجاهله تماماً، لا يحدث أي تعامل بينهم سوى أمام الصغير.

ترفض مسامحته والعودة له من جديد، ومهما تدخلت والدته أو أي أحد من العائلة يكون الرفض جوابها، حتى ييأس من المحاولة ليعود ليمكث بالقصر كال السابق، ليبق برفقة طفله، بينما هي أبداً لم تمانع، لقد تغيرت كثيراً، أصبحت تعتمد على ذاتها، تصب كامل اهتمامها على طفلها الصغير ودراستها التي قاربت على الانتهاء منها لتبدأ بالعمل بعدها، بينما هو لا يوجد جديد بحياته سوى ذلك للصغير الذي أصبح كل حياته والعمل.

ألقى عليها نظرة أخيرة بحزن وندم، ثم غادر الغرفة، لتجلس هي على الفراش تنظر لأثره بحزن. بينما بقصر العمري.

بغرفة إلياس الذي تغير مئة وثمانون درجة، الحزن يخيم على ملامح وجهه، حاول كثيراً أن يحصل على غفرانها، لكنها كانت تقابل كل ذلك بالرفض، طال هكذا حتى ييأس، لم يراها منذ أن جاءت لحضور السابع لأولاد أشقائها منذ عامين، كان يقف خلف زجاج شرفته يراقب شقيقه مازن الذي تزوج منذ عام سكرتيرته والتي تدعى عائشة، وهي الآن حامل بشهرها الثامن، كان يجلس بجانبها، يده على بطنها، والاثنان يضحكان بسعادة.

الجميع حياتهم تغيرت للأفضل عدا هو، يقف بمكانه، لم يأخذ خطوة واحدة سوى تقدمه بالعمل، أما حياته الشخصية، لقد فشل في التقدم بها خطوة واحدة، كما هو يندب حظه وقلبه ينهشه الندم. تنهد بحزن، ثم نزل للأسفل حيث يجتمع الجميع على طاولة الطعام يتناولون الإفطار سوياً. دخل جمال لغرفة يوسف ليجده مثل كل يوم يجلس على فراشه شارداً حزيناً، تغير كثيراً، أصبح جسده هزيلاً بعدما كان يتمتع بجسد رياضي رغم سنه. اقترب منه قائلاً بابتسامة:

مالك قاعد كده ليه؟ فيه حد يبقى زعلان وبكرة سبوع حفيدته. تنهد بحزن قائلاً: حياة وحشتني أوي، أحفادي بيقولولي يا جدو، وولادي رافضين حتى يبصوا في وشي، مش ينادوني بس بابا. ربت على يده قائلاً بمواساة: هما بس محتاجين وقت مش أكتر. ابتسم بسخرية مريرة قائلاً بحزن: ولادي اتعودوا على عدم وجودي، أنا بالنسبة ليهم ميت من زمان، هما مش محتاجين وقت ولا حاجة.

لم يجد ما يقول ليخفف عنه، لذا اكتفى بالصمت. يوسف حالته يوماً بعد يوم تسوء، وهو يرى بعد أولاده عنه وهو السبب. باليوم التالي كان الجميع مجتمع بفيلا آدم، الجميع البالونات الزهرية والبيضاء تزين المكان، طاولة كبيرة موجودة عليها الحلويات وأشهى الطعام. بينما بالأرض تجلس فاطمة تمسك بيدها فيما الهون المصنوع من النحاس، وقبل أن تبدأ الضرب بداخله، كان صوت يحفظه الجميع جيداً يأتي من خلفهم قائلاً بمرح: خيانة، هتبدأوا من غيري.

كان أوس أول من أفاق من صدمته، عندما التفتوا ليروا حياة تقف خلفهم برفقة عاصم وعائلته، ليركض نحوها سريعاً يحملها بين يديه قائلاً بسعادة: وحشاني يا بنت الـ... ضحكت بصوت عالٍ وهي تحتضنه باشتياق قائلة بأعين دامعة: إنت كمان وحشتني، كلكوا وحشوني. جذبها آدم لاحضانه قائلاً بحنان واشتياق كبير: وحشتني يا حياة.

بقى الأمر هكذا، كلاهما يجذبها لاحضانه باشتياق، الجميع يرحب بها بسعادة، هي ومن معها، حتى توقفت أمام يوسف، تبادلت النظرات معه بصمت، تريد أن تتحدث لكن لسانها لا يقدر على فعلها، جذبها هو لاحضانه قائلاً بدموع واشتياق: وحشتيني يا بنتي.

بتردد رفعت يده تضمه بصمت، والجميع متعجب من فعلتها، مرت دقيقة لتبتعد عنه بهدوء، ثم ركضت نحو الصغار بدون حديث، متجاهلة إلياس تماماً، فهي لن تنسى له أبداً أنه اتهمها بشرفها، ربما كانت ستصالح إن كان احتفظ بالأمر بينه وبينها، لكنه بقى يبوح به للجميع. احتضنت الأطفال بسعادة، ثم حملت صافي الرضيعة بين يديها قائلة بسعادة: ما شاء الله زي القمر، عيونها زي عين ماما الله يرحمها بالظبط. ردد الجميع بصوت واحد: الله يرحمها. بدر بمرح

وهو يداعب وجنة الصغيرة: شبهي. سليم بمرح: شبهك ليه، إنت عايزها تبور، دي شبه مامتها زي القمر. حياة بضحك: في منتصف الجبهة. نظر لها بغيظ، لتجلس أرضاً بجانب فاطمة التي تدق الهون، بجانبها رحمة والصغيرة أرضاً، تقوم زينة بالتخطية من فوقها سبع مرات. بعدها قالت فاطمة بصوت عالٍ وهي تدق الهون: اسمعي كلام أبوكي. ثم دقت مرة أخرى لتقول رحمة تلك المرة بصوت عالٍ: اسمعي كلام أمك. تدخلت حياة قائلة بصوت عالٍ: اسمعي كلام عمتو حياة.

مال بدر عليها هامساً بغزل: أحلى عمتو يا صغنن. كانت حياة تجلس على أحد المقاعد تستريح قليلاً بعد وقت طويل قضته باللعب مع الأطفال. كاد إلياس أن يقترب منها، لكن سبقه بدر قائلاً بمشاكسة: قاعد لوحدك ليه يا صغنن. رفعت إصبعها بوجهه قائلة بغيظ: عارف لو ما بطلتش تقول صغنن دي تاني. غمزها قائلاً بمشاكسة: هتعمل إيه يا صغنن. زفرت بغيظ، ليضحك بقوة، رفعت إصبعها بوجهه قائلة بغيظ: مش هرد عليك ومش هعمل حاجة، عارف إيه؟ تؤ مش عارف.

أجابته بغرور واهية: عشان ربنا قال نرفق بالحيوان. ضحكت بقوة عندما أشار لنفسه قائلاً بغيظ: أنا حيوان. ضحكت بقوة قائلة: أنا مقلتش، إنت اللي قولت. ضغط بأسنانه على شفته السفلى قائلاً بغيظ: طب اخفي من قدامي عشان ما أوريكش الحيوان. وضعت يدها بخصرها قائلة بغيظ: المفروض كده أخاف يعني. أشار لها بحدة لكي تعتدل بوقفتها، وفعلت على الفور، جلس الاثنان بصمت، لتشعر هي أنها تمادت معه بالحديث، لتعتذر قائلة بخفوت: أنا آسفة، كنت بهزر.

ابتسم قائلاً هو الآخر: أنا كمان آسف، كنت بهزر معاكي، معرفش إن كلمة صغنن دي بتضايقك أوي. ضحكت بخفوت قائلة: مش حكاية بتضايق... كيف تخبره أنها تحب تلك المشاكسات بينهم بعد أن يلفظ تلك الكلمة، لكنها صمتت للحظات قائلة بمرح: بص قولها وأنا هعصر على نفسي لمونة، صاحبي بقى ولازم أستحملك. اقترب ينظر داخل عينيها قائلاً بهدوء: صاحبك بس. توترت مما قال، لتشيح بوجهها بعيداً عنه قائلة: لا مش صاحبي، بس إنت كمان...

قاطعها قائلاً بلهفة لسماع أي اعتراف ولو صغير من بين شفتيها: أنا إيه يا حياة. كلما أرادت أن تبوح له بما بقلبها، تخونها الكلمات ولسانها، ولا يخرج ما تريد قوله من البداية: صاحبي وابن خالي. تنهد بيأس قائلاً: صاحبك وابن خالك بس يا حياة. صمتت للحظات، ثم سألته قائلة: إنت شايف إيه؟ تنهد قائلاً: مش مهم اللي أنا شايفه، المهم إنتي شايفة إيه، عايز أسمعك يا حياة. ارتعشت شفتيها، تحاول التحدث، لكن لا تخرج الكلمات منها: أنا...

أنا يا بدر... يتابعها بلهفة، يخبره قلبه أنها على وشك النطق بتلك الكلمة التي انتظرها طويلاً، لكن بلحظة قاطع نظرات الاثنين وحديثهم صوت يعرفه الاثنان قائلاً: مساء الخير.

التفت الاثنان على الفور، لتقع أعينهم على نسرين، لتشتعل عينا حياة بالغيرة والغضب، تلك الحقيرة كانت تحاول إيقاعها في العديد من المشاكل طوال فترة إقامتها بنيويورك، بل أصبحت تتقرب من بدر بشكل يثير غيرتها بشكل كبير، وأهم شيء أن بدر لا يسمح لها بأن تتمادى ويوقفها. سألته بغضب: إيه اللي جاب دي هنا؟ تمتم بدر بغيظ وغضب من نسرين التي قطعت عليه أهم شيء: الله يحرقك يا شيخة.

اقتربت منهم قائلة بدلال وهي تنحني لتقبل وجنة بدر، لكنه ابتعد غير سامحاً لها بالاقتراب: إيه اللي جابك مصر يا نسرين؟ رفعت كتفها قائلة ببساطة: زي ما إنت عارف ماما مسافرة وكنت قاعدة لوحدي، مقدرتش أقعد يوم واحد من غيركم هنا، فخدت أول طيارة وجيت مصر، ويبقى نرجع سوا.

كورت حياة قبضة يدها بغضب وغيره، بينما إلياس يقف من بعيد يراقب همسات الاثنين لبعضهم، نظراتهم التي أثارت غضبه وغيرته، لقد ظن أنها مثله حزينة تتألم لبعده، لكن يبدو أنه جاء من استطاع أن يجعلها تنساه. تعرفت نسرين على الجميع، التي كانت تنتظر لبدر وحياة، تراقبهم، حتى أنها لاحظت نظرات إلياس، الاثنان يشبهان نفس نظراتها، لمعت عيناها بمكر وهي تفكر بالإقدام على تلك الخطوة بعد أن تتأكد من ظنونها!!!!

الجميع بلا استثناء يلاحظ كم تغيرت، أصبحت مختلفة، وجهها مشرق، عيناها تلمع بسعادة مليئة بالحيوية، عكس تلك التي سافرت منذ عامان ونصف، سعد الجميع لسعادتها. كانت تجلس بين شقيقيها على العشب بالأرض، ليربت آدم على خصلات شعرها قائلاً بحنان: انسى بقى، مفيش سفر تاني. اعتدلت بجلستها قائلة بتوتر: ما ينفعش ا... ا... أوس بتعجب: إيه اللي مينفعش؟ دراستك وخلصت خلاص، ترجعي ليه؟ خليكي هنا معانا، مفيش سبب عشان تسافري تاني.

نظرت لبدر على الفور بتوتر، لكي يتدخل، يرفض يفعل أي شيء، لا تريد الابتعاد عنه، لكنه اكتفى بالصمت، وفعلت هي الأخرى المثل. غادر الجميع بعد يوم سعيد قضوه سوياً، وما إن وصل سليم وعائلته وشقيقه عاصم وعائلته برفقة نسرين لقصر الجارحي، قبل أن يصعد كلاهما لغرفته، أوقفهم سليم قائلاً بجدية: في عريس متقدم لهنا وهي موافقة، وهيجي بليل عشان نتعرف عليه!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...