بعد تداول ذلك الخبر المفزع للجميع، والسعيد للبعض، على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو تعرض رجل الأعمال المعروف أمير الجارحي لحادث مروع. بينما فرح، ما إن أفاقت من إغمائها، قصت عليهم ما استمعت له على الهاتف، دون التحدث عن اعترافه بالحب لها. ليسارع أوس بمهاتفة أدم، الذي علم بالحادث، وتوجه لمكان الحادث برفقة حياة، التي كانت موجودة برفقته بالشركة. بينما أوس توجه للمستشفى برفقة فرح، التي ظلت تنتحب بقوة، إلى المستشفى.
بعد وقت، خرج الطبيب من غرفة الطوارئ برفقة ريان، قائلاً بابتسامة: "اطمنوا يا جماعة، هو بس عنده كسر في إيده اليمين، وشوية خدوش وكدمات بسيطة. ألف سلامة عليه، والحمد لله إنها جت على قد كده." زفر الجميع براحة، لتردد فرح بلهفة ودموع: "نقدر ندخل نشوفه ونطمن عليه؟ مش هو بقى كويس صح؟ ردد الآخر وهو يناظرها بنظرات كلها إعجاب: "كويس أوي." ربت ريان على كتفه بقوة، مردداً بحدة: "روح شوف شغلك يا أحمد."
تنحنح الآخر بقوة، ثم استأذن منهم وغادر. ليتابع ريان بابتسامة: "متخافوش، زي القرد جوه الحمد لله إنه قدر ينط من العربية قبل ما تولع. بس هو عاوز يروح ويرفض يفضل في المستشفى، هيطلع دلوقتي ونروح كلنا." أومأ له الجميع، فالخمسة ينطبق عليهم نفس الشيء، يكرهون المستشفيات من ذلك اليوم. ما إن خرج من غرفته بعد دقائق، ركضت إليه تعانقه بقوة، قائلة ببكاء مرير: "متعملش فيا كده تاني، كنت هموت من القلق عليك، كنت خايفة أخسرك."
ابتسم مشددًا من عناقها بيده اليسرى، دافناً وجهه بكتفها، مرددًا وبخفوت وعشق: "بحبك." شددت من عناقه، والاثنان متناسيان كل شيء حولهما. لم يقاطعهما سوى صوت أدم، قائلاً: "احم... طب نلم نفسنا بقى، إحنا في المستشفى." ابتعدت عنه سريعًا بخجل، بينما هو لم يستطع أن يبعد عيناه عنها، يناظرها بكل حب. اقترب منه أخوته، معانقين إياه بحذر حتى لا يتألم. أوس بقلق: "إيه اللي حصل وإزاي ماتخدش بالك وأنت سايق؟ أمير بهدوء:
"نتكلم بعدين، خلونا نمشي، أنا عايز أروح أرتاح." أدم بقلق: "طب ما تخليك كام يوم هنا نطمن عليك أكتر." أمير بابتسامة: "أنا كويس والله، بس اليوم كان متعب وعايز أروح أنام وأرتاح." أومأ له الجميع، ثم غادروا. وقبل أن يصعدوا للسيارة، ردد أمير بهدوء: "هنوصل فرح ع الفيلا، وبعدين نروح القصر." أومأ له أخوته بصمت، وكلاً منهم يفكر بنفس الشيء. بينما أدم أقسم بداخله أن كان ما يفكر به حقيقي، لن يمر اليوم على خير أبداً.
على الناحية الأخرى، بقصر العمري، لم يكن الجميع يعلمون بذلك الخبر حتى الآن. كانوا مجتمعين ببهو القصر، لتأتي ثريا إليهم، قائلة: "مشوفتوش الأخبار ولا إيه؟ يوسف بتساؤل: "أخبار إيه؟ محسن بقلق: "أمير عمل حادثة جامدة أوي، وبيقولوا مستحيل يطلع منها عايش. كل القنوات ملهاش سيرة غير عن الحادثة دي." صدمة حلت على الجميع، بينما يوسف صمت، يحاول استيعاب ما قيل له.
قام مازن بتشغيل التلفاز سريعًا، ليرى الجميع هيئة السيارة المحطمة، النيران مشتعلة بها. هوى قلب يوسف بين قدميه، فسقط كوب القهوة الذي كان بين يديه، التي ارتعتشت بخوف. لأول مرة يشعر به منذ سنوات. لاحظت ثريا، وكذلك محسن، حالة يوسف. لمعت أعين ثريا بالشماتة والانتصار، وهي ترى بعينيه اشتعال السيارة، متخيلة كيف تعذب أمير وهو يحترق بداخلها. لكن تبدد كل ذلك بلحظة، عندما استمعت صوته يأتي من خلفها، قائلاً: "مساء الخير."
التفت الجميع بصدمة للخلف، ليجدوا الخمسة واقفين بجانب بعضهم. هرعت سعاد نحو أمير لكي تحتضنه، لكنه لم يسمح بذلك. ابتعد للخلف، قائلاً: "خسرتي الحق ده من زمان يا سعاد هانم... من زمان." بكت بقوة، بينما أمير وقعت عيناه على يوسف، الذي يجلس مكانه بصدمة، ولكن الخوف كان ظاهراً بوضوح بعينيه. اقترب منها، ثم انحنى تجاهه، قائلاً بسخرية: "شايفك خايف يا يوسف باشا." خرجت الكلمات من بين شفتيه بصعوبة، قائلاً: "انت كويس؟
أمير بسخرية، وهو ينظر لداخل عيني يوسف، قائلاً: "بعد سنين طويلة، لسه فاكر تسألني السؤال ده؟ وخوفك ده مكنش موجود لما رمتنا بره حياتك في الشارع؟ خوفك ده مكنش موجود زمان ليه؟ خوفك ده مظهرش زمان ليه وقال لك دول ولادك؟ اسأل عنهم، ممكن يكونوا ماتوا مثلاً وانت متعرفش؟ يوسف بجمود وقسوة واهية، حتى يخفي ضعف مشاعره وقلقه الذي ظهر عليه: "مين قال لك إني خايف عليك؟ ما تغور في داهية." ضحك الآخر ساخراً، وهو ينظر له قائلاً:
"كل مرة بتديني سبب يخليني أكرهك أكتر وأكتر. كل مرة بتخليني أتأكد إنك متستاهلش." "مستاهلش إيه؟! أمير بسخرية، وهو يعتدل واقفاً: "هتعرف في وقتها، وساعتها هفكرك يا يوسف باشا." مر بجانب محسن وثريا، ثم مال برأسه عليهما، مرددًا بهمس لم يسمعه سواهما: "حظ أوفر المرة القادمة! كانت تجلس بغرفتها، تحرك قدمها بغضب وخوف، قائلة لمحسن، الذي لا تقل حالته عنها: "ننجي إزاي منه؟ نفى برأسه، قائلاً بغضب:
"معرفش، ما أنا زيي زيك أهو، اتصدمت." ثم تابع بغل وغضب: "بعد كل اللي دفعناه لأب... في الآخر يطلع عايش." ثريا بخوف وزعر: "اتصرف يا محسن، أنا خايفة، لازم نخلص منهم." "مش هيحصل." قالها أدم، بعدما دخل للغرفة، يقف أمامهم بثقة. دخل للغرفة، قائلاً بنظرات متوعدة وقوية، بثت الرعب بقلب الاثنين: "قسماً بالله اللي حصل لأخويا إنهاردة مش هيعدي بالساهل، ونهايتك انت وهو قربت أوي." ثريا بغل وغضب، وهي تبادله نفس النظرات: "مش هيحصل."
نظر لها باستهزاء، قائلاً: "بلاش الثقة دي بس." صرخت عليه، قائلة بغل وغضب: "على جثتي أخليك واحد منكم يضيع اللي عملته السنين دي كلها. أنا يا قاتل يا مقتول." نظر لها بتوعد وقوة: "يبقى هتبقي مقتولة يا ثريا، لأني مش ناوي أسيب حقيرة زيك عايشة على وش الدنيا. ورحمة أمي اللي انتوا الاتنين كنتوا سبب في موتها، لهتشوفوا الجحيم على إيد ولاده."
نظر لهم باشمئزاز وتوعد، ثم غادر الغرفة، وترك الاثنان، والغضب متملك منهما وبشدة، وكلاهما ينوي الشر. في المساء، كانت تتمشى بحديقة القصر بشرود. لفت انتباهها نور وصوت لكمات يخرج من تلك الغرفة، التي لاحظت وجودها لأول مرة. توجهت للغرفة، ثم بحذر دفعت الباب برفق، لتتفاجأ بغرفة مليئة بأحداث الأجهزة الرياضية. دخلت للداخل بحذر، لتقع عيناها عليها، وهو يرتدي القفازات، يلكم ذلك الكيس الرملي المعلق بالحائط، وجسده يتصبب عرقاً.
كادت أن تغادر قبل أن يشعر بوجودها، لكن أطلقت صرخة متألمة، عندما تعركلت قدمها بكتلة الحديد تلك، التي يمرن بها عضلات يده، الموضوعة على الأرض، ولم تلاحظها. التفتت سريعاً، ما إن سمع صوت صرخات تأتي من خلفه، ليتفاجأ بها واقعة أرضاً، تحاول النهوض. تخلص من تلك القفازات التي بيده سريعاً، متوجهاً لها، قائلاً بقلق وهو يساعدها على النهوض: "إيه اللي وقعك كده، ودخلتي هنا ليه؟
جعلها تجلس على ذلك الكرسي الوحيد الموجود بتلك الغرفة، سائلاً إياها بقلق: "انتي كويسة؟ في حاجة بتوجعك؟ أومأت له، قائلة: "كويسة، شكراً." ثم تابعت بحرج: "احم... كنت بتمشى في الجنينة، ولقيت نور الأوضة دي مولع، وأنا أول مرة أشوفها. دخلت أشوف في إيه، لقيتك انت. لم لفيت عشان أمشي، اتكعبلت في دي." أومأ لها بصمت، وهو يتأمل وجهها. ثم قال فجأة وبدون مقدمات:
"تعرفي إن ملامحك لسه زي ما هي، ما تغيرتيش كتير عن زمان. باختلاف بس عنيكي. زمان كانوا مليانين شقاوة وحنان وجنون، لكن دلوقتي بشوف فيهم حزن، كره، قسوة." ابتسمت بسخرية، ولم تجب. ليسألها: "السنين اللي عدت عملتي فيها إيه؟ ممكن تتكلمي؟ تحكي وأسمعك. نفسي نرجع زي ما كنا زمان، قبل ما يحصل اللي حصل. كنا صحاب، ومحدش فينا بيخبي حاجة عن التاني. صحيح كنا صغيرين، بس أنا نفسي نكون زي زمان يا حياة." ابتسمت بسخرية مريرة، قائلة:
"مفيش حاجة بترجع زي الأول، وسؤالك ده جه متأخر أوي. لو كنت مهتم، كنت سألت من زمان."
قالتها، ثم غادرت من أمامه، وتركه ينظر لأثرها بحزن. ثم صعد لغرفته، وهو يفكر بها. كحاله الأيام الماضية، فهي تشغل جزء كبير من تفكيره منذ أن رآها. وبالرغم من أنه لا يتحدث معها سوى القليل، لكن كلما رأتها عيناه، تبدأ دقات قلبه بالتعالي، ويجد صعوبة في إبعاد عيناه عنها. لا يجد تفسيراً لكل هذا، سوى أنه على بوادر الوقوع بالحب، إن لم يكن قد وقع بالأساس.
بعد مرور يومان على الجميع، دون أحداث تذكر. مر اليومان بهدوء شديد، لكن الهدوء الذي يسبق العاصفة. فما سيحدث اليومان القادمان لن يكون خيراً أبداً. ستكون بداية صفحات الندم. بشركة الأدم، كان يجلس خلف مكتبه، يتابع عمله بتركيز شديد. ليتفاجأ بدخول زينة المفاجأة للمكتب، قائلة: "أدم، لازم أتكلم معاك." سألها بقلق: "في إيه يا زينة؟ "أنا متقدملي عريس."
قالتها، وهي تتوقع أن يثور، يغضب، يبوح لها بما تراه بعينيه، ولم يبوح به لسانه حتى الآن. صمت عم الغرفة لدقائق قليلة جداً، بعدها وقف ينظر للشارع من خلف زجاج مكتبه الشفاف، قائلاً بهدوء: "مبروك يا زينة." "مبروك؟ قالتها باستنكار وخيبة أمل. سألته بعدم تصديق: "انت فرحان إن جايلي عريس؟
لم ينظر لها. خائف، نعم، هو الذي لم يعرف الخوف طريقاً لقلبه يوماً. خائف من النظر إليها بتلك اللحظة، حتى لا يفضح أمره أمامها، وترى الحزن الذي يكسو ملامحه. ليقول بصوت حاول قدر الإمكان أن يكون طبيعياً، غير مبالي: "أكيد فرحان ليكي، ده انتي بنت خالتي." لحظات، وسمع صوت شهقاتها، ليعلم أنها تبكي. أخفى حزنه، ملتفتاً لها، قائلاً بحنان وهو يتألم من الداخل، وهو يرى الدموع تغرق وجهها: "بتعيطي؟ ليها؟
اقتربت منه، حتى أصبح وجهها أمام وجهه مباشرة، قائلة بدموع وعتاب: "هتسيبني أكون لحد غيرك يا آدم؟ هتستحمل تشوفني مع غيرك؟ شاح وجهه بعيداً عنها، قائلاً: "إيه اللي بتقوليه ده يا زينة؟ رفعت يدها لوجهه، وجعلته ينظر لها، قائلة بحزن: "دايماً تقول كلام، وعينيك تقول حاجة تانية. بشوف في عينيك حب، لسانك مش راضي يرحمني ويعترف بيه. انت بتحب زينة زي ما زينة بتحبك."
تحكم بذاته بصعوبة، حتى لا يجذبها لاحضانه، ويبوح لها بعشقه وغرامه بها. ليتها تعلم أنه خائف ويتألم أكثر منها. ليرتدي قناع الجمود، مردداً: "أوهام." جذبته من ياقة قميصه، قائلة بغضب ولازالت تبكي بقوة: "دي مش أوهام، دي حقيقة. انت بتهرب منها." تبادل الاثنان النظرات، ليجد نفسه بدون وعي، مردداً: "لو فيه حقيقة واحدة، فهتكون... إني بحبك!
ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتيها، سرعان ما اختفت، عندما تابع هو، وقد أفاق من سحر اللحظة، قائلاً بجمود: "بحبك زي حياة بالظبط." هي خيبة أمل أخرى تحصل عليها منه. لتردد بسخرية مريرة: "زي حياة؟ أعطاها ظهره، قائلاً بجدية: "روحي يا زينة، انتي شكل أعصابك تعبانة ومش عارفة بتقولي إيه." أومأت برأسها عدة مرات، كادت أن تغادر، ليوقفها قوله، الذي لامست فيه رجاء بأن ترفض:
"لو مش بتحبيه، ارفضي، لأنك كده بتظلميه معاكِ، وبتظلمي نفسك قبل كل ده." ابتسمت بسخرية، قائلة: "خطوبتي يوم جواز أدهم وهنا، أوعى ما تحضرش يا بيّه، هزعل منك أوي. مش أنا زي حياة برضه؟ قالتها، ثم غادرت بخيبة أمل للمرة التي لا تعرف عددها، حصلت عليها منه. ما إن خرجت من مكتبه، تفاجأت بحياة أمامها. لترتمي بأحضانها، تبكي بقوة. سألتها حياة بقلق: "مالك يا زينة؟ بكت أكثر، لتجذبها حياة لداخل مكتبها، الذي يجاور مكتب أدم.
قصت عليها زينة ما حدث، لتواسيها الأخرى بحزن، ثم قامت بتوصيلها لقصر الجارحي. بعدها عادت للشركة، لكي تتحدث مع أدم، لكن لم تجده بالشركة، فقد غادر. توقفت سيارته أمام مقابر العائلة. ترجل منها، ثم دفع بيده ذلك الباب الأسود الحديدي، مردداً بابتسامة، بعد أن أعطى الحارس بعض الأموال بيده: "السلام عليكم، دار قوم مؤمنون، أنتم السابقون ونحن اللاحقون."
لمس بيده ذلك الرخام، الذي حفر عليه اسم والدته الراحلة "ليلى سليم الجارحي". ثم رفع يده يقرأ الفاتحة عليها، ثم أخذ يدعو لها. وما إن انتهى، جلس أرضاً أمام قبرها، مخرجاً من جيب سترته المصحف الشريف الصغير، ثم أخذ يرتل بصوته العذب آيات القرآن الكريم. وما إن انتهى، ردد بخفوت: "صدق الله العظيم." أعاد المصحف لمكانه، ثم نظر لقبر والدته، مردداً بابتسامة حزينة: "وحشتيني يا أمي." اخفض وجهه، متابعاً بأعين دامعة:
"الحياة وحشة أوي من غيرك." صمت لدقائق، ثم تابع بحزن: "زينة هتتخطب... قلبي واجعني أوي، حاسس بنار جوايا، كل ما أتخيلها مع واحد تاني." تنهد بحزن، ثم تابع: "أنا بحبها أوي يا أمي... بس خايف. خايف عليها مني ومن الأيام. خايف الأيام تعيد نفسها تاني، وأكون نسخة منه. خايف بعدين أخلف أولاد يعيشوا اللي عيشته. خايف أكون يوسف عمري تاني."
"عارف إني وجعتها باللي قولته، بس غصب عني. أنا مش عايزها في يوم من الأيام تكون هنا مكانك، وأتقهر على خسارة حد تاني." تنهد بحزن، ثم تابع بأعين لامعة بالدموع: "بحبها ومش عايزها تبعد، وفي نفس الوقت خايف عليها من القرب ده. وأقول: هي تستاهل واحد أحسن مني، حد مفيش جواه خوف وعقد."
كان مندمجاً بالحديث مع والدته، يشكو لها أوجاعه، ولم يشعر بحياة، التي تقف خلفه منذ دقائق قليلة. استمعت تخطته، ثم وضعت باقة الزهور، التي كانت تعشقها والدتها، على قبرها. وبأعين لامعة، رفعت يدها تقرأ الفاتحة. وما إن انتهت، جلست أمامه، قائلة بحزن لأجله: "قابلت زينة، وقالت لي اللي حصل. دورت عليك كتير عشان أتكلم معاك، تنهي المهزلة دي، بس ملقتكش في الشركة ولا في البيت. كلمت الحارس اللي بره، قالي إنك هنا." صمت الاثنان للحظات،
لتتابع هي بحزن: "متعملش في نفسك وفيها كده. زينة بجد بتحبك. هقولك نفس اللي قولته لأمير: خوفك أكبر دليل على حبك ليها، وأنك لا يمكن تأذيها. يوسف العمري عمره ما حب ماما عشان تحطه تقيم ليك. يوسف العمري مفيش حب في قلبه أصلاً، لكن انت بتحب زينة بجد. ولو خوفك أكبر، متفترضش الوحش. حافظ على زينة بدل ما تضيع من إيدك، وساعتها تفضل ندمان طول عمرك." نفى برأسه، مردداً بحزن: "طب وفرق السن بينا؟ حياة بابتسامة ساخرة:
"ما كانوش تمن تسع سنين اللي انت عامل حسابهم دول. الحب عمره كل كان بسن، طالما التفاهم والحب والاحترام موجود بين الاتنين، وقبل ده كله الكرامة، يبقى مفيش حاجة تمنع." نظر لقبر والدته بشرود، لتربت هي على يده، قائلة بتشجيع: "أهل العريس هيزورهم إنهاردة بليل. زينة وافقت على العريس. في إيدك دلوقتي تحافظ على سعادتك وعلى اللي بتحبها. بلاش تضيع زينة من إيدك يا آدم، روح وقف المهزلة دي."
كان بحاجة لأحد ليطمئنه من قبل يخبره بتلك الكلمات المشجعة على أخذ تلك الخطوة. وها هي شقيقته، التي تصغره بأعوام كثيرة، أعطته ذلك الأمان ببضع كلمات فقط. نظر لها ببسمة صغيرة فخورة، قائلاً وهو يضع يده وحنتها: "القمورة الصغيرة بتاعتنا كبرت إمتى وبقت بتتكلم بحكمة كده وعقل؟ ضحكت قائلة بغرور واهي: "أنا طول عمري عاقلة وعندي مواهب كتير، بس انتوا اللي مش حاسين بالنعمة اللي عايشة وسطكم." ضحك الاثنان معاً، ليجذبها لاحضانه، مردداً
بحب: "ربنا يخليكي لينا يا حياة. تعرفي، رغم إني بحب الجزم التانين أخواتك، بس انتي ليكي معزة وحب أكبر في قلبي، لأنك شبهها. كل ما أشوفك كأني شايف ماما قدامي، واخدة نفس جمالها وروحها." ابتسمت بحب، قائلة: "واحنا كلنا بنحبك. انت أبونا مش بس أخونا الكبير. مش بيقولوا الأب هو اللي بيربي، انت اللي كنت معانا السنين دي واهتميت بكل واحد فينا." ابتسم بسعادة، وهو ينظر لقبر والدته، مردداً
بداخله: "هفضل محافظ على وعدي ليكي يوم ما حطيتك بإيدي هنا. هفضل سند لإخواتي وأحميهم لحد ما أقابل وجه كريم، ونتقابل أنا وانتِ سوا." قالها، ثم قرأ الفاتحة هو وحياة لوالدتهم، ثم غادروا. في المساء، يجلس الجميع بانتظار حضور عائلة الشاب الذي تقدم لخطبتها، والذي كان يعمل معيداً بجامعتها. لكنه لم يأتي، واكتفى بإرسال رسالة لهم بأنها تراجع عن قرارها بالزواج منها. تعجب الجميع من فعلته، بل وغضبوا منها، متوعدين له.
في صباح اليوم التالي، غادر أدهم على مضض، برفقة هنا، ليقوم الاثنان بشراء فستان الزفاف وبعض الأشياء اللازمة، فالزفاف بعد الغد. بخطوات واثقة، كانت يصعد الدرجات التي تصل لباب القصر الداخلي، وهو يرفع نظارات الشمس الخاصة به عن عينيه. فتحت الخادمة الباب، وسمحت له بالدخول، بعدما عرفت هويته. مرت دقائق قليلة، وسمع صوت سليم من خلفه، يردد بسعادة: "أهلاً يا بدر يا ابني، أخبارك إيه؟ وابوك وجدك؟ أخبارهم إيه؟ واحشني أوي."
اقترب منها سريعاً، وساعده على الجلوس، ثم قبل يديه، قائلاً بحب واشتياق: "كلنا كويسين يا جدي، وكلهم بيسلموا عليك. بابا وجدي مقدروش يسافروا يحضروا فرح هنا وأدهم، فأنا جيت بدالهم، ولا أنا منفعتش بقى." قال الأخيرة بمرح، ليضحك الآخر، مردداً بحب: "تنور يا حبيبي." ابتسم الآخر، مردداً بتساؤل، وهو يبحث بعينيه في المكان حوله: "اومال هما فين؟ عايز أسلم عليهم." تنهد سليم، قائلاً:
"هنا وأدهم مش هنا، بيشتروا فستان الفرح والشبكة والتجهيزات بقى، انت عارف." أومأ له الأخير بصمت، ليتابع سليم قائلاً: "جدك بيشتكي منك هو وابوك." ضحك بدر قائلاً: "عشان موضوع الجواز طبعاً." أومأ له سليم، قائلاً: "مش ناوي بقى ولا إيه؟ بدر بضيق: "غلبت أفهمهم والله إني مش عاوز جوازة والسلام." "اومال عايز إيه؟! بدر بتساؤل: "قولي الأول بس، لما حضرتك اتجوزت جدتي، اتجوزها ليه؟ يعني قولت بنت عمي وأنا أولى بيها، ولا كنت بتحبها؟
سليم بابتسامة: "أكيد كنت بحبها." بدر بابتسامة: "أهو أنا بقى عايز كده. عايز واحدة أحبها، تخطف قلبي من أول نظرة." "طب افرض ملقتهاش؟ ضحك بخفوت، قائلاً: "هلقيها إن شاء الله، ادعيلي بس يا سليم." ابتسم سليم، داعياً له، ليسأله الآخر: "أدم فين؟ بكلمه من ساعة ما وصلت من المطار، تليفونه مقفول." "تلاقيه في اجتماع ولا حاجة. اليومين اللي فاتوا كانوا صعبين أوي، خصوصاً بعد حادثة أمير." بدر بصدمة وقلق: "أمير عمل حادثة؟
أومأ له سليم، ثم بدأ يقص عليه تلك الحادثة، وكيف نجى أمير منها. سأله بدر بقلق: "طب ألاقيه فين دلوقتي؟ وبعدين إزاي حضرتك متقولنالناش حاجة زي كده؟ ربت سليم على قدمه، قائلاً بابتسامة: "مكنتش عايز أقلقكم. هو كويس الحمد لله. هتلاقيه في الشركة دلوقتي." وقف بدر قائلاً، وهو يستعد للرحيل: "طب إن... لكن قطع حديثه حياة، التي دخلت للغرفة، قائلة بتعجل: "جدو ال...
لكن توقفت هي الأخرى عن الحديث، بعدما وقعت عيناها على من يجلس برفقة جدها، قائلة باعتذار: "آسفة، مكنتش أعرف إن عندك ضيوف." سليم بابتسامة: "ده مش ضيف يا حبيبتي، ده بدر ابن عمك، عثمان حفيد أخويا الصغير عاصم." أومأت له بابتسامة، وقد تعرفت عليه، فهي دائماً ما تسمع عنه، لكنها لم يسبق وأن التقت به. بدر بصدمة، وهو لا يستطيع أن يبعد عيناه، التي أخذت تتأمل وجهها بافتتان: "مين دي؟! سليم بابتسامة:
"دي حياة يا بدر، حفيدتي بنت ليلى. اتقابلتوا مرة واحدة يوم وفاة ليلى. كنتوا لسه صغيرين." قال الأخيرة بحزن، ليردد بدر وحياة بنفس الوقت بحزن: "الله يرحمها." سليم بتساؤل: "كنتي عايزة حاجة يا حياة؟ أومأت له، وهي تعطيه الملف: "كل اللي حضرتك طلبته اتنفذ، ودي التذاكر، وكمان حجزت في أوتيل ليهم تاني يوم الفرح على طول." ابتسم قائلاً: "تمام يا حبيبتي." نظرت لساعة يدها، قائلة بتعجل:
"همشي أنا بقى، عشان فيه اجتماع في الشركة، ولازم أحضره، وزينة هتكمله بدالي باقي التحضيرات." تدخل بالحديث، قائلاً: "انتي رايحة الشركة؟ أومأت له، ليتابع هو: "اصل أنا كنت رايح أشوف أمير وأطمن عليه. ممكن نروح سوا، وتوصليني في طريقك؟ ابتسمت قائلة: "أكيد، اتفضل." غادر الاثنان، لينظر سليم لأثرهما، وهو يبتسم على هيئة بدر، عندما رأى حياة. دعا بداخله أن يتحقق ما بباله. قطع شروده صوت قاسم، قائلاً: "مالك مبتسم كده ليه يا بابا؟
"مفيش، أنا طالع أرتاح شوية." قالها، ثم صعد لغرفته، بينما قاسم توجه لحديقة القصر، ليباشر الإشراف على العاملين. كانت تقود السيارة، والصمت يعم المكان. قطعه هو، قائلاً بابتسامة جذابة: "تعرفي غريبة، إن نطلع قرايب، وأول مرة نشوف بعض دلوقتي. مع إن بشوف أخواتك من زمان، بس أول مرة أقابلك." أومأت له، قائلة بابتسامة صغيرة: "كنت عايشة بره، ومكنتش بنزل مصر كتير. يمكن لما كنت بتشوفهم، كنت أنا ببقى مسافرة."
أومأ له، قائلاً بفضول ليتعرف عليها، وهو يشعر بانجذاب غريب نحوها. ما إن وقعت عيناه عليها قبل قليل: "انتي خلصتي دراسة؟ نفت برأسها، قائلة: "لسه، أنا رابعة كلية هندسة." ابتسم قائلاً: "أنا كمان درست هندسة." ثم سألها بفضول ومرح: "مخطوبة بقى؟ ضحكت بخفوت، قائلة: "لو كنت مخطوبة، أظن كنت هتحضر خطوبتي وهتعرف بيها، زي ما عرفت من جدي بخطوبة هنا وأدهم، ولا إيه؟ لا يعرف لماذا شعر بالراحة، عندما علم. ليردد: "الحمد لله." "إيه؟
تنحنح، قائلاً بابتسامة: "بقول مظبوط عندك حق." دقائق قليلة، وتوقفت بالسيارة أمام الشركة. ترجل الاثنان منها، ودخلوا للداخل، لتلمع عيناه بإعجاب، عندما يرى احترام الجميع لها، رغم سنها الصغير. ركب الاثنان المصعد، وما إن توقف بالطابق المنشود، خرجت منها، تشير له بيدها على أحد غرف المكاتب: "ده مكتب أمير." أومأ لها، قائلاً بابتسامة، وهو يمد يده لها لكي يصافحها: "شكراً، مبسوط إني شوفتك يا حياة، واتعرفت عليكي."
ابتسمت له، ثم مدت يده تصافحه، قائلة: "مفيش داعي للشكر، إحنا قرايب، والقرايب مفيش بينهم شكر. ومبسوطة إني اتعرفت عليك." سحبت يدها من يده، قائلة: "عن إذنك بقى." يراقبها حتى دخلت لمكتبها، ثم رفع يده التي صافحتها، مقترباً إياها من شفتيه، يقبلها، قائلاً بهيام: "قمر، أقسم بالله قمر. هو في كده؟ توجه لغرفة أمير، دون أن يطرق الباب، قائلاً بمرح: "ما انت زي القرد أهو، اومال إيه عامل حادثة؟
انتفض أمير من خلف مكتبه، متوجهاً نحوه، قائلاً بمرح مماثل: "الله أكبر في عينك يا عم عثمان." عانق الاثنان بعضهما باشتياق، ليردد بدر: "واحشني يا مير." جلس الاثنان، وأخذوا يتبادلا الحديث، ليسأله بدر: "اومال فين أخواتك؟ أمير بابتسامة: "بعد وقت خرج الأربعة من غرفة الاجتماعات، بنفس الوقت الذي خرج به بدر وأمير من غرفة المكتب. تبادل هو وأوس وأدم الأحضان باشتياق." ليسأله أدم: "مقولتش ليه إنك جاي، كان حد فينا استناك في المطار؟
بدر بابتسامة: "مكنش فيه داعي." أوس وهو يحاوط كتف شقيقته: "اعرفك يا سيدي، دي القمر بتاعنا حياة." بدر بداخله، وهو يتأمل وجهها بهيام: "هي من ناحية قمر، فهي قمر أوي." ثم تابع بابتسامة: "اتعرفنا، ما هي اللي وصلتني لهنا." أدم بتساؤل: "إزاي؟ انت شوفتوا بعض فين؟ قص عليه بدر كيف التقى بها، ليقول أمير بابتسامة: "طب يلا يا أخويا انت وهو ع البيت جدك. بيقول كلنا نبقى موجودين ع الغدا إنهاردة، حتى ريان هيحصلنا على هناك."
غادر الجميع، بينما بدر لم يتوقف عن اختلاس النظرات لحياة بالخفاء، فقد سحرته كلياً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!