في صباح اليوم التالي في تلك الغرفة التي شهدت ليلة من الجنة قضاها الاثنان برفقة بعضهم، أفاق أوس. سرعان ما عصف برأسه ما حدث ليلة أمس. التفت ينظر للجانب الآخر من الفراش ليجده فارغًا. على الفور خمّن أنها نادمة على ليلة أمس. اعتدل جالسًا يرتدي بنطاله، وقبل أن يدخل للمرحاض، استمع لصوت طرقات على الباب. يليه دخول آدم وخلفه أوس وريان، قائلًا: "صحيت متأخر ليه؟ قطع حديثه قائلًا بصدمة وهو ينظر للفراش، لتقع
عيناه على دماء على الفراش: "إيه ده؟! في تلك اللحظة دخلت حياة للغرفة عندما وجدت الباب مفتوحًا، لتسمع أمير يقول بقلق: "انت متعور؟ لم تفهم من المصاب، لكنها رأت الدماء على الفراش. بينما أوس يقف متوترًا، ظنت أنه مصاب. اقتربت منه قائلة بقلق: "أوس انت كويس؟ أومأ لهم بصمت، لتسأله بقلق: "اومال إيه الدم ده؟ وقعت عيناها على شيء يلمع بجانب الفراش، لتسأله بتعجب: "مش ده الخلخال بتاع مهرة؟!
على الفور خمّن الأربعة ما حدث من توتر أوس الملحوظ، ليجز آدم على أسنانه قائلًا بغضب: "إيه اللي هببته ده؟ ثم تابع حديثه قائلًا لحياة بصرامة: "حياة استني بره شوية." خرجت حياة بعد أن خمّنت ما حدث، متوجهة لخارج القصر حتى تلحق بموعدها، فاليوم هو أول جلساتها من الطبيب النفسي. أما بالداخل، اقترب آدم من أوس قائلًا بغضب: "انت قربت منها." لم يجِب أوس، ليدفعه آدم بكتفه قائلًا بغضب: "خونت الأمانة." أوس بضيق:
"مش بإيدي ولا بإيدها، جت كده. وبعدين لا عملت حاجة غلط ولا حرام... دي مراتي." آدم بغضب: "لأ غلط يا أستاذ يا محترم. كتب كتابك مش معناه إنك تقرب منها كده وتتجاهل العادات والتقاليد. هي تعتبر أمانة عندك لحد ما خالتها أو ولي أمرها يسلمهالك في فرحكم." سأله بغضب: "هي فين؟ أوس بضيق: "صحيت ملقيتهاش جنبي."
زفر آدم بضيق ونظر لأوس الذي أصبح مؤخرًا يتصرف بحماقة وتهور في كل شيء. ضرب يدًا بأخرى ثم خرج من الغرفة خلفه أمير وريان بعدما ألقوا عليه نظرات عتاب. ليتجهز هو ثم نزل للأسفل يبحث عنها بعدما قام بتنظيف الغرفة بنفسه، لكنه وجدها حبيسة غرفتها تغلق الباب عليها من الداخل، لا تجيبه. *** في تلك العيادة الخاصة بالطبيب "عمر أبو زيد"
كانت حياة تخطو للداخل بتردد بعدما جاء دورها. أغلقت الباب خلفها وهي تنظر لذلك الطبيب ذو الثلاثين عامًا. يجلس خلف مكتبه، يرتسم على شفتيه ابتسامة هادئة مطمئنة تحثها على الدخول بعدما رأى التردد بوضوح بمقلتيها. جلست حياة على المقعد أمامه ليسألها بابتسامة: "أهلاً بيكي يا حياة، عرفيني عن نفسك." شكرته بابتسامة لطيفة، ليحثها هو على الحديث قائلًا برفق: "أي حاجة عرفي عن نفسك، قولي أي حاجة مضايقاكي." صمتت لبعض الوقت
ثم بدأت بالحديث قائلة: "أنا اسمي حياة... حياة العمري، بس مش بحب أستخدم اسم العمري، يعني بفضل أنسب اسمي لاسم عيلة والدتي الجارحي." "ده ليه علاقة بوالدك يعني؟ علاقتكم سوا فيها توتر؟ ابتسمت ساخرة ثم تابعت حديثها مرددة بحزن: "مفيش علاقة أصلًا... أنا اعتبرت والدي ميت من سنين طويلة. الحكاية بدأت من وأنا عندي خمس سنين، كنا عايشين مبسوطين، كانت حياتنا كويسة أوي لحد ما جدي مات والست دي ظهرت فيها...
كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة لتخرج فيها ما بداخلها. أخذت تسرد عليه كل ما حدث بالماضي وكأنها تحدث نفسها، واكتفى هو بالصمت والاستماع لها بتركيز مع تدوين بعض الملاحظات. ما إن انتهت، نظرت له لتجده يبتسم كعادته منذ أن دخلت من باب هذه الغرفة، ليسألها: "زعلتي على والدك لما تعب؟ أومأت برأسها قائلة بحزن: "أبقى كدابة لو قولت مزعلتش، وكرهت نفسي عشان زعلت عليه وهو ميستاهلش." نظر لها قائلًا بجدية:
"على حسب كلامك علاقتك بوالدك زمان كانت كويسة وكنتي قريبة منه وبتحبيه أوي." أومأت له، ليتابع عمر بابتسامة: "كل الحكاية إنك مش بتكرهيه، انتي بس على قد ما كنت بتحبيه اتصدمتي من اللي عمله، وعلى قد حبك ليه زمان على قد ما اتوجعتي منه." حياة بانفعال ونفي: "مش بحبه، أنا بكرهه ومكرهتش في حياتي قده." صمت للحظات ثم سألها بهدوء: "انتي هنا ليه؟ اكتفت بالصمت، ليكرر السؤال عليها مرة أخرى، لتجيب عليه بعد لحظات صمت: "عشان أتعالج...
وأنسى الماضي." سألها بهدوء: "كوني متأكدة إني هنا عشان أعالجك، وعشان ده يحصل لازم تتكلمي معايا بكل صراحة." نظر لها قائلًا بنبرة هادئة حتى تطمئن: "الكلام اللي بيدور بينا دلوقتي مش هيطلع بره الأوضة دي، يعني تقدري تتكلمي عن كل اللي جواكي وبتحسي بيه بصراحة ومن غير خوف أو تردد عشان تساعدي نفسك وأنا كمان أقدر أساعدك." ابتلعت ريقها قائلة بحزن وعين تلمع بالدموع:
"منكرش إن وجعي منه أكبر من كرهي ليه، بس أنا مش قادرة ولا هقدر أسامحه." ثم تابعت بصوت مختنق ووجع: "أنا بسببه عشت وجع كتير، بسببه كنت بحس بحرمان لما بشوف أي طفل سعيد مع باباه ومامته، كنت ساعات كتير بحس بغيرة." صمتت لبعض الوقت قبل أن تتابع بحسرة:
"بسببه أنا مقدرتش أكون ذكريات طفولة بين أب وأم وعيلة سعيدة. ملحقتش أشبع منها ولا من حنانها، هو حرمني منها وخلاني يتيمة في يوم. ساعات كتير كنت بغير من أخواتي لأنهم قدروا يكونوا ذكريات معاهم، قدروا يشبعوا منهم ومن حنانهم." نظرت له قائلة بحزن ويأس: "أنا بسببه مش قادرة أعيش حياتي، مش قادرة آخد خطوة واحدة...
بسبب اللي حصل أنا مش عارفة أنا عايشة ليه ولا عايزة إيه. الأول كنت عايشة عشان أحقق انتقامي وحققته، بس دلوقتي مش عارفة أنا عايزة إيه." ابتسم قائلًا بهدوء: "طبيعي جدًا إن أي شخص يمر بتجارب قاسية في الحياة، وطبيعي إنك تحسي بوجع وألم لما تفتكري الماضي. تفكيرك في الماضي زيادة عن اللزوم هو سبب حالتك، كل مرة بتفكري فيه بيتولد جواكي مشاعر سلبية بتخليكي حاسة بكل ده." ثم تابع بابتسامة: "ليه لما بتفكري في الماضي بتشوفي الوحش بس؟
"عشان مكنش فيه غير الوحش." أجابها بنفس ابتسامته التي تزين ثغره: "مين قال كده... تفتكري إنتي وأخواتك كنتوا هتكونوا قريبين من بعض؟ فكري في الإيجابيات اللي اتعلمتيها من الماضي، متشوفيش الوحش بس." سألها بهدوء: "إنتي ليكي أصحاب مقربين يعني بتفضفضي مع حد؟ بتحكي في اللي مضايقك؟ نفت برأسها قائلة:
"عندي أخواتي وزينة بنت خالي، بس عمري ما اتكلمت مع حد وفضفضت، يعني دايما كنت أسمع أو أديهم النصيحة ومن جوايا بقول لنفسي قولي لنفسك الكلام ده وطبقيه، بس مش بقدر." ابتسم عمر قائلًا: "طبيعي جدًا إن الشخص ينصح غيره وميقدرش يطبق النصيحة دي لنفسه. أنا صحيح دكتور نفساني، شغلتي أعالج، لكن لو كنت مكانك أو مكان أي مريض تاني مش هقدر أساعد نفسي وهلجأ للي يساعدني." نظرت له بصمت، ليتابع هو بابتسامة:
"مش صح إنك تفضلي تكتمي مشاعر الحزن والألم جواكي. كل شخص بيحتاج يكون في حياته شخص مقرب وثقة يكون موجود في حياته يحكيله اللي جواه واللي بيحس بيه، يعني بالعربي يفضفض معاه." نفت برأسها قائلة. بحزن، مقدرش أعمل كده. ليه؟ تنهدت بحزن قائلة: عشان مش عايزة حد يحس إني ضعيفة أو أشوف نظرة شفقة في عيون حد. ابتسم قائلاً بهدوء:
بس إنتي مش ضعيفة، إنتي قوية جداً. اللي تمر بكل ده وتفضل واقفة على رجليها وتوصل للي إنتي وصلتي ليه، عمرها ما تكون ضعيفة. تنهد وهو يزيح نظارته الشفافة بعيداً عن عينيه قائلاً بابتسامة: كتير أوي بيشوفوا إن المرض النفسي ده شيء مخجل، مينفعش يتكلموا فيه عشان نظرة الناس ليهم، وبيرفضوا يعترفوا أصلاً بيه. لكن إنتي جيتي بنفسك لهنا عشان عارفة إن عندك مشكلة وعايزة تتعالجي وتكملي حياتك بشكل أحسن. دي شجاعة قوة منك. ابتسمت بهدوء،
ليسألها هو فجأة: جربتي تكتبي مذكرات خاصة بيكي؟ مذكرات!!! ابتسم قائلاً: ممكن تخرجي كل المشاعر السلبية اللي جواكي على ورق. اكتبي كل اللي بتحسيه ومش هتقدري تحكيه لحد. أومأت له بصمت، ثم نظرت لساعة يدها لتجد أنها تجاوزت الوقت المحدد وأخذت الكثير من وقته، لتقف قائلة باعتذار: أنا خدت وقتك كتير أوي... آسفة لو عطلتك. نفى برأسه قائلاً بابتسامة لا تفارق شفتيه: لا عطلة ولا حاجة. دون لها دواء على ورقة ثم أعطاها لها قائلاً بهدوء:
هتمشي على العلاج ده، واعملي زي ما اتفقنا. اكتبي كل اللي جواكي على ورق، كل شعور سلبي جواكي اكتبيه. كل ما تفتكري الماضي، فكري في الإيجابيات اللي اكتسبتيها منه وبس. أومأت له بصمت، ليتابع هو حديثه: الجلسة الجاية بعد أسبوعين. شكرته ثم غادرت العيادة، ولا تنكر أبداً شعور الراحة الذي يغمرها بعد أن تحدثت وأخرجت كل ما بداخلها... لكن هي لا تعلم أن قدومها لهنا سيترتب عليه الكثير!
كانت تخرج من البناية وكادت أن تصعد لسيارتها، لكنها توقفت بصدمة عندما سمعت لصوته يأتي من خلفها قائلاً: حياة. التفتت له بصدمة قائلة بتوتر: إلياس! إنت بتعمل إيه هنا؟ ابتسم قائلاً وهو يشير لمطعم موجود أمام البناية: أنا أوقات بكون هنا، يعني لو في مواعيد بره الشركة بتكون هنا. أومأت له بتوتر، ليسألها قائلاً: إنتي بتعملي إيه هنا؟ حاولت إخفاء توترها قائلة: كنت رايحة الشركة ونزلت أشتري ميه من السوبر ماركت. أومأ لها قائلاً:
طب ممكن نتكلم شوية؟ نفت قائلة باعتراض، فهي لم تنسى حديثه معها أمس وما قاله لها: مش فاضية. أوقفها قائلاً باعتذار: استني... أنا عارف إنك زعلانة من اللي قولته امبارح. صدقيني مكنش قصدي... غصب عني، بغير عليكي منه، بتجنن لما أشوفه قريب منك. استنكرت ما قال، لتنظر له قائلة بسخرية: أشمعنى هو مش بيعمل زيك؟ هو كمان بيغير؟ نفى برأسه قائلاً بحب:
عشان مش بيحبك زيي. أنا صحيح شوفتك من قريب، بس صدقيني بحبك أوي وبغير عليكي بجنون. اعذريني في ده. سعيدة بما قال، لكنها خائفة، لا تنكر ذلك. نظرت له، ليتابع هو حديثه قائلاً باعتذار: متزعليش مني، حقك عليا. تنهدت بعمق ثم أومأت برأسها، ليسألها بابتسامة: يعني مش زعلانة؟ أومأت له قائلة: آه... اتأخرت وعندي شغل. أوقفها قائلاً بابتسامة: طب عشان أضمن إنك مش زعلانة، خلاص ينفع نقضي اليوم سوا؟
يعني نتغدى سوا ونروح المكان اللي إنتي عايزاه؟ كادت أن ترفض، لينظر لها برجاء، وبعد إلحاح منه وافقت على ما قال. بمستشفى الجارحي. كان يخرج من غرفة العمليات، يفكر فيها، من تشغل عقله وقلبه منذ سنوات، لكن خوفه سبب ابتعاده وتهربه منها. نعم، يهرب منها منذ أن غادر القصر هو وإخوته، وهي تحاول الحديث معه وهو يتعمد تجاهلها والتهرب منها.
كان بطريقه لمكتبه، لتقع عيناه عليها وهي تقف برفقة أحد الأطباء العاملين بالمستشفى، تبتسم له والآخر ينظر لها نظرات غير بريئة بالمرة. اقترب منهم قائلاً بغضب: واقفين بتعملوا إيه؟ مفيش وراكم شغل؟ نادت ببرود: وقت الراحة، وكنت واقفة مع زميلي شوية. في حاجة يا دكتور ريان؟ ريان بنظرة نارية للطبيب الشاب الذي يقف بجانبها: روح شوف شغلك.
رحل الآخر على الفور، وما إن غادر، جذب ريان ندا من يدها خلفه، ثم دخل لمكتبه وأغلق الباب خلفه قائلاً بغضب: إنتي عايزة توصلي لإيه باللي بتعمليه ده؟ ندا بغضب: مش عايزة أوصل لحاجة. أنا معملتش حاجة غلط، واقفة مع زميلي في وقت الاستراحة. إيه اللي مضايقك في كده؟ ريان بغضب: يضايقني طبعاً. ندا بغضب: تضايق بصفتك إيه؟ صمت للحظات، بينما هي كانت تتأمل أن ينطق بما تراه بعينيه ولا ينطق به لسانه، لكنه قال بهدوء: بنت عمي.
ضحكت بسخرية مريرة قائلة: بنت عمك اللي بقالك فترة بتتجاهلها، وكلما تتكلم معاك تسيبها وتمشي... بنت عمك في دي بس، والباقي لأ يا ريان. أنا حر. صرخت عليه بغضب يخالف شخصيتها الهادئة. مثله تماماً: أنا كمان حرة، أقف مع اللي أنا عايزاه، ميخصكش. كادت أن تغادر، ليوقفها قائلاً بغضب: استني عندك. التفتت له قائلة بغضب: نعم. اقترب منها قائلاً بتحذير: آخر مرة أشوفك واقفة معاه. نظرت له قائلة بسخرية وغضب:
قولتلك ميخصكش، أنا حرة. إنت مش أبويا ولا أخويا عشان تحاسبني يا دكتور. غادرت وتركتها تشتعل من الغضب والغيرة، تتوعد له بالمزيد من هذا حتى يعترف بما بداخله. بخطوات مرتعشة كانت تدخل من باب القصر الداخلي، وهي تتمنى أن لا تراه. شهقت بقوة وهي تراه يجلس ببهو القصر ينتظر وصولها منذ الصباح الباكر، ما إن علم بقدومها. انتفض واقفاً مقترباً منها قائلاً بلهفة واشتياق: هنا. تراجعت خطوات عدة للخلف بفزع قائلة: ابعد عني.
ابتلع غصة مريرة بحلقه وهو يرى ذعرها الشديد منه، قائلاً بندم وألم بشع ينهش قلبه: أنا آسف. تمالكت نفسها بصعوبة حتى لا تبكي، قائلة بصوت مختنق وهي ترى سليم يأتي من خلفه: حضرتك بعتلي أرجع ليه يا جدو؟ ابتسم مقترباً منها، يحاوط كتفها بيديه قائلاً بحنان: هنروح مشوار سوا، وبعدها اللي إنتي عايزاه كله هيحصل يا بنتي.
أومأت له بصمت، وهي لا تفهم شيء. توجهت للخارج برفقته، وخلفهم أدهم يستقل سيارة بمفرده حتى لا يزعجها أو يسبب له أي خوف. بعد وقت، كان يدخل الثلاثة من باب ذلك المخزن الموجود بمنطقة خالية من السكان. شهقت هنا بقوة عندما وقعت عيناها على سمر مقيدة على مقعد بوجه مليء بالكدمات وبحالة يرثى لها، وشخص آخر مقيد على مقعد بجانبها لم تستطيع التعرف على وجهه، فقد كان يخفض وجهه فاقداً للوعي، وكذلك سمر.
تجولت بنظرها بالمكان، لتقع عيناها على امرأة عجوز مقيدة على مقعد بجانبهم، تنظر نحو سليم بغل وكراهية شديدة أخافتها. خاصة حين نطقت بغل: والله زمان يا سليم يا جارحي... بس إيه رأيك في اللي عملته؟ بوظتلك حياة حفيدك وحفيدتك، وخدت حقي منك ومن ابنك وقمر اللي فضلها عليا. ضحك سليم بسخرية، وبداخله يتوعد لها، فقط صبراً.
جاء أحد الرجال بمقاعد لهم، وجلست هنا بجانب سليم، لا تفهم شيء مما يقال، وكذلك أدهم المصدوم مما قالته تلك السيدة التي كان قليلاً ما يلتقي بها، حتى أنها لم تحضر حفلة خطبته على ابنتها الحقيرة بسبب سفرها خارج البلاد. أشار أدهم بيده لأحد الرجال الذي سكب دلو من الماء فوق رأس كلا من سمر ووائل. شهق الاثنان بقوة، ومعهم هنا التي تفاجأت برؤية وائل. سليم بسخرية وهو يشير سمية: أعرفك الأول يا أدهم بسمية... طليقة أبوك!!!
توسعت عينا أدهم بصدمة، ليتابع سليم حديثه قائلاً بسخرية: كانت مرات أبوك قبل ما يتجوز قمر... اتجوزها بعد ما اتخرج من الجامعة، كان فاكرها زوجة مناسبة، بس هي مكنتش أكتر من واحدة أنانية، شايفة نفسها، بتعمل مشاكل بينا على طول وبتوقع بينه وبين الكل، مستهترة. وفضل سنتين مستحملها، وفضل باقي عليها لما عرف إنها حامل، بس هي من أنانيتها وجحودها راحت ونزلت الولد اللي في بطنها عشان مش جاهزة تكون أم من غير ما ترجع ليه.
نظر سليم لأدهم المصدوم، ثم تابع حديثه: أبوك كان هيطلقها، بس حب يقهرها الأول لأنه عارف إن أهم شيء في حياتها مظهرها قدام الناس. اتجوز عليها قمر، كانت شغالة عندنا في القصر، وأعلن قدام الناس كلها جوازه. هو صحيح مكنش بيحب قمر في الأول، بس مع الوقت حبها وهي كمان حبته. وعدى أسبوع وكان أبوك مطلق سمية. ضحكت سمية ساخرة، ليتابع سليم حديثه قائلاً: أما بنتها، بعد سنين دخلت حياتنا ودمرت حياة أحفادي. نظر لهنا قائلاً بجدية:
كل اللي حصل معاكي كانت هي وبنتها سبب فيه. أدهم عمل معاكي كده عشان... ثم قص عليها ما فعلوه هؤلاء الثلاثة بها. ما انتهى، ضحكت سمية قائلة بغل: كل اللي حصلهم كان بأمري، وسمر الغبية كنت بحركها وبقولها تعمل إيه بالظبط وهي تنفذ، مش عشان غبية، لا عشان بتحب الفلوس. سليم بسخرية واحتقار: طلعالك مش جايباه من بره.
نظرت هنا للجميع والدموع تغرق وجهها، وركضت لخارج المخزن، وخلفها أدهم وسليم، الذي احتضنها بحنان لتبكي بأحضانها بانهيار، وأدهم يتابعها بحزن وألم يمزق قلبه، يلعن غباءه الذي أوصله معها لما هما فيه الآن. بعد دقائق، توقفت عن البكاء. ليسألها سليم لهنا بحنان: هنا يا بنتي، إنتي دلوقتي عرفتي الحقيقة كلها. القرار دلوقتي في إيدك، وإنتي اللي تقرري تكملي مع أدهم أو لأ. صمتت هنا للحظات، ثم قالت بجدية وهي تزيل الدموع من على وجهها:
اللي عايزاه يا جدي، إني ورقة طلاقي توصلني في أقرب وقت!!! مساءً بقصر الجارحي. بعد يوم سعيد قضته برفقته، وكذلك هو. توقفت سيارة إلياس، الذي ابتسم بحب لحياة قائلاً: انبسطت أوي يا حياة عشان كنتي موجودة معايا. ابتسمت هي الأخرى قائلة بابتسامة: كان يوم حلو فعلاً. ابتسم بسعادة، ثم التقط كف يدها مقبلاً إياه برقة قائلاً بحب: تصبحين على خير. جذبت يدها من يده، ثم غادرت السيارة، وما إن اختفت من أمامه لداخل القصر.
رفع إلياس رأسه لأعلى بدون قصد، لتقع عيناه على بدر يقف بشرفة غرفته ينظر نحوهم، فقط كان يقف هنا منذ وقت ينتظر مجيئها ليطمئن عليها بعدما هاتفها أكثر من مرة لكنها لا تجيب. ليتصنم جسده بمكانه، وتشتعل عيناه بغضب وغيره بعدما شاهدها برفقته بالسيارة تبتسم وذلك البغيض يقبل يدها. دخل لغرفته دافعاً المزهرية بالحائط بغضب، ثم جلس أرضاً، صدره يعلو ويهبط بانفعال. أخذ يحدث نفسه...
إلى متى سينتظر حتى تخبره أنها لا تريده وأن قلبها يحب غيره واختار غيره؟ مشاعرها تجاه ذلك المدعو إلياس ظاهرة بوضوح، هو فقط من كان يعاند نفسه، هي ليست له!!! في صباح اليوم التالي بقصر الجارحي. بدر، إنت رايح فين؟ قالتها حياة بصدمة وهي تراه يخرج من غرفته. يجر حقيبته خلفه. التفت لها قائلاً بابتسامة حزينة: أظن وجودي مبقاش ليه لازمة. سألته بصدمة: هتسافر؟ أومأ لها قائلاً بحزن: مبقاش فيه سبب أستنى عشانه... لأني ببساطة خسرت.
التمعت عيناها بالدموع حزينة عليه: خسرت إيه؟ تنهد بحزن قائلاً بوجع: خسرتك إنت يا حياة. يعني حتى لو مقولتيش، بس أنا بلاحظ وبشوف وبحس... حبك ليه واضح من غير كلام. اخفضت وجهها قائلة بصوت مختنق وأسف: أنا آسفة. ابتسم قائلاً بحزن: متتأسفيش، دي حاجة مش بإيدك ولا بإيدي.
ابتلع غصة مريرة بحلقه، ومنع نفسه بصعوبة من احتضانها أو تقبيل جبينها لآخر مرة قبل أن يغادر. اكتفى فقط بتأمل وجهها وعينيها الساحرة التي لم ولن يرى بجمالها أبداً. منحها ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه، وألم ينهش قلبه على فراقها، قبل أن يغادر القصر بأكمله. عائداً من حيث جاء!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!