الفصل 2 | من 32 فصل

رواية ضحايا الماضي الفصل الثاني 2 - بقلم شهد الشوري

المشاهدات
21
كلمة
5,136
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

في فيلا الأدم، استيقظ الخمسة وكعادتهم كل صباح يمارسون الرياضة، وبعدها يؤدي كل منهم فرضه ويستعدون للذهاب لأعمالهم. لكن اليوم غير. رن جرس المنزل، ذهبت فرح لكي تفتح، وما إن فتحت تفاجأت بعدد كبير من الناس. ليقول رجل يبدو أنه في أواخر الخمسين من عمره: "عايزين نقابل أدم أو أي حد من إخواته لو موجود." أومأت له قائلة: "كلهم موجودين، مين حضراتكم؟ "قول لهم جمال العمري." أومأت له قائلة بتهذيب: "حاضر، اتفضلوا."

أدخلتهم الصالون الذي يوجد أمام الدرج الذي يصل للطابق الثاني. وعندما جاءت لتصعد فرح حتى تخبرهم بالضيوف، وجدت حياة تنزل الدرج تعبث بهاتفها، وخلفها ينزل أمير الذي كان مشغولًا بطي أكمام قميصه. لكن ما إن وقعت أعين الاثنين عليهم، تصنم كلاهما بمكانه. فرح بهدوء: "حضراتهم كانوا بيسألوا عليكم." لم يجيب عليها أحد، لتستشعر هي حرب النظرات بين الجميع. غادرت الغرفة بهدوء دون حديث.

اقتربت سعاد من حياة التي كانت تقف أمام أمير لكي تحتضنها بسعادة ودموع، لكن الأخرى ابتعدت للخلف عدة خطوات ما إن اقتربت منها وكأنها وباء سيصيبها، قائلة بهدوء يسبق العاصفة: "بره." ما قالته لم يستغرب منه أحد، فهو شيء متوقع، لكن نظراتها المشمئزة التي تصوبها على الجميع أثارت غضب البعض، وكان هو أكثره. ليأتي من الخلف صوت أدم وهو ينزل الدرج وخلفه أوس وريان، قائلاً بسخرية:

"تؤ تؤ…. كان نفسي أقول لكم نورتوا البيت، بس اللي زيكم يضلموا أي مكان يدخلوه، بإستثناء البعض طبعًا لأني مش باخد حد بذنب حد." قال الأخيرة وهو يصوب نظرات سخرية حيث يوسف الذي بادله نظرات سخرية مماثلة. سعاد بدموع وحزن: "يا بني أنا بس كنت حابة أشوفكم، أنا حاولت زمان أشوفكم بس…." قاطعها أوس قائلاً بسخرية وقسوة:

"بس زهقتي… ملّيتي… انتي أصلًا محاولتيش زمان، انتي اللي عملتيه زمان إنك قولتي أعمل اللي عليا كأنك مصدقتي واتخلصتي منا يا سعاد هانم." تدخلت ثريا بالحديث قائلة بسخرية: "عندها حق لما تصدق تتخلص منكم، كفاية العار اللي أمكم ماتت بيه ده كفيل يخلي أي حد يتكسف يقرب من أي شيء يخصها، ولا إيه." حياة بسخرية ولولا يد شقيقها ريان التي منعتها من أن تذهب وتزهق روحها في الحال:

"والله هو لو هيبقى فيه عار بجد يخلي أي حد يتكسف يقرب منه، فعيلة العمري تبقى أكبر عار." تدخل محسن بالحديث قائلاً بسخرية: "أظن مفيش عار أكتر من إن الزوجة تبقى خاينة ومقضياها مع كل واحد شوية… ما…." لم يكد يكمل حديثه لتخترق تلك الرصاصة التي خرجت من سلاح أوس الذي فقد أعصابه بعد استماعه لكلمات ذلك الحقير عن والدته، لتصيب كتف الآخر، قائلاً بغضب: "ورحمة أمي ما هرحمك يا…."

بينما أمير لم يتمالك نفسه هو الآخر، ليقترب من الآخر يلكمه بقوة أوقعته أرضًا، يصرخ من الألم. تدخل أدم وريان كلاهما يبعد أوس الذي انضم لأمير، ينهالون على الآخر بالكدمات. بينما حياة توقفت مكانها تنظر لثريا التي استطاعت أن ترى حياة الخوف بعينيها بكل سهولة. "مش جايبينه من بره ده حتى، في مثل بيقول اللي بيته من إزاز يا يوسف بيه."

تبادل يوسف النظرات الغاضبة مع أبنائه، بينما إلياس ومازن شقيقه الأصغر قاما بإسعاف محسن الذي فقد وعيه على الفور. اقتربت سعاد منهم قائلة برجاء ودموع: "ملكيش خاطر يا سعاد هانم، والباب اللي دخلتوا منه ياريت تخرجوا منه. أولاد ليلى الجارحي مش بيرحبوا بأي حد من اللي قتلوا أمهم. ياريت تتفضلوا تمشوا، انتوا مش مرحب بيكم هنا." بينما أدم تابع بسخرية: "نصيحة مني، الحقوا استمتعوا بشوية هدوء الأيام دي، لأن بعد كده مش هتلاقوه."

غادر الجميع خلف مازن وإلياس، والغضب يسيطر على بعضهم والحزن على البعض الآخر. بينما تلك الجميلة كانت تقف بجانبهم، وعيناها لم تفارق النظر لذلك الذي خطف قلبها منذ سنوات طوال. حبيب طفولتها ومراهقتها، تتساءل هل لازال يتذكرها أم نساها؟ والأسوأ هل أصبح يكرهها مثلما يكره عائلتها بأكملها؟ بعد أن غادر الجميع، أوس بجدية والخمسة يتبادلون النظرات بغموض: "أظن لازم ناخد الخطوة التانية بسرعة."

كان الخمسة مجتمعين على مائدة الطعام مساءً يتناولون طعام العشاء سويًا كما اعتادوا في صمت. قطعته رحمة، المربية الخاصة لهم منذ الصغر: "أدم يا بني، كنت عاوزة أطلب منك طلب." أدم بجدية واحترام: "اتفضلي، تحت أمرك." رحمة بحزن: "أختي زي ما أنت عارف اتوفت، وكان عايش معاها بنتي نوران وبنت أختي الله يرحمها كمان. أنا خايفة عليهم من العيشة لوحدهم في شقة بعيد عني، كنت عاوزة أجيبهم يعيشوا معايا هنا… مش هنعمل أي إزعاج خالص و…."

عاتبتها حياة قائلة بعتاب: "إيه اللي بتقوليه ده بس يا داده، إزعاج إيه؟ دول ينوروا البيت…. ده بيتك زي ما هو بيتنا بالظبط، تجيبي فيه اللي انتي عايزاه." أمير وهو يقبل يدها قائلاً بمرح وغزل: "انتي صاحبة البيت يا قمر، وإحنا ضيوف عندك يا جميل انت." ضحكت رحمة بسعادة قائلة: "متحرمش منكم يا ولاد، تعيشوا يا ولاد الأصول." أدم بابتسامة: "شوفي اليوم اللي هيجوا فيه، وأنا أبعت السواق يجيبهم لحد هنا." ابتسمت بسعادة،

مربتة على كتفه قائلة: "تسلم يا غالي يا بن الغالية." ابتسم الخمسة بحزن عند ذكر والدتهم الحبيبة، لتخبره رحمة بأنهم سيأتون بعد غد. أومأ لها أدم بصمت، قبل أن تغادر. وبنفس اللحظة، وصلت رسالة لهاتف أوس. ما إن فتحها ابتسم لهم قائلاً بمكر: "حصل." ابتسم الجميع بمكر، كل منهم يتخيل ردة فعل الجميع على ما سيحدث غدًا.

مر يومان دون أحداث تذكر، سوى خروج محسن من المستشفى وتراجع عن رغبته بتقديم بلاغ ضد أوس لمحاولة قتله بأمر من سعاد وجمال. أما يوسف، فهو منذ أن عاد ذلك اليوم وهو دائم الشرود، يشعر بالذنب تجاههم، وبنفس الوقت يشعر بالغضب من ذاته لشعوره هذا. كان الجميع يجلسون ببهو القصر، فاليوم هو عطلة للجميع، ليتفاجأ كل منهم بدخول أدم المفاجئ للقصر، بينما يسير خلفه إخوانه وعدد من الحراس يسير خلفهم. انتفض يوسف قائلاً بغضب:

"مين دخلكم هنا…. اطلعوا بره." أدم ببرود وسخرية: "والله لو حد المفروض يطرد التاني فيبقى أنا يا يوسف يا عمري." إلياس بغضب: "انت بتقول إيه، اتكلم عدل ووضح كلامك يا أما تتفضل تطلع بره." أدم بسخرية: "هقولك بردو نفس الكلام اللي قولته لعمك، محدش من حقه يقول مين اللي يفضل ومين اللي يمشي في البيت ده غير شخص واحد بس، أنا… أدم الجارحي."

قال الأخيرة وهو يشدد على اسم عائلة والدته ليوضح للجميع، وبالأخص ذلك الذي تخلى عنهم قديمًا، أنه يشعر بالنفور من اسمه واسم عائلته. تابع أمير بسخرية: "قصر عيلة العمري مالكه واحد بس، أدم! تدخل محسن قائلاً بغضب: "انت اتجننت، قصر عيلة العمري متسجل باسم الابن الأكبر لكمال العمري، إزاي بقى أخوك بيملكه؟ ولا انتوا جايين تنصبوا ومش مكفيكم اللي عملته…." قاطعه أوس قائلاً بغضب وقوة:

"الرصاصة المرة الجاية كانت في دراعك، المرة الجاية هتبقى في نص راسك لو ما حطتش لسانك جوه بوقك وفضلت قاعد زي الكرسي اللي قاعد عليه." ثريا بغضب وحدة: "إيه قلة الذوق دي، انتوا فعلاً ناقصين تربية زي اللي خلفتكم واللي متستاهلش حتى أجيب سيرتها على لساني." اقتربت منها حياة بهدوء، بث الرعب بداخلها حتى وقفت أمامها مباشرة قائلة: "في حاجة ليكي عندي من زمان، وأظن جه الوقت عشان تاخديها يا ثريا." ثريا بتوتر وخوف: "حاجة إيه؟

بلحظة كانت ثريا تسقط على الأريكة من خلفها بعدما هوت حياة بكف يدها على صدغها بصفعة قوية قاسية، تمنت أن تنهال بعدها عليها بالمزيد، لكنها تحمّلت بذاتها قائلة بقوة: "القلم ده أنا وانتي عارفين أنا خدته منك إمتى، وأهو بيترد لك يا ثريا، ولسه الباقي كله هيترد لك." وقفت ثريا بغضب، محاولة أن تصفع حياة، لكن يد آدم كانت الأسبق، ومسكت يده مانعة إياه من صفع شقيقته، قائلاً بقوة:

"لسه متخلقش اللي يرفع إيده على حياة الجارحي طول ما أخواتها موجودين على وش الدنيا." قالها ثم ترك يد يوسف ببرود، ليتابع أدم بقوة وهو يأخذ بعض الأوراق من يد أحد رجاله: "ده ورق يثبت ملكيتي للقصر، ومش مزور، والإمضاء اللي عليه مش مزورة ولا حاجة، تقدر ترفع قضية وتتأكد وتعمل كل اللي انت عاوزه." اختطف يوسف الورق منه بعنف، لتشتعل عيناه بغضب شديد، ولا يعرف كيف وقعت تلك الأوراق وكيف جاءت إمضته عليها. أوس بسخرية:

"اتأكدت يا يوسف باشا." نظر يوسف لهم بغضب، وإلياس كان يتابع بهدوء شديد وعيناه مصوبة على والده الذي لم يتفاجأ مثل الباقين، وكان هو الوحيد الذي لاحظ هذا الشيء، فهو حتى الآن لم يغضب، لم يثور، ولم يتكلم. أدم بسخرية: "يعني حضراتكم دلوقتي قاعدين في قصري." تدخل مازن قائلاً بغضب: "ده نصب واحتيال." أدم ببرود: "آه نصب واحتيال." مازن بغضب: "إيه البجاحة دي، أنا مشوفتش كده." جمال بصرامة مشيرًا لابنه بأن يصمت: "مازن."

زفر مازن بضيق والغضب يتملكه من طريقة الخمسة التي تشعل الغضب بأي شخص. إلياس ببرود: "عايزين إيه من الآخر." أدم بسخرية: "الأكيد إنه مش خير. كل اللي هنعمله إننا الخمسة هنعصر على نفسنا لمونة وهنعيش هنا فترة صغيرة…. بس طبعًا بقواعد خاصة بينا." إلياس ببرود: "اللي هي إيه بقى إن شاء الله." أوس ببرود: "هتعرفها بعدين، مش دلوقتي." أمير ببرود: "الأوض الفاضية اللي هنا." فرحة زوجة جمال بابتسامة: "فوق، هوصلكم بنفسي."

ابتسم لها الخمسة بصفاء وحب، فهم لم ينسوا صداقتها بوالدتهم وعلاقتها الطيبة معها، بل وأيضًا دفاعها عنها وعدم تصديق لأي حديث ذكر بحق والدتهم الحبيبة، بل وأيضًا لم تنساهم وظلت تتساءل عنهم حتى سافر الخمسة للخارج وبعدها لم يعد يتواصلون معها. تعجب الجميع من تغير نظراتهم لفرحة وابتسامتهم لها، قبل أن يصعد أدم الدرج، همس بصوت خفيض لمحسن وثريا، فكان الاثنان يقفان بجانب بعضهم: "We are back!!!

توسعت أعين الاثنان بصدمة، وهنا علموا من قام بذلك الحريق، وهنا علم الاثنان أن القادم سيكون أسوأ. مساءً نزلت حياة بهدوء لحديقة القصر الذي لم تدخله منذ خمسة عشر عامًا. لم تتغير كثيرًا، ببطء اقتربت من تلك المنطقة تحديدًا والقريبة من باب القصر الداخلي، ثم جلست أرضًا تتحسس ذلك المكان بيدها وهي تبتسم. هنا آخر مرة رأت والدتها وهي تبتسم. أغمضت عينيها بحزن وهي تتذكر ما حدث هنا، وذلك اليوم الذي تغيرت حياتهم رأسًا على عقب.

**Flash Back** كانت تجلس هي ووالدتها بحديقة القصر ويحوطها ألعابها الكثيرة التي دائمًا ما كان يغرقها بها والدها الحنون. لاحظت والدتها التي تجلس شاردة حزينة. اقتربت من والدتها قائلة ببراءة وقد كانت حينها في الخامسة والنصف من عمرها تقريبًا: "مالك يا مامي؟ زعلانة ليه؟ ابتسمت ليلى لها مقبلة وجنتها قائلة بحنان: "مفيش يا حبيبتي." حياة بنفي وغضب طفولي: "لأ، انتي زعلانة بسبب الست اللي بابي جابها تعيش معانا وكل شوية بتضايقك."

كادت أن ترد عليها لكن قاطعها صوت بغيض تمقته وبشدة قائلاً: "إزيك يا مدام ليلى." ليلى لحياة بابتسامة حنونة: "روحي كملي لعب يا حبيبتي." أومأت حياة لها وهي تبعد يد محسن التي تداعب وجنتها بسماجة. التفتت ليلى قائلة له بضيق: "خير يا أستاذ محسن، حضرتك محتاج حاجة؟ محسن بمكر قبل أن يخرج زجاجة صغيرة وبلحظة قام ينثر منها رذاذ على وجهها لتسقط فاقدة للوعي بين يديه، بينما الصغيرة كانت تعطيهم ظهرها ولم تنتبه لما يحدث:

"عايزك انتي يا قمر." بعد أن تقدم بضع خطوات من باب القصر الداخلي، انتبهت حياة له وهو يحمل والدتها الفاقدة للوعي، لكن توقفت عندما شاهدت زوجة والدها البغيضة التي تمقتها بشدة. تعجبت من وجودها، فمن المفترض أنه لا يوجد أحد بالقصر. قبل أن تقترب منهم، استمعت لمحسن قائلاً بمكر ووقاحة وهو ينظر لجسد والدتها بنظرات غير بريئة بالمرة:

"خدرتها يا ثريا، هطلعها فوق، وانتي تعالي ورايا انتي والراجل اللي بره ده، مع إن كنت نفسي أتولى أنا المهمة الرائعة دي." ثريا بضيق: "مش وقته، أنجز بسرعة قبل ما يرجعوا."

صعد بها محسن لأعلى، لتقوم ثريا بتجريدها من ملابسها سريعًا ثم دثرتها بالفراش وهي فاقدة للوعي لا حول لها ولا قوة. بينما تلك الصغيرة ما إن صعدت الدرج خلفهم وشاهدت ما يفعلونه بوالدتها، صرخت قائلة بغضب طفولي. هي لم تستوعب ولا تفهم ما يحدث خاصة بعمرها الصغير، لكنها شعرت بأن ما يفعلونه بوالدتها ليست بجيد أبدًا: "انتوا بتعملوا إيه في مامي." انتفضت ثريا بخوف قائلة بغضب لمحسن: "انت مخدرتهاش؟ محسن بضيق: "نسيت خالص."

أطلقت سبابًا لاذعًا من بين شفتيها قبل أن تجذب الصغيرة من يدها قائلة بحدة: "عارفة لو قولتي لحد ع اللي شوفتيه ده يا بت انتي، وشرفي لأخليكي تحصلي أمك." تحركت الصغيرة بعنف تحاول إبعاد يد تلك الحقيرة عنها، لكنها صرخت بألم وانفجرت باكية عندما صفعتها تلك الحقيرة بقسوة لعلها تكف عن الحركة. جذبها محسن من يدها بعنف وهو يكمم فمها قائلاً بسرعة: "نادي ع الراجل اللي تحت بسرعة، خلينا نخلصهم على وصول."

بالفعل صعد الرجل، وكما اتفق مع الاثنان استلقى على الفراش بجانب ليلى التي لازالت فاقدة للوعي. تقول ثريا بمكر وشماتة: "كده يوسف هيصدق إنها بتخونه، واكيد هيقتلها." محسن بسخرية غير مبالي بتلك الصغيرة التي تستمع لكل شيء: "يوسف ده أكبر غبي شوفته في حياتي، تفتكري هيعمل إيه لما يعرف إن الخاين اللي بجد هو انتي وإني مش أخوكي." ثريا بحدة: "اخرس خالص لحد يسمعك، خلينا نمشي بسرعة زمانهم على وصول." حياة ببكاء بعد أن أبعد محسن

يده عن فمها حتى لا تصرخ: "انتوا بتعملوا إيه في مامي؟ أنا هقول لبابي عليكم." سمع محسن وثريا أصوات تأتي من الأسفل ليركض الاثنان مختبئين بمكان يتيح لهم رؤية ما يحدث دون أن يراهم. يوسف كان محسن يكمم فم حياة بقوة متحكم بها حتى لا تصدر أي صوت، بينما ثريا تراقب بلهفة ما سيحدث خاصة بعدما رأت ليلى بدأت تستعيد وعيها قليلاً.

دخل يوسف الغرفة وترك أبنائه بالأسفل بعدما عادوا من زيارة قبر والده الراحل، ثم صعد إلى غرفته يبحث عن زوجته حتى يعتذر منها عما فعله، لكن تصنم جسده وصدم مما رأى زوجته برفقة رجل آخر وعلى فراشه. لحظات و أفاق من صدمته ثم انقض على الرجل الذي بجانبه ينهال عليه بالعديد والعديد من اللكمات، لكن الآخر استطاع أن يخلص نفسه بصعوبة وفر هاربًا. بينما هو توجه إلى ليلى يصفعها عدة صفعات، غير منتبه لحالة التيه التي هي بها، بقى يصفعها بقوة وهو يسبها بأسوأ الألفاظ. ركلات ولكمات لم يرحمها أبدًا. أما تلك الصغيرة كانت ترتجف بخوف بين يدي ذلك الحقير الذي لا يزال يكبلها وهو ينظر لما يفعله يوسف بسخرية، وكذلك ثريا التي كانت تنظر لما يفعله بسعادة وشماتة.

يوسف بغضب وهو يجذبها من خصلات شعرها: "خونتيني ليه يا… ده أنا ما حبتش حد زيك، بس انت… متستاهليش الحب ده، ووديني لاشرب من دمك يا خاينة يا…." بإهمال وضع ذلك الأسدال على جسدها العاري ثم قام بجرها على الدرج حتى الأسفل بدون شفقة. ركض إليها أبناؤها يتفحصون والدتهم التي كانت بحالة يرثى لها والدماء تغرق جسدها ووجهها بأكمله.

كانت حياة تسمع كل ذلك لكنها لم تستطع الصراخ أو أن تركض لوالدتها بسبب ذلك الحقير الذي يكبلها بقوة ويكمم فمها. تحركت بعنف وهي تركل بقدمها في الهواء، ثم بلحظة فتحت فمها وقامت بدب أسنانها الصغيرة بكف يده الذي يضعه على شفتيها ليفلتها الآخر متألماً، لتركض الأخرى سريعًا قبل أن يلحق أحد من الاثنان بها. نزلت للأسفل حيث والدتها تبكي بقوة. عاد بغضب وهو ينظر ليوسف: "إيه؟ إزاي تمد إيدك على مراتك كده؟ أنت اتجننت يا يوسف؟

يوسف بغضب جحيمي: "بـ… كانت مع عشيقها في أوضة نومي وعلى سريري الـ… بتخون يوسف العمري." بوقت واحد صرخ شقيقه وزوجته ووالدته: "مستحيل." يوسف بحدة وغضب وهو يركلها بجانبها: "أنا لسه شايفها هنا وهي في حضن الزبالة فوق، بس ابـ… هرب، ورحمة أبويا لأجيبه لو في آخر الدنيا." ليلى بألم لا يحتمل ولا تزال لا تفهم ما يحدث: "مظـ… لـ… ومة." يوسف بقسوة وهو يجذبها من خصلات شعرها لخارج القصر وأبناؤها يركضون خلفها:

"اخرسي يا… هتكدبيني وأنا شايفك بعيني." حاول الجميع تخليصها من بين يديه بكم دون فائدة. توجه لباب القصر الخارجي المواجه للطريق السريع، ثم دفعها أرضًا لتقف هي بصعوبة وجسدها يترنح يمينًا ويسارًا، لتأتي سيارة مسرعة من الخلف لتصدمها بقوة، لتقع غارقة في دمائها. ركض الجميع بها سريعًا تحت نظرات سعيدة متشفية من ثريا ومحسن، ولكن الخوف أيضًا متملك منهم بسبب ما سمعته تلك الصغيرة.

حملها جمال سريعًا للمستشفى بعدما قام بقياس نبضها ليجده ضعيف جدًا. أما عنه، مصدوم، هذا حاله الآن. علم الجميع ما يحدث وجاءت عائلتها للمستشفى بعد معرفتهم بأنها تعرضت لحادث. بعد وقت طويل: "إحنا عملنا اللي علينا، بس للأسف الحادثة كانت جامدة، مقدرناش ننقذها هي والجنين…" "البقاء لله." قالها الطبيب بأسف ثم غادر، تزامنًا مع صراخ والدتها الذي يمزق القلوب وبكاء أبنائها.

الجميع خيم عليهم الحزن، عداهم كلاهما. استمع للخبر من هنا، ثم تبادلوا النظرات بخبث ومكر لنجاح خطتهم. نظرات التقطتها أعين تلك الصغيرة التي كانت تناظرهم بغل وغضب لا يتناسب مع عمرها. وقعت عيناها على والدها أيضًا. والدها الذي منذ ساعات كان لها الأب الشجاع الفارس الحنون، أما الآن لا تراه سوى قاتل والدتها. بغضب طفولي ودموع تغرق وجهها الصغير، اقتربت منه صارخة عليه بغضب وهي تدفعه بيدها الصغيرة بقدمه:

"أنا بكرهك… انت وحش… انت اللي خليت ماما تبعد عني… أنا بكرهك."

رغم أن وفاتها زلزلته من الداخل وأحزنته بشدة، ولولا أن يقف بينهم وخوفه على رجولته وكرامته بعد ما فعلت، لكان بكى وركض مهرولاً حيث توجد هي وبكى واحتضنها لآخر مرة، إلا أن غضبه وغيرتها تحكمت به. غضبه منها وتسرعه جعله قال وفعل ما سيندم عليه طوال حياته. دفع الصغيرة بعيدًا عنه حتى سقطت أرضًا وانجرحت يدها، صارخة بألم، ليركض إخوانها إليها كل منهم يتفحصها بقلق، مصدومين بكل ما يحدث. حياتهم أصبحت رأس على عقب بيوم وليلة.

لكن ما حطم قلوبهم أيضًا وجعلها تنشطر لنصفين كلمات والدهم الغاضبة التي لم يكن أحدًا منهم يتوقعها خاصة بهكذا موقف. رغم صغر سنهم، إلا أن تلك الكلمات حفرت بقلوبهم، لن ولن ينسوها. "دول مش ولادي، أنا مش عاوز أشوفهم، كفاية إن كل ما هشوفهم هيفكروني بخيانتها. أنا مش عايزهم أي يضمني إن هما ولادي، ما هي خاينة وأكيد دورتها مع أكتر من واحد."

نظرة خذلان وحزن رمقها به أدم، أكبر أبنائه والبالغ من العمر خمسة عشر عامًا. كاد قاسم أن يهجم على يوسف، لكن أوقفه أدم ممسكًا بمعصمه وعيناه لازالت مثبتة على والده الذي لوهلة شعر بالحزن والندم لما قال، لكن غضبه منها ومن ما فعلته كان أكبر. أراد أن يؤلمها حتى بعد وفاتها، حتى لو كل ما سيفعله سيطول أبناءها. اقترب منه أدم قائلاً بقوة لا تناسب سنه، لكنها من الآن تحديدًا أقسم أن يتحلى بها طوال حياته ليحمي إخوته بعد

تخلي والدهم الصريح عنهم: "ورحمة أمي اللي لسه ميتة، لبكره ييجي وتندم. حق أمي مش هيروح هدر، ولا اتنازل عنه أبدًا، والسنين بينا إن ما كانش دلوقتي فهيكون بعدين." اقترب منه أوس ابنه الثاني متابعًا حديث شقيقه بقوة مماثلة تعكس ما يشعر به الآن:

"اللي حصل إنهاردة واللي قولته هيفضل بينا وبينك العمر كله. انت اتنازلت عنا دلوقتي، وطول عمرك تقولنا اللي يبيعك بيعه واحنا مش بنشتري اللي يبيعنا…. إحنا اللي مش عاوزينك يا… يا يوسف باشا." ضم آدم إخوته لصدره، بينما تلك الصغيرة دموعها تنزل بصمت، ولا تزال تصوب نظرات حاقدة غاضبة تجاه من كانوا سبب بمقتل والدتها. نظرة لا تناسب طفلة بعمرها، نظرة تعني أنها ستعود يومًا ولكن أقوى.

من هنا وبهذه اللحظة تحولت حياة الخمسة مئة وثمانون درجة. بتلك اللحظة بداخل كل منهم كسر جزء بأعماقهم لن يعود كما كان بالسابق. **Back**

أفاقت من شرودها بذلك الماضي الأليم وتلك الأيام التي قضتها، كيف دخلت المدرسة لأول مرة بمفردها دون والديها، كيف كانت تستمع لكلمات سامة بحق والدتها من الجيران أو الأقارب بسبب ثريا التي أُذيعت بين الجميع أن والدتها كانت تخون والدها. أغمضت عينيها وفتحتها عدة مرات حتى لا تسمح لدموعها بالسقوط. كم تكره ذلك القصر وكل من بداخله، ليس هيّن أبدًا عليها أن تعيش بنفس المكان التي طردت منه هي ووالدتها وإخوانها منذ سنوات، بل وقتلت والدتها فيه. كانت شاردة ولم تنتبه لذلك الذي يقف بشرفة غرفته يراقبها بشرود، فضول، حزن، أشياء كثيرة يشعر بها نحوها.

في صباح يوم جديد، كان الجميع مجتمعين على طاولة الطعام، كل منهم يتناول الإفطار بذهن شارد. نزل الخمسة للأسفل بهيبة ووقار، بث الرعب بداخل ثريا ومحسن، الذين رغم القوة التي يظهرونها إلا أن بداخلهم يرتعدون من الخوف من القادم. سعاد بلهفة وهي تشاهد الخمسة متجهين للخروج، فقد كانت السفرة متصلة ببهو القصر وتطل على الصالون الكبير: "استنوا يا ولاد، تعالوا افطروا."

نظرت لها حياة بسخرية وبداخلها مندهشة مما تقول، كيف لها أن تتعامل هكذا بكل بساطة وكأنها لم تتخلى عنهم مثل ابنها منذ سنوات. تجاهل الخمسة الرد عليها ليقول أدم بقوة: "الخدامين فضوا أوضتين من أوض الخدم، قبل المغرب تكون ثريا هانم وأخوها ناقلين حاجتهم هنا." محسن بغضب: "انت أكيد اتجننت." ثريا بغضب مماثل: "أوض خدم إيه اللي عايزني أنقل حاجتي فيها، جرا لعقلك حاجة." يوسف بغضب وهو يقف أمامهم:

"أنا صبري له حدود، بلاش أوريكم الوش التاني واللعب هيبقى بقسوة فعلًا وهتكونوا خسرانين." خرج ريان عن هدوئه واتخاذه دور المستمع لوقت طويل، قائلاً بسخرية مريرة: "كل وشوش يوسف العمري شفناها من زمان وعارفينها وحافظينها صم، أما القسوة فإحنا اتعلمناها منك يا يوسف باشا، وانت كنت أستاذ فيها." نظر له يوسف للحظات بصمت قبل أن يقول بغضب: "مراتي مش هتنزل أوض الخدم، واضربوا راسكم في الحيط." أوس بتحدي:

"مراتك هتنزل أوض الخدم، ولو عندك اعتراض تقدر تنزل معاها، مش هنقولك لأ." أسارة بغضب: "مامي مش هتعمل اللي بتقوله عليه، ولو ع القصر اشبعوا بيه، إحنا هنسيبه ونمشي، مش كده يا بابا." قالتها وهي تنظر ليوسف الذي قال بتحدي وحنان: "صح يا روح بابا." ذلك الحوار الصغير الذي دار بين الاثنين للحظات وبكلمات بسيطة شق قلب الخمسة لنصفين، سبب لهم جرحًا غائرًا آخر. حنون على تلك الغريبة، وقاسٍ بلا قلب معهم. ابتسم أمير بسخرية قائلاً

بثقة وهو ينظر لثريا ومحسن: "نظر يوسف لثريا التي صرخت قائلة: مش هسيب بيتي ليكم، وهفضل في أوضتي وابقى وروني هتعملوا إيه يا ولاد ليلى." أدم بقوة: "يا أوض الخدم يا تطلعوا بره القصر خالص، قدامكم لحد المغرب يا تطلعوا يا تفضلوا بقواعد." أسارة بغضب: "ما تقول حاجة يا خالو انت وماما ساكتين ليه، هتفضلوا قاعدين هنا فعلاً؟ ردوا عليا." محسن بغضب: "انزلي من على وداني دلوقتي يا سارة، مش فايقلك." حياة بسخرية وهي تنظر لمحسن وثريا:

"براحة عليها يا محسن، دي حتى بنتك."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...