تحميل رواية دلال حرمت على قلبك بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمام يخت عملاق بمدينة الساحل كانت تقف، كبرت دلال عام أخر وتعلمت به الكثير وعانت به أكثر وأكثر، زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وخبرة بحياة النساء، خلعت ثوب البراءة والآن انطبع عليها إسمها وأخذت منه كل صفاتها. "دلال" إسم على مسمى صاحبة جمال مميز نادر، بشرة سمراء ناعمة بها لمعة الماسية، عيون واسعة تزينها بكحل يتبروز من حولها، عدسات بلون غريب بين الأزرق والأخضر تخفي خلفها لونها البني الداكن، خصلات بنية طويلة مموجة جعلتها مثل أحدي البطلات الكرتونية. خلفها حقيبة متوسطة الحجم بها القليل من الملابس، وبجوار...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الأول 1 - بقلم شيماء سعيد
أمام يخت عملاق بمدينة الساحل كانت تقف، كبرت دلال عام أخر وتعلمت به الكثير وعانت به أكثر وأكثر، زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وخبرة بحياة النساء، خلعت ثوب البراءة والآن انطبع عليها إسمها وأخذت منه كل صفاتها.
"دلال" إسم على مسمى صاحبة جمال مميز نادر، بشرة سمراء ناعمة بها لمعة الماسية، عيون واسعة تزينها بكحل يتبروز من حولها، عدسات بلون غريب بين الأزرق والأخضر تخفي خلفها لونها البني الداكن، خصلات بنية طويلة مموجة جعلتها مثل أحدي البطلات الكرتونية.
خلفها حقيبة متوسطة الحجم بها القليل من الملابس، وبجوارها مسعد مدير أعمالها وصديقها الصدوق، كانت عينيها متعلقة باليخت لتري أن بينهما وبين أيوب رسلان خطوة واحدة.
أهتزت متذكرة بعد وفاة خالد بأسبوع.
فلاش باك.
أمام فيلا رسلان تم إلقاء جسدها كأنها مرضي معدي لأبد من التخلص منه، بكت ترجت الحارس بأن يعطي لها فرصة واحدة تتحدث بها مع السيد "أيوب رسلان".
قذفها بعنف مردفاً:
_ غوري من هنا يا بت أنتِ الباشا مش موافق يشوفك.
يستحيل أن يكون إنسان ويحمل بداخله هذا الكم من القسوة، تعلقت بساق الحارس مردفة برجاء:
_ أدخل له تاني، قوله دلال مرات المرحوم خالد أرجوك قوله يرحمني أنا حياتي في أيده.
من أين تأتي الرحمة بداخل قلوب لا تعلم عنها شئ.
ظلت تبكي وتصرخ دون أن يسمع إليها أحد، تعبت ذهب صوتها وتخلي عنها جسدها ففقدت الوعي، فاقت بها بساعات لتجد نفسها بداخل أحدي المستشفيات الحكومية.
أنتهي الفلاش باك.
فاقت على صوت مسعد الحنون:
_ يلا بينا نمشي من هنا دلال.
تذهب وتترك كل هذا.
يستحيل، رفضت بحركة بطيئة من رأسها وقالت:
_ مش همشي من هنا يا مسعد إلا لما بيكي عليا، هحرق قلبه بالنار زي ما فضل قلبي محروق سنة كاملة، خالد مات وماتت معاه كل حاجة حلوة جوايا، سبت كليتي وبقت مغنية من فرح لفرح لولاد الأكابر، حتي أهالي خايفة أرجع لهم، أنا مش هسيب حقي يا مسعد هطلع من الليلة دي يا قاتل يا مقتول.
أكتفت من الحديث، كانت تقول هذا لتعطي لنفسها القوة، تركت حقيبتها حتي يحملها مسعد وصعدت لليخت بخطوات واثقة.
قابلت بأول طريقها منظم الحفل، فابتسمت أقترب منها بأعين تعلم ما يختفي بها، نظرة إعجاب، نظرة بها الرغبة تراها بأعين الجميع وتعلم كيف تتعامل معها على حسب رغبتها.
مدت يدها إليه فانحنى مقبلها بلهفة مردفاً:
_ المكان نور يا دلال.
_ عارفة.
قالتها بثقة كبيرة وسحبت كفها منه مردفة:
_ أوضتي فين محتاجة أحضر نفسي قبل ما الحفلة تبدأ.
حفل كبير فخم ليس به إلا عضو واحد "أيوب رسلان" رجل يحب بين كل حين وأخر يرفه عن نفسه مع إمرأة جميلة، بهذا اليخت يختار نسائه بعناية من بين الممثلات ونساء المجتمع الراقي، زواج على يد محامي وبعدها يحدث الطلاق على يد نفس المحامي.
تقدم منظم الحفل "شوقي" أمامها ثم أشار إليها على باب الغرفة، أخذت نفس عميق وأخذت الحقيبة من مسعد ودلفت.
أغلقت الباب عليها بهدوء وأخيراً قدرت على إظهار توترها، خائفة ولا تستطيع أن تنكر هذا الخوف مهما حاولت.
دارت بعينيها بالغرفة وجدتها راقية بألوان عصرية، وقعت بنظرها على أكثر من صورة لشخص واحد وبالطبع علمت من هو، رسمت على وجهها إبتسامة ساخرة وقامت بخطوات بطيئة لتقف أمام إحدي الصور.
عجيب يبدو شاب صغير كيف تخطي عامه الأربعين. وسيم، قوي، جذاب، وفوق كل هذا يبدو أنه شرس.
حربها معه ستكون نارية وهي أصبحت تعشق اللعب بالنار، رفعت أحد أصابعها ومررتها على ملامحه مردفة:
_ الغدر باين على ملامح وشك من غير ما حد يدور عليه، إزاي خالد كان إبن أخوك وهو ملاك، كان بيخاف عليا من الهوي لو عدي من جانبي كان سندي وضهري، كل حاجة وحشة حصلت لينا إحنا الأتنين كانت بسببك أنت، أوعدك تدوق على أيدي الوحش كله.
وعدته وقلبها يقسم بالتنفيذ، أقتربت من حقيبتها وأخرجت منها فستان ستان من اللون الزيني بحملة رفيعة أبرزت جمال مقدمة صدرها، تركت لشعرها حرية الحركة على ظهرها، انتهت وألقت على نفسها نظرة راضية قائلة:
_ لايق عليا أبقي دلال أيوب رسلان.
***
بقصر رسلان.
بجناح من الطراز الكلاسيكي الأنيق، نجد أيوب رسلان ينام مغلق العينين بداخل حوض الاستحمام، مستمتع بدفئ ورائحة المياة الفواحه بالورود، دقائق مرت عليه وبعدها فتح عينيه.
كلمة رجل قليلة بوصفه، لديه من الهيبة ما يجعله سيد الرجال، قام من محله ساحباً روب الإستحمام وضع على جسده وبعدها أخذ منشفة صغيرة يجفف بها خصلاته.
بعد عشر دقائق كان بالاسفل متجه للخارج فسمع صوتاً محبب لقلبه يقول:
_ رايح فين يا عمو.
توقف ودار بوجهه إليها، رسمت إبتسامة حنونة على معالمه وقال:
_ حنين هانم صاحية لحد دلوقتي ليه.
"حنين محمد رسلان" فتاة صغيرة جميلة مدللة قلب عمها وكانت روح أخيها المرحوم، بيضاء بوجه مستدير وقامة متوسطة.
أقتربت من أيوب بخطوات مترددة وقالت:
_ هو أنا ممكن أطلب منك حاجة يا عمو بس اوعدني ما ترفضش.
بدأت بطلب ويعلم أن الأمر سينتهي برفض، أومأ إليها بهدوء وقال:
_ إيه هي الحاجة.
هدوءه هذا يبث بداخلها الرعب، نظرته المنتظرة جعلت جسدها يرتجف فعادت خطوة للخلف قائلة بتقطع:
_ خلاص شكل حضرتك مشغول دلوقتي ممكن نتكلم الصبح.
خطت خطوة واحدة مبتعدة لم تتحرك الثانية مع نبرته القوية:
_ حنين.
أخذت تحذير صريح، سلمت أمرها لله وقالت بنبرة منخفضة:
_ كنت عايزة استأذن حضرتك أطلع من الجامعة بكرا واروح ازور مامي.
هنا أنتهي هدوءه، كان ينتظرها تتحدث ليتأكد من شكوكه، أشار إليها بالصمت وهي نفذت ثم قال:
_ كام مرة أقولك إن أمك ماتت مع أبوكي.
ترقرقت بعينيها الدموع كل ما يحدث الآن يرعبها، صرخ بغضب أكبر:
_ انطقي.
بكت وقالت من بين شهقاتها:
_ يا عمو مامي عايشة، أنا عارفة ان حضرتك مش بتحبها عشان اتجوزت بعد بابي ما مات لكن هتفضل مامي وأنا عايزة أشوفها، مش كفايه عليا اتحرمت من خالد وبابي.
بقسوة معتاد عليها الجميع منه قال:
_ لو عايزة مامي تفضل عايشه يا روح عمو يبقى الأفضل لك ما تجيبيش سيرتها قدامي تاني، على اوضتك حنين.
_ بببسس.
_ على اوضتك.
إختفت بنفس اللحظة، أخذت قهر قلبها وفرت من أمامه، أغلقت عليها باب غرفتها بجسد مرتجف وألقت بجسدها على أرضية الغرفة، ظلت تبكي لأكثر من عشر دقائق حتي سمعت رنين هاتفها.
رنة مميزة لشخص أكثر من مميز، شعرت بالقليل من الأمان وفتحت الخط، جاء إليها صوت خشن حنون يقول:
_ حبيبي وحشني.
وصل إليه شهقاتها فقال بقلق:
_ مالك يا حنين بتعيطي ليه.
أخيراً وجدت شخص يسألها عن ما يؤلمها، كأنها أخذت إشارة مباشرة بالانفجار أرتفعت شهقاتها أكثر وبكت أكثر وأكثر، تركها الطرف الآخر تأخذ راحتها وبعدها قال:
_ ارتحتي.
أومات ببراءة وقالت:
_ شكراً يا آدم على وجودك في حياتي.
_ العفو يا روح قلب أدم ممكن أعرف بقي القمر بتاعي مين زعله.
_ عمو.
قالتها بحسرة جعلت الآخر يشتعل، قائلا:
_ عمل إيه تاني أيوب.
_ رفض يخليني اشوف مامي وهددني قالي لو جبتي سيرتها تاني هموتها وانا عارفه ان عمو يقدر يعمل كده، أنا تعبت والله العظيم فيها إيه يعني لما تتجوز مش ده حقها يا ادم هي ما عملتش جريمة.
وصل إليها صوته الحنون يقول:
_ معلش يا حبيبتي أنتِ عارفة أيوب متعلق بيكي إزاي ومن وقت وفاة خالد الله يرحمه وهو بيخاف عليكي جامد، الموضوع مالوش دعوه بجواز مامتك لانه كان بيوديكي ليها مع خالد وهو عايش.
ذمت شفتيها بقلة حيلة ثم مسحت على خصلاتها بتعب مردفة:
_ امال مش موافق ليه دلوقتي.
لا يعلم ما يمكنه قوله ولكنه قال:
_ ما قولت لك بيخاف عليكي عارف كويس أوي ان جوزها راجل مش كويس، انا عايز بس حبيبتي الحلوة تشيل كل الافكار دي دماغها وأنا أوعدك أتكلم مع أيوب يخليكي تشوفيها.
بسعادة قالت:
_ بجد يا آدم.
_ بجد يا قلب أدم، ها الجميل ناوي يحن عليا وييجي الشقة أمتي.
رفضت بحركة سريعة من رأسها كأنه يقف أمامها ويراها ثم قالت بغضب:
_ أنا مش ههرب من المدرسه تاني عشان اجي اقابلك يا ادم ومراتك مش موجودة في البيت الإحساس ده بيضايقني ومش حلو.
سمعت زفرته المعبرة عن ضيقه وبعدها قال:
_ ماشي يا حنين براحتك أنا لأزم أقفل دلوقتي.
أغلق الهاتف بوجهها وألقي به على أقرب مقعد، تحاول دائماً الإبتعاد عنه بطريقه مستفزة لمشاعره.
ادم صفوان رجل بالخامسة والثلاثون، متزوج من إمرأة جميلة، راقية، حنونة تعشقه، لديه بدل الطفل ثلاثة أكبرهم بالصف السادس الابتدائي، طبيب نفسي بدأت حكايته مع عائلة رسلان بعد وفاة خالد ليكون طبيب حنين الخاص.
شعر بلمسة زوجته على عنقه فابتسم إليها بحنان مردفاً:
_ إيه إللي قلق نومك.
أعطت إليه ابتسامة رائعة وقالت:
_ حسيت بيك لما قومت فكرتك هتروح الحمام ولما طولت جيت لك، قولي بتعمل إيه في أوضة المكتب دلوقتي يا دكتور.
جذبها لتجلس على ساقه ودفن رأسه بمقدمة عنقها الناعم هامسا بصوت مغري لأي إمرأة:
_ تليفون شغل محبتش أقلق نومك معايا.
مررت يدها على خصلاته القصيرة بلمسة حنونة ثم طبعت قبلة تدل على رقة صاحبتها مردفة:
_ أقلق نومي زي ما أنت عايز يا روحي.
أثارته. نعم قدرت على إثارته من مجرد لمسة، همسة، آدم رجل شغوف بالعلاقات، خبير بها يتميز بقدرته على إرضاء أي إمرأة مهما كانت ترغب، حملها بالقليل من العنف وهمس بوقاحة:
_ مادام النوم راح من عنينا احنا الاتنين يبقى نضيع وقتنا في حاجه حلوة.
***
باليخت.
حضر أيوب، رآه مسعد وشعر بندم على موافقته لها، ما وضعت نفسها به جنون وبكل أسف فات أوان الهروب منه، جلس أيوب على مقعد صنع خصيصاً إليه، وضع ساق فوق الآخر مشيرا لشوقي بأحد أصابعه، أقترب منه سريعاً وقال:
_ نبدأ يا باشا.
فقط أغلق عينيه وفتحتها بأقل من لحظة، فهم الآخر طلب سيده فأسرع بالذهاب لغرفة دلال، دقة والثانية والثالثة جعلته يرتجف من فكرة التأخير فدق بقوة أكبر حتي وصل صوتها الناعم أخيرا له:
_ خير.
_ الباشا وصل يا دلال يلا.
_ لأ.
قالتها بدلال مفرط ويدها تمر على فخذها بكريم مرطب، ضرب شوقي على الباب بخوف وقال بنبرة منخفضة:
_ هو إيه إللي لأ يا دلال.
بعد ما قعدتي تتحايلي عليا شهر عشان اجيب لك الفرصة دي تقولي لأ.
هنا ما بتجيش غير النجوم يا دلال وأنا اتحملت مسؤولية إني أجيب واحدة محدش يعرفها عشان عارفك حلوة وذكية.
بنعومة قالت:
_ ما هو عشان أنا حلوة وذكية بقول لك لأ يا شوقي، أنا معادي الساعه 12:00 ودلوقتي 11:45 خلي الباشا يفضل قاعد لحد ما وقته ييجي.
ما هذا الجنون. تلك الفتاة تريد الوصول لنهاية عمرها اليوم.
كان سيتحدث ولكن صوت أيوب جعله ينتفض من محله:
_ شوقي.
لو مات شوقي الآن ستكون نعمة من الخالق إليه، ركض لمحل أيوب وقال:
_ هي ثواني بتجهز يا باشا.
_ وأنا من أمتي بستني لما حد يجهز. أنت جرا لعقلك إيه ومين دي أساساً.
_ دلال.
قالتها بنعومة ودلال، صوت مميز رقيق اثار أيوب قبل أن يراها، أشار لشوقي بالانصراف ورفع نظره إليها، إمرأة كاملة الأنوثة، بدأ يمرر عينيه على كل جزء منها من أول شعرها حتي وصل لاظافر قدميها ولونهما البني، أعجب بها من نظرة نعم، قدرت على جذبه. نعم وألف نعم، طالت فترة تأمله.
فاقتربت منه أكثر ووضعت مقدمة بذلته بين أصابعها مردفة:
_ حضرتك جاي بدري يا باشا وأنا دايما مواعيدي مظبوطة بس المرة دي وعشانك هبدأ بدري.
أعطت إليه النعيم بقربها لحظات وبعدها أبتعدت مشيرة لمسعد فنظر للفرقة الموسيقية وبدأت هي بغناء أغنية "آخر إصدار".
أمام عينه الآن جنية ناعمة مبهرة تتمايل بجسد رشيق باحترافية عالية، مالت عليه ليسقط شعرها على وجهه فأبعدت المايك عنها وهمست بالقرب منه:
_ أنا، أنا إسمي لوحده تقيل حقيقية ومش تمثيل
وجمالي طبيعي يجنن مرسومة أنا بالتفصيل
أنا نُص الكون بيدور حواليّ في صفي ودول
واللي بيغير يتفضل يحجز عند الدكتور
(أنا آخر إصدار (إصدار
(واحدة ماليش تكرار (تكرار
هتشوفني هتنهار
ثقة في الله مش بتغر
(جاية من المريخ (مريخ
(إسمي لوحده تاريخ.
رأت بعينيها نجاح أول خطوة بطريقها الطويل فعادت للخلف تكمل عملها، كان ثابت مستمتع ومنتظر منها المزيد، بنظرة من عينه أقترب شوقي من مسعد مردفاً:
_ يلا بينا مهمتنا كدة خلصت.
أشعلت عين مسعد من الغضب وقال:
_ أنت مجنون يا جدع أنت مهمة إيه اللي خلصت. دلال جاية هنا تغني وبس ولما تخلص هاخدها ونمشي.
وصل حديثه بدلال فألقت إليه غمزة جعلته يحرك رأسه بقلة حيلة ويذهب، ظلت تتمايل مع كلمات الأغنية وهو يشاهد حتي جذبها لتسقط بالقرب منه مردفاً:
_ كدة كفاية يلا أمضي.
حركت كتفها بغنج وهمست:
_ تؤ كدة أنا شطبت.
رفع حاجبه بتعجب مردفاً:
_ يعني إيه.
جذبته من ربطة عنقه لينزل لمستواها وهمست بنعومة:
_ يعني انا شغلتي هنا مغنية وبس يا باشا الباقي بقى مش بتاعي.
يبدو إنها تلعب وهو يحب اللعب، جذبها من خصرها لتجلس على المقعد بجواره وقال:
_ أيوب رسلان ما ينزلش لحد، لكن لو عايز حد مفيش مانع يخليه يطلع له شوية.
ابتسمت ومعني حديثه واضح أمام عينيها مثل الشمس، أومات إليه مردفة:
_ وأنا مليش مزاج اطلع لو أنت شوقك هفك أوي يبقى تنزلي يا باشا.
سند بظهره على مقعده براحة وبحركة بسيطة من طرف أصابعه قال:
_ أمشي.
للحظة شعرت بالهزيمة من تخليه عنها بتلك البساطة، عضت على شفتيها لتأخذ القليل من القوة وبعدها قالت بهدوء:
_ حسابي يا باشا وإلا أنت فيك من غدر.
أومأ إليها بهدوء:
_ امممم فيا من غدر بس عشان عجبتيني. اوعدك اني هوصل لك الحساب لحد بيتك بنفسي قولتيلي اسمك ايه.
_ دلال يا باشا اسمي دلال.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء سعيد
بعد مرور يومين..
أمام البوابة الرئيسية لمدرسة حنين توقفت سيارة آدم صفوان. ظل ينتظرها عشر دقائق حتى رآها تخرج بمفردها مثل عادتها. فتح زجاج السيارة ثم أشار إليها بالاقتراب. أصابتها رجفة خائفة وعيناها محتارة بينه وبين سيارة عمها بالسائق الخاص بها.
حركت رأسها برفض ليجز على أسنانه من الغيظ ويقوم بالاتصال عليها. فتحت الخط لتسمع صوته الغاضب:
_ هو إيه اللي لأ يا حنين بقولك تعالي؟!
أخذت نفسها بتوتر وقالت:
_ أجاي فين يا آدم؟!.. عربية عمو مستنياني ولو اتاخرت خمس دقايق بس السواق هيقوله بلاش جنان وأمشي من هنا. وأنا لما أروح هبقى أكلمك..
ضرب عجلة القيادة بغضب وقال:
_ هخلي أنجي تروح يومين عند مامتها وتعالي بالليل. وحشتيني..
قال كلمته الأخيرة بنبرة حنونة يذوب بها قلبها. ابتسمت وقالت:
_ ماشي يا حبيبي. أمشي دلوقتي وهكون عندك بالليل..
أغلق الهاتف براحة نفسية شديدة. حنين لعبة لذيذة بين يديه يحركها كما يشاء وهذا ما يزيد تعلقه بها. أغلق زجاج سيارته وذهب من المكان لتقول بقلة حيلة:
_ بحب واحد مجنون..
بالفندق الرئيسي لأيوب رسلان..
كان شوقي يرتجف رعبا. لو خرج من هنا سليم سيأخذ روح دلال. أشار إليه أيوب بالحديث، فقال الآخر بصوت مهزوز:
_ أنا عارف إن حضرتك زعلان يا باشا. أوعدك الغلطة دي مش هتحصل تاني. والبنت هيبقى حسابها معايا..
سند أيوب ظهره براحة أكثر على المقعد وقال:
_ مين البنت دي يا شوقي وحكايتها إيه بالظبط من غير كذب؟!..
حرك رأسه بسرعة البرق مردفاً:
_ دلال دي بنت غلبانة يا باشا. عايشة مع واحدة صاحبتها وجوز صاحبتها يبقى مدير أعمالها. كانت أمنية حياتها تشوفك على الحقيقة يا باشا. فضلت شهرين تتحايل عليا عشان تيجي حفلة اليخت. معرفش ليه عملت كدة في الآخر يا باشا والمصحف..
أخذ نفس عميق وقال:
_ عايزها في الحفلة بتاعت افتتاح الفندق الجديد الليلة..
_ إيه؟!..
_ نفذ المطلوب منك وبس يا شوقي. ده لو عايزني أنسى المصيبة بتاعتك..
أومأ بلهفة:
_ اعتبره حصل يا باشا..
خرج شوقي وهو يشعر أنه عاد للحياة من جديد. أما أيوب، قام بالاتصال على حارسه الخاص مردفاً:
_ خمس دقايق وتكون عندي يا مصطفى..
بعد أقل من خمس دقائق دلف مصطفى. رجل قوي البنية ببشرة سمراء بمعالم وجه خشنة. ضابط شرطة مستقيل صديق أيوب. رغم فرق العمر بينهما إلا أنه يعتبره شقيقه الأكبر. جلس على المقعد أمامه مردفاً بقلق:
_ مالك يا أيوب. شكلك مش طبيعي؟!..
مسح على خصلاته السوداء وقال بضيق:
_ أنا عايز أعرف كل حاجة عن البنت المغنية بتاعت اليخت..
_ مالها؟ سرقت منك حاجة؟!..
زفر بقوة وقال:
_ عايز أعرف عنها كل حاجة يا مصطفى قبل حفلة بالليل..
أومأ إليه بهدوء وقال:
_ ساعتين بالظبط وهتعرف بتدخل الحمام كام مرة..
بمنزل دلال..
أغلق مسعد الهاتف مع شوقي ونظر لدلال بغضب. تعجبت من نظراته فقالت لخلود:
_ ماله جوزك؟!..
حركت خلود كتفها بجهل وأخذت قطعة من البطيخ الموضوع أمامها مردفة:
_ ولا أعرف..
حركت دلال رأسها بمعنى لا فائدة وقالت:
_ أفضلي متعرفش عنه حاجة كدة لحد ما يتجوز عليكي..
صرخ مسعد بغضب:
_ ليكي نفس تهزري بعد المصيبة اللي دخلتي نفسك فيها دي؟!..
ردت عليه بحزن:
_ مهو أنا كدة كدة في مصيبة يا مسعد. ست من غير عقد جواز أو طلاق هيحصل أكتر من اللي أنا فيه إيه؟!..
ضرب مسعد الحائط بغضب:
_ قولتلك أكتب عليكي أنا ونخلص من قصة العقد دي. لكن إزاي لازم تعملي اللي في دماغك وترمي نفسك مع أيوب رسلان..
بلا كلمة قامت خلود من مكانها منسحبة لغرفة نومها. اهتز للحظة فصرخت به دلال:
_ إيه اللي أنت قولته ده يا غبي. عاجبك كدة؟!..
_ محدش بالي من كلامي يا دلال. بس أعمل أي خايف عليكي وده الحل الوحيد بدل ما ندخل النار برجلينا..
_ نار إيه ده على أساس إنه سأل بعد اليخت. ريح نفسك هو نسي إنه شافني أساسا..
رد عليها مسعد بسخرية:
_ نسي إزاي وهو طلب من شوقي تغني في حفلة افتتاح الفندق الجديد بتاعه النهاردة؟!..
بسعادة لا توصف قالت:
_ بجد يا مسعد؟!..
_ أمال هزار. أعتذري يا دلال وابعدي أحسن. أنا مش مطمن..
_ بالعكس ده بعد طلبه ده لازم تطمن. يلا نحضر نفسنا للحفلة..
بالمساء..
بالحفل..
بدأ أيوب استقبال رجل الأعمال وسيدات المجتمع الراقي وعيناه متعلقة بالباب الخلفي منتظر لحظة دخولها. مرت دقائق طويلة وأتت موانا الحقيقة بفستانها الأسود. هذه الفتاة هاربة بالفعل من إحدى الأفلام الكرتونية. لفتت انتباه بخطواتها الواثقة كأنها تقول أنا جميلة وأفتخر. مرت من أمامه وكأنها لا تراه ثم اختفت بالداخل.
أقتربت منه حنين ليقول باهتمام:
_ مالك يا حنون. فيكي إيه؟!..
وضعت يدها على معدتها بتعب قائلة:
_ مش هقدر أكمل الحفلة يا عمو. معدتي بتوجعني..
بلهفة ترك الجميع وضمها إليه. وضع قبلة حانية على رأسها وقال:
_ تعالي نروح سوا..
ابتسمت بحب وهي تراه يترك الجميع من أجلها. رفضت بحركة من رأسها وقالت:
_ مفيش حاجة تستاهل تسيب الحفلة يا عمو. هروح مع السواق أخد برشام المعدة وبعدها هنام لحد ما أرتاح..
_ حبيبة عمها تستحق يسيب الدنيا كلها عشانها..
_ صدقني أنا مش محتاجة غير إني أرتاح شوية..
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ طيب روحي مع السواق وخلي موبايلك مفتاح دايماً عشان أطمن عليكي..
أومأت له ثم أقتربت منه واضعة قبلة خفيفة على خده قبل أن تذهب. بداخلها مشاعر غريبة تمنعها من الذهاب ولكنها لأول مرة تشعر بالعجز أمام طلبات آدم..
خرجت بخطوات مرتجفة لتجد مصطفى بالخارج ينتظرها. زفرت بضيق وقالت:
_ أنت واقف تعمل إيه هنا؟!..
_ هوصلك..
بغضب قالت:
_ لو أنت آخر واحد في الدنيا مش عايزة توصلني..
أخذ نفسه بصبر وقال:
_ حنين بطلي جنان بقى. أنا لحد دلوقتي عامل حساب إنك عيلة صغيرة..
حدقت به بقهر:
_ مهي هي دي المشكلة. أنت مش شايف فيا إلا عيلة صغيرة مع أني كبيرة وحلوة وأحسن راجل في الدنيا يتمنى يبقى معايا..
ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يصعد للسيارة مردفاً:
_ اركبي وبطلي لعب عيال..
كانت تود الصراخ أكثر إلا أن رنين هاتفها حسم الأمر. زين اسم آدم الشاشة لتفتح باب السيارة وتجلس بصمت..
بداخل الحفل بدأت الفقرة الأولى ورائها الثانية والثالثة حتى أتت لحظة دخول دلال. للمرة الثانية تبهره بطلتها. للحظة رغب بأخذها من أمام الجميع. أرسلت إليه غمرة شقية وبدأت بالغناء:
ما تيجي نرقص، نرقص، نرقص
تيجي، تيجي، تيجي
يلاه، يلاه، يلاه
تسهر، تسهر، تسهر
ما تيجي نرقص رقصة مفيش بعدها قاعدة
ونلم أصحابنا وحبايبنا أنا وإنت ونعمل قاعدة
ده أنا حبيتك، حبيتك وحياتك على قلبك قاعدة
ما تيجي نسهر سهرة مفيش بعدها نومة
عذالنا لما يشوفوا حالنا مش هتقوم لهم قومة
وأنا حبيتك، حبيتك مش هرضى في غرامك لومة
يا حبيبي ما تيجي وتيجي زي ما تيجي
يا حبيبي ما تيجي وتيجي زي ما تيجي
دي اللحظة الحلوة، الحلوة فين لما بتيجي
وتيجي زي ما تيجي..
تلعب به وهو يرى ويعلم. تدور حول طاولته وتدلل بالقرب منه. شعر بها وهي تأخذ نفس من رائحة عطره بدلال واضح. أخذ نفسه بثبات وتركها تفعل ما بوسعها. انتهت فقرتها لتجلس على المقعد الخالي أمامه مردفة:
_ مغرور أوي أنت يا باشا؟!..
رفع حاجبه بتساؤل مردفاً:
_ وده بقى عرفتيه منين؟!..
حركت كتفها بغنج وقالت:
_ الناس كلها خايفة تقعد على نفس الترابيزة تبقى أكيد شرير..
ضحك بخفة وقال:
_ اممم. وأنتِ بقى قاعدة معايا على نفس التربيزة ليه، مش خايفة زيه؟!..
_ تؤ مش خايفة. نسيت أقولك يا باشا أن معنديش حاجة أخسرها. تاني حاجة بقى أنا كمان شريرة ويتخاف مني..
_ اممم. يتخاف منك فعلاً يا دلال. أنتِ خطيرة..
أشارت إليه بأصابعها وقالت:
_ تالت حاجة إن أنا الوحيدة في القاعدة دي اللي أيوب رسلان مديون ليا بفلوس. يبقى أقعد بمزاجي والا لأ؟!..
فلتت منه ضحكة نادرة وقال:
_ هجيب لك الفلوس لحد عندك يا دلال. اللي مع أيوب رسلان يزيد..
_ قد كلمتك يا باشا..
قالتها بثقة جعلته ينتبه إليها أكثر ويضعها برأسه أكثر وأكثر. ألقى نظرة سريعة على المكان من حوله ثم قام من محله. سحبها معه للداخل..
بعد ثواني كانت معه داخل مكتبه. جسده يقترب وجسدها يبتعد بفرار حتى حصرها بين جسده والمكتب مردفاً بقوة:
_ خليتي شوقي يجيبك على اليخت ليه لما مالكيش في الجواز؟!..
حدقت بعينيه وقالت بصدق:
_ مهو العرفي طلع مش جواز..
قالتها وكأنها تقولها لنفسها. تذكر عقلها بلحظة غباء جعلتها الآن تخطط وتلعب بالنيران حتى تستطيع الوصول. همس بنبرة خشنة:
_ أمال جيتي النهاردة ليه وأنتِ عارفة إني طلبتك بنفسي؟!..
رفعت جسدها للخلف قليلاً حتى جلست على ظهر المكتب وقالت:
_ عشان أشوفك..
_ أنتِ حاجة من الاتنين يا أما واقعة يا أما عايزة توقعيني..
رفعت أصبعين أمام عينيه وقالت:
_ الاتنين...
أبتعد عنها فجأة وجلس على أقعد مقعد واضعاً ساق فوق الأخرى:
_ عينك بتقول أنك كدابة..
_ يعني إيه؟!..
_ شايف أنك عايزة توقعيني وأيوب رسلان ميقعش..
بالقرب منه وقفت وثبتت عينيها على عينه مردفة:
_ وأنت كمان عينك بتقول إنك كداب يا باشا. ومن ناحية أنك وقعت فأنت وقعت من غير أي مجهود..
_ أمشي..
للمرة الثانية يقولها لها وللمرة الأولى تخرج دون حديث ليقول بتعب:
_ ماشي يا دلال..
بمنزل آدم..
دقة على الباب برهبة تتمنى لو ينسى فكرة قدومها. وبكل أسف كأنه كان يقف خلف الباب ينتظرها. فتح سريعاً وسحبها للداخل بلهفة. أغلق الباب عليهما وحصر جسدها بينه وبين الباب مردفاً بشغف:
_ الحلوة بتاعتي حرمني أشوف العيون دي أسبوعين كاملين..
وضعت يدها على صدره تمنعه من الإقتراب منها أكثر وقالت بنبرة مرتجفة:
_ أبعد شوية يا آدم. أنا بقيت بتضايق من الحاجات دي..
أقترب منها أكثر وهمس أمام شفتيها بنعومة:
_ لما بتبقى بين أيدي بتبقى مبسوطة يا حنين. بتكذبي ليه وعايزة تبعدي ليه؟!..
قلبها يشعر بالضيق. تحب وجوده معها وشعوره الدائم بما يؤلمها قبل أن تقوله ولكن هذا القرب ترفضه. حركت رأسها برفض مردفة:
_ مش عارفة. ببقى مبسوطة ليه بس بعد كدة مش بكون مرتاحة. اللي إحنا بنعمله ده حرام. أنا مش مراتك..
يبدو أن أحدهم لعب بعقل الصغيرة وغير أفكارها. غير رسمة لونها هو كما يشاء. حاول التحلي بالصبر وقال:
_ مش حرام. إحنا مش بنكمل للآخر. متخافيش يا حنين محدش بيخاف عليكي قدي..
عقلها تلك المرة يرفض الاقتراب. قلبها بعد وقوفها أمام مصطفى يرغب بالرحيل. حملت حقيبتها مقررة الذهاب مردفة:
_ أنا عايزة أمشي يا آدم. مش عايزة القرف ده..
تتقزز من قلبه؟!.. يستحيل هذا فهي كانت عاشقة لهذا القرب. يبدو أن الطبيب يحتاج إلى طبيب. تحول فجأة لشخص آخر وسحبها من خصلات مردفاً بغضب:
_ هو إيه اللي قرف يا روح أمك ده. أنتِ بتدوبي فيا يا بت. طيب إيه رأيك مش هتطلعي من هنا بنت إلا على جثتي..
كان وحش انقض عليها يحاول أكلها بكل الطرق. ارتعبت من الفكرة شعرت إن عالمها يدور بها. قاومت قربه بكل قوتها ليحمل جسدها ويلقي به على أرضية الصالة ويضع جسده فوقها. شفتيه تأكل الأخضر واليابس صرخت برجاء:
_ أبعد عني يا حيوان بدل ما أقتلك. والله العظيم هقتلك يا آدم قبل ما تقرب مني..
_ أنتِ أضعف من كدة بكتير. أنتِ لعبة خيوطها في أيدي يا بنت رسلان..
جردها من بنطلونها شعرت ببداية زلازل بداية النهاية. حدقت حولها بضياع حتى وجدت سكينة الفاكهة فوق الطاولة. سحبتها وبلحظة كانت تضعها بمنتصف عنقه من الخلف..
بصباح اليوم التالي..
بمنزل دلال..
فتحت عينيها بضجر. باب المنزل يصر على ذهاب النوم منها. ألقت نظرة عابرة على ساعة الحائط لتجد الساعة الثانية بعد الظهر. مسحت على وجهها ثم زفرت بضيق والباب يدق من جديد. أين مسعد وخلود لا تعلم. قامت من محلها بخطوات ثقيلة ثم سحبت روب من الستان الأسود ووضعته فوق بجامة نومها عارية الكتفين.
فتحت باب المنزل ويا ليتها لم تفعل. أيوب رسلان يقف أمامها بكامل هيبته. ما هذا؟!.. ما هذا حقا؟!.. كان يأكلها بعينيه. رؤيته لها وهي مستيقظة من نومها بها متعة رائعة. دون أن تعتني بنفسها تملك هذا القدر من الإثارة. هذه المرأة نعيم لابد من الدخول إليه. تلونت بشرتها باللون الأحمر وأصاب عمودها الفقري رجفة متوترة قبل أن تقول:
_ أيوب باشا؟!..
أومأ إليها بهدوء ثم قال:
_ مش ناوية تقوليلي اتفضل والا إيه؟!..
بقلة حيلة أفسحت له مجال فدلف بخطوات ثابتة وبعدها دفعها بعيداً بخفة مغلقاً الباب عليهما. بداخلها شيء انتفض شيء يحثها على الهروب من أمامه لضمان سلامتها. أخذت عينيه تتجول بالمنزل لعد ثواني ثم دلف لغرفة الصالون وجلس على الاريكة الكبير ليريح ظهره مشيراً إليها بعينيه مردفاً:
_ مظبوط..
_ هي إيه؟!..
قالتها لعلها تستوعب ما يحدث فأبتسم قائلاً:
_ قهوتي مظبوط..
قهوة؟!.. ينتظر منها أن تفعل إليها فنجان من القهوة بحالتها تلك؟!.. كيف آت بعنوانها ولما يجلس أمامها الآن؟!.. دلال،، أين قوتك؟!.. كيف قدر على أفقادك السيطرة على تفكيرك وردود أفعالك بتلك الطريقة؟!.. أنسحبت للمطبخ لتسند ظهرها على الحائط مردفة:
_ اه يا أبن الجزمة. رعبتني. استني عليا..
بدأت بأعداد القهوة وبعد دقائق خرجت إليه بها. اتسعت عيناها وهي تراه يريح جسده على فراشها. دلفت لغرفة نومها بغضب مردفة:
_ إيه اللي بيحصل ده؟!..
فتح عينيه بهدوء وقال:
_ إيه اللي بيحصل؟!..
_ حضرتك بتعمل إيه في اوضة نومي؟!..
_ جاى أتفق معاكي إتفاق مش هينفع إلا في أوضة النوم..
ماذا؟!.. يبدو إنه يملك قدر عالي من الوقاحة. لفتت منها ضحكة ناعمة وقالت:
_ لو عايز نتفق يبقى في الصالون يا باشا. هواها بحري..
عادت تملك زمام الأمور. خرجت من الغرفة وجلست على أحد المقاعد بالصالون تجبره على تنفيذ أوامرها. ثواني ورأته يأتي خلفها سألها بهدوء:
_ متعودة كل ما الباب يخبط تطلعي كدة؟!..
مررت نظرها على ملابسها وقالت بابتسامة:
_ تؤ. ده من حظك الحلو يا باشا مش أكتر. مش غريبة شوية؟!..
_ هي إيه؟!..
_ أنك تجيب العنوان بتاعي وتيجي لحد عندي بنفسك يا باشا؟!..
جلس ووضع ساق فوق الأخرى ثم قال:
_ مش كان في بنا حساب. قولتلك هجيبه لك بنفسي؟!.. وأنا راجل قد كلمتي..
أومأت إليه بثقة قائلة:
_ وده بقى حساب ليلة اليخت والا إمبارح. ديونك كتر يا باشا..
أشار إليها باثنين من أصابعه وقال:
_ الاتنين..
بعدها أخرج من جيبه دفتر الشيكات وكتب به ثم قدمه إليها مردفاً:
_ كدة حسابنا خلص..
صدمت من المبلغ المكتوب وقالت:
_ خمسة مليون جنية؟!.. دول بتوع إيه. أنا حسابي أربعين ألف..
تلعب معه وهو يعلم. فعلت كل شى حتى يأتي إليها بنفسه والآن تمثل الصدمة. أومأ إليها مردفاً:
_ الباقي دول بقى أنا عايز مقابل ليهم..
مقابل؟!.. ببراءة شديدة قالت:
_ اللي هو إيه؟!..
_ تشتغلي معايا..
تعمل معه؟!.. هل هذا ما يريده العمل معها؟!. رغم اهتزازها الداخلي إلا أنها قالت:
_ وشغل إيه اللي مرتبه خمسة مليون جنية؟!..
_ تدلعيني...
_ نعم؟!..
_ تدلعيني يا دلال. عايز ابقي مسحور بيكي زي خالد كدة..
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد
أصابتها لحظة رعب، جسدها تجمد، كانت من البداية تعلم مدى ذكائه، هي على يقين من معرفته بهويتها ولكنه علم أسرع مما توقعت، مهما حاولت التحلي بالقوة ستكون النتيجة واحدة، ظلت صامتة بعد أخر جملة خرجت منه وهو فقط يتابعها بمتعة، رأى بها لحظة ضعف رأى بعينيها قوة تحاول التخفي خلفها، أخذ نفس عميق ثم قال:
_ عملتي المسلسل ده كله من الأول ليه؟
يجب أن تتحدث الآن، بكلا الأحوال إنتهت، أغلقت عينيها عدة لحظات قبل أن تفتحها وتقول بهدوء:
_ مكنش عندي أي طريقة تانية أقابل لك بيها من بعد موت خالد...
قالت نصف الحقيقة والجزء الآخر ستلعب به للنهاية، بداخل صدرها رجفة شعر بها فقال:
_ هعمل نفسي مصدقك يا دلال، أمنيتك أتحققت وأنا قاعد قدامك أهو عايزة إيه بقى؟!..ماذا تريد؟
تريد منه الكثير، حدقت به بهدوء وقالت:
_ عايزة عقد جواز يثبت إني كنت متجوزة، خالد لما عمل الحادثة كان معاه ورقتين الجواز.
_ وانا ايه اللي يجبرني اربط اسمي بأسمك؟!.. بعد ما رفضتك لإبن أخويا.
سؤال قاسي خرج منه بطريقة وقحة، فوقاحة بوقاحة يأخذ ردها:
_ لأنك هتموت عليا، مش ده سبب كافي؟
_ كافي أوي.
قالها بنبرة تعجبت لها، كانت منتظرة رفضه لها مثلما رفضها لخالد، حتى عندما ردت عليه كانت فقط تحاول تمثيل القوة، قبوله السريع هذا جعلها تشعر بالخوف، جذب الشيك من بين أصابعها وقام بقطعه مردفاً:
_ ده كدة ملوش لازمة مافيش بين الست وجوزها فلوس.
يبدو أن الأمر يزيد خطورة، أخذت نفسها ببطء لعلها تقدر على السيطرة على دقات قلبها وقالت:
_ ناوي على إيه دلوقتي؟
_ ولا حاجة ناوي أتجوزك.
بتلك البساطة يتزوجها؟ كيف هذا؟ سألته بنبرة مرتجفة:
_ بالسهولة دي؟
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ عجبتيني وأبقي كداّب لو قولت غير كدة، أنتِ محتاجة عقد جواز وأنا ليا مزاج فيكي، يبقي إللي له مصلحة عند التاني يمد أيده يأخدها.
سرعته تشعرها ببداية خطر، ما تسمعه الآن كانت تخطط من أجله ولكن عند تحقيقه علمت إلي اين وصلت بنفسها، سألته:
_ هتعمل ليا فرح؟
كانت تتمني الإجابة بنعم، سؤال عجيب لا تعلم لما خرج من بين شفتيها لكن قلبها رغب بمعرفة الإجابة، ضحك قبل أن يقول بجبروت:
_ فرح إيه يا دلال؟!.. عقلك راح بيكي لبعيد أوي، اللي بينا مأذون واتنين شهود ويبقى كتر ألف خيري على كدة.
زواج سري من أجل رغباتهم، ربما لم يقولها بشكل صريح وإلا أنها مفهومة أمام الأحمق، أخذ عقلها يفكر بدل المرة مائة، مصيرها الجديد بين يديها وعليها القرار، تخشي السقوط من جديد لكن ما باليد حيلة، أومات إليه بحركة بطيئة من رأسها وقالت:
_ ماشي.
ظهرت معالم الراحة على وجهه، رأت بعينيها إبتسامة منتصرة جعلت قلبها يحترق، أبعدت عينيها عنه ترفض شعورها بالهزيمة تحدث عقلها بصبر " اللعبة مازالت بالبداية دلال والفوز الأخير سيكون لك".
سمعته يقول:
_ بالليل تكوني جاهزة.
_ بسرعة كدة؟
_ امممم شكلك مش مستعجلة على العقد؟
العقد!!. آه وألف آه من هذا العقد، خالد تركها بين يدي هذا اللعين، أتي الآن وقت السؤال الأصعب، هل سيلمسها رجل غير خالد؟ ارتخت أعصابها وأصابها شعور بالرفض، يبدو أن الخطة خرجت من بين يديها إلي طريق مجهول الهوية، سألته برجفة:
_ أنت عايز تقرب من واحدة إبنك كان جوزها حتي لو من غير عقد جواز؟
صحح حديثها ببساطة:
_ خالد كان إبن أخويا، إيه هتحرمي إللي حلله ربنا يا دكتورة؟
دكتورة؟ لقب تخلت عنه مع أشياء كثيرة ذهبت من بين يديها، ترقرقت بعينيها الدموع وهي تري كم خسرت بسببه، هو من جعل حياتها جحيم بكلمة رفض واحدة منه، حدقت به بكره واضح وقالت:
_ متقولش دكتورة دي تاني.
_ سبتي الكلية ليه يا دلال؟
فركت يديها بتعب أعصاب وقامت من محلها مردفة بهدوء:
_ هبقي جاهزة بالليل.
فرت من الحديث، قام هو الآخر وبأقل من لحظة كانت بين يديه شهقت برعب فقال:
_ تلمي كل هدومك لأن من النهاردة البيت ده مش بتاعك.
_ يعني إيه؟
_ يعني مش مرات أيوب رسلان إللي تنام في بيت واحد مع راجل غريب حتي لو كان جوازنا في السر.
على كورنيش النيل.
_ وبعدين بقي يا خلود بقي لي ساعة بحاول أفرد وحشك وأنتِ مصممة على النكد.
بداخلها نيران تخمدها بالصمت، أي كلمة ستخرج منها سيأتي بعدها الإنفجار، زفر بضيق وهو يراها تحدق بعيداً عنها بتصميم عجيب على فعل مشكلة فقال:
_ جبتك على الكورنيش زي ما بتحبي واكلتك الدرة وبقى لي ساعه عماله اقول لك في شعر ممكن بقى اعرف حبيبتي زعلانه مني ليه؟
انفجرت بغضب:
_ ما تقولش حبيبتي يا مسعد انا عمري ما كنت حبيبتك او يمكن كنت حبيبتك لحد ما ظهرت دلال في حياتنا، من وقتها وهي بقت محور كل حاجة حتى صاحبتي اللي بحبها بدأت اكرهها بسببك، بسبب اني شايفه في عين جوزي نظرات انا عارفاها كويس اوي لصاحبتي، أنت عايز تتجوز دلال مش عشان تستر عليها أنت عايز تتجوزها لانك بتحبها، وطبعا واحدة زيي بقي لها أكتر من خمس سنين ما بتخلفش لأزم تصبر وتسكت وترضى مش ده اللي أنت عايز تعمله يا مسعد، في الآخر جاي تضحك عليا بدره وقاعده على الكورنيش.
كيف كان أحمق ولا يشعر بمعرفة زوجته؟ عقله صور إليه إنه قادر على إخفاء مشاعره ناحية دلال أمام أعين الجميع، خلود فضحته أمام نفسه وامامها، أرتدي ثوب الغضب حتي يستطيع الفرار من المواجهة قائلا:
_ أنتِ اتجننتي في عقلك ولا إيه؟!.. دلال دي اختنا اللي اتربت معانا جوه الملجا واللي أول ما الدنيا ضلمت في وشها خبطت على بابنا وجات تعيش معانا، ازاي تفكري فيا بالشكل ده؟!.. انا بجد مصدوم فيكي يا خلود ومش قادر أصدق ان دي صورتي في عينيكي.
تابعت حديثه بسخرية شديدة قبل أن تقول:
_ وعشان اتربينا سوا أنا اكتر واحدة فاهماك يا مسعد، من زمان وعينك على دلال لحد ما طلعت من الملجأ وقتها شوفتني وبقيت تحبني ومن وقت ما رجعت الحب القديم رجع، كلامك مش شوية أكبر إثبات على كلامي أنت دايما كدة كل ما تحب تهرب من حاجة تزهق.
هزمه حديثها، يعلم كأنه وبكل أسف أمام خلود مثل الكتاب المفتوح فقال بصراحة:
_ طالما متأكدة من حبي ليها من البداية يبقي بطلي أنانية يا خلود وخليني اتجوزها، صدقيني وجودها مش هيقل من حبي ليكي ولا من مكانتك عندي وهجيب منها العيل اللي نفسنا إحنا الأتنين فيه.
انتفض جسدها شعرت بأحد يأخذ قطعة من روحها ويلقي بها بداخل نيران مشتعلة، حركت رأسها برفض مردفة:
_ ده بعينك يا مسعد سامع بعينك أنت حقي من الدنيا وأنا مش ناوية أسيب حقي، ويا ريت تفهم أنا دلال عينيها لفوق وعايزة الباشا عشان تبقي دلال هانم مش عشان عقد جواز ولا نيلة.
تركته بحالة من الذهول وذهبت فهمس:
_ إيه الغباء إللي أنا عملته ده معقولة أوجع خلود كدة؟!.. يا رب.
بشقة مصطفي.
كانت تنام حنين على فراشه وهي تضمه وسادته لصدرها وتبكي، مر عليها الليل الطويل وهي على تلك الحالة، حتي هو وضعها بداخل منزله وذهب، عاد عقلها للحظات الماضية.
فلاش باك.
بسيارة مصطفي.
أخذ يتابع أرتجاف جسدها بصمت، فتاة صغيرة مدللة متهورة وضعت نفسها على حافة الهاوية، صوت بكائه جعله للحظة يود ضمها، كانت منهارة، خائفة، ضعيفة، ما حدث منذ قليل كابوس تتمني الاستيقاظ منه، قتلته هي الفعل قتله ولأول مرة تشعر أنه يستحق القتل.
ضمت جسدها إليها أكثر عندما قال مصطفي:
_ كفاية عياط وفهمني كنتي في بيته بتعملي إيه؟
ماذا تقول وكيف تقول؟ زاد بكائها وهي تحرك رأسها برفض للحديث فصرخ:
_ حنين الدكتور دلوقتي في المستشفى بين الحياة والموت وانتِ اللي عملتي فيه كده، سكوتك بيضيع وقتنا احنا الاتنين أنا لأزم أعرف الحقيقة عشان اقدر اساعدك.
رفعت عينيها الحمراء إليه وصرخت بقهر:
_ لو أنت آخر راجل في الدنيا أنا مش عايزاك تساعدني لأنك السبب في كل ده.
أشار لنفسه بذهول مردفاً:
_ أنا؟
_ أيوة أنت، من أول يوم اشتغلت مع عمو فيه وأنت عارف اني بحبك، رفضتني أكتر من مرة بإهانة وقلة أدب خلتني أحس اني مستحيل حد يحبني، هو اداني الحب ده حسسني بيه حتى لو بالكذب، فضلت ماشية وراه زي العمياء لحد ما كنت هضيع، ما كانش قدامي أي حلول غير ان واحد فينا يموت، أنا اتصلت بيك لأني خايفة من عمو، مش عارفة اقول له ايه ولا عارفة هقول كنت في شقته بعمل ايه.
صفعة قوية سقطت على وجهها جعلته يعود للخلف، كانت لحظة مرعبة بالنسبة لها ولأول مرة يد أحد تُمد عليها، ألم نفسي بشع زارها ليزيد من حالتها سوء، حرك رأسه بغضب مردفاً:
_ أنتِ سامعة نفسك بتقولي إيه؟!.. مشيتي مع راجل وروحتي شقته عشان خاطر واحد تاني رفضك؟!.. ما أغور في 60 ده بكره هاجي لك اللي يحبك بجد واللي يعرف قيمتك مش اللي يأخدك شقته زيك زي أي واحدة رخيصة، وبعدين حب ايه وجواز إيه ده أنتِ عيلة لسه في تالتة ثانوي ضيعتي مستقبلك بغبائك ودلعك، عارفه الحيوان ده لو مات هتبقى نهايتك إيه؟
لا تعلم ولا تود سماع المزيد، حركت رأسها برفض وقالت برجاء:
_ أرجوك كفاية يا مصطفى انا مش قادرة اسمع حاجة ومش عايزة اسمع حاجة.
_ خدني من هنا مش عايزه أدخل السجن ومش هقدر والله العظيم أقعد هناك يوم واحد.
مسح على خصلاته بعجز وقال:
_ لأزم أيوب باشا يعرف لأنه الوحيد اللي هيقدر يساعدك، كاميرات العمارة مصوراكي وأنتِ طالعة له ما ينفعش ترجعي البيت لانك في اي لحظه مهددة بالقبض عليكي.
انتفض جسدها بخوف وهمست:
_ لأ عمو لأ، عمو ممكن يموتني.
أبتعد بنظره عنها بصمت وبدأ بقيادة سيارته، بعد نصف ساعة وصل بها لباب منزله فتح لها الباب وقال بهدوء:
_ أدخلي ارتاحي المكان ده هيبقى أمان ليكي لحد ما اكلم أيوب باشا ونتصرف.
أنتهي الفلاش باك.
عادت لأرض الواقع مع سماعها لصوت مفتاحه، قامت من مكانها بخطوات خائفة من وجود عمها معه، دلف بمفرده فأخذت نفسها ببعض الراحة مردفة:
_ عمو عرف؟
_ أيوب باشا من وقت الحفلة مش في البيت وإلا الشركة حتي الحرس رفض يبقوا معاه، من هنا لحد ما يرجع بالسلامة هتفضلي هنا.
سألته للمرة الثانية بخوف:
_ طيب ووو وآدم؟
_ في العناية من إمبارح.
وضعت يدها على شفتيها وبكت، حياتها تنهار ولا تعلم ما عليها فعله، لم يتحمل أكثر وجذبها لصدره، أغلق ذراعيه عليها وتركها تفرغ ما بداخلها قالت:
_ أنا خايفة يا مصطفى.
_ وأنا جانبك يا حنين.
جملة واحدة قدر يبث بها الأمان بداخلها، أغلقت عينيها بالقليل من الراحة لتمر بها الدقائق وتنام، شعر بانتظام أنفاسها فحملها لفراشه هامسا:
_ الله يهديكي يا حنين.
بالمساء.
بمنزل دلال.
أنتهت من إعداد حقيبتها ثم أغلقتها بأنفاس مرتجفة، بينهما وبين حياة مجهولة خطوة واحدة، دلفت عليها خلود بمعالم وجه مرتاحة، فكرة رحيل دلال من بيتها تريح قلبها، رغم خوفها عليها من القادم إلا إن بعدها عن مسعد أفضل حل ليظل بيتها مفتوح، أقتربت منها وقالت بخفوت:
_ خلاص هتمشي يا دلال؟
تنهدت بثقل وقالت:
_ أنا خايفة يا خلود.
جلست بجوارها ثم مررت يدها على ظهرها مردفة:
_ خايفة من إيه مش ده اللي رسمتي عليه من الأول؟
بشرود قالت:
_ كنت عايزة يحبني ويتحرق بنار الحب ده، اللي بيحصل دلوقتي مش زي ما أنا رسمت يا خلود ده زي ما هو عايز، الراجل ده نار ولازم أخاف.
معها حق، حديثها عنه طوال هذا العام جعلها تخاف تعلم مدى خطورته للحظة شعرت بالشفقة عليها فقالت:
_ ارفضي الجواز بالشكل ده يا دلال، البيت بيتك أنتِ مش محتاجة تعملي أي حاجة.
أبتسمت إليها دلال وقالت بحزن:
_ طيب ومسعد؟
ارتبكت خلود مردفة:
_ ماله مسعد؟
أخذت دلال نفسها بثقل وقالت:
_ بلاش نضحك على بعض يا خلود أنا وأنتِ عارفين مشاعر مسعد كويس، كل يوم بشوف في عينك نظرة بتقولي أمشي بقى طول أما أنتِ هنا بيتي هيفضل مخروب.
_ دلال أنا.
قطعتها دلال بأشارة من أحد أصابعها وقالت بمرح:
_ حقك يا بت من غير ما تقولي كلمة، أنا لو مكانك كنت خلصت عليا وعلى مسعد عشان أرتاح، كتر خيرك يا بنت الأصول فضلتي سنين شايلة فوق طاقتك، عايزة أطلب منك طلب أخير يا خلود ممكن؟
ردت عليها خلود بلهفة:
_ لو روحي هديها لك يا دلال.
_ أبقى أسالي عليا على طول أنا مش عارفة الدنيا مخبية ليا إيه تاني.
فتحت خلود ذراعيها لها ألقت الأخرى نفسها بداخل أحضانها وبكت، وصل إليها صوت سيارته وبعدها صوت جرس الباب، قامت من مكانها بثقل وفتحت وجدته أمامها يقول:
_ يلا.
_ ثواني أجيب شنطتي.
أوما إليها بهدوء لتغيب وتعود بعد لحظات ومعها الحقيبة سحبها منها وذهب فالقت نظرة أخيرة على المكان من حولها ثم ذهبت خلفه.
صعدت على المقعد المجاور إليه، تشعر وكأن الأكسجين يختفي من حولها، نفسها يقل وخوفها يزيد، فتحت زجاج السيارة تود أكبر قدر من الهواء.
بين كل لحظتين يلقي عليها نظرة سريعة، ربما ما يفعله جنون لأول مرة يقع به ولكنه يريدها وهذا سبب كافي حتى الآن، وصل بها أمام الفندق الرئيسي الخاص به وقال:
_ يلا انزلي.
سألته بخفوت:
_ إحنا هنا ليه مش المفروض نروح للماذون؟
بقوة قال:
_ المأذون فوق في مكتبي انزلي.
نفذت أمره ونزلت فدلف وتركها تسير خلفه، دلف المصعد وهي بجواره كل جزء منها يحثها على الهروب، كتمت نفسها للحظات وقالت بعقلها:
_ اهدي احسن ان اللعب بقى على المكشوف خليكي هادية.
وصل بها لباب مكتبه فنظر للسكرتيرة مردفا بهدوء:
_ أنقلي نفسك الحسابات.
سألته السكرتيرة بذهول:
_ أنا عملت إيه يا باشا؟
_ معملتيش أنا قررت وده كفاية، من بكرا تنزلي الحسابات وتعلمي دلال كل حاجة في الشغل قبل ما تنقلي.
أنهى حديثه وسحب الأخرى من كفها لغرفة مكتبه، وجدت المأذون وثلاث رجال، عادت للخلف برعب مردفة:
_ عمي؟
نطقتها بفزع، رجل لم ترى منه إلا القسوة طوال فترة وجودها ببيته، تركها بدار الأيتام لتبقى باقي عمرها وحيدة وهو وزوجته وأبنائه يعيشوا بمال والدها الموضوع تحت وصايته، نظراته كانت توفح بالكره، لا تعلم لما تعلقت بذراع أيوب وكأنها تطلب منه النجدة ولكنها فعلتها، نظر إليها بتعجب نظرات عينيها كانت واضحة تشرح الكثير دون سؤال، بتلقائية تعجب لها ضمها بين يديه وجعلها تجلس على مقعد مريح مردفا بقوة:
_ أبدا.
تدخل عمها بالحديث مردفا:
_ وده إسمه كلام يا باشا مش نتفق على المهر الأول.
أتسعت عينيها من كم الحقارة وقالت بغضب:
_ وأنت مالك أنت والا دخلك إيه عشان تتكلم.
_ عمك وبغليكي والا أنتِ شكلك بايعة البضاعة ببلاش.
_ خيري.
كلمة واحدة بها جبروت العالم، أبتلع خيري حديثه وصمت فقال أيوب:
_ مهر مراتي بيني وبينها كل دورك دلوقتي تكتب وتغور في ستين داهية من هنا.
تهديد صريح من رجل مثل أيوب رسلان كافي ليجعله ينفذ المطلوب منه بصمت، بدأ عقد قرانها عليه في حالة من الهدوء الخالي من أي مظاهر للفرحة، مع كل كلمة يرددها خلف المأذون ترتفع دقات قلبها، أخذها عقلها لوعد أخذته على نفسها مع حبيبها الراحل:
_ هفضل بحبك وبتاعتك لحد ما أموت يا خالد.
تذكرت رؤيتها إليه على فراش الموت بالمشفي، أخذ كفها وضمه لصدره بضعف مردفا:
_ حقك عليا يا دلال كان نفسي ابقي الراجل اللي يليق بيكي.
حركت رأسها بقهر:
_ هتعيش وهترجع في حضني من تاني، هتقوم عشان نتجوز قدام كل الناس يا خالد.
_ أمشي من هنا يا دلال أهلي على وصول وعمي لو عرف إنك كنتي معايا في العربية وأننا كنا راجعين من شهر العسل هتبقى نهايتك.
_ مقدرش أسيبك.
_ أمشي يا دلال لو بتحبني أمشي.
رحلت وكان اللقاء الأخير قبل أن يأتي إليها خبره بعد يومين فقط.
سمعت آخر جملة أعلن بها المأذون زوجها من أيوب رسلان:
_ بالرفاء والبنين إن شاء الله.
أصبحت زوجته، حملت إسمه، تمنت لو لديها القدرة على البكاء، بدأت تشاهد ذهاب الجميع من حولها بقلب مقهور، أخذها من يدها وخرج من المكتب حتي وصل بها لجناحه الخاص بالفندق، فتح الباب وأشار إليها بالدخول وكأنه يفتح باب الجحيم.
دلفت بخطي ثقيلة وبقلبها أمنية وحيدة "الهروب".
انتفضت على أثر علق الباب، عادت للخلف بشكل تلقائي ليبتسم إليها بحنان عجيب مردفاً:
_ مبروك يا عروسة.
ماذا يريد منها هذا الراجل وإلي أين سيصل بينهما الحال؟ شعرت بلمسة أصابعه على مقدمة عنقها، لمسة لا يوجد بها إلا الرغبة هي تعلم ذلك، حاولت الابتعاد ليتعلق بها أكثر مردفاً:
_ سيبي نفسك.
فتاة صغيرة لم تتزوج الا أسبوع واحد بين يدي رجل خبير بالنساء معه المفتاح السحري لأي أمراة تغرق بحضنه، وضع أول قبلة على شفتيها، انتفضت على أثرها، ضربتها مشاعر غريبة جعلتها ترفع راية الاستسلام منتظرة المزيد.
رسمت على معالم وجهه ابتسامة يرفع بها علم الإنتصار، نزل على عنقها ليبدع برسم لوحة رائعة تحت توقيع أيوب رسلان، سمع همهمة خفيفة منها علم أنها الآن أصبحت بين يديه بكامل إرادتها، حملها بخفة ووضعها على الفراش هامسا:
_ مبسوطة؟
كانت مغيبة أومات بعينين مغلقة فقط تشعر ولا تري، هامسة بنعومة:
_ خالد.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء سعيد
في أيوب، أيوب وبس يا دلال.
تجمد جسدها أسفله من الصدمة، كانت متخيلة إن نطقها لاسم خالد طوق نجاها الوحيد من بين يديه.
شعر بها فأقترب من أذنها وهمس بنبرة خشنة: معاكي خبير يا دلال.
هو بالفعل خبير، يعلم محل نقاط ضعفها من نظرة عين ويضغط عليها بمهارة، ربما يجد عليها الاستسلام فالفرار منه أصبح مستحيل.
أغلقت عينيها وتركته يفعل ما يشاء فقال بأمر: أفتحي عينك.
أمر صعب وفوق قدرتها على التحمل، عاد أمره بنبرة أكثر دفئ جعلتها تفتح عينيها محدقة به بضياع ليقول: عايز الليلة دي تفضل قدام عنيكي العمر كله.
أنتهي بعدها وقت الحديث وبدأ عمل أيوب رسلان، كان حنون لدرجة غريبة حنان جعلتها تندمج معه وتسير على خطاه.
أخذت تتحرك بين يديه مثل قطعة العجين يشكلها كما يحب، تحول حنانه بترتيب مدروس لقوة عجزت عن فهم ما يحدث لها فقط تستمتع.
خانها لسانها وهمس: أيوب.
أبتسم بسمة نصر، ها هو يفوز عليها بأول جولة لهما معا، رائعة تلك الصغيرة وليكن صادق بريئة لدرجة تزيد من متعته بها ورغبته بالحصول على المزيد.
للحظة دهش من كم جهلها وكأنها عذراء تعيش تجربة الزواج للمرة الأولي.
شعر أنها تختبر ما يفعله بها بتقبل وفضول وهذا ما جعله يحاول التحكم بقوته، مستمتع وهي بين يديه وكأنها أول إمرأة يقترب منها.
أنتهي وألقي بجسده بجوارها، أغلق عينيه بنشوة وصوت أنفاسها المتسارعة يزيد بجواره.
تركها لحظات صامت وبعدها قال: مبروك.
أين هي لتجيب عليه؟ تائهة لا تعلم ما حدث ولا كيف حدث، لعب على أوتار معينة بداخلها حتى رفعت إليه الراية البيضاء بكامل إرادتها.
ارتجفت ورنين صوتها بإسمه يعود إليها، ما هذا ما هذا حقا؟ كيف قدر على جعلها تفعل وتقول ما فعلته وقالته؟
انتهت غيبوبتها وتسلل إليها شعور مرعب بالنفور، أنتفضت من فوق الفراش وذهبت للمرحاض بخطوات ثقيلة.
أغلقت على نفسها الباب ووقفت أمام المرايا، مرت عينيها على كل جزء بها حتي وصلت لعلامات ملكيته المزينة جسدها من أول رقبتها حتى نهاية بطنها.
زاد أرتجافها وصوت خالد يرن بداخلها مردفاً: "عمي مش موافق يا دلال" " بعشقك يا دلال" "عايز اجيب منك بدل العيل عشرة" "دلال أوعي تنسيني".
دلال إمرأة ضعيفة خائنة، مرت أمام عينيها لحظاتها الماضية مع أيوب كان محق عندما أمرها بفتح عينيها، كان يريد أن يضع بصمة تلك الليلة بذاكرتها إلي الأبد.
حركت رأسها برفض مردفاً بضياع: ده كابوس، أيوة هو كابوس مستحيل يبقي حقيقي، أنا بكرهه إزاي هبقي في حضنه بالشكل ده، أنا طلبته بلساني لأ لأ.
كلما أرادت الهروب من الحقيقة تذكرتها، رفعت عينيها بتردد وحدقت بالمرايا رأت علامات تثبت حقيقة ما حدث، هنا فقط بكت أخذت دموعها تجري خلف بعضهما بقهر.
فتحت الماء ثم وضعت جسدها بداخل حوض الاستحمام وأغلقت عينيها بهروب.
بالخارج.
أخذ نفس بهدوء وتركها تفعل ما تشاء، صوت شهقاتها يصل إليه بوضوح ومع ذلك قرر عدم الدخول إليها.
حدق بسقف الغرفة براحة أعصاب عجيبة مرددا بمتعة: دلال، طلعتي أسمع على مسمي.
سمع رنين هاتفه لينظر إليه بتعجب من إسم مصطفي، أخذ الهاتف ليجدها المكالمة الخامسة عشرة.
أعتدل بجلسته ثم فتح الخط مردفاً: خير يا مصطفي.
أنت فين يا باشا برن عليك من إمبارح؟
مش مهم أنا فين قول عايز ايه.
صمت الآخر بتوتر، يخشي على حنين من جبروت أيوب ولكن ماذا يفعل هذا حله الوحيد.
تحدث أيوب بغضب: أخلص يا مصطفي في إيه؟
كل اللي أقدر أقوله لحضرتك يا باشا إن الآنسة حنين ضربت دكتور آدم وحالته حرجة في المستشفى من إمبارح والبوليس بيدور عليها.
خبر صاعقي سقط فوق رأسه، توقف عقله عن العمل لعدة لحظات، حنين وطبيبها النفسي؟ ماذا حدث حتي يصل بها الأمر لمحاولة التخلص منه.
أنتفض من فوق الفراش وقال بقوة: هي فين دلوقتي يا مصطفي؟
في شقتي.
حالا تأخدها وتمشي من المكان ده واياك تركب عربيتك خد أي تاكسي لحد طريق ***** وسيب الباقي عليا.
متخافش هعمل حساب كل خطوة لحد ما توصل.
مش أنا إللي هوصل يا مصطفى، ناصر أبو الخير إللي هيوصل.
بعد ساعتين.
وقفت سيارة الأجرة بمحل طلب أيوب، نزلت حنين بجسد مرتجف وبجوارها مصطفي.
مسح على خصلاتها بحنان وقال: كفاية عياط يا حنين.
رفضت بحركة سريعة من رأسها وقالت: لأ مش كفاية أنا مش هعرف أحط عيني فين عمو ايوب تاني.
أبتسم إليها مصطفي وقال: أنتِ غلطتي وغلطة كبيرة كمان يا حنين وأي رد فعل هيطلع من ايوب مش هقدر ادافع عنك فيه، بس متأكد انه مش هياذيكي لأنه ما بيحبش في الدنيا قدك أنتِ وخالد الله يرحمه.
في الأول ما كنتش أعرف أنه زبالة كده والله يا مصطفى، كنت بحاول احس اني محبوبه صدقيني أنا مش وحشة، متأكدة أنك شايفني دلوقتي اوحش واحدة في الدنيا دي كلها بس والله العظيم لأ.
ماذا يقول لها، هو لا يري بها إلا فتاة صغيرة وحيدة أخذتها الحياة بطريق خطر.
تنهد بثقل وقال: وحشة إيه يا عبيطة؟ أنا عارفك من وانتِ عيلة صغيرة يمكن أعرفك أكتر من نفسك كمان، أنتِ أختي الصغيرة يا حنين اللي مستحيل صورتها تتغير في عيني.
أراد إيصال رسالة صريحة إليها وها هي وصلت، إبتسمت إليه بسخرية وقالت: المشكلة الرئيسيه أنك شايفني أختك يا مصطفى.
حاول الهروب من نظرات العتاب منها، آت إليه طوق النجاة بلحظة، أكثر من عشر سيارات سوداء علم صاحبهم فجذب حنين إليه مردفاً: متخافيش.
كلمة قالها ليخفف عنها إلا أنها بالفعل خائفة، أقترب أحد الرجال من سيارة فاخرة وقام بفتح الباب الخلفي، نزل منها رجل مرعب، طويل القامة مع عرض بعضلات عجيبة كأنه ملاكم، يرتدي قفطان من اللون الأبيض فوقه شال رجالي ثقيل.
رفعت عينيها المرتعبة لوجهه وهنا كانت الصدمة، شاب ببشرة سمراء وملامح وجه جامدة كأنه غير مصري الجنسية ورغم كل هذا مبهر ومخيف.
أقترب منهما بخطوات ثابتة لتضع يدها بيد مصطفي مردفة: مين ده يا مصطفي؟
ناصر أبو الخير.
جاءت الإجابة منه هو، ومد يده للسلام على مصطفي مردفاً: سلم الأمان ومتخافش هتبقي في عنينا يا باشا.
أبتسم إليه مصطفي وقال: أنا عارف انها هتبقى في عينك يا حاج ناصر. أيوب باشا قالك على كل حاجة؟
أومأ إليه الآخر بحركة بسيطة من رأسه وقال: وقاعد مستني عندي في البيت.
كدة تمام همشي أنا. قالها وبعدها نظر لحنين مردفاً: متخافيش يا حنين روحي مع الحاج ناصر وهناك هيبقى أيوب موجود.
رفضت بخوف وهمست: تعالي معايا يا مصطفي الراجل ده شكله مرعب.
رغم ضعف صوتها الا أنه وصل لناصر فقال: أمشي أنت يا مصطفي في عريبة هتوصلك لحد البيت.
نظرة عينيها كانت تقول الكثير فقال مصطفي كلمة أخيرة قبل أن يرحل: متخافيش.
كيف يطلب منها عدم الخوف مع رجل جسده بمفرده عنوان مرعب؟
أخذ ناصر نفسه بهدوء ثم أشار إليها على السيارة مردفاً: اركبي.
طفلة صغيرة ضائعة، خائفة، بكت ثم رفعت أحد أصابعها مشيرة على سيارة مصطفي: خليه ييجي معايا أنا خايفة منك.
حدق بها لعدة لحظات بهدوء ثم قال: مش هينفع لأنه أول ما هيوصل البيت هيتقبض عليه يلا اطلعي.
شهقت برعب وقالت: هيتقبض عليه ليه؟
لأنه اخر واحد دخل بيت الحيوان ده وهو إللي طلب له الإسعاف.
لأ لأ لأ مصطفي معملش حاجة خليني أروح أقول الحقيقة.
جذبها رغماً عنها ووضعها داخل السيارة بقوة مردفاً: مش عايز اسمع لك صوت لحد ما نوصل صدعتيني.
أنت بتقول ايه انا لازم الحق مصطفى هو ما عملش حاجه غير ان هو واقف جنبي وساعدني. نزلني من هنا.
دفعها قليلاً ثم صعد بجوارها مغلقا الباب خلفه بعدها أشار للسائق مردفاً: يلا.
أنا مش بكلمك يا بني آدم أنت؟
الطريق هيأخد ساعتين في احسن لك لحد ما الشياطين دول يخلصوا تتخدمي لأن مش بكره في حياتي قد لت وعجن الحريم.
انكمشت على نفسها بركن بعيداً عنه، ألقي عليها نظرة عابرة بعد ربع ساعة وجدها نفذت أمره ونامت فرفع هاتفه وقام بالاتصال على أيوب مردفاً: عايزك تطمن بقت معايا.
رجالتنا في المستشفي يا ناصر بيقولوا كلام ميطمنش.
حتي لو هي معايا في أمان.
بعد ساعتين.
بحارة يبدو عليها التراث القديم وقفت سيارات أبو الخير، أشار إليها مردفاً بهدوء: وصلنا انزلي.
بكف مرتجف فتحت باب السيارة وبساق ثقيلة وضعت أول خطوة بحارة أبو الخير، وقفت مكانها متعجبة مكان غريب يحمل أشكال الحارات القديمة، حدقت يافطة كبيرة مكتوب عليها" حارة أبو الخير".
رجال هنا ورجال هناك والجميع يقف على صفوف منتظمة، رفعت عينيها إليه وجدته ينتظرها بصمت فقالت بخفوت: إحنا فين هنا؟
دولة أبو الخير.
دولة؟
أيوة، كل البيوت هنا بيوتي والقانون إللي ماشي في المكان قانون أبو الخير بس، المكان إللي أنتِ واقفة فيه ده مفيش عربية حكومة قدرت تدخله.
يبدو عليه الفخر بحاله هذا واضح لها مثل الشمس، صمتت فتحرك هو وهي خلفه دلف بها لمنزل يشبه القصور ولتكون صادقة أكثر فخامة فلت لسانها بسؤال عجيب: هو أنت بتشتغل إيه؟
الحاج ناصر.
نعم؟
اسمي الحاج ناصر لما تحبي تتكلمي معايا تقولي يا حاج.
حاج؟ كيف هذا؟
حركت رأسها بتعب وقالت: حضرتك بتشتغل إيه يا حاج ناصر؟
تاجر آثار.
قالها ببساطة بنفس اللحظة وصل بها لغرفة المكتب، رأت عمها أمام عينيها فركضت إليها كأنها أخيراً وجدت طوق النجاة، ألقت نفسها على صدره وبكت مردفة: الحقني يا عمو.
مصيبته كانت أكبر منها من مشاعرها، بحياته لم يفكر بتكون أسرة لنفسه كان مستكفي بخالد وحنين وها هو يري حصاد زرعته، لم يضمها رغم وجع قلبه عليها أبعدها عنه بجبروت وقال: كنتي بتعملي إيه في شقة الدكتور يا حنين؟
اهتزت من قوة السؤال عليها، لا تعلم لما نظرت لناصر كأنها تنتظر منه العون ولكنه قال بهدوء: هسيبكم تتكلموا مع بعض ولما تخلص اطلع نتكلم بره.
أغلقت عينيها بخوف، تتمني لو لديها قدرة تجعلها تطلب منه العون، سمعت صوت إغلاق الباب وبعدها صوت أيوب القاسي: سامعك.
أرتجف فكها وقالت بضياع: عمو أنا.
صرخ بغضب: إيه اللي وصلك أنك تحاولي تقتلي الدكتور بتاعك يا حنين وكنتي بتعملي إيه في بيته؟
انتهت قوتها وانتهي تحملها فقالت بقهر: كنت بروح له عشان هو الإنسان الوحيد اللي بيسمعني، بعد موت خالد ما بقاش في حد بيسمعني حتى ماما منعتني اكلمها او اروح لها، استغل اني محتاجه وجوده جنبي وحسسني ان هو بيحبني، غلطت خليته يقرب لحد ما حسيت اني بدأت اقرف ومش قادرة اتحمل، هددني وغصبني اروح له الشقة غصب عني، كنت رايحة وانا جوايا احساس بيقولي لو خليتيه قرب منك المرة دي هتبقي زباله لما روحت مكانش عايز يقرب زي العاده كان عايز يكمل ما قدرتش أتحمل وضربته.
حديثها كان عبارة عن طعنة غدر دلفت بمنتصف صدره، سألها بذهول: كان بيقرب منك يعني إيه؟ أنتِ زنيتي يا حنين؟
لأ لأ والله العظيم يا عمو مش زي ما أنت فاهم أنا ما كنتش بخليه يقرب مني للدرجة دي هو بس.
عجز لسانها عن الوصف، خرجت منها صرخة قوية بعد سقوط كفه على وجهها، سقطت أرضاً بحالة بين الذهول والرعب، أنحني ليسحبها من عنقها مردفاً بغضب: مش قادر اصدق ان القرف ده بسمعه منك أنتِ، حنين الوردة المغمضة اللي ما كانتش تعرف اي حاجه في الدنيا، بنتي باللي استكفيت بيها هي واخوها من العالم واللي فيه، انا النهاردة بس عرفت إني ضيعت عمري على الفاضي. يا خسارة يا خسارة.
كان عقله مغيب يضغط على عنقها وبداخله شعور يرغب بخروج روحها من بين ضلوعها، دلف المنقذ وسحب أيوب مردفاً: أهدي يا باشا الأمور متتحلش كدة دي عيلة صغيرة.
صغيرة؟ الصغيرة كبرت وهو لا يعلم، من الجاني ومن المجاني عليه؟ هل هو من جعلها تصل لهذا الطريق؟
أبتعد عنها مردفاً بجنون: مش عايز أشوف البنت دي قدامي يا ناصر مش عايز أشوفها.
شامية. صرخ بها ناصر لتأتي إمرأة جميلة مردفة بحنق: أمرك يا حاج.
طلعي حنين أوضة نومها.
أخذتها وخرجت فقال ناصر: أهدي يا باشا.
تركه وذهب صعد سيارته ولأول مرة يشعر بالعجز، بداخله نيران لا يعلم كيف يخففها، مفره الوحيد الآن هو " اليخت".
عودة لغرفة دلال بالفندق.
بعد خروجها من المرحاض وذهابه دون أن يلقي عليها كلمة ألقت بجسدها على الفراش نائمة، مر الكثير من الوقت حتي وصل رنين هاتفها لأحلامها، فتحت عينيها بتعب ونظرت للهاتف وجدت إسم مسعد، فتحت الخط ليأتي إليها صوت مسعد الغاضب: إيه اللي أنتِ هببتيه ده يا دلال؟ رايحة تبيعي نفسك، ده ما كانش اتفقنا من الاول قولتي هتوقعي في حبك ويتجوزك قدام كل الناس مش زيك زي أي رخيصه في السر.
قلبها الآن ليس لديه قدرة على تحمل كلمة واحدة يكفي عليها ما عاشته، زفرت بضيق وقالت: في السر ولا في العلن مش هيفرق شهرين ولا تلاتة بالكتير وهعمل كل اللي دخلت العيله دي عشانه وهتطلق بعدها.
بسخرية شديدة قال: بتضحكي عليا ولا على نفسك أيوب رسلان خلاص كشفك وبجوازه منك بيمتع نفسه يومين وبعدها هيقول لك مع السلامه، على الاقل كنتي خديني معاكي أعرف إيه حكاية الجوازة دي، مش قادر أستوعب ان بعد رفضه لجوازك من خالد بدل المره 1000 اتجوزك هو في أقل من ساعتين.
مسحت على خصلاتها بتعب وقالت: خلاص يا مسعد الكلام مش هيفيد أنا دلوقتي بقيت مراته، شوف حياتك وبيتك بعيد عني أنا مش عايزة اظلمك ولا ادمرك أكتر من كده خد بالك من خلود لو زعلتها محدش هيوقف لك غيري.
دخل عليكي؟ قالها برعب، برجاء يتمني لو يسمع إجابة تريح قلبه، كان متحمل فكرة اقتراب خالد منها لأنه ماضي الآن لن يستطيع التحمل.
آت إليه صوتها الغاضب: إيه قلة الادب يا مسعد ما تحترم نفسك بدل ما أفتح لك دماغك.
الله يخليكي قوليلي أنك رفضتي قربه منك ريحي قلبي يا دلال.
أخذت نفس عميق قبل أن تقول بهدوء: إللي هقوله مش هيريح قلبك يا مسعد.
علم الإجابة، للمرة الثانية تنفذ به حكم الإعدام، حاول التحكم بأنفاسه المحترقة وقال: الله يسامحك يا دلال الله يسامحك.
أغلقت الخط بوجهه يكفي لهنا عتاب قلبها مرهق يرفض أي مشاعر إضافية من الوجع، دقائق مرت وهي فقط تحدق بالسقف حتي أت إليها إتصال جديد من شوقي.
رفعت حاجبها بتعجب مردفة: ده عايز مني إيه ده كمان؟ فتحت الخط وقالت: خير يا شوقي عايز إيه؟
الباشا هيطلع اليخت بالليل وطلب مني أحضر له سهرة حلوة فلو حابة تستغلي فرصتك المرة دي وتبقي اذكى من المرة اللي فاتت تعالي.
ماذا؟ لديه الليلة سهرة على اليخب؟ تركها بعد لحظات من حصوله عليها وسيقضي ليلته مع امرأة أخري على يخته؟
أخذ عقلها يرددها لأكثر من مرة بذهول وبعدها همست: باشا مين إللي بتتكلم عنه يا شوقي؟
ما تركزي معايا يا دلال في إيه أيوب باشا رسلان لو مش عايزة أجيب غيرك.
لأ لأ أنا جاية.
بعد منتصف الليل.
صعد أيوب على ظهر اليخت، كان يقف شوقي بانتظاره مثل العادة فأشار إليه بتعب مردفاً: أمشي يا شوقي أنا هطلع باليخت.
نظر إليه شوقي بتعجب وقال: هتطلع باليخت إزاي يا باشا والبنت إللي جوا؟
بنت منين؟
دلال يا باشا.
دلال بتعمل إيه هنا؟
أبتلع شوقي ريقه بتوتر من نظرات الآخر وقال: يا باشا جنابك اتصلت بيا وقولتلي أحضر لك اليخت فانا حضرت لك سهرة حلوة وجبت دلال، أنا عارف ان هي المرة اللي فاتت بس صدقني المرة دي يا باشا هتعمل كل اللي جنابك عايزه.
رفع حاجبه بتعجب ثم رسم على وجهه ابتسامة ساخرة قبل أن يقول: طيب امشي دورك خلص.
هتطلع باليخت وهي جوا يا باشا؟
بنظرة واحدة حادة ذهب شوقي دون كلمة إضافية، أخذ هو نفس عميق ودلف إليها وجدها تنتظره بالداخل بفستان من اللون الأحمر، كان قصير مثير جعل رغبته بها تحضر بالحال.
جذبها لتبقي بين يديه حرك يده على ظهرها العاري بنعومة وقال ببرود: أخدتي الأذن من مين قبل ما تخرجي يا دلال؟
يلعب بها، نعم يلعب، تشعر وكأنها تود أن تأخذ روحه من بين ضلوعه ومع ذلك رسمت على وجهها إبتسامة ناعمة ثم رفعت يديها لتلفها حول عنقه مردفة: جوزي رايح يسهر مع واحدة يوم الفرح، عشان أنا ست طيوبة وعايزة أعمر بيتي قررت أبقي الست دي.
يحتاجها الآن بشدة، بداخله لهيب أتت بقدميها ليفرغه بها، حملها بيد واحدة على ظهره دلف بها لغرفة النوم، ألقي بجسدها على الفراش وجسده فوقها مردفاً بنبرة خشنة: تعرفي إن عملك الأسود في الدنيا هو إللي جابك ليا في الوقت ده؟
أومات إليها بحسرة على حالها وهمست: عملي الأسود هو إللي وقعني في طريقك من الأول.
أنتِ إللي وقعتي نفسك في طريقي بعد ما ربنا اداكي فرصة بعد موت خالد تهربي.
والحل إيه دلوقتي؟
رد عليها وعينيه ترسل إليها رسالة صريحة ببداية خطر مرعب: غمضي عينك واتحمليني.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء سعيد
غمضي عينك واتحمليني.
جملة وضعتها أمام واقع مؤلم، وضعت كفها أمام شفتيه تمنعه من الإقتراب مردفة بهدوء:
أبعد عني.
توقعت بعد رفضها ثورة، إلا أنه نفذ طلبها بصدر رحب وألقي بجسده في المكان الخالي بجوارها على الفراش، ثم أغلق عينيه مردفاً بتعب:
لو كنتي قولتي الكلمة دي إمبارح كنت بعدت عنك.
أهتزت بعنف، وصل إليها المعنى صريح، للحظة تمنت لو قدرت على إخراج وجعها بالبكاء، عضت على شفتيها لعلها تأخذ بعض القوة، وبعدها قالت:
مكنش ينفع إمبارح أقول لأ.
لفتت انتباهه، ففتح عينه وحدق بها قائلاً:
ليه؟
لأنه كان إتفاق، ورقة جوازي مقابل إنك عايزني، واحنا كده خالصين.
رفع حاجبه بمعني حقاً، وبعدها قال:
نامي يا دلال.
أفضل حل الآن هو الهروب، وبالفعل نامت دلال.
حدق بها أيوب متعجباً من كم الجاذبية المتمتعة بها، جمالها شرقي مميز ودلالها من الدرجة الأولى.
عاد به رأسه لليلة وفاة خالد.
فلاش باك.
لأول مرة تسقط دمعة من عين أيوب رسلان، كان يقف أمام ولد روحه عاجز لا يستطيع فعل شيء له، تعلقت يد خالد به وهمس برجاء:
سامحني يا عمي، عايز أموت وأنا مرتاح.
حرك أيوب رأسه برفض وقال:
إياك أسمع منك الكلمة دي تاني، أنت مش هتموت يا خالد، هتخف وهتقوم وهنتحاسب، قولي أنك هتقوم يا خالد، أنك راجل وهتقدر تتحمل.
ابتسم خالد بتعب شديد وقال:
أنا راجل وتربية أيدك، بس في حاجات فوق طاقتنا وقوتنا، حاسس إني فاضل لي ساعات ويمكن دقائق، ونفسي أطلب منك طلبين يرتاح بيهم كمان ما هبقي موجود.
ضغط على يده بقوة شديدة، يخشى البعد، يرفض أن يعيش هذا الشعور من جديد، كل من أحب ذهب أمام عينيه، والده، والدته، زوجته، شقيقه، عائلة كاملة كان يبني حياته عليها، كل عدة سنوات يودع بها شخص.
همس بتعب:
قول كل اللي أنت عايز تقوله وأنا هسمعك، بس توعدني تتحمل وتطلع لي من هنا سليم.
عايزك تسامحني لو في يوم تعبتك أو عملت حاجة غلط، وعايزك تدي الأمان لدلال، أرجوك يا عمي بلاش تاذيها، أنا روحي هتفضل متعلقة فيها.
طلب لها الأمان وبعدها رحل، تركه ورحل بعدما وضع على رقبته حمل عدم الإقتراب منها.
عاد يحدق بها من بحر شروده وهمس بكلمة واحدة:
ملعونة.
بمنزل أبو الخير.
بغرفة حنين الجديدة.
منذ أن أتت لهنا تنام على الفراش خائفة، تضم وسادة ناعمة لصدرها وتسقط دموعها عليها، الآن فقط فهمت الكارثة التي كانت تفعلها، علمت كم كانت حمقاء رخيصة بلا قيمة، تركت رجل يفعل بها ما يريد دون مسمى منطقي.
ارتفعت شهقاتها متذكرة لمساته المقززة على جسدها، واللعنة الحقيقية حبها لتلك اللمسات وقتها.
انتفض جسدها على أثر فتح الباب بقوة، رأت امرأة أخرى غير شامية، تعتبر بنفس سن شامية إلا أنها أكثر جمالاً، تقف أمامها بغضب ويديها حول خصرها.
فقلت حنين بخوف:
في إيه؟
في إيه دي اللي أنا جايه اعرفها منك يا حبيبتي، إيه حكايتك يا بت بالظبط ومرزوعة هنا بتعملي إيه؟
ضمت حنين الوسادة إليها بخوف وقالت:
حضرتك أنا ضيفة الحاج ناصر؟
طالما أنتِ ضيفة جوزي يا حبيبتي يبقى أعرف إيه حكايتك بالظبط، ما أنا مش هقعدك في بيتي كده لله.
حضرتك عايزة مني إيه بالظبط؟ لو سمحتي سيبيني في حالي، ولو عايزة تعرفي حاجة اعرفيها من الحاج.
دلفت شامية بتوتر وقالت:
اطلعي من هنا يا نسمة، الله يسترك، الحاج لو جه وعرف إنك فتحتي عليها الأوضة واتكلمتي معاها هيطين عيشتنا كلنا، يا ريته هيطين عيشتك لوحدك.
أبعدها نسمة عنها بغضب وقالت:
الكلام ده ليكم يا حبيبتي، لكن أنا أم الولد ويحق لي أعرف كل حاجة بتحصل في البيت، ليكون ناوي يجيب الرابعة يمين بالله وقتها هطربق البيت ده على اللي فيه، وأنتِ يا بنت لو ما نطقتيش حكايتك دلوقتي هجيبك من شعرك.
شهقت حنين برعب وقالت:
اطلعي برة وابعدي عني، أنتِ مش عارفة عمو لو عرف ممكن يعمل فيكي إيه أنتِ وجوزك.
طب تعالي بقى أوريكي يا نن عين عمو.
قالت شامية بتوتر:
بلاش جنان يا نسمة ويلا نطلع نشوف ورانا إيه.
هضربها وبعدين اطلع.
سمعتها حنين بخوف، نظرات كانت تدل على صدق تهديدها.
حركت رأسها برفض لكل ما تمر بيه، لا تصدق إنها الآن وحيدة مذلولة هاربة.
سقطت دموعها بحسرة، وقبل أن تقوم من مكانها هاربة، فقدت الوعي.
فصرخت شامية برعب:
الله ينتقم منك يا نسمة، البنت شكلها راحت فيها وهنروح كلنا وراها، الله ياخدك أنتِ وابنك يا شيخة خلينا نرتاح.
انتقل شعور الرعب لنسمة وخرجت من الغرفة بخطوات سريعة مردفة:
أنا مليش دعوة، اللي هتجيب سيرتي فيكم هقطع لها لسانها.
يبدو أن اليوم يوم نحسها، عاد الحاج ناصر الليلة مبكراً، وراها وهي تخرج من غرفة حنين، فقال:
بتعملوا إيه هنا؟
بصباح اليوم التالي.
بالفندق الخاص بأيوب.
دلت دلال خلفه لغرفة المكتب، فجلس على مقعده الخاص وجلست هي بالمقابل له.
أشار إليها بالقيام مردفاً:
أذنت لك تقعدي؟
ردت عليه بتعجب مردفة:
هو أنا عشان أقعد محتاجة إذن؟
أومأ إليها بهدوء وقال:
كل حاجة هنا لها إذن، حتى النفس اللي بيخرج من صدرك له إذن.
سندت ظهرها على المقعد لتجلس براحة أكثر، ثم وضعت ساق فوق الأخرى مردفة بثقة:
القوانين دي ممكن تمشي على أي حد في المكان ده إلا أنا، تعرف ليه يا باشا؟
ليه يا دلال؟
لأني دلال، وده لوحده كفاية.
قالتها بنعومة جعلته ينظر إليها بنظرة أصبحت تعمل ما بعدها منذ ليلة زواجها منه.
ابتسمت برضا تام على تأثيرها وقالت:
ها ناوي تعلمني الشغل إزاي؟
رسم على وجهه ابتسامة مستمتعة وقال:
ما تيجي نستمتع أكتر يا دلال.
من نبرته علمت طلبه، فضحكت مردفة:
نستمتع إزاي يا باشا؟
قام من مكانه ثم اقترب من باب غرفة المكتب، أغلقه بالمفتاح عدة مرات وعاد إليها.
سحبها من ذقنها بأحد أصابعه وجعلها تجلس على سطح المكتب وحاصر جسدها بينه وبين المكتب مردفاً:
اتفرجتي على أفلام قديمة قبل كده؟
تعالى صدرها بدقات قلبها وحركت رأسها بصمت، فأكمل:
شوفتي بقي نوعية الأفلام اللي كان البطل فيها بيتجوز واحدة في السر تبقى لزوم الشقاوة والدلع، هي تدلعه وهو يغرقها فلوس ومراكز؟
همست بنبرة مرتجفة:
شوفت.
أهو أنا بقى عايزك تبقي لزوم الشقاوة والدلع، دلعيني يا دلال، عيشيني كل يوم شكل جديد وحياة جديدة من غير ما حد يحس ولا حد يعرف.
شعور بشع دلف لقلبها من طلبه، جعله يراها، ارتجفت أنفاسها وحاولت السيطرة على ردود فعلها، فقالت بنعومة:
وايه بقي هيبقي المقابل بتاعي يا باشا؟
هتبقي من سيدات المجتمع الراقي، عايزك تنسي دلال بتاعت الفلاحين والملجا وتفكري إزاي هتبقي دلال هانم.
فيلا، عربية، تكملي دراستك وبعدها على طول هتبقي صاحبة أكبر مستشفى في البلد، عايزك تاخدي وقتك وتفكري براحتك على الآخر.
هانم؟ نعم هانم.
ابتسمت بوعد واضح لنفسها، وعد أقسمت بداخلها على تحقيقه، ستجعل من أيوب رسلان مدمناً عليها، ستكون جرعته الخاصة حتى يقدر على التنفس.
ابتعدت عنه قليلاً وقالت:
تعرف يا باشا أنا من وأنا عيلة صغيرة ليا سحر خاص، كل راجل يشوفني يقع في غرامي.
شوفت بنفسك خالد كان مستعد يبيع الدنيا عشاني، ليه؟
ضربته تحت الحزام وأيوب رسلان لا يتجرأ أحد على فعلها معه، فرد لها الضربة بنفس القوة:
بس اللي أنا طالبه منك مش غرام يا دلال، اللي أنا طالبه منك متعة، تقدري تقولي تسلية في وقت الفراغ، تفريغ هموم الجزء الخاص باللعب.
حركت كتفها بدلال وقالت:
تؤ، لو على المتعة تقدر تاخدها من سيدات المجتمع الراقي بتاعك يا باشا ومن غير ما تدفع مليم، أنت بقيت من معجبين دلال وده واضح أوي.
ضغط على يده حتى لا يكسر رأسها، ألقى إليها مفتاح المكتب ثم ابتعد عنها عائداً لمقعده.
فتح أحد الملفات أمامه وقال:
على شغلك يا مدام.
آنسة لو سمحت.
رفع رأسه لها بسخرية مردفاً:
ده اللي هو إزاي؟
أنا لحد دلوقتي في البطاقة آنسة، مدام دي سر بيني وبينك، حافظ عليه بقي يا باشا.
أشار لها على باب المكتب مردفاً:
على مكتبك يا آنسة دلال، ليلي هتفهمك كل حاجة عن الشغل.
ابتسمت إليه ببراءة قائلة:
تحت أمرك يا باشا.
خرجت بخطوات رشيقة وأغلقت الباب خلفها.
رفع رأسه مع صوت الباب وألقى بالقلم على الأرض مردفاً بذهول:
إيه إللي أنت طلبته ده يا أيوب، معقولة حتة بنت زي دي من ليلة واحدة تعمل فيك كده؟
مسح على خصلاته بجنون لينقذه رنين هاتفه من نوبة غضبه.
فتح الخط وقال:
ها يا مصطفى، ولا لسه في غيبوبة؟
الحالة بتسوق يا باشا، في كم دكتور عنده جوا مش عارف دخلوا كلهم مرة واحدة ليه، ومراته منهارة.
ثقلت أنفاس أيوب وقال:
لما طلبوك إمبارح في القسم قولت لهم إيه؟
ضحك مصطفى بخفة:
أنت ناسي إني ظابط سابق ولا إيه يا باشا، ما تقلقش، الموضوع عدى على خير.
أيوة يعني قولت إيه عشان تخرج؟
بما إني الحرس الشخصي ليك وهو الدكتور الخاص بحنين، فكنت جاي آخدها، عايزك تهدى الصحافة، ما عرفتش أي حاجة لحد دلوقتي، ولو فاق هنعدي القضية إن هي نوبة غضب جات لها في وقت الجلسة.
يعني بنت أخويا هتطلع مجنونة؟
تنهد مصطفى بتعب:
لحد دلوقتي ما فيش حلول تانية، خليني نصبر شوية ونشوف هنعمل إيه.
أغلق الهاتف وقال بتوهان:
الله يسامحك يا حنين، الله يسامحك.
دلت إليه ليلي وقالت بتوتر:
مدام جومانة طالبة تقابلك.
أتت إليها بقدميها ليفرغ بها نيرانه المشتعلة، فقال:
خليها تدخل، وأمنعي أي حد يدخل علينا طول ما هي جوا.
دلت بعد ثواني امرأة بأول الأربعينات، أنيقة على درجة كافية من الجمال.
ابتسمت بسعادة لمقابلة سلفها السابق وحبيبها الأول والأخير.
مدت يدها للسلام، فقال ببرود:
طبعاً كلابك اللي أنتِ مخلياهم ماشيين ورانا في كل مكان قالوا لك اللي حصل لبنتك، جاية بقى تصطادي في الميه العكرة ولا تكملي تمثيل في دور الأم اللي نفسها تشوف بنتها؟
ذكي منذ أن كان طفل يلعب معها بالحديقة، وهذا الذكاء يجذبها إليه أكثر.
سحبت كفها ثم جلست على المقعد المقابل إليه مردفة:
يمكن تكون شايفني وحشة يا أيوب، لكن مهما حاولت تنكر أنا هفضل أم حنين وخالد الله يرحمه، مش جاية أشمت في بنتي، أنا جاية أطمن عليها وأعرف إيه اللي حصل لها بالظبط.
خرجت منه ضحكة ساخرة قبل أن يقول:
ومين فهمك إني مختوم على قفايا وإن شوية الكلام الأكل اللي أنتِ جاية تقوليهم دول ممكن يدخلوا عليا؟ أنا وأنتِ عارفين كويس أوي إن لو في حاجة حصلت لحنين هتبقى بسببك.
انتفضت من فوق مقعدها مردفة برعب:
أنت بتقول إيه؟ بسببي إزاي يعني؟ أنا أمها، هقول لها روحي اقتلي الدكتور بتاعك.
قام من مكانه وجذبها من ذراعها لتقف أمامه مردفاً:
سجل مكالماتك وصلت لي امبارح، ومعظمها كانت مع الدكتور آدم، الغريب بقى يا أخي مدة المكالمات دي، بتتكلمي مع دكتور بنتك أكتر من ساعتين كل يوم، يا ترى ده ليه يا جومانة؟
شعرت بجسدها ينتفض، فقالت:
عشان أطمن عليها، حنين.
ابتعد عنها ثم أشار لها على باب المكتب مردفاً:
أنا كنت ناوي والنيه خالصة لربنا، أبعت لك رجالي يجيبوكي النهاردة بالليل نتكلم مع بعض، قلبك حس بيا، ما إحنا الحب القديم وجيتي لي بنفسك، كتر خيرك.
هتنزلي من هنا هتلاقي واحد من الرجالة مستنيكي بعربية، تركبي معاه من غير ولا كلمة لحد ما أفضي لك يا جومانة، وقتها نبقى نتحاسب.
ماشي يا أيوب، هروح لأني متأكدة إن مهما حصل مش هتأذيني.
بمنزل أبو الخير.
فتحت حنين عينيها بتعب، بدأت تتفقد المكان حولها بتعجب حتى تذكرت أين هي.
انتفض جسدها من فوق الفراش متذكرة تهديد زوجته إليها بالضرب، لتجده نائماً على الأريكة المقابلة لفراشها.
استيقظ على أثر انتفاض جسدها مردفاً بقلق:
أنتِ كويسة؟
حركت رأسها برفض، سؤال أحمق من رجل عاقل.
مسح على خصلاته بتعب ثم قام من محله مقترباً منها بهدوء مردفاً:
إيه إللي حصلك خلاكي تقعي من طولك؟
ابتلعت ريقها بخوف وهمست:
كلم عمو ييجي ياخدني من هنا، أنا مش عايزة أفضل المكان ده.
أخذ نفس عميق ليتحلى بالصبر وقال:
أنتِ مش عيلة صغيرة يا حنين وعارفة كويس أوي إن وجودك هنا أكتر أمان ليكي، قوليلي بقى إيه اللي حصل لك امبارح بالظبط؟
أشارت لباب الغرفة بقهر وبكت مردفة:
مراتك دخلت لي امبارح وكانت عايزة تعرف أنا بعمل إيه هنا، هددتني إنها هتضربني لو ما اتكلمتش، لو سمحت أنا مش عايزة أفضل هنا.
أومأ إليها بهدوء ثم اقترب من باب الغرفة وفتحها بقوة مردفاً بغضب:
شامية، نسمة، عزة، تعالوا هنا أنتوا تلاتة.
عاد إليها وبعد ثوانٍ أتوا الثلاثة إليه، أشار لهن بقوة ليقفوا بصف منتظم فقال:
عايز أسمع اللي حصل من غير كذب بدل ما تشيلوا الليلة كلكم.
عند تلك النقطة اعترفت شامية بأقل من ثانية:
نسمة اللي اللي دخلت عندها يا حاج.
جلس على الأريكة واضعاً ساق فوق الأخرى مشيراً إليها بهدوء لتكمل حديثها:
نسمة أول ما عرفت إن هي موجودة هنا دخلت لها، بعدين ما أنت مشيت على طول يا حاج وسألتها هي هنا ليه وبتعمل إيه، لما البنت سكتت وما رضيتش ترد نسمة كانت هتضربها، البنت من الخوف وقعت من طولها، هو ده اللي حصل والله العظيم، والبنت ملهاش ذنب ولا كانت موجودة معانا خالص.
حدقت بها نسمة بغضب، فقال بقوة:
ما شاء الله، عملتي كل ده في غيابي وواقفة بتبرقي لها قصاد عيني، ده أنتِ استقويتي بقى وما بقاش همك حد.
حركت رأسها برفض وألقت بجسدها أسفل قدميه مردفة برجاء:
لا عشت ولا كنت لو استقويت قصادك يا حاج، بس أنا عملت كده من غيرتي، أنت عارف إني بحبك وما أقدرش...
صرخت بقوة بعدما أبعدها عنه وقام من مكانه مردفاً:
احترمي نفسك واعملي حساب إنك طليقي، أنتوا التلاتة عايشين تحت سقف البيت ده لأنكم أمهات ولادي وبناتي، غير كده ما فيش ولا واحدة فيكم مكان هنا، الشقة دي ليا لوحدي، وقولت بدل الف مرة مش عايز أشوف واحدة فيكم فيها، اطلعي شقتك يا عزة.
أخيراً أخذت عزة إذن بالفرار، بعد أقل من ثانية اختفت من أمامه لتقول شامية بخوف:
أنا ما عملتش حاجة في ضيفتك يا حاج، هي واقفة قدامك أهو، اسألها لو كلمتها ولا دوست لها على طرف.
ما عملتيش حاجة في ضيفتي، لكن لما سألت إمبارح حصل إيه كذبتي وداريتي عليها، تاخدي نفسك وتطلعي شقتك وتدي بناتك لعزة، مش عايز أشوفك بره باب الشقة غير لما أنا أقرر، مفهوم يا شامية؟
عضت على شفتيها بقهر وقالت:
أمرك يا حاج.
أشار إليها بالخروج فخرجت.
كانت حنين تتابع ما يحدث بذهول، لأول مرة تجد ثلاث نساء تحت سقف واحد مع زوجهم السابق، انتفضت على أثر صوته المرعب وهو يقول:
اعتذري من حنين يا نسمة.
اتسعت عينيها وهي ترى خضوع الأخرى التام، اقتربت منها ثم قبلت على رأسها مردفة:
حقك عليا يا حنين.
للمرة الثانية انتفضت على أثر نبرته:
مسامحة ولا لأ يا حنين؟
مسامحة.
ابتسم إليها بحنان ثم قال لنسمة:
نزلي مهران عندي هنا، وخذي بعضك وعلى بيت الحانوتي اللي خلفك لحد ما يجي لي مزاج أرجعك تعيشي في عزي من تاني.
اللعنة نفذت ما أمرها به وانصرفت، فقالت حنين بذهول:
إزاي؟
سألها بتعجب:
هو إيه اللي إزاي؟
إزاي متجوز تلات ستات ومطلقهم وعايشين معاك في بيت واحد، وإزاي بيسمعوا كلامك وخايفين منك بالشكل ده، وإزاي أهلهم سايبينهم يعيشوا مع راجل غريب عنهم؟
ابتسم بقوة ثم أشار للخادمة تأتي بصينية الطعام مردفاً:
ما تشغليش بالك بكل ده، أنتِ محتاجة تاكلي، دكتور امبارح إنك تعبانة جداً.
ماليش نفس.
حنين.
قالها بنبرة مخيفة، فأخذت منه الصينية وقالت بخوف:
حاضر.
هنا فقط علمت كيف تعيش معه النساء تحت سقف واحد.
بالمساء بغرفة أيوب بالفندق.
ارتدت دلال ثوب نوم قصير من الشيفون باللون الأزرق، ثم وضعت على وجهها بعض مساحيق التجميل لتظهر جمالها أكثر.
ألقت على نفسها نظرة أخيرة راضية، أخذت بعدها نفس عميق متوتر مردفة:
مش هطلع من الليلة خسرانة يا ابن رسلان.
دق هاتفها برقم مجهول للمرة الرابعة، فزفرت بضيق وأغلقت المكالمة، يكفي ما بها من توتر، ليس لديها طاقة لأي نقاش.
وصل إليها تردد خطوات خلفها فعلمت بقدومه، أغلقت عينيها مع شعورها بحركة أصابعه على ظهرها، لو يعلم كم تنفر من لمسته لمات بنفس اللحظة.
وصل لعنقها فسحب خصلاتها على الجانب الآخر ووضع ذقنه على كتفها مردفاً بنبرة خشنة:
شكلك فكرتي.
امممم، فكرت.
أخذت نفس عميق من رائحة عطرها الفواحة وهمس:
وريحة البرفان اللي تجنن دي بتقول إنك قررتي.
ارتجفت من سحر سخونة أنفاسه وقالت بنعومة:
امممم، وقررت.
قررتي إيه بقي يا دلال؟
مش باين عليا؟
لأ باين، بس عايز أسمعها من بين شفايفك.
ربما أراد الانتصار عليها بشكل صريح، والحقيقة أن الحياة جولات، ولتكون صادقة، فاز بالجولة الأولى عن جدارة.
لفت وجهها إليه ووضعت عينيها بداخل عينيه مردفة:
أنت عايز تدلع وأنا موافقة أدلعك يا باشا.
انتشاء رائع تغلغل بجميع أنحاء جسده، ضمها إليه بقوة ليصل إليه همسها الناعم باسمه، ليبتعد عنها مردفاً:
مالك؟
أنا كائن رقيق، أتعامل معايا على الأساس ده.
ضحك بخفة بعد وصول رسالتها إليه، ليرفع يده يقرص أنفها بقوة مردفاً:
أنتِ كائن لعين، لو غفلت عنك شوية هتغدري بيا.
رفعت نفسها قليلاً لتلف يديها حول عنقه مردفة بثقة:
خد بالك مني بقي وخليني دايما تحت عنيك.
متخافيش عليا، لسة محملتش فيه أمه اللي يقدر يغدر بيا، لو حد المفروض ياخد باله يبقى أنتِ.
واخدة وعيني في نص رأسي كمان.
أومأ إليها بابتسامة ساخرة ثم قال:
ها دلال هانم ناوية تدلعني إزاي بقي؟ عايز أشوف المواهب.
مالت برأسها عليه قليلاً ثم همست بالقرب من أذنه:
خد دوش واطلع، هعملك جو مش في القارة بتاعتنا خالص.
أعطت إليه الكثير من اللهفة لمعرفة خطتها، دلف المرحاض لتمسح على خصلاتها مردفة:
أنتِ قوية يا دلال، قوية، خليكي دايما حاطة ده في دماغك ومتأكدة منه.
انتهت من إعداد الفراش مع إغلاقه لباب المرحاض.
توقف محله لعدة ثوانٍ، فأتت بنفسها إليه وجذبته من يده مردفة:
إيه رأيك؟
أنتِ ناوية على إيه بالظبط؟
حركت كتفها بدلال مفرط وقالت:
مساج، ناوية أريح أعصابك على الآخر.
نام على الفراش وأعطى إليها ظهره مردفاً بوقاحة:
وريني بقى بتعرفي تعملي مساج وإلا محتاجة تدريب.
بدأت تضع القليل من الزيوت على ظهره وأصابعها الصغيرة تتحرك بنعومة على مقدمة عنقه، تشير ببطء وخفة، جعلته يأمر بانتهاء وقت المساج وجذبها لتسقط على الفراش مردفاً:
كنت عارف إنك محتاجة تدريب، ركزي بقى واتعلمي المساج الصح المريح للأعصاب بيتعمل إزاي.
بعد فترة ابتعد عنها هامساً:
أنتِ حلوة أوي يا دلال.
أغلقت عينيها بمشاعر تظهر لها كم هي غارقة ببحر من النفور وهمست:
عارفة.
سحب جزء من ملابسه الداخلية وقام بارتدائه قبل أن يقوم من فوق الفراش، اقترب من جكيته وأخرج لها ملف ثم ألقى به عليها مردفاً بقوة:
كنت عارف إنك ذكية وشاطرة، عشان كده حضرت لك أول هدية مني.
إيه ده؟
افتحي وشوفي بنفسك.
أخذته من فوق بطنها وفتحته بتعجب، اتسعت عينيها بذهول وقالت:
ده ورقي بتاع الكلية، رجعت تاني إزاي بعد ما انقطعت المدة دي كلها؟
بقوة قال قبل أن يتركها ويدلف للمرحاض:
أنتِ معاكي أيوب رسلان يا دلال، خدي بالك من النقطة دي كويس.
معها أيوب رسلان؟ هل أصبح لديها نقطة قوة تستطيع التحرك من خلالها؟
نعم دلال، أنتِ الآن بأقوى عصورك وبداخل عهدك المميز.
رنين هاتفها أخرجها من تفكيرها، فحدقت بالهاتف بحنق لتجد نفس الرقم المجهول.
زفرت بضيق وفتحت الخط مردفة:
نعم، مين معايا؟
أتاها صوت غير مألوف يقول بهدوء:
دلال مش كده؟
أيوة، مين حضرتك؟
تقدري تقولي عليا عملك الأسود في الدنيا يا حلوة.
رفعت حاجبها بتعجب وقالت:
أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ يا تخلص وتقول أنت مين يا أما هقفل السكة في وشك.
ضحك بقوة وقال:
اهدي على نفسك يا حلوة، العصبية دي مش كويسة عليكي، وبعدين أنتِ ليكي مصلحة كبيرة عندي يعني المفروض تحطي جزمتي فوق راسي.
ده شكلي أنا اللي هحط جزمتي فوق راسك وهمسح بيك بلاط البلد يا راجل يا مهزق.
ولما أيوب باشا يعرف إن حرمه المصون اللي متجوزها في السر هي اللي كانت سايقة العربية في الليلة اياها وموتت ابن أخوه هيعمل فيكي إيه يا دودو بس.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل السادس 6 - بقلم شيماء سعيد
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل السابع 7 - بقلم شيماء سعيد
ارتجفت يديها بين يديه وعادت قدميها بشكل تلقائي خطوة للخلف. برودة عجيبة سارت بجسدها رغم ارتفاع حرارة الجو. رفعت عينيها لتري الذهول بعين الرجل الواقف أمامه والنفور بعين زوجته. نفور؟.. نعم، هي أصبحت بمحل نفور وتستحقه بكل جدارة. رفضت النظر إليه، رفضت رؤية نظرة تجعلها تسقط أمام الجميع.
رفع الرجل حاجبه بتعجب مردفاً:
_ عشيقتك بجد؟!..
_ لأ، بهزر. يكفي لا تود سماع المزيد.
سحبت يدها من يده وتقدمت من الرجل خطوة ومدت يدها إليه مردفة بهدوء:
_ أنا الدكتورة دلال، أبقى سكرتيرة مكتب أيوب باشا لحد ما أخلص دراسة. بس من الواضح إن الباشا بيحب يهزر.
حديثه لم يقلل من حدة الأمر، فالكلمة الأولى خرجت وانتهت. ربما تعليقه الساخرة بكلمة "بهزر" أثبتت عليها الأمر أكثر. جذبت المرأة زوجها ورحلت.
فقال أيوب بهدوء:
_ يلا نكمل.
ما هذا؟!. كيف له أن يكون عديم الضمير والمشاعر لتلك الدرجة؟!..
تحدثت بهدوء:
_ عندك حق، الهدوم هنا روعة.
تعجب من رد فعلها. توقع صراخها أو رفضها لتكملة رحلة الشراء، إلا أنها تحركت بالمكان بخفة تأخذ قطعة من هنا وقطعة من هناك. تابعها بصمت ليري نهاية ما تفعله. أخذت معظم المحل وقالت:
_ يلا بقي يا بيبي على محل المجوهرات.
رفع أيوب حاجبه مردفاً:
_ مجوهرات؟!..
أومات إليه ببراءة وقالت:
_ عايزة شبكتي يا باشا، وإلا جيبك فضي على كدة.
ابتسم أخيراً بفهم لما يدور حوله. جذب خصرها لتبقى بين يديه وقال بقوة:
_ بقي هي الحكاية كدة؟!. فاكرة لما تصرفي كتير هتخسريني وتاخدي حقك مني؟!..
رفضت بحركة ناعمة من رأسها وقالت:
_ تؤ، أنا مليش حق عندك أصلاً عشان أفكر أخده. جوازنا لعبة، كل واحد فينا بيستمتع فيها بالطريقة اللي تعجبه. أنت شايفني عشيقة، أنت حر. وأنا شايفاك بنك فلوس، أنا حرة. المهم إن إحنا الاتنين مبسوطين يا باشا، ولا أنت رأيك إيه؟!..
للحظة شعر بالضيق من وصفها الصريح له ببنك المال، ومع ذلك أومأ إليها بجدية مردفاً:
_ شاطرة وعارفة مقامك ومصلحتك كويس.
ها هو يرد إليها الإهانة بأقوى منها، وتقبلتها هي بكل صدر رحب مردفة:
_ طيب يلا بقي على بتاع المجوهرات.
_ يلا يا دلال.
سحبها لتسير خلفه حتى وصل بها لمحل المجوهرات. جلس على أحد المقاعد ثم أشار إليها مردفاً:
_ اختاري كل اللي نفسك فيه.
نفذت ما قاله بحرف، كلما وقعت عينيها على قطعة من الألماس أخذتها. انتهى بها الأمر على طقمين روعة وفوقهما خاتم رقيق. أخذت نفسها بارتياح ثم قالت:
_ خلاص كفاية كدة، أنا مش طماعة.
حدق بها وكأنه يقول حقاً؟!.. فلتت منه ضحكة متعجبة قبل أن يشير لصاحب المحل:
_ الحساب.
_ عايزة الفاتورة باسمي.
نظر إليها لتقول بتوتر:
_ إيه؟!. مش حاجتي يبقى لازم تبقي باسمي.
_ امممم، وماله؟!. عندك حق. أعمل الفاتورة باسم دلال السيد حسان.
أخذت نفسها بالقليل من الراحة. تنفيذه لكل ما تطلبه يبث بداخلها القليل من الأمان والكثير والكثير من الخوف. تعلم شخصية مثله لا يعرف للطاعة عنوان، ومع ذلك الأهم الآن أنه ينفذ.
صعدت معه للسيارة ثم مدت يدها إليه مردفة:
_ يلا.
_ يلا إيه؟!..
أشارت ليدها الأخرى الموضوع بها علبة الخاتم وقالت بحزن:
_ لبسني الخاتم. من وأنا عيلة صغيرة بحلم باللحظة اللي هلبس فيها دبلتي.
لا يعلم كيف، ولكن قلبه تألم عليها. والأسوأ من ذلك بالنسبة له أنه طلب منه تلبية رغبتها ومسح حزنها. خرجت منه تنهيدة طويلة قبل أن يمد يده ويأخذ منها العلبة، أخرج الخاتم ثم وضعه بحنان بداخل إصبعها مردفاً:
_ مبسوطة كدة؟!..
أومات إليه بابتسامة سعيدة وقالت:
_ هبقي مبسوطة أكتر لو بوست أيدي وقولتلي مبروك يا عروسة.
هل هو مغيب أمام نظرة رجاء منها؟!.. نعم، يبدو إنها وبكل أسف لها تأثير كبير عليه. مل قليلاً على كفها ووضع قبلة حانية ببطن الكف هامساً بنبرة خشنة:
_ مبروك يا عروسة.
أرتجفت من حلاوة شعورها. طلبت بنفسها ما تمنت وهي على يقين من عدم خوضها لتلك اللحظات مرة أخرى. ابتسمت بخجل وقالت:
_ الله يبارك فيك، شكراً.
حرك رأسه بقلة حيلة وقال:
_ على حد علمي كان الإهتمام مبيطلبش.
حركت كتفها بنعومة وقالت:
_ لأ، بيطلب عادي يا باشا.
***
بمنزل مسعد.
انتهت خلود من إعداد طاولة العشاء ثم دلفت للشرفة. وجدته مثل عادته بالفترة الأخيرة يقف بعيداً عن العالم الخارج يحدق بالشارع بشرود. كتمت قهرها بقلبها ثم اقتربت منه بحنان مردفة:
_ مالك يا حبيبي؟!. بقى لك كام يوم مش مبسوط، وكأنك تايه في الدنيا لوحدك؟!..
يشعر بثقل كبير يحتل صدره. العالم من حوله ينغلق على قلبه. أعطاها نظرة سريعة ثم عاد بنظره للسيارات بالشارع مردفاً:
_ زهقان مش أكتر، هيكون مالي يعني؟!..
تعلم ما يشعر به وهذا يقهر قلبها أكثر. مسحت بكفها على ظهره وقالت بتعب:
_ اديني شوية من وقتك يا مسعد. بصلي وشوفني بقلبك قبل عينك. صدقني وقتها هتحس إن معاك كل حاجة، ما فيش حاجة تستحق إنك تتوه في الدنيا عشانها.
تود إيصال رسالة صريحة إليه وها هي وصلت. تنهد بثقل وقال:
_ ومين بقى لك إن مش شايفك يا خلود؟!..
ابتسمت قائلة:
_ بلاش تضحك عليا بالكلام يا مسعد. أنا وأنت عارفين كويس أوي إن عمرك ما شوفتني زي ما شوفت دلال. حتى دلوقتي واقف بتتفرج على اللي رايح واللي جاي في الشارع، يمكن تطلع واحدة منهم وتبرد نار قلبك. مفكرتش تبص جوه بيتك دقيقة واحدة، يمكن تلاقي فيه إيه اللي يريحك.
دائماً ما تضعه أمام الحقيقة وهذا ما يحاول الفرار منه. أبتعد عنها بغضب وقال:
_ أنتِ وليه؟!. عقلك باظ وكل تفكيرك في دلال وغيرتك منها. فوقي يا خلود بدل ما في يوم أبص بره فعلاً لأني خلاص جبت أخري من تصرفاتك دي.
_ زي العادة بتقلب الترابيزة عشان أبقى أنا غلطانة ووحشة. عموما ماشي يا مسعد، أنا بغير من دلال وعندي تهيؤات. كتر خيرك، تعالى بقى كلك لقمة عشان بقى لك يومين ما أكلتش.
أخذ نفسه بتعب ثم سحب كفها مقبلاً إياه مردفاً:
_ أنتِ ست الستات يا بت وما فيش في حياتي غيرك، وما بحبش أكل غير من إيديك الحلوين دول. إلا صحيح، عاملة لنا عشاء إيه؟!..
_ محشي.
_ وواقفه كل ده بترغي؟!. يلا خلينا نتعشى.
تحركت أمامه، ومع أول خطوة له تجمد بمحله على أثر رنين هاتفه. لعنته الكبرى كانت بإسم المتصل "دلال". فتح الخط بلهفة وقال:
_ دلال.
_ عايزك في خدمة يا مسعد، تعملها معايا وإلا خلاص رفعت إيدك عني؟!..
_ وده إسمه كلام يا دلال؟!. أنا تحت أمرك طبعاً.
***
بقصر رسلان.
دلف ليجد جومانا بانتظاره مثلما أمرها. حاولت القيام من محلها مقتربة منه إلا إنه أشار إليها بجمود لتبقى محلها. ثم جلس على الأريكة الكبيرة واضعاً ساقه على الأخرى وقال:
_ هاا؟!. مستني أسمع منك الحقيقة.
_ حقيقة إيه يا أيوب اللي أنت عايز تسمعها بجد؟!. مش فاهمة؟!. أنا عايزة أعرف مكان بنتي، كفاية ابني اللي ضاع من غير ما أشوفه.
خرجت منه ضحكة ساخرة وقال:
_ ما بلاش جو حنان الأم ده عشان مش لايق عليكي خالص. بنتك أنتِ كنتي واخداها كوبري عشان ترجعي القصر ده تاني. أنا مش عايز أسمع منك غير الحقيقة. كنتي بتكلمي الزفت اللي اسمه آدم ده ليه؟!. وإيه العلاقة اللي بتربط بينك وبينه؟!..
منذ زمان بعيد يعلم ما تخفيه عنه من نظرة عينيها، وها هي تهرب من النظر إليه. فقال:
_ معقولة تكوني السبب في اللي حصل لحنين يا جومانا؟!. للدرجة دي عينيك اتعمت وما بقيتيش شايفة غير الفلوس؟!..
حركت رأسها برفض وقالت:
_ أنت بتقول إيه؟!.. أنا مستحيل أعمل في بنتي حاجة زي دي. دي بنتي أيوب، مش جايباها من الشارع. كنت بكلمه عشان خاطر يتكلم عني قدامها طول الوقت وهي تضغط عليك فترجعني قصر هنا، خصوصاً إني خلاص ناوية أطلق. لكن ما كنتش أعرف إن الحيوان بيلعب بيها بالشكل ده.
يتمنى لو تكون صادقة. يتمنى أن يظل بينهما شئ واحد يذكره بالفتاة البريئة التي أحبها. سألها بتعب:
_ لو فعلاً حنين غالية عندك يا جومانا، قولي الحقيقة. خلينا نقدر نساعدها.
اسمها منه لحن تعشقه. اقتربت لتجلس أسفل ساقه وقالت بنعومة:
_ صدقني يا أيوب، أنا ما أعرفش أي حاجة غير اللي قولتها. وحشني حضنك أوي يا أيوب. ممكن آخدك في حضني مرة واحدة، إن شاء الله أموت بعدها؟!..
طلب عجيب. أو ليكون صادق، هو طلبه منها قبل اثنين وعشرين عاماً، قبل خطوبتها من شقيقه بأيام قليلة. وقتها ضمته وقالت "يا ريتك كنت طموح زيه يا أيوب، كنت أخدتك ووقفت قصاد بابا. لكن بابا شايف إن صاحب المال أحق بيا".
قام من محله مبتعداً عنها وقال بغضب:
_ لو مش عاملة حساب للراجل اللي كنتي شايلة اسمه والتراب دلوقتي أكله، اعملي حساب الراجل اللي انتِ شايلة اسمه دلوقتي وبتطلبي حضن من غيره. لو كنتي ناوية تطلقي وتقعدي في القصر ده مش هقولك لأ، لأن أولادك ليهم فيه زي ما ليا.
اقتربت منه بخطوات مترددة ومدت يدها لتمر بها على صدره مردفة:
_ سامحني يا أيوب وخلينا ننسى اللي فات. افتكر ليا أي حاجة واحدة حلوة، على الأقل افتكر إني جومانا حضرتك.
للمرة الثانية يبعدها عنه وقال:
_ انسي لعب العيال بتاع زمان ده. كنا وقتها صغيرين يا جومانا، وأنتِ كنتي ذكية كفاية، اخترتي الكبير اللي ماسك كل حاجة مش العيل اللي بيدرس.
_ أيوب أنا..
_ ارجعي بيت جوزك يا جومانا. عيدي حساباتك مع نفسك من أول وجديد. ولو ليكي يد في اللي حصل لحنين، ابقى قولي للتربي ينضفلك قبرك.
***
بمنزل أبو الخير.
ظلت حنين حبيسة غرفتها لباقي اليوم مثلما أمرها. عقلها يدور هنا وهناك، هل هي بالفعل مريضة نفسية أم فتاة صغيرة مشتتة؟!.. لا تعلم إلى أين ستصل ولا ترغب بالوصول لأي مكان، فقط تود توقف الزمن حتى تظل على حالتها دون خوض ما هو أصعب.
دق قلبها بحنين لسماع صوت مصطفى. تود أن تطمئن بكلمة ولو صغيرة تريحها. ترددت كثيراً قبل أن تعصي حديث ناصر وتخرج من الغرفة. ذهبت لغرفة الصالون لتري الهاتف الأرضي. جلست على المقعد ومدت كفها المرتجفة بتردد قبل أن تحسم الأمر وتكتب رقم مصطفى.
بعد ثوانٍ سمعت صوته يقول:
_ خير يا حاج؟!. الأمانة اللي عندك بخير؟!..
ارتفعت شهقاتها. وصل إليه صوتها ليشعر برجفة بقلبه. همس باسمها مردفاً:
_ حنين.
يا الله على روعة الكلمة. حنين، كلمة واحدة منه جعلتها تشعر بالأمان. بكت أكثر، فقال بقلق:
_ أنتِ كويسة يا حبيبتي؟!. ردي عليا.
حركت رأسها بنفي وقالت:
_ لأ يا مصطفى، أنا مش كويسة. ومش هبقى كويسة طول ما أنا في المكان ده. عارفه إن عمو دلوقتي مش بيحبني يا مصطفى. تعالى خدني أنت من هنا أرجوك، خليني عندك. المكان ده مرعب والراجل اللي أنتوا حاطينني عنده ده مخيف. عارفه إني غبية وحيوانة واستاهل العقاب، لكن والله العظيم ما هقدر أقعد هنا أكتر من كده يا مصطفى. قول لعمو حنين خايفة، وهو هينسى كل حاجة ويجي ياخدني في حضنه.
تأثر مصطفى من سماعه لحديثها. شعر بالعجز، فضرب الأباجورة المجاورة لفراشه وقال:
_ إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده يا حنين؟!. أنتِ فاكرة إننا سايبينك عند الحاج ناصر عشان بنعاقبك؟!. أنتِ هناك في أمان، لازم تفهمي حجم المصيبة اللي واقعه فيها. حالياً البوليس بيدور عليكي والحيوان ده في غيبوبة، الله أعلم ممكن يحصل له إيه. روحنا كلنا متعلقة في روحه دلوقتي يا حنين، فالأحسن ليكي إنك تفضلي موجودة عند ناصر، مكان بعيد عن عين الحكومة.
بكت بحرقة وقالت برفض:
_ مش هقدر، والله العظيم ما هقدر. أنا لو فضلت في المكان ده أكتر من كده هتجنن. هكلم الحيطان، حسوا بيا بقى، حرام عليكم.
صرخت برعب مع شعورها بسحب الهاتف من بين يديها. صرخ مصطفى بخوف:
_ مالك يا حبيبتي؟!. في إيه؟!..
آتى إليه صوت ناصر الهادي يقول:
_ ما تخافش عليها. حنين كويسة، بس من الواضح إنكم دلعتوها زيادة عن اللزوم لدرجة إنها مش عارفة تعتمد على نفسها في أي حاجة. اقفل أنت، وهي هتبقى معايا بخير.
ستبقى معه بخير؟!.. ربما كانت رسالة صريحة لمصطفى، وربما تكون وصلت إليه بكل سهولة. وضع السماعة دون انتظار سماع الرد، ودار بوجهه إليها مردفاً:
_ عقلك قال لك إني عشان عديت الغلطة الأولى ممكن أعدي الغلطة التانية؟!. تفتكري يا حنين، دي شجاعة زيادة عن اللزوم منك ولا غباء هيوصلك لحتة مش حلوة؟!.
حنين رسلان، ابن كبير عائلة رسلان ومدللة عنها. شخصية عنيدة لأقصى درجة. خلعت ثوب الخوف وقالت:
_ وأنت مين عشان تعدي ليا غلطاتي ولا تحاسبني؟!. أنا هنا ضيفة ومش أي ضيفة كمان، أنا حنين رسلان، يعني أشرف أي مكان أبقى موجودة فيه. يا ريت تحافظ على المسافة اللي بينا.
رفع حاجبه بمعني حقاً، ثم فلتت منه ضحكة ساخرة وقال:
_ هنقول إيه؟!.. دايماً الشباب بيوصلوا لحيطة سد، ما بالك بقى لما تبقي عيلة صغيرة غبية؟!. يطلع منك أكتر من كده. معاكي ثانية وتغوري من وشي قبل ما أعرفك ممكن أعمل فيك إيه.
وضعت يدها على خصرها وقالت بقوة:
_ ولا تقدر تعمل لي حاجة، عمو ممكن يقسمك نصين.
أومأ إليها بنفاذ صبر ثم جذبها من يدها لغرفة فارغة من الأثاث. صرخت برعب وهي ترى لأول مرة مجموعة من الثعابين. دفعها لتدخل، إلا أنها تعلقت برقبته مثل طوق النجاة وقالت:
_ لأ لأ، الله يخليك بلاش تعمل فيا كده، مش هغلط تاني والله.
ما هذا؟!. ما هذا حقاً؟!.. عناقه لها بنعومة لأول مرة يشعر بها. وجد حاله يستغل الفرصة ويغلق يديه عليها مستمعاً بتلك اللحظة اللذيذة. دفنت وجهها بذقنه مردفة بخوف:
_ خرجني من هنا أرجوك، وأنا أوعدك إني هقعد مؤدبة وهنفذ كل اللي أنت عايزه.
وهل بيده شئ غير غلق بها الغرفة والذهاب بها بعيداً عنها كل البعد؟!. لا والله. لأول مرة يعلن الحاج ناصر طاعته لأحد. عاد بها للصالة وهي مازالت بين يديه. شعرت بسخونة أنفاسه عليها فأبتعدت مردفة بخجل:
_ شكراً.
لا... هو لا يود سماع شكر، مكتفياً بنعومة جسدها بين يديه. دقة والثانية على باب المنزل جعلته يبتعد. فتح الباب ليري والدته تقول:
_ بت مين اللي عندك وطفشت عشان أم الواد يا ناصر؟!..
***
بجناح أيوب بالفندق.
ثلاثة أيام معها أعتاد بهم على النعيم، غارق معها ببحر من الدلال. دلف بخطوات ثابتة عكس حماسه الداخلي المنتظر جديدها. للحظة شعر بسقوط أحلام أرضاً. كانت تنام على الأريكة بمنامة بيضاء من الستان بها قلوب سوداء. أقترب منها بحنق يود معرفة كيف لها أن تنام دون انتظار قدومه. وضع أحد أصابعه على كتفها مردفاً:
_ دلال. بت.. دلال..
_ امممم.
فقط كانت الإجابة مجرد همهمة ضعيفة. نغزها مرة أخرى وقال بضيق:
_ فوقي لي يا بت أنتِ.
نبرته دلفت إلى أحلامها، ضيعت عليها نومها السعيد. فتحت عينيها بضجر زاد أضعاف مع رؤيتها إليه ثم همست بنبرة متحشرجة:
_ في إيه؟!..
زفر بضيق وقال:
_ في إيه أنتِ؟!. في واحدة تنام قبل ما جوزها هنا؟!. وبعدين نايمة على الكنبة ليه؟!..
_ مزاجي كده.
قالتها بدلال ناعم ليرفع حاجبه مردفاً:
_ نعم؟!..
أومات إليه وقالت:
_ مخصماك يا أيوب، روح بقي نام على سريرك وسيبني أنا كمان أنام.
أشار على نفسه بسخرية مردفاً:
_ مخصماني؟!..
_ امممم، مخصماك ومتعاقب كمان. وطول فترة العقاب كل واحد فينا هيبقى في سرير.
فلتت منه ضحكة ساخرة وقال:
_ يا سلام؟!. ودلال هانم بقى مخاصماني ومعاقباني ليه؟!..
الكارثة إنه لديه من الجبروت ما يجعله يسأل بكل بساطة عن سبب الخصام. حركت كتفها ببساطة وقالت:
_ تفتكري ممكن تكون عملت إيه زعلني وخلاني مصممة أخاصمك وابعد عنك؟!..
يعلم ما يرمي حديثها إليه. كان بيده يحتضن الموقف بطريقة أرقى، ومع ذلك رد عليها بعجرفة:
_ أنا أعمل اللي أعمله وأقول اللي أقوله، وأنتِ عليكي بس تبقي معايا. اتفقنا الصبح إن الخصام والعتاب واللوم مش من حقك. ولو دخلتي معايا في الحتة دي هزهق منك بسرعة، ووقتها هتطلعي خسرانة يا دلال. الأحسن لك إنك تتعاملي بذكاء زي ما عملتي الصبح كده. كنتي عجباني وأنتِ بتأخدي حاجة قصاد حاجة. لكن هنقرف بعض يبقى هنزعل من بعض، وربنا ما يوريكي زعلي.
_ ولا كل الكلام اللي أنت قولته ده يفرق معايا. أنا ما بتتهددش يا باشا. على سريرك لحد ما أقرر إن عقابك خلص.
_ وده على مزاج مين بقى؟!..
طفح بها الكيل من أسلوبه. لديه من الاستفزاز ما يكفي دولة. عدلت ظهرها على الأريكة قبل أن تقول بنبرة هادية مسيطر عليها البرود:
_ مزاجي أنا. تقدر تقول إن إني مش طايقاك، وعشان مش طايقاك هعمل نفسي مخاصماك كحجة يعني عشان أهرب منك. ما تقربش مني، شوفت الموضوع سهل إزاي.
تحولت معالم وجهه مئة وثمانون درجة بأقل من لحظة. ضربته بكل قوتها بمحل مقتله. زرعت بيديه جنونه، وستري الآن ما هو أبشع. صرخ بغضب:
_ هو مين ده اللي مش طايقاه يا بنت؟!. ما تفوقي لنفسك. أنتِ نسيتي مني أنتِ مين وبتتكلمي مع مين ولا إيه؟!. حتة فلاحة لميتك من الشوارع بدل ما كنتي بتعري جسمك للي يدفع أكتر وعملتك هانم.
حديثه سقط عليها مثل الصاعقة، فقامت من محلها لتقف أمامه صارخة:
_ إياك تغلط فيا. اللي واقفه قدامك دي طول عمرها هانم. لولا بس إني قابلت في حياتي من أشكلكم كتير ضيعوا مستقبلي، وأنت عارف كويس أوي إني لو عمري ما عريت للي يدفع أكتر ولا عمري أعملها، وأنت بنفسك يا باشا ما طولتش شعرة مني إلا بمزاجي وبالحلال.
نيرانه قلبه وغضبه أكبر بكثير من رؤيته لجرحها لها، فقال:
_ حلال إيه يا بت؟!. احنا هنضحك على بعض؟!. ده أنتِ ضيعتي شرفك مع خالد بحتة ورقة عرفي عشان رخيصة، واللي زيك ده آخره. لو كنت كتبت عليكي فده عشان عندي وليه ما أقبلش في يوم أشوفها مكانك، مع إنك ما تستحقيش غير اللي وصلتي له. ولو على لمسك، فانا اللي ماليش مزاج المسك. قرفت وشبعت منك، مالكيش طعم، مسخة ومملة. غوري من وشي.
كلمات كانت بلا رحمة قالها بجبروت. بأقل من ثانية كانت تعود للأريكة تضع جسدها عليها وتنام بسلام دون الرد عليه. زاد جنونه فجعل من الغرفة ساحة معركة حتى لم يتبق بالمكان شئ سليم غيرها. وعند تلك النقطة ترك لها الغرفة وذهب.
***
بعد مرور أسبوع.
عاد أيوب للفندق بعد قضاء أسبوعه بمفرده داخل اليخت. تخيل أنه هدأ أخيراً، ولكن بمجرد دخوله المكتب تذكر كل ما قالته ليجعل من المكتب كوم من الرماد. جلس على مقعده يأخذ أنفاسه بتعب، وعقله يدور بألف اتجاه. اللعنة الكبرى الآن إنه بعد كل هذا مشتاق لها.
دلف إليه مصطفى ووقف محله لأكثر من دقيقة يشاهد بقايا المكتب بذهول ثم قال:
_ في إيه يا باشا؟!. مين عمل في المكتب كده؟!..
تحدث أيوب وهو مازال على حاله:
_ أنا اللي عملت في المكتب كده. سيبك منه وتعالى قولي قضية حنين وصلت لفين بالظبط؟!..
جلس مصطفى على مقعد يعتبر به القليل من الأمل وقال:
_ ما فيش جديد لسه زي ما هي. الحكومة بتحقق والزفت في غيبوبة. المشكلة دلوقتي في حنين يا باشا، ناصر شكله بيعملها وحش ومخليها خايفة تقعد في المكان. حاولت أتواصل مع حضرتك الأسبوع اللي فات، لكن كان تليفونك مقفول. أول ما السكرتيرة بلغتني بوجودك في المكتب جيت لك على طول.
زفر بضيق وقال:
_ هروح له النهارده أشوف إيه اللي بيحصل بالظبط.
تنحنح مصطفى وقال:
_ هتكلم معاك دلوقتي على إني صاحبك مش الحارس بتاعك. مالك يا أيوب؟!. بقى لك كام يوم مش مظبوط، واللي أنت عملته في المكتب ده بيأكد كده. أنا عارفك مش بتتعصب بالشكل ده بسهولة. إيه حكايتك بالظبط؟!..
ما به لا يستطيع وصفه أو قوله. حرك رأسه بتعب شديد وقال:
_ لأول مرة في حياتي أقرب من ست أبقى عايزها تفضل في حضني على طول. البنت دي خطر عليا وأنا عارف. ومكمل المشكلة الأكبر أنها عارفة تأثيرها عليا وبتدوس على قد ما تقدر.
سأله مصطفى بذهول:
_ مين البنت دي؟!..
_ دلال.
نطق حروف اسمها بعجز. بنفس اللحظة دقت دلال على باب المكتب باحترام. قال بغضب:
_ أدخل.
توقع عدم وجودها بالعمل بعد آخر حديث بينهما، خصوصاً إنه رأى سكرتيرته الأخرى موجودة على مكتبها وقت عودته. لكن هنا هي تفعل المستحيل وتقف أمامه بكل هدوء ومعها ظرف كبير. مدت يدها بالظرف مردفة:
_ اتفضل يا فندم، ده جواب جه لحضرتك من المحكمة.
أخذ منها الجواب وقال بتعجب:
_ جواب إيه ده؟!..
أجابته ببراءة شديدة وكأن الموضوع لا يعنيها في شيء:
_ دعوة طلاق من مرات حضرتك دلال السيد حسان.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
بكل هدوء قرر مصطفى الإنسحاب والعودة بعد قليل لأخذ جثة دلال.
رأته يغلق الباب خلفه فشعرت ببوادر خطر، فأخذت نفس عميق تخفي توتره خلفه وقالت:
_ أستأذن أنا بقى يا فندم.
كان صامت لأكثر من دقيقة، عينيه متعلقة بالورقة التي أعطتها له، قرأها مرة والثانية والثالثة حتى أتى صوتها الهادي يأخذ إذن بالخروج.
رفع عينيه إليها ثم أشار لها على الورقة:
_ أنتِ رافعة عليا قضية طلاق يا دلال؟
_ أنا هنا سكرتيرة حضرتك، تقدر لما تروح تتأكد من المدام إذا كانت رافعة قضية وإلا لأ.
تلعب به، أتى اليوم الذي يبقى به بين أصابع إمرأة، من أين أتت إليها الجرأة لتقف أمامه وتتحدث بكل تلك الاريحية؟
رأت تغير معالم وجهه وكأنه استوعب الكارثة أخيراً، أبتلعت ريقها وبدأت تعود للخلف بخطوات سريعة لعلها تقدر على الخروج من المكتب.
تجمدت مع عاصفة صوته الغاضب:
_ مكانك.
فعلت مثلما أمر، فقام بإلقاء الورقة خلف ظهره بعدما قسمها نصفين، ثم خلع جكيت بدلته وألقى به على أرضية الغرفة.
اتسعت عينيها مع كل خطوة يقترب بها منها حتى وصل أمامها، ابتسم إليها ابتسامة مرعبة وقال:
_ ادلعتي زيادة أنتِ لحد ما عقلك الصغيرة ده فهمك أنك ممكن تقفي قصادي وتطلعي سليمة مش كده؟
ابتلعت المرارة بحلقها وهي تسأل حالها عن أي دلال دللها إياه.
ردت عليه بابتسامة ساخرة:
_ وهييجي منين الدلع ده؟ بص يا باشا من غير لف ودوران كتير، اللي أنا عايزاه أخدته واللي أنت عايزه أخدته، يبقى كده خالصين.
رفع حاجبه وقال:
_ ده اللي هو إزاي بقى؟
_ واحدة عجبتك واخدتها، وأنا كنت بدور على عقد جواز وبقى دلوقتي معايا، خلاص كده إحنا خالصين وكل واحد فينا طالع مبسوط.
_ وما جيتيش تقوليلي الكلام ده في وشي وطلبتي الطلاق بدل ما ترفعي قضية ليه يا دلال؟
رفع رأسها بكل عزة نفس وقالت:
_ ما إحنا عشان نبقى خالصين ومبسوطين يا باشا لازم قصاد الإهانة اللي أخدتها منك آخد حقي، وبصراحة ما لقيتيش طريقة مناسبة ممكن تشفي غليلي وترد لي كرامتي غير القضية دي.
شهقت برعب عندما ضرب الحائط خلفها، هذه الفتاة تثير جنونه بأقل مجهود منها، أيوب رسلان تجرأت عليه إمرأة ورفعت عليه قضية طلاق، مهزلة ما يعيشه الآن مهزلة.
ضم ذقنها إليه بقوة وقال:
_ تفتكري يا دلال إن أيوب رسلان ممكن يسكت على عاملة زي اللي أنتِ عملتيها دي؟
حركت كتفها بثقة تتغلب بها على ألم وجهها وهمست:
_ ما عنديش أي حاجة أخسرها أو أخاف عليها يا باشا عشان أعمل حسابي قبل ما أقف قصادك.
أومأ إليها بجبروت وقال:
_ عندك حق، أنتِ ما عندكيش حاجة ولا حد تخافي منه أو عليه، بس تفتكري يا دكتورة كلمة دكتورة مش كلمة تستحق يتخاف عليها؟
ها هو يقدم إليها تهديد صريح بآخر ما لديها بالحياة، حلمها يضعه أسفل قدمه ويهددها بفرمه.
رأى بعينيها نظرة خوف جعلته يعود للشعور بالسيطرة عليها، فأبتعد عنها مكملاً بنفس الجبروت وعينه على ساعته:
_ دلوقتي الساعة 11:00 الصبح، معاكي 24 ساعة، لو ما تنازلتيش عن القضية ونفذتي المطلوب منك كزوجة مطيعة هندمك على اللحظة اللي طلعتي فيها اليخت وقررتي تلعبي بيا يا دلال.
ظلت ثابتة ترفض الخضوع وقالت:
_ اللي عندك اعمله من دلوقتي، لأن مش هتنازل بالعكس ده هيبقى يوم المنى لما القضية تبقى على كل لسان، أنا لو منك أخاف، أنت اسمك واسم عيلتك الكريمة مهم أوي يا باشا.
أشار إليها بكف يده على رقم اثنين وقال:
_ عدي من الـ 24 ساعة دقيقتين، والوقت اللي بيضيع ده مش في مصلحتك.
_ ما قولتلك مش فارق معايا.
عاد ليجلس على مقعده بكل أريحية ثم وضع ساق فوق الأخرى بهدوء مردفاً:
_ على شغلك يا دلال.
_ أفندم؟
_ أفندم إيه؟ من الأول اتفقنا إن شغلك هنا كسكرتيرة ما لوش أي علاقة بجوازنا، روحي على شغلك.
اهتزت من هدوئه وهذا طبيعي جداً، ضمت كفيها لبعض كأنها تحمي نفسها وتبث بداخلها الأمان ثم قالت بعملية:
_ تحت أمرك يا فندم، تؤمر بحاجة تانية؟
ابتسم إليها وقال:
_ فنجان القهوة بتاعي من إيدك بيظبط دماغي.
_ حاضر.
***
مساءً على الكورنيش.
اقتربت دلال من مسعد المنتظر قدومها، وجدته يحدق بها بلهفة مشتاق، فخرجت منها تنهيدة طويلة قبل أن تمد يدها إليه مردفة:
_ ازيك يا معلم؟ ليك وحشة والله.
ضم يدها إليه والشوق يحرقه، رؤيته لها تعيد إليه الروح من جديد.
جذبت يدها بقوة وقالت:
_ مسعد ركز معايا بدل ما قسماً بالله أسيبك وأمشي.
انتبه لحديثها وقال:
_ في إيه يا دلال؟ داخلة فيا شمال كده ليه؟
_ ما فيش، عايزك تركز معايا وتطلع الصراصير اللي جوه دماغك دي، عشان اللي جاي محتاج دماغ شغالة.
زفر بضيق وقال:
_ أنا مش فاهم منك حاجة يا دلال، طلبتي تشتري شقة واشتريتها لك، في إيه تاني؟ وجبتي فلوس الشقة دي منين؟
وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها وقالت:
_ مش مهم الفلوس منين، المهم إنها موجودة، دفعت مصاريف كلية الصبح وتمن الشقة أهو.
مدت يدها إليه بحقيبة المال فأخذ منها الحقيبة بتردد مردفاً:
_ إيه اللي في دماغك بالظبط يا دلال؟ أنا مش فاهمك، وما فيش حاجة اسمها مش مهم الفلوس منين، أنتِ سرقتي راجل ولا إيه؟
رفعت حاجبها بسخرية وقالت:
_ ولو عملت كده فعلاً إيه اللي هيحصل يعني؟ ولا فين المشكلة؟
انتفض بعيداً عنها برعب مردفاً:
_ يخرب بيتك ويخرب بيت سنينك السودة، إيه اللي هيحصل؟ ده مش بعيد يطلع بروحك وروحك، ده أيوب رسلان يا بت ركزي.
_ ما تقلقش، هي الفلوس دي فعلاً منه، بس واخداها بمزاجه، مش سرقة ولا حاجة. المهم دلوقتي إن بقى عندي شقة باسمي.
سألها:
_ ما ترسيني على الدور يا دلال، عايزة الشقة دي في إيه وأنتِ عايشة معاه؟
_ لأ، ما هو أنا رفعت عليه قضية طلاق.
قالتها ببساطة شديدة جعلت الآخر يحدق بها بذهول وقال:
_ قضية طلاق على أيوب رسلان؟
_ امممم، على أيوب رسلان. يلا هات مفتاح شقتي والعقد وأخرج من هنا.
_ دلال أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟ الراجل ده ما ينفعش معاه هزار، صدقيني ده ممكن يدفنك وما حدش هيعرف لك طريق.
_ ريح نفسك يا مسعد، أنا مش عيلة صغيرة وعارفة بعمل إيه كويس، وما تخافش أنت كده كده بره الليلة، أنا اللي واقفة قدامه.
صرخ بغضب:
_ لأ، عيلة صغيرة وغبية كمان. لما أنتِ ناوية تطلقي منه، خليتيه يعرفك ليه؟ ما كنتي بعيد عن عينه، دخلتي برجلك في وسط النار ليه؟
ردت عليه بنفس الغضب وقالت:
_ أنت بجد بتسألني دخلت ليه؟ أنا ما كانش معايا ورقة تثبت إن إني ست متجوزة، عارف أنا كنت هبقى قدام الناس إيه؟
طفح به الكيل فقال:
_ أنتِ كدابة، لأنك ما كنتيش محتاجة ورقة الجواز. لو كنتي محتاجة بس ورقة، كنتي وافقتي إني أكتب عليكي، لكن أنتِ عينك طمعت في فلوس رسلان.
حدقت به بذهول، تشعر أنها تراه لأول مرة، حركت رأسها بحسرة وقالت:
_ لو كنت عايزة الفلوس، كنت أخدتها من خالد الله يرحمه. رفضت أخليك تكتب عليا لأننا عارفين كويس أوي دماغك فيها إيه من ناحيتي، أنت أخويا وبس يا مسعد، أخويا وجوز أختي. حط ده في دماغك لو مش عايزنا نخسر بعض.
_ دلال أنا...
أخذت منه المفتاح والعقد وقالت بهدوء:
_ مش عايزة أسمع كلام تاني. نصيحة مني، لو لفيت الدنيا دي كلها مش هتلاقي ست تحبك زي دخلود. حافظ عليها بدل ما يجي يوم وتندم إنك ضيعتها من إيدك. الصبح هبقى أقابلك هنا أديك العقد بعد ما أمضيه عشان نروح نوثقه. سلام.
تركته بعدها وذهبت بخطوات سريعة.
مسح على خصلاته بتعب وقال:
_ مش عايز غيرك يا دلال، يا ريت تفهمي كده. لا فارق معايا حب خلود ولا فارق معايا أي حاجة في الدنيا قصاد نظرة من عينك.
على بعد مسافة صغيرة صعدت دلال لسيارة الأجرة، وخلفها سيارة أخرى بها أحد رجال أيوب.
التقط إليها صورة مع مسعد وبعثها لسيده ثم قام بالاتصال عليه.
صوت أيوب يقول:
_ ها إيه الأخبار؟
_ وقفت شوية مع الراجل ده يا باشا وأخدت منه ملف وبعدين مشيت، وأنا وراها دلوقتي بالعربية.
_ ماشي، خلي عينك عليها 24 ساعة، لو اتنفست عد لي عدد أنفاسها.
_ أمرك يا باشا.
***
أغلق أيوب الهاتف عند وقوف سيارته أمام منزل أبو الخير.
حدق بباب المنزل وهو مشتاق لرؤية صغيرة قلبه، يشعر بالحنين الشديد رغم غضبه منها.
قبل أن يدق على الباب وجد ناصر يفتحه إليه وعلى وجهه ابتسامة مرحبة، مردفاً:
_ الباشا بنفسه عندنا، وأنا أقول الحارة منورة ليه.
رد إليه أيوب الابتسامة ثم قال بمرح خفيف:
_ يعني أنت عرفت إن أنا اللي بخبط من نور الحارة مش من رجالتك اللي رنوا عليك من أول ما دخلت المكان؟ يا راجل قول كلام يدخل العقل.
قهقه ناصر بمرح:
_ طول عمرك لماح يا باشا، اتفضل ادخل.
دلف معه بخطوات مترددة ثم قال:
_ هي حنين فين؟
_ مع الحاجة من وقت ما رجعت من البلد إمبارح، وهي مش راضية تسيب حنين خمس دقايق.
_ عايز أدخل لها يا ناصر.
_ البيت بيتك يا باشا، تعالى.
دق ناصر على باب غرفة والدته وقال بنبرة خشنة:
_ أيوب هنا وعايز يشوف حنين يا حاجة.
قبل أن ينهي جملته كانت اندفعت حنين لفتح باب الغرفة، رأت عمها أمامها كأنها رأت طوق النجاة، ركضت عليه ثم ألقت بثقل جسدها على صدره، أغلقت يديها على عنقه بقوة وهي تشعر أخيراً بالأمان بين يديه.
حاله كان أسوأ من حالها بكثير، بكى قلبه رغم أن عينيه فضلت الصمود، آخر ما تبقى إليه من رائحة شقيقه الغالي.
ضمها لصدره يعلن امتلأه للعالم بها، دلف إليه شعور مرعب بالخوف من خسارتها.
لمست دموعها عنقه فقال بنبرة مرتجفة:
_ حنين.
بكت أكثر وهمست بنبرة متقطعة:
_ حقك عليا يا عمو، سامحني أرجوك.
أبعدها عنه قليلاً كأن عقله تذكر فعلتها فقال بجمود:
_ عاملة إيه؟
سؤال بسيط جعلها تنفجر ببحر من البكاء:
_ مش كويسة يا عمو، مش حاسة بالأمان، عايزة أرجع بيتنا، خدني من هنا وأنا والله العظيم ما هطلع من القصر تاني ولا هعمل أي حاجة غلط، أنا تعبانة أوي ومش قادرة أتحمل المكان ده، مش شبهي، كل حاجة فيه مخيفة، مش عايزة أفضل هنا، خدني معاك يا عمو.
كان حديثها متقطع تضع كلمة من هنا على كلمة من هناك، لا تعلم ما يخرج منها، فقط تود العودة لأرض قوتها.
جذبها أيوب من جديد لأحضانه، يعجز، أغلق ذراعيه عليها وجعلها تبكي، أخذ يمسح على خصلاتها حتى هدأت فأبتعد عنها مردفاً:
_ مش هينفع ترجعي البيت طول ما الكلب ده ما فاقش، وجودك في البيت خطر، ممكن في أي وقت يتقبض عليكي، أنتِ في مصيبة يا حنين، وقعتي نفسك ووقعتينا فيها، كل اللي طالبه منك دلوقتي هو الصبر لحد ما أخرجك من المحنة دي.
ابتعدت عنه قليلاً وقالت ببراءة:
_ يعني حضرتك سامحتني؟
_ لأ يا حنين، لا هسامحك ولا هسامح نفسي غير لما تطلعي براءة.
_ بلاش تمشي، خليك معايا، أنا عايزة أنام في حضنك زي زمان.
كان ناصر يتابع ما يحدث بصمت وبجواره والدته، تدخلت الحاجة بالحديث مردفة:
_ أخص عليك يا واد يا أيوب، مكلبش في البنت من ساعة ما دخلت كأننا بنعذبها، حتى ما فكرتش تقولي ازيك يا حاجة.
ابتسم أيوب وثم اقترب منها بحب مقبلاً رأسها قائلاً:
_ لأ إزاي؟ هو أنا أقدر طبعاً، عاملة إيه يا ست الكل، طمنيني عليكي.
مررت السيدة زينب يدها على رأسه مردفة بحنان:
_ زي الفل يا أيوب وعايزاك تطمن على حنين، هي هنا في بيتها وفوق رأسي لحد ما ترجع لك بالسلامة.
ابتعد عنها أيوب قائلاً بصدق:
_ عارف اللي عندك يا حاجة. عايز أدخل مع حنين أوضتها.
_ أنت بتستأذن عشان تدخل أوضة في بيتك ده كلام برضو؟ ولا رأيك إيه يا ناصر؟ ناصر؟
وأين ناصر فهو غارق ببحر دموعها، مسح على خصلاته وقال:
_ بتقول حاجة يا حاجة؟
_ دماغك راحت فين يا ابني؟ بقولك أيوب بيستأذن عشان يدخل الأوضة مع حنين.
تحدث ناصر بعتاب:
_ عيب يا أيوب، البيت بيتك، حنين هتعرفك مكان الأوضة فين.
أخذها ودلف بها لغرفتها، وضعها على الفراش وبلا كلمة أخذ يمرر أصابعه بين خصلاتها حتى بدأت عينيها تذهب في النوم، فهمس بقلق:
_ حنين، قوليلي من غير خوف، الكلب ده لمسك؟
_ لأ والله لأ يا عمو.
حاول أخذ نفسه بالقليل من الراحة وصمت حتى شعر بها نامت بأنفاس منتظمة بين يديه مطمئنة البال والقلب.
***
بشقة دلال.
أغلقت عليها الباب بإحكام شديد ثم دلفت للمطبخ، بدأت بإعداد كوب كبير من النسكافيه بعقل متوتر لحد كبير.
باعت طقمين الألماس مقابل هذا المنزل الصغير ومصاريف جامعتها.
حدقت بكفها الموضوع به الخاتم لثواني وسألت نفسها بتردد: لما احتفظت بالخاتم بأصابعها؟
كانت الإجابة مجهولة الهوية ولكنها ترغب به.
انتهت من صب النسكافيه ثم حملته لغرفة نومها، وضعته على الطاولة المجاورة للفراش ثم فتحت هاتفها تشاهد مسلسلها المفضل.
رفعت عينيها بتلقائية على الساعة وكانت الثانية عشر بعد منتصف الليل، دلف لجسدها رجفة خائفة، الوقت يمر وهي تعلم أن أيوب رسلان لا يقول كلمة وتسقط أرضاً.
أغلقت عينيها وقالت:
_ ممكن تهدي شوية، هيعمل فيكي إيه أكتر من اللي أنتِ فيه؟ بعدين واحد زي ده مش هيعوز فضايح، بالكتير هيطلقني. لأ لأ يا دلال بلاش تكدبي على نفسك، مستحيل يستسلم بالبساطة دي، احميني منه يا رب.
عادت لفتح الهاتف لتري صورة كبيرة إليه مزينة للشاشة على منصة "فيسبوك" مكتوب فوقها "قريباً افتتاح أكبر سلسلة فنادق رسلان، لراجل الأعمال أيوب رسلان".
زفرت بضيق وألقت بالهاتف بعيداً عنها مردفة:
_ إيه اللي بيحصل ده؟ إيه اللي بيحصل بجد؟ ناقص يطلع لي في الحمام.
الكارثة الأكبر أنه آتٍ على سيرته.
سمعت رنين جرس المنزل فعقدت حاجبها بتعجب، لا يعلم محل منزلها أحد إلا مسعد.
انتفضت من مكانها مردفة بغضب وقالت:
_ ليلتك مش معدية يا مسعد، جالي بعد نص الليل، والله لنيمك النهارده في المستشفى.
ذهبت لتفتح الباب بغضب حل محله الرعب مع ابتسامة أيوب الباردة.
عادت خطوة للخلف بتردد مردفة:
_ أنت؟
دفعها بخفة للداخل ثم دلف مغلقاً الباب خلفه بإحدى قدميه مردفاً بقوة:
_ مين يتجرأ ويخبط على باب مرات أيوب رسلان في وقت زي ده غيره يا دلال؟
خطر هذا الرجل خطر كبير عليها، أشارت إليه بعدم الاقتراب منها أكثر وقالت بتقطع:
_ وأنت عرفت عنواني منين وجاي ليه؟
سحبها بقوة لتبقى بين أحضانه ثم همس بنبرة خشنة:
_ عرفت عنوانك منين؟ بصي يا ستي، النفس اللي بيخرج منك ببقى عارف إنه خرج وأنا بعيد عنك، عرفتي؟ عرفت عنوانك منين؟ السؤال الثاني بقى عايز أسمعه بشكل مختلف.
أثر عليها بحضوره، به رجولة تكفي لجميع بنات حواء، لديه من الهيبة ما يجعله يؤمر وأمره ينفذ بالحال فقط من نظرة عين.
سألته بنبرة مرتجفة:
_ مختلف إيه؟
_ تقوليلي جاي تعمل إيه يا جوزي يا حبيبي؟ هقولك جاي أنام في حضنك يا دلوعة.
حركت شفتيها بذهول قائلة:
_ دلوعة؟
أومأ إليها مردفاً بإبتسامة مثيرة:
_ أيوة، أنتِ من اللحظة دي دلوعة الباشا.
هل أثر عليها؟ نعم أثر.
هل ذابت بين يديها بأقل مجهود؟ نعم ذابت.
هل شعرت بارتفاع حرارة جسدها؟ نعم بكل أسف شعرت.
مال برأسه عليها وعينيه متعلقة بشفتيها المرتجفة متلذذاً بحلاوة قربها.
هنا دق جرس الإنذار بعقلها، انتفضت بعيداً عنه وقالت بعصبية:
_ أياك تقرب مني يا قليل الأدب يا سافل، أنت فاكرها سايبة وإلا إيه؟
تحولت معالم وجهه الهادئة لأخرى يتطاير منها شرارات الغضب، يشعر وكأن أحدهم جذب منه كوب من الماء بعد عطش دام لسنوات.
ضرب الحائط بقوة مردفاً بغضب:
_ شكلها هبت منك على الآخر، أنتِ مراتي يا بت يعني كل حاجة فيكي بتاعتي ومن حقي، أنتِ اللي مش من حقك تبعديني عنك حتى لو روحك بتطلع.
وضعت يدها على خصرها وقالت بغضب:
_ ده ليه بقى إن شاء الله؟ حد قال لك عني جارية؟ بقول لك إيه يا جدع أنت، امشي منها دلوقتي حالا بدل ما أصوت وألم عليك الناس، أنت ما تعرفش الناس في الأماكن اللي زي دي لما واحدة تصوت ويطلعوا عندها راجل ممكن يعملوا فيه إيه.
فلتت منه ضحكة ساخرة قبل أن يجلس على مقعد السفرة مردفاً:
_ هيعملوا فيكي أنتِ بصراحة، لما تبقى واحدة لسه أول يوم تسكن وبتدخل رجالة البيت، أنا عن نفسي ما دخلتلكيش غصب، خبطت وأنتِ فتحتي، يوم ما حد يدخل هيبقى الموضوع قدامهم إننا اختلفنا على الحساب، فروحتي مصوتة، وقتها بقى هتتطردي من البيت ده ويحدفوكي بالشباشب والطوب، وأنتِ ماشية زي ما عملوا مع ريا وسكينة كده.
خافت من كلماته وشعرت للحظة أنه محق، فقالت بتوتر:
_ طيب لو سمحت خد نفسك وامشي من هنا بهدوء، إحنا دلوقتي ما فيش بينا غير القضايا.
_ قضايا إيه يا دلوعة بس؟ ربنا ما يجيب قضايا، إحنا لحد دلوقتي ما فيش بينا غير قضية هبلة أنتِ رافعاها، خليكي شاطرة وروحي اسحبيها وارجعي لحضن جوزك باحترامك بدل ما تسحبيها غصب عنك وهترجعي برضو.
ردت عليه بتحدي:
_ بعينك.
أخذ نفسه بتعب وقام من محله مردفاً بجدية:
_ ماشي يا دلال، سوقي في الدلال لحد بكرة الساعة 11:00، 11:05 لو القضية ما اتسحبتش ولقيتك في الجناح عندي هتزعلي.
***
صباح اليوم التالي.
استيقظت دلال على صوت رنين هاتفها، مرت يديها على عينيها لتزيل أثر النوم عنها ثم ألقت بنظرها على شاشة الهاتف وجدت رقم أيوب، أغلقت الهاتف بوجهه مردفة:
_ مش هعكر يومك من أوله بصوتك وأسلوبك المستفز.
أتت إليها رسالة عبر تطبيق الواتساب، زفرت بضيق ورأتها "الساعة دلوقتي تسعة، باقي ساعتين يا دلوعة".
أصابتها رجفة ما بين اللذة والخوف، ضغطت على رقمه فأتى إليها صوته بالحال يقول:
_ يا صباح الدلع يا دلوعة.
ما هذا؟ ما هذا حقاً؟ كيف له أن يتحول بتلك الطريقة؟
صرخت بعصبية:
_ ما تقوليش الكلمة دي تاني عشان بتعصبني، وبطل تبعت لي في رسايل وتضغط على أعصابي، لأني مش بخاف ومش هخاف، ريح نفسك بقى.
سمعت رنين ضحكته العالي لعدة ثواني قبل أن يقول:
_ لو أعرف بس نوع حبوب الشجاعة اللي ضربتيها هسقف للي اخترعها.
_ أنت عايز إيه دلوقتي؟
_ ولا حاجة يا ستي، عايزك تقومي تاخدي شاور، تغيري هدومك، تلمي شنطتك وتلمي نفسك وترجعي على بيت جوزك، عمرك شفتي راجل حنين على مراته زي ما أنا حنين عليكي؟
زوجته؟ كلمة هزت شئ بداخلها، بلعت مرارة الشعور بحلقها ثم قالت:
_ بس أنا مش مراتك، أنا عشقتك، مش دي كلمتك برضو؟
لأول مرة يشعر بالندم على خروج كلمة من بين شفتيه، تنهد بثقل وقال:
_ كفاية رغي يا دلال ويلا غيري هدومك وانزلي، أنا مستنيكي تحت، هنروح نسحب القضية ونطلع الفندق نشوف شغلنا وبعدين هنروح قصر رسلان عشان هتعيشي معايا هناك فيه.
مسحت على خصلاتها بجنون وقالت:
_ أنا نفسي أفهم إيه اللي بقوله مش بيوصل لك ومش قادر تفهمه؟ أنا مش راجعة لك ومش خايفة منك ولا فارق معايا كلامك، ولو عايز تعمل حاجة اعملها وأعلى ما في خيلك اركبه يا أيوب يا رسلان.
انتظرت رده إلا أنها سمعت صفير الهاتف، ألقت الهاتف بعيداً عنها بحنق ثم قامت من مكانها لتستعد للذهاب لعملها.
بعد ساعتين كانت أمام العمارة وجدته يجلس بالمقعد الخلفي لسيارته ويشير إلى ساعته، حدقت بساعة هاتفها ودق قلبها بتوتر، باقي أقل من عشر دقائق على الساعة الموعودة.
اقتربت من السيارة وقالت بعصبية:
_ واقف تعمل إيه تحت البيت؟
أجابها بهدوء:
_ مستنيكي عشان نروح نتنازل عن القضية يا دلال، لحد دلوقتي أنا مش عايز أستخدم معاكي يا عنف.
_ لأ، استخدم العنف عادي، ولا يفرق معايا.
سألها لآخر مرة بصبر:
_ أنتِ متأكدة؟
_ أيوة متأكدة.
_ أخر كلام يعني؟
_ يا سيدي أيوة أخر كلام.
نظر للسائق الخاص به وقال بهدوء:
_ هي اللي اختارت اهو يا عم منصور، زي ما أنت شايف بنفسك، عشان ما ترجعش تقولي إن ما فيش في قلبي رحمة.
نظر إليها العم منصور وقال:
_ اخزي الشيطان يا بنتي واطلعي مع جوزك.
نظرت لأيوب بتعجب فقال ببراءة:
_ عم منصور كان سواق أبويا الله يرحمه، وبقوله كل أسراري، قولت له على اللي ناوي أعمله فيكي قالي يا ابني حرام دي برضو مراتك، قولتله يا عم منصور دي قليلة الأدب ولسانها طويل وعايزة تتربي، قالي يا ابني بلاش العنف، قولتله هتشوفها بنفسك وتحكم وزي ما أنا قولت اهو، طلعتي بتحبي العنف، أنا بشهد عم منصور عشان ما يرجعش يزعل مني.
كانت مذهولة من حديثه وقالت:
_ خلصت؟
_ أيوة.
_ طيب يلا اتفضل أمشي.
_ يا بنت الناس، طلعي الحكومة من ما بينا، أنا مش عايز أدخلهم.
_ لأ، دخلهم عادي.
أومأ إليها بأسف ثم دفعها للخلف ليغلق باب السيارة وقال للعم منصور:
_ يلا.
_ يا بني بس...
_ يلا يا عم منصور.
ذهبت سيارته من أمام عينيها لتقول بذهول:
_ هو في إيه؟
أتت إليها إجابة السؤال على شكل سيارة الشرطة.
وقفت أمامها ونزل منها ضابط ومعه ثلاث عساكر، قال بهدوء:
_ حضرتك المدام دلال السيد حسان؟
_ أيوة أنا يا فندم.
_ اتفضلي معانا، معانا أمر بالقبض عليكي.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء سعيد
بقسم الشرطة..
دلفت لمكتب الضابط بخطوات متعبة، نصف ساعة بالحجز جعلتها لا تود شيئاً إلا الهروب من هذا المكان.
وصلت إليها رائحة عطره، فرفعت عينيها بلهفة، وجدته يجلس بانتظارها.
هل شعرت الأمان الآن؟
نعم، هذا حدث. وجوده أمامها بث بداخلها الشعور بالراحة.
حدقت به بصمت، فأشار للضابط مردفاً:
تسلم يا حسين.
ابتسم إليه الضابط وقال قبل أن يقوم من محله:
إحنا تحت أمرك على طول يا باشا، هديكم مساحتكم وهرجع لكم كمان شوية.
انتظر أيوب خروجه، ثم أخذ نفساً بهدوء مردفاً:
ها ناوية تروحي معايا وإلا المكان هنا عاجبك وحابة تقعدي فيه كام يوم كده.
أعطى إليها تهديداً صريحاً، وبكل صدق خافت.
سألته بتوتر:
إنت عايز مني إيه بالظبط؟
عايزك.
الكلمة كانت صريحة، وقحة، لها رهبة قوية. رفعت عينيها إليه لتري كم هو قوي وكم هي ضعيفة أمامه. من الواضح إنها استخدمت السلاح الخطأ بالحرب معه.
بعيون خائفة قالت:
طيب ليه؟ مش اتفقنا خلص.
مفيش بينا اتفاقات، أنا عايزك على طول في حياتي وده كفاية.
عايزني عشيق أفضى فيها شبابك وأنسى مشاكلك؟ أنا مش كده ومش هكون.
جلس على المقعد المقابل إليها ووضع ساقاً فوق الأخرى بهدوء وقال:
مش صعبان عليكي نفسك وإنتِ مرمية ما بين المجرمين والحرامية يا دكتورة؟
حدقت به بقهر وقالت:
أرحم ليا من إني أبقى ***** في سريرك.
حرك رأسه يميناً ويساراً متأسفاً عليها ثم قال:
كنتي بتبقي مبسوطة يا دلوعة، ومع ذلك طالما ده قرارك إنتِ حرة، خليكي هنا.
بكت بخوف من العودة للحجز من جديد. رأته يقوم من مكانه متجه باب المكتب. أهو سيرحل ويتركها بهذا المكان بمفردها؟ الفكرة نفسها بثت الرعب بداخلها.
تعلقت بيده مثل الطفلة الصغيرة وقالت:
أنا خايفة هنا، بلاش تسيبني وتمشي.
بداخله شيء اهتز من نبرتها الضعيفة. دار بوجهه إليها ثم جذب جسدها لتبقى بين ذراعيه مردفاً بنبرة خشنة:
مش إنتِ شايفة المكان ده أرحم من حضني بتجري على حضني ليه؟
الآن هي في أصعب لحظات ضعفها، ضائعة وهو طوق نجاتها الوحيد. أغلقت أصابعها على مقدمة ملابسه وقالت:
عشان خايفة، خايفة أوي ومعنديش غيرك أستخبى في ضهره.
هل هي الآن بلحظة ضعف؟ نعم. إذاً عليه استغلال لحظتها لصالحه أشد استغلال.
مرر يده بنعومة على سلسلة عمودها الفقري مردفاً بنبرة خشنة:
يبقى ترجعي لحضني يا دلوعة.
بقلة حيلة قالت:
موافقة.
رسمت على وجهه ابتسامة نصر وقال بهدوء:
موافقة على إيه؟
موافقة أبقى معاك.
زي ما أنا عايز يا دلوعة.
أومأت إليه بضعف وقالت:
زي ما أنت عايز يا باشا.
شعور باللذة رائع تغلغل بجميع أنحاء جسده. مال عليها أكثر حتى شعر بنفسها المضطرب على ذقنه وقال:
هنطلع من هنا على المحامي عشان تتنازلي عن القضية، اتفقنا يا دلوعة؟
انتصاره عليها يستفزها، ولكن التحلي بالصبر الآن أهم شيء حتى تفوز بالخطوة التالية. أومأ إليه بخضوع تام وقالت:
اللي حضرتك تشوفه أنا هعمله.
حضرتي؟
أومأت إليه وقالت ببراءة:
باحترامك ومش عايزة أعمل أي حاجة غلط تزعلك مني.
يشعر ببوادر خطر. دلال شخصية قوية خطيرة وضعفها هذا أكبر دليل على اقتراب كارثة. مسح وجهه بعنقها ثم همس:
مش ناوية تبطلي لعب بقي، كل مرة بتطلعي خسرانة يا دلوعة.
دلوعة.
كم هي كلمة مستفزة تخرجها عن السيطرة. كتمت غيظها وقالت بضعف:
مش بلعب، أنا بس خايفة منك وخايفة تزعل مني. شوف إيه اللي يريح وأنا تحت أمرك.
خضوع مفرط يجعلها بمحل شك كبير، ومع ذلك هو مستمتع لأقصى درجة بنظرات ضعفها أمامه الآن. همس بنبرة متحشرجة:
طالما حابة تحت أمري يبقى نروح نتنازل، وإلا إنتِ ليكي رأي تاني؟
لأ طبعاً مفيش رأي بعد رأيك، أروح أتنازل وأرجع لجوزي زي أي ست محترمة خايفة على بيتها.
لا، لم يقدر على الصمود أكثر. فلتت منه ضحكة قوية قبل أن يمسح على خصلاتها مردفاً:
شاطرة.
هنمشي؟
امممم هنمشي.
سألته بتعجب:
طيب والقضية اللي أنا جاية عشانها هنا؟
غمز إليها بمرح يظهر عليه للمرة الأولى وقال:
قضية إيه يا دلوعة؟
مفيش قضية؟
تؤ مفيش.
آمال أنا هنا بعمل إيه؟
امممم، إنتِ هنا عشان أنا عايزك تبقي هنا. بكلمة مني تخرجي معايا وبكلمة برضو تفضلي العمر كله، فهمتي يا دلوعة الباشا؟
فهمت يا باشا.
***
بمنزل أبو الخير.
فتح ناصر باب المنزل مع موعد واجب الإفطار. رفع حاجبه بتعجب، هو يسمع ضجيج يأتي من المطبخ. منذ سنوات ووالدته لا تدلف للمطبخ وتترك هذه المهمة للخدم. اتجه إلى محل الصوت، السيدة زينب وجدها تجلس وأمامها حنين تنفذ ما تطلبه منها، فقالت:
أيوة، اسم الله عليكي، مسكة السكينة بتبقى صعبة شوية أول مرة، بعدها هعلمك كل الأكل.
عضت حنين على شفتيها بتوتر وقالت:
بس دي ناشفة أوي يا طنط.
ضحكت السيدة زينب بحنان وقالت:
إنتِ اللي طرية أوي يا حنين.
ببراءة ضحكت وأكملت عملها. براءة جعلت ناصر يود أن يتأمل فقط دون أن يفعل صوتاً، فقط يستمتع برؤيتها.
سمعها تقول بتوتر:
طنط، هو أبيه ناصر مطلق كل الستات دول وعايشين هنا ليه؟
تنهدت السيدة زينب بتعب وقالت:
جواز ناصر ده حكاية طويلة يا بنتي.
فضولها تحكم بها، فتركت ما بيدها وقالت:
أسمعها أنا، مفيش ورايا حاجة وبحب أسمع القصص اللي زي الروايات دي أوي.
كان بيده الدخول الآن حتى ينهي المناقشة، ومع ذلك ظل مكانه يراقب ردود أفعالها ووالدته تحكي.
حدقت بها السيدة زينب وقالت:
عايزة تعرفي فضول وإلا في حاجة تانية؟
تغيرت معالم وجه حنين وقالت بتوتر:
فضول، ولو حضرتك مش حابة تقولي خلاص.
أخذت السيدة زينب نفساً عميقاً وقالت:
طول عمره مظلوم وشايل هم الدنيا فوق رأسه. عزة بنت عمه والحاج عتمان الله يرحمه طلب من ناصر يتجوز بنت أخوه عشان تبقى تحت حمايته. ناصر وافق وبعد كام شهر عرفنا إن عزة مش بتخلف. وقتها الحاج عتمان أمر ناصر يتجوز شامية بنت صاحبه عشان تجيب الوريث، بس شامية جابت بنتين، وفي البنت الأخيرة خلص لها نزيف، شالت الرحم وبرضه مجاش الواد اللي الكل عايزه. فتجوز نسمة وجابت مهران. شافه الحاج عتمان ومات.
عينيها ترقرقتا بالدموع على سيرة زوجها الغالي وذكرى وفاته. فقالت حنين بحزن:
وطلقهم ليه؟
هنا ضحكت السيدة زينب وقالت:
عزة طلبت الطلاق بعد ما عمها مات وناصر وافق وساعدها تكمل تعليم. أما بقى الاتنين التنين، دخل ناصر وشافهم وهما بيترهنوا مين فيهم اللي هتقدر تغريه وينام عندها ليلة طلاق عزة بيحتفلوا يعني، فطلقهم سوا.
قصة غريبة عجيبة. قالت حنين بضيق:
ابنك ظالم يا طنط.
مش عيب لما تقولي على الأكبر منك ظالم يا ست حنين؟
انتفض جسدها على أثر صوته خلفها. حدقت بالسيدة زينب وقالت بخوف:
هو ورايا؟
أيوة وراكي.
للمرة الثانية تاني الإجابة منه. قامت من فوق المقعد وفرت للخارج بسرعة البرق. توقعت والدته أن يتركها ويدلف إلى المطبخ، إلا أنه سحبها من كفها قبل أن تفر وأخذها لغرفة مكتبه.
أغلق الباب عليهما بهدوء فقالت برعب:
هو في إيه بالظبط؟
بتجيبي في سيرتي وأنا مش موجود ليه يا حنين؟
عادت خطوة للخلف وقالت بنبرة صوت متقطعة:
مش أنا، دي طنط زينب اللي اتكلمت من نفسها وأنا مالي أساساً، هسأل عليك ليه؟
أشار إليها برأسه وقال ببرود:
أنا كنت في القاعدة من أول، طنط هو أبيه ناصر مطلق كل الستات دول وعايشين هنا ليه. كان موجود من البداية.
أغلقت عينيها بقوة حتى لا تبكي من كم خجلها وقالت:
أنا عايزة أروح لطنط، إنت عايز مني إيه؟
تحدث بهدوء:
حياتي كلها ألغاز يا حنين، بلاش الفضول اللي قتل القطة ده، ممكن؟
أومات برأسها سريعاً لعلها تتخلص من تلك الكارثة وقالت:
ممكن طبعاً، ينفع أخرج بقى.
ينفع.
ركضت للخارج بسرعة البرق لتجد السيدة زينب متجهة للغرفة. دلفت غرفتها وأغلقت الباب عليها. أما زينب دلفت لناصر بجدية قائلة:
هي الحكاية إيه بالظبط؟
جلس ناصر على مكتبه وقال بهدوء:
حكاية إيه يا ست الكل؟
جلست زينب على المقابل إليه وقالت:
ناصر، أنا مش مرتاحة. البنت ضيفتنا ويبقى عمها أيوب، وغير كده دي عيلة صغيرة وإنت راجل جربت الحريم بدل المرة تلاتة ومعاك عيال. عايزاك تفكر في الموضوع ده بدل المرة ألف عشان ما تخسرش حاجة يا ناصر ولا توقع قلبك في مصيبة هو مش قدها.
توتر شيء بقلب ناصر لا يعلم ما هو، فقال بتهرب واضح:
إيه الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده يا حاجة؟ حنين زيها زي أخواتي البنات بالظبط، ما ينفعش تقعدي قدام الحاج ناصر أبو الخير وتقولي كلام زي ده، هيبقى عيب كبير في حقي وفي حق تربيتك إنتِ كمان.
يا ريت كلامك يبقى صح يا ابن بطني. هعمل نفسي مصدقاك وأقول إن عيني أول مرة تكذب.
مش هنفطر وإلا إيه يا حاجة؟
هنفطر يلا، ده حتى الفطار النهاردة من إيد حنين.
***
بجناح أيوب بالفندق.
دفعها للداخل بخفة ثم أغلق عليهما الباب أخيراً. يشعر وأنه انتصر بحرب كبيرة. أخذ يقترب وهي تعود حتى وصلت للفراش، فالقى بجسدها عليه ثم خلع جاكيت بذلته. أشارت إليه مردفة:
إهدي يا باشا، بلاش تقلع مرة واحدة أحسن تأخد برد.
ألقى بالجاكيت فوق وجهها وقال:
خايفة عليا وإلا على نفسك؟
كان سؤال وقح من الدرجة الأولى. أزاحت الجاكيت بعيداً عنها وقالت:
وده سؤال طبعاً، خايفة على نفسي.
نظرات الغدر كانت بعينيه واضحة. يبدو أن ما مرت به أسهل بكثير مما هو قادم. جذبها بقوة لتقف أمامه وقال:
لما إنتِ جبانة بتلعبي معايا ليه؟
إسمها بدلعك عليك، ليه.
رفع حاجبه بسخرية مردفاً:
لأ والله؟
أومأت إليه بدلال مفرط وبدأت يدها باللعب بشعر صدره الظاهر من قميصه مردفة:
أه والله، قولي كده بتدلعي عليا ليه يا دلال وأنا أجاوب على طول زي الشاطرة.
أين هو ليقول أو ليفعل، فهو مغيب بالفعل، مغيب لا يشعر ولا يسمع أي شيء من حوله سوى لمساتها المهلكة عليه. فقال:
بتدلعي عليا ليه يا دلال؟
ابتسمت بنعومة وقالت:
مش أنا دلوعة الباشا، يبقى أدلع براحتي، وإلا إنت رأيك إيه؟
إتعلمتي إمتى قلة الأدب يا دلال، ده إنتِ من كام يوم بس كنتي قطة مغمضة.
رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تقول ببراءة:
عاشرت يا باشا، مش ده كفاية؟
مرر أحد أصابعه على بشرتها الناعمة وقال:
كفاية أوي يا دلوعة الباشا.
من البداية تركها تلعب كما تريد، أما الآن يكفي هذا القدر، جاء دوره ليمسك زمام الأمر. أغلق يديه حول وجهها ثم أخذها إليه. خبير لدرجة تجعلها تتحرك بين يديه متى يشاء وكيف يشاء، وقد كان.
انتهى ليضع ظهره على أرضية الغرفة بجوارها. أغلق عينيه حتى يأخذ أكبر قدر من المتعة، ليصل إليه صوت تنهدتها الطويلة. فقال فجأة:
خالد قرب منك كام مرة؟
تجمدت بمحلها. ظل عقلها أكثر من خمس ثوانٍ يستوعب إنه سألها هذا السؤال بالفعل. كتمت أنفاسها ومع ذلك ظلت دقات قلبها سريعة. نظرت إليه مردفة:
إنت بتقول إيه؟
فتح عينيه التي بها الكثير من التصميم ثم اعتدل بجلسته وعدلها هي الأخرى مردفاً بقوة:
بقول اللي سمعتيه ومستني منك رد. خالد لمسك كام مرة؟
سؤال مخجل بشع. جذبت الشرشف من فوق الفراش وغطت به جسدها ثم حاولت القيام إلا أن يده القوية منعتها، مردفاً:
دلال.
دلال إيه، بجد عيب اللي إنت بتقوله ده، إزاي تقولي حاجة زي دي؟
قولتك إيه، ده سؤال وإجابته أكيد عارفها، فأخلصي قولي.
مستفز، وقح، لعين. لم تجد أمامها أي طريقة للفرار غير الجواب، فقالت وعينيها بالأرض:
مرة واحدة.
ربما كان يشعر بالإجابة قبل أن تقولها. كان فقط يريد جواباً يؤكد إليه ما يعيشه ويحس به وهي بين يديه. شعور عجيب بالراحة دلف لقلبه. منتشٍ لدرجة عجيبة، فابتسم قائلاً:
كنت حاسس وعايز أتأكد.
دفعته بعيداً عنها مردفة بغضب:
حاسس بإيه يا قليل الأدب؟ إنت أبعد عني.
قرص أنفها بقوة وقال:
هااا نحترم نفسنا وإلا شكل نفسك تقعدي يومين تلاتة على البرش.
نفت بحركة سريعة من رأسها وقالت:
لأ لأ خلاص، هبقى محترمة، بس بلاش السيرة دي.
وضع قبلة حنونة أعلى خصلاتها وقال:
شطورة، يلا قومي إستحمي وتعالى عشان تعمليلي عشا من إيدك الحلوين دول.
لم تقدر على التحكم بنفسها أكثر وقالت:
إنت فاكرني خدامة عندك وإلا إيه؟ ما تحترم نفسك بقى.
غمز إليها بوقاحة وقال:
والله ما حد عايز يحترم نفسه غيرك، إتلمي يا بت بدل ما أرجع على البرش.
حضرتك تحب أعملك غدا إيه؟
صينية بطاطس بالفراخ مع طاجن رز معمر بالقشطة.
ها؟
قالتها بذهول غير مصدقة أن أيوب رسلان يطلب مثل ما قاله. فاوما إليها مردفاً:
ها إيه؟ مش عارفة تطبخي؟
أجابت بتلقائية:
لأ عارفة.
ابتسم إليها مردفاً:
ما أنا عارف إنك عارفة، يلا مش معاكي إلا ساعة وتكوني خلصتي.
الحل الوحيد أمامها الآن الذهاب من أمامه لسببين، الأول حتى لا تمسح به الأرض، والثاني حتى لا يعود بها للسجن. لفت الشرشف حول جسدها وانسحبت بهدوء. ضحك بخفة مستمتعاً ثم ألقى بجسده على الفراش.
دقيقة ورن هاتفه برقم عزيز على قلبه. "السيدة فوزية رسلان" عمته الحبيبة، والدته التي تربت على يديها. فتح الخط وقال بابتسامة:
فوزية هانم بنفسها بترن عليا، ده إيه الهنا اللي أنا فيه ده؟
أجابته بصوتها الحنون وقالت:
مش هرن عليك بس لأ، ده أنا نازلة لك مصر مخصوص.
اعتدل أيوب بجلسته وقال بقلق:
في إيه يا عمتي؟ إنتِ كويسة وإلا الحلوف اللي اتجوزتيه على كبر ده عملك حاجة؟
قالت فوزية بصرامة:
ولد احترم نفسك، ده عمك عبد الله ده عوض ربنا ليا.
بغيظ طفل صغير قال:
ولما هو كدة جاية تعملي إيه عند أيوب الشرير؟
طيارتي بكرة الساعة 9، لما أوصل هتعرف جاية ليه يا تربيتي الفاسدة.
***
صباح اليوم التالي.
دلف أيوب لمكتبه وجد دلال تجلس على مكتبها. أشار إليها بالقدوم خلفه ثم تابع خطواته للداخل. زفرت بحنق وقامت من فوق مقعدها مردفة:
إمتى ييجي اليوم اللي أقدر فيه أديك بالجزمة؟
دلفت خلفه فالقى عليها جاكيت بذلته ثم أشار لها أين تعلقه. نفذت ما أمرها به ثم قالت بهدوء:
أجيب لحضرتك القهوة بتاعتك يا فندم؟
إقفلي باب المكتب بالمفتاح وتعالى، والمفتاح في إيدك.
بلعت ريقها بخوف وتمنت لو تقدر على الهروب من أمامه، ولكن إلى أين ستذهب؟ مهما فرت سيأتي بها. اللعنة عليها وعلى رأسها التي خططت حتى تقترب منه.
أغلقت باب المكتب بالمفتاح فقال:
تكة كمان معلش لزيادة الأمان.
ارتجف كفها ودارت بالمفتاح تكة مثلما قال ثم سحبت المفتاح واقتربت منه. فمد يده ليأخذه منها ووضع بأحد الأدراج مردفاً:
ها قولتي أجيب لحضرتك قهوة مش كده؟
أيوة يا فندم.
هو حضرتك كان فطر عشان يشرب قهوة؟
أخذ نفسها بارتياح أخيراً. أهو فعل كل هذا من أجل وجبة الإفطار. رسمت ابتسامة هادئة على وجهها وقالت:
تحت أمرك يا فندم، ثواني والفطار هيكون جاهز.
مد يدها لتأخذ المفتاح، فكان الأسبق عندما أزال كل ما فوق المكتب ووضع جسدها محله. شهقت بتوتر ليضع أحد أصابعه أمام شفتيها مردفاً بتحذير:
مش عايز أسمع صوت لو أي حد معدي من قدام المكتب يقول علينا بنعمل إيه؟
بلعت ريقها ثم رفعت كفها لتضعه أمام صدره مردفة:
إهدي كدة، مالك في إيه؟
حرك رأسه بقلة حيلة وقال:
بقيت متحـرش يا دلال، من وقت ما شوفتك وأنا أكتر حاجة بحبها في حياتي أتحرش بيكي.
اتسعت عينيها من وقاحته وقالت:
يا فندم اللي حضرتك بتعمله ده غلط، إحنا في مكان شغل.
متخافيش يا دلوعة، الباب مقفول ومفيش في الأوضة إلا أنا وإنتِ وقلة الأدب.
ما هذا؟
ما هذا حقاً؟ كيف تحول الرجل الوقور إلى هذا المراهق التي تسرح يده هنا وهناك؟
وضعت كفها على يده تمنعه من الحركة وقالت بتوتر:
إنت عايز إيه دلوقتي؟
عايز الحقيقة وإلا الكذب.
قول أي حاجة بس قومني من هنا، أعصابي باظت.
ابتعد عنها قليلاً وقال بعتاب:
الكذب إني صحيت من النوم لقيت مراتي مش في حضني، نزلت حتى من غير ما تحضر ليا الفطار. أما الحقيقة بقى، إني من وقت ما جربت الأرض مبارح هموت وأجرب المكتب ده.
اتسعت عينيها بذهول، ذهول انتفض جسدها على أثره قبل أن تقول:
إنت فاكرني إيه بالظبط يا قليل الأدب يا سافل.
إيه يا بت إنتِ مراتي، إظبطي نفسك كدة وتعالى في حضني يلا.
ده بعينك، لو قربت مني خطوة كمان هصوت وهلم عليك كل الموظفين وقال المدير بيحاول يغتصبني.
رفع حاجبه بمعنى حقاً، ثم اعتدل قائلاً ببرود:
وماله، شكلك حابة تنامي على البرش النهاردة.
تعلقت بيده قبل أن يتحرك وقالت برجاء:
لأ لأ استنى بس نتفاهم، مالك خلقك ضيق وبتتعصب بسرعة كدة ليه؟
ابتسم إليها بسخرية مردفاً:
إرغي.
يا أيوب باشا، حضرتك راجل محترم وليك مكانتك في البلد، مينفعش كل شوية تهدد المدام بتاعتك بالبوليس، ده مش أسلوب.
رد عليها بهدوء:
ما أنا قولتلك من الأول بلاش ندخل الحكومة بينا وإنتِ اللي صممتي يا دلوعة، أنا ذنبي إيه؟
بقلة حيلة قالت:
حقك عليا، عيلة صغيرة وغلطت.
ابتسم إليها مردفاً:
ماشي خلاص، المسامح كريم، تعالي بقي.
جذبها بقوة لتقول:
يا جدع أهمد بقي فرهدتني.
إنتِ اللي بتفرهدي نفسك وأنا كده كده اللي في دماغي هعمله.
وهل لديها خيار سوى الاستسلام؟ لا والله، هذا خيارها الوحيد.
بعد فترة ابتعد عنها مردفاً:
يخرب بيتك، لعنة، كل ما أقرب منك بزيد جنون مش برتاح.
طرق أحد على باب المكتب لتنفض برعب مردفة:
يا لهوي، روحت في داهية.
نظر إليها بغضب:
داهية إيه يا مجنونة، هو أنا مصاحبك؟ قومي البسي هدومك عادي.
رد على الطارق بهدوء:
مش فاضي دلوقتي، غور روح شوف شغلك.
ارتدت ملابسها وهي لا تصدق ما تعيشه على يده، ليغمز إليها مردفاً:
حلوة الأجواء مش كده؟
الصمت أفضل الحلول الآن. انتهى من ارتداء ملابسه وعاد بقل من ثانية لأيوب رسلان مردفاً:
ألغِ لي كل مواعيدي النهاردة، عندي حاجة أهم دلوقتي.
قالها وسحب المفتاح من على الأرض ثم فتح باب المكتب وذهب. حركت رأسها بتعب وقالت:
إيه المصيبة اللي أنا وقعت نفسي فيها دي؟ كان عقلي فين وأنا بفكر إن بني آدم زي ده ممكن يقع فيا وأقدر آخد حقي منه؟ بجد مني لله.
***
بحديقة المشفي.
اقترب مصطفى من محل جلوس زوجة آدم. حمحم بهدوء وقال:
ممكن نتكلم شوية يا مدام جهاد؟
رفضت النظر إليه وقالت:
إيه الكلام اللي ممكن يبقى بينا يا أستاذ مصطفى؟
تنهد بتعب وقال:
أنا عارف إن حضرتك دلوقتي مش عارفة تفكري صح، خصوصاً إنك ما كنتيش متوقعة من جوزك حاجة زي اللي عملها. حنين مش أول ضحية يا مدام جهاد، هي الأخيرة مش أكتر.
تود البكاء ولكنها عاجزة عنه. أخذت نفسها بثقل وقالت:
بتقولي الكلام ده ليه؟ القضية دي أنا مش هقدر أفيدكم فيها بحاجة. لازم آدم هو اللي يفوق ويقول قراره، يعني الكلام معايا مش مهم.
عارف إنك مش بإيدك حاجة في القضية، أنا بتكلم معاكي عشان شايف إن محدش من أهلك موافق يقف جنبك خصوصاً بعد اللي عمله جوزك، ومع ذلك إنتِ مصممة تفضلي واقفة جنبه لحد ما يفوق. يمكن جواكي شك وعايزة تتأكدي منه، ويمكن حاجات كتير أنا ما أعرفهاش. لكن اللي حابب أقوله لك إن وقتك وعمرك بيضيعوا مع الراجل ده على الفاضي وإنه ما يستاهلش ست زيك.
رفضت سماع المزيد، قامت من مكانها وقالت:
عن إذنك.
ذهبت وتركتنه، فمسح على خصلاته بضيق مردفاً:
وبعدين بقى، شكل دماغها ناشفة ومش هعرف أدخل لها بالساهل.
***
بقصر رسلان.
دلف أيوب بخطوات سريعة فقالت إليه الخادمة دون أن يسأل:
فوزية هانم في أوضة السفرة مستنية حضرتك.
أومأ إليها وذهب لغرفة الطعام. وجدها تجلس على المقعد المجاور لمقعده، فاقترب منها مردفاً بقلق:
بقي إسمه كلام؟ أروح المطار في الميعاد المتفقين عليه سوا أعرف إنك مشيتي. جيتي لوحدك ليه؟
ضمته إليها بشوق كبير لتبادله العناق بنفس الاشتياق، حتى ابتعدت عنه مردفة:
إيه قلة الذوق اللي إنت فيها دي؟ بقى هي دي حمد الله على السلامة يا عمتو؟ بعدين أنا مش جاية لوحدي، أنا معايا مرات الغالي.
جلس أمامها بتعجب وقال:
مرات الغالي مين؟ أوعي تقولي إنه اتجوز عليكي، أنا قولت لك من الأول ده واطي ما رضيش تسمعي كلامي.
احترم نفسك يا قليل الأدب، أنا جوزي سيد الرجالة وراح يقعد يومين عند أهله في الصعيد. اللي معايا مرات الغالي اللي اتخطف من غير ما أخده في حضني.
مين دي؟
قالها بشك انتهى باليقين بنفس اللحظة عندما قالت فوزية بصوت عالٍ:
تعالي يا دلال.
بكل براءة الدنيا دلفت دلال لتقول فوزية:
أعرفك يا أيوب على دلال مرات خالد الله يرحمه.
***
أستغفروا الله لعلها تكون ساعة استجابة ♥️
***
أنا شوفتك بعيني معاها على سريري.
أومأ إليها بخفة وخرجت نبرته قوية:
مهو سريري أنا كمان يا زينب، من حقي أستضيف عليه أي حد.
هذا الرجل يقودها للجنون، مشاعره جافة وقلبه من حجر. ارتجف جسدها يبلغها بقدوم دموعها، لتصرخ بقوة:
بطل استفزاز، اللي عملته ده اسمه خيانة وأنا لا يمكن أسمح بيها.
حك مقدمة عنقه ثم اقترب من الفراش ليأخذ بنطلونه الأسود يرتديه وهو يجيبها:
أخص عليا بجد خنتك، خلاص خليكي أحسن مني وعديها المرة دي وخذيها وعد مني المرة الجاية هدخل بيها في أوضتي القديمة يا ستي. لأزم تعرفي إن أنا أهم حاجة عندي مشاعرك يا زينب.
يعني بالنسبة لك المشكلة في المكان، الوضع نفسه عادي؟
ما هو إنتي عارفه إني بتاع ستات وقبلتي بيا، عمالة تجري ورايا في كل حتة وأنا قولت يا واد اديها فرصة يمكن تعجبك، لكن مش قادر، القبول ده من عند ربنا.
رفعت رأسها إليه بالكثير من الثقة وقالت:
وهي فين الفرصة دي؟ جبرت بخاطر كل الستات اللي تعرفها، حتى الخدم، وأنا مش موافق تقرب مني.
تحدثت إليه بملامح بريئة وعينيها بهما الكثير من الرجاء. للحظة ضرب حديثاً بعقله، لما يقترب من أي امرأة إلا هي؟
رفع وجهها إليه بأحد أصابعه وعينيه للمرة الأولى تتأمل ملامحها، يشعر بحلاوتها، فهمس بنبرة خشنة:
تفتكري لو لمستك هبقى مبسوط وحاسس بحاجة مختلفة؟
لا يعلم إذا كان يوجه هذا السؤال لنفسه أم لها، إلا أنها تعلقت بعنقه وقالت ببراءة:
أيوة والله العظيم صدقني، أنا خبرة.
إنت إيه؟
خبرة.
وبتقوليها تاني؟
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء سعيد
أعرفك يا أيوب على دلال مرات خالد الله يرحمه.
عن أي دلال تتحدث؟
فكر لعدة ثوانٍ قبل أن يدور بالمقعد ويرى على من تتحدث. يا ليته لم يفعل.
رآها تقف بكل براءة على باب الغرفة. ملامح هادئة، ابتسامة خجولة.
كيف ومتى فعلت مصيبتها الجديدة؟
اقتربت منه بخطوات مترددة ثم مدت يدها للسلام عليه مردفة:
_ أهلاً بحضرتك يا باشا.
من أين أتى إليه الصبر لا يعلم. شعر للحظات بأن قدمه فقدت قدرتها على الحركة.
طال انتظارها لسلامه فشعرت بالخجل وسحبت كفها مردفة:
_ أنا عارفة إن حضرتك كنت رافض جوازي من خالد الله يرحمه. طبعاً ده حقك بس أنا وخالد كنا بنحب بعض واتجوزنا.
_ بتحبوا بعض؟
قالها وكأنه يكتشف الحقيقة للمرة الأولى. الآن فقط دخل عقله بالأمر وقال: "إنها حبيبة وزوجة خالد يا أيوب".
نفور عجيب دلف لقلبه من مجرد الفكرة وكأنه طوال الأيام الماضية كان مغيبًا.
آتى إليه صوت عمته:
_ اقعدي يا حبيبتي، اللي فات مات. أنتِ دلوقتي اللي باقية لنا من ريحة الغالي.
باقية من رائحة الغالي؟ ما هذا؟ ما هذا حقًا؟
رآها تجلس فقال بجبروت:
_ وأنتِ بقى إيه اللي فكرك بينا بعد سنة من موته؟
لتكن صريحة. هي الآن خائفة. وصل ارتجافها لحالة من الرعب.
بطرف لسانها أعطت بعض الطراوة لشفتيها. معالم وجهه غامضة لا تبشر بأي خير. ومع ذلك ستكمل طريقها للنهاية، فهي بكل الأحوال خاسرة.
حدقت بهما بحزن وقالت:
_ من أول أسبوع مات فيه خالد جيت هنا، بس حضرتك أمرت الحرس بطردي.
يتذكر هذا اليوم. نعم، أمر بطردها حتى لا يخرج بروحها بيده.
أومأ إليها بكبرياء وقال:
_ وعايزة إيه دلوقتي؟
تدخلت فوزية بالحديث بعتاب مردفة:
_ فيه إيه يا أيوب؟ يعني إيه عايزة إيه؟ عايزة حقها في جوزها يا ابني، ده شرع ربنا.
فتلتت منه ضحكة ساخرة ثم أشار إليها مردفًا:
_ وهو من امتى الجواز العرفي معترف بيه شرعًا أو قانونًا يا عمتي؟ وبعدين أنتِ صدقتي المدام بناءً على إيه وهي حتى مش معاها ورقة الجواز العرفي؟
للمرة الثانية يفوز عليها. للمرة الثانية يقدر على كسرها أمام نفسها.
هو محق. هي تقف أمامه الآن بلا إثبات واحد على حديثها.
ترقرقت الدموع بداخل عينيها لتدخل السيدة فوزية للمرة الثانية قائلة:
_ لو حد خلاهم يتجوزوا عرفي في السر فده بسبب جبروتك أنت يا أيوب. خالد من كتر حبه فيك ما قدرش يوقع كلمتك الأرض. أما بقى بالنسبة للورقة فهي كانت مع خالد الله يرحمه وأنا مش محتاجاها لأني كنت معاهم على الموبايل وقت جوازهم وعارفة كل حاجة من الأول.
ظل ثابتًا مثل الحجر. عينيه متعلقة بها تتابع ردودها.
كانت بحالة من الكسرة. بكل يوم يمر تندم على زواجها العرفي من خالد. كانت ومازالت تحبه. إلا أن الحب بمفرده غير كافٍ للزواج.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بهدوء:
_ أنا مش عايزة ورث.
_ أمال عايزة إيه؟
_ عايزة ورقة تثبت إني أرملة المرحوم خالد واوضته أعيش فيها.
هذا كثير جدًا عليه. فلتت منه ضربة قوية على السفرة. غضبه أصبح مليون بعد جملتها الأخيرة.
انتفضت بخوف فقالت فوزية:
_ أهدي يا حبيبتي. الموضوع سهل. في أقل من يومين هيقدر أيوب يطلع كل الأوراق اللي تثبت جوازك من خالد. ولأزم تعرفي إن اللي ليكي في البيت ده أكتر من أوضة بكتير. ليكي حقك كامل في المرحوم جوزك.
المرحوم زوجها؟ جعلته بلحظة واحدة مرحومًا؟
قام من محله ثم قال:
_ تعالي يا مدام دلال أوصلك بنفسي لأوضة المرحوم.
هل ستذهب معه؟ هذا مستحيل.
لم يعطِ لها فرصة وذهب. فحدقت بفوزية لعلها تأخذ منها العون. لتقول الأخرى بابتسامة حنونة:
_ ما تخافيش يا بنتي. أيوب يبان قاسي وشديد، لكن مفيش في الدنيا دي أطيب منه. مش هيضيع حقك. اطلعي وراه. ده أنتِ في مقام مرات إبنه دلوقتي.
كلمات فوزية بثت بداخلها الكثير والكثير من الخوف.
أخذت نفسها بصعوبة وقامت لتذهب إليه. رأت يقف أعلى الدرج بانتظار قدومها. صعدت إليه وسارت خلفه حتى وصل بها لباب غرفة خالد. فتح لها الباب وقال:
_ أوضة المرحوم خالد. اتفضلي.
رفعت عينيها إليه منتظرة ردة فعل عنيفة. إلا أنه ظل صامتًا. فقالت بتوتر:
_ أدخل؟
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ أدخلي.
_ عادي كده؟
أجابها بنبرة تسمعها منه للمرة الأولى. ربما كانت تدل على الهزيمة:
_ النهاردة بس أول مرة أحس إنك أرملة خالد. أرملة خالد وبس يا دلال.
معنى حديثه لم يصل إليها. خرجت منه كلمات لا تدل على شيء سوى الضياع.
بداخل قلبه مشاعر غريبة ترفض ما يشعر به.
دلفت للداخل بخطوات ثقيلة. رنين صوته يضرب برأسها.
أغلق الباب عليها ورحل. تركها بمفردها.
مرت عينيها على كل ركن من أركان الغرفة بابتسامة بها الكثير من الحنين.
ذهبت إلى التسريحة وجدت عليها كل ما يخصه. رفعت زجاجة عطره لأنفها وهتفت في خفوت:
_ مش باقي ليا منك إلا قزازة برفان يا خالد.
رفعت عينيها للمرآة لتتخيل صورته يبتسم، يضمها، يعترف بحبه لها. ألف خيال وخيال لم يتحقق منهم أي شيء. فقط مجرد أمنيات حفرت بداخلها.
أخذت زجاجة العطر معها للفراش وألقت بجسدها عليه. ضمت وسادته لصدرها تذكرت جملته إليها: "مسيرك يوم تنامي معايا في أوضتي وعلي سريري جوا حضني يا دلال ووقتها هطلع عليكي سنين صبري".
ها هي تنام على فراشه بداخل غرفته. ولكن أين حضنه؟
سقطت منها دمعة مقهورة وقالت:
_ اديتني ألف وعد ما فيش وعد واحد منهم اتحقق. كلهم بقوا ذكريات. بس ذكريات. الله يرحمك يا خالد. ويرحمني.
خرج أيوب من قصر رسلان بمشاعر مؤلمة. كأنه كان مغيبًا والآن فقط أفاق لما يدور من حوله.
دلال كانت حب حياة خالد. كانت زوجة خالد. دلال امرأة رفض من قبل ربط اسمها باسم عائلة رسلان. رفض زوجها من خالد؟ ومن خالد؟ ولده الصغير الذي كان أول يد تحمله قبل يد أبيه.
صعد سيارته واتجه للمجهول حتى وصلت به لمقابر العائلة.
بخطوات ثقيلة مهزومة سار حتى وصل لمقابر مكتوب عليها بالخط العريض "المرحوم خالد رسلان".
سقطت قوته على الأرض وسقط جسده معها. مد كف يده ومرره على اسم ابن شقيقه وقال:
_ حقك عليا. عارف إني مقصر معاك من يوم ما شوفتها وأنا ما جيتش زورتك ولا مرة. مكنتش عارف ليه. بس النهاردة عرفت. أنا كنت بهرب يا خالد. بهرب من حقيقة إنها مراتك وحقك. وبهرب من ضميري اللي بيقولي زي ما حرمتها عليه لازم أحرمها على نفسك. كنت بتعامل معاها كأنها ست مفيش أي حاجة بتربطني بيها غير أنها مراتي. النهاردة بس عرفت إنها ما كانتش مراتي. هي كانت مراتك اللي ملحقتش تفرح بيها. واللي أنا السبب إنك ما تقدرش تفرح بيها.
أغرقت عينيه الدموع وهو يرى كم بشاعته. قلبه يحترق من كل اتجاه وهو عاجز. لا يعلم ما بيده فعله ليريح نفسه.
مسح عينيه بظهر يده وقال:
_ أنت وصتني عليها قبل ما تموت وأنا مكنتش قد الوصية دي. مش عارف إيه اللي فيها زيادة عن كل الستات اللي عرفتها عشان أكتبها على اسمي وأعمل المستحيل عشان تفضل على اسمي. هي حلوة. حلوة أوي يا خالد وعندك تحبها. لكن أنا اللي مليش أي حق أقرب منها ومع ذلك قربت. فكرت في نفسي بس ونسيتك. نسيت ابني اللي اتربى على إيدي وكبر وبقى راجل في حضني. نسيت إنك نايم في تربتك مش مرتاح وأنت شايفها في حضني. طول عمري بسيب حقي عشان الغاليين عندي. لكن في دي أخدت حق مش حقي. عشاني أنا. لأول مرة. زمان اديت جومانة لأخويا وأنا بحبها لأنه بيحبها. مش عارف عملت معاك كده ليه يا خالد. سامحني. سامحني يا ابني.
طلب السماح على ما فعله. وربما على ما سيفعله.
بداخله ثقل كبير لم تخففه كلماته. عقل واقف بلحظة رفضه لزواج خالد من دلال. لحظة بها رأى قلب صغيره يسقط ألف قطعة أمام عينيه. ومع ذلك ظل على جبروته.
تحدث بثقل وتعب:
_ البنت دي لعنة. اللي يقرب منها يفضل ملعون بيها لحد روحه ما تطلع. شكل نهايتي هتبقى زي نهايتك يا خالد. شكلنا هنتقابل قريب أوي. بس وقتها مش عارف هتقابلني إزاي وهتشوفني إزاي؟
أكتفى من الحديث. فقام بتعب شديد وذهب. وقف أمام البوابة يلقي على القبر نظرة أخيرة بها الكثير من الاعتذار ورحل.
بعد منتصف الليل عاد أيوب لقصر رسلان. وجدها تجلس أمام حمام السباحة تضم قدميها لصدرها وتحدق بالفراغ.
طلب منه علقة الدخول وأخذته قدماه لعندها. زفر بضيق من تأثيرها الواضح عليه فقال:
_ بتهبب إيه هنا؟
أخيرًا انتبهت لوجود أحد معها بقلب المكان. أخذت نفسها بثقل وقالت:
_ سهرانة.
_ جيتي تعملي إيه هنا يا دلال؟
سؤال صريح. إلا تنفع إليه إلا إجابة صريحة. رفعت عينيها إليه وجدته مرهقًا. وربما يكون ضائعًا. فقالت:
_ جيت أخد حقي.
رفع حاجبه بتعجب وقال بنبرة ساخرة:
_ حقك في مين؟ في خالد؟ شكلك ناسيه إنه كان كاتب عليكي بعقد عرفي حتى مش متوثق عند محامي. دلال قدام الحكومة أنتِ مالكيش حق.
تعلم ذلك. قامت من محلها ووقفت أمامه ثم قالت بهدوء:
_ عارفة ومن الأول مطلبتش فلوس. أنا أقصد حقي منك أنت.
أشار على نفسه وقال:
_ مني أنا؟
كأنها بالونة انتفخت حتى وصلت لمرحلة الانفجار. ضربته بصدره بقوة. ارتد على أثرها خطوة للخلف لعدم مقاومة لها. جاءت لتعطي إليه الأخرى. ضم كفيها إليه فقالت بغضب:
_ أيوه أنت. متفاجئ وعامل نفسك بريء أوي مع إن مشوفتش حد في حياتي كلها ظالم قدك. إنسان نرجسي مش شايف غير نفسك وبس. أنت ومن بعدك الطوفان. فكرت مرة واحدة في حياتك تبص لنفسك في المرايا وتشوف الناس شايفاك إزاي؟ اللي حواليك خايفين منك مش بيحبوك. كل حاجة ماشية زي ما أنت عايز لأنك صاحب سلطة ونفوذ. غير كده أنت متقدرش تعمل حاجة.
معالم وجهه طاف بها الألم. صمت وتركها تخرج ما تريد قوله. فأكملت بقهر:
_ تقدر تقولي رفضت جوازي من خالد ليه؟ أنت حتى ما اديتش لنفسك فرصة تشوفني وتعرف إذا كنت أليق باسم العيلة الكريمة ولا لأ. أخدت قرارك وحكمت على علاقتي بيه بالإعدام. مكانش جواك ذرة رحمة ليا بعد موته. على الأقل دخلني القصر الكريم وأعرف أنا عايزة منك إيه. كل اللي عملته خليت شوية الكلاب بتوعك يرموني في الشارع كاني جاية أشحت منك. مع أنك عارف كويس أوي إن ليا في البيت ده حق.
سقطت من عينيها دمعة وراء الأخرى. مع كل كلمة تخرج منها تزيل ثقلًا من على قلبها. حدقت به بكره واضح وقالت:
_ دلوقتي ماسك فيا بأيدك وسنانك عايزني أبقى مراتك. دخلت قصاد عينيك قصرك اللي طردتني منه ورحبت بيا. مش عشان خاطر أنت خايف من فوزيه هانم ولا حتى عشان خاطر خالد غالي على قلبك. أنا هنا عشان أنت عايزني. مش دي الحقيقة.
يعلم الجميع أن أيوب رسلان جبروت. هزيمته مستحيلة. ليكون صريحًا. كلماتها أصبته بمقتل. جعلته يرى حصاد ما زرعه. إلا أن النهاية واحدة. هو أيوب رسلان.
أبتعد عنها وقال:
_ كنتي بتحبي خالد يا دلال؟
سؤاله كان عجيبًا. وقبل أن تفتح فمها للإجابة أشار إليها بالصمت وقال:
_ عمرك ما حبيته. مفيش ست بتحب راجل بتبقى في حضن راجل تاني زي ما أنتِ بتبقي في حضني كده. بسكوتة دايبة في كوباية شاي ومش قادرة تمسك نفسها. مش بقولك كده عشان أحسسك بالضعف. بقولك كده عشان خاطر تطلعي من دور الضحية اللي أنتِ عايشة جوا. اللي بيحب حد مش بياخده في السر بحتة ورقة عرفي.
صمت قليلًا ليأخذ بعض الهدنة قبل أن يكمل بقوة:
_ المفروض مقامك كان يبقى عنده أكبر من كده بكتير. بس إزاي عايز تبقي غالية عنده وأنتِ مش غالية عند نفسك. لو كنتي عملتي قيمة ليكي مكنتيش سلمتي جسمك لراجل بحتة ورقة. ولا كنتي وصلتي أنك تقفي قدامي الوقفة دي دلوقتي. أنتِ اللي محتاجة تبصي في المرايا. شوفي وقتها حقيقتك وابقي تعالي قوليلي شوفتي إيه.
قال ما كانت ترفض قوله لنفسها. كشفها أمامها وجعلها تعلم حقيقة ما فعلته بحقها. رأى عينيها منكسرة. فقال بقوة:
_ قولتي الصبح أنك جاية عشان خاطر تثبتي إنك أرملة خالد وعايزة تنامي في أوضته. أوضته عندك فوق. نامي فيها براحتك. بس الورقة اللي أنتِ عايزاها طول ما أنتِ شايلة اسمي مش هينفع تطلع.
بخطوات غاضبة دلف لمنزله. أخذت تحدق بالفراغ من حولها وهمست بتعب:
_ عنده حق. أنا اللي رخصت نفسي من الأول. ومكانش ينفع يبقى ليا نهاية تانية إلا دي.
صباح يوم جديد بمنزل أبو الخير.
دلف ناصر لغرفة الطعام وجد حنين ووالدته وصغيره مهران بانتظاره.
أقترب من والدته قبل رأسها ثم جلس على مقعده مردفًا:
_ صباح الخير يا ست الكل.
ابتسمت إليه السيدة زينب بحنان وقالت:
_ صباح النور يا حبيبي.
أقترب مهران من والده وقبل يده ثم قال:
_ صباح الخير يا حاج.
أومأ إليه مهران بهدوء مردفًا:
_ صباح النور. كمل فطارك وانزل شوف شغلك مع الرجالة تحت.
أتسعت عينين حنين بذهول. طفل في السادسة من عمره؟ أي عمل لديه؟
أتت إليها الإجابة الأكثر صدمة من الصغير عندما قال:
_ حاضر يا حاج. بس ليا عندك طلب.
طلبه يعمله؟ فقال بقوة:
_ قول يا مهران.
_ ماما.
لم يكمل باقي الجملة بإشارة من أبيه الذي قال:
_ انزل افطر تحت مع الرجالة وشوف شغلك يا مهران.
نفذ الصغير ما قاله ناصر وذهب. فقالت السيدة زينب بعتاب:
_ مكنش ينفع كدة يا ناصر. مهران عايز أمه تبقى جنبه. ده غير المسكينة اللي قاعدة في شقتها بعيد عن بناتها. كفاية لحد كده عليهم. هما عرفوا غلطهم خلاص.
_ أنتِ مقامك عالي عندي يا حاجة. بلاش نتكلم في الموضوع ده.
زاد غضب حنين أضعاف خصوصًا بعد رؤيتها لحزن الصغير قبل أن يذهب. فقالت بنبرة حادة:
_ هو إيه اللي محدش يتكلم في الموضوع ده؟ طنط عندها حق. الولد صغير وعايز مامته تبقى جنبه. ده غير أنك إزاي تخلي طفل زي ده ينزل يشتغل ويفطر مع العمال؟ فاكرة شاب عنده 20 سنة.
أغلقت السيدة زينب عينيها بقلة حيلة. صغيرة لا تعلم بالحياة شيئًا. وفتحت على نفسها بابًا من النيران.
سألها ناصر بهدوء ما يسبق العاصفة:
_ مين سمح لك تتكلمي وأنا قاعد؟
زاد جنونها. فهي ابنة رسلان. قامت من فوق مقعدها وقالت بغضب:
_ يعني إيه مين سمح لي؟ هو أنا خرسا عشان أقعد ساكتة؟ طالما شايفة حاجة غلط يبقى لازم أقول رأيي فيها.
انتهى وقت هدوئه وحان وقت غضب ناصر أبو الخير. ضرب على الطاولة بقوة وقال:
_ رأيك تحتفظي بيه لنفسك. هنا مافيش رأي غير رأيي أنا. ومافيش كلمة غير كلمتي. ادخلي على أوضتك. مش عايز أشوف وشك غير لما أنا أقرر أنك تطلعي منها.
حركت رأسها برفض وقالت:
_ أوامرك دي على نفسك مش عليا. أنا حنين رسلان. شكلك نسيت أنا أبقى مين. بجد مش قادرة أستوعب إن إنسان جاهل وهامجي زيك بيمشي رأيه على الناس ويفرض قراراته. ولا قادرة أفهم إيه اللي يخلي أهل الستات دول يرضوا بالإهانة دي.
وضعت السيدة زينب يدًا على وجهها بذهول ويدها الأخرى على ذراع ناصر تمنعه من الاقتراب من حنين مردفة:
_ اهدى يا ناصر. دي عيلة صغيرة ومش فاهمة هي بتقول إيه. بلاش تحط عقلك بعقلها يا ابني.
أبعد كف والدته عنه وقام من مكانه ليسحبها إليه بقوة مردفاً:
_ ما تخافيش يا حاجة. أنا عارف أنها عيلة صغيرة. بس الصغير لازم يتعاقب على الغلط عشان ما يعملهوش تاني. كملي أنتِ فطارك.
أخذها لغرفتها بخطوات سريعة. كانت تسير معه بخوف. دلف لقلبها فجأة. دفعها للداخل ثم أغلق الباب عليهما بقوة وقال:
_ اسمعيني بقى. كنتي بتقولي إيه برة عشان ما كنتش مركز معاكي.
أشارت إليه بعدم الاقتراب منها وقالت بنبرة منخفضة:
_ كنت بقول إن يعني أقصد إن اللي حضرتك بتعمله ده مش صح. ما ينفعش تسيب طفل من غير مامته. وما ينفعش تحبس ست في شقتها كأن عليها حكم. أنت أصلاً ملكش حكم عليها. هي في بيتك عشان ولادها مش مراتك.
وضع أحد أصابعه أمام شفتيها يمنعها من إكمال حديثها ثم نظر لعينيها بقوة أرعبت قلبها وقال:
_ تعرفي عقاب اللي يدخل في اللي ملوش فيه يا حنين؟
أبتلعت ريقها بتوتر وقالت:
_ لو سمحت. أنا مش عيلة صغيرة عشان تقولي كده. أنا من حقي أقول رأيي.
_ وقولتي رأيك؟
أومات إليه فقال:
_ خدي رأيك وعلى سريرك واتخمدي يا حنين. والأوضة دي مش هتطلعي منها غير لما أقرر إن عقابك انتهى. عشان بعد كده تتعلمي إنك ما تتكلميش مع حد كبير بقلة ذوق.
حركت رأسها برفض وقالت:
_ لأ طبعاً مش هعمل كده.
_ وده إزاي يا أستاذة حنين؟
_ هتصل بعمو وهو هيعرف شغله معاك.
رفع حاجبه إليها بمعنى حقًا. وبعدها أقترب من الطاولة الموضوع عليها الهاتف الأرضي وفصل عنه الحرارة ثم حمله مردفًا بابتسامة باردة:
_ ابقي شوفي بقى هتكلمي عنه إزاي. وإياكي يا حنين المح طيفك بره عشان ساعتها ما تعرفيش هعمل إيه.
سألته بخوف طفلة صغيرة:
_ أنا بخاف أقعد لوحدي كتير.
أقترب منها ومرر يده على خصلاتها بحنان مردفاً:
_ معلش يا روحي عشان تتعلمي الأدب.
بقصر رسلان.
دلف أيوب لغرفة السفرة وجدها تجلس بجوار عمته. ألقى عليها نظرة سريعة ثم جلس على الطاولة بهدوء مردفاً:
_ صباح الخير.
إجابته السيدة فوزية بابتسامة حنونة وقالت:
_ صباح الورد يا حبيبي. عايزة أتصل بحنين يا أيوب ترجع من الرحلة دي وتقعد معايا.
أخذ نفسه بهدوء ثم نظر لطبقه هاربًا من نظرات عمته وقال:
_ المكان اللي هي فيه شبكته ضعيفة.
سألته فوزية بعتاب:
_ وأنت من امتى بتسيب حنين تطلع رحلة وتبات برة البيت يا أيوب؟ ده أنت كنت بتمنع نومها عندي؟
ماذا يقول والحقيقة مرة؟ لا يعلم كيف. ولكن أتت النجدة من دلال عندما قالت:
_ الحمد لله شبعت. بعد إذنك يا طنط هخرج عندي شغل.
ترك الشوكة من يده وسألها بسخرية:
_ شغل إيه اللي عندك؟ مش الدراسة قربت والمفروض تحضري نفسك.
نظرت إليه بتعجب. شخص كل دقيقة بحال. أمس جعلها تنام باكية والآن مهتم بالدراسة. رسمت على وجهها ابتسامة ساخرة وقالت:
_ هحضر كل حاجة. بس شغلي حاليًا أهم. عن إذنكم.
عاد لينظر للطعام وقال وهو يقطع قطعة من الجبنة:
_ اقعدي كلي. وهوصلك شغلك في طريقي.
يستحيل أن تجلس بمكان معه بمفردها بعد الآن. حركت رأسها برفض وقالت:
_ مفيش داعي حضرتك تتعب نفسك. طريقنا مش واحد والمشوار هيبقى صعب عليك.
أرادت إيصال رسالة صريحة إليه ووصلت. رسم على وجهه ابتسامة باردة وقال:
_ متخافيش عليا. أي حد تحت إيدي بيمشي في طريقي. اقعدي كملي أكلك.
جلست بغيظ. فقالت السيدة فوزية لأيوب:
_ في موضوع عايزة أتكلم معاك فيه يا أيوب.
_ خير. موضوع إيه ده؟
أخذت نفسها بثقل وقالت:
_ من وقت ما المرحومة مراتك ماتت وأنت رافض تتجوز. كانت الأول حجتك إن حنين وخالد ولادك ومش محتاج غيرهم من الدنيا. دلوقتي الوضع اختلف. خالد ما بقاش موجود. وعيلة رسلان ما ينفعش نسلها يتقطع يا أيوب.
ترك الشوكة من يده ونظر إليها بضيق مردفاً:
_ كملي يا عمتي. سامعك. وبعدين؟
_ هو إيه اللي وبعدين؟ أنا جبتلك كام عروسة من سيدات المجتمع عشان أنا عارفه إن الموضوع ده بيفرق معاك أوي. حلوين. مراكز عائلتهم عالية. ويناسبوك يا أيوب. عايزة أفرح بيك وأشوف عيالك وأطمن عليك قبل ما أموت.
رغم بساطة حديثها إلا أنه سقط على دلال مثل الحجارة. لابد أن يتزوج أيوب من سيدات المجتمع الراقي. أيوب رسلان لا يأخذ إلا امرأة تليق به وبمقامه. إهانة جديدة أخذتها بهذا البيت دون أن تشعر. سقط الطعام من بين يديها فقامت بسرعة وقالت:
_ بعد إذنكم.
_ استني مكانك.
قالها بصرامة لتتجمد بمكانها. مسح فمه بالمنديل الخاص بالطعام وقام هو الآخر بهدوء مردفاً:
_ هوصل دلال وبعدين نبقي نشوف الموضوع ده يا عمتو.
خرج من الغرفة وخرجت خلفه. وصلت أمام باب سيارته فقال للسائق:
_ امشي أنت يا عم منصور. مدام دلال هتسوق بنفسها.
أصابت دلال حالة من الهلع وقالت برفض:
_ لأ لأ مستحيل.
رفع حاجبه إليها مردفاً بهدوء:
_ ليه؟
يكفي ما عاشته ليلة فقدان خالد. حركت رأسها برفض. همست بكذب:
_ أسوق إزاي؟ أنا مش بعرف أسوق.
أومأ إليها بنظرات غامضة ثم جذبها من خصرها لتلتصق به وهمس بنبرة خشنة:
_ متعرفيش تسوقي خالص؟
شعرت ببعض الحرارة من قربه. فهمست بتوتر:
_ بعرف أسوق حاجات بسيطة. بس مقدرش أسوق في الزحمة الجامدة ووو.
ضم خصرها إليه بكف واحد وقال:
_ ولما أنتِ ما بتعرفيش تسوقي سوقتي عربية خالد يوم الحادثة ليه وأنتوا راجعين من السفر؟