تحميل رواية دلال حرمت على قلبك بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمام يخت عملاق بمدينة الساحل كانت تقف، كبرت دلال عام أخر وتعلمت به الكثير وعانت به أكثر وأكثر، زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وخبرة بحياة النساء، خلعت ثوب البراءة والآن انطبع عليها إسمها وأخذت منه كل صفاتها. "دلال" إسم على مسمى صاحبة جمال مميز نادر، بشرة سمراء ناعمة بها لمعة الماسية، عيون واسعة تزينها بكحل يتبروز من حولها، عدسات بلون غريب بين الأزرق والأخضر تخفي خلفها لونها البني الداكن، خصلات بنية طويلة مموجة جعلتها مثل أحدي البطلات الكرتونية. خلفها حقيبة متوسطة الحجم بها القليل من الملابس، وبجوار...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء سعيد
لما أنتِ ما بتعرفيش تسوقي سوقتي عربية خالد يوم الحادثة ليه وأنتوا راجعين من السفر؟
للحظة توهمت إن ما وصل إليها جملة من وحي خيالها.
رفعت عينيها إليه وجدت نظراته ثابته عليها منتظر منها إجابة مقنعة.
ارتخت قدميها، يده ضمتها قبل الأرض.
ثم فتح باب السيارة ووضعها بالداخل.
أشار للسائق بالرحيل وجلس على المقعد المقابل إليها مردفًا:
مستني إجابة على سؤالي.
هادي لدرجة جعلتها ترتعب، قلبها يعطيها إنذار أنه هدوء ما قبل العاصفة.
حركت شفتيها بثقل مردفة:
عرفت ازاي؟
حرك رأسه بخفة ينفي ما قالته ثم قال بجدية:
مش مهم إزاي، المهم إني عارف.
ولما أنت عارف ساكت من البداية ليه؟
سند بظهره على مقعد السيارة.
كل ما يريد سماعه الآن القصة منها، يتمنى لو تكون مثلما يريد، آخر ما يوده قلبه أن تكون قاتلة.
خرج صوته بثقل يحثها على الحديث:
قولي اللي عندك يا دلال وأنا هصدقك.
قالها بصدق، حتى لو كذبت سيصدقها ولا يعلم لماذا.
أخرجت لسانها ومرت به على طرف شفتيها، لعلها تأخذ القليل من الهدوء.
ثم أخذت نفسها بخوف مردفة:
هو اللي طلب مني كده.
أنا اتعلمت السواقة على إيد خالد يوم الحادثة، صمم أسوق بنفسي.
ولأني كنت متعلمة جديد كان لازم أبقى مركزة عشان أعرف أسوق.
بس خالد قرب مني أعصابي فلتت ووو حصلت الحادثة.
فتح باب العربية وحدفني، كان هينط ورايا بس العربية اتقلبت قبل ما يعمل كده.
نفس حديث خالد قبل وفاته.
هي صادقة وجدا.
أخذ نفسه براحة كبيرة، حل محلها نيران مع جملتها الحمقاء "بس خالد قرب مني أعصابي فلتت".
جملة بها إيحاء واضح مثل الشمس.
وجد حاله يفعل شيئًا عجيب.
جذبها من خلف عنقها ليأخذ شفتيها بين شفتيه.
قبلة كان هدفها الوحيد إثبات ملكية.
يبحث عن شعور بالأمان، ومع ذلك هو تائه، فقط يبحث دون الوصول لشي.
أبتعد عنها ليراها مغلقة العينين، فهمس:
فتحي عينك.
نفذت أمره ليري بعينيها نظرات توضح تأثيره عليها.
ابتسم وقال:
من أول يوم شوفتك فيه قولت عليكي ملعونة، أي حد يقرب منك لازم يبقى مسحور بيكي.
رمشت عدة مرات بذهول.
من دقائق معدودة تخيلت أن حياتها انتهت، والآن يعطي إليها جرعة من الثقة بالنفس.
يقولها لها صريحة، هي صاحبة سيطرة كاملة عليه.
سألته بتعجب:
عرفت منين؟
من خالد.
خالد؟
أيوة خالد قالي كل حاجة قبل ما يموت، وصاني تطلعي من الليلة دي سليمة.
سليمة؟
كلمة واحدة أخرجت منها ضحكة ساخرة.
هي خرجت خاسرة الكثير ومازالت تخسر.
سألته بملامح غامضة:
وأنت نفذت الوصية على كده؟
فهم حديثها جيدا، ومع ذلك حرك رأسه بقوة مردفًا:
إن فيكي نفس داخل وطالع ده أكبر إثبات إني نفذت الوصية.
بس فوزية لفتت انتباهي لحاجة مهمة جدا.
إيه هي الحاجة دي يا تراه؟
إن عيلة رسلان دلوقتي من غير وريث.
فهمت؟
نعم فهمت، ومع ذلك سألته بحذر:
وبعدين؟
بهدوء قال:
ولا قبلين مين موتت الواد إللي حيلتنا؟
تقصد أنا؟
شاطرة فعلاً أنتِ.
والحق بيقول إيه؟
إيه؟
واحد قصاد واحد.
تحبي تجيبي واحد وإلا أخلص عليكي ونبقى كدة خلصين؟
اتسعت عينيها بذهول.
حركت جسدها مسافة كبيرة بعيدًا عنه، ثم أشارت على نفسها بخوف قائلة:
هو أنت ممكن تقتلني فعلاً؟
لو لديها واحد بالمئة ذكاء هتعلم أن الإجابة لا.
هو كاذب، لا يريد وريث، يريد ضمان وجودها معه لأطول فترة ممكنة.
أومأ إليها بهدوء وقال:
من ناحية أقدر فأنا أقدر، بس من ناحية عايز فأنا مش عايز يا دلوعة.
ابتلعت ريقها يترقب، ورفعت أحد أصابعها تزيل بها خصلاتها خلف أذنها، ثم همست:
أمال أنت عايز إيه؟
عايز أخلف منك يا دلوعة.
بمنزل أبو الخير.
بعد أكثر من ثلاث ساعات عاد الحاج ناصر لمنزله.
رأى والدته تجلس وامامها كتاب الله تقرأ به.
فأقترب منها ثم قبل رأسها مردفًا:
شكلك زعلانة مني يا حاجة.
صدقت بهدوء وأغلقت الكتاب الشريف ثم رفعت عينيها لناصر مردفة بعتاب:
وأنت عملت إيه يزعلني منك يا ناصر؟
ابتسم بخفة وقال:
الصراحة كتير، بس أنتِ عارفة يا حاجة إن مينفعش أرجع في كلمة قولتها.
لا ينفع يا حاج ناصر لما تبقى غلطان، يبقى ينفع.
كل واحدة من الحريم أخدت عقابها بما فيه الكفاية.
نسمة في بيت أبوها وشامية فوق بعيد عن بناتها بين أربع حيطان، من أمتي وأنت بتطول في حسابك لحد كدة؟
مسح على خصلاته بتعب.
حدد بوالدته وقال:
مش عايز مشاكل يا أمي.
نسمة عشان أم مهران دايسة على الكل، وشامية زي العادة معاهم معاهم عليهم عليهم.
الضيفة اللي جوا دي تربية قصور، متعرفش حاجة في شغل النسوان اللي هنا.
لو سمحت شامية يبقى لازم أسامح نسمة، ولو نسمة رجعت خدي بقى خناقات ومشاكل بينهما وبين حنين وأنا في النص كدة، أحسن لحد ما الضيفة ترجع بيتها.
بنظرات غامضة ردت عليه السيدة زينب:
ومين بقى اللى قالك أنها هتبقى ضيفة؟
رفع حاجبه بحذر وقال:
يعني إيه يا أمي مش فاهم.
لأ فاهم يا حاج، بس بتلف تدور على نفسك.
رجع نسمة وأنا اللي هبقى في النص، والا أنت شايف إن الحاجة زينب متعرفش تمشي بيتها؟
والدته تضعه بخانة مغلقة.
زفر بضيق ثم قام من محله مردفًا:
لأ يا حاجة أنتِ على رأسي، هدخل أشوف حنين وبعدين يحلها ربنا من عنده.
ذهب لغرفة حنين بخطوات مترددة.
لا يعلم كيف يتصرف معها دون أن تسقط هيبته.
طرق على باب الغرفة مرة والثانية حتى أتى صوتها الباكي:
مش هعرف أخرج يا طنط، ابنك حابسني لوحدي.
ده أنا مش طنط يا حنين وعايز أدخل، ينفع؟
لم يصل إليه أي نوع من الرد فقرر فتح الباب والدخول.
ابتسم إليها وقال:
قولت السكوت علامة الرضا فدخلت.
كانت بحالة مؤسفة.
لعن نفسه بغيظ، يا ليته يقدر على إسقاط كلمة خرجت من بين شفتيه.
مثل الطفلة الصغيرة تضم حالها على الفراش وتبكي.
أقترب منها فقالت بحزن شديد:
لو سمحت أخرج برة عايزة أبقي لوحدي، وإلا ده كمان ممنوع؟
جلس على طرف الفراش مردفاً:
بس إللي أعرفه أنك مش بتحبي تقعدي لوحدك كتير.
يا سلام، وعشان كده حبستني هنا لوحدي وخرجت.
زفر بضيق ولأول مرة يعترف بخطأ صدر منه:
معلش يا حنين حقك عليا، بس أنتِ برضو غلطان.
أعتدلت بجلستها بغضب وقالت:
انا ما غلطتش في حاجه، أنت اللي إنسان ظالم.
رفع حاجبه ثم أشار إليها مردفاً ببساطة:
شايفة بتقولي إيه لوحد أكبر منك مش كدة عيب؟
وهو اللي حضرتك عملته معايا ما كانش عيب؟
أنا لا بشتغل هنا ولا واحده من حريمك ولا حتى من باقي اهلك، انا يا دوب ضيفه وماكنتش أعرف إن أنتوا بتحترموا الضيوف أوي كده.
جذبها بحنان جديد عليه، يشعر به لأول مرة.
ومع ذلك رحب بوجوده.
جلست أمامه، فقال وكأنه يتعامل مع واحدة من بناته الصغار:
أنتِ مش ضيفة يا حنين، ولو كنتي ضيفة ما كنتش هسمح لك تعرفي اسرار عننا او تتكلمي معانا.
اللي أنتِ عملتيه غلط، وقفتي قدامي ورديتي عليا الكلمه بـ 10، مع اني في الأساس عاقبتهم عشان خاطرك.
أنتِ سنك لسه صغير وما تعرفيش تفرقي ما بين الصح والغلط.
انا لو عملت حاجة فانا عملتها عشان نريح بالنا الأيام اللي جاية، لأنك ما تعرفيش نسمة ممكن تعمل في غيابي إيه.
عشان ابقى مطمن عليكي لازم هي تبقى مش موجودة لحد ما مشكلتك تتحل.
حديثه الهادي معها لمس شئ بداخلها.
وجدت نفسها تحرك رأسها بتفهم قبل أن تقول:
أنا كمان مكنتش أقصد أي حاجة وحشة، مهران والبنات صعبوا عليا عشان كده اتكلمت من غير تفكير.
أخذ نفسه براحة أخيراً ثم قام من مكانه مردفاً بإبتسامة مشرقة:
ماشي يا ستي قومي البسي بقي.
سألته بفضول:
ألبس ليه؟
ناوي افسحك، هتلبسي وإلا أغير رأيي؟
انتفضت من فوق الفراش بلهفة:
لأ لأ ثواني وهكون جاهزة.
بقصر رسلان.
بمنتصف النهار جلست السيدة فوزية لتتابع أحد أفلام الأكشن.
أخذت قطعة من الفشار مع زيادة اندماجها مع الأحداث.
دلف عليها الخادمة وقالت إسمها لعدة مرات والاخرى مع الفيلم.
لتقول الخادمة بصوت عالي:
فوزية هانم.
انتفضت فوزية من محلها برعب وقالت:
إيه في إيه أقسم بالله إللي هيقرب مني هقسمه نصين.
تحدثت الخادمة باحترام مردفة:
بعتذر يا هانم ما كنتش أقصد اخوف حضرتك، بس مدام جومانة تحت ومعها شنطة هدومها وأنا بصراحة خايفة أدخلها أيوب باشا يقطع رقبتي.
تركت فوزية طبق الفشار من يدها ثم قامت من مكانها بغضب مردفة:
خليها مكانها تحت أنا هنزل لها بنفسي.
أومأت إليها بهدوء ثم انسحبت من الغرفة.
رفعت فوزية هاتفها لتقوم بالاتصال على أيوب لتجد الخط مغلق.
أخذت نفسها بضيق وقالت:
روحت فين يا أيوب رد بدل ما أنزل أخد روحها في أيدي.
بعد عدة مرات ألقت بالهاتف على الفراش ونزلت للطابق الأسفل.
دلف لغرفة الصالون رأتها تجلس ومعها فنجان من القهوة فقالت بسخرية:
مافيش قهوة في بيتك جيتي تشربيها هنا؟
انتفض جسدها أول ما وقعت عينيها على السيدة فوزية.
المرأة الوحيدة التي تخشى جومانه الوقوف أمامها.
وضعت فنجان القهوة محله وقالت:
فوزية هانم؟
جلست فوزية على الأريكة الكبيرة واضعة ساق فوق الآخر مردفة:
إيه كنتي فاكرة إن الوشوش مش هتتقابل تاني ولا إيه يا جومانة؟
شايفاكي ما شاء الله لسه زي ما أنتِ ملامحك عليها غضب ربنا.
بس ده مش موضوعنا، بتهببي إيه هنا؟
ابتسمت جومانة بسخرية وقالت:
ولا حضرتك اتغيرتي لسه الغرور والكبر بيجروا في دمك.
أنا هنا في بيت ولادي، وليا حق فيه بعد المرحوم خالد.
قولتيلي ورثك من خالد، البيت ده مش بتاع خالد عشان يبقى لك مكان فيه.
أنا وأنتِ عارفين كويس أوي ان البيت ده حق أيوب وباسمه.
قوليلي يا جومانة، قولولي انك جاية ومعاكي شنطه هدومك.
جوزك سابك تخرجي كده عادي ولا زهق وقالك مع السلامه لما عرف ان ما حلتكيش حاجة يقف بيها ضد ايوب؟
عضت جومانة على شفتيها بغيظ قبل أن تقول من بين أسنانها:
أنا اللي طلبت الطلاق من أمتي حد يقدر يرميني.
وجودي هنا أيوب عارف بيه وهو اللي قالي ان ليا مكان في البيت ده.
ما تنسيش يا فوزية هانم إني الحب القديم.
رفعت فوزية حاجبها ببرود وقالت بصوت مرتفع:
فتحية.
أتت إليها الخادمة فأشارت إليها على حقيبة جومانة مردفة:
خدي شنطة الهانم ووصليها لاوضة الضيوف.
بس أنا ليا أوضة هنا.
لحد ما ييجي صاحب البيت مكانك في أوضة الضيوف، بعدها هو يقرر مكانك هيبقي فين.
بمنزل خلود.
دلف لغرفة نوم مسعود الجديدة بقلب محروق.
تشعر أنها تعيش بأسفل النيران.
وجدت عينيه مركزة على هاتفه يعطي إليها ظهره.
اقتربت منه بخطوات ثقيلة وتعلم أن هذا اللقاء سيكون اللقاء الأخير.
تعلقت عينيها بمحل تركيزه ورأت ما كانت تتوقعه.
صفحة دلال عبر تطبيق الانستجرام.
يلق ب أصابعه بين صورها يكبرها على وجهها يتأمل معالمها.
لم يشعر بها بجواره تائه بدنيا خاصة به.
سقطت من عينيها دمعة مقهورة ثم جلست بجواره على الفراش مردفة بثقل:
فيها إيه مش فيا يا مسعود؟
شوفت منها إيه مخليك مهووس بيها وأنا لأ.
للحظات عجز عن الرد.
خلود عنده غالية جدا ومن اللحظة الأولى كان يرفض بشدة الوصول لتلك النقطة والا انه وبكل أسف وصل إليها.
أغلق الهاتف وظل معطي ظهره لها ثم قال بتعب:
مفيش أي حاجة فيها زيادة عندك، أنتِ أجمل ست في الدنيا دي يا خلود فيكي كل حاجة تخلي أي راجل في الدنيا يعشقك.
وصلت شهقاتها القوية إليه ليغلق عينيه بقوة لعله يهرب من تلك المواجهة.
مسحت على ظهره بكف مرتجف وقالت:
ولما هو كدة مش بتحبني ليه يا مسعود؟
إنها النهاية يا مسعود، يكفي لهنا فرار.
اعتدل ليجلس أمامها وقال:
بحبك يا خلود والله العظيم بحبك، بس مش الحب اللي في بالك.
دلال من أول ما دخلت معانا الملجأ قلبي دق لها من غير سبب.
حسيت انها مني، لما خرجت وبعدت فضل قلبي متعلق بيها.
بس أقسم لك بالله ليكي مكانة عندي مفيش مخلوق في الدنيا يقدر يقرب منها.
لا حتى دلال؟
قالتها بإبتسامة حزينة ليقول بحنان:
لا حتى دلال يا خلود صدقيني.
مكانتي عندك تخليني أطلب أي حاجة أنا عايزها يا مسعد؟
لا يعلم لما دلفت بقلبه تلك الغصة القوية وكأنه على يقين من طلبها.
حرك رأسه بترقب وهمس:
أطلبي أي حاجة هتبقى تحت رجلك.
كم قاسية عليها الكلمة، كم يصعب عليها خروجها من بين شفتيها.
ضغطت على كفها بقوة تعطي لنفسها بعض الدعم وقالت بنبرة ضائعة:
طلقني يا مسعد.
سقط فوقه جبل ثقيل أخذ منه روحه بلا سابق إذن.
ردد حديثها بثقل:
عايزة تطلق.
تطلقي مني يا خلود.
أومات إليه بتعب وقالت:
كده أحسن.
أحسن كتير صدقني.
صرخ بذهول:
أحسن؟
أحسن في إيه؟
أنتِ كمان عايزة تسيبيني يا خلود، هو اللي بيحب حد بيسيبه؟
صرخت بوجع وغضب، قلبها اكتفى من أنانيته المستمرة:
عشان بحبك بطلب منك الطلاق وأنا لسة بحبك.
لو كملت معاك بالشكل ده وبالقهر ده هكرهك مع الوقت ووقتها برضو هطلق.
خليها تخلص بحب وشوية ذكريات حلوة يا مسعد أرجوك.
كان يجلس أمامها بجسد مقيد.
طلبها نيران أحرقت قلبه ولا يعلم لما.
حدد بها برجاء لعلها تحن عليه مردفًا:
أرجوكي يا خلود بلاش.
أرجوك أنت أنا تعبت والله العظيم مش قادرة أكمل.
نظر بعينيها يبحث عن أي نقطة بصالحه وجد حاله أخذ كل ما له من رصيد عندها.
ابتلع ريقه بألم وقال:
أنتِ طالق يا خلود.
تسير خلفه تائهة، يقودها مثلما يشاء.
وصل بها أمام يخت جديد رائع أكبر من القديم بكثير.
صعد قبلها ومد يده ليساعدها على الصعود.
وضعت يديها بين يديه بتردد وقالت بقلق:
ده مش اليخت بتاعك؟
سحبها بخفة لتقف بين أحضانه فمال عليها قليلا هامسا بالقرب من عنقها لتشعر بانفاسه عليها:
ده يختنا.
رجفة قوية أصابت عمودها الفقري مع حركة صدرها المضطربة مردفة:
يختنا ازاي؟
قادها للداخل بخطوات رقيقة حتى وصل بها للداخل مردفًا:
بتاعنا.
عايزه يشهد على كل حاجة بنا، عايز نعمل فيه بحر من الذكريات.
ذكريات تخليني مكتفي وعايش بيها الباقي من عمري.
لم تفهم معنى كلماته.
كل ما تفهمه الآن إنها متوترة كأنها فتاة تعيش تجربة الزواج للمرة الأولى.
مسحت على وجهها مردفة:
واليخت القديم؟
بح.
يعني إيه؟
بيكي مش محتاجة والا محتاج اللي بعمله فيه يا دلوعة.
هل هذا اعتراف منه باكتفائه الكامل بها؟
رفعت عينيها إليه ليكمل حديثه بنعومة:
مش وجود دلال كفاية برضو؟
خبير وقادر بأقل مجهود السيطرة عليها.
أومات إليه بتوهان ليضمها لصدرها عناق دافئ، قوي، أعطى لها الأمان وأعطت إليه شعور رائع بالراحة.
طال العناق، طال الصمت، طالت المتعة باللحظة.
رفعها بين يديه برقة وسار بها للداخل بخطوات هادئة.
دفع باب الغرفة بأحدي قدميه ودلف بها ثم أغلق الباب خلفه.
أنزلها بخفة لتقف على الأرض ثم همس بنبرة خشنة:
رأيك إيه في الاوضة؟
مع سؤاله عاد إليها القليل من الوعي.
رفعت عينيها لترى الغرفة بذهول.
شموع، ورود حمراء وأخرى بيضاء بكل مكان.
اسمها مزين للفراش بورد أحمر رائع.
تحرك من جوارها ليغلق النافذة حتى يبقى بالغرفة نور خفيف جدا.
عاد إليها لتقول:
أنت عملت كل ده أمتي؟
من إمبارح.
وعملت كده ليه؟
جذبها برفق وضم خصرها إليه مردفًا:
عشان تبقى مبسوطة يا دلوعة.
يهمني أكون مبسوطة؟
امممم يهمني.
شعرت برضا زاد من أنوثتها فابتسمت إليه بنعومة.
مرر يده على معالم وجهها وقال:
عايز بنت مش ولد.
ضربت حمرة الخجل بملامحها وهمست:
اشمعنا؟
عشان كل ما أبص لها أشوفك فيها.
طيب ما تبص ليا أنا مكانها.
تنهد تنهيدة طويلة ثقيلة وقال:
يمكن وقتها مقدرش أبص لك تعوضني هي.
عجزت للمرة المليون بنفس اليوم فهم ما يود وصوله إليها من حديثه.
رفعت عينيها بحيرة ليبتسم إليها بحنان أنحني عليها وعينيه على شفتيها.
حملها ببطء شديد وسار بها للفراش وضع جسدها الناعم عليه وهو فوقها وضع قبلة فوق خصلاتها وبعدها أخذ يضع بكل محل قبلة.
همهم بمتعة حقيقية اختفت مع خيال خفيف يمر من أمامه.
خالد؟
نعم هو خالد.
يبكي أمام عينيه بحرقة، يرسل إليه نظرات من اللوم والعتاب.
لا لا الأقوى أنها نظرات إتهام واضحة.
دفن وجهه بصدرها يفر من خيالاته ليأتي إليه صوت الآخر مردفًا:
بلاش يا عمي بلاش دلال بذات.
ابتعد عنها كأنه يفر من النيران.
حدقت به بخوف، قلق، ذهول.
حالته غريبة بين الوعي واللاوعي.
حرك رأسه بتعب ليكمل صوت ولد شقيقه الغالي:
مش دي اللي كانت متنفعش تدخل عيلتنا؟
ليه دلوقتي أخدها في حضنك؟
دلال مراتي أنا مستني أخدها في حضني أنت لتاني مرة تحرمني منها.
حرمتني منها دنيا ودلوقتي بتحرمني منها آخرة.
هل هذا حلم؟
وهم؟
خيال؟
أم حقيقة كان يحاول الهروب منها؟
وضع يده على رأسه بتعب شديد مردفًا بندم:
أنا أسف.
نزلت دلال لتجلس بجواره على الأرض مردفة:
مالك في إيه أنت كويس؟
كنتي بتحبي خالد يا دلال؟
سؤال عجيب ربما لأول مرة تشعر إن الإجابة بين قوسين (لا تعلم).
صمتت لحظات وبعدها همست بثقل:
أكيد أومال أتجوزته ليه؟
هل رأت الحسرة بعينيه الآن؟
راتها ظاهرة مثل شمس شهر يوليو.
تحدث بتعب:
وأنا عشان تنتقمي مني مش كده؟
عشان تثبتي لنفسك اللي الراجل اللي رفضك هو نفسه اللي هيجري وراكي صح؟
فتحت فمها للحديث إلا أنه وضع أصابعه أمام شفتيها مردفًا:
عشان ورقة تثبت انك كنتي مرات راجل ودلوقتي بقت معاكي الورقة صح؟
لا تعلم حقا لا تعلم.
ربما حديثه الأول صحيح أكثر من الثاني.
رأت بنفسها وجهه غير وجه الضحية.
سمعت جملة منذ يومين فقط كانت تسعى إليها ومع ذلك قتلها بسماعها:
أنتِ طالق يا دلال.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد
بعد أسبوع..
بمكتب أيوب..
دلف مصطفي بإبتسامة هادئة ليجد عينين أيوب متعلقة بعدة أوراق أمامه باهتمام شديد.
حرك مصطفى رأسه بقلة حيلة ثم جلس على المقعد المقابل إليه مردفاً:
_ هنفضل على الحال ده كتير يا باشا ؟!
أجابه أيوب دون النظر إليه قائلا:
_ أي حال ؟!
_ السكوت والشغل ليل نهار، لما أنت بتحبها طلقتها ليه ما كانت في أيدك؟
كانت بيده مرغمة، كانت تتلاعب به حتى جعلته يصل لحالته تلك.
قذف القلم على سطح المكتب بقوة وقال:
_ مش عايز سيرتها تيجي تاني يا مصطفي.
_ لأ يا أيوب أنا بتكلم معاك دلوقتي وأنا صاحبك مش موظف عندك، الحالة إللي أنت فيها دي غلط لحد أمتي كل ما تحب حاجة تسيبها لغيرك، جومانة هي إللي اختارت صاحب الفلوس وقتها واخوك كان عايش لكن دلال لأ خالد مات والحي أولي من الميت فوق بقي وشوف سنين عمرك إللي بتجري منك دي.
أعصابه أصبحت لا تتحمل المزيد مكتفي بما يشعر به، فصرخ بغضب:
_ هو ليه محدش قادر يفهمني دلال دي خالد فضل يتحايل عليا شهور عشان اقبل إنها تبقى واحده من عيلتنا وانا رفضت، دلوقتي عشان بقيت عايزها هدخلها العيله أنا مش اناني، دلال قربت مني مخصوص عشان تثبت لنفسها ان الراجل اللي رفضها هو الراجل اللي بيجري وراها دلوقتي عمرها ما حبتني وعمرها ما هتحبني يا ريت تفهمني يا مصطفى.
حديث جرح كبريائه ومع ذلك قاله.
شعر به مصطفي مثلما يشعر به دائما فقال:
_ ماشي بس أنت لأزم تتجوز مش هشوفك بالشكل ده واقعد ساكت مفيش حاجة تقدر تنسيك ست غير ست زيها أتجوز يا أيوب.
ربما الزواج حل مثالي للهروب، إمرأة جديدة تلف إلي حياته تأخذ وقته وتحل مكان إمرأة سرقت عقله.
سند رأسه على ظهر المقعد بضياع وقال:
_ أتجوز ؟! هتجوز...
بالجامعة..
انتهت دلال من محاضراتها واتجهت لكافتيريا الكلية.
جلست على طاولتها المفضلة مع صديقتها الجديدة " ياسمين".
سألتها بملل:
_ حضرتي المحاضرة يا دحيحة ؟!
حدقت بها دلال بسخرية وقالت:
_ نفس أعرف دخلتي طب إزاي يا ياسمين بجد ؟!
ضحكت ياسمين بمرح مردفة:
_ الفلوس يا بنتي بتعمل كل حاجة.
جملة بسيطة أصابت دلال بمنتصف صدرها، حالتها المادية منذ طلاقها من أيوب تحت الأرض ومع ذلك ترفض أخذ قرش واحد من المال الذي يرسله إليها مع مصطفي.
سألتها ياسمين بحزن:
_ مش ناوية تقوليلي مالك يا دلال، من أول ما بقينا أصحاب وأنتِ حزينة.
ماذا تقول ؟! تخشي من معرفة صديقتها حقيقتها، كيف ستراها وماذا ستقول عليها ؟!
حركت رأسها بتعب وقالت:
_ ياسمين أنا محتاجة أتكلم مع حد بس مش عارفة ممكن أبقي عاملة إزاي في نظرك لو عرفتي حكايتها عاملة إزاي.
حدقت بها ياسمين بقلق وقالت:
_ قولي يا دلال متخافيش.
قالت كل ما تريد قوله، ثقل كبير يحرق قلبها تخلت عنه مع سماع أحد إليها.
سقطت دمعة من عينين ياسمين، أشفقت على دلال، عقلها لا يصدق أن تلك الجميلة حظها من الدنيا ما قالته.
سحبت مقعدها مقتربة به من مقعد دلال الباكية ثم رفعت كفها لتمر به على ظهرها مردفة بحنان:
_ كفاية عياط يا عبيطة أكيد إللي جاي أحسن كتير.
مسحت دموعها بظهر يديها وقالت:
_ مش فارق معايا حاجة غير إني أخلص كلية واشتغل يا ياسمين.
_ لو على الشغل سهلة هقول لبابا تيجي معايا المستشفي.
ببريق من الأمل قالت دلال:
_ مستشفى إيه يا ياسمين هو انتِ بتشتغلي؟!
ضحكت ياسمين بمرح مردفة:
_ هو بصراحه انا مش بشتغل ولا بتاعه شغل بس زي ما أنتِ عارفة بابي دكتور المستشفى دي بتاعته بقى له سنين من اول ما دخلت الكليه بيتحايل عليا اجي اتدرب عنده وانا رفضت، بس لاجل عيونك الحلوين دول هنروح احنا الاتنين سوا وهخليه يطلع لك مرتب.
هل ضحكت لها الحياة فجأة ؟! نعم ضحكت، ابتسمت بسعادة غامرة ثم ألقت بنفسها داخل أحضان ياسمين مردفة بامتنان:
_ شكراً يا ياسمين بجد شكراً.
ضربها ياسمين على ظهرها بخفة وقالت:
_ شكرا على إيه يا مجنونة ده أنتِ أختي يلا بينا نعمل كبسة على بابي.
_ يلا.
بقصر رسلان..
دلف أيوب لغرفة المعيشة وجد فوزية تجلس بانتظاره.
ابتسم على معالم وجهها الغاضب ثم جلس على الأريكة بجوارها مردفاً:
_ قالبة وشك عليا ليه يا فوزية ؟!
_ بقي مش عارف يا بجح بقي لك أسبوع مختفي عايزة وأنا بدور عليك زي العبيطة.
مسح على رأسه بتعب وقال:
_ وبتدوري عليا ليه ؟!
جزت على أسنانها من الغيظ مردفة:
_ بقي مش عارف ليه ؟! دلال من وقت ما خرجت معاك مجتش تاني اتصلت عليها أكتر من مرة قالت إنها في بيتها بترتب شوية حاجات وجاية، ده طبعاً غير الحية إللي دخلتها بأيدك البيت من أول وجديد.
يعلم بموضوع الحية من البداية لكنه لأول مرة يعلم برحيل دلال.
وجد حاله يضرب بكل أفكاره عرض الحائط ويقوم من مكانه مردفاً:
_ إزاي يا فوزية تبقي برة البيت أسبوع من غير ما أعمل ؟!
_ وأنت كنت فين عشان أقولك ؟!
أخذ هاتفه المحمول ومفاتيح سيارته من فوق الطاولة وقال:
_ هجيبها. مينفعش تبات برة البيت.
ابتسمت فوزية بخبث ظاهر مثل الشمس على عينيها ثم قالت:
_ عندك حق مينفعش تبات برة البيت، بنت حلوة وصغيرة وارملة العين عليها ومتقدرش تقعد من غير راجل أكتر من السنة إللي قاعدة فيها.
ضيق بين عينيه مردفاً بشك:
_ أنتِ عايزة إيه بالظبط يا عمتي ؟!
_ تتجوزها يا قلب عمتك، البنت قمر وأنا وأنت عارفين إنها لو ناوية تتجوز مفيش غيرك هيأخدها.
حدق بها بذهول، هل تريد أن تزوجه دلال ؟!
سألها:
_ أتجوز مرات خالد ؟!
_ خالد مات يا أيوب، البنت غلبانة حبته وطلعت خسرانة ست من غير ورقة جواز، عوض نفسك عن كل إللي فات بيها وعوضها هي كمان بيك يا قلب عمتك.
نعم بداخله شعور يتمني على تعويض حاله بها، يتمني لو أصبحت مكافأة نهاية خدمته طوال السنوات الماضية.
أغلق عينيه بتعب وذهب بلا كلمة.
أوقفه بالحديقة صوت جومانة الناعم بإسمه:
_ أيوب استني.
سألها بهدوء:
_ خير يا جومانة ؟!
بدلال مفرط أقتربت منه، مع هذا القرب أخذ باله من فستانها الأصفر القصير مفتوح الصدر، يبدو إنها تحاول اغرائه وتأكد مع ميل جسدها عليه ليظهر صدرها أكثر مردفة:
_ عايزة منك خدمة.
أبتعد عنها خطوتين وقال:
_ قولي الخدمة وأنتِ بعيد.
مطت شفتيها بحزن شديد مردفة برجاء:
_ في إيه يا أيوب قبل ما أقرب منك خطوة تبعد عني ألف؟!
_ وايه إللي بنا يخليني أقرب منك يا أم خالد ؟!
جملته كانت رسالة صريحة بأنها كانت زوجة أخيه فقالت بغضب:
_ إيه أم خالد دي ؟! وبعدين ما أنت بتجبر خاطر أي ست عايزك اشمعنا أنا ؟!
_ فوقي لنفسك لو عايزة تفضلي عايشة في البيت ده يا جومانة وخليكي عارفة كويس أوي إنك هنا لأني عايزك هنا.
رفضت بحركة سريعة من رأسها وقالت:
_ بلاش تتجوز البنت دي يا أيوب بلاش تحرق قلبي عليك تاني كفاية أول مرة.
جذبها من ذراعها بقوة مردفاً:
_ كنتي وافقة تسمعيني أنا وعمتي زي العادة مش كدة يا جومانة ؟!
بلعت ريقها بخوف وهمست بنعومة:
_ مكنش قصدي أول ما الشغالة قالت أنك جيت نزلت جري عشان أشوفك سمعت كلام فوزية معاك بالصدفة، أبوس رجلك يا أيوب أرمي لها قرشين وخليها تغور في داهية، أنا خلاص اتطلقت وكلها كام شهر وأبقي حرة، اتجوزني وخلينا نحقق حلم زمان.
فلتت منه ضحكة ساخرة، دفعها بعيداً عنه بجبروت ليسقط جسدها على أرضية المكان ثم قال:
_ لو كان ليا مزاج ليكي كنت اخدتك بعد موت أخويا، أو حتى حنيت عليكي زي ما بحن على أي واحدة شمال وكتبت عليكي بحتة ورقة عرفي، ريحي نفسك يا جومانة لو أنتِ آخر ست في الدنيا هيحرم عليا المس ست.
_ كل ده ليه عشان كنت عيلة صغيرة مش فاهمة حاجة وسمعت كلام بابا ؟! ربنا بيسامح يا أخي أنت إيه ؟!
كلما تذكر ما فعلته به كلما أراد إخراج روحها من بين ضلوعها.
ألقي عليها نظرة محتقرة مردفاً:
_ كفاية رخص يا أم الغاليين وقومي شوفي لك حاجة تشغلك غيري وأعرفي إن إللي واقف بيني وبينك وعامل حساب ليهم خالد وحنين وبس ؟!
تركها وذهب لتقوم من مكانها بغل مردفة:
_ النهاردة هيبقى أخر يوم للبنت دي في الدنيا.
بمنزل أبو الخير..
على باب غرفة المكتب كانت تقف حنين تضع أذنها لعلها تسمع ما بالداخل.
أقتربت منها السيدة زينب وضربتها بخفة على رأسها مردفة:
_ أنتِ عارفة لو الحاج فتح باب المكتب فجاه وشافك وأنتِ راميه ودنك كده هيعمل منك ايه؟!
شهقت حنين برعب ثم فرت من أمام السيدة زينب بأقل من ثانية.
تنهدت الأخري وقالت:
_ ربنا يفك كربك على خير يا بنتي وتمشي من هنا من غير ما ناصر يخسر أيوب.
بداخل غرفة المكتب صرخ ناصر بغضب شديد:
_ أنت جايب بنتك وجاي ليه يا حلمي انا قولت لها قبل ما تطلع من هنا اني لما اقرر ارجعها هبقى اجيبها.
نظر حلمي لنسمة بغضب ثم أبتلع ريقه بتوتر مردفاً:
_ لو مش عايزها يا حاج هروح بيها انا مش جايبها عشان خاطر ارجعها، البنت نفسها تشوف مهران الصغير وعايزه تبوس دماغك.
أخذ ناصر نفسه بالقليل من الهدوء ثم أشار إليها مردفاً:
_ بنتك قدامك أهي يا حلمي من يوم ما دخلت بيتي ما شافتش غير العزه والكرامه وحتى لما ما بقتش على ذمتي فضلت في شقتها مع ابنها معززة مكرمة بصرف عليها وعليكم، لما يبقى عندي ضيفة وتمد ايديها عليها في غيابي يبقى حساب بنتك ايه يا حلمي؟!
أجابه حلمي بسرعة:
_ والله العظيم يا حاج وما ليك عليا حلفان من ساعه ما دخلت بيتي وانا قاطم رقبتها على إللي عملته ده، احنا كلنا بنغلط يا حاج هخليها تبوس راسك ورأس ضيفتك بس خليها تشوف مهران الصغير.
أخذت من العقاب ما يكفي وهو طوال حياته عادل.
تنهد بتعب وقال وعينيه على نسمة:
_ اطلعي شقتك يا أم مهران وخدي ابنك معاكي وطلعي البنات لشامية في سكتك.
ابتسمت نسمة بسعادة وقالت:
_ الله يخليك يا حاج.
ركضت للخارج ليقول والدها بتوتر:
_ مش عايزك تزعل مننا يا حاج أنت عارف زعلك غالي علينا.
أشار إليه بالانصراف مردفاً:
_ روح يا حلمي شوف وراك إيه.
ذهب حلمي فدلفت السيدة زينب بإبتسامة حنونة وقالت:
_ عين العقل يا ابني كل حاجه بتزيد عن حدها بتتقلب ضدها وهما استكفوا لحد كده.
أومأ إليها بهدوء مردفاً:
_ عندك حق يا حاجه قوليلي بقى عاملة لنا غدا ايه النهاردة اللي انا ميت من الجوع.
_ حنين يا سيدي هي اللي طبخت النهاردة صممت انها تاكلك من ايديها، انا مش مرتاحة يا ناصر.
يعلم ما تفكر بيه والدته وليكون صريح هو الآخر يشعر بأشياء عجيب.
فقال:
_ إيه اللي مخليكي مش مرتاحة يا ام ناصر؟
_ حنين من وقت ما صالحتها وأخدتها خرجتها وهي فيها حاجة غلط، أنا ست يمكن كبرت شوية لكن عارفه كويس أوي نظرة الست البنت دي قلبها بيدق لك يا ناصر وانا مش عايزه ده يحصل.
تنهد بثقل وقال:
_ مفيش حاجة من الكلام ده هي بس اتعودت على وجودي ومبقتش خايفه مني زي الاول.
_ مع اني مش مصدقاك بس ماشي يا ناصر قوم كلك لقمه من عمايل ايد حنين.
بالخارج وضعت حنين الطعام على السفرة بشكل لطيف.
رأت نسمة تقترب من مهران الجالس أمامها مردفة:
_ تعالى في حضني يا قلب امك وحشتني؟
ركض إليها الصغير بسعادة مردفاً:
_ خلاص يا ماما بابا رجعك تعيشي معانا تاني؟
ضمت صغيرها وعينيها على حنين مردفة بتحدي:
_ طبعا وافق آمال أنت فاكر إيه يا مهران، الحاج ما يقدرش يعيش من غيري كتير ده إحنا عشرة عمر ومهما دخلوا الاغراب بينا هما اللي هيطلعوا من الليله خسرانين.
أدارت ايصال رسالة واضحة لحنين ووصلت بكل بساطة.
فابتسمت حنين مردفة:
_ حمد لله على السلامه يا ابله نسمه البيت نور؟
شهقت نسمة مردفة:
_ أبلة ؟!
_ طبعاً لأزم أحترم فرق السن اللي بنا.
_ وماله يا حبيبتي ما قلتليش بقى قعدتك هنا طولت ناويه تقولي الوداع أمتي ؟!
_ مش ناوية.
_ نعم ؟!
أشارت إليها حنين على باب غرفة المكتب مردفة:
_ نبقى نتكلم براحتنا بعدين الحاج قرب يخرج من الاوضه ولو شافك واقفه معايا مش بعيد يقلب عليكى تاني.
هل تم تهديدها من تلك الفتاة الآن ؟! نعم نسمة حدث ذلك.
رنين حذاء ناصر جعلها تنفذ ما قالته حنين وتذهب إلي شقتها.
أخذت حنين نفسها براحة متذكرة رحلتها معه من أسبوع.
فلاش باااك.
وصلت سيارة ناصر أمام أحد المطاعم الشعبية، أشار إليها بالنزول مردفاً:
_ يلا حمد الله على السلامة انزلي.
دار عينيها بالمكان بفضول ثم قالت:
_ إحنا فين بالظبط ؟!
_ مطعم هيعجبك الأكل بتاعه جدا.
مطعم ؟! هبطت معه من السيارة وعلامات الذهول ظاهرة على وجهها.
فتح يده إليها لتشعر بشئ غريب يتحرك بداخلها.
رفعت نظرها إليه لتري ابتسامته الحنون، وضعت يدها بداخل يده برضاء تام فأخذها للداخل.
سحب إليها مقعد ثم قال:
_ اتفضلي يا حنون أقعدي.
جلست بتوتر المكان من حولها عجيب، أجواء أقل من البسيطة حتي الأطباق من نوع الاستانلس.
جاء الجرسون ليقول ناصر بهدوء:
_ تحبي تأكلي حاجة معينة وإلا أطلب لك على ذوقي ؟!
حركت كتفها بجهل ثم قالت ببراءة:
_ فين المنيو ؟!
ضحك ناصر بخفة مردفاً:
_ لأ هنا مافيش مينو هنا، هنا في أكلات معروفة ممكن أقولك الأسماء وأنتِ تختاري.
أومات إليه مردفة:
_ ماشي قول وأنا أختار.
_ بصي يا ست لو عايزة حاجة خفيفة يبقي كباب وكفتة، أما بقي لو حاجة دسمة تضرب سوا كوارع عكاوي ممبار رأيك إيه ؟!
أتسعت عينيها بذهول، أسماء تسمعها لأول مرة.
لأ لأ سمعتها من قبل بالافلام.
مررت لسانها على طرف شفتيها ثم قالت:
_ الحاجات دي أنا معرفش منها حاجة خالص إلا الكباب والكفتة ممكن أطلب منها.
نفي بحركة بسيطة من رأسه مردفا:
_ لأ خليكي معايا هظبط دماغك.
_ ماشي خليني معاك.
دقائق وأت الطعام، بدأ الجرسون بوضع الأطباق على الطاولة فأشار إليها ناصر بحماس:
_ يلا بسم الله.
مع حماسه أخذت أول معلقة من شوربة مجهولة الهوية بالنسبة لها، رائعة حقا رائعة.
سألها بترقب:
_ ها جامد ؟!
_ جدا.
_ طيب يلا يا وحش أضرب بس بهدوء مش عايزين نروح المستشفي.
كانت مجرد كلمة تحولت لحقيقة بعد نصف ساعة.
وضعت يدها على بطنها بألم شديد ثم أطلقت صرخة قوية.
سألها بقلق:
_ مالك يا بت في إيه ؟!
_ مش قادرة بطني بتتقطع.
ساعة مرت ظل واقف بها أمام باب غرفة الكشف.
ضرب الحائط بيده مردفاً:
_ غبي بقي البسكوتة دي تأكل كوارع ولحمة رأس.
خرجت الطبية من الغرفة فأقترب منها بلهفة مردفاً:
_ هي مالها ؟! كويسة ؟!
بهدوء قالت:
_ ما تقلقش عليها يا حاج هي زي الفل بس من الواضح إنها أول مرة في حياتها تاكل الاكلات دي، احنا عملنا لها غسيل معده وعلقنا لها محلول يا ريت بقى تبعد كل البعد عن الاكلات اللي هي مش متعوده عليها.
ترك الطبيبة وذهب إليها، بداخله شعور بالخوف لا يعلم مصدره أو ليكون صادق لأول مرة يشعر به.
دلف إليها وجدها تنام على الفراش مغلقة العينين بملامح وجه شاحبة.
جلس على المقعد المجاور للفراش مردفاً بنبرة حنونة:
_ حقك عليا يا حنون أنتِ مش وش الاكل ده.
رأت لهفة بعينيه دلفت لقلبها بلا سابق إذن، تعشق شعور الحنان أن تكون مهمة جدا بالنسبة لشخص ولها مكانة مرموقة بقلبه.
همست بتعب:
_ خوفت عليا ؟!
بتلقائية غريبة قال:
_ طبعا يا حنين لو مش هخاف عليكي هخاف على مين؟
لا يعلم كيف قال هذا ولكنه قاله بصدق.
ابتسمت بشعور رائع من اللذة وهمست:
_ متخافش الحمدلله أنا كويسة جدا.
انتهي الفلاش باك.
من وقتها وحنين متعلقة بناصر، تهتم بأقل تفاصيله.
أتسعت ابتسامتها وهي تراه يقترب ومعه السيدة زينب.
ابتسم إليها بحنان مردفاً:
_ الحاجة بتقول أنك صممتي تعملي الأكل النهاردة بنفسك.
أومات بخجل ثم مدت كفها المرتجف لتأخذ طبقه، وضعت به القليل من الأرز وبطبق أخر وضعت كمية كافية من شوربة الكوارع مردفة:
_ هو بصراحه كنت حابة اشكرك على يوم العزومه فقررت اعمل لك الاكلة دي طالما بتحبها وطنط زينب وقفت معايا خطوه بخطوه لحد ما خلصت، يا رب تعجبك.
انتشاء رائع تغلغل بجميع أنحاء جسده، أخذ أول معلقة وقال بلذة ربما يكون سببها صاحبة الأكلة:
_ جامد.
بلهفة قالت:
_ بجد ؟!
_ بجد.
ضربت السيدة زينب على الطاولة بالقليل من الحدة ثم قالت:
_ لأزم تبقى حلوة ما أنا قايلة لها أنت بتحبها ازاي، اقعدي يلا يا حنين يا حبيبتي كلي قبل ما الأكل يبرد.
بمشفي والد ياسمين..
فتحت ياسمين باب المكتب مشيرة لدلال بالاقتراب.
تحركت دلال بخطوات متوترة ثم مالت على ياسمين هامسة بخوف:
_ رفض صح ؟!
اجابتها بسعادة:
_ رفض إيه يا مجنونة ده مصدق إن في حد جابني هنا.
_ بجد ؟!
_ أيوة بجد يلا بقى بابي عايز يسلم عليكي.
دلفت معها بخطوات مترددة.
رأت رجل وقور ظاهر عليه الغناء والرقي.
أبتسم إليها مردفاً:
_ تعالي يا ست دلال أنا قررت أشكرك بنفسي.
أشارت لنفسها بتعجب مردفة:
_ حضرتك عايز تشكرني أنا ! على إيه ؟!
ضحك السيد حسن وقال:
_ اقنعتي ياسمين تشتغل في المستشفي ودي حاجة كبيرة عندي.
_ لأ طبعاً يا فندم أنا إللي المفروض أشكر حضرتك على الفرصة الكبيرة دي.
رد بجدية:
_ مفيش شكر ولا حاجة أنتِ عندي زيك زي ياسمين بالظبط من بكرا بعد الكلية تبقوا هنا يا دكاترة مفهوم.
دلال/ ياسمين:
_ مفهوم.
بشقة دلال..
انتهت خلود من إعداد الغداء فدق هاتفها برقم دلال.
فتحت الخط مردفة بقلق:
_ أنتِ فين يا بنتي متأخرة على معادك النهاردة ساعتين؟!
جائها صوت دلال السعيد:
_ قوليلي مبروك يا خوخة.
_ مبروك يا قلب خوخة بس على إيه ؟! رجعتي للباشا ؟!
_ لأ لقيت شغل مستشفى كويسة أوي ووافقوا كمان إني أحضر بعد الجامعة.
قفزت خلود من مكانها بسعادة مردفة:
_ قولي والله العظيم.
_ والله العظيم يا ستي.
_ طالما الموضوع بجد تعالي بسرعة أنا عاملة ورق العنب إللي بتحبيه.
_ طايرة.
دق باب المنزل فقالت خلود بتعجب:
_ هو حد يعرف العنوان بتاعك يا دودو ؟!
_ لأ روحي أفتحي يمكن البواب.
_ طيب سلام أنتِ لما أشوف مين.
أغلقت معها الهاتف وذهبت لباب المنزل.
بداخلها أمنية واحدة أن يكون الطارق مسعد، تتمني لو يفعل من أجلها شئ بسيط لعلها تشعر بقيمة نفسها.
سقطت أحلامها أرضاً وهي تراه رجل غريب له هيبة مرعبة.
همست بتعجب:
_ أيوب باشا ؟!
بعد نصف ساعة دلفت دلال للشقة بعد يوم مرهق ومع هذا الإرهاق كان رائع.
ألقت بحقيبتها على الأرض وقالت:
_ بنت يا خلود فين ورق العنب ؟!
آت إليها صوت حركة بغرفة الصالون فدلفت.
هل هو أمامها الآن ؟! يجلس بكل هدوء واضعا ساق فوق الآخر.
سارت رجفة بكل جسدها وكأنه يعلن الاشتياق بكل أسف.
همست بتردد:
_ أيوب ؟!
يا الله لما تزيد الأمر سوء بخروج خروف اسمه من بين شفتيها ؟!
أخذ نفس عميق ليبقي على أكبر قدر من الهدوء ثم قال:
_ مشيتي من القصر ليه يا دلال ؟!
كان سؤال غير منطقي بالنسبة لها، هل ات فقط من أجل ذلك ؟! لم يشتاق ؟!
رفض كبريائها قول ما بداخلها فقالت بهدوء:
_ حكاية خلصت ووجودي في القصر ملوش معني، بس مش غريبة شوية تيجي بعد أسبوع ؟!
يجب عليه التحلي بالهدوء لآخر لحظة.
فقال:
_ مكنتش في القصر عرفت النهاردة من عمتي، لمي هدومك ويلا يا دلال.
تشعر بالغيظ يأكل أعماق قلبها، ضغطت على كفها وقالت:
_ أنا في بيتي يا باشا.
رفع حاجبه بسخرية مردفاً:
_ وبيت خالد مش ليكي حق فيه ؟!
_ لأ ماليش قدام الحكومة أنا عمري ما كنت مرات خالد حتي قدام ربنا جواز ناقص كدة كدة ماليش حق يا باشا حقي اخدته منك بالشقة دي وكتر ألف خيرك على كدة.
كبريائه منعه من طلبها للعيش بمنزله فقام من فوق المقعد بهدوء قائلا:
_ تمام يا دلال ربنا يوفقك في حياتك إللي جايه.
مر من أمامها مثل الطيف كأنها كانت تتخيله وذهب.
ألقت بجسدها على المقعد مردفة بنبرة ضائعة:
_ ده مشي!!
بأخر نهار اليوم التالي..
مرت دلال ملابسها الطبية خلف أحد الأطباء تتابع معه الحالات.
من أول يوم دراسة مع عمال تشعر بالتعب، التعب الشديد يسيطر على جسدها.
لحظة والثانية سقط جسدها على الأرض بأستسلام تام للهروب.
لا تعلم ما مر إلا أنها فتحت عينيها على صورة ياسمين القائلة:
_ قومي يا موكوسة من أول يوم شغل بيغمى عليكي.
_ هو إيه إللي حصل ؟!
_ وقعتي وجبناكي هنا علقنا لك محاليل وسحبنا منك شويه دم نعمل لك تحليل دم شامل أهو نعالج لك الانيميا بالمرة.
دلفت الممرضة بنفس اللحظة مردفة بسعادة:
_ شكل وشنا حلو عليكي يا دودو من أول يوم شغل ليكي معانا طلعتي حامل.
_ حامل ؟!
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء سعيد
ضمتها ياسمين لصدرها وهي تراها تبكي بصمت، كفها يقيد بطنها وعينيها متعلقة بلا شيء. عقلها يردد جملة لم تتوقع أن تسمعها أبدًا: "أنتِ حامل".
حامل؟ لماذا الآن؟ هل هي قادرة على تحمل ما يتبع تلك الجملة الصغيرة؟ تخلصت من عائلة رسلان بمعجزة، وتعلم جيدًا أن أيوب يرغب بهذا الطفل. قالها لها صراحة من قبل، يريد فتاة تشبهها.
أغلقت عينيها بتعب فقالت ياسمين:
_ زعلانة عشان في حاجة هتربط بينك وبينه؟
لا تعلم حقًا، لا تعلم. انكمشت على حالها بين أحضان ياسمين أكثر مردفة:
_ مش عارفة.
_ من كلامك شكله بيحبك يا دلال. راجل زي أيوب رسلان لما يكتب على ست رسمي كبيرة قوي، لما يطلب طفل منك يبقى بيحبك. نصيحة مني روحي له وقولي له إنك حامل، خليه يرجعك قدام الناس وعيشي حياتك. أنتِ تستحقي حياة كويسة يا دودو.
خسرت. نعم خسرت حربًا وعدت نفسها بالفوز بها. من البداية كانت لعبتها حرق أيوب بنيران الحب دون أن تقترب منها. نفذت وعدها، لكنها بكل أسف احترقت معه.
أبتعدت عن ياسمين بجسد متعب، ثم ألقت برأسها على الوسادة مردفة برجاء:
_ معلش يا ياسمين، ممكن أنام هنا شوية وبعدين هقوم أكمل شغلي.
حدقت بها ياسمين بعتاب ثم هتفت:
_ إيه الكلام الفارغ ده؟ نامي طبعًا بابا بعد ما عرف قال إنك كده كده إجازة النهاردة.
أغلقت عينيها بثقل شديد هامسة:
_ شكرًا يا ياسمين.
_ العفو يا ستي. أروح أكمل حشو ضرس الراجل اللي سبته من الخضة عليكي ده.
لم ترد. بالحقيقة لم يصل إليها الحديث لترد عليه. ضمت الوسادة لصدرها، وعقلها مصمم على الهروب الآن. هرب من الواقع ليذهب بها لعالم الخيال. رأت هناك خالد يبكي. أقتربت منه بخطوات مترددة، خائفة، حتى وصلت أمامه ثم همست:
_ مالك يا خالد؟ فيك إيه؟
ببريق من الأمل رفع عينيه إليها. قام من محله ليمسك كفها المرتجف بلهفة شديدة، وكأنه كان يبحث عنها من سنوات طويلة. حدق بها بنظرات يفوح منها الندم ثم قال:
_ أنا آسف.
بتعجب قالت:
_ على إيه؟
_ إني مكنتش الراجل اللي يليق بيكي. أي حاجة غلط وصلت لها النهاردة أنا السبب فيها يا دلال، سامحيني يمكن أقدر أرتاح.
طلب منها الغفران وبعدها اختفى، حتى لم يسمع نتيجة طلبه. دارت حول نفسها بخوف قائلة:
_ أنت فين يا خالد؟
أين خالد؟ وأين هي؟ فتحت عينيها بتعب لتجد نفسها بغرفة المشفى. أخذت نفسها بالقليل من الراحة ثم قالت:
_ مسامحك يا خالد.
***
بمنزل أبو الخير. للمرة الأولى يجلس جميع أفراد العائلة على طاولة الطعام. الحاج ناصر، السيدة زينب، نسمة، شامية، عزة والأطفال. وبالنهاية، على الطاولة، تجلس حنين. تشعر بالغربة بمكان لا تعرف به أحدًا. اشتاقت لحياتها القديمة، لعمها وبيتها، وحنان شقيقها. بلعت مرارة الشعور بحلقها ثم قالت برجاء:
_ ناصر.
خرجت شهقة قوية من الثلاث نساء، ومع ذلك لم تقدر واحدة بهن على إخراج كلمة. إلا نسمة التي قالت بسخرية:
_ إيه يا حبيبتي؟ أنتِ متعرفيش فرق السن والمقامات وإلا إيه؟ اسمه الحاج ناصر، ولكِ أنتِ بيبقى عمو الحاج كمان يا صغنن.
ضرب ناصر على الطاولة، فحلت الصمت بأركان الغرفة. أشار لنسمة على طبقها ثم قال:
_ النهاردة الجمعة، بحب أفطر وسط عيالي. لو ناوية تعملي مشاكل، أطلعي شقتك يا نسمة.
ردت بسرعة:
_ مقصدتش حاجة يا حاج، والله أنا بس بقولها الصح فين والغلط فين.
_ خليكي في اللي ليكي بس. الباقي أنا ملزوم بيه. يلا يا حنين، خلصي أكل وورانا مشوار.
تركت قطعة العيش من بين أصابعها ثم قالت بتوتر:
_ فين؟
_ لما نوصل هتعرفي.
_ أنا شبعت.
_ طيب يلا.
***
بقصر رسلان. سقطت جملة أيوب على رأس السيدة فوزية مثل النيران. حنين فعلت كل هذا؟ طفلتها الصغيرة شبه سلمت نفسها لرجل؟ شعر أيوب بضعف جسدها فساعدها على الجلوس على أقرب مقعد مردفًا بحنان:
_ متخافيش، أنا مش هسيبها.
سألته بتوهان:
_ مخافش؟ عايزني بعد كل اللي أنت قلته ده مخافش؟ طيب إزاي؟ دي البنت ضاعت يا أيوب. كل واحد فينا كان عايش حياته وسايب عيلة مراهقة في الدنيا لوحدها لحد ما حيوان زي ده لاعب في دماغها وضحك عليها.
_ فوزية، أنا جايبك هنا عشان تشوفي حنين. بلاش تبقي قاسية عليها الفترة دي، كفاية اللي بتعيشه.
أزالت دموعها بكف يدها ثم أومأت إليه بهدوء. دقائق وكانت سيارة الحاج ناصر تقف بمنتصف الصحراء. أشار إليها بعينيه مردفًا:
_ انزلي. أيوب ومدام فوزية برة، عايزين يشوفوكي. اتكلمي معاهم براحتك. ولما تخلصي، أنا مستنيكي هنا.
علقت يدها بكفه بحركة تلقائية ثم همست برجاء:
_ أنزل معايا، أنا مش عايزة أبقى لوحدي.
هي تري به أمانًا لتلك الدرجة؟ هل قلبه يود منه ضمها لصدره والعودة بها لمنزله حتى يبعدها عن الجميع؟ نعم. عند تلك النقطة، أبعد يدها عنه مردفًا ببعض الهدوء:
_ مش هينفع يا حنين، أنتِ مش عيلة صغيرة ودول أهلك. انزلي.
حزن قلبها، تمنت لو شعرت به بجوارها. أومأت إليه بنظرات معاتبة، ثم فتحت باب السيارة وخرجت بلا كلمة. أحمق، وأصبح يسير معها مثلما تشاء. حمحم بخفة مردفًا:
_ أحم، استني، هنزل معاكي.
اتسعت ابتسامتها بصمت، ليهبط من السيارة ويسير معها. اتجهت إليها فوزية وفتحت إليها أبواب أحضانها. ألقت نفسها بين أحضان عمتها وبكت. فقالت فوزية:
_ حقك عليا يا حنين، حقك عليا إني اتجوزت وسبتك لوحدك يا بنتي. بس والله العظيم ما كنت أعرف إن هيحصل لك كده.
_ أنتِ ملكيش ذنب في أي حاجة يا تيته، أنا اللي عملت في نفسي كده. بس متأكدة إن عمو مش هيسيبني، صح يا عمو؟
ضم أيوب الاثنين لصدره معلقًا يديه حولهما مردفًا بقوة:
_ صح يا قلب عمك.
***
بعد ساعتين، بمكتب أيوب. دلفت إليه السكرتيرة الجديدة ليزيل النظارة عن وجهه مردفًا بهدوء:
_ خير يا مريم؟
قالت مريم بأحترام:
_ في واحدة برة طالبة تقابل حضرتك.
_ واحدة اسمها إيه يعني؟
_ دلال يا فندم. هي قالتلي أقول لحضرتك دلال وحضرتك هتدخلها.
بداخله شيء انتفض. اشتاق، وقلبه أمره بالقليل من القرب حتى ينعم ببعض الراحة. ضغط على ورقة أمامه وهو لا يعلم ماذا يفعل. فتح شاشة اللاب توب أمامه، ورآها هي. بطلة خطفت قلبه من الداخل. جكيت من الجينز باللون الأسود، تحته بلوزة بيضاء قصيرة مع بنطلون من الجينز الأسود. خصلاتها المحببة إليه، حرمته منها، ورفعتها على شكل كعكة كبيرة عشوائية بمنتصف رأسها. جميلة، دلال دائمًا وأبدًا جميلة.
دقق بمعالم وجهها قليلاً ليري إرهاقًا شديدًا واضحًا عليها، فقال بهدوء:
_ دخليها، واعملي لنا واحد ليمون وواحد قهوة مظبوط. وما تدخليش حد علينا.
أومأت إليه مردفة بهدوء:
_ تحت أمرك يا فندم.
عاد بعينيه إليها ليجد يده تمر على كل تفصيل بها كأنها حقيقة أمامه، ثم أخرج تنهيدة طويلة بها الكثير والكثير من القلق:
_ يا ترى فيكي إيه يا دلال؟
حتى اسمها أشتاق لنطقه بأيام قليلة. آه منك يا أيوب، آه. طفلة صغيرة تتحكم بك من نظرة عين. دلفت المتحكمة بخطوات مترددة، لا تعلم إذا كانت تلك الخطوة صحيحة أم خطأ جديد يضاف إليها. وقفت أمام مكتبه ليحاول التحكم بحاله حتى لا يقوم بضمها إليه، مشيرًا إليها بالجلوس مردفًا:
_ أقعدي ارتاحي يا دلال.
جلست بجسد مرتجف وضمت يديها لبعض، لعلها تخفف من توترها. عقلها يحاول يخرج كلمة يبدأ بها الحديث ولم يجد، فظلت صامتة. هل أصبح يعلم ما بها من حركة جسدها المتوترة؟ بلهفة لم يقدر على إخفائها قال:
_ في إيه يا دلال؟ مالك؟
_ هو أنت بتكرهني؟
بضياع سألت، وبضياع أكبر سقط عليه السؤال. كيف لها أن تقول ذلك؟ لم تشعر بأي مشاعر أراد أن تصل إليها طول فترة زواجهما؟ مسح على رأسه بتعب شديد وقال:
_ أنتِ شايفة كده؟
للأسف، لا تري ولا تعلم شيئًا. كل ما أمامها عبارة عن طرق مسدودة مجهولة الهوية، لا تعلم لها نهاية. فركت كفيها ببعض ثم قالت:
_ مش عارفة. ما بقتش عارفة أي حاجة ولا فاهمة إيه اللي بيحصل حواليا. حتى وجودي هنا دلوقتي مش عارفة جيت ليه ولا عايزة أقول إيه. بسالك سؤال، ممكن إجابته متريحنيش أو حتى تريحني، بس في الحالتين مش هتفرق في حاجة. أنا تعبانة وضايعة وحاسة إن كل ما باخد خطوة بغرق نفسي في طريق جديد ملوش نهاية. أنا خايفة.
قالتها وهي تتمني سماع كلمة واحدة منه تشعرها بالأمان. وهو كان خير ما يحقق إليها الأمنيات. قام من محله ثم جذب جسدها لتقف أمامه، ضم وجهها بين كفيه قائلاً بنبرة حنونة:
_ خلاص يا دلال، ما بقاش في حاجة في الدنيا دي كلها تخليكي تخافي. الورقة اللي أنتِ عايزاها وقريب أوي هتبقى في إيدك. كليتك، وزي ما وعدتك، طول فترة دراستك هتبقى على حسابي وشغلك بعدها. وده مش شفقة مني، ده حقك. فخالد الله يرحمه، وفيا أنا كمان. عايزك ترتاحي وتتأكدي إن في أي وقت هتقولي فيه يا أيوب، هكون موجود في ضهرك، سندك وأمانك وحمايتك.
لأول مرة يعطي أحد إليها الأمان على طبق من ذهب. دق قلبها دقة غريبة عليها، ربما تشعر بها للمرة الأولى. همست بنعومة:
_ أيوب.
يا الله على اسمه من بين شفتيها الجميلة. طلب قلبه قبلة صغيرة، ورفض عقله الإقتراب منها بعد الطلاق. رغم شوقه، إلا أنها أغلى من ذلك بكثير، فقال:
_ عايزة من أيوب إيه تاني يا دلوعة؟
لقبها الذي تكره أصبح الآن محببًا إليها. مررت لسانها على طرف شفتيها لتعطي إليها بعض الطراوة، لا هي كاذبة، هدفها الحقيقي إيقاف ارتجاف شفتيها الذي يعطي لإبن رسلان رسالة واضحة. ربما تقل منها، ثم قالت بتردد:
_ كان في طلب طلبته مني في آخر مرة كنا فيها مع بعض. أنا طلبت منك حاجات كتير أوي من أول ما شوفتك، وبصراحة أنت نفذتها كلها. فعشان كده أنا كمان نفذت طلبك. وووو... كنت عايزة يعني نبقى خالصين وما حدش له جمايل عند التاني.
طلبه؟ عن أي طلب تتحدث؟ لم يطلب منها إلا... سألها بتوهان:
_ طلب إيه ده يا دلال؟
حدقت به قليلاً ورأت لهفة عينيه. لهفة شجعتها على قول ما لديها، فقالت بدلال ناعم:
_ مش أنت كنت عايز بنت تبقى نسخة مني، تفضل تبص ليها على طول حتى وأنا مش موجودة؟
أومأ إليها بقلب مرتجف لتكمل بإبتسامة ناعمة:
_ أنا حامل. بس بصراحة مش عارفة هيبقي بنت نسخة مني وإلا ولد نسخة من أيوب رسلان.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء سعيد
حامل؟
قلبه يود الاطمئنان، يود سماعها من جديد تعلن وجود قطعة صغيرة منه بداخلها.
أومأت إليه بخجل، أعطته الحياة بحركة بسيطة من رأسها.
تعالت دقاته، بدأت المشاعر تتحرك بداخله بأنواعها المختلفة، خوف، سعادة، عدم تصديق، رهبة، أمان.
أصابت جسده رجفة قوية، ظهرت على كف يده.
رفعه ليضعه على بطنها مردفاً بتردد:
_ هنا بنتي؟
_ أو إبنك.. لا يفرق معه النوع، مكتفي اكتفاء تام بفكرة ربطها به.
ابتسم بحنان مردفاً:
_ مبروك..
تخيلت أن يردها بنفس اللحظة، لكنه خالف توقعاتها.
ابتلعت ريقها يترقب، ثم همست بنبرة مرتجفة:
_ مبسوط؟
وضع أحد أصابعه على ذقنها ليرفع وجهها إليه، ثم مرر نفس الإصبع على شفتيها الجميلة قائلاً:
_ أي راجل في الدنيا بيبقى مبسوط لما يعرف إنه هيبقى أب، خصوصاً لو الست اللي هيخلف منها في نفس مكانتك عندي يا دلال. أنتِ بقي مبسوطة إن جواكي حتة مني، وإلا شايفة إنه ربطك براجل عملتي كل حاجة في الدنيا عشان تهربي منه؟
قلب عليها الطاولة بأقل من ثانية، سألها سؤال هي نفسها لا تعلم إجابته أو حتى تواجه نفسها به. هل هي سعيدة بحملها من أيوب رسلان؟
العجيب إن الإجابة كانت تائهة بداخلها. حركت كتفها بضياع مردفة:
_ مش عارفة، بس الأكيد إني مبسوطة عشان هيبقى ليا بيبي، لما يكبر هيبقى سندي.
كانت متوقعة ذلك، دلال أتت إليه إلا طريقها كان نهايته هو مثل العادة.
عاد ليجلس على مكتبه بتعب وقال:
_ ما خبّيتيش إنك حامل ليه؟
_ الحمل مش بيتخبى، وبعدين متأكدة إنك هتقف في ضهري... صح؟
قالتها بثقة بها الكثير والكثير من الدلال.
ابتسم إليها مردفاً بهدوء:
_ صح.. يلا نروح للدكتور نطمن على صحة البيبي.
طوال الطريق وهو صامت، كل تركيزه على القيادة. شعرت ببعض الضيق من عدم اهتمامه بها، وضيقها الأكبر من عدم فتحه لسيرة عودتها إليه. لحظة، هل هي ترغب بالعودة إليه؟
توقفت السيارة أمام أحد أشهر عيادات النسا والتوليد، فقال بهدوء:
_ وصلنا.
ضم كفها بكفه ودلف بها للعيادة الخالية، فهمست بتعجب:
_ هو ما فيش حد غيرنا ليه؟ لسة بدري وإلا إيه؟
_ المكان محجوز بالكامل لابن أيوب رسلان.
مغرور، ومع كل يوم يمر يزيد غرور.
فتحت الطبيبة باب مكتبها، ثم اقتربت بخطوات سريعة مرحبة به، مردفاً:
_ أهلاً يا باشا، المكان كله نور بوجود حضرتك.
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ شكراً يا دكتورة، ندخل بقي.
_ أيوة طبعاً، اتفضلوا.
رأت اللهفة بعين المرأة إليه. ليقول عقلها بكل جبروت: "آمال فاكرة إيه، من بعدك هيعيش على الذكريات؟ في بدل الست مليون ممكن تبقي تحت رجله بإشارة واحدة."
امرأة غيرها ستكون بين أحضانه؟
نطق لسانها بغضب دون أن تشعر:
_ ده على جثتي.
حدق بها بتعجب مردفاً:
_ مالك يا دلال، في إيه؟
ما بها؟ وهل له عين ليسأل هذا السؤال؟
نظرت إليه بنظرة مشتعلة، ثم أزالت يدها من يده مردفة بغضب:
_ مالكش دعوة بيا يا نسوانجي يا بتاع الراقصات أنت.
تركته ودلفت خلف الطبيبة بخطوات سريعة. رفع حاجبه بذهول مردداً:
_ بتاع راقصات؟
فلتت منه ضحكة مرحة قبل أن يقول:
_ هرمونات.
دلف خلفها وجدها تنام على الفراش والطبيبة تضع سائلاً شفافاً على بطنها. ما أن وقعت عينيها عليه أخفت بطنها مردفة:
_ استني برة كدة، عيب.
عيب؟ رؤيته لبطنها أصبح عيب؟
دلال بدأت أول مراحل الدلال. أشار للطبيبة بالابتعاد عنها قليلاً، ثم انحنى بالقرب من أذنها وهمس بنبرة خشنة:
_ اتلمي بدل ما أقلعلك البنطلون، ووقتها هتعرفي العيب.
اتسعت عينيها بخوف، ليشير إليها بعينيه تزيل الشرشف من فوق بطنها، ففعلت بأقل من ثانية. ليقول:
_ يلا يا دكتورة شوفي شغلك.
بدأت الطبيبة بتحريك الجهاز حول بطنها، ثم أشارت لنقطة صغيرة على الشاشة مردفة بابتسامة:
_ هو ده البيبي، النقطة الصغيرة دي.
هل سقطت دمعة من عينيه الآن؟ نعم، وأزالها بقوة قبل أن يرى أحد نقطة ضعفه. إلا أن دلال قد رأتها.
دق قلبها باشتياق، تود الآن أخذ صغيرها بين أحضانها لتأخذ أكبر قدر من رائحته الرائعة. انتبهت على حركة يده الخفيفة على بطنها مردفاً:
_ هو صحته كويسة؟
_ زي الفل يا باشا، هو كده في شهر ونص، كل حاجة ماشية تمام جداً وصحة المدام كويسة جداً ما شاء الله.
حدقت به بغيظ:
_ أنا مش المدام.
ألقى عليها نظرة لتصمت. وبعدها قال:
_ معادها الجديد إمتى؟
_ كمان أسبوعين بس، يا ريت تيجي مع جوزها يا باشا لأني حابة أتكلم معاه في شوية تفاصيل.
يا الله! سيخرج بروحها الآن. فتحت فمها تحاول الحديث، ليلقي عليها نظرة واحدة جعلتها تبتلع ريقها وتصمت، ثم تحدثت بقوة:
_ أنا أبو البيبي... بس مطلقها.
ابتسامة الطبيبة أشعلت بداخل قلبها نيران مجهولة الهوية، جعلت لسانها يرفض الصمت، فقالت:
_ على فكرة أنا اللي طالبة الطلاق، وهو هيموت ويرجعني. بيقولي مش قادر أعيش من غير يا دلال، وأنا أقوله لا يمكن.
***
فوق سطح منزل أبو الخير.
صعدت حنين بخطوات مترددة. رأته جلس فوق أريكة كبيرة وأمامه "شيشة" يأخذ منها نفساً وراء الآخر.
ضمت كفيها لبعض بتوتر، ثم اقتربت من محل جلوسه. رفع عينيه إليها بتعجب مردفاً:
_ في حاجة يا حنين؟
بتردد أومات، فأشار إليها بالجلوس قائلاً:
_ طيب أقعدي.
جلست بأخر الأريكة على بعد مسافة قريبة منه. وطال صمتها. ها هي تأخذ خطوة جديدة لا تعلم إذا كانت على صواب بها أم خطأ جديد يضاف إليها.
أخذ نفساً طويلاً من الشيشة، ثم وضعها بعيداً عنه مردفاً:
_ قولي يا حنون، سامعاك.
سألته بحزن:
_ أنت تعرف أنا هنا ليه؟
_ قولتي إن في حاجة عايزة تقوليها، قوليلي أنا سامعاك.
مسحت على أنفها مردفة:
_ أنا أقصد تعرف أنا هاربة في بيتك ليه؟
حدق بها متعجباً، ثم أومأ إليها بجدية مردفاً:
_ عارف السبب يا حنين، وبحاول أساعدك. مش عايزك تقلقي، هي تجربة وحشة بتمرّي بيها عشان تتعلمي بعد كده تعملي حسابك إن مش كل الناس زي ما أنتِ متخيلة.
ببراءة طفلة صغيرة ضائعة بكت، ثم هتفت بنبرة مرتجفة:
_ من وقت ما بابي مات ومامي اتغيرت، ما بقتش شايفانا خالص. بعدها على طول اتجوزت. خالد كان معايا بس معظم وقته لنفسه. عمو كان بيعملي كل حاجة نفسي فيها، بس للأسف عمو أيوب مش حنين، ما يعرفش يعني إيه يبقى إنسان حنين. اتعود إنه يبقى مسؤول وقوي، لكن ما اتعودش يطبطب. لما مات خالد، الدنيا كلها اسودت في عيني وحسيت إني خلاص مليش حد في الدنيا دي. عمو وقتها عرضني على دكتور نفسي يساعدني أخرج من المحنة اللي بيمر بيها، وكان الدكتور ده آدم.
صمتت مع ارتفاع شهقاتها. تتحدث وكل شيء يمر أمام عينيها مثل شريط سينمائي يعرض عليه أبشع لحظات حياتها. لم يتحدث ناصر، تركها تفرغ ما بداخلها دون تدخل منه. فأكملت بقهر:
_ آدم كان راجل شكله حلو أوي وشخصيته كمان كانت حلوة. كان حنين وبيسمعني في أي وقت، بيسمع أي حاجة أقولها حتى لو حاجة تافهة ممكن ما يعلقش نفسه بيها. كان بيحسسني بالأمان، بيحسسني قد إيه أنا بنت حلوة وقد إيه هو شايفني مميزة، وكتير على أي راجل. بدأ يزرع جوه دماغي حب لحاجات معينة، لمسة إيد، حضن بيطبطب فيه عليا، حاجات تانية مش هقدر أقولها. هو قدر يخليني أحبها. وقتها عقلي عشان كان صغير وهو لسه صغير، بصراحة تخيل إن الحاجات دي حب، وإن كل ما أعملها معاه هحبه أكتر ويحبني أكتر. كان بيحتويني وبيخليني أكلم ماما من ورا عمو أيوب. ماما قالتلي أكتر من مرة إن آدم في يوم من الأيام هيبقى جوزي وإنه شخص مناسب بالنسبة لي. قالتلي إن الحاجات اللي بنعملها مع بعض مش غلط. أنا سألتها والله يا ناصر، قولتلها على اللي آدم بيعمله معايا، وهي قالتلي وقتها إن الحاجات دي مش غلط، هو بيعبر عن حبه بيها، وأنا لما أحبها هثبت له إني بحبه.
انتفض جسده كأنها سقطت عليه كوب من ماء النار. والدتها كانت تعلم بكارثة مثل تلك؟ كانت شريكة لرجل مريض استغل ابنتها ليفرغ بها غرائزه؟
قبض على يده بقوة يمنع نفسه من فعل أي شيء يخيفها. صمت وتركها تكمل، فقالت:
_ آخر مرة كنت قرفانة وهو كان مش طبيعي، ضربته. كنت عايزة أموته يا ناصر، مش عايزاه يعيش. هو لازم يموت.
لهنا اكتفى ناصر. لا يقدر على سماع المزيد. لم يشعر بحاله، أو ربما تغلب عليه قلبه وسحبها بقوة بين أحضانه. أغلق ذراعيه حولها بقوة، أعطى لها مساحة من الحنان تبكي بداخلها كما تشاء، مردفاً بوعد رجل:
_ أنا عايزاه يعيش ويطلع منها سليم، بس أوعدك وغلاوتك عندي لاخليه يتمنى الموت كل يوم، مش هيطوله. هتبقي بالنسبة له كابوس، كل ما يشوفك قدام عينه يترعب ويرمي نفسه جوه النار ولا إنه يقف قدامك. مش هو بس، هو وأي حد وصلك للنهاية دي، أي حد لعب في دماغي واستغل إنك عيلة صغيرة، حتى لو كان الحد ده أمك.
ها هو يعطي إليها شعور رائع بالأمان. أبعدت جسدها عنه قليلاً، ثم قالت بخجل:
_ أنت عارف أنا حكيت لك ده كله ليه؟
همس بنبرة خشنة:
_ ليه؟
_ عشان أنت بقيت الهيرو بتاعي يا ناصر. بطلي، إلا لما ببقى في مكان هو موجود فيه بحس إني في أمان، إني ملكت الدنيا كلها. أقولك على حاجة؟
بداخله شيء اهتز. شيء يتمنى سماع المزيد، وشيء آخر يرفض ما هو قادم. ابتلع ريقه يترقب، ثم سألها بنبرة صوت متحشرجة:
_ قوليلي على حاجة.
بحماس شديد قالت:
_ سألت Gpt عن الحاجات اللي بحسها وأنا معاك. كلها عارف قال لي إيه يا ناصر؟
بخوف سألها:
_ قال لك إيه يا حنين؟
بخجل قالت:
_ إني بحبك يا ناصر.
***
أمام قصر رسلان وقفت سيارة أيوب. نظرت إليه دلال بتعجب مردفة:
_ مش المفروض توصلني الأول؟
أجاب بهدوء:
_ ما إحنا قدام البيت أهو، أوصلك فين تاني؟
_ قدام أي بيت؟
حركت رأسها مردفة:
_ ده بيتك، أنا عايزة أروح شقتي.
حرك حاجبه ببساطة شديدة وقال:
_ لأ، مهو بنتي مش هتنام إلا في بيتي. أنتِ بقي عايزة تعيشي في مكان تاني؟ يبقى لما حبيبة قلب أبوها تشرف، هاخدها تنام في حضني.
ماذا؟ يريد الصغيرة بمفردها بدونها؟ إذن لن يردها إليه.
نظرت إليه بغضب مردفة:
_ ده بعينك تأخد بنتي مني! روح اتجوز وخلف بعيد عني، وبنتي هتبقى في حضن أمها.
أومأ إليها بهدوء، ثم نزل من السيارة، فتح إليها الباب مشيراً لها بالخروج مردفاً:
_ انزلي يا دلال.
نفت برأسها عدة مرات مردفة:
_ مش هنزل، أنا رايحة بيتي.
مسح على خصلاته بتعب وقال:
_ ما أنتِ في بيتك يا دلال، نزلي وخلينا نتكلم بالعقل.
هدوئه دائماً يجعل منها قطة وديعة. أومات إليه ببراءة ونزلت معه من السيارة. دلفت معه للداخل لتجد السيدة فوزية بالحديقة، قامت من مكانها سعادة متجهة إليهما مردفة:
_ دلال يا حبيبتي، حمد الله على سلامتك. كدة برضه أرجع مخصوص عشانك تسبيني وتمشي؟
_ حقك عليا يا طنط، بس أنا عرفت إن البيت ده بتاع أيوب باشا، مش من حقي أعيش فيه.
ضمتها السيدة فوزية بحنان مردفة:
_ أيوب شايف إن أي حاجة من رايحة خالد غالية عليه.
تدخل أيوب بالحديث قائلاً بجدية:
_ معلش يا زوزو، اطلبي يحضروا الغدا على ما أتكلم مع دلال شوية.
أومات إليه فوزية بهدوء، ليأخذ دلال من كفها للداخل. مع أول خطوة رأت جومانة التي قالت بسخرية:
_ مش ناوية تسلمي على حماتك يا حلوة، وإلا إيه؟
_ حماتي؟
تحدث أيوب بقوة:
_ جومانة تبقى مامت خالد، الله يرحمه.
لم تبتسم أو حتى تقترب لتسلم عليها، لترفع جومانة حاجبها بغضب مردفة:
_ إيه؟ متعرفيش إزاي تسلمي على حماتك؟ وإلا أقول لك إيه؟ ما أنتِ معذورة، كان ليكي أهل منين عشان يعلموكي الأصول.
_ جومانة.
قالها أيوب بنبرة غاضبة، لتقول دلال بهدوء:
_ عندك حق، أنا أهلي ماتوا وأنا صغيرة، وفعلاً وقتها ما كنتش أعرف الأصول، عشان كده دايماً عندي أعذار لما بغلط. لكن للأسف في ناس عندها أهل وبرضه ما يعرفوش حاجة عن الأصول، لأن أهلهم نفسهم معدومين الأصل زي حضرتك كده يا طنط جومانة. أهلكم نسوا يربوكي، فانتِ كمان نسيتي إن عندك ولادك محتاجة تتربي. لولا إنهم عندهم ناس غيرك يعلموهم الأصول، كانوا يا خسارة طلعوا زيك.
اندفعت إليها جومانة بلحظة جنون لترفع يدها عليها، إلا أن يد أيوب كانت الأسرع. وضع يدها خلف ظهرها قائلاً بقسوة:
_ عارفة لو إيدك كانت لمست خدها، كنت عيشتك الباقي من عمرك تتمني الموت. تطلعي دلوقتي حالا تلمي هدومك وتغري في 60 داهية من هنا، اللي ما يحترمش أصحاب البيت ملوش مكان فيه.
أشارت جومانة على دلال بذهول قائلة:
_ وهي دي بقت من أصحاب البيت؟
_ تؤ، بقت أصحاب البيت كلهم، مش منهم بس.
أخذها بعدها ودلف بها لغرفة المكتب. جلست على أقرب مقعد، ليقول إليها:
_ ممكن أعرف اللي حصل بره ده معناه إيه؟
حركت كتفها بتعجب مردفة:
_ إيه اللي حصل برة؟ مش فاهمة؟
_ اتعدلي يا دلال، اللي عملتيه مع جومانة بره، أسلوبك كان غلط وطريقة كلامك كانت غلط وما فيهاش أي احترام للكبير. أنا وقفت جنبك عشان ما أطلعكيش غلطانة، لكن أنتِ غلطانة.
تذكرت جملة قالها إليها خالد بلحظة عابرة بينهما: "أمي عمرها ما حبت أبويا يا دلال، طول حياتها بتعشق عمي أيوب لدرجة إن أبويا كان بيشوف ده في عينيها ويسكت عشان بيحبها. تعرفي إنها بتحبني عشان أنا فيا شبه كبير من عمي أيوب."
هرمونات الحمل معها غير عادية، فضربت على سطح المكتب بقوة قائلة:
_ يا سلام، وأنت زعلان عليها أوي كده ليه؟ عشان حبيبة القلب؟ ولا تكون ناوي تتجوزها؟ أطلع بروحك وروحها في إيدي، والله لو حصلت.
لو تعلم تأثير كلماتها عليه، لو تعلم كم المشاعر التي دلفت إليه الآن. لا يصدق حقاً، لا يصدق إنه رأى الغيرة بعينيها.
لم يفكر، جذبها من خصرها لتلتصق به وهمس بنبرة مشتعلة بالحرارة:
_ غيرانة؟
اهتزت. وصل إليها أخيراً معنى غبائها. نفت بحركة سريعة من رأسها، ثم قالت:
_ أغير من مين وعلى مين؟ من الست اللي قد أمي دي! وعليك! لأ طبعاً. كل الموضوع إن طالما حضرتك ناوي تتجوز، فالأولى ترجع أم ابنك. أنا مش عايزة ابني يعيش مشرد ولا مع مرات أب شريرة زي دي.
للمرة الثانية تضع نفسها أمامه بخانة الزوجة التي تكاد تموت من الغيرة على زوجها. رفع حاجبه بابتسامة رجولية رائعة، ثم قال:
_ امممم، قولتيلي الأولى أرجع أم ابني، بس أنا مش ناوي أرجعك يا دلال.
سمعت صوت تحطيم بداخلها. لا تعلم أي شيء سقط. قلبها؟ كرامتها؟ حقاً لا تعلم، لكنه شيء مؤلم. ابتعدت عنه برفض لظهور ضعفها، فقالت بكبرياء:
_ ولا أنا عايزة أرجع لك. أنت راجل لا تعاشر ولا تطاق، بس ابني مينفعش ييجي في الدنيا من غير أب جانبه طول الوقت. حياة ابني أهم من راجل نسوانجي زيك. من يخت بورقة عرفي. لأ ومش كده وبس، عايز تطلعه معقد وتجيب له مرات أب كمان؟ ده على جثتي.
ظل بارد لدرجة مبهرة، ليجلس على مقعد مكتبه مردفاً ببساطة:
_ على ما حبيبة قلب أبوها تيجي الدنيا، أكون اتجوزت لي جوازتين تلاتة. وأنا أوعدك، أول ما أشيلها على إيدي، احتمال أفكر أرجعك يا دلوعة.
دلال، الهدوء الآن مطلوب. صحتك وصحة صغيرك أهم منه بكثير. ألقى عليه نظرة غاضبة، ثم خرجت بلا كلمة. ليقهقه بمرح مردفاً:
_ دلال مع الهرمونات حاجة آخر دلع.
***
صعدت لغرفة خالد لتجد جومانة تجلس بانتظارها. أخذت نفسها بضيق، ثم قالت:
_ بتعملي إيه هنا؟
ردت عليها جومانة ببرود:
_ أوضة ابني، أدخل وقت ما أحب. أنتِ بقي اللي المفروض أسألك بتعملي إيه هنا.
بنفس البرود دلال قالت:
_ أوضتي، هي من ضمن ورثي من المرحوم جوزي.
_ اثبتي.
كلمة واحدة بها جبروت العالم سقطت على قلب دلال. ومع ذلك قالت بقوة:
_ أثبت إزاي؟ الورقة كانت مع خالد، بس من الواضح إن في إيد قذرة أخدتها من العربية وهو في المستشفى.
أومات إليها، ثم هتفت بجدية:
_ عشرين مليون جنيه حلوين؟
عقدت دلال حاجبيها بتعجب مردفة:
_ يعني إيه؟ مش فاهمة؟
_ لأ، فاهمة كويس أوي، بس عايزة تعملي نفسك عبيطة. عشرين مليون جنيه وتمشي من هنا. عيشي حياتك بيهم زي ما أنتِ عايزة، بس تنسي القصر ده باللي فيه، وخصوصاً أيوب.
الآن فقط فهمت عرض السيدة جومانة. البعد عن أيوب مقابل عشرين مليون جنيه. ابتسمت إليها دلال بهدوء مردفة:
_ امممم، هي الحكاية كده. أبعد عن أيوب. عايزة ترجعي حب زمان يا شقية؟ بس تفتكري يا مدام جومانة، أيوب رسلان ممكن يحن لك؟ لو كان في أمل واحدة في المية، كان اتجوزك بعد موت أخوه بحجة إنك أم العيال ولازم تبقوا أسرة واحدة. بس سابك تتجوزي عدوه، وقالك مع ألف سلامة. بقي معقول واحد زيه ياخد واحدة مدوبة رجلين؟ اللي أعرفه عنه إنه يدوب بس ما يدوبش. هتدفعيلي فلوس على الفاضي، وبرضه مش هتقضي ليلة واحدة معاه.
هذه الفتاة أقوى مما توقعت بكثير، واللعب معها على المكشوف خطر كبير. قامت من فوق الفراش، ثم قالت بهدوء:
_ أنتِ لسه جاية من بره، أكيد تعبانة ومحتاجة ترتاحي. نبقى نتكلم بعدين، كده كده مش هنختلف. ده أنتِ مرات الغالي.
فلتت من دلال ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
_ من ناحية إني مرات الغالي، فأنا فعلاً مرات الغالي.
بعد أكثر من نصف ساعة، دقت الخادمة على باب غرفة دلال. شعرت دلال بالثقل ورفضت القيام من فوق الفراش، فقالت بتعب:
_ مين؟
_ أنا يا ست هانم، أيوب بيه بيقولك تنزلي معاد الغدا.
_ لأ، شكراً، أنا تعبانة ومش قادرة أنزل.
أخذت الخادمة منها الجملة وقالتها إليه مثلما هي. بلهفة ترك غرفة الطعام وصعد إليها. فتح باب الغرفة دون أن يدقه. رآها تنام فوق الفراش ويدها على بطنها وتتحدث:
_ يا حبيبي، مش معقول تكون بتوجع ماما وجايب لها مغص وأنتِ لسه نونو؟ المفروض تحترمني من دلوقتي عشان لما تكبر تسمع كلامي، وبعدين أنا مش قادرة أتحمل وجع بصراحة، هعيط.
فلتت منه ابتسامة حنونة، ثم اقترب منها مردفاً:
_ دي بنت أبوها ومش هتسمع كلام حد غيري أنا وبس.
اعتدلت بجلستها بغضب وقالت:
_ ما تحترم نفسك! هو ما فيش خصوصية في البيت ده خالص؟ داخل زريبة! الباب ده اتعمل عشان نخبط عليه قبل ما ندخل على الناس.
بوقاحة قال:
_ الكلام ده لما تبقى الناس غريبة، مش ناس عارفين إن عندها حسنة في...
بأقل من ثانية، وضعت يدها على شفتيه بخجل قائلة:
_ بس يا قليل الأدب يا سافل! إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أمشي أطلع بره.
بحنان شديد، وضع يده على بطنها، ثم بدأ يمررها عليها بنعومة هامساً:
_ بتوجعك؟
حنونة دائماً تفوز بسرقة قلبها. أومأت إليه مثل الطفلة الصغيرة التي تشكو ما يؤلمها لوالدها، فقالت ببراءة:
_ أوي، وعايزة أعيط، بس بقول أنا بقيت كبير وهبقى مامي، والأم لازم تتحمل دلع ولادها.
يا الله! تقوده لفعل أشياء يقيد نفسه عنها بالقوة. مرر يده على بطنها بخفة أكثر وهمس:
_ طيب وكده؟
_ الوجع راح. أنا اكتشفت حاجة غريبة جداً يا أيوب.
ابتسم إليها مردفاً:
_ إيه هي يا دلوعة؟
_ إن كل ما بتبقى جانبي بحس إني مرتاحة وبنسى وجعي حتى لو لسة موجود. وجودك في حياتي بقي علاج لكل حاجة يا أيوب.
بذهول قال:
_ يعني إيه؟
_ رجعني يا أيوب.
_ عايزة ترجعي ليه؟
_ عشان بحبك.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء سعيد
لأ يا دلال لأ الحب ده مينفعش.
هل هو الآن رفض حبها؟
رمشت بعينيها عدة مرات لعلها تستوعب ما وصل إلى أذنها، حركت رأسها برفض ثم رسمت على وجهها ابتسامة متوترة وقالت:
أنت... أنت... أقصد يعني بتهزر ووو.
وضع يده أمام شفتيها يمنعها من الحديث، ربما يكون بقمة سعادته بعد هذا الاعتراف إلا أنه غير قادر على العودة، حدق بعينيها ويا ليته لم يفعل نظراتها كانت ضائعة تترجى به.
أبعد عينيه عنها ثم قال بتعب:
مش هقدر يا دلال، في حاجات كتير مش هقدر أعملها معاكي تاني وأولها إني المسك.
انتفض جسدها على أثر حديثه، توقعت عناق حار بعدها كلمة لقد عدتي زوجتي، ضربت بكرامتها عرض الحائط مقابل حنانه عليها وكانت النهاية رفض مؤلم.
سألته بنبرة مرتجفة:
ليه مش هتقدر؟ خلاص بطلت تبقي عايزني؟ شبعت وناوي تطلع على اليخت بواحدة جديدة؟
لم ولن تفهمه، أيوب الآن أصبح بمرض بتأنيب الضمير، يشعر إن كل ما عاشه معها ليس من حقه فهو حق شخص آخر حق ابن شقيقه الغالي.
أبتعد عنها معطي إليها ظهره مردفاً بتعب:
لأ يا دلال بس أنا مش أناني وأنتِ مش بتاعتي، دلال أنا كل ما بقرب منك في حاجة جوايا بترفض تكلم، كل ما بفكر أبوسك بسمع صوت خالد وهو بيطلب مني يتجوزك.
اهتز قلبها هل نسيت خالد؟ الآن فقط استوعبت إنها اعترفت بالحب من رجل غيره، الآن عملت بهزيمتها.
أقتربت من أيوب حتى تجعله عاشق لها وتأخذ حقها وحق خالد وبالنهاية أحبته هي ورفضها هو للمرة الثانية.
اتسعت ابتسامتها الساخرة عقلها وضعها أمام حقيقة مرعبة، وقفت أمامه ثم قالت بسخرية:
وأنت مقربتش مني قبل كدة؟ أمال إللي في بطني ده منين لما الباشا جواه حاجات بتمنعه يقرب مني؟ كل إللي عشته معاك ده كان اسمه إيه لما أنت مش قادر تلمسني، أنت كداب يا أيوب لأنك كنت بتبقي مبسوط معايا قولت لي كدة بنفسك.
ضعفها يؤلمه نظرة العتاب من عينيها تؤلمه، أقترب منها قليلاً لتعود للخلف مردفة برفض:
متـقربـش منـي. قول الحقيقة قول إنك خلاص مبقتش عايزني أو أقولك أنا الحقيقة أنت عايز تكسرني أنت.
صرخ بغضب:
اسكتي بلاش تقولي كلام ترجعي تندمي عليه بعد كده، دلال أنتِ لسة صغيرة ومش فاهمة حاجة خالص، أنا تعبان مش هقدر اديكي المشاعر اللي أنتِ محتاجاها انا مش عارف انام على المخدة عشان بحلم بكوابيس، بشوف فيها خالد بيلومني وبيعاتبني وبيكرهني عشان حرمته منك عشان اخدتك، يوم اليخت لما حاولت أقرب لك واقف قدامي أنا كنت شايفه قدامي، كان بيعاتبني كان بيبص لي بكره وهو شايفك في حضني ما كانش عايزني أقرب منك أنا مش هقدر مش هقدر المسك تاني افهمي بقى.
رأت بعينيه نظرة انهيار بها الكثير من الضعف. صادق شعرت بهذا قلبها طلب منها ضمه قول أي شيء إليه يخفف عنه.
وضعت كفها على كفه مردفة بحنان:
بس أنت ما اخدتشنيش منه يا أيوب، خالد مات وأنا وأنت بس اللي عايشين، على فكرة أنا كنت بكرهك أوي وكنت محملاك ذنب كل اللي وصلت له بس لما قربت منك عرفت قد إيه أنت شخص حنين أنت راجل مثالي في كل حاجة وأي ست تتمنى انك تاخدها في حضنك، اللي حصلي ما كانش بسببك صدقني أنت ملكش ذنب في اللي وصلت له أنا وخالد.
بضعف لأول مرة يظهر على أيوب رسلان سألها:
آمال بسبب مين؟
قلبه يحرقه ويتمنى سماع كلمة واحدة تخفف عنه، ابتسمت إليه بحزن مردفة:
بسببنا إحنا كان ممكن خالد يتمسك بيا اكتر قدامك أو حتى يعرفك عليا وأنا متاكدة ان وقتها كنت هتوافق، أنا مش بلومك أنك رفضتني في الاول ده حقك، رجل أعمال كبير ضحى بكل حاجة عشان ولاد أخوه يبقى من حقه لما يجوز إبن أخوه الكبير اللي هيشيل اسمه واسم العيلة من بعده يجوزه لواحدة تليق بيه مش بنت ملجا.
ضم شفتيها بين أصابعه بقوة كأنه يعاقبها على ما تفوهت به ثم أردف بقوة:
إياكي اسمعك تقولي على نفسك كده تاني، أنتِ مش تليقي بيا وبالعيله أنتِ تلاقي بأي حد يا دلال أنتِ ست أي راجل تبقي على اسمه محظوظ بيكي.
ابتسمت إليه بحب مردفة:
يبقى يا بختك بيا يا أيوب لأني مش هبقي على إسم راجل غيرك طول ما أنا عايشة وعلى فكرة بقى رجوعك ليا مش بأيدك ولا باختيارك ولا حتى مستنيه منك قرار.
رفع حاجبه مردفاً بإبتسامة حنونة:
آمال بأيد مين؟
أشارت لنفسها بدلال قبل أن تجذبه إليها من رباط عنقه هامسة بنبرة مثيرة:
في أيدي أنا، أنا اللي هقرر أمتي نرجع وازاي، تقدر تقول اني هسيبك تدلع شويه تدلع براحتك خالص بس تحط في دماغك حاجة واحده بس، أنك بتاعي انا ولو عيونك الحلوين دول فكروا يبصوا لست غيري هطلعهم من وشك واحطهم بين ايديك اتفقنا يا باشا.
بأستسلام عجيب همس:
بتعملي فيا إيه يا دلال؟
حركت كتفها بنعومة وقالت:
بحبك واللي تحب أيوب رسلان تبقي دخلت جوا حرب وأنا عمري ما طلعت من حرب خسرانة، لأ بصراحة خسرت قبل كدة مرة.
ودي كانت أمتي؟
لما وعدت نفسي إني اخليك تحبني وتتمنى تشوفني وعدتني اخليك أول ما تشم ريحتي تبقى عاجز قدامي بس طلعت هبلة وخسرانة، نفذت كل اللي وعدت نفسي بيه بس بالعكس بقيت مدمنه عليك يا أيوب.
ما طلعتيش خسرانه يا دلوعة.
على ما فهم معني حديثه كان فر من أمامها، بلمح البصر كان اختفى من الغرفة لتضم نفسها بجنون مردفة:
الواد ده شكله بيحبني ولا إيه؟
انتفض جسد ناصر من فوق الأريكة بذهول، يردد حديثها برأسه مرة والثانية والثالثة لعله يجد معنى غير الذي وصل إليه ولكن وبكل أسف النهاية واحدة هي "تحبه".
حدق بها حتى وجدها تلصق جسدها به فقال بقوة:
أنتِ بتقولي إيه إزاي أصلا تفكري في حاجة زي كده؟
أبتلعت ريقها بتوتر من ردت فعله ثم همست:
في إيه يا ناصر، أنا عارفة ان أنت كمان بتحبني بشوفها في عينك على طول ليه بتحاول تنكر المشاعر دي وبتهرب منها؟
ما هذا؟ ما هذا حقا؟ تلك الفتاة تذهب بنفسها إلى حافة الهاوية دون أن تشعر، نعم ببعض الأوقات يود الاقتراب منها ولكن هذا من كونه رجل محروم من النساء من فترة طويلة وهي قناة جميلة بل جميلة جدا.
دفعها بقسوة بعيداً عنه مردفاً:
بطلي جنان يا حنين خدي نفسك وانزلي تحت مش عايز أشوفك في أي مكان أنا فيه بعد كده لحد ما هو مشكلتك تخلص وتمشي من هنا.
حركت رأسها برفض لفكرة الرفض إليها من جديد اقتربت منه ومدت يدها لتضعها على يده مردفة برجاء:
بلاش تقول كده يا ناصر أنا مش مجنونة أنا بحبك ليه مصمم تبعد عني؟ لو خايف من عمو أنا هقف قدام الدنيا كلها عشانك أنا مش وحشه يا ناصر عشان كل شويه واحد يرفضني حرام عليك بقي أعترف انك بتحبني لأن اللي لسانك بيقوله عينك مش موافقه تقوله.
زاد جنون مع لصق شفتيها بين شفتيه، للحظة اتسعت عينيه بذهول قبل أن تبدأ القبلة بمفعول السحر عليه، طار عقله ليضع كفه خلف شعرها مثبت إياها بين يديه، يعلم أنها لحظة ضعف جنونية ربما سيدفع ثمنها بعد ذلك إلا إنه الآن مستمتع وهذا كافي جداً.
رغم كل ما حدث إلا أنها تشعر بطعم القبلة للمرة الأولي خرجت منها همهمة ضعيفة تدل على حلاوة ما تشعر به.
همهمة جعلته يفوق ليدفعها بعيداً عنه بجنون صارخاً:
انزلي تحت مش عايز أشوفك قصاد عيني تاني.
نفت برأسها مردفة:
أنزل ليه أنت بتحب.... ااااه.
أطلقت صرخة قوية بعد سقوط كفه على وجهها بصفعة قوية، سقط جسدها من قوتها أسفل قدميها ليجذبها من ذراعها بجبروت مردفاً:
أنا كنت بتعامل معاكي الأول على أنك عيلة صغيرة الدنيا ضحكت عليها وقعتها جوا مصيبة، لكن أنتِ ما طلعتيش عيلة صغيرة أنتِ طلعتي بنت قليلة الأدب وناقصة ترباية بدل ما تتعلمي من المصيبة اللي أنتِ فيها بتوقعي نفسك في واحدة تانية، المرة دي لا في أمك تقولك ان اللي بتعمليه ده صح ولا واحد بيضحك عليكي لكن أنتِ و**** مصممة على النجاسة.
حدقت به بقهر مردفة:
أنت من شوية كنت بتبوسني بحب أنا حسيت كدة.
تعريه أمام نفسه وهذا ما يرفضه وبشدة، سحبها بقوة لياخذها للاسفل دلف بها على السيدة زينب التي ضربت على صدرها من كفه الظاهر على وجهها مردفة:
يا لهوي أنت عملت إيه في البنت يا ناصر؟
أشار لوالدته بعدم الاقتراب مردفاً:
ما تقربيش يا حاجة مش عايز حد يقرب منها اللي هيحاول ياخدها مني مين ما كان هيتحبس معاها نفس الأوضة.
فتح باب غرفة نومها ثم ألقى بجسدها على أرضية الغرفة بقوة مردفاً بجبروت:
اللي زيك ما ينفعش نتعامل معاه على أنه بني آدم لازم يتعامل على أنه حيوان لو خرج هيبوظ الدنيا، هتفضلي هنا لحد ما مشكلتك تتحل وادخل في 60 داهية من وشي.
أغلق الباب عليها بالمفتاح لتقول السيدة زينب بخوف:
في إيه يا حاج حنين عملت ايه يستحق كل اللي أنت عامله ده؟ دي عيلة صغيرة وأنت عارف إنها بتخاف تقعد لوحدها افتح لها الباب يا ابني وأنا هخليها تعتذر ما تنساش ان هي هتضيفه ايوب ما ينفعش تتعامل معها كدة.
أقترب من والدته مقبلاً رأسها بالقليل من الهدوء مردفاً:
أنا عارف بعمل إيه يا حاجة محدش يقرب من باب الأوضة دي ووقت الأكل أنا اللي هدخلها الأكل بنفسي.
بغرفة الطعام.
نزلت دلال لتجد العائلة بانتظارها، ألقت عليه نظرة عابرة قبل أن تجلس على المقعد المجاور إليه أبتسم لها بخفة كأنه يقول "برافو" فهو تركه خصيصا لها.
ابتسمت إليها السيدة فوزية مردفة:
وحشتينا والله يا دلال البيت ده بيتك ممنوع تطلعي منه تاني مفهوم؟
كانت دلال بعالم آخر عينيها على طبق معين على الطاولة وتخرج إليه قلوب وكأنها عاشقة إليه.
كتم أيوب ابتسامته ثم قال:
دلال عمتي بتكلمك عينك فين بالظبط؟
أشارت ببراءة على الطبق مردفة:
لو سمحتي يا طنط هاتي طبق المخلل اللي جنبك ده.
تعجبت فوزية وقدمته لها، نسيت دلال أيوب وعائلته ووضعت كل تركيزها على الطعام تأخذ قطعة من هنا على قطعة من هناك وتاكل بمتعة.
ألقى شوكته بجانب الطبق وتأملها كم هي جميلة عفوية ممتعة.
دلت جمانة وبيدها حقيبتها فقالت فوزية بتعجب:
رجعتي لجوزك ولا إيه يا جمانة؟
حدقت بأيوب بعتاب حزين وقالت:
لأ ما رجعتش ومعنديش مكان أعيش فيه خصوصا بعد ما اخدت ورثي من بابي الله يرحمه وصرفته على الحيوان اللي كنت متجوزاه في شويه مشاريع بايظة، لكن ايوب باشا أمر اني مليش مكان في البيت ده فهمشي.
رغم كره فوزية الشديدة لها إلا أن جمانة كانت ابنة صديقتها وشبه متربية بالقصر أمام عينيها، شعرت بالشفقة عليها فقالت:
وأيوب قالك تمشي ليه؟ اللي أعرفه إنه جابك هنا بنفسه وقعدك غصب عني كمان عملتي إيه عشان أيوب يقولك تمشي؟
ابتسمت جمانة بسخرية مردفة:
بينفذ كلامك مش أنتِ طلبتي منه ان يستر على هانم اللي قاعدة جنبك دي ويتجوزها والهانم شايفة ان مليش هنا مكان ومن الواضح ان كلمتها بتمشي على الكل واولهم أيوب.
صمتت بنظرة تحذيرية من أيوب الذي قال بقوة:
بلاش تزودي حسابك معايا يا جومانة ومش دلال السبب في اني قولتلك تمشي أنا قولتلك كده لأنك مش عاملة إحترام لكبير البيت اللي أنتِ ساكنه فيه.
إذا جاء إليك الرياح أنحني حتى يذهب وهذا ما فعلته جمانة خصوصاً أنها تقف بأرض الخسارة.
أقتربت من أيوب مردفة بحزن:
أنا أسفه يا أيوب أوعدك ان بعد كده مش هقرب من دلال.
أومأ إليها بهدوء مردفاً:
اعتذري منها وأقعدي أتغدي يا جومانة.
وأين دلال لتعتذر منها فهي غارقة ببحر الطعام، أغلق أيوب عينيه لحظات حتى لا تفلت منه ضحكة مرحة على أفعالها، مد قدميه أسفل الطاولة ثم ضربها بخفة على قدمها لتنفض مردفة:
في إيه حتى اللقمة مش عارفة أكلها وأنت قاعد دي بقت عيشة تقرف.
بنظرة واحدة بلعت لسانها فقال من بين أسنانه:
جومانة عايزة تعتذر لك عن اللي حصل منها من شويه يا دلال.
تعتذر؟ تركت دلال قطعة الدجاج بصعوبة ثم جذبت منديل السفرة لتزيل به أي أثر للطعام من على شفتيها مردفة بخبث وعينيها متعلقة بجومانة:
من غير ما تعتذر أنا مسامحاها.
تعجبت جمانة ومع ذلك أخذت نفسها براحة إلا أن أيوب قال بقوة:
هنا كل حاجة لها قانون اللي غلط لازم يعتذر حتى لو أنتِ مسامحاها ولا أنتِ رأيك إيه يا جومانة؟
فهمت جومانة رسالته فأومات إليه بهدوء مردفة:
أنا أسفه يا دلال حقك عليا مكنتش أقصد الكلام اللي قولته لك.
ابتسمت إليها دلال ببراءة شديدة وقالت:
والا تقصدي يا طنط جومانة مش فارقة أنتِ قد امي برضو والسن له حكمه كل من البني آدم يكبر كل ما عقله بيصغر ومش بيعرف يسيطر على لسانه، احنا عشان صغيرين لازم نستحمل الاكبر مننا ونعدي له حصل خير.
شعر أيوب للحظة إن الحديث موجه إليه فجز على أسنانه بغيظ مع كثرة أخطائها قبل أن يبتسم بخبث مردفاً:
وأنتِ كمان يا دلال غلطتي ولأزم تعتذري.
ثانية... هل طلب منها الاعتذار؟ سحبت طبقها وطبق المخلل ثم قالت قبل أن تترك لهم الغرفة:
لأ أنا مش متربية بصراحة وما عنديش أخلاق إني أعتذر لحد، اللي زعلان مني يتفلق على اذنكم هطلع أكمل اللقمة اللي مش عارفة أكلها دي فوق.
اتسعت عينيه بذهول وقبل ان يأخذ اي رد فعل انقذها صوت هاتفه المحمول فحدق باسم المتصل وفتح الخط سريعا قائلا:
إيه الأخبار عندك يا مصطفي؟
الزفت اللي إسمه آدم فوق يا باشا.
بالمشفي.
دلف بخطوات يسابق بها الزمان، وصل لباب الغرفة ليجد مصطفي بانتظاره، وضع يده على المفتاح ليقول مصطفي بحذر:
باشا مش عايزين دم بلاش تنسى إن إحنا لحد دلوقتي روحنا في إيد الحيوان ده أول ما نطلع حنين منها وقتها أعمل فيه ما بدالك دلوقتي لازم نحكم العقل.
هل يطلب منه العقل؟ كيف وهو كان ينتظر هذه اللحظة من شهرين وأكثر حتى يأخذ روحه بيده، ضغطة مصطفي على يده ذكرته بحنين ووضعها الحالي، ضرب على باب الغرفة بغل ثم قال من بين أسنانه:
ماشي يا مصطفى ماشي بس مش عايز حد يدخل علينا لحد ما اطلع.
كل اللي أنت عايزه هعمله بس بلاش تنسى حنين.
ألقى عليه نظرة أخيرة وفتح الباب، رأى عدوه اللدود لأول مرة منذ الحادثة ملقى على الفراش وجسده متعلق بالأجهزة، نسي كل ما اتفق عليه مع مصطفي وقبض بقوة على عنق الآخر مردفاً بجبروت:
بقى أنت يا كلب ايدك اتمدت على بنت أخويا كنت مستحلي شرفي وعامل نفسك دكتور انا هخليك تعيش الباقي من عمرك تتمنى الموت ومش هتطوله.
ليس باقي كثير بحياته حتى يخشى تهديده، أخذ نفسه بصعوبة هامسا:
شيل ايدك يا باشا أنت لحد دلوقتي روحك في إيدي وحبيبة عمها حياتها متعلقة بكلمة مني.
أبتعد عنه أيوب ثم أشار إليه بسخرية مردفاً:
بنت أخويا مش هتاخد فيك يوم واحد لكن لو في حد لازم يخاف هيبقى أنت خصوصا ان المدام حلوه أوي بصراحة وفي عندك بنوتة كمان مش كدة؟ بس تفتكر يا دكتور ان بنتك الصغنونه اللي عندها تقريبا 10 سنين ممكن تتحمل كام راجل؟ عشان أكون صريح معاك أنا رجالتي عتاولة مش أي ست معاهم تسد، بصراحه أنا محتاج رأيك أنت برضو خبرة وعارف بضاعتك تقدر على إيه.
انتفض جسد آدم من محله رغم ألمه المبرح صارخاً:
بنتي لأ الحساب بيني وبينك العيلة الصغيرة مالهاش ذنب فيه.
خرجت من أيوب ضحكة ساخرة وقال:
وأنت اللي زيك يعرف الفرق ما بين الصغير والكبير؟ خدها نصيحة مني بلاش تلعب على العواطف عندي لأن مفيش في قلبي ذرة رحمة صغيرة ولو في مش هتبقى ليك.
أيوب محق يعلم من البداية أنه رجل معدوم من قلبه الرحمة، حرك رأسه بيرفض ثم قال بضعف:
أنا هتنازل عن القضية وحنين هتطلع منها كده قصتنا هتبقى خلصت.
حرك أيوب شفتيه كعلامة على لا مبالاته ثم قال بقوة:
قصتنا ما خلصتش هنا دي هتبدأ، من ناحية إنك هتتنازل عن القضيه فأنت هتتنازل عشان الكتكوتة الصغيرة تبقي بره حساباتنا وتفضل سليمة بختمها، لكن بعد القضيه أنا وأنت طريقتنا طويل هيخلص بطلوع روحك. ورمي جتتك في خرابة معفنة يأكل فيها الكلاب.
علم آدم أن نهايته أتت وانتهت حياته للأبد، أبتلع ريقه برعب قبل أن يفقد عقله ويخرج آخر أوراقه مردفاً:
بس يا باشا موتي مش هيفيدك ده هيوجعك وجامد كمان.
أجابه أيوب بسخرية:
ليه كنت مراتي إللي مش هقدر على فراقها؟
لحظة جنون قال:
لأ مش مراتك بس مفيش راجل هيقبل يأخد حنين غيري خصوصا بعد ما نمت معاها بدل المرة 1000 من غير حتى ورقة جواز عرفي.
هجم عليه أيوب بجنون يقبض على عنقه بكل قوته صارخاً:
أنت بتخرف بتقول إيه يا كلب انت؟
أبعد عني بدل ما أموت ووقتها بنت أخوك هتبقى فضحتها بجلاجل بعد ما اخلي صاحبي ينشر فيديوهاتها معايا.
هقتلك أنا هقتلك.
غضبه وصريخه جعل مصطفي بدلف للغرفة بسرعة البرق، أبعده عنه مردفاً:
بلاش يا أيوب بلاش.
بقصر رسلان.
انتهت دلال من تبديل ملابسها لأخرى ثم رفعت هاتفها لتقوم بالاتصال على ياسمين التي قالت:
أنتِ فين يا بنتي عديت عليكي في البيت خلود قالتلي انك مجيتيش إيه حكايتك بالضبط؟
أنا روحت لايوب وقولتله على الحمل وهو رجعني القصر تاني وبصراحة عملت حاجة كمان كده خايفة أقولك عليها.
طالما في الموضوع أيوب باشا وخايفة تقولي يبقى في مصيبة ابهريني خلينا نخلص، اوعي يا بنت يكون غرغر بيكي وأنتِ سبتي له نفسك والله اقتلك فيها دي.
أجابت دلال بسرعة:
لأ لأ هو أنا عبيطة عشان أعمل كدة بصراحة طلبت منه يرجعني ولساني نطق لوحده والله نطق لوحده من غير ما ياخد رأي وقاله إني بحبه.
آت إليها صوت ياسمين الغاضب:
هو مين ده اللي نطق لوحده؟
لساني يا ياسمين ما كنتش أقصد.
اقفلي يا دلال نص ساعة وتكوني في المستشفى عشان أفهم إيه حكايتك بالضبط منك لله يا شيخة عيلة مدلوقة.
أغلقت بوجهها الهاتف لتقول دلال بتعجب:
مالها قليلة الذوق دي حصل إيه لكل ده؟ ما تزعلش يا حبيب مامي بكره بابا يحن علينا ويرجعنا وهنعيش حاجة حلوة مع بعضينا.
دلف أيوب للغرفة دون سابق إذن بحالة منهارة، ألقت بالهاتف على الفراش ثم أقتربت منه بقلق مردفة:
مالك يا أيوب في إيه شكلك كأنك طالع من خناقة؟
أيوب رسلان أنتهي، سقط جسده أمامها بحسرة، أراد الإنهيار ولم يجد مكان يمكنه إظهار هزيمته به إلا عناقها، سقط قلبها معه ألقت جسدها أمامه بخوف قائلة:
أيوب فيك إيه يا حبيبي؟
أنا اتكسرت النهاردة يا دلال.
جملة صغيرة بها انكسار لرجل تخيلته لا ينكسر، ضمته لصدرها بلهفة شديدة:
ما عاش ولا كان اللي يكسرك أنت فيك إيه بالظبط؟
به الكثير قلبه من الداخل يرتجف، رجل مقهور وآه من قهر الرجال وهو غير أي رجل، أغلق عينيه مثل الطفل الصغير الهارب بين أحضان والدته وتحدث بكلمات بها خيبة الأمل:
أنا النهاردة حصدت زرعتي كلها أنا مش عايز بنات يا دلال مش عايزة اخلف خالص اللي في بطنك ده لازم ينزل، مينفعش يجي الدنيا وانا ابوه هيدفع تمن كل حاجة أنا عملتها زي ما حنين دفعت اللي عملته أنا وخالد.
مسحت على ظهره بحنان مردفة:
اهدي يا حبيبي أنت تعبان قولي فيك إيه يمكن اقدر اساعدك.
قص عليها كل شيء يخص حنين ثم سقطت من عينيه دمعة مردفاً:
أنا كنت واقف عاجز مش قادر أخد حق بنت اخويا من كلب زي ده، لأنه لو مات هتعيش باقي حياتها مفضوحة ومكسورة حنين ضاعت يا دلال حنين دفعت اللي عمله فيك خالد واللي أنا كملت عليكي بيه.
شعرت بالقهر عليه وعلى فتاة لا تراها بحياتها، أزالت دموعها وعقلها يتذكر كل ما مرت به رأت بحنين نفسها بأيامها الماضية قبل زواجها من أيوب.
أبعدته عنها قليلا ثم قالت بقوة:
ارفع رأسك مفيش حاجة من الكلام الفاضي ده أنت قولت بنفسك سالتها قبل كده وقالت لك لأ ما حصلش، يلا بينا نروح لها دلوقتي ونسألها تاني لو مش مصدقها نروح نكشف بس بلاش تبقى مكسور ومهزوم كده، أيوب حتى لو طلع الكلام ده حقيقي في الف حل ممكن نحل بيه المشكلة واحنا مع بعض وهي مش هتضيع ولا حاجة صدقني ربنا كبير ومش بيدفع حد ذنب حد تاني.
لا يعلم لما ولكنه نفذ ما قالته وبداخله أمل كبيرة، وقف أمام إبنة شقيقه وسألها لتقول برجفة:
آدم مش كداب يا عمو أنا اللي كنت كدابة لأني كنت خايفة من حضرتك.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء سعيد
بعد مرور أسبوع..
دلفت دلال لمكتب أيوب بالفندق دون إذن السكرتيرة، ليترك أيوب الملف من يده وينظر إليها.
دلت السكرتيرة خلفها بخوف شديد مردفة:
_ لو سمحت كده مينفعش والله يا باشا حاولت امنعها بس هي زقتني ودخلت.
أومأ إليها أيوب بهدوء وأشار إليها بالانصراف. خرجت السكرتيرة لتغلق دلال عليهما الباب بالمفتاح ثم وضعت المفتاح بداخل حقيبتها.
رفع حاجبه بضيق مردفاً:
_ بتعملي إيه هنا يا دلال؟
بعد كل هذا الهجران يسألها ماذا تفعل هنا؟ ضغطت على شفتيها بقوة كي لا تبكي ثم صرخت بغضب:
_ والله بقى لك أسبوع هربان ومعرفش عنك أي حاجة ودلوقتي جاي تقولي بتعملي إيه هنا يا دلال، صدق إنك بجح.
_ دلال.
قالها بتحذير.
فقالت:
_ بلا دلال بلا زفت، أنا مش هخاف. تقدر تقولي كنت فين الأسبوع اللي فات كله؟ أنا عرفت بالصدفة إنك جيت النهاردة، لو مش بسأل عليك زي المجنونة، كل الناس حتى عم منصور مكنتش عرفت مكانك. كنت فين يا أيوب؟ ولا مش هتقدر تقول إنك كنت في اليخت؟
لا يرغب برؤيتها، أصبح وجودها أمامه يكسر شئ بداخله. كلما يراها كأنه يرى شبح ضحيته. أخذ نفس ببعض الهدوء ثم قال:
_ وأنتِ بتدوري عليا ليه؟ إيه اللي بيني وبينك يخليني مقدرش أقولك إني كنت على اليخت؟ أنتِ مين في حياتي يا دلال؟
تحطم شئ بداخلها. سمعت صوت الانكسار. ابتلعت ريقها، تترقب ثم همست بنبرة متحشرجة:
_ مراتك وأم إبنك.
نفي بحركة بسيطة من رأسه ثم قال:
_ أم ابني بس مراتي لأ، ومش عشان تبقي أم ابني تلفي ورايا في كل حتة.
حقا؟ هل ما يحدث الآن وتراه حقيقي؟ أزالت دموعها بظهر كف يدها ثم هجمت عليه بغضب تجذبه من مقدمة ملابسه مردفة:
_ أنت بتقول إيه؟ بتحاول تعاقبني على حاجة أنا ما عملتهاش؟ بتهرب مني ليه؟
يا ليتها تعلم إنه يهرب من حاله. ما بداخله نيران مشتعلة تحرق كل جزء به. يا ليتها تعلم إنه يعاقب حاله ويحرم نفسه من أكثر قلبه متعلق به. أبعدها عنه مردفاً بقوة:
_ اللي بيني وبينك اللي جوا بطنك، ما فيش أي حاجة تانية ممكن تجمعنا. أنتِ لسه صغيرة والمستقبل قدامك كبير يا دكتورة، طلعيني من دماغك وشوفي مستقبلك. وأنا زي ما وعدتك الأول هبقى دايما في ضهرك، غيرك كده لأ.
يبدو إنها أخطأت عند تسليم قلبها إليه. عادت خطوة للخلف ثم أومأت إليه بسخرية قائلة:
_ وأنا مش عايزاك تبقى في ضهري ولا عايز أشوفك في حياتي تاني. أقولك على الأكبر بقى يا أيوب؟ مش هسيب ابنك يعيش جوايا لحظة واحدة. مش عايزة من النهاردة أي حاجة تربطني بيك ولا تخليني أشوفك تاني.
ربما هذا أفضل بكثير. هو لا يجوز أن يصبح أب أو زوج، أي مسؤول عن عائلة. أومأ إليها بتعب وقال:
_ روحي بيتك فكري براحتك. ولو ده فعلا قرارك هحجز لك عند دكتور شاطر ينزله.
ماذا؟ ماذا يقول هذا الأحمق؟ يود قتل طفلهما. هي فقط كانت ترغب بتهديده حتى يتمسك بها رغماً عنها. لم تتوقع بأبشع كوابيسها ما قاله. حدقت به بذهول ثم همست:
_ يااااه! ده أنت ما صدقت تخلص مني ومنه.
زفر بضيق ثم قال بجدية:
_ دلال بلاش توجعي قلبي وقلبك أكتر من كده. أنا مش عايز أخلص منه، بس الطفل ده لو جه للدنيا هيعيش معاكي أنتِ. أنا مينفعش أكون أب. فلو مش عايزاه ده هيبقى قرارك وحقك. عيلة لسه بتبدأي حياتك ووجوده ممكن يعجزك عن حاجات كتير. فكري براحتك ولما تقرري هنفذ لك اللي أنتِ عايزاه.
لا تعلم ما به وكيف تحول بغمضة عين. اقتربت منه بجسد مرتجف وضمت يديه بين يديها مردفة بتعب:
_ لو اللي أنت فيه ده بسبب حنين فهي اتجوزت ناصر ومشكلتها اتحلت ومش أنت السبب في اللي حصل لها. حنين كان لها أب وأم قبل ما تبقى مسؤولة عنها يا أيوب. بلاش تدمر حياتنا بأوهام جوا دماغك. بص يا حبيبي هنبدأ مع بعض من جديد، أنا وأنت وابننا. هننسى كل اللي فات وهنعيش بحب. صدقني هبقى معاك خطوة بخطوة بس بلاش تعمل فينا كده.
أعصابه لا تحتاج المزيد. دفعها بالقليل من الحدة صارخاً:
_ وأنا مش عايزك يا دلال، افهمي بقى! مش عايزك. هو الحب بالعافية؟ خلاص كان نفسي في حاجة وخدتها وشبعت.
صمت من نظرة عتاب واحدة منها. أغلق عينيه بندم. لو نظر إليها الآن سيأخذها بداخل أحضانه. سمعت صوت حذائها يبتعد حتى انغلق عليه باب المكتب ليبقي بمفرده فقال:
_ يا رب ارحمني.
بشقة دلال..
كانت تقف خلود بالشرفة شاردة. مع إصرار أيوب على عودة دلال إليه علمت إنها بالنسبة لمسعد ولا شيء. طوال تلك المدة لم يرفع سماعة الهاتف ويسأل عليها. حركت رأسها بسخرية على حالها. ماذا كانت تنتظر أن يذهب خلفها من مكان لآخر وهو ما صدق الخلاص منها.
ثانية، هل هذه سيارة مسعد؟ أوهام يا خلود، عقلك يرسم مجرد أوهام. رأته يهبط من السيارة. رأته يرفع عينيه لشرفة المنزل. هل ألقى عليها ابتسامة الآن؟ وهم يا خلود، عقلك من نيران الاشتياق يتوهم. اختفى من أمامها لتظهر معالم الحسرة على وجهها مردفة:
_ ما تفوقي بقى! هتفضلي لحد امتى عبيطة؟ مسعد ما صدق طلقك هيجي هنا يعمل إيه؟
رنين جرس الباب جعلها تتنهد بثقل وتذهب لفتح الباب. فتحته ليتوقف قلبها بمحله. ليس وهم. مسعد يقف أمامه بجسده. همست بذهول:
_ مسعد!!
أومأ إليها بابتسامة حنونة مردفاً:
_ ينفع ادخل وإلا هفضل واقف على الباب؟
قلبها أمرها الابتعاد عن طريقه ليدلف. أما عقلها ضربها بقوة لتقول بالقليل من التوتر:
_ هتفضل واقف على الباب؟
_ ليه؟
_ أنا هنا لوحدي محدش موجود.
رفع حاجبه بتعجب مردفاً:
_ وأنا غريب عنك؟
آه من ثقته الزائدة بنفسه وبحبها إليه. أومأت إليها بسخرية وقالت:
_ كنت زمان مش غريب، لكن دلوقتي غريب. والاصول بتقول إن طالما البيت ما فيهوش حد مينفعش ادخلك. جاي ليه يا مسعد؟
اتسعت عينه بمعني حقا ثم أومأ إليها بابتسامة خفيفة مردفاً:
_ ماشي يا خلود. أنا حابب أتكلم معاكي واظن مينفعش الكلام يبقى على الباب كده. ادخلي البسي، نتكلم في أي مطعم هيبقى مكان عام وينفع نقعد مع بعض.
يريد الحديث معها؟ هل شعر بالندم عليها؟ هل قلبه دق إليها بفراقها؟ تعالت دقات قلبها بتوتر ليتدخل عقلها للمرة الثانية. فحمحمت بجدية مردفة:
_ مفيش بينا كلام. كل حاجة كنا عايزين نقولها قولناها.
مسح على خصلاته بتعب وقال وعينه متعلقة بها:
_ في بينا سنين مش بس كلام يا خلود. اللي بينا مش هيخلص في كلمة طالق مني. اللي بينا اكبر من كده مش كده؟ خلود أنا عايز اتكلم معاكي ارجوكي.
مع رجائه فاز قلبها. فهزت رأسها بضعف مردفة:
_ ماشي يا مسعد. استنى تحت خمس دقايق هغير هدومي وانزلك.
_ استناكي العمر كله مش بس خمس دقايق.
بمنزل أبو الخير..
أسبوع كامل وهي حبيسة بتلك الغرفة بكامل إرادتها. للمرة المليون يسوقها شيطانها ببحر من الخطأ. والآن تبرا منها عمها إلى الأبد. فعلت كل هذا من أجل العيش مع ناصر والزواج منه. وها هي حصلت على ما تمنت.
تدخل ناصر بلحظة الانفجار وقال بقوة:
_ أنا هكتب عليها يا أيوب.
بعدها بأقل من نصف ساعة سمعت جملة المأذون الشهيرة:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. زواج مبارك إن شاء الله.
ثواني أخري وكتبت كلمة النهاردة مع نظرة خذلان من أيوب عندما قال:
_ ابقى تعالى بكرة يا ناصر احضر عزا حنين بنت أخويا.
جملة كسرت كل شئ بها. تندمت على ما قالت. تمنت لو اعترفت بالحقيقة. إلا أن قد فات الأوان. رحل أيوب.
فقال ناصر بنظرة مشمئزة:
_ أول مرة في حياتي أشيل اسمي لحد ميستحقهوش. بس لاجلي عمك اللي مشوفتش منه إلا كل خير. هتعيشي في البيت ده معززة مكرمة. سنة واحدة وبعدها مش عايز أشوف وشك تاني يا حنين.
اختفت حنين بغرفة ومر عليها الأسبوع رافضة للطعام أو الشراب. فقط بعض اللقمات من يد السيدة زينب. دلفت إليها السيدة زينب ومعها صينية الطعام مردفة برجاء:
_ وبعدين معاكي بقي يا بنتي كده لحد امتى؟ الأكل اللي أنتِ بتاكليه ده ما تاكلهوش فرخة. لو فضلت كده هتموتي.
همست حنين بقهر:
_ يا ريتني أموت عشان ارتاح.
شهقت السيدة زينب مردفة:
_ ليه كدة؟ حرام عليكي.
حدقت بها حنين بضياع مردفة:
_ وجودي معذب كل اللي حواليا. معذبني أنا شخصيا. عمالة أخبط في الدنيا ومش عارفة أنا رايحة على فين. وكل مرة أغلط غلطة أكبر من اللي قبلها وأرجع أعيط وأقول مش هعمل كده تاني وأعمل الأبشع.
تنهدت السيدة زينب بتعب ثم جلست بجوارها على الفراش. تعلم جدا إن حنين أخطأت خطأ لا يغفر. لكنها لو قست عليها مثل الباقي ستنتهي. مرت كفها على ظهرها بحنان ثم قالت:
_ شوفي يا حنين أنا مش هقولك إن كل الناس بتغلط وإنك المفروض تتعلمي. لأن غلط عن غلط يفرق. واللي أنتِ عملتيه غلط كبير في حقك وفي حق ربنا وفي حق أهلك. أنتِ مش عيلة صغيرة وعارف تفرقي ما بين الحرام والحلال. مش مستنية حد يقولك فين الصح وفين الغلط. عملتي الغلط وأنتِ عارفة إنه غلط. فما تزعليش دلوقتي لما حد يعاملك وحش.
انهارت حنين بشهقات مقهورة. السيدة زينب معها كل الحق. هي تسير دائماً بطرقات مجهولة بكامل رغبتها. خسرت كل شئ دون لحظة تفكير واحدة بالنهاية. أكملت السيدة زينب بقوة:
_ بطلي عياط. عياطك مش هيرجع اللي راح. أنتِ عارفة اللي عمله عمك ده. اللي الكام قلم اللي أخدتيهم مع كم كلمة قاسية. إنه مش عايزك في حياته وانه أخد العزا فيكي. كل ده نقطة في بحر اللي كان ممكن يحصلك لو ناصر ابني مكانه. كان دفنك وما رضاش ياخد عزاكي. بجوازك من ناصر ممكن المصيبة اللي أنتِ عملتيها قدام الناس تروح. لكن قدام ربنا هتفضل موجودة. نصيحة مني يا بنتي. لو عايزة تبدأي من جديد وتنسي اللي فات. ارجعي لربك وافتحي لنفسك باب للتوبة. وقتها هترتاحي.
كيف لها أن ترتاح؟ ومن أي طريق يأتي الارتياح؟ حركت رأسها بتعب شديد مردفة:
_ عايزة أنام بقي. لي أسبوع مش عارفة أنام. ممكن تاخديني في حضنك؟
ضمتها بلا كلمة لتغلق الأخرى عينيها باستسلام مرهق.
باليخت..
ألقى أيوب بجسده داخل المياه لعله يفرغ ما بداخله. أكثر من ساعة وهو يسبح هنا وهناك يرفض إعطاء عقله أي مساحة للتفكير. وصل إليه صوت مصطفى:
_ عايز أتكلم معاك يا باشا.
لا يريد الحديث. يود الصمت حتى يأخذ الراحة. تنهد بثقل ثم صعد من المياه. قدم إليه مصطفى المنشفة مردفاً:
_ أتنازل عن القضية.
أخيراً وجد شيء يفرغ به نيرانه. مرر المنشفة على خصلاته ثم قال:
_ عايزة خلال ساعة بالكتير في المخزن.
أومأ إليه مصطفى بجدية ثم قال:
_ اللي أنت عايزه كله هيحصل بس بالعقل.
صرخ أيوب بغضب:
_ عقل؟ أنا ما عادش فيا عقل. مفيش حاجة هتريحني غير لما ادفنه بإيدي.
_ طيب ودلال هانم؟
_ مالها دلال؟
_ مالها إيه يا أيوب؟ أنا شايفها بعيني وهي طالعة من الفندق منهارة. ليه بتحاول تبعدها عنك مع إن مفيش حد في إيده راحتك إلا هي.
راحته بين يديها ونيران عذابه بين يديها. ألقى بجسده فوق أحد المقاعد بتعب وقال:
_ كده أحسن لنا إحنا الاتنين. أنت عارف المشكلة الحقيقية فين يا مصطفى؟ إني معرفتش إن دلال تبقى مرات خالد غير لما دخلت القصر. قبل كده كانت مراتي وحقي أنا. بس أول ما جسمها لمس سرير خالد وأنا مش قادر... مش قادر أقرب لها. جوايا حاجة بتمنعني حتى إني أخدها في حضني.
_ أنت بتحبها ولا لأ؟
سؤال عجيب لم يحاول طرحه على نفسه ولو لمرة واحدة. حرك رأسه بحيرة وقال:
_ مش عارف. ومش عايز أعرف.
_ بتحس معاها زي باقي الستات؟ يعني أقصد بعد ما العلاقة بتخلص بتحس إنك قرفان أو مضايق؟
برفض قال:
_ أقرف من مين دلال؟ لأ طبعاً دي مراتي.
_ ما الباقي كانوا مراتاتك برضه.
هنا تذكر جملتها بأول لقاء بينهما "لأ ما هي الورقة مطلعتش جواز". معها حق. سند رأسه بسخرية مردفاً:
_ ما هو الجواز العرفي مطلعش جواز. ورقة بتضحك بيها على نفسك وتحلل الغلط عشان تعرف تنام على المخدة مرتاح.
رفع مصطفى حاجبه بتعجب من تغيير رأيه وقبل أن يتحدث قال أيوب:
_ روح هات الكلب ده.
بأحد المطاعم قالت خلود:
_ ها يا مسعد عايز إيه؟
ألم تتحمل الجلوس معه لدقائق معدودة؟ أخذ نفسه بالقليل من التوتر ثم قال:
_ للدرجة مش عايزة تقعدي معايا؟
حركت كتفها بلا مبالاة ثم قالت:
_ واحنا بنا إيه أساساً عشان نقعد مع بعض؟
_ بنا عشرة.
فلتت منها ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
_ والعشرة خلصت. عايز إيه تاني يا مسعد؟
بقلة حيلة ورجاء قال:
_ عايزك أنتِ يا خلود. البيت وحش أوي من غيرك. مش قادر أكمل حياتي ولا عايز أكمل من غيرك. تعالي نرجع وأنا أوعدك هخلي حياتك معايا جنة.
أشارت إليه بالصمت لا ترغب بسماع المزيد. فنفذ ما طلبت. أخذت نفسها بثقل قائلة:
_ وأنا كنت شوفت منك إيه وحش عشان توعدني بالجنة يا مسعد؟
_ يعني إيه؟
_ يعني أنا من أول ما شوفتك وأنت ضهري وسندي وحمايتي. أي حاجة بطلبها بتكون عندي من قبل ما أطلب. عمرك ما غلطت فيا بكلمة. بس لو أنت آخر راجل في الدنيا مش هرجع لك يا مسعد.
أتسعت عينه بذهول من وصفها إليه ومن آخر حديثها. فسألها بضياع:
_ ليه؟
_ عشان عشت معاك طول السنين إللي فاتت دي زي الحمل عليك. صحيح عمري ما سمعت منك كلمة إهانة. بس كفاية أشوف في عينك نظرة حب لغيري. أنا أولى بيها.
قامت من مكانها بجسد يرتجف من شدة انفعالها ثم قالت:
_ أنا أستحق أتحب يا مسعد. أستحق راجل أبقى في عينه أجمل ست في الدنيا. ولا في قبلي ولا بعدي. أنت لأ. سامع؟ لو روحي فيك أنت لأ.
انتهى حديثها وحديثه لا يهمها بشيء. فتركته بحالة من الذهول وذهبت. تعلقت عينه بطيفها هامساً:
_ خلود!!
بعد ساعة بالمخزن القديم..
كان المشهد عبارة عن حلبة مصارعة. أيوب يخرج كل مواهبه القتالية على آدم. أقترب منه مصطفى برعب مردفاً:
_ باشا ده مريض هيموت في إيدك.
ألقى إليه أيوب لكمة وراء الأخرى قائلاً بغل:
_ ما أنا عايزه يموت.
حاول مصطفى لأخذه من بين يديه. أخذ لكمة جعلته يعود خطوتين للوراء. ليقول:
_ يا باشا.
_ أبعد يا مصطفى بدل ما أطلع روحك معاه.
الأمر أصبح جنوني. أيوب خرج عن السيطرة. خرج مصطفى من المخزن بتعب أعصاب. ماذا يفعل لا يعلم. لو تركه سيأخذ روحه. دلال حله الوحيد هو دلال.
بمنزل دلال..
تنام على فراشها ووسادتها بين أحضانها. دلفت إليها خلود بحزن زاد مع دموع دلال المنتشرة على الوسادة. جلست بجوارها مردفة بتردد:
_ مالك يا دلال؟ رجعتي تاني زعلتي مع أيوب؟
_ مش عايزة أسمع اسمه تاني. ده أناني ووحش.
دقات الباب المرتفعة جعلتها تنتفض من محلها بخوف. ركضت لتفتح وجدت مصطفى. فسقط قلبها بلهفة مردفة:
_ أيوب كويس؟
_ أيوب هيقتل آدم وأنا مش عارف أتصرف. أنتِ الحاجة الوحيدة اللي ممكن توقفه.
عودة للمخزن. تحدث آدم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة:
_ هموت. ارحمني.
ضحك أيوب ضحكة قاسية ووضع يده حول عنقه مردفاً:
_ الرحمة بأيد ربنا. ولو عايز يرحمك هياخد روحك دلوقتي.
_ أيوب.
صوتها الخائف. اتى إليه كأنه يأتي من أعماق البحار. عض على شفتيه بغل وحدق بمصطفى بتوعد مردفاً:
_ خدها وامشي من هنا حالا. وحسابك معايا بعدين.
أقتربت منه بغضب مردفة:
_ ومين قالك إن حد يقدر يخليني أمشي؟ سيب الراجل ده. أنت مش بلطجي عشان تاخد حقك بالطريقة دي.
عاد بنظره لآدم مردفاً بسخرية:
_ مادام عايزة تتفرجي. اسحبي كرسي وأقعدي.
أطلق آدم صرخة قوية مع سقوط جسده على الأرضية بكل قوة. سقط معه قلب دلال. فنظرت لمصطفى بقلة حيلة فقال:
_ مش قادر عليه. كنت فاكر إن أنتِ تقدري تعملي حاجة بس طلعت غلطان. يلا عشان أروحك.
يستحيل أن تتحرك من هنا دون أن تأخذه معها. أقتربت منه لتقف بمنتصف قبل أن يقترب من آدم مردفة بغضب:
_ أنا مش هتحرك من هنا غير وأنت معايا. والراجل ده مش هتقرب منه تاني يا أيوب. لو مش خايف على نفسك خاف على الناس اللي متعلقة في رقبتك وأولهم أنا.
صرخ بوجهها غاضباً:
_ وأنت مين قالك إني عايزك تبقي متعلقة في رقبتي؟ قلتلك الصبح مش عايزك في حياتي تاني. أمشي قدامي.
ضربته بصدره:
_ بطل أسلوبك ده. لو فاكر إن بالطريقة دي هتخليني أبعد عنك تبقى غلطان. أنت أبو ابني وأنا مستحيل أخلي ابني يجي على الدنيا يتيم لمجرد إنك إنسان أناني مش شايف غير نفسك وبس.
أغبى قرار أخذته بحياتها. الوقوف أمام أيوب رسلان الآن. حبيبها رجل. والوقوف أمامها بتلك اللحظة رجل آخر. غاب عقله. أصبح لا يراها أمام عينيه من الأساس. قذف جسدها بقوة على الأرض مردفاً بجبروت:
_ أبعد عني. مش عايز أشوفك. خدها من هنا يا مصطفى.
سقوطها. اصطدام رأسها بالكرسي الحديدي. سائل أحمر يعلم ما هو جيداً يسير من بين قدميها. إغلاق عينيها واستسلام جسدها لفقدان الوعي. كل هذه الأشياء جعلته يعود لوعيه بفزع. أقترب منها بجسد مرتجف برعب وهمس بضياع:
_ دلال...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء سعيد
يقف أمام غرفة العمليات بضياع، يحاول استيعاب إنها الآن بالداخل تعاني بسببه. للمرة المليون يجعلها تدفع ثمن أشياء ليس لها أي علاقة بها. رفع يديه أمام عينيه ليرى دمائها، ضرب رأسه بالحائط بغضب. فأقترب منه مصطفي بحزن مردفاً:
_ أهدي يا باشا.
عن أي هدوء يتحدث؟ روحه معلقة بها، ألمها يصل لجسده وقلبه أضعافها. حرك رأسه بتعب مردفاً:
_ لو البيبي حصل له حاجة، دلال مستحيل تسامحني.
_ إن شاء الله مش هيحصل له حاجة ولا هيحصل لها.
_ يا رب يا مصطفي.
بعد أكثر من نصف ساعة خرجت الطبيبة من الغرفة. أسرع إليها مصطفي، أما أيوب ظل محله. بداخله خوف يمنعه من الاقتراب، يمنعه من سماع كلمة تكتب بها كلمة النهاية. ومع ذلك سمعها تقول بهدوء:
_ الحمد لله الجنين بخير. الخبطة ما كانتش قوية، لكن المدام أخذت خبطة جامدة جداً على دماغها. إحنا خيطناها وعملنا اللازم. أول ما تفوق هنعمل شوية أشعة ونشوف أثرت على المخ ولا لأ.
قدر على أخذ نفسه بالقليل من الراحة. دلف إليها بخطوات متلهفة، وجدها تنام على الفراش بملامح وجهه ذابلة. جلس بجوارها على الفراش مردفاً:
_ كنتي هتروحي مني؟ طيب أنا كنت هعيش من غيرك إزاي يا دلال؟ مش هقدر. حاولت أبعد بس مش قادر. هكون أناني، سامعة يا دلال؟ هكون أناني وآخد حقي من الدنيا كلها، أنتِ. فتحي عيونك خلي الشمس تدخل قلبي.
دلفت إليه الطبيبة ومعها أربع ممرضات مردفة بهدوء:
_ بعد إذنك يا باشا عايزين نشيلها عشان ننقلها أوضة عادية.
مع أول خطوة للممرضات إليها، أشار بيده بقوة مردفاً:
_ محدش يقرب منها. أنا إللي هشيلها.
بحذر شديد حملها على ذراعيه، ثم وضعها بالفراش الآخر بكل حنان. قاد الفراش للغرفة الأخرى، ثم قال للطبيبة:
_ هي هتفوق امتى؟
_ ساعة بالكتير.
_ طيب اطلعوا برة. لما تفوق هبقي أطلبك.
أصبح معها بمفرده. فحرك يده على خصلات هامسة:
_ عارف أنك أول ما هتفوقي هترجعي دلال بتاعت زمان وتردي عليا الكلمة بعشرة، وأنا مش عايزة أكتر من كده. عايز أسمع صوتك وبس يا دلوعة.
أشتاق لشفتيها وقلبه يطلب منه الارتواء. فنيران الحرمان أحرقته. وضع شفتيه بين شفتيها، وجد أمامه خالد من جديد. ليغلق عينيه ويكمل قبلته. لن يبتعد، فاليوم ذاق طعم الابتعاد الأبدي. كيف سيكون؟
أبتعد عنها قليلاً مردفاً بلذة:
_ وحشتيني يا دلوعة.
***
بقصر رسلان، بغرفة جومانة.
_ أنت بتقول إيه؟ حامل؟
قالتها بذهول عبر هاتفها المحمول للرجل المكلف بالبحث خلف دلال، فقال بتأكيد:
_ أيوة يا هانم. وموجودة في المستشفى كمان؟
_ بتعمل إيه في المستشفى؟
_ اللي عرفت أوصل له من الممرضات إنها وصلت المستشفى واقعة على دماغها وضهرها.
بلهفة قالت:
_ سقطت صح؟
_ لأ يا هانم، محصلش أي حاجة للعيل.
كارثة. هي الآن بداخلها ولا تعلم كيفية الخروج منها. تحدثت بغضب:
_ العيل ده يموت. ادي لأي واحدة من الممرضات اللي هي عايزاها وتخلصنا من العيل ده.
_ مستحيل يا ست هانم، نقدر نعمل كده.
صرخت بغضب:
_ مستحيل ليه؟ أمال أنا بديك فلوس عشان خاطر إيه؟ مش عشان تنفذ المطلوب منك بالحرف الواحد.
تحدث الرجل بقلة حيلة:
_ يا ست هانم، أنا بقى لي سنين خدامك واللي بتقولي عليه بنفذه. لكن المرة دي مينفعش اللعب مع أيوب باشا. في رقبتنا احنا الاتنين. ده حاطط لها ولا 20 حارس على باب الأوضة، ده غير إنه نفسه قاعد معاها جوا.
مسحت على خصلاتها بجنون. طفل من تلك الفتاة يعلن خسارتها إلى الأبد. دارت حول نفسها لعلها تجد حل. ثم قالت:
_ والحل إيه؟
_ إنها تفضل تحت عيني لحد ما تطلع من المستشفى. وأيوب باشا هيبعد عنها. وقتها هيبقي قدامنا ألف حل.
_ ماشي. خلي عينك عليها. ونزل اللي جوا بطنها بأي شكل. إن شاء الله تطلع تديها علقة لحد ما يموتوا هما الاتنين.
أغلقت الهاتف معه وعقلها يسير بكل الاتجاهات. دلال بمفردها كانت خطر كبير عليها. والآن أصبح معها قطعة من أيوب تزيد من سيطرتها عليه. ألقت بجسدها فوق الفراش مردفة:
_ مفيش ست غيري هتبقى أم ابنك يا أيوب. ده كان وعد بينا زمان. لو أنت نسيته فأنا مش ناسيه.
***
بمنزل أبو الخير، بغرفة المعيشة.
سألت السيدة زينب بقلق:
_ هو في ايه يا ناصر؟ طالب الستات كلها تنزل ليه؟
أخذ رشفة من فنجان القهوة ثم تحدث بهدوء:
_ وحنين كمان يا حاجة.
_ ما أنت عارف يا ابني، حنين من يوم اللي حصل وهي بتتكسف تقف قدامك. وأنا بصراحة شايفة إن كده أحسن يا ناصر. خليها بعيد أحسن.
وضع فنجان القهوة بطبقه ونظر لوالدته نظرة واحدة ثم خرج صوته الخشن بقوة:
_ من أمتي بقول كلمة وتنزل الأرض يا حاجة؟
وضعت يدها فوق فخذه بقلة حيلة مردفة:
_ طول عمرك كلمتك ماشية على الكل وأولهم أنا. بس المرة دي أنا مش مرتاحة. خصوصاً بعد ما كتبت عليها. بلاش تنسى يا ناصر، حنين صغيرة وأنت معاك بدل العيل تلاتة. وحياتك وحياتها الفرق بينهم زي الفرق بين السما والأرض. مش هينفع تتقابله في حتة في النص يا ابني.
تعطي بحديثها إنذار قوي بعدما الاقتراب. فقال بجبروت:
_ لو كان في حاجة جوايا ناحية حنين فهي راحت في نفس اليوم اللي عرفت فيه إن راجل غيري لمسها. روحي اعملي اللي قولتلك عليه يا حاجة. خلينا نخلص. وأنزل أشوف الشغل اللي ورايا.
بعد خمس دقائق كان يقف أمامه الثلاث نساء بأطفال وبجواره والدته تحدق به بخوف. فالقي نظرة أخيرة على باب الغرفة. ثم قال:
_ حنين فين يا حاجة؟
ردت السيدة زينب بتوتر:
_ تعبانة ووو.
أكتفي من الإجابة دون أن يسمع المزيد. قام من فوق مقعده مشيراً للنساء بالجلوس:
_ اقعدوا دقيقة وارجع لكم.
قبل أن تفتح السيدة زينب فمها، كانت نظرته تعطي إليها إشارة بالصمت. فأغلقت شفتيها بقلة حيلة. دلف للداخل. لتقول نسمة:
_ هو في ايه يا حاجة؟
_ اسكتي يا نسمة. خلي ربك يستر واليوم ده يعدي.
وقف ناصر أمام غرفة حنين. ثم رفع يده ليدق الباب. وقبل أن تلمس الباب قال بغضب:
_ دي مراتك وده بيتك. هتخبط ليه؟ افتح الباب جيبها من شعرها على برة. خلينا نخلص.
فتح باب الغرفة بهمجية. ويا ليته لم يفعل. رآها تعطي ظهرها إليه وتقوم بإزالة فستانها من فوق جسدها الناعم. ليقول بسرعة قبل أن تقترب من آخر قطعة:
_ حنين.
صوته جمدها بمحلها. ضمت جسدها تلقائياً، عاجزة لا تقدر على أخذ الفستان من الأول أو حتى سحب شرشف الفراش. فقالت بنبرة مرتجفة:
_ اخرج برة لو سمحت.
دقات دقات قلبها مع اقتراب خطواته منها. انكمشت حول نفسها من أنفاسه الساخنة أمام عنقها. رفع أحد أعصابه ثم مرره على عمودها الفقري ليُشعر برجفة جسدها بين يديه. فهمس:
_ مكسوفة؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت من بين أنفاسها المرتفعة:
_ أبعد.
سار بإصبعه على سلسلة ظهرها بنعومة أكثر مردفاً:
_ أبعد بجد؟
خبير. هي الآن بين يدي خبير. وبكل أسف حنين ذات شغف عالي. وهذا ما يجعل لها دائماً نقطة ضعف. يقدر رجل برجولة ناصر السيطرة عليها بها بكل سهولة. عضت على شفتيها مردفة بكلمات متقطعة:
_ ناصر كدة. كدة غلط. أبعد.
خطأ؟ نعم ربما يكون خطأ كبير. إلا إن قلبه مرحب به. دفن وجهه بين خصلاتها ليستمتع برائحة الليمون خاصتها مردفاً:
_ بقيتي مراتي يا حنين. من يومين كنتي نفسك فيا. ودلوقتي بقيتي على اسمي وأنا إللي نفسي فيكي يا حنين.
كلمات زادت من ضعفها وزادت من جراءة حركة يده على جسدها. حركة ذكرتها بأشياء تحاول الهروب منها. فانتفضت بعيداً عنه برفض مردفة:
_ لأ لأ. أنا مش عايزة كدة. أبعد. مش عايزة تلمسني بالشكل ده.
الآن فاق من سحره جعله يفقد عقله. أبتعد عنها سريعاً ثم جذب شرشف الفراش وألقاه فوق جسدها مردفاً بهروب:
_ البسي وتعالي ورايا في الصالون.
همست برفض وخجل:
_ مش هعرف أخرج. مش عايزة أخرج. سيبني في حالي بقى.
مسح فوق خصلاته بغضب شديد ثم قال بقوة:
_ دقيقة يا حنين وتكوني قدامي. أكتر من كده هدخل أكمل اللي أنتِ بتترعشي عشانه.
أغلقت عينيها بقهر ولم تقدر على فتحها إلا بعد سماع صوت انغلاق الباب. فألقت بجسدها فوق الفراش قائلة بندم:
_ عملتي في نفسك إيه يا غبية؟ كنتي فاكرة إنك لو بقيتي مراته ممكن يحبك ومشاكلك هتتحل؟ ضيعتي نفسك أكتر. أنت فين يا عمو؟ أنا محتاجة لك أوي.
***
بغرفة دلال.
بدأت تفتح عينيها بثقل شديد. مرة والثانية حتى قدرت على فتحها. رأته ينام على المقعد المجاور للفراش ورأسها فوق كفها الخالي من المحلول. حاولت بلع ريقها بتعب ثم همست:
_ عطشانة.
همسة بسيطة وصلت إليه مثل بصيص النور. فتح عينيه سريعاً ثم اعتدل بلهفة مردفاً:
_ حاسة بأيه؟
أغلقت عينيها برفض واضح للنظر إليه ثم قالت:
_ عطشانة.
أخذ كمية كافية من زجاجة المياه وصبها بداخل الكوب. قربه من شفتيها لترفع يدها لتحمله حتى يبتعد عنها. تألمت من حركة جسدها المفاجئة. فقال بحنان:
_ براحة. هشربك أنا.
بقلة حيلة شربت من يده كوب الماء ثم أبعدت وجهها عنه. وضع الكوب ومحله وعاد ليجلس بالمقابل إليها على الفراش. بداخله الكثير من الحديث ولا يعلم ماذا يقول أو من أين يبدأ. فزفر بضيق مردفاً:
_ حقك عليا.
أهذا كل ما يود قوله؟ يري إن ما حدث من الممكن أن ينتهي بجملة من كلمتين؟ وضعت يدها محل جنينها قائلة بخوف:
_ هو عايش صح؟
أومأ إليها بلهفة مردفاً:
_ عايش. ابننا بخير يا دلوعة وأنتِ كمان بخير.
لم تجب. ملت الحديث وأصبحت ترى بالصمت حياة أفضل. يعلم إن جرحها كبير ومهما قال ستكون النتيجة واحدة. تحدث بحزن كأنه طفل معاقب من والدته:
_ أنا آسف.
أيوب رسلان يعتذر؟ خبر الموسم هذا. توقع عطفها عليه مثل عادتها الأخيرة. إلا أنها قالت بهدوء:
_ مفيش تعتذر. أنا اللي آسفة.
سألها بترقب:
_ آسفة على إيه؟
أخذت نفسها بثقل وقالت:
_ دخلت نفسي في حاجة مش من حقي. ما كانش المفروض آجي المخزن أو أتكلم معاك. دي حياتك وأنت أكتر واحد عارف إيه الصح وايه الغلط. وجودي على السرير دلوقتي عقاب ليا. اتعلمت منه مدخلش نفسي في حاجة مليش دعوه بيها.
دق قلبه دقة خوف. حديثها مجهول الهوية يشعره ببوادر كارثة. نفى بحركة سريعة من رأسه وقال:
_ لأ طبعاً ده حقك. دلال أنا عارف كويس أوي إني كنت قاسي عليكي الفترة اللي فاتت. بس صدقيني كنت بقسي على نفسي معاكي. بعد اللي حصل لحنين حسيت إن كل ده بسببي. مكنتش عايز أدخلك في دايرة حياتي عشان متدفعيش تمن غلط أنا عملته زي ما هي دفعت. يمكن تفكيري غلط وتصرفاتي كمان غلط. بس صدقيني أنتِ بالنسبة لي.
قطعت حديثه بإشارة من أحد أصابعها ثم قالت بحزن:
_ مش عايزة أسمع حاجة. ولا عايزة أعرف أنا بالنسبة لك إيه. أنت كنت صح من الأول وأنا غلط. صدقني من هنا ورايح مش هسبب لك أي إزعاج. حتى لو مش عايز البيبي مش هتشوفه في حياتك.
تحولت معالم وجهه بغضب ثم قال بترقب:
_ يعني إيه الكلام ده؟
دقات على باب الغرفة بعدها دخول الطبيبة جعلته يصمت رغماً عنه. أقتربت منها الطبيبة بإبتسامة هادئة وبدأت بالكشف على دلال مردفة:
_ لأ الحمد لله. أنتِ زي الفل. عايزين بس نعمل أشعة بسيطة على الدماغ وأشعة نطمن فيها على البيبي أكتر.
أومات بتعب. فقالت الطبيبة بمرح:
_ ابعتلك الممرضات تساعدك تقومي ولا أيوب باشا هيقوم بالمهمة دي زي ما قام بيها من شوية؟
ألقى نظرة عابرة عليه ثم قالت بهدوء:
_ لأ أيوب باشا هيمشي. كتر خيره لحد كده. ابعتي الممرضات لو سمحتي.
ضرب على حافة الفراش بالقليل من القوة ثم قال بجدية:
_ ما تبعتيش حد يا دكتورة. دقايق وهنكون في أوضة الأشعة. اتفضلي أنتِ.
أومات إليه الطبيبة بتعجب وخرجت. فقالت دلال بغضب:
_ رفضت تخليها تبعت الممرضات ليه؟ هروح إزاي دلوقتي وأنا مش قادرة أتحرك من مكاني؟
مال عليها بحنان ثم وضع فوق جبينها قبلة ناعمة مردفاً:
_ هشيلك أنا يا دلوعة.
_ أبعد عني.
قالتها بغضب ليحملها على ذراعيه بخفة مردفاً بهدوء:
_ بطلي فرك. حبيبة قلبي أبوها بتتعب كده. بعدين أنا مش شايلك. أنا شايل بنتي.
حدقت به بسخرية مردفة:
_ يا سلام. دلوقتي بقت حبيبتك مش إمبارح بس كنت عايز تموتها وترتاح.
_ عشان عبيط. والعبيط ملوش كلمة تتأخد عليه يا دلوعة.
دقائق ووضعها على فراشها من جديد ليأخذ نفسه بارتياح قائلاً:
_ الحمد لله. لله أنتِ بخير وهي بخير. يومين ونروح بيتنا.
_ مين قالك إني هروح معاك؟
_ أنا قولت.
زفرت بحدة وقالت:
_ أنا طليقتك مش مراتك. ومفيش أي حاجة بتربطني بيك غير البيبي ده.
مسح على خصلاتها بحنان مردفاً:
_ اللي بيربط بالنا كتير يا دلال. مش أنا أيوب حبيبك. حقك عليا أخر مرة أوجعك.
رغماً عنها سقطت دمعة من عينيها. فقالت بعتاب:
_ أنا من قبل ما أشوفك وأنت بتوجعني. مش عارفة إزاي كنت غبية لدرجة إن قلبي حبك وتخيلت إن ممكن يكون بينا أيام حلوة. بس خلاص. العبط اللي فات ده انتهى. أنت عندك حق. إحنا الاتنين منفعتش مع بعض. هيفضل بينا خالد وحنين وفرق السن والفرق المادي. مش هقدر أديك كل حاجة ولا أنت هتقدر تديني أي حاجة. يمكن قولتلك إني بحبك. بس لما قعدت مع نفسي شوية عرفت إن ده مش حب. ده إعجاب بشخصية راجل جديدة زي الممثلين. متخيلتش في يوم إني أشوفها على الحقيقة. لكن دلوقتي لأ. أنا فوقت من الجنان ده. وللمرة التانية بقولك مش هسبب لك أي إزعاج تاني.
شعر قلبه بالكارثة فقال بترقب:
_ أنتِ تقصدي إيه بكلامك ده؟ عايزة تبعدي عني يا دلال؟
_ أيوة.
_ وحبك.
_ قولتلك كان وهم بنت عاشت عمرها كله في الملجأ بتتفرج على المسلسلات التركي. لأول مرة أشوف في الحقيقة راجل زيهم. تقدر تعتبرني مراهقة. مشاعري كل شوية بتتغير. ودلوقتي أنا مش بحبك.
***
بمنزل أبو الخير.
خرجت حنين بخطوات مترددة ورأس منخفضة. فقال ناصر بقوة:
_ ارفعي رأسك. مش مرات ناصر أبو الخير اللي تحط رأسها في الأرض.
نفذت أمره. فخرجت من نسمة شهقة قوية قائلة:
_ يا لهوي. هو أنت اتجوزت حتة العيلة الصغيرة دي يا حاج؟
سحب حنين لتجلس بجواره. ونظر للثلاث نساء مردفاً بقوة:
_ أنا جمعتكم النهاردة عشان أقولكم إني كتبت على حنين من أسبوع وفرحي عليها الأسبوع الجاي.
ابتلعت عزة قهرها مثل العادة بصمت. أما شامية هتفت:
_ ليه كده يا حاج؟ ما أنت لو نفسك في الحريم كنت ردنا. إحنا أولى.
حدق بها مردفاً:
_ نفسي فيها هي يا شامية.
صمتت شامية. لتقول نسمة بغضب:
_ ده اسمه إيه ده إن شاء الله بقى؟ حتة العيلة الصغيرة دي نفسك فيها ليه يا عينيا؟ فيها إيه مش فينا؟ شكلك كبرت يا حاج. ما بقتش عارف تاخد من مقامك.
رفع عينيه إليها لتبلع الباقي من حديثها. ثم أشار إليها مردفاً بجبروت:
_ أنتِ لو ليكي مكان هنا فده عشان أنتِ أم مهران. غير كده مكانك عند الحانوتي اللي مخلفك. أنا مش بقولكم عشان آخد رأيكم. مفيش ولا واحدة فيكم ليها رأي ولا كلمة عندي. ولا واحدة فيكم على اسمي. أنا بس بعرفكم. يلا كل واحدة على شقتها.
أول من انسحبت نسمة خلفها شامية. أما عزة ابتسمت مردفة:
_ ألف مبروك يا ابن عمي. ربنا يجعلها جوازة العمر وتتهنى بيها.
عند عزة لا يقدر على فعل شيء. يشعر دائماً أمامها بالعجز. خصوصاً لأنها تربت معه ورآها بجميع فترات حياتها. ربما تكون عزة الخاسرة الوحيدة بحياته. ابتسم إليها بحنان مردفاً:
_ الله يبارك فيكي يا عزة. أنتِ عارفة إن الكلام اللي اتقال من شوية مش ليكي.
أومات إليه بطيب خاطر:
_ يا حاج ومش زعلانة منك. مبروك يا عروسة. بالاذن هطلع شقتي.
صعدت تجر خلفها خيبة أملها مثل عادتها. مسح ناصر على خصلاته بتعب قال:
_ لو عايزة ترجعي تهربي في أوضتك أهربي.
_ هو أنت بجد هتعمل ليا يا فرح؟
_ ومش أي فرح. هعملك فرح يليق بحنين رسلان.
لم تجد أمامها حلول إلا الفرار. أما هو أغلق عينيه بتعب. لتقول السيدة زينب:
_ مالك يا ناصر؟
_ مليش ياما. هريح هنا على الكنبة شوية لحد ميعاد الغد. متخليش حد يدخل الأوضة.
_ ماشي يا حبيبي ارتاح.
خرجت وتركته بمفرده. ليقول بتعب:
_ وأنا هرتاح إزاي؟ وكل ما أشوف عزة قدامي أحس إني عاجز. تعبتيني معاكي يا بنت عمي. ألاقيها منك ولا من العيلة الصغيرة اللي كل ما أشوفها أحس إني مراهق.
***
بعد منتصف الليل.
أمام غرفة دلال. أنتظر أيوب خروج الطبيبة ثم اقتراب منها بقلق مردفاً:
_ نامت؟
أومأت إليه بهدوء مردفة:
_ حطيت لها نسبة قليلة جداً من المنوم في المحلول. وده مش هيحصل تاني يا أيوب باشا. حال المدام والبيبي ما تسمحش بكده.
تحدث بتفهم:
_ ماشي يا دكتورة شكراً.
_ العفو يا فندم. ده شغلي. تقدر دلوقتي تنقل المدام المكان اللي أنت عايزه. بس طبعاً تكون الحركة مش جامدة.
أكتفى بهز رأسه. ثم ابتعد عنها قليلاً متصل على رقم مصطفي الذي قال:
_ كله تمام يا باشا زي ما أنت عايز.
_ كويس يا مصطفى. خلي الطيارة جاهزة. قدامنا نص ساعة بالظبط ونوصل.
أغلق معه الهاتف. ثم وضعه بداخل جاكيت بذلته ودلف إليها. ابتسم بحنان ووضع قبلة حنونة فوق خصلاتها مردفاً:
_ أنتِ طلعتي حقي من الزمن يا دلال. وأنا مش هسيب حقي.
بعد ثلاث ساعات كانت الطائرة الخاصة بأيوب بالهواء. تأمل ملامحها وهو لا يصدق أن النظر إليها فقط له متعة. متعة خاصة تمنع رموشه من الارتجاف. أخذ نفسه براحة شديدة مردفاً حروف اسمها بلذة:
_ دلال.
رنين اسمها وصل إليها بمنامها. بدأت ترمش بعينيها عدة مرات قبل أن تفتحها بصعوبة مردفة:
_ أيوب.
_ يا دلوعة أيوب.
انتفضت بعيداً عنه بتعجب. حدقت بالمكان حولها ثم عادت بنظرها إليه مردفة بحدة:
_ إيه ده؟ أنا فين؟
بحنان شديد قال:
_ معايا.
بحدة أشد هتفت:
_ المفروض إن أنت كده بتطمني يعني؟ معاك بعمل إيه؟
سند ظهره على مقعده ليجلس براحة أكثر. ثم أغلق عينيه بتعب مردفاً:
_ خاطفك.
_ نعم؟
ظل على حاله وقال:
_ نعم الله عليكي يا دلوعة. كملي نومك لحد ما نوصل.
ضربته بصدره بغضب مردفة:
_ أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ نزلني من المخروبة دي حالا.
_ ما تهدي يا بت. في إيه؟ هي ميكروباص.
ما هذا؟ كيف لها أن تتعامل مع رجل متقلب مثله. حاولت الاعتدال إلا إنه أحكم قبضته عليها مردفاً بتحذير:
_ أي حركة غدر كده ولا كده هتأثر على بنتي. هعلقك يا دلال فتلمي ونامي.
فلتت منها ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
_ بنتك؟ وأنت ما افتكرتش بنتك دي وأنت بتزق أمها ليه؟
معها كل الحق. بلحظة غضب جنونية كاد أن يفقدها ويفقد آخر رباط بينهما. وضع عدة قبلات متفرقة على وجهها ثم قال:
_ حقك عليا يا دلوعة. مكنتش شايف قدامي غير الكلب ده. النار اللي كانت بتاكل في كل حتة فيا ما كانتش شايفة غيره. أنتِ غلطتي لما وقفتي في النص بينا. ده ما يبررش اللي أنا عملته فيكي. بس والله العظيم ما كنت شايفك.
أومأت إليه بالقليل من الهدوء مردفة:
_ طيب ماشي. هعمل نفسي قلبي أبيض وأقول إن مسامحاك. مع إن عمري ما كان قلبي أبيض وعمري ما هسامحك. بس تقدر تقولي بقى إحنا رايحين فين ورايحين ليه أساساً؟ أيوب اللي بيني وبينك خلص من يوم ما طلقتني. مش من يوم ما ضربتني.
ببساطة سألها:
_ ومين بقى اللي قال إن كل حاجة بينا خلصت؟
_ أنت اللي قولت كده. مش قادر تقرب مني وخالد بيطلع لك طول الوقت وبعد كده حنين. أنت كل ما كان ضميرك يانبك تطلعني أنا بره حياتك. كأني السبب كل المشاكل.
دفن وجهه بعنقها مردفاً بنبرة خشنة:
_ لأ ما أنا طلعت راجل مش قد كلامي.
_ يعني إيه؟
وصلت الطائرة لأرض دبي. أقتربت منهما المضيفة مردفة بهدوء:
_ حمد لله على السلامة يا باشا وصلنا.
_ الله يسلمك.
ذهبت لتكمل عملها. فقام أيوب من مكانه ثم حمل دلال فوق ظهره مردفاً:
_ اوبح.
_ اوبح؟
سار بها بخطوات هادئة مرفقاً:
_ شايل بنتي وبدلعها. خليكي في حالك لو سمحتي.
زفرت بضيق مردفة:
_ عايز مني إيه بالظبط يا أيوب؟
وصل بها للسيارة وضعها بحنان مردفاً:
_ عايزك كلك على بعضك يا قلب أيوب.
_ وأنا مش عايزة. هو بالعافية.
_ آه يا دلوعة بالعافية. أقولك على الكبيرة بقى عشان نخلص كل الصدمات مرة واحدة؟
حدقت به بترقب خائف منتظرة أن يكمل حديثه. ومع كثرة صمته قالت:
_ قول.
رفع وجهها إليه ووضع عينيه بداخل عينيها مردفاً بقوة:
_ أنا رديتك لعصمتي يا دلال.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء سعيد
دلف أيوب ودلال متعلقة بذراعه أمام عدسات التصوير. رسم على وجهه ابتسامة خفيفة ثم مال عليها قليلاً هامساً:
"أفردي بوزك ده شوية، إحنا بنتصور."
"يا الله على كم الاستفزاز الموضوع بهذا الرجل، آت بها رغماً عنها والان يجبرها على تقبل وجودها معه."
ردت عليه من بين أسنانها:
"مش مكسوف من نفسك وأنت جايبني معاك بالشاش والقطن في دماغي؟"
فلتت منه ضحكة مستمتعة ثم قال:
"مفيش حاجة باينة يا دلوعة، وبعدين أنتِ قمر في كل حالاتك."
الحديث معه يزيد من الضغط على أعصابها، فالأفضل الصمت. وصل بها أمام المؤتمر الصحفي ليدق قلبها برعب مع أول سؤال وجه إليه:
"ممكن تعرفنا على الجملية اللي معاك يا باشا؟"
كيف لم تفكر أنها إلي الآن أمام الجميع مجهولة الهوية؟ أبتلعت ريقها مفكرة بالفرار من أمامه، إلا إنه ضمها لصدره يعلن ملكيته إليها مردفاً بإبتسامة مشرقة:
"طبعاً، أحب اعرفكم الآنسة دلال حسان، خطيبتي وخلال أسبوعين بالكتير هنعمل فرحنا."
فجر رجل الأعمال المصري قنبلة الموسم. تعالت الأصوات من حولها وهي فقط تحدق به بتوهان. هل أعترف بها؟ ينوي على زواجها أمام الجميع؟ بكلمات بسيطة منه علمت أن الحب أفعال تنفذ بعيداً كل البعد عن الكلمات المعسولة. همس إليها بحنان:
"دلال، الصحفي بيسألك يا حبيبتي."
فاقت بتوتر ليقول بهدوء:
"اتعرفنا إزاي يا روحي؟"
لا تعلم حقاً، لا تعلم الإجابة. ليحثها على قول أي شئ وهو سيصدق عليه فقالت بتوتر:
"لما عربيتي عطلت على الطريق أيوب وقف عربيته وصلني ومن وقتها واحنا مع بعض."
سؤال وراء الآخر يزيد من توترها. شعر بها أيوب فقال بهدوء:
"طيب يا شباب، كفاية كدة إحنا أتاخرنا على الإفتتاح واحنا طالعين هنتكلم براحتنا."
سحبها بخطوات سريعة للداخل مع حراسة لهما من كل اتجاه. سألته بحيرة:
"أنت عملت كدة ليه؟"
أجابها بهدوء:
"عملت إيه؟"
"قولت اني خطيبتك."
وضع قبلة حانية فوق رأسها أمام أعين الجميع ثم قال بجدية:
"ما هي دي الحقيقة يا دلال، أنتِ خطيبتي لحد ما اعملك فرح."
دق قلبها بسعادة، مثلها مثل أي فتاة تحلم بالفستان الأبيض والزفاف الكبير والزوج المحب. همست بتردد:
"فرح؟"
أومأ إليها بحنان مردفاً:
"أكبر فرح في مصر كلها لدلوعة الباشا."
توقفت عن الحديث مع استقبال بعد رجال الأعمال بدبي بترحيب شديد. لأول مرة بحياتها تشعر إنها ذات قيمة. يتعامل معها بحنان مفرط، يحرص عليها وعينيه متعلقة بها حتى وهو يتحدث مع أكبر الرجال. أقترب منه رجل وأعطي إليه المقص ليقدمه إليها مردفاً بإبتسامة:
"مينفعش محافظ ولا وزير يقص الشريط المرة دي، يلا يا دلال قصي بنفسك شريط افتتاح الفندق بتاعك."
للمرة المليون الليلة تتسع عينيها بذهول. أشارت على نفسها مردفة:
"بتاعي؟"
وضع المقص بين يديها وقال:
"امممم، مهرك يا عروسة."
أكثر من مفاجأة بنفس الدقيقة صعب جداً عليها. بضغطة بسيطة من يده حثها على قص الشريط. أخذت نفسها بالكثير من التوتر ثم مدت كفها المرتجف بالقرب من الشريط. وضع يده فوق يدها فأخذت منه بعض القوة وقصته. تعالت التصفيقات من حولهما ليقول بهدوء:
"مبروك."
بداخلها مشاعر تعجز كل العجز عن وصفها. ابتسمت إليه ابتسامة متوترة ثم قالت:
"الله يبارك فيك."
دلف بها لداخل الحفل ووصل إلي طاولته الخاصة. سحب مقعد إليها مردفاً:
"أقعدي ارتاحي، حقك عليا تعبتك النهاردة وأنا عارف أنك مش قادرة تقفي."
جلست وقالت:
"شكراً يا أيوب."
جلس بجوارها وسألها:
"شكراً على إيه؟"
أخذت نفسها بتوتر مردفة:
"يعني كل اللي أنت عملته النهاردة لازم اشكرك عليه، قولت للناس اني خطيبتك وناوي تعمل فرح، حتى لو مش هنكمل مع بعض بس اللي أنت عملته هيخلي البيبي اللي جاي قدام الناس ابنك وهيخليني أقدر أرفع رأسي وأقول أنا كنت متجوزة."
رفع حاجبه بتعجب مردفاً:
"ومين بقى اللي نزل قرار إن إحنا مش هنكمل مع بعض؟"
"أنا."
رد عليها بسخرية:
"رأيك ولا يفرق معايا في حاجة، أنتِ مراتي يا دلال ومش ناوي أطلق. لو مسكتي سلك الكهربا عريان هسيبك تموتي برضو وأنتِ مراتي."
رحمها منه أحد رجال الأعمال المصريين الذي طلب من أيوب الحديث معه على إنفراد. أومأ إليه ثم أشار إليها مردفاً:
"ما تتحركيش من مكانك دقيقتين بالظبط وهكون عندك."
على طاولة قريبة منها قال أيوب بهدوء:
"خير يا عادل باشا، موضوع إيه إللي محتاجني فيه؟"
نظر السيد عادل لدلال ثم أشار عليها بتعجب مردفاً:
"أنت متأكد يا باشا من حته انها خطيبتك دي؟"
رفع أيوب حاجبه بتعجب مردفاً:
"وايه اللي هيخليني مش متأكد؟"
حمحم الرجل بالقليل من التوتر ثم قال:
"اللي اعرفه عنها يعني إنها مغنية صغيرة كده في الافراح وده مش هينفع مع مكانتك الاجتماعية خصوصا إني كنت ناوي اقترح عليك ترشح نفسك في مجلس الشعب."
تغيرت معالم وجه أيوب بلحظة قبل أن يقول بقوة:
"وأنت عرفت منين إنها مغنية؟"
أبتلع السيد عادل ريقه بتوتر من نظرات أيوب وقال:
"شوفتها في أكتر من فرح قبل كده أيوب باشا، أنا مش بقولك كده غير عشان مصلحتك."
كل ما يفرق معه الآن أن غيره رآها مثلما رآها على اليخت أول مرة والأسوأ إنه مازال يتذكرها. ضغط على كفه بقوة مردفاً:
"ما شاء الله عليك يا عادل بيه، ذكرتك قوية أوي لدرجه أنك تفتكر مغنيه في فرح زي ما قولت صغيرة ومش مشهورة."
ربما السيد عادل أحمق، لا لا هو بالفعل أحمق خصوصاً عندما قال بمدح:
"أنت عارفنا يا باشا ما بنفتكرش أي حد بس لو حد ما شاء الله عليه هيبقى أنت ذوقك حلو أوي، مش هنكر ان المدام محدش يقدر ينساها خصوصا إني اتكلمت معاها قبل كده."
ضرب على طاولة بقوة بعدما انتهت قدرته على السيطرة برد فعله، ثم أمسك عادل من مقدمة ملابسه مردفاً بغضب:
"بقى أنت يا كلب واقف بتتكلم معايا وعينك على مراتي الليله دي مش هتبات الا في قبرك."
رآه مصطفي فأقترب منه بسرعة واقفاً بينهما ثم قال بتعجب:
"اهدى يا باشا في إيه، إحنا في مكان عام والكل بيصور."
أخذ أيوب نفسه بغضب ثم أبتعد عن الآخر مشيراً إليه على باب المكان بجبروت مردفاً:
"تأخد نفسك من غرفه 60 داهية من هنا لحد ما افضي لك."
نظر السيد عادل للناس من حوله ثم انسحب. فقال مصطفي:
"في إيه عيوب، من أمتى وأنت بتفقد السيطرة قدام الناس بالشكل ده وبعدين هو الراجل عمل إيه عشان خاطر كل ده؟"
"عمله أسود ومهبب، حط عينه على مراتي فاهم يعني إيه حط عينه على مراتي يا مصطفى، أنا عايز أول حاجة اصحى عليها الصبح ان الراجل ده بيبيع بيته من الفقر."
أومأ إليه مصطفي بتوتر ثم قال:
"طيب حاضر هعمل كل اللي أنت عايزه بس أرجوك بلاش فضايح النهاردة، بلاش تنسى من الإفتتاح مباشر على التلفزيون."
مسح أيوب على وجهه من الغضب ثم تذكرها فعاد إليها بخطوات غاضبة. سألته بتوتر:
"مالك بتبص لي كده ليه، ما أنا قاعدة زي ما أنت قولتلي؟"
جذبها من خصرها لتلتصق به وهمس بنبرة مشتعلة:
"الكلب اللي كان بيتكلم معايا من شوية ده تعرفيه؟"
تألمت من قبضته عليها ومع ذلك قالت بهدوء:
"اعرفه منين يا أيوب يعني، وبعدين أبعد أيدك عني أنت بتوجعني."
هو الآخر الآن يتألم وبشدة. بداخل قلبه نيران تحرق كل جزء به. لم يفكر ولم يهتم بمن حوله. جذبها خلفه للمرحاض الخاص به بالمكان فقالت بذهول:
"أنت جايبنا نتكلم في الحمام يا أيوب؟"
نفي بحركة سريعة من رأسه ثم قال:
"لأ، جايبك عشان عايزك دلوقتي."
أتسعت عينيها لعدة لحظات بعدم فهم ثم سألته بشك:
"أكيد مش إللي في بالي؟"
أقترب من باب المرحاض وأغلق بالمفتاح من الداخل ثم عاد إليها ورفع جسدها بالقليل من القوة لتجلس على الحوض مردفاً:
"اللي في بالك يا دلال."
"مستحيل اخليك تقرب مني بالطريقه دي ولا في المكان ده، ابعد عني عايزة انزل."
لف ذراعيه حول خصرها مردفاً:
"الكلب ده كان بيبص لك واقف قدامي وقالي انك حلوة، شافك وأنتِ بتغني في الافراح زي ما كنتي على اليخت. حس بنفس اللي انا حسيت بيه وقت ما كنتي واقفه قدامي ومش قادر اطولك. أنا هقتله يا دلال."
الغيرة جعلت منه شخصاً آخر. أبتلعت ريقها بخوف ثم وضعت يدها على وجهه مردفة:
"أهدى يا أيوب مفيش حاجة تستحق كل ده. وبعدين مين قالك إني كنت بعمل في الافراح زي اليخت؟ يوم اليخت عملت كده عشانك عشان تشوفني."
ضمها لصدره يثبت لنفسها إنها حقه وبين يديه همس بنعومة:
"عايزك دلوقتي يا دلوعة."
هذا جنون ولا تعلم كيف يمكنها السيطرة عليه. حاولت التعامل معه كأنه طفل صغير وقالت:
"لما نروح هعملك كل إللي أنت عايزه، دلوقتي لأزم نبقي مع الناس برة، اتفقنا؟"
دفن وجهه بعنقها وقال بالفعل وكأنه طفل عنيد:
"تؤ، دلوقتي ولما نروح نبقي نشوف هعمل إيه تاني."
"أيوب.."
قالتها برجاء شديد بعدما شعرت بعدم قدرتها على السيطرة بنفسها ليقول ما جعلها ترفع راية الاستسلام:
"يا دلوعة أيوب أنتِ."
بكل أسف هو خبير وهي عاشقة والأمر خرج عن السيطرة وأصبح كارثياً. مر من الوقت ما مر وهو غارق بها يثبت فقط أنها امرأته وبين يديه. أبتعد عنها بنشوة مفرطة ووضع رأسه على رأسها مردفاً:
"أنتِ إزاي كدة؟ إزاي بتقدري تعملي فيا كل ده وتخليني مبسوط في حضنك بالحلاوة دي؟"
لم تقدر على الرد فقط أغلقت عينيها بهروب. كان كتلة من النيران وبين أحضانها عاد إلي طبيعته. دقات إلي حد ما عالية جعلتها تتعلق به برعب مردفة:
"يا لهوي، حد بيخبط."
"اهدي يا بت في إيه؟"
دفنت رأسها بصدره ليحاول أخذ نفسه بهدوء قبل أن يقول بنبرة عادية:
"مين؟"
أجابه مصطفي بسخرية:
"هيكون مين يعني اللي عارفك اكتر من نفسك يا باشا غيري، اتمنى انك تكون ارتحت وتطلع لنا."
حمحم أيوب وقال:
"عايز مني ايه؟"
"هعوز منك إيه يعني، المفروض انك هتقول كلمه دلوقتي، أطلع يا أيوب مش عايزين فضايح بدل ما أبلغ عنك بوليس الاداب."
أبتعدت عنه ليقول:
"روح، وأنا ثواني وهكون برة."
ضربته بصدره بغضب مردفة:
"عاجبك الفضيحه دي وبعدين تعالى هنا هو متعود عليك كده على طول ولا إيه؟"
ببراءة شديدة قال:
"ضميرك وحش من ناحيتي خدي بالك بس عموما أنا مسامحك يا دلوعة."
بقصر رسلان بالقاهرة. دلفت جومانة لغرفة المعيشة لتجد فوزية تتابع الإفتتاح. جلس بجوارها على الأريكة الكبيرة وقالت:
"هتفرج معاكي."
زفرت السيدة فوزية بضيق مردفة:
"معندكيش شاشة في جناحك؟"
"لأ طبعاً عندي بس قولت ندردش انا وأنتِ مع بعض واحنا بنتفرج."
"وانا وأنتِ ممكن ندردش مع بعض في إيه يا جومانة؟"
ابتسمت جومانة وقالت:
"انا فاهماكي كويس يا فوزية من زمان وأنتِ مش بتطيقيني ودلوقتي بقى عايزة حتة البنت السنكوحة دي تتجوز أيوب بقى بذمتك تفكيرك ده مش غلط."
"بقولك ايه يا جومانة أنتِ ست كبيرة مش عيلة في بوقك الرضعة، زمان كنتي تليقي بأيوب أيام ما كنت زميلته في الكلية مش متجوزة بدل الراجل اتنين وعندك عيال ما شاء الله وواحد منهم دفنتيه في التراب، والبنت ضاع مستقبلها عشان أمها مش فاضية غير ان هي تجري ورا الفلوس شويه وورا عمها شوية، ريحي نفسك أنتِ لو آخر ست في الدنيا أيوب مش هيبص لك اذا كانت دلال موجوده أو لأ."
ردت عليها جومانة بغضب:
"ده على اساس إن أنا كبرت وهو في عز شبابه؟"
اجابتها فوزية بسخرية:
"هو حر يا جومانة واه أيوب لسة في عز شبابه وعايز يخلف بدل العيل عشرة."
"يعني برضو هتلعبي في دماغه لحد ما يتجوز البنت دي؟"
قبل أن ترد عليها فوزية أتت إليها الإجابة عبر الشاشة مع إعلان أيوب خطوبته من دلال فأشارت إليها فوزية مردفة:
"سمعتي الرد منه قبل ما أنا أتكلم أساساً."
شعرت جومانة بقلبها يحترق. مهما حاولت الوصول إليه تكون النهاية البعد. سقطت من عينيها دمعة مقهورة قبل أن تقوم من محلها مردفة:
"سمعت."
صعدت لغرفتها من هنا وانهارت بالبكاء من هنا. مع كل يوم مر بينهما كان بداخلها بصيص من الأمل فقدته مع أول مرة رأت بها دلال. سقطت على أرضية الغرفة مردفة بغل:
"حتي لو مش هتبقى ليا مش هسيبك للبنت دي."
مع نهاية الحفل أخذها أيوب للسيارة فتح لها الباب الخلفي ثم ذهب ليجلس بجوارها. وجدها تغلق عينيها بتعب شديد فقال بقلق:
"مالك حاسة بإيه في حاجة بتوجعك؟"
أومات إليه بتعب مردفة:
"بطني وضهري الأتنين بيوجعوني."
تأنيب ضمير رهيب شعر به. ضمها إليه ووضع عدة قبلات معتذرة على رأسها مردفاً:
"حقك عليا."
"هو أنت كل شوية تعمل مصيبة وتقولي حقك عليا؟"
قرص أنفها بالقليل من الحدة ثم قال:
"أحمدي ربك إني عملت كدة بس."
استفزها أسلوبه بالتهديد فابتعدت عنه بغضب مردفة:
"تعرف أنا متأكدة إني عملت حاجة لأ حاجة إيه قول حاجات عشان ربنا يبليني بيك."
رفع حاجبه بسخرية قبل أن يقول بوقاحة:
"يا بت آمال مين إللي كانت بتقول من شوية وو....."
وضعت يدها على فمه تمنعه من الحديث مردفة:
"أسكت أرجوك أسكت."
ابتسامة واسعة قال:
"بوسني وأنا أسكت."
ما هذا؟ ما هذا حقاً؟ من أين سقطت عليها تلك الكارثة؟ أبتعدت عنه ثم سندت ظهرها على المقعد مردفة من بين أسنانها:
"مستفز."
صعد السائق مردفاً بهدوء:
"على فين يا باشا؟"
"على الفيلا."
"أمرك يا باشا."
سحبها رغماً عنها ليضعها على صدره مردفاً بهدوء:
"نامي يا دلوعة."
بغضب حاولت الإبتعاد مردفة:
"أبعد عني أبعد بقولك."
حمحم بنبرة خشنة ثم مال على أذنها هامساً:
"بطلي فرك بدل ما أنزل السواق ونجرب العربية."
وصل بها للجناح نائمة فوضعها على الفراش برقة ثم دلف للمطبخ. وقف صامتاً لأكثر من دقيقة يفكر من أن يمكنه البداية. حسناً، أولاً يفتح الثلاجة ليري ما بها من طعام يمكنه طبخه. يا ليته لم يفعل بها كل ما لذ وطاب ومع ذلك لا يعرف طهي كوب من الشاي. زفر بضيق ثم فتح هاتفه وكتب بقلة حيلة "طريقة عمل شوربة اللحم". ألف فيديو ولم يصل لشيء فكتب تجربة أخرى "طريقة عمل المكرونة الصلصة". رأى جملة غريبة "طريقة سهلة وسريعة ومن غير مكونات خزعبلية". ببريق من الأمل فتح الفيديو. بدأ يفعل مثلما تقول الشيف وبعد أكثر من ساعة ألقى بنفسه على أقرب مقعد بغضب مردفاً:
"كل ده عشان شوية مكرونة صلصة. آمال لو طلبت منها حلة محشي؟"
رائحة تعلن عن بداية حريق جعلته ينتفض من فوق مقعده. أغلق النار على آخر لحظة وفتح الحلة مردفاً:
"أخد إللي على الوش لدلال واتنيل أكل جبنة وبيض وخلاص."
فتح عليها باب غرفة النوم ودلف ثم أغلق الباب خلفه بأحد قدميه. وضع صنية الطعام على الفراش وجلس بجوارها هامساً بحنان:
"دلال يلا يا دلوعة صحي النوم وكفاية كسل."
لمسته الحنونة وصوته الدافئ دلفوا إليها بأعماق نومها لتفتح عينيها بتعب مردفة:
"في إيه عايزة أنام؟"
مسح على خصلاتها بحنان وقال:
"معلش أصحي كلي الأول وبعدين نامي براحتك."
أعتدلت بجلستها بتعجب مردفة:
"إيه الريحة الغريبة إللي في الاوضة دي؟"
أبتسم بفخر شديد ثم أشار على طبق المعكرونة مردفاً:
"المكرونة الصلصة دي عملتها بأيدي ليكي مخصوص."
اتسعت عينيها بصدمة. أيوب رسلان وقف بمطبخ بعمل طعاماً خصيصاً لها؟ حدقت بالطبق ثم أشارت إليه مردفة بنبرة متقطعة:
"أنت دخلت المطبخ عشاني؟"
أومأ إليها بإبتسامة حنونة مردفا:
"أنا أدخل في النار عشانك يا دلوعة."
صمتت لم تجد كلمة واحدة مناسبة تصف مشاعرها. أخذ أول معلقة من الطبق ثم وضعها أمام شفتيها قائلاً:
"يلا بسم الله أفتحي بوقك."
من تجد الدلال وتتمرد عليه حمقاء كبيرة وهي لديها من الذكاء ما يجعلها تستمتع بكل لحظة تمر عليها معه. فتحت شفتيها وأخذت أول معلقة، لتكون صادقة الطعم جيد مع زيادة القليل من الملح. لأ الكثير من الملح ومع ذلك ابتسمت مردفة:
"شكراً أنك تعبت نفسك عشاني."
بحماس قال:
"حلوة؟"
فلتت منها ابتسامة راضية وقالت:
"أي حاجة منك بتبقي حلوة يا أيوب."
أخذ نفسه براحة شديدة من حلاوة حديثها وأخذ هو الآخر معلقة لتتغير معالم وجهه بتقزز مردفاً:
"إيه، إزاي بلعتي القرف ده؟"
وضعت يدها فوق يده وقالت بنظرة حب خالصة:
"أول حاجة مينفعش تقول على نعمة ربنا قرف. تاني حاجة بقي إني قولتلك قبل كده يا أيوب أي حاجة منك بالنسبه لي حلوه يا ريت تفهم ده."
فهم وأصبح أكثر من مرحب. لا يود غيرها عوضه وحواء خاصته. نظر لساعته ليجدها الحادية عشر مساءاً فقام من مكانه مردفاً:
"هتطلع لك واحدة دلوقتي سيبي نفسك ليها خالص لحد ما ارجعلك اتفقنا."
"لأ طبعا ما اتفقناش يعني إيه أسيب نفسي ليها دي."
قبل أن تكمل كان تركها بكل بساطة وذهب فزفرت بضيق مردفة:
"مستفز."
بعد ساعة كانت تجلس على أحد المقاعد أمام المرايا وبالمقابل لها أحد أكبر خبيرات التجميل بالعالم. لا تعلم ما يحدث حولها فقط تنفذ أوامره حتى تعلم إلي أين ستصل معه. أغلقت عينيها بالقليل من التعب حتى انتهت السيدة مردفة بالانجليزية:
"انتهينا يا سيدتي وملامح وجهك قبل وبعد أكثر من رائعة."
ابتسمت إليها دلال مردفة:
"شكراً لك."
"الآن حان وقت ارتداء الفستان."
"أي فستان؟"
اقتربت السيدة من صندوق كبير ثم أخرجت منه فستان سهرة رائع من اللون الأبيض وقالت:
"هذا يا سيدتي."
تعجبت دلال من كل هذا ومع ذلك ارتدت الفستان. ألقت على نفسها نظرة أخيرة بالمرايا برضاء تام عن حالها لتقول السيدة:
"هيا بنا."
"إلي أين؟"
"للسيد أيوب فهو في انتظارك بالسيارة."
أومات إليها دلال بذهول قائلة:
"حسناً هيا نذهب لنري آخر كوارث فعله السيد أيوب رسلان."
بخطوات رشيقة وصلت إليه، وجدته يقف أمام باب السيارة بانتظار قدومها. ذهبت السيدة بإشارة من يده ثم أقترب منها مردفاً بإعجاب:
"سبحان من خلقك في أجمل صورة يا دلوعة."
ابتسمت بخجل وقالت:
"شكراً."
جذبها لتسير معه فقالت بتوتر:
"هو إحنا هنروح فين؟"
"هتروحي معايا وده كفاية."
صمتت وصعدت للسيارة. رأته يجلس بمحل السائق فقالت:
"غريبة هو أنت إللي هتسوق؟"
غمز إليها بمرح مردفاً:
"ما هو التهزيق اللي أنا هعمله في نفسي كمان شوية ده ما ينفعش حد يشوف غيرك يا دلوعة."
فلتت منها ضحكة وبعدها صمتت. بعد عشر دقائق وقفت السيارة أمام بوابة كبيرة فنزل من السيارة ثم فتح بابها مردفاً:
"هتبقي كويسة وتغمضي عينكي لحد ما اقولك فتحي ولا أربط لك عينك؟"
يبدو أن هناك مفاجأة ستجعلها تعيش لحظات سعيدة بانتظارها فاغلقت عينيها بحماس:
"هغمض عيني."
سألها بشك:
"وعد وإلا ناوية تنصبي؟"
نفت ببراءة أذابت قلبه:
"وعد والله صدقني."
سحبها بخفة لتخرج معه من السيارة وسار بها بخطوات حذرة حتي وصل لمكان رائع. أرض خضراء مزينة بالورود الحمراء والبيضاء، طاولة ضخمة عليها قالب كيك خمس طوابق، بها صورها بكل قطعة وفوق شمعتين برقم "٢٣". بلالين معلقة هنا وهناك مكتوب عليها جملته المفضلة "دلوعة الباشا". همس بنبرة خشنة:
"أفتحي عينكي يا روحي."
فتحت عينيها ليدلف إلي قلبها بحر من السعادة. دقة وراء الثانية مع رجفة لذيذة سارت بعمودها الفقري. رأت رقم ميلادها فسقطت دمعة منها قائلة:
"أنت عرفت عيد ميلادي منين؟"
أزال دمعتها مردفاً:
"أنا أعرف عنك كل حاجة يا دلال، كل سنة وأنتِ في حضني."
بللت شفتيها بطرف لسانها ثم قالت بحزن:
"بس أنا من وقت ما ماما وبابا ماتوا مش بحب عيد ميلادي ولا بحتفل بيه."
ضم وجهها بين يديه قائلاً:
"ده كان زمان لكن دلوقتي كل حاجة اتغيرت، أنا معاكي وجانبك."
وضع يده على بطنها بحب مردفاً:
"وبنتنا كمان هتبقي معانا."
حدقت به بحيرة قائلة:
"أنت بتعمل معايا كل ده ليه؟"
أبتعد عنها قليلاً ثم أخذ نفسه بتوتر. لا يعلم كيف لأيوب رسلان أن يفعل ما خطط لفعله. بعد ضغط كبير على كبريائه لم يقدر فأخرج من جيب جاكيته علبة وفتحتها ليظهر بها أجمل خاتم من الألماس ثم قال بقوة:
"بصراحة كنت مخطط أعمل جوا العيال التوتو وانزل على رجلي بس طلع مش أيوب رسلان إللي يعمل كدة فمن الآخر كدة يا بنت الناس أنا بطلب أيدك للجواز موافقة؟"
قبل أن تنطق بكلمة واحدة أو على الأقل تستوعب ما قاله وضع الخاتم بأحد أصابعها مردفاً بإبتسامة مشرقة:
"ألف مبروك يا دلوعة ربنا يتمم لنا على خير."
"أنت بتعمل إيه يا أيوب؟"
مل أيوب من الهروب فقال بتعب شديد:
"أنا بحبك يا دلال."
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء سعيد
حبه جنة، هذا ما عاشت به باقي الأسبوع.
رأت بين يديه كل أنواع الدلال، وهي استغلت هذا بكل ذكاء.
تدللت وتمادت بالدلال، وهذا على قلبه أحب من العسل.
وها هي اليوم تقف أمام المرايا وبجوارها السيدة فوزية تزينها بفرحة.
باقي على موعد طلب أيوب ليدها أقل من ساعة.
ابتسمت على فستانها الوردي بإعجاب، خصوصاً مع خصلاتها المموجة الطبيعية.
قبلتها السيدة فوزية مردفة:
ما شاء الله كأنك أخدتي حلاوة ستات الدنيا كلها لوحدك.
سألتها دلال بلهفة:
بجد شكلي حلو؟
قمر.
بخجل قالت:
يعني هعجب أيوب؟
ابتسمت إليها السيدة فوزية بمكر وقالت:
والله هو من ناحية هتعجبي أيوب فأنتِ هتعجبي أيوب أوي.
لكن قوليلي يا دلال يهمك تعجبي أيوب؟
نعم، هذا كل ما يهمها.
ولكن كيف تقول هذا للسيدة فوزية، وهي لا تعلم إنها زوجة أيوب وأم طفله؟
صمتت بخجل.
فجذبتها الأخرى لتجلس أمامها على الفراش ثم قالت بحنان:
بص يا دلال، العالم ربنا.
من يوم ما دخلتي البيت ده وأنا بعتبرك زي أيوب وخالد وحنين.
عشان كده يا بنتي هقولك كلمتين اعتبريهم نصيحة من أم خايفة عليكي.
أيوب من بره يبان شديد والكل بيخاف منه وبيعمل له ألف حساب.
بس هو جوه عيل صغير كل ما يحلم بحاجة تروح من إيده.
خليكي الحاجة الوحيدة اللي حلم بيها وحققها.
خليه يحبك وانسي كل اللي فات معاه وانسي خالد وحبك له عشان تعرفي تعيشي.
قدري الراجل اللي قدرك واداكي اسمه عشان هو يستحق قلب مراته يبقى كله بتاعه.
فهماني يا بنتي.
ترقرقت بعينيها الدموع.
كم تمنت أن يصبح إليها أم تهتم بتفاصيلها وتخشي عليها.
عضت على شفتيها بحزن.
فقالت فوزية بقلق:
أنتِ زعلتي من الكلام اللي قولته لك؟
أنا بقول لك كده عشان خايفة عليكي وعايزه تعيشي حياتك مبسوطة من غير مشاكل وغيره ووش.
مسحت دلال على خديها سريعا لتزيل دموعها ثم قالت بابتسامة:
لا والله يا طنط أنا مش زعلانة منك.
أنا بس أول مرة حد ينصحني وأحس أنه خايف عليا بجد.
دلال تفتقد حنان الأم، وفوزية تفتقد شعور الأمومة.
فتحت ذراعيه لدلال وقالت:
تعالي في حضني.
ألقت دلال نفسها بداخل أحضانها، قلب يرغب بهذا الشعور.
مسحت السيدة فوزية على ظهرها وقالت:
أنا من هنا ورايح أمك وأنتِ بنتي برضاكي أو غصب عنك.
أبتعدت عنها دلال مردفة:
شكراً بجد.
صوت طلقات نارية جعلت جسدهما ينتفض.
ركضت السيدة فوزية للشرفة وانكمشت دلال حول نفسها.
أتسعت عين فوزية من المشهد ثم أشارت لدلال مردفة:
تعالي شوفي الحدث التاريخي ده بسرعة، ما عندناش وقت.
أقتربت دلال بخطوات مترددة.
وهنا كانت المفاجأة.
طلقات نارية.
الشارع الخارجي مزين بالورود.
أكثر من عشرين سيارة بداخلهم رجال أيوب يحملون النيران.
إسمها مزين بالسماء.
تعالت دقاتها من فرط المشاعر.
للمرة المليون تقف عاجزة أمام تصرفاته المهبرة.
ولكن أين هو من وسط كل هذا؟
قالت بنبرة مرتجفة:
هو أيوب فين مش معاهم ليه؟
حركت فوزية كتفها بجهل.
لتأتي الإجابة عن طريق الخادمة عندما دقت على الباب ثم دلفت مردفة باحترام:
أيوب باشا مستني حضرتكم في الصالون تحت.
لوت شفتيها بسخرية.
فهذا المتوقع من أيوب رسلان، تلك الأشياء لا تليق بمقامه الرفيع.
أخذتها فوزية ونزلت بها.
وجدت يجلس بكل هدوء واضعاً ساق فوق الأخرى وظهره مرتاح أكثر راحة على المقعد.
ثم قال بنفاذ صبر:
أظن كل طلباتك اتنفذت.
ها هنتجوز أمتى بقى؟
أتسعت عينيها من أسلوبه.
فقالت فوزية بقوة بدلاً عنها:
نزل رجلك واحترم نفسك، في واحد جاي يطلب واحدة يقول كده.
وبعدين مش قولتلك متجيش من غير ولي أمرك.
رد عليها بوقاحة:
ما تلمي نفسك بقى يا فوزية وقولي اتلميت، ولي أمري إيه ده أنا ولي أمركم كلكم.
نقرأ الفاتحة ولا أقوم أخدها على أوضة النوم ونخلص بقى من الفيلم ده؟
تعلم السيدة فوزية من نظراته أنه قادر على تنفيذ ما قاله.
فقالت بغيظ:
هي دلال يا بنتي موافقة عليه، نقرأ الفاتحة وإلا نقول له مع السلامة.
نظرت إليه بخجل.
فيلقي إليها غمزة مرحة.
فابتسمت وقالت:
موافقة.
بثانية كانت ملتصقة به.
ثم مال على أذنها هامساً بنبرة حنونة:
مبروك يا دلوعة الباشا.
***
بمكان شبه مهجور تحت الأرض.
أبتسم ناصر ابتسامة أقل ما يقال عنها شريرة.
ثم أشار لأحد رجاله بفك قيود الملقي على الأرضية مردفاً بقسوة:
فك الكلب ده.
نفذ الرجل أمره.
ليقول ناصر بجبروت:
قوم أقف قدامي راجل لراجل وإلا مش قادر تقوم من ضرب أيوب فيك يا بيضة؟
حاول أدم فتح عينيه لأكثر من مرة بصعوبة.
رأى أمامه رجل ضخم بملامح وجه قاسي يراه لأول مرة.
سأله بنبرة متعبة:
أنت مين وعايز مني إيه؟
أنا جوز حنين، فاكر حنين؟
حنين؟
أكيد يتذكرها.
ولكن كيف تزوجت حنين؟
هي تعشق مغرمة به، حتى لو حاولت قتله بلحظة جنون منها.
إلا أن جسدها بين يديه يذوب.
رفع حاجبه بتعجب مردفاً:
اتزوجت حنين؟
أكيد غصب عنها، هي بتعشقني.
الجملة كانت كفيلة لجن جنونه.
سحب من عنقه بكف واحد ليقف أمامه.
ثم أعطي إليه لكمة بمنتصف أنفه ليسقط أرضاً.
ل يعود لسحبه بقوة صارخاً:
تعشق مين يا وسخ، ما تفوق دي جزمتها فوق رأسك.
فلتت من أدم ضحكة مريضة قبل أن يقول بسخرية:
شكلك عاشق ولهان.
وبصراحة عندك حق، أسأل مجرب البنت حلوة وخبرة تمتع أي راجل.
إلى هنا وكفى، لابد أن يخرج بره الآن.
ظل يضرب به دون أن يرى أمامه.
وعدها بأخذ حقها، والحق الآن أصبح حقه هو.
ساعة كاملة يضرب به دون تعب أو ملل.
حتى سقط جسد الآخر فاقداً للروح.
قدر ناصر أخيراً على أخذ نفسه براحة.
ثم أشار لأحد رجاله مردفاً:
أحرقه واللي باقي منه ادفنه.
خرج من المكان بقلب مشتعل.
وأول ما فكر به هو الهروب بعيداً حتى لا يراها ويفرغ غضبه بها.
وصل لمكان يرتاح به ليدق هاتفه.
فتح الخط وقال:
ازيك يا باشا؟
صرخ به أيوب بغضب:
فين الكلب اللي معاك يا ناصر؟
أخذ نفسه بهدوء وقال:
مات وقرب يتدفن، عايز تصلي عليه ولا إيه؟
جن جنون أيوب فقال:
وأنت مين قالك تاخده من المخزن عندي وتعمل كده؟
ده حق بنت أخويا يا ناصر، وأنا اللي كان لازم أجيبه.
ببرود شديد قال ناصر:
بنت أخوك بقت مراتي يا باشا، وحقها في رقبة جوزها مش عمها.
وإتاخد خلاص، نشيلك للتقيلة.
جوزها؟
ناصر أنا عايز حنين تبقى عندي في القصر بكرة الصبح، كثر خيرك لحد كده.
لحظة؟
هل حان وقت الرحيل؟
لماذا فهو لم يعمل إليه حساب توقعه بعيداً أو غير موجود بالمرة.
سأله بثقل:
يعني إيه الكلام ده يا باشا؟
بقوة قال أيوب:
يعني زي ما سمعت يا حاج، حنين تبقى في بيتها بكرة خلاص القضية خلصت، وادم ومات وعقد الجواز بقى معاها كده الليلة تخلصت، تشكر يا صاحبي.
أغلق الهاتف بوجهه دون سماع كلمة إضافية.
ليقول ناصر بضياع:
خلصت؟
***
بغرفة جومانة.
ألقت بكل شيء أمامها بغرض الحائط.
تابعت كل ما حدث بقلب يحترق.
كل ما فعله أيوب اليوم يثبت مدى حبه لتلك الفتاة.
أخذت هاتفها وقامت بالاتصال على رقم خاصة ثم قالت بغضب:
جرى إيه ياسمين، الموضوع طول معاكي أوي وبوخ وأنا بدأت أجيب أخري.
وأنتِ أكيد عارفة إن زعلي وحش.
آت إليها صوت ياسمين المتوتر:
يا مدام جومانة، أنا والدكتور بنحاول نعمل كل حاجة زي ما حضرتك قولتي.
فهمها إنه بابايا وشغلها كمان في المستشفى، بس هي الفترة دي مش بتيجي.
هعمل لها إيه يعني.
صرخت بغضب:
هو إيه اللي مش عارفه تعملي إيه؟
لأ فوقي معايا كده يا روح أمك، الفلاشة بتاعتك الحلوة وفلمك الجميل موجود عندي.
ولو نزلته هاخد من وراه دهب، فالأحسن ليكي تركزي كده وكل حاجة تخلص الليلة، مفهوم يا ياسمين.
أجابتها ياسمين بخوف:
يا مدام جومانة، والله العظيم أنا بحاول أعمل كل اللي عليا وأكتر، بس هعمل إيه هخليها تيجي غصب عنها.
وماله تيجي غصب عنها.
اتصلي بيها دلوقتي حالا وقولي لها إن باباكِ سكت على غيابها كتير وبالشكل ده هتترفد.
وهي هتيجي زي الكلبة.
أما الباقي بقى فده عليا أنا.
اديني إشارة أنها موجودة في المستشفى، وإنك نفذتي المطلوب منك بس.
ماشي يا مدام جومانة، أوعدك إن كل حاجة هتخلص النهاردة، بس في الوش الفلاشة بتاعتي تيجي.
لما تنفذي المطلوب منك ابقي تكلمي براحتك يا ياسمين.
أغلقت الخط بوجهها.
ثم قالت بغل:
حبك هو اللي وصلها لهنا يا أيوب، هخليها ما تشوفش نور الشمس الباقي من عمرها.
ده بعد ما أنزل اللي جوه بطنها عشان تعرف بعد كده تبص على حاجة.
ملك جومانة.
***
بالساعة الثانية بعد منتصف الليل.
دق هاتف دلال من رقم ياسمين.
فتحت عينيها من أعماق نومها ثم فتحت الخط مردفة بقلق:
في إيه يا ياسمين، أنتِ كويسة؟
ياسمين تحت ضغط كبير، جبرتها على الحديث بغضب:
بلا كويسة بلا زفت دلال، أنتِ خليتي رأسي قدام بابي في الأرض، مش عارفة أتكلم معاه ولا أقوله إيه.
أعتدلت دلال بجلستها متعجبة من طريقة ياسمين الغريبة بالحديث ثم قالت:
ممكن تهدي وتفهميني في إيه بالظبط، أنا عملت لك إيه يعني؟
يا سلام مش عارفة عملتي إيه؟
يعني أخدك من إيدك لحد بابي واتحايل عليه عشان يرضى يشغلك عشان ظروفك، وفي الآخر تشتغلي يومين وتختفي؟
دلال، لو ما جيتيش المستشفى بكرة بابي هيمضي جواب رفدك وأنا مش هقدر أقوله حاجة ولا هقدر أتكلم معاه بعد عمايلك دي، هتضيعي من إيدك فرصة شغل مهمة جداً مش هتعرفي تعوضيها تاني.
ياسمين معها حق، كيف نسيت أمر العمل وغاصت ببحر الدلال بين أحضان أيوب؟
مسحت على خصلاتها ثم قالت باعتذار:
معلش يا ياسمين، حقك عليا، أنا عارفة إني قصرت معاكي أوي الفترة اللي فاتت وكتر خيرك على وقفتك معايا.
هاجي بكرة إن شاء الله واتكلم مع أونكل بنفسي.
أخذت ياسمين نفسها براحة وكأن ثقل العالم سقط من فوق رأسها.
ابتسمت وقالت:
ما تزعليش مني يا دلال، أنا خايفة على مصلحتك.
هستناكي زي ما اتفقنا وهدخل معاكي لبابي كمان، اهو هنسمع كلمتين في جنابنا وخلاص.
ضحكت دلال مردفة بمرح:
مش زعلانة منك يا مجنونة، اقفلي بقى أنا عايزة أنام.
أغلقت معها الهاتف ثم أغلقت عينيها تحاول العودة لنومها اللذيذ.
ما هذا؟
هل أحد يضع قبلة حارة على عنقها؟
ثانية، هل تلك رائحة أيوب؟
نعم.
فتحت عينيها لتري أمامها بأجمل ابتسامة.
فابتعدت عنه مردفة بذهول:
أنت بتعمل إيه هنا يا قليل الأدب، في واحد يدخل أوضة خطيبته في نص الليل؟
رفع حاجبه بسخرية مردفاً:
ما تتلمي بقى يا دلال، خطيبته إيه؟
أنتِ قدامك شهر وبطنك تبقى قدامك اتنين متر.
فلتت منها ضحكة جعلت قلبه يذوب.
فلف يديه حول خصرها مردفاً بعتاب:
بقى كده يا دلوعة تسيبي أيوب حبيبك ينام لوحده وأنتِ عارفة إني بخاف؟
أتسعت عينيها بذهول وقالت:
أنت بتخاف؟
امممم بخاف.
وأول ما بحس بـ... في حضني بنام وأنا مطمن.
شهقت بخجل ثم ضربته على صدره بقوة مبتعدة عنه مردفة بغضب:
أنت بتقول إيه، إزاي لسانك يتجرأ ويقولي حاجة زي دي؟
أطلع بره حالا، وإلا والله العظيم هصوت وهخلي ماما فوزية تشوف اللي أنت بتعمله.
قرصها بوقاحة وقال:
طز فيكي أنتِ وأمك، تعالي في حضني بالأدب بدل ما أجيبك بقلة الأدب زي كل مرة.
للأسف وقاحته أصبحت مدمنة عليها، تعشقها منه وتنتظرها بقلب متلهف.
حركت كتفها بغنج يزيده شوق وقالت:
اللي أنت بتعمله ده عيب يا أيوب، وبعدين أنا أخدت عهد بيني وبين نفسي إنك مش هتقرب مني إلا بعد الفرح.
خليك جنتل مان بقى واستنى لبعد الفرح.
على عيني، أنزل كلمتك الأرض يا دلوعة، بس مش قادر، أنا حالتي بقت وحشة أوي.
ابتسمت بنعومة مردفة:
أوي أوي يعني؟
أوي أوي خالص، ما تيجي تشوفي بنفسك.
نفت بحركة بسيطة من رأسها وقالت:
لأ مش عايزة أشوف، يلا زي الشاطر خد نفسك وأرجع الجناح بتاعك لحد يوم الفرح، كلها أسبوع يا أيوب مش سنة يعني.
قال بغضب:
سنة ليه، حد قالك عليا حاجة تبين إني لا مؤاخذة؟
لأ يا حبيبي طبعاً، الرجالة بس.
في ناس فعلاً بتقعد سنة مخطوبين يا أيوب، كل اللي طلبته منك أسبوع عشان أوحشك بليز.
ما هذا؟
هل لديه القدرة على تحقيق طلب جديد لها؟
لا والله، إلى هنا وكفى دلال يا دلال.
قال بحب:
لأ ما أنتِ وحشاني من دلوقتي، متخافيش، أنتِ بتوحشيني وأنتِ في حضني، عايزك تطمنيني خالص من الناحية دي.
كل حججها يرفضها، ماذا تفعل معه الآن؟
باقي من الوقت ثانية واحدة وتنسى دلالها وتطلبه بنفسها.
بللت شفتيها بطرف لسانها لتعطي إليها بعض الطراوة ثم قالت:
هصوت يا أيوب، اطلع بقى، تعبت قلبي معاك.
يعني ده آخر كلام عندك؟
أيوة آخر كلام عندي وعلى بلاطة، كده أنت مش هتلمس مني شعرة إلا بعد الفرح، فبطل مناهدة وخد نفسك وروح نام.
يبدو إن الأدب لا ينفع معها.
فقال بهمجية:
شكل الأدب مش جايب فايدة معاكي، تعالي بقى بقلة الأدب وصوتي براحتك والراجل اللي يدخل هنا.
***
عاد ناصر لمنزله، هو لا يرى أمام شيء.
رغم كل ما فعله بأدم إلا أن نيرانه لم تهدأ ولو لقليل.
ضربت بعقله جملة "البنت حلوة وخبرة تمتع أي راجل".
يا الله لو كان مازال على قيد الحياة لعاد إليه يأخذ روحه من جديد.
أغلق باب المنزل بقوة ليجدها تقف أمامه وعلى وجهها علامات القلق.
آخر ما يريده الآن رؤية أحد وخصيصاً هي.
أقتربت منه بلهفة مردفة:
ناصر.
أخذ نفسه ببرود وقال:
صاحية، بتعملي إيه لحد دلوقتي؟
وضعت عينيها أرضاً ثم قالت بخجل:
قلقت عليك.
وقلقتي عليا ليه؟
يعني أقصد يعني أنك على طول بتيجي بدري، النهاردة اتأخرت أوي وأنا مش بعرف أنام غير لما أنت تبقى موجود في البيت.
الحل الأمثل الآن الاختفاء من أمامها.
عالق مشتت وقلبه يطلب منه أشياء عجيبة.
اليوم نفذ وعده لها وأخذ حقها وإلى هنا ويكفي.
قال بقوة:
ادخلي نامي يا حنين.
تعجبت من نبرته ونظراته.
شعرت أن هذا بسببها.
كذبتها، عقلها يحثها على قول الحقيقة.
أقتربت منه أكثر وقالت بتوتر:
ناصر، في حاجة لازم تعرفها، يمكن علاقتنا تبقى أحسن لما تعرف الحقيقة.
عن أي علاقة تتحدث؟
هو يشعر معها بالضياع.
للمرة الثانية تأتي إليه جملة آدم تضربه بقوة "البنت حلوة وخبرة تمتع أي راجل".
هو رجل ويرغبها وبشدة.
توقع عقله عن التفكير هنا وبدأت رغبته تتحكم وتسيطر على الأمر.
جذبها لتبقى بين يديه مردفاً:
بتحبيني يا حنين؟
بالحقيقة هي لا تعلم الحب.
لكن إذا كان الأمان حب فهي مغرمة به.
رائحته الرجولية تاهت بها.
فقالت بهمس ناعم:
بحبك يا ناصر، بحبك أوي.
يكفي يا ناصر، أنت الآن حرارتك وصلت للسماء.
حملها بين يديه حتى دلف بها لغرفة نومها.
وضعها على الفراش بحنان وشفتيه تنتقل على وجهها هنا وهناك بقبلات ساخنة.
عقله غائب وقلبه يريد إزالة بصمة أي رجل غيره من عليها.
هي له والآخر ببحر الأموات.
باقي فقط صك ملكيته عليها.
أزال عنها بيجامتها الحريرية ليري حلاوة جسدها أمام عينيه.
بهامس إليها بنعومة وتوهان:
بحبك يا حنين، بحبك.
أنتفض جسدها مع وصول حديثه إليها.
فرفعت عينيها إليه مردفة:
بتحبني؟
بحبك.
بجد؟
اكتفى بقبلاته الخبيرة.
ذابت بين يديه مستسلمة.
حتى شعرت بيده تزيل باقي ملابسها.
فقالت:
استني، عايزة أقولك حاجة الأول.
لا يريد حديث بل يريد مشاعر ملموسة.
يريد نعيمها.
نفى بحركة بسيطة من رأسه وقال:
بعدين نتكلم، بعدين ده مش وقت كلام.
بس؟
لا داعي للحديث أكثر.
أخذها إليه وعلم كيف سيجعلها تركز معه.
بعد وقت قال بتوهان:
بنت؟
أنتِ كنتي بنت؟
نبرته أرعبت قلبها.
جذبت شرشف الفراش لتخفي به جسدها ثم ضمت ساقيها لصدرها.
ما تعيشه الآن من ندم وانكسار مرعب.
خرجت منها شهقة قوية.
وهو يصرخ عليها بغضب:
بطلي نواح وقوليلي لما أنتِ بنت بنوت خليتيني أقرب منك ليه.
انطقي.
براحة عليا يا ناصر، أنا خايفة.
حدق بها بذهول.
خائفة بعد ما وقع معها بتلك الكارثة؟
مسح على خصلاته بجنون وقال:
أقول لعمك إيه، نمت مع بنت أخوك اللي جبتها بإيدك لحد عندي عشان تبقي تحت حمايتي؟
أنا كنت فاكرك مش بنت، كنت فاكر إنها ليلة وهتعدي.
حديثه حرق شيئاً بأعماق قلبها.
سمعت صوت تحطم كرامتها أسفل قدميه.
رفعت عينيها إليه بضياع وهمست بتردد:
ليلة وهتعدي؟
أيوة ليلة وهتعدي.
آمال أنتِ كنتي فاكرة إيه؟
إزاي غبائك وصل لك إن ممكن علاقتنا دي تنجح وتكمل؟
أنتِ عارفة فرق السن بيني وبينك كام سنة؟
عارفة إنِ راجل متجوز قبل كدة بدل الست تلاتة ومعايا بدل العيل تلاتة؟
بس هرجع وأقولك لك أنا اللي غبي حبيت أجرب طعم حتة عيلة صغيرة وأنا ما أعرفش إني هقع في المصيبة دي.
حركت رأسها برفض لكل كلمة تخرج منه.
وقالت برجاء:
بلاش تقول كده، أنت من شوية قولت إنك بتحبني.
ده كان كلام سرير، أنسي كل كدة وإياكي عمك يعرف إن أنا اللي نمت معاكي.
***
صباح يوم جديد.
أستيقظت دلال بكسل شديد.
انتهت من ارتداء ملابسها المكونة من بنطلون جينز أسود فوقه جاكيت جلد من اللون الجملي.
رفعت شعرها على شكل كعكة كبيرة عشوائية ثم نظرت لنفسها بالمرايا برضاء تام عن حالها مردفة:
يا بختك بيا يا واد يا أيوب، متجوز قمر.
ربنا يباركلك فيا يا رب.
حملت حقيبتها ثم نزلت لغرفة الطعام بخطوات رشيقة.
وجدت يجلس على رأس الطاولة بكامل هيبته بجواره السيدة فوزية وبجوارها جومانة.
أقتربت ليبتسم إليها مشيراً على المقعد المجاور له من الجانب الآخر مردفاً بهدوء:
تعالي أقعدي هنا.
جلست لتأخذ جومانة نفسها بضيق ثم قالت:
غريبة، هتقعد مكان ثريا الله يرحمها واحدة تانية، ولا أنت متعرفيش إن أيوب كان متجوز قبلك.
هل غارت من مجرد ذكر امرأة أخرى بحياته؟
نعم، شعر قلبها بالاختناق.
وصل إحساسها إليه فوضع يده فوق يدها وقال بقوة:
هتبقى مراتي يا جومانة ومكانها على طول جنبي.
لم تتحمل جومانة الجلوس بتلك المهزلة أكثر.
فأخذت هاتفها من فوق الطاولة ثم خرجت من الغرفة بخطوات غاضبة.
ابتسمت فوزية وقالت:
أيوب، أنا شايفة إن قاعدة جومانة هنا طولت، وإلا أنتِ رأيك إيه يا دلال؟
لو على رأيها تود خنقها حتى ترتاح.
ومع ذلك قالت باحترام إليه:
البيت ده بيت أيوب يا ماما وضيوفه مهما كانوا ضيوف مش لطاف فهم على رأسنا.
تقديرها إليه أمام عمته دون عناد رفع من شأنها بقلبه درجات.
فقال بابتسامة حنونة:
البيت ده بيتك يا دلال، ومتخافيش حنين هترجع النهاردة ومن بعدها جومانة مش هيبقى لها مكان.
أومأت إليه.
ف قام من مكانه مقبلاً رأسها ثم قال بهدوء:
أنا هروح الشركة.
تروحي كليتك مع السواق وترجعي معاه يا دلال.
أبتلعت ريقها.
ليرفع حاجبه بترقب مردفاً:
عينيكي بتقول إنك عايزة تقولي حاجة.
قولي أنا سامعك.
هروح المستشفى.
أي مستشفى؟
أنتِ تعبانة؟
نفت بحركة سريعة من رأسها ثم حمحمت مردفة:
لأ لأ، أنا كويسة مش تعبانة ولا حاجة، هروح شغلي.
عملها؟
قد نسي هذا الأمر.
مسح على خصلاتها بجدية وقال:
أنتِ مش محتاجة الشغل ده في حاجة، خلصي دراستك والمستشفى بتاعتك هتبقى تحت إيدك.
لأ يا أيوب، أنا مش عايزة كده، أنا عايزة أعتمد على نفسي وشغلي في المستشفى ده هيحسسني إن ليا مكان، لو سمحت وافق.
لا يريد فعل مشكلة معها فقبل رأسها للمرة الثانية ثم قال بقوة:
مفيش حاجة من الكلام الفارغ اللي أنتِ بتقوليه ده هيحصل، هيغير هدومك وارتاح يا حبيبتي.
بغيظ قالت:
أنتِ بتؤمرني ليه، ده مستقبلي والمفروض نتناقش فيه مع بعض.
بماذا يتناقش؟
لا يعلم.
أخذ نفسه بهدوء ثم قال بصدق:
دلال يا حبيبتي، أنا مش مطمن للمستشفى دي ولا البنت اللي أنتِ ماشية معاها، فالأحسن ليكي تبعدي عنهم لحد ما أعرف حكايتهم إيه بالظبط.
وأنا أوعدك لو لقيتهم كويسين هسيبك تشتغلي في الإجازة معاهم، اتفقنا؟
أومأت إليه بثقة به.
فأخذ نفسه براحة وذهب.
بعد دقائق أتت إليها رسالة عبر الواتساب من ياسمين تقول:
أنت فين يا دلال، بابي مسح بيا الأرض وفي ناس عايزك مخصوص.
لو مجيتيش النهاردة هيبقى شكلي وحش جداً، بلاش تندميني إني وقفت جنبك.
أخذت نفسها بتعب وقالت:
خلاص يا دلال روحي خمس دقايق اتكلمي مع أونكل وارجعي قبل ما أيوب يجي ومتروحيش تاني، بس بلاش تعملي مشاكل لياسمين، كتر خيرها إنها وقفت معاكي.
بعد ساعة وصلت للمستشفى.
وجدت ياسمين بانتظارها.
أقتربت منها وقالت:
معلش يا ياسمين، حقك عليا في اللي حصل ده، هدخل اتكلم مع أونكل وأقدم استقالتي.
مفيش مشكلة يا دلال، أنتِ عارفة مصلحتك أكتر مني، بس المهم تتكلمي مع بابي لأني مش محتاجه مشاكل معاه.
أومأت إليه ودلفت معها.
فقال السيد:
بقي ده اسمه كلام يا دلال، تيجي يومين وتختفي؟
بعتذر يا دكتور، بس هي ظروفي كده، أنا جاية أشكر حضرتك وأقدم استقالتي.
ماشي دلال، بس مش النهاردة، الشغل كتير، روحي استلمي شغلك.
بس.
مفيش بس، يلا على شغلك.
ذهبت لغرفة الكشف ومعها ياسمين التي قالت بجدية:
أنا أديت البنج للمريض ده، كملي معاه أنتِ.
تركتها وذهبت دون أن تعطي إليها فرصة للرفض.
أقتربت من المريض ثم شهقت برعب مع انعدامه للتنفس.
فصرخت بقوة وقالت:
يا جماعة حد يجي بسرعة، أنا مش عارفة حصل إيه للحالة.
دلف إليها صاحب المشفي ومعه ياسمين.
ثم وضع يده على عنق الرجل مردفاً برعب:
ده مات، أنتِ عملتي فيه إيه يا دكتورة؟
لم تفعل شيئاً، حقاً لم تفعل شيئاً.
حركت رأسها بنفي وقالت برعب:
والله العظيم ما عملت له حاجة.
أصوات كثيرة وأشياء كثيرة حولها لم تشعر بهم.
فقط همست بضياع:
أيوب، أنا خايفة.
أتسعت عينيها بذهول وهي تجد نفسها ترتدي بيديها كلبشات الشرطة.
ويدفعها العسكري إلى الأمام بقليل من القوة.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء سعيد
رأته يدلف أمام مكتب الضابط مثل الغريق الذي وجد أخيراً طوق النجاة.
ركضت إليه بجسد ينتفض ليفتح ذراعيه إليها.
ضمها بصمت ثم نظر للضابط ليقول الآخر بهدوء:
_ هسيبكم مع بعض شوية يا باشا.
أصبحت معه بمفردها فبكت بشهقات عالية.
لا يستوعب عقلها ما مرت به بالساعات القليلة الماضية.
حضنه أمان، حركة يده على ظهرها دعم، قبلته أعلى رأسه وعد.
أشياء بسيطة جعلتها تأخذ ثقة كبيرة.
أغلقت عينيها بفرار تتمنى لو تذهب معه من هنا.
أبعدها عنه بهدوء وقال:
_ إيه اللي حصل يا دلال؟
أبعدت عينيها عنه بندم شديد.
يا ليتها سمعت ما قاله.
خرج صوتها برجفة وقالت:
_ معرفش والله العظيم ما أعرف إيه اللي حصل.
أنا لقيته ميت.
صرخت عشان حد يدخل يعرف إيه اللي بيحصل.
لقيتهم بيتهموني إني أنا اللي موته والبوليس جه ولقيت نفسي هنا.
أنا مش فاهمة حاجة يا أيوب وخايفة.
بداخله غضب لو خرج به عليها لقسمها نصفين.
حالته لا تسمح الآن أيوب إلا بالدعم فقط.
تعود للمنزل وبعدها هناك حديث آخر.
جذبها لتجلس على الأريكة الكبيرة وجلس بجوارها ثم قال بحنان:
_ متخافيش طول ما أنا جنبك.
قوليلي إيه اللي حصل بالظبط وأنا أوعدك مش هتقعدي هنا أكتر من النهاردة.
بكت خوفاً من رد فعله وقالت:
_ أنا آسفة يا ريتني سمعت كلامك.
من أين يصرف هذا الأسف وبماذا يستفيد به؟
مسح على ذقنه بتعب وقال:
_ مش وقته.
قوليلي إيه اللي حصل.
أومات إليه ثم قالت بكلمات غير متزنة:
_ اللي حصل هو يعني أنك بعد ما مشيت هي كلمتني وقالتلي إني لو مرحتش المستشفى هتندم إنها ساعدتني.
والله يا أيوب أنا مكنتش هروح وكنت هسمع كلامك زي ما قولتلي بس صعبت عليا لما رحت كنت ناوية أدخل لباباها وأقول له إني إني...
يا الله قلبه غير قادر على رؤيتها بهذا الشكل.
سحبها بقوة لياخذها بين أحضانه وقال:
_ دلال أنتِ مرات أيوب رسلان.
إياكي تخافي.
قولي يا حبيبتي أنا سامعك.
دعم رهيب يقدمه لها.
هذا كل ما تحتاجه أكثر من مساعدته لخروجها من هنا.
الأمان الذي قدمه إليها كافٍ ليريح قلبها.
أومأت إليه ليزيل دموعها بطرف أصابعه فقالت:
_ لما دخلت مكتب بابا ياسمين قولتله إني عايزة استقيل.
قالي مفيش مشكلة بس النهاردة مينفعش عشان الشغل كتير.
لما حاولت أتكلم معاه رفض.
ياسمين أخدتني أوضة الكشف عشان أعمل لمريض أسنانه.
قالتلي إنها أديته البنج وأنا أكمل الشغل مكانها.
أول ما خرجت قربت من المريض لقيته مش بيتنفس.
صرخت عليهم دخلت هي وباباها وقالي إن أنا اللي قتلته.
مفيش دقيقة ولقيت البوليس مالي المكان.
هو ده كله اللي حصل.
أنا مش عايزة أدخل الحجز يا أيوب.
مش هقدر.
ممكن أموت فيها دي.
عملية مدبرة لعين أي أحمق.
ضعفها وخوفها هزمه.
لا يستطيع أن ينكر ذلك.
وضع يده فوق يدها بقوة وقال:
_ مش هتدخلي الحجز.
هتقعدي هنا في مكتب الضابط.
بكره الصبح هتبقي في بيتك ده وعد مني ليكي.
بس عايزك تبقي أقوى من كده يا دلال عشاني وعشان بنتنا.
اتفقنا يا حبيبتي.
ببراءة طفلة أخذت عهد من والدها قالت:
_ اتفقنا.
أنا مش هخاف لحد ما ييجي بكرا ونمشي من هنا.
يا الله من أين يأخذ قوة حتى يستطيع تركها بمفردها ويذهب.
أيوب خروجها من هنا أهم بكثير من بقائك معها.
ثم نفسه بصعوبة ثم وضع قبلة حنونة فوق رأسها مردفاً:
_ شاطرة.
خدي بالك من نفسك ومن إللي في بطنك لحد ما أرجع.
ماذا؟
إلى أن يعود!!
ستظل هنا بمفردها؟
حركت رأسها بخوف قائلة:
_ هو أنتِ هتسيبني لوحدي.
_ ده قسم يا دلال مهما كانت قوتي ونفوذي مش هينفع أفضل معاكي.
وبعدين لو بقيت معاكي مين اللي هيخرجه.
متخافيش زي ما اتفقنا هتفضلي في مكتب الضابط لحد الصبح.
ما باليد حيلة يا دلال.
عليكِ تحمل غبائك.
أومات إليه بضياع.
لم يقدر على تحمله فقام سريعاً وخرج من المكتب.
رأى مصطفى يقف مع الضابط فأقترب منهما مردفاً:
_ مش عايز مراتي تطلع من مكتبك يا إبراهيم.
أومأ إليه إبراهيم قائلاً:
_ متخافش يا باشا المدام في عينينا.
بس الوقت مش في صالحك لو القضية اتحولت للنيابة مش هقدر أعمل لها حاجة.
_ مفيش حاجة هتتحول.
براءة مراتي هتظهر الليلة.
يلا يا مصطفى.
بمنزل أبو الخير.
بعد ليلة أمس ترك المنزل وأكمل يومه فوق السطح.
بعد تعب كبير قرر العودة إليها سيأخذها بين أحضانه ويعتذر منها عن غباء حديثه.
المفاجأة جعلته يقول أشياء كثيرة.
عندما رددها برأسه علم بجريمته.
لأول مرة بحياته يشعر بالخجل من حاله وخصوصاً أمام إمرأة.
وصل لباب غرفتها ورفع يده بتردد شديد.
هل ناصر أبو الخير يخشى المواجهة؟
نعم هذا ما حدث.
بعد عناء شديد دق مرة والثانية حتي أت إليه صوتها المهزوم يقول:
_ اتفضلي يا طنط زينب.
فتح الباب ودلف ويا ليته لم يفعل.
رأى بعينيه حصاد زرعته ذبلت الوردة من جديد.
بيدها أحد فساتين تضعه بداخل حقيبة ملابسها.
فأقترب منها مردفاً بتعجب:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
توقع ردها عليه فهي دائما رقيقة مطيعة.
ولكن هنا كانت الكارثة الكبرى عندما أكملت وضع الملابس قطعة وراء الأخرى بلا رد.
فقال بغضب:
_ مش بكلمك يبقي تردي عليا.
وهل تعطي إليه الفرصة؟
لا والله كل فرصة معها انتهت.
أغلقت الحقيبة ثم أخذت نفس عميق وأعطت وجهها إليه مردفة بهدوء:
_ شكراً يا أبية.
ماذا؟
ماذا تقول تلك الفتاة؟
سألها بتعجب:
_ شكراً على إيه وبعدين إيه موضوع أبيه ده؟
تعبيرات وجهها تعبر عن كم الضرر الواقع عليها.
تنهدت وقالت بصوت متحشرج من بكائها الطويل:
_ شكراً على كل حاجة.
دخلتني بيتك وفضلت تحت حمايتك مع إني كنت جوا مصيبة مفيش حد يدخل نفسه فيها أو يدخلني جوا بيته.
بعد كده كتبتني على اسمك.
كل ده يستحق الشكر.
أما موضوع أبيه فده إحترام لفرق السن إللي بينا.
فرق السن بينهما؟
وهي منذ متى تراه أكبر منها؟
من الواضح إنها تعاقبه تحاول أن تأخذ حقها منه بعد ما قاله.
أخذ نفسه بهدوء وقال:
_ حقك عليا يا حنين.
قلت إمبارح كلام عبيط وو...
قطعته بإشارة واحدة من كفها الصغير وقالت ببرود:
_ لأ بلاش تعتذر.
ليلة إمبارح دي مكافأة نهاية خدمتك ليا يا رب تكون المكافأة عجبتك يا حاج.
لا إلى هنا وكفى.
لم تولد المرأة التي تقف أمام ناصر أبو الخير بعد.
صرخ بغضب:
_ ما تظبطي نفسك يا بت ولا هي هبت منك ولا إيه؟
حركت كتفها ببساطة وقالت:
_ هبت مني ليه كنت عايز أكتر؟
بصراحة مش هقدر أديك زيادة معدتي بدأت تقلب وأنت أكتر واحد عارف الحاجات دي قبول.
وبصراحة أكتر عشان أكون صريحة معاك أنا قولت راجل كان مع تلات ستات قبل كده يعني باشا في الحاجات دي لكن على أرض الواقع طلع الأداء مش قوي.
فكفايه عليك اللي أخدته.
رفع يده بلحظة غضب تم بها إهانة كرامته إلا إنه بآخر لحظة ضرب الحائط بجواره.
انتهت علاقته بها قبل أن تبدأ.
ليس هو الرجل المنتظر لابنة رسلان.
رد عليها بقسوة:
_ الحاجة لما تبقي مستخدمة حتى مهما كان الأداء عالي مش بتعرف تتكيف.
صرخ به بغضب:
_ اخرس قطع لسانك يا حيوان.
أنت بنفسك عرفت أنك أول واحدة إيه ناوي تكمل في الكذبة عشان تفضل الراجل الأصيل إللي لم عرض صاحبه.
أنت مش أصيل يا ناصر ولا تفرق حاجة عن أدم.
قولت مش بنت فيها إيه لما أمتع نفسي ومحدش هيأخد باله.
ولما شوفت الحقيقة بعينك عايز تخلع.
لأ فوق ده أنا حنين رسلان مش أي ست ويوم ما أكمل حياتي مش هيبقي مع راجل عجوز بتاع ستات.
لو كان برأسه القليل من العقل فهو ذهب مع دخول والدته للغرفة على أثر صريخها وسماع ما قالته.
صفعها بقوة أسقطت جسدها أرضا لتضرب السيدة زينب على صدرها مردفة:
_ يا لهوي يا ناصر هي دي أيدك؟
أقتربت من حنين تساعدها على القيام مردفة:
_ قومي يا بنتي حقك عليا أنا.
قامت بمفردها دون مساعدة ووقفت أمامه مردفة:
_ طلقني.
لم يتصور أن يصل بينهما الأمر لهنا.
آخر ما يريده الانفصال عنها ومع ذلك قال بجبروت:
_ أنتِ طالق يا حنين.
بمكتب أيوب.
كان عقله يعمل بكل الاتجاهات.
معه مصطفى وأحد رجاله "حسني".
كل واحد منهم يبحث عن طرف الخيط بمكان معين.
فقال أيوب:
_ البنت دي طلعت مش بنت المدير ولا حاجة.
ده حد كان عايز يوقع دلال من الأول.
أومأ إليه مصطفى بتأكيد وقال:
_ صح كده يا باشا.
نظر أيوب لحسني وقال بقوة:
_ ساعه واحدة بس يا حسني.
الدكتور والبنت اللي اسمها ياسمين دول يكونوا عندي.
لو رجعت بطن أمها تاني هات لي أمها نفسها.
قام حسني من مكانه وقال بهدوء:
_ أنا أخدت الخطوة دي من أكتر من 10 دقايق يا باشا وبعتت لهم الرجالة.
نظر إليه أيوب بشكر وقال:
_ راجل يا حسني.
المحامي قالك إيه يا مصطفى؟
_ زي ما قولتلك الصبح يا باشا المحامي عشان يثبت براءتها هتتعرض على النيابة وهناك هتتحول الجثة للطب الشرعي وساعتها مدام دلال هتقعد هناك فترة.
هذا مستحيل أن يسمح به.
نفى بسرعة وقال:
_ لأ دلال مش هتتحمل وأنا مش هسمح لمراتي تبات ليلة كمان بره بيتي.
شوفلي الرجالة وصلوا لإيه يا حسني.
قال حسني:
_ حاضر يا باشا.
خرج حسني ليضرب أيوب رأسه بالمقعد أكثر من مرة.
فقال مصطفى بلهفة:
_ اهدى يا أيوب كده غلط.
اجابه أيوب بغضب:
_ أهدي إزاي وأنا مش عارف إيه اللي بيحصل لمراتي دلوقتي.
أنا متأكد إن اللي عمل كده في دلال يقصدني أنا يا مصطفى.
دلال مفيش بينها وبين أي حد أي حاجة.
أنا المقصود باللعبة القذرة دي بس أقسم بالله هجيبه ووقتها ما هرحمه.
أكد مصطفى على حديث أيوب وقال:
_ مش هنرحمه.
أنا على طول في ضهرك.
بالفعل منذ زمن الزمن ومصطفى بضهره يسنده.
إذا لم يقع إلى الآن فيعود الأفضل الأكبر لصديق وفي مثل مصطفى.
لا لم يتحمل أكثر قام من محله ثم قال:
_ أنا رايح لها.
_ رايح لمين يا ابني استنى؟
لا لم ينتظر.
من المؤكد إنها خائفة الآن.
أخذ متعلقاته وقال بجنون:
_ رايح أشوف دلال وأطمن عليها هي أكيد خايفة من غيري.
بقسم الشرطة.
بأحد الزوايا البعيدة بمكتب الضابط كانت تنكمش دلال حول نفسها.
آخر ما توقعته أن تكون ياسمين عدو إليها.
سقطت من عينيها دمعة وهمست لنفسها بسخرية:
_ غبية يا دلال غبية.
كانت عارفة عنك كل حاجة وأنتِ متعرفيش عنها أي حاجة.
كم كانت حمقاء تبحث فقط عن أحد يسمع أوجاعها بلا عتاب أو كلمة نقد.
للمرة الثانية تراه يدخل عليها بلا سابق إذن لتركض إليه وجسدها منتظر الأمان بين أحضانه.
أغلق ذراعيه عليها بقوة.
آه من نيران منزله بدونها.
همست بضياع:
_ الحمد لله إنك جيت يا أيوب.
أبتعد عنها قليلاً ثم نظر على طاولة الطعام مردفاً:
_ ما أكلتيش ليه؟
ومن أين تأتي إليها النفس حتى تضع لقمة واحدة بفمها.
حركت رأسها بتعب وقالت:
_ مش جعانة.
جذبها من كفها الناعم بحنان حتى جلس بها على الأريكة ثم سحب الطاولة مقرباً إياها منهما أكثر وقال بهدوء:
_ مفيش حاجة اسمها مش جعانة.
لو أنتِ مش جعانة اللي في بطنك أكيد جعان.
رغم حنانه وهدوئه إلا أنها ترى قسوة عينه بكل وضوح.
بكت وقالت:
_ أنا آسفة يا أيوب لو كنت سمعت كلامك مكانش حصل كده.
أخذ معلقة من الشوربة ووضعها بداخل فمها مردفاً بنبرة ساخرة:
_ وأنتِ من أمتى بتسمعي الكلام يا دلال.
على طول واقفه قدامي واحدة بواحدة كاني عدو ليكي.
بس كل ده مش مشكلة دلوقتي تخرجي من هنا وبعدين نتحاسب.
نفت بحركة سريعة من رأسها وقالت بحزن:
_ والله ما كنت أقصد يا أيوب دي كانت صاحبتي والوحيدة اللي وقفت جنبي في وقت مكانش في حد معايا.
ما اعرفش هي عملت كده ليه ولا أنا عملت لها إيه عشان نوصل لكده.
أنا وثقت فيها يا أيوب.
ماذا يقول إنه الهدف الحقيقي من تلك اللعبة؟
حقاً لا يقدر أخذ قطعة من الدجاج ووضعها بداخل فمها مردفاً بنبرة خشنة:
_ وحياة كل دمعة نزلت من عينك لاخليها تنزل تحت رجلك وتبوسها عشان ترحميها ومش هرحمها يا دلال.
بخوف طفلة صغيرة ضائعة قالت:
_ مش عايزة أي حاجة غير إني أخرج من هنا.
الناس شكلهم وحش أوي هنا يا أيوب.
قبل أنت ما تيجي كانوا بيتعاملوا معايا وحش.
مسح على خصلاتها بحنان وقال:
_ متخافيش.
الليلة دي بس وبكرا الصبح هتبقي على سريرك.
بثقة عمياء به ابتسمت ليترك المعلقة من يده ويقول ببرود:
_ يلا يا دلال كفاية دلع وكملي أكلك لوحدك.
مع وجوده معها نسيت المكان والزمان فأقتربت منه أكثر وقالت بدلال:
_ مش حلوة دلال دي منك.
مش بحبها.
امشي دلوعة الباشا.
رفع حاجبه بمعني حقاً هل هذا الوقت المناسب للغنج؟
أخذ نفسه وقال:
_ لأ مفيش دلوعة الباشا خلاص.
الكلمة سقطت عليها مثل الحجارة وقالت بخوف:
_ يعني إيه؟
قبل أن يضعف أمامها آت إليه اتصال من حسني ففتح الخط وقال بلهفة:
_ ها يا حسني؟
_ البنت معايا يا باشا لكن الدكتور فص ملح وداب.
_ أنا جايلك حالا يا حسني.
مش عايز حد يقرب منها لحد ما أوصل.
أغلق الهاتف فقالت بقلق:
_ أنت رايح فين؟
_ رايح أجيب حقك.
وصل للمخزن وكأنه يسابق الزمن.
دفع الباب بقوة ودلف وجدها مقيدة على أحد المقاعد.
سيعطي إليها شرف كبير الآن أنها ستكون أول مرة يصفعها أيوب رسلان.
سقط بيده على وجهها بكل قوة وقال بجبروت:
_ مين اللي وراكي يا روح أمك؟
صفعة واحدة منه كانت كافية لتغير معالم وجهها بالكامل.
صرخت بقوة فأقترب من مصطفى مردفاً:
_ اهدي يا باشا مش كده.
_ خد رجالتك واطلع برة يا مصطفى.
_ بس.
_ مفيش بس اطلع.
نفذ مصطفى ما قاله بقلة حيلة فقال أيوب:
_ انطقي.
الإعتراف سيكون نهايتها إذا كان من صاحب المستشفى أم من جومانة.
فحركت رأسها بتعب مردفة:
_ أنا بعمل إيه هنا بالظبط واقول إيه.
هي مراتك تعمل المصيبة وعايز تلبسها في غيرها.
البلد دي فيها حكومة وأنا هبلغ عنك.
أومأ إليها بهدوء مريب قبل أن يجن جنونه ويعطي إليها القلم الثاني.
صدمت عندما سقطت سنة من أسنانها فابتسم مردفاً:
_ أنا مفيش ورايا حاجة.
أنتِ اتكلمي وأنا أرد عليكي لحد ما أخلص صف سنانك وأدخل على باقي الأعضاء.
بكت برعب جعله يشعر بالقليل من الإنتشاء.
رعبها هذا نقطة ببحر رعب دلوعته.
دلف مصطفى من جديد ليقول أيوب بغضب:
_ هو أنا مش قولت مش عايز حد يبقى معايا هنا.
أقترب منه مصطفى وقدم إليه هاتف وفلاشة وقال:
_ استنى بس يا أيوب أنا فتشت بيت البنت دي كويس لقيت فيه فلاشة وموبايل ولما فرمتنا الاتنين لقينا بدل المصيبة كتير تجارة أعضاء ودعارة وفيديوهات حكاية وعرفنا مين إللي وراها كمان.
أبتعد عنها أيوب وأخذ نفسه بترقب مردفاً:
_ مين إللي وراها؟
حمحم مصطفى بتوتر ثم قال:
_ مدام جومانة.
من البداية كان يشم رائحتها.
يا ويلها سيجعلها تتمنى الموت ولن تحصل عليه.
قال بهدوء مخيف:
_ وريني إيه اللي على الفلاشة دي.
فتح مصطفى اللاب توب وبدأ عرض بعض الفيديوهات المخله لياسمين مع كبار رجال الأعمال وفيديوهات أخرى خاصة بعمليات مشبوهه.
فابتسم أيوب براحة شديدة ونظر لياسمين مردفاً:
_ بالفيديوهات اللي معايا دي أقدر أعيشك الباقي من عمرك في السجن.
بس أنا ما يلزمنيش أعيشك في السجن.
أنا كل اللي يهمني مراتي تطلع.
تطلعي دلال ولا تدخلي معاها.
تعلم إنها الآن على حافة الهاوية وربما تكون بدأت بالسقوط.
فقالت:
_ هطلع دلال بس أضمن منين تطلعني من القضية دي وتديني الفلاشة بتاعتي.
رد ببرود:
_ معنديش ضمان.
أنتِ وشطارتك دلال تطلع وجومانة تدخل تاخدي فلاشتك ومع السلامة.
_ أيوة بس أنا لو اعترفت على مدام جومانة هدخل أنا كمان السجن لأني اللي اديته كمية المخدر اللي مات بسببها.
حرك رأسه بسخرية مردفاً:
_ إن يتقبض عليكي في قضية خطأ طبي ممكن تطلعي منها براءة بكام ألف لمحامي زبالة أحسن بكتير من الفيديوهات الجامدة دي خصوصاً تجارة الأعضاء.
تفتكري الكبار لو عرفوا إنك اتكشفتي ممكن يعملوا فيكي إيه؟
أمام قصر رسلان وقفت سيارة ناصر أبو الخير.
ألقى عليها نظرة الوداع وهو يراها تستعد للنزول فمسك كفها وقال بتعب:
_ مكنش نفسي تبقى دي النهاية يا حنين.
بلعت المرارة بحلقها وقالت بنبرة حاولت أن تكون طبيعية بقدر المستطاع وقالت:
_ تصدق ولا أنا كمان.
أنا عملت حاجات كتير أوي عشان أبقى معاك يا ناصر بس أنت معملتش أي حاجة عشان تبقى معايا.
إن جيت للحق لو بنفكر بالعقل كده أحسن لنا كتير.
لا يريد تركها وغروره يمنعه من الاقتراب.
أراد أن يطول الحديث فقال:
_ ليه كدبتي وقولتي إنك مش بنت؟
لأنها حمقاء كبيرة ليس لديها عقل وتعشق السير بالطرق المظلمة.
خرجت منها تنهيدة ساخرة قبل أن تقول:
_ عشان أتجوزك يا ناصر.
عمي كان مستحيل يقبل جوازي منك إلا كده.
خفق قلبه وتمنى لو يقدر على ضمها إليه.
فاق من أحلامه على صوتها وهي تفتح باب السيارة مردفة:
_ ربنا يهنيك يا ناصر.
خرج خلفها وحمل حقيبتها حتى أخذها منه الحارس فظل يتابعها حتى اختفت ثم قال بقهر:
_ شكلي طلعت بحبك يا حنين.
هتوحشيني.
دلفت حنين للمنزل وجدته خالياً.
فأخذت نفسها بتعب وصعدت لغرفة نومها.
سمعت صوت والدتها بجناحها مع والدها الراحل فوقفت محلها بذهول مما سمعته.
بالداخل قالت جومانة بسعادة:
_ كل حاجة ماشية زي ما أنا رسمت لها بالظبط وخلال شهور هيتلف على رقبة دلال حبل المشنقة.
المهم عايزاك تكلم الظابط اللي تبعنا قوله أول ما الزفت التاني دلدول أيوب ما يمشي يدخلها الحجز الستات اللي جوه هيتصرفوا في الباقي.
ثواني وقالت بغل:
_ يعني إيه ما كانش يعرف إن الموضوع فيه أيوب رسلان.
فهمه كويس أوي إن لو حطيته في دماغي هشيله من على الكرسي خالص.
هو أخد مني فلوس عشان اللي في بطنها ينزل.
لو مش هيدخلها الحجز ينزله هو بإيده.
وضعت حنين كفها حول فمها بصدمة اهتز جسدها إليها.
لا تعلم لما فعلت ذلك إلا أنها فعلت.
فتحت مسجل الصوت على كامل حديث جومانة ثم قالت بقهر:
_ أنا هقول لعمو مش هخليها تكون سبب في أذية حد تاني.
صحيح أنا مش عارفة مين البنت دي لكن أكيد عمو هيتصرف.
بعد نصف ساعة بقسم الشرطة وقف الضابط أمام دلال مردفاً:
_ يومي كده خلاص يا مدام دلال بس أنتِ هتفضلي موجودة في المكتب لحد بكره الصبح.
لو احتجتي أي حاجة اطلبيها من العسكري اللي على الباب.
أومات إليه بصمت.
منذ ذهاب أيوب وهي تشعر بالخوف بين يديه.
كانت تعيش أمان لم تعرف مقداره إلا الليلة.
ذهب الضابط فأخذت نفسها بتعب ثم أقتربت من الشرفة تشاهد الأجواء من حولها.
بكل خطوة إليها يصبح الفشل مصيرها.
وضعت كفها على بطنها مردفة بحنان:
_ أنت معايا يا حبيبي وطول ما أنت معايا وأبوك معايا أنا في أمان.
حقك عليا إني دخلتك في مكان زي ده بس مش بأيدي ولا كنت أعرف إن هي توصل هنا.
انتفضت بخوف مع فتح باب المكتب عليها بقوة.
نظرت للعسكري برعب فقال بقوة:
_ يلا قدامي يا روح أمك على الحجز.
حتى قالك إنك هنا في بيت أبوكي ولا إيه؟
عادت خطوة للخلف ثم حركت رأسها برفض مردفة:
_ حجز إيه أنا مش هدخل حجز وبعدين حضرة الظابط قالي إني هفضل هنا لحد الصبح.
سحبها الآخر من يدها بقوة وقال:
_ حضرة الظابط وريته خلصت والباشا بتاعه دلوقتي قمر بيدخلك الحجز قدامي يا حلوة.
أتسعت عينيها بخوف يستحيل أن تتحمل مكان مثل هذا.
سحبها من ذراعها بقوة رغماً عنها ثم ألقى بها بداخل زنزانة مرعبة.
انكمشت حول نفسها لعل ما يحدث كابوس سينتهي الآن.
ابتسمت إحدى السيدات ثم أشارت للأخرى فها هي السيدة المنتظرة أتت.
أقتربت منها وقالت بقوة:
_ قومي يا بت فزي.
هو مين فينا كان إذن لك تقعدي؟
أيام دار الأيتام تسير أمام عينيها مثل شريط سينمائي.
تذكرت المشرفة وقسوتها ها هي تعود لنفس النقطة من جديد.
أين أنت يا أيوب فدلال بخطر كبير.
جذبتها الأخرى من خصلاتها مردفة بجبروت:
_ ما تردي يا روح أمك.
هو أنا مش بكلمك ولا أنتِ عاملة نفسك هانم علينا يا بت.
صرخت دلال بخوف شديد:
_ ابعدي عني أنتِ عايزة مني إيه؟
_ وكمان بتعلي صوتك عليا.
لأ ده أنتِ عايزة تربي بقى.
يلا يا نسوان نعرفوها إزاي تطول لسانها على أسيادها.
دقيقة واحدة مرت عليها وهي تشعر بضربات نارية على بطنها.
لم تتحمل أكثر وأغلقت عينيها بأستسلام شديد.