تحميل رواية دلال حرمت على قلبك بقلم شيماء سعيد pdf
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أمام يخت عملاق بمدينة الساحل كانت تقف، كبرت دلال عام أخر وتعلمت به الكثير وعانت به أكثر وأكثر، زادت جمال وأصبحت أكثر أنوثة وخبرة بحياة النساء، خلعت ثوب البراءة والآن انطبع عليها إسمها وأخذت منه كل صفاتها. "دلال" إسم على مسمى صاحبة جمال مميز نادر، بشرة سمراء ناعمة بها لمعة الماسية، عيون واسعة تزينها بكحل يتبروز من حولها، عدسات بلون غريب بين الأزرق والأخضر تخفي خلفها لونها البني الداكن، خصلات بنية طويلة مموجة جعلتها مثل أحدي البطلات الكرتونية. خلفها حقيبة متوسطة الحجم بها القليل من الملابس، وبجوار...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء سعيد
لم ينتظر للصباح، يود أن يراها الآن وينام بين أحضانه. دلف لقسم الشرطة ومنه لغرفة الضابط. سقط قلب العسكري أرضًا أول ما وقعت عيناه على أيوب. وقف أيوب أمام الباب وقبل أن يفتح قال العسكري:
_ رايح فين يا باشا؟
ألقي عليه نظرة تقييمية ثم قال:
_ خليك في حالك.
دلف الغرفة، من هنا وسقط قلبه أرضًا من هنا. أين دلال؟
وجد ضابطًا آخر فقال بغضب:
_ مراتي فين؟
رفع الآخر حاجبه وقال:
_ أنت مين سمحلك تدخل من غير إذن ومراتك مين؟
من زوجته؟ سيأخذ روحه الآن. أقترب منه وسحبه من عنقه بقوة مردفًا:
_ مرات أيوب رسلان فين؟
دلف العسكري وقرر إنقاذ نفسه فقال برعب:
_ حضرة الظابط أول ما دخل طلب مني أدخلها الحجز يا باشا وأنا مقدرتش أقول لأ.
يا الله، للمرة الثانية لم يقدر على حمايتها. جن جنونه فالقي بالضابط بعيدًا عنه ثم قال للعسكري:
_ وديني ليها.
أمام أيوب رسلان لا توجد كلمة لا. أخذه العسكري مثلما أمره. أما الضابط قال بضياع:
_ وديت نفسي في داهية عشان شوية فلوس، الله يخرب بيتك يا جومانة.
بخطوات سريعة بها الكثير والكثير من الخوف وصل أيوب أمام الباب. أشار للعسكري بفتحه ليشعر الآخر بزيادة الكارثة. فتح الباب وفر بالمعني الحرفي للكلمة. فر ليدفع أيوب الباب ويدلف إليها.
دلال على الأرضية وسط دائرة مرعبة من الدماء. لحظة تم بها سحب روحه من جسده بكل قسوة. نزل لمستواها هامسا بضياع:
_ دلال.. أين دلال؟
وجه شاحب بها الكثير والكثير من الضربات والدماء. كفها على بطنها كأنها تعطي لصغيرها العناق الأخير. دمعة واضحة من عينها اليسرى تثبت بها كم معاناتها وما مرت به بمفردها بالساعات الأخيرة. ظهرها يعلن له إنها انتهت وهو انتهى معها. رعب ما يراه الآن رعب. أخر ما كان يتخيله أن يحملها غارقة بدمائها بين يديه ويخرج بها. دقيقة واحدة وتم نقلها للمشفي تحت حراسة مشددة من رجال الشرطة وهو معها.
وصل المشفي وجد مصطفى بانتظاره. كيف أتى أو من أين علم لا يعلم. كانت بين أحضانه أنفاسها ضعيفة. أصبح على يقين أن صغيره رحل عن عالمه قبل أن يراه. وضعها على فراش متحرك ثم وقف أمام الغرفة بضياع. يتمني لو يقدر على البكاء، لكن منذ متي وأيوب رسلان يبكي؟
أختفت من أمامه ليضرب الحائط بجواره بقوة. أقترب منه مصطفى مردفًا:
_ أهدي يا باشا إن شاء الله هتبقى كويسة وكل اللي كان له يد في اللي حصل هيتحاسب.
من له يد؟ لو قتل العالم لن تنطفي ناره. عاجز عن قول شيء لا يعلم إذا كان صامتًا برضاه أم الصدمة فقدته صوته. يريد الصراخ الانهيار وغير قادر. جسده يخونه ويعلن قرب سقوطه. شعر به مصطفى فسحب مقعدًا سريعًا وجعله يجلس عليه مردفًا بقلق:
_ أيوب أنت كويس؟
أخيرًا خرج صوت أيوب الضائع:
_ بموت أنا روحي بتطلع.
اعتد على الوقوف بظهر الجميع. دفن والده ورائه زوجته بعدها شقيقه وكان بكل هذا وتد لا يميل. الآن لا يقدر حقًا لا يقدر. أغلق عينيه بتعب يزيد عليه فقال مصطفى:
_ كده غلط. لما الحرس كلمني وقالي حالتك وأنت طالع بيها من القسم أنا مصدقتش. هي بتستقوى بك يا أيوب.
نفى أيوب بثقل وقال:
_ أنا اللي بستقوى بيها يا مصطفى.
خرج الطبيب من غرفتها ليقف بعيدًا خائفًا. لا يود سماع كلمة تحرق قلبه. ضغط على أسنانه بقوة يرقب وصول صوت الطبيب إليه ومع ذلك وصل:
_ للأسف فقدنا الجنين.
يا الله ما أبشع تلك الجملة. حلمه المنتظر انتهى اليوم. ابنته الجميلة رحلت قبل أن يضمها بصدره ويغرقها بحنانه. دلال كيف حال دلال؟ وصل لمرحلة يرفض بها السؤال عنها لن يتحمل أكثر. فقال مصطفى بدلاً منه:
_ ومدام دلال عاملة إيه؟
أجابه الطبيب بهدوء:
_ حالة الرحم مش وحشة، تقدر بعد كده تخلف عادي. لكن هي جسديًا متعرضة لعنف شديد وفقدت دم كتير. إحنا أدينا لها كيس ولسه محتاجين.
مع معرفته بأنها ما زالت على قيد الحياة ردت به الروح. قام من محله مردفًا بلهفة:
_ أنا O سالب. خد مني إللي أنت عايزه المهم إنها تعيش تفضل تتنفس.
بعد مدة كان تم سحب منه نص كيس من الدماء وقالت الممرضة:
_ إحنا هنديها شوية دول على ما تتصرفوا.
_ خدي الباقي مني.
رفضت بهدوء:
_ مينفعش طبعاً يا أستاذ عشان ننقذ مريض أضحي بشخص تاني.
لو أخرج نيرانه عليها سيطلع بروحها الآن. صرخ بغضب مردفًا:
_ خليكي في حالك ونفذي المطلوب منك بس خدي كل الكمية اللي هي محتاجاها ولو عايزاني أمضي لك على أي حاجة همضي.
تعجبت المرأة، منذ متى ورجل يضحي بحاله من أجل امرأة مهما كانت من هي؟ حركت رأسها بهدوء وقالت:
_ وماله أنت حر، هكمل باقي الكيسين من حضرتك.
***
بقصر رسلان.
قالت جومانة عبر الهاتف للضابط:
_ أنت اللي غبي، مين قالك تظهر نفسك في الصورة؟ والعسكري اللي معاك أغبى منك. كل ده ميخصنيش في حاجة طالما سقطت وأنت أخدت فلوسك وزيادة. تنسى رقمي ومترنش عليا تاني ده عايز تفضل قاعد على كرسيك يا حضرة الظابط.
صرخ الآخر بجنون:
_ كرسي إيه؟ هو أنتِ فاكرة إن أيوب رسلان هيسيبني أفضل قاعد على الكرسي؟ أنا مش هقع لوحدي يا مدام جومانة وهتبقي معايا.
مسحت على وجهها بقلق ثم قالت بقليل من الهدوء:
_ وأنت مين اللي قالك يا غبي إن أيوب هيعملك حاجة؟ أنت ظابط جيت لقيت متهمة دخلتها الحجز. لكن لو عرف إنك مرتشي وكنت قاصد تدخلها الحجز مش بس هيقومك من على الكرسي ده هيشيلك من الدنيا كلها.
دقة خفيفة على باب الغرفة جعلتها تغلق معه الخط سريعًا. فتحت لتري أمامها حنين فقالت بتعجب:
_ حنين رجعتي إمتى؟
هل من كل عقلها كانت تنتظر عناق؟ يا لكِ من حمقاء يا حنين. ابتسمت بسخرية ثم دفعت باب الغرفة قليلاً لتدلف مردفة:
_ من ساعة.
_ ومجيتيش في حضني أول ما وصلتي ليه؟
_ كنتي وقتها بتتكلمي على التليفون سبتك تخططي وتعملي مؤامرات براحتك ودخلت غيرت هدومي ورجعت لك تاني.
عقدت جومانة حاجبيها بتوتر واضح مردفة:
_ أخطط؟
أومأت إليها بتعب وقالت:
_ ليه كده يا مامي؟ ليه دايما عايشة في جو العصبات والتخطيط؟ ليه مفيش في قلبك رحمة ولا حتى خوف إن اللي بتعمليه يترد لك في ولادك؟ بدل ما أنتِ بتضيعي عمرك ووقتك على حاجات فاضية كنتي اهتمي بيا أنا وأخويا يمكن كنا طلعنا لك ذرية صالحة بدل ما ضيعنا إحنا الاتنين.
آخر ما تريده الآن هي المواجهة مع حنين. أخذت نفسها وقالت بحنان:
_ أنا مش فاهمة منك حاجة يا حنين. أنتِ أعصابك تعبانة. من رأيي يا حبيبتي تروحي لدكتور تاني غير آدم.
صرخت حنين بغضب:
_ دكتور تاني غير آدم؟ ويا ترى بقى المرة دي هتخليه يعمل فيا إيه؟ يصورني وينزلني على النت الكل يتفرج وتقسموا انتوا الاتنين الأرباح مع بعض؟
اتسعت عين جومانة بذهول مردفة بغضب:
_ أنتِ بتقولي إيه يا قليلة الأدب. شكلك فعلاً مجنونة ومحتاجة مصحة تعلمك تبطلي تخاريف اللي تطلع منك دي.
فلتت منها ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
_ المصحة دي محدش محتاج يعيش الباقي من عمره فيها غيرك. على فكرة يا مامي الأيام اللي فاتت دي اتعلمت فيها حاجات كتير أوي وأولها إنك ست وحشة ممكن تبيعي نفسك عشان الفلوس ده إذا مكنتيش بعتي أصلاً. عايزاكي تحضري نفسك لأن النهاردة هيبقى آخر يوم ليكي في البيت ده. أنا هقول لعمو أيوب كل حاجة قذرة أنتِ عملتيها ووقتها شوفي هيعمل معاكي إيه. زمان كان بيعمل حساب ليا أنا وخالد دلوقتي خالد راح وأنا ليا مزاج أشوفك بتتعذبي زي ما كنتي تتفرجي عليا وأنا بتعذب ومبسوطة.
جن جنون جومانة. لم تتوقع أبدًا أن تصل حنين بيوم من الأيام لتلك الحالة من القوة. يستحيل فهي لعبتها التي تحركها لصالحها كما تشاء. إذا نطقت تلك الفتاة بكلمة واحدة ستنتهي من حياة أيوب إلى الأبد وهذا ما لم تسمح به. بلحظة جنون تحكم بها شيطانها وضعت يديها حول عنق ابنتها مردفة:
_ لسانك لو خرج بره بوقك مش هتردد لحظة واحدة إني أموتك. مش هتكوني أغلى من اللي قتلته قبلك عشان بس أدخل البيت ده.
اتسعت عين حنين برعب من معنى الحديث. قتلت من حتى تدلف لقصر رسلان من جديد؟ زاد شعورها بالاختناق لتغلق عينيها مستسلمة لتلك النهاية. دفعة قوية لباب الغرفة بعدها دخول رجال الشرطة كانت طوق النجاة.
_ مطلوب القبض عليكي يا مدام جومانة.
***
بمنزل دلال.
دقت عليها خلود للمرة المليون دون أي رد. لم تجد أمامها حلولًا إلا الاتصال على مسعد. وكأنه كان منتظر الاتصال ضغط على الزر مردفًا بلهفة:
_ وحشني أسمع صوتك يا خلود.
هي الأخرى اشتقت، لكن الاشتياق ليس إليه أي محل بحياتها بعد الآن. مسحت على خصلاتها مردفة بتوتر:
_ مش وقت الكلام ده يا مسعد. أنا بتصل بدلال من امبارح ومش بترد عليا. ممكن تيجي توديني قصر رسلان؟
كانت على يقين أن مع سيرة دلال سينساها وتظهر لهفته على دلال فقط. وهنا كانت المفاجأة عندما قال:
_ طالما هشوفك دقايق وأنا عندك.
لم تتحمل أكثر وأغلقت الهاتف بوجهه. ماذا حدث ليريد رؤيتها؟ فهي ظلت أمام عينيه سنوات ولم يشعر بها؟ أخذت نفسها بتعب وقالت:
_ انسى يا خلود وطلعي كل ده من دماغي. المهم دلوقتي دلال. أنتِ ومسعد هيفضل الباب مقفول بينكم حتى لو روحك فيه.
لم تمر دقائق ووجدت الباب يدق. فتحت بلهفة لعلها تكون دلال. وجدته يقف أمامها بابتسامة مشرقة مردفًا:
_ إيه ده يا خلود؟ أنتِ لسه في هدوم البيت. البسي عشان نمشي.
_ هو أنت جيت في دقيقة كده إزاي؟ كنت واقف تحت البيت؟
ببراءة طفل صغير أشار على باب الشقة المقابل لها مردفًا:
_ لأ طبعاً. وأنا إيه اللي هيخليني واقف في الشارع؟ أنا جيت من الشقة دي.
عقدت حاجبيها بتعجب مردفة:
_ وأنت بتعمل إيه في الشقة دي اللي أعرفه إنها فاضية ملهاش صاحب.
بحب يظهر لها لأول مرة ابتسم وقال:
_ وحشتيني يا خلود. ملقيتش قدامي حلول غير إني أجر الشقة دي وأفضل أبص عليكي من بعيد.
لا والله وهذا منذ متى؟ قبل أن يضعف قلبها أغلقت الباب بوجهه وقالت من خلفه:
_ خليك واقف هنا 10 دقايق وأغير هدومي ونمشي.
***
بالمشفي.
مرت عليه الساعات ببطء قاتل. روحه تنسحب من بين ضلوعه مع كل ثانية. أتت فوزية ومعها حنين مع أحد رجاله بعد القبض على جومانة. اكتفت حنين بالبعد بزاوية بمفردها. أما فوزية اقتربت منه مردفة:
_ إيه الحكاية يا أيوب؟ جومانة عملت إيه لدلال؟
وهل صوتها يصل لأيوب من الأساس؟ لا يرى إلا صورتها ولا يسمع إلا نبرتها المدللة باسمه. يقف أمام الجميع جبل وبداخله طفل صغير منتظر والدته حتى يستطيع البكاء بداخل أحضانها. تدخل مصطفى بالحديث:
_ مش وقت الكلام ده يا طنط. حالة أيوب متسمحش بالكلام خالص. لما الدكتور يطلع من عند دلال وتبقى كويسة هنتكلم.
أومأت إليه فوزية وصمتت دقائق أثقل من السنوات. خرج بعدها الطبيب بهدوء مردفًا:
_ الحمد لله المدام بقت بخير. سيطرنا على النزيف ونضفنا الرحم. بس هتفضل في العناية الـ 24 ساعة الجايين تحسبًا لأي تغيير.
يود أن يراها الآن ولن ينتظر دقيقة أخرى. تحرك أمام الجميع بخطوات غير متزنة ثم قال:
_ عايز أدخل لها.
نفى الطبيب بهدوء مردفًا:
_ مش هينفع دلوقتي يا باشا. لما تتنقل لأوضة عادية هيبقى أحسن لها.
لا وألف لا. حدق بمصطفى بضياع كأنه ينتظر منه المساعدة. منذ متى وأيوب ينتظر المساعدة من أي؟ لا يعلم ولا يهمه الأمر فقط يرغب بضمها. تدخل مصطفى بهدوء مردفًا:
_ الباشا هيدخل يشوف مراته. القيامة مش هتقوم يعني.
كانت نبرة تحذيرية صريحة جعلت الطبيب يحرك رأسه مرغمًا:
_ ماشي يا باشا تقدر تدخل تشوف المدام بس يا ريت تبقوا 10 دقايق مش أكتر.
بلهفة طفلة صغيرة وافق. ذهب مع الممرضة بخطوات سريعة يعد حاله للدخول وبعدها دلف. أغلقت الممرضة الباب عليهما. تقدم يقترب منها بخطوات ثقيلة. دلوعته نائمة لا حول لها ولا قوة. أسلاك متعلقة بجسدها هنا وهناك. محلول متصل بيدها. جر قدميه جرا ليقف أمامها.
شاحبة تتألم حتى وهي نائمة. رفع كفه المترجف على خصلاتها وقال:
_ أنا آسف.
نطق بها من هنا وانفجر بالبكاء من هنا. سقط قناع الجمود وحان وقت الضعف. وضع رأسه فوق كفها الخالي من الأسلاك وظل يبكي. ارتفعت شهقاته وزادت دقات قلبه. أنفاسه تخرج منه بصعوبة وكأنها لحظته الأخيرة بالحياة. تعب ليرفع وجهه إليها. حدق بها بعينيه الحمراء مردفًا:
_ أنا فاشل يا دلال. مقدرتش أحميكي ولا أحمي بنتي، ولا قدرت أحمي خالد وحنين قبل كده. أنا صورة فاضية مفيهاش أي حاجة غير شوية فلوس بيتحركوا. أنتِ خسارة فيا عشان أنا مش الراجل اللي تستحقيه يا دلال. اللي حصلك النهاردة بسببي واللي حصلك زمان بسببي. طول ما أنتِ معايا بتخسري. حبي ليكي لعنة محدش طالع منه خسران وكل حاجة غيرك. افتحي عيونك يا حبيبتي رجعي فيا الروح من تاني. أنا تعبان وخايف لوحدي.
نعم خائف. يشعر إنه طفل صغير ضائع يسير بطرق مجهولة والنهاية واحدة ضياع. وضع قبلة حنونة على كفها وقال:
_ تعرفي أنا اتعودت أدفن كل اللي بحبهم، بس النهاردة كنت هأدفن نفسي. أرحم ليا بكتير من إني أسمع عنك كلمة مش هقدر أسمعها. الحاجة اللي كانت بتربط بيني وبينك راحت. راحت من قبل ما أشيلها وأبوسها. أنا عشت عمري كله وحيد اتعودت على الوحدة لحد ما جيتي أنتِ. مليتي عليا حياتي ورجعتي لي شبابي. لما عرفت إنك حامل فكرت الدنيا ضحكت لي أخيراً بس في اللحظة اللي أنا بكلمك فيها دي عرفت إنها ضحكت عليا ضحكة العمر كله.
شعر بخطوات تقترب فمسح دموعه سريعًا بظهر يده ثم وضع قبلة أخيرة فوق رأسها مردفًا:
_ هتوحشيني يا دلوعة.
دلت الممرضة وقبل أن تطلب منه الخروج أومأ إليها مردفًا:
_ خدي بالك منها.
خرج من الغرفة بقوته المعتادة. وقف أمام مصطفى وقال بقسوة:
_ خليك هنا في المستشفى عايز عينك تبقى في نص راسك. فاهمني يا مصطفى.
_ كل اللي أنت عايزه هعمله بس أنت رايح فين؟
_ أجيب حق مراتي قبل ما تفتح عينيها.
_ مش هسيبك لوحدك.
_ خليك هنا أنا هبقى مطمن وأنت معاها.
_ ماشي يا أيوب خد بالك من نفسك وخلي دايماً موبايلك مفتوح.
_ أكيد هيبقى مفتوح عايز أطمن عليها لحظة بلحظة.
***
بقسم الشرطة.
دلف أيوب لمكتب سيادة اللواء محمد عادل. وقف السيد محمد من محله مرحبًا بوجود السيد أيوب رسلان. مد يده للسلام عليه مردفًا:
_ نورت المكتب يا أيوب باشا.
مد أيوب يده إليه وقال:
_ أنا زعلان وجدًا يا سيادة اللوا ودي حاجة مش حلوة.
حمحم الرجل بهدوء وقال:
_ مين إللي قدر يزعلك وأنا أشيله من على وش الأرض.
جلس أيوب بوقار على المقعد المقابل لمكتب السيد محمد وقال:
_ ظابط عندك هنا اسمه طارق أحمد.
_ عمل لك إيه يا باشا؟
ماذا فعل به؟ كسره وأخذ منه روحه. أبتلع أيوب المرارة بصعوبة وقال:
_ دخل مراتي الحجز واتفق مع كام واحدة جوا فضلوا يضربوا فيها لحد ما سقطت. لو عايز نفضل صاحب، يا سيادة اللواء الكلب ده يلزمني.
حديثه كان به تهديد صريح. وهل أحد يقدر على الوقوف أمام رجل مثله؟ رفع السيد محمد سماعة الهاتف الأرضي وقال:
_ حضرة الظابط طارق أحمد يكون عندي.
أغلق الهاتف وقال:
_ تؤمر بإيه يا باشا وأحنا معاك؟
ابتسم إليه بقوة وقال:
_ إللي أمر بيه هقوله لما يوصل. معايا دلوقتي واحدة ست عايزة تدخل الحجز خمس دقايق.
_ ليه يا باشا؟
_ هتعمل الواجب مع إللي قربوا من مراتي.
أومأ إليه السيد محمد بهدوء ونفذ ما طلبه منه، فأخرج أيوب هاتف وفلاشة ياسمين مردفًا:
_ دول بقي يا سيادة اللواء واجب مني ليك.
دلف طارق بخطوات مرعبة. أول ما وقعت عيناه على أيوب كاد أن يسقط أرضاً. أخذ نفسه بصعوبة وقال:
_ أمرك يا فندم.
تحدث أيوب بقوة:
_ ولا حاجة يا حضرة الظابط، كل الموضوع إنك مفصول عن العمل وتحول للتحقيق.
رغم رغبته قال بغضب:
_ وده بتهمة إيه بقي؟
_ رشوة صح يا سيادة اللوا وإلا أنا برمي عليه تهم بالباطل؟
شعر اللواء بالقليل من الشفقة على طارق إلا أنه يستحق، فهو يعلم جيدًا أن هذا بداية الطريق فقط مع أيوب رسلان. قال:
_ صح يا باشا.
_ عايز أقابل مدام جومانة بعد ما أخدت واجبها في الحجز.
اختفى طارق من أمامه ودقيقة ودلفت جومانة مع العسكري وبيدها الكلبشات. قام اللواء محمد من محله مردفًا:
_ هسيبك معاها براحتك يا باشا.
خرج وعينيه متعلق بها. يشعر بالانتشاء من معالم وجهها المختفية بالدماء أبشع من مظهر دلوعته بكثير ومع ذلك لم يرتاح. يود أن يراها تتألم بنفسه، لا هو يريد أخذ ثأره بيده. اقتربت منه بخوف مردفة:
_ خدني من هنا يا أيوب.
دفعها بأحد قدميه بمنتصف بطنها، ثم قام من مكانه ووضع قدمه على بطنها بقوة مردفًا:
_ كل ضربة كنتي قاصدة بيها تموتي بنتي خليكي تدفعي تمنها أضعاف هنا يا جومانة. عمري إللي راح بسببك زمان حاجة واللي خسرته النهاردة حاجة تانية.
ضغطه عليها كاد أن يأخذ روحها. حاولت أخذ نفسها بصعوبة مردفة:
_ عملت كدة عشان بحبك عشان تبقي ليا ونخلف زي ما كنا بنحلم زمان.
جن جنونه ووضع قدمه على عنقها بنفس اللحظة دلف اللواء مردفًا:
_ أهدي يا باشا.
ابتعد عنها وقال بجبروت:
_ عايزها تبقي لوحدها وهي والكلبة بتاعها إللي مدت أيدها على مراتي يا سيادة اللواء. خليهم الأتنين يعيشوا أجواء أمن الدولة.
أومأ إليه اللواء مردفًا:
_ كل إللي أنت عايزه هنعمل ده حقك بعد التقصير إللي حصل مننا كلنا في حق مدام دلال.
أخذ أيوب نفسه بتعب وقال:
_ وأنا سبت حقي أمانة في رقبتك يا سيادة اللواء. أدهالي مش كدة؟
_ طبعاً يا باشا ده أنت غالي عندي ما أيام أبوك الله يرحمه.
_ الله يرحمه.
***
بمساء اليوم التالي.
تم نقل دلال لغرفة عادية. كانت فوزية بجوارها تقرأ بعض آيات القرآن وحنين تحدق بالشرفة الخارجية للمكان. همهمة بسيطة خرجت منها جعلت فوزية تأخذ نفسها براحة أخيرًا. اقتربت منها حنين مردفة:
_ حاسة بإيه؟
لا تشعر بشيء حقًا لا تشعر. ربما فقدت حاسة الإحساس أو الألم أكبر من قدرتها على الشعور به. همست بتعب:
_ أيوب.
أغلقت فوزية المصحف ثم قالت بحنان:
_ شوية وهيكون موجود يا حبيبتي ارتاحي أنتِ.
سيأتي؟ هل هو تركها بمفردها؟ لا هو وعدها بالبقاء معها وعدها أن تظل بداخل أحضانه. ابتلعت ريقها الجاف بمرارة وقالت:
_ البيبي كويس صح؟
من حظه الأسود إنه وصل لباب الغرفة على سؤالها. وقف عاجز غير قادر على المواجهة. كيف يقف أمامها وماذا يقول؟ فتح الباب بهدوء ثم قال:
_ عايز أبقي معاها لوحدنا.
هدوءه بحد ذاته مرعب خصوصًا بعد اختفائه من أمس. انسحبت حنين بلا كلمة أما فوزية وقفت أمامه مردفة بقلق:
_ بيبي إيه إللي هي بتتكلم عنه يا أيوب؟
لا المكان ولا الزمان يسمح بهذا السؤال. أشار لعمته على باب الغرفة:
_ بعدين يا عمتو بعدين نبقي نتكلم.
خرجت فأقترب منها بخطوات ثقيلة ثم جلس بالمقابل إليها على الفراش مردفًا:
_ حمد لله على سلامتك.
نبرته عجيبة نظراته غريبة تشعر بشيء مريب قاسي ولا تعلم ما هو. حاولت الاعتدال فقام بمساعدتها ثم قال:
_ هااا مرتاحة كدة؟
أومأت إليه بترقب مردفة:
_ الحمد لله مرتاحة.
_ طيب الحمد لله.
_ أيوب هو في إيه أنا خايفة.
حرك رأسه بابتسامة هادئة وقال:
_ لأ متخافيش كل حاجة خلصت وكل اللي أذاكي حتى لو بكلمة دفعت التمن أضعاف. أنتِ دلوقتي في أمان يا دلال.
به شيء يجعل قلبها يشعر بالخوف يزيد أضعاف. وضعت كفها على بطنها وقالت بأمل:
_ البيبي كويس صح؟ أنا فضلت طول الوقت حاطه إيدي عليه عشان مفيش أي ضربة تنزل عليه حميته وأنا متأكدة إنه في أمان مش كدة؟
لا يوجد لديه ما يريح قلبها لذلك أقترب منها أكثر ومسح على خصلاتها بحنان مردفًا:
_ ضربوكي جامد؟
ها هي الآن أمامه مثلما تمنت. فتحت ذراعيها إليه وعينيها متعلق بها الدموع. فهمها فأقترب منها أكثر ووضع رأسها على صدره. بكت بحرقة تخرج كل ما عاشته من خوف مردفة:
_ بعد ما الظابط الطيب مشي جه ظابط تاني شرير وصمم ينزلني الحجز. كنت خايفة أوي يا أيوب وأول ما دخلت لقيت ناس شكلهم غريب قربوا عليا وشتموني ولما جيت أتكلم راحوا ضربوني. الضرب كان بيوجعني جامد فضلت أنادي عليك بس أنت مسمعتنيش ولا جيت. كنت خايفة أوي من غيرك يا أيوب.
يا الله كم يود البكاء الآن ولكنه بكل أسف لم يقدر. وضع عدة قبلات معتذرة فوق رأسها مردفًا:
_ اشششش خلاص كل ده خلص وأنتِ دلوقتي في حضني وفي أمان.
ابتعد عنه قليلاً وقالت بابتسامة متعبة:
_ مش مشكلة طالما ابننا بخير أنا مش زعلانة.
ضم وجهها بين يديه مردفًا بحنان:
_ ابننا بخير يا دلال بس مش هيبقى معانا.
_ آمال هيبقى فين؟
_ عند ربنا.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء سعيد
تقصد أنه مات ؟!
قالتها بضياع تتمني لو نفي ما فهمته. هي فعلت كل شيء حتى يبقى صغيرها بأمان، تحملت من أجله وعادت من الموت على أمل أن تجده بخير. نظرة أيوب كفيلة لتعلم الإجابة، نظرة خذلان، قهر، والأصعب إنها نظرة عتاب. هل هي السبب الرئيسي بموت صغيرها؟
تحدثت برجاء:
أيوب أرجوك، أنا عارفة إن أنا غلطانة لما خرجت من نفسي بعد أنت ما رفضت، ومستعدة لأي عقاب، بس بلاش تعمل فيا كده، بلاش تقول إن البيبي مات عشان تحسسني بالمسؤولية وتفهمني اللي أنا عملته غلط، قول الحقيقة وأنا والله العظيم ما هعمل كده تاني.
لا يعلم ما عليه فعله، يأخذها بعناق يشعرها بالأمان، يداوي جرحها أم يداوي جرحه هو ويبكي على حاله؟
أيوب رسلان رجل صعب هزمه. مسح على وجهها بحنان وقال:
مش بعاقبك ومش بحملك مسؤولية اللي حصل رغم إنّي زعلان منك، بس اللي حصل ده أساسه بسببي أنا واللي عمل فيكي كده كان يقصدني أنا. ابننا دلوقتي عند اللي خلقه يا دلال في مكان أحسن وهيستناكي على باب الجنة، هيشفع لينا يا دلال واحنا الاتنين غلطنا كتير، يمكن ربنا أخده من باب الرحمة لينا.
مات؟ ذهب قبل أن تراه؟ تضمه، تشم رائحة عطره، تسمعه منه كلمة أمي. ذهب وهي كانت تنتظره لتبدأ معه حياة جديدة تعويضاً عن ما مرت به. نفت برأسها عدة مرات وبكت، بكت بقلب محروق يعيش شعور اليتم من جديد. صرخت، رفضت، تألمت أمام عينيه. جذبها رغماً عنها ليضعها على صدره بقوة مردفاً:
بس أهدي، أنتِ تعبانة واللي بتعمليه ده غلط عليكي.
تعلقت بصدره وقالت بقهر:
البيبي ده كان هيبقى دنيتي. لما عرفت إني حامل فيه قولت خلاص أنا مش هبقى يتيمة تاني. ليه يموت يا أيوب وهو معملش حاجة؟ ليه؟ بس أنا استاهل، أنا بدفع تمن اللي أنا عملته. جوازي من خالد وجوازي منك، أنا استاهل العقاب ده، بس هو ما كانش يستاهل.
زاد انهيارها وبدأ يفقد السيطرة عليها، فضغط على الزر المجاور للفراش. ودقيقة مرت قبل أن تعود للنوم بحقنة مهدئ.
***
بمنزل أبو الخير.
طال غياب ناصر بعد ذهاب حنين. رفض دخول المنزل لأول مرة وهو يعلم جيداً إنه خالي من صوتها. صعد على السطح ليأخذه عقله لأول قبلة بينهما. أغلق عينيه بتعب وهمس:
آه منك يا حنين.
شعر بحركة حوله، تخيل للحظة إنها قررت العودة بين أحضانه. فتح عينيه بأمل كبير، وجد عزة أتت لتجلس قليلاً من الحمام الخاص بها. أخذت نفسها بتوتر ثم اقتربت منه مردفة:
مالك يا أبو مهران؟
تعبان. كلمة واحدة وصف بها كل ما يؤلمه. قلبها اللعين جعلها تشعر باللهفة والقلق عليه. جلست على بعد مسافة بعيدة عنه وقالت:
عندك إيه يا حاج؟
حاج؟ كلمة ورثها من صغره لدرجة أنه صدق كبر سنه رغم سنوات عمره الخامسة والثلاثون. نظر لعزة وقال بندم شديد:
أنا آسف.
اتسعت عينيها بذهول. هل ما سمعته الآن حقيقي؟ ناصر اعتذر منها؟ سألته بنبرة حنونة:
على إيه بس؟
ابتسم بسخرية من حاله وقال:
على كل حاجة. أنتِ أكتر واحدة اتظلمتي معايا يا عزة. اتجوزت عليكي بدل الواحدة اتنين وطلقت معاهم وأنتِ مكنش ليكي ذنب. كنتي أمانة عمي في رقبتي وأنا معملتش حساب للأمانة دي.
يا ليته يعلم كم تحبه، يا ليته يرى صورته بعينيها. ابتسمت بحب وقالت:
أنت إللي مظلوم معايا يا ناصر. في الأول اتجوزتني مع أنك شايفني أختك عشان أبويا وأبوك، وبعدين ربنا حرمني من الخلفة وعشت معايا وخبيت لحد ما عمي الله يرحمه ما عرف وجوزك شامية. أنا مش زعلانة منك يا ناصر. كفاية أوي عليا أشوفك قدام عيني كل يوم. حنين غلبانة وبتحبك وأنت كمان بتحبها. ربنا يسعدكم.
بحنانها تزيد عليه همومه. مسح على وجهه بتعب وقال:
أنا طلقت حنين يا عزة.
ضربت على صدرها مردفة:
يا لهوي ليه كدة يا ناصر؟ البنت صغيرة على كلمة زي دي.
هي بالفعل صغيرة جداً عليه. أخذ نفسه بتعب وقال:
مهو عشان صغيرة كان لازم ابعد. أنا عشت كل حاجة يا عزة وهي لسة وردة بتفتح للدنيا ومن حقها تأخد إللي يستحقها.
بس أنت بتحبها، هتعيش من غيرها إزاي؟
ابتسم إليها مردفاً بهدوء:
زي ما أنتِ عيشتي سنين من غيري وأنتِ بتحبيني. الحب لوحده مش كفاية عشان نعيش تحت سقف واحدة. حنين من دنيا وأنا من دنيا ومستحيل نتقابل في النص.
لأول مرة يفتح قلبه إليها بتلك الاريحية ويتحدث. أومات إليه بحزن مردفة:
ربنا يريح قلبك يا ناصر.
***
ساعتين وهو يجلس على المقعد المقابل لفراشها. يتابعها وهي تبكي أثناء نومها. أخذ نفسه بثقل لتدخل عليه فوزية مردفة بغضب:
أنا ساكتة من الصبح وبقول مش وقته، لكن دلوقتي حالا عايزة أعرف عيل مين اللي نزل ده وابن مين؟
هذا ما كان ينقصه معرفة فوزية للحقيقة. نظر إليها بتعب وقال:
إبني.
ضربت على صدرها بغضب وقالت:
إبنك! أنت عملت إيه في البنت اليتيمة؟ مش كفاية ابن أخوك؟
كثير عليه ما يحدث والله كثير. زفر بضيق وقال:
دلال مراتي من شهور واللي كان في بطنها ابني بالحلال وعلى إيد مأذون. فيا ريت تهدي بقى عمتي عشان أنتِ شايفه محدش فينا مستحمل يسمع كلمة من التاني.
وأنت مين اللي ضحك عليك وقالك إن الجواز في السر حلال؟ الجواز إشهار يا باشا يعني اللي أنت كنت بتعمله ميفرقش عن الزنا كتير، الفرق بينهم بس ورقة.
أتت إليه بالوقت الخطأ لذلك انفجر بها مردفاً:
هو إيه اللي زنا؟ دلال مراتي رسمي وعمها عارف كده؟
عمها مين؟ اللي رماها في دار الأيتام وأكل حقها ده. بدل ما تأخد حقها منه بتحط أيدك في ايده وتستقوى عليها. وجبت منين أصلاً إن الجواز ده حلال؟ تقدر تقولي إن لو بطنها كانت كبرت كنت هتقول العيل ده إبن مين؟
صرخ بغضب:
إيه يا فوزية؟ أنتِ شايفاني عيل عشان أهرب من المسؤولية؟ كنت هقول ابني وأنتِ شوفتي بنفسك إن فرحنا كان قدامه أيام. دلال عندي غالية ومش أنا اللي أقل منها.
همهمة ضعيفة خرجت من بين شفتيه. دلال جعلته يعود إليها بلهفة. مسح على خصلاته مردفاً:
دلوعة وحشتيني.
مياة عايزة مياة. أسرعت السيدة فوزية بوضع القليل من الماء بالكوب. أخذه منها أيوب بيد والاخرى وضعها على ظهر دلال مردفاً:
افتحي بوقك يا حبيبتي، المياه أهي.
أخذت الكوب بأكمله ومازال ريقها جاف. أغلقت عينيها بتعب وقالت:
عايزة أمشي من هنا.
مينفعش، أنتِ تعبانة دلوقتي. يجي الدكتور يطمننا عليكي. قوليلي حاسة بأي حاجة بتوجعك؟
لا تشعر بشيء. ربما فقدت الإحساس بجسدها، قلبها فقط يحترق. ابتلعت ريقها بتعب وقالت:
عايزة أبقى لوحدي، سبني لوحدي لو سمحت.
حديثها جعله يشعر ببوادر خطر. همس بترقب:
مش هسيبك لوحدك. أنتِ هتفضلي جوا حضني. اصرخي واعملي كل إللي نفسك فيه وأنتِ جوا حضني.
لا تريد هذا العناق حقاً لا تريده. تشعر بالضياع، ترغب بالبقاء بمفردها لعلها تعلم ما وصلت إليه. ذنب من منهما؟ رأت فوزية فقالت برجاء:
لو سمحتي خديه واخرجي، عايزة أبقي لوحدي.
شفقت فوزية على حالها وقالت لأيوب:
تعالي برة شوية يا أيوب.
حدق بها بضياع. كيف تطلب منه أن يتركها بمفردها؟ كيف وهي تعلم تعلق روحها بها؟ وضع يده فوق يدها وقال:
دلال يا حبيبتي، العمر لسة قدامنا. هنخلف تاني وهنحمد ربنا على أنك بخير وقصاد عيني. أي حاجة تانية مش مهم طالما أنتِ جوا حضني.
مسحت على رأسها بتعب شديد وصرخت:
وأنا مش عايزة حضنك يا ريت تفهم ده وتبعد عني.
يعني إيه؟
يعني أنا مش قدك ولا قد حياتك. كفاية إللي خسرته لحد كدة وخلينا نطلق.
عاد خطوة للخلف على أثر حديثها. لم يصدق أن تتخلي عنه بتلك البساطة. سألها بتعجب:
ببساطة كدة نطلق؟ للدرجة دي أنا ولا حاجة عندك؟
أنا تعبت.
لم يجيب فقط ألقى عليها نظرة عتاب وترك إليها الغرفة.
***
خارج غرفة دلال.
أقترب مصطفى من حنين مردفاً:
ناصر مجاش معاكي ليه؟
يا الله مصطفى! لأول مرة تشعر إنها لا تعلم شيئاً عن الحب ولم تعيشه من قبل. أخذت نفسها بهدوء مردفة:
أنا وناصر اتطلقنا وهو ميعرفش أي حاجة عن إللي حصل لدلال.
حقا لا يعلم لماذا شعر بالسعادة من هذا الخبر. رسمت ابتسامة واسعة على وجهه وقال:
كده تقدري ترجعي حياتك.
وأين هي حياتها حتى تعود إليها؟ حركت رأسها بتعب وقالت:
بس أنا مش ناوية أرجع لأي حاجة من إللي فات. أنا هبدأ من جديد.
تغيرت. كل شيء تغير بها حتى نظرات عينيها إليه. سألها سؤال لا يعلم لماذا سأله:
حبيتي ناصر يا حنين؟
وضعها أمام نفسها لترى الإجابة بوضوح. عن أي حب كانت تبحث؟ هل هي تعلم معنى للحب من الأساس؟ صمتت ثواني ثم رفعت عينيها إليه مردفة بضياع:
هو الحب ده بيبقى عامل إيه يا مصطفى؟ كنت بتحب مراتك إزاي؟
على سيرة زوجته الراحلة اهتز قلبه. مع كل يوم يمر يتمنى النسيان. ماتت أمام عينيه بين يديه، فارقت الحياة بسببه وبسبب عمله. هل كان بالفعل يحبها أم فقط يقتله ضميره بسبب ما حدث إليها؟ سؤالها جعله يتوقف ويسأل ما هو الحب وكيف يكون؟ حرك كتفه بعجز مردفاً:
مش عارفة. أنتِ رأيك إيه؟
ولا أنا عارفة. بس أنا عايزة أعتذر منك يا مصطفى.
على إيه؟
هي نفسها لا تعلم عن ماذا تعتذر إلا إن عقلها قال بصراحة أنها المذنب الوحيد بحق نفسها. خرجت منها تنهيدة طويلة وقالت:
على أني وقت مشكلة آدم اتهمتك إنك السبب. أنا السبب في اللي حصلي مش أنت. اتخطيت حدودي معاك وشوفتك بصورة مختلفة عن اللي المفروض أشوفك بيها. خلينا ننسى كل اللي فات ونتعامل مع بعض على أساس إنك صاحب عمي وأنا حنين الصغيرة.
حنين ترتب لحياتها من جديد بشكل مختلف ومن الواضح أمامه بكل وضوح أنه خارج هذا الترتيب. سمعها تقول بهدوء:
آدم ملمسنيش يا مصطفى. أنا مش زانية.
يعني أنتِ لسه بنت بنوت؟
سقطت من عينيها دمعة ونفت مردفة:
لأ.
يعني إيه؟ وووو..
صمت بعدما فهم فقال:
ناصر قرب منك وأنتِ في بيته؟
لسؤاله ألف معنى وصلوا إليها بوضوح فقالت بقوة:
ناصر قرب مني وأنا مراته وحقه.
***
بالمساء.
عاد وجدها نائمة وفوزية وحنين على الأريكة الكبيرة. أقترب من فوزية وقال:
روحوا البيت أنتوا يا عمتو، أنا هفضل جنب مراتي.
رفضت فوزية مردفة:
مش هسيبها وأمشي يا أيوب. دلال في مقام بنتي وهي مش عايزك معاها.
أخذ نفسه بمحاولة منه على الصبر وقال:
يعني إيه مش عايزاني معاها؟ دلال مراتي ومشاكلنا هنحلها مع بعض من غير ما حد يتدخل.
أنا متأكدة إنك غصبت عليها في الجوازة دي واستحليت إنها ملهاش ضهر. وأنا مش هسيبها لك.
الصبر من عندك يا الله حتى يستطيع السيطرة على غضبه. أشار على دلال وقال:
مراتي ملهاش ضهر غيري وصدقيني يا فوزية اللي هيقف في وشي ويمنع عني دلال مين ما كان هشيله من على وش الدنيا. فبلاش تبقى أنتِ.
اتسعت عين السيدة فوزية مردفة:
أنت بتهددني يا أيوب؟
بفهمك مش بهددك.
مع قوة نظراته ومع تربيتها إليه علم صدق حديثه فأخذت نفسها وخرجت. ظلت معه حنين. أبعد نظره عنها قالت بخجل:
عمو أنا عارفة أنك بتكرهني بس اديني فرصة أقولك الحقيقة وبعدها أعمل فيا اللي أنت عايزه.
أبعد وجهه عنها وقال كلمة واحدة:
اخرجي.
عضت على شفتيها بقوة تمنع نفسها من البكاء ثم ركضت للخارج. استقبلتها فوزية بعناق حنون مردفة:
سيبي كله لوقته يا حنون. أيوب بيحبك بس مقهور منك. عايزاكي تبقي قوية وتنسي كل اللي فات وأنا هفضل في ضهرك مش هسيبك.
همست حنين بقهر:
ما أنتِ هتسيبيني وتسافري مع أونكل يا عمتو وأنا هرجع تاني وحيدة.
ضربتها فوزية بخفة على ظهرها وقالت:
مين دي اللي هتسيبك وتسافر يا بنت؟ رجلك من هنا ورايح هتبقى على رجلي لحد ما أوصلك بأيدي لبيت جوزك اللي يستحقك.
بالداخل جلس أمامها ومسح على خصلاتها بحنان مردفاً:
بقى كدة برضو يا دلوعة؟ أيوب هان عليكي لدرجة إنك مش عايزة تشوفيني؟ قوليلي أعملك إيه عشان ترضي.
نتطلق.
همست بها وهي تفتحت عينيها بتعب. جنت؟ يبدو إنها حقا جنت؟ وضع يده على رأسها وقال بتعجب:
مش سخنة يعني دي مش تخاريف سخونية. دلوعة حد ضربك على دماغك؟ قوليلي وأنا اقسمه نصين؟
قالت بغضب:
أنت بتقول إيه؟
ما هو الحل الوحيد أنك تطلعي مضروبة على دماغك واللي بتقولي ده عبط عشان ما افتحلكيش أنا دماغك.
احترم نفسك! إيه تفتح لي دماغي دي؟ وبعدين هي عافية مش عايزاك.
أومأ إليها بابتسامة ساخرة وقال:
ده إحنا وصلنا بقى لدرجة مش عايزاك. وده من إيه؟ من وجع قلبها؟ كلما سارت معه خطوة تخسر بها الكثير وتعود عشر خطوات إلى الخلف. أخذت نفسها بثقل وقالت:
الحياة قبول وأنا مبقاش عندي قبول أعيش معاك. خلينا نطلق أحسن وتبقى بينا أيام حلوة نفتكرها بدل ما كل يوم بيمر بينا تحصل حاجة وحشة تهدي الحاجات الحلوة. أنا مش عايزة أكرهك ولا عايزاك تكرهني.
يااا هل قيمته بقلبها ضعيفة إلى هذا الحد؟ حدق بها بسخرية مردفاً:
و راحت فين بحبك يا أيوب؟
اندفنت مع ابني اللي مات امبارح.
صرخ بغضب:
اللي مات امبارح ده كان ابني أنا كمان مش ابنك لوحدك. ولو حد المفروض يتحاسب هيبقي أنتِ لاني قولتلك بلاش ومش مستريح. نزلت كلمتي الأرض وعرضتي حياتك وحياة ابني للموت. احمدي رب إن ليكي مكانة في قلبي مخليني ما حاسبكيش زي اللي حاسبتهم.
مش فارق معايا تعمل إيه. اللي شوفته اليومين إللي فاتوا كفاية.
أشفق على حالها، فأخذ نفسه بهدوء بعدها خلع جكيت بذلته وألقى به على الأريكة ثم دفعها قليلاً ونام بجوارها مردفاً:
تصبحين على خير يا دلوعة. أنا تعبان ومحتاج حضنك عشان أطمن وأنام.
حاولت دفعه فقال بغضب:
اتخمدي.
***
بعد مرور عشر أيام كان أيوب يتابع حالة دلال من بعيد دون أي لقاء مباشر بينها. ينتظر نومها حتى ينام بين أحضانها وبالصباح يتركها مع السيدة فوزية.
بغرفة الطبيب المتابع لحالة دلال سأله أيوب بهدوء:
ينفع تخرج دلوقتي وإلا في خطر عليها؟
مفيش أي حاجة. المدام حاليا كويسة. هتحتاج بس رعاية نفسية الفترة اللي جاية وطبعاً الاهتمام بالأدوية والأكل.
أومأ إليه أيوب بهدوء ثم عاد إليها. حملها بحنان بين ذراعيه وسار بها بخطوات هادئة حتى وصل أمام سيارته. أشار للعم منصور ليفتح إليه الباب. وضعها بالداخل وقال:
خد تاكسي وارجع بيتك يا عم منصور، أنا اللي هسوق.
خد بالك منها يا ابني، دلال طيبة.
العالم كله يطلب منه أخذ باله منها ولا أحد يعلم كم يحتاج هو لأخذ بالها منه. صعد السيارة وتحرك من المكان. نصف ساعة وكانت السيارة تقف أمام فيلا رسلان. دلف بها ليجد الجميع نائم فذهب إلى غرفة نومه. وضعها على الفراش ثم قال:
دلال أنتِ يا بت، اصحي.
فتحت عينيها بهدوء. ثانية هل غادرت المشفى؟ نظرت حولها بترقب ثم قالت:
أنا جيت هنا إزاي؟
شيلتك في حضني لحد ما جبتك سريرك يا دلوعة قلبي أنتِ.
زفرت بضيق وقالت:
وبعمل إيه في الأوضة دي؟
الحلوة تحب تتخمد فين؟
صرخت بغضب:
احترم نفسك واتكلم معايا بأدب! إيه تتخمد دي؟
رد عليها بنفس الغضب:
لما تلمي نفسك أنتِ الأول وتكلمي جوزك بأدب هبقى أكلمك بدري.
يا الله! لما يحاول الضغط عليها بهذا الشكل هي لا تود إلا البعد عن ما يؤلم قلبها. قالت بتعب:
إحنا مش اتفقنا على الطلاق؟ بتتعب قلبي معاك ليه؟
هو من يتعب قلبها؟ حدق بها بذهول وقال:
أنتِ حصل لعقلك إيه؟ بتعملي كده ليه؟ المفروض نبقى قريبين من بعض، المفروض أننا بنحب بعض وان الأزمة دي كل واحد فينا يخفف عن التاني. بتعملي معايا كده ليه؟ انطقي.
لا تعلم حقا لا تعلم. فقط تود البعد، تود الهروب. تشعر إنها السبب الرئيسي بما حدث. ترغب بعقاب نفسها وعقابها الوحيد البعد عنه. حركت رأسها بتعب وقالت:
إحنا بدأنا غلط. لو كملنا حياتنا هتبقى كلها غلط. أنت كتير أوي عليا وحياتك مش شبهي وووو...
دلال أنا قولت الأول كلامك من تحت تأثير الصدمة إللي أنتِ فيه ده ملوش إلا معنى واحد، إنك ما صدقتي إن إللي كان بيربط بنا مات وعايزة تخلعي.
اخلع؟
أومأ إليها بقوة مردفاً:
أيوة يا دلال تخلعي؟ شايفة أيوب رسلان لعبة في إيدك.
لأ شايفة نفسي كل يوم بخسر حاجة جديدة. من يوم ما دخلت العيلة دي أنا تعبت والله العظيم. حرام عليكم ارحموني بقي أنا مش قدكم ولا عارفة أكون قدكم.
سحبها إليه بحنان لتبكي على صدره بقهر. لا تعلم كيف تتعايش مع عالمهم. تخشى الفقدان. لم يتبق لها إلا هو. تخشى أن تخسره. قالت بضياع:
أنا بحبك أوي يا أيوب.
وأنا بعشقك يا قلب أيوب.
تعمل أي حاجة عشاني؟
عشانك أجيب الدنيا واحطها تحت رجلك.
رمشت بعينيها برجاء شديد وقالت:
طيب طلقني الله يخليك.
أومأ إليها كأنه يتعامل مع طفلة صغيرة، يأخذها على حجم عقلها. بللت شفتيها بطرف لسانها لتعطي إليها بعض الطراوة ثم قالت برجاء:
بجد.
ماذا يفعل؟ يصفعها لعلها تفوق أم يقبلها حتى تفقد الوعي؟ من بين أسنانه قال:
بجد يا حبيبتي هعملك كل اللي أنتِ عايزاه بس أنتِ دلوقتي لازم تنامي عشان جسمك تعبان ومحتاج راحة. والصبح نطلق ونضرب بعض بالجزم وننزل بوست أشتمك فيه على فيسبوك ونزلي أنتِ بوست تردي عليا بشتيمة برضو ونعاير بعض. وهعملك كل أجواء الطلاق إللي نفسك فيها.
الليلة هي الليلة الأخيرة بينهما؟ نعم دلال، إنها ليلة الوداع. علقت ذراعيها حول عنقه وقالت:
طيب خليني الليلة دي في حضنك يا أيوب.
تعجب من طلبها ووضع قبلة حنونة على رأسها مردفاً:
أنتِ تعبانة يا دلوعة، مينفعش النهاردة. الأيام بينا كتير.
نفت بحركة حزينة وقالت:
لأ ما هو إحنا هنتطلق بكرة فمفيش قدامنا غير النهاردة.
ما هذا الجنون لا يعلم لكنه سيسير معها إلى مكان ما تحب. مسح على خصلاتها بحنان وقال:
ما هو مش هينفع عشان انتِ تعبانة. إيه رأيك ناجل الطلاق سنتين تلاتة تكوني استرديتي صحتك فيهم ونعمل قلة أدب براحتك.
حدقت به بغضب وقالت:
أنت فاكرني مجنونة وإلا إيه؟ إيه سنتين تلاتة دول؟ والله لو ما طلقتني لكون خالعاك.
يا صبر أيوب. هنا انطبقت عليه الجملة جداً. أخذ نفس طويل قبل أن يضع قبلة على خديها واحد وراء الآخر ثم قال:
لأ وعلى إيه؟ أخلص منك من غير شوشرة أحسن.
بكت من جديد، بكاء بشهقات عالية. قلبها يحترق وعقلها أصبح متأكد من فكرة إنها "نحس" تخرب أي حياة تدلف إليها. همست بحزن:
خليك دايما فاكرني يا أيوب. حتى لما تتجوز تاني حبني وخلي ليا مكان في قلبك حتي لو صغير. وأنا مش هتجوز، هفضل عايشة على الأيام الحلوة إللي فاتت بينا.
قال بتعب:
مالك بس يا دلوعة قلبي أنتِ.
لم تتحدث فقط ابتعدت عنه قليلاً وقامت بفتح أول زر من قميصه. شعر بتصميمها. وليكون صادق، هو مشتاق ونيران الاشتياق تحرقه. وإذا طلبته اليوم ربما ترفض هذا غداً فالأفضل إليه استغلال الفرصة. هي من بدأت وهو من أكمل العملية بنجاح.
بصباح اليوم التالي.
استيقظ بنشاط. رغم جنونها إلا انتهت معاناته بالأيام الماضية بليلة رائعة غرق بها ببحر اللذة. وضع يده حول خصرها ليجد محلها فارغ والفراش يقول إنها ذهبت من فترة. قام من محله بسرعة. دق على باب المرحاض لم يجد رد ففتحه ليراه خالياً. بخطوات سريعة دلف لغرفة الملابس وكانت النتيجة واحدة. نزل إلى الأسفل وجد فوزية تجلس مع حنين فقال بقلق:
حد فيكم شاف دلال؟
قالت فوزية بهدوء:
لمت هدومها ومشيت.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء سعيد
_ يعني إيه مشيت ؟!..
أخذت فوزية نفسها بهدوء وقالت:
_ يعني لمت هدومها ومشيت يا أيوب هعمل لها إيه يعني؟!..
ذهبت ؟!.. أخذت ملابسها وذهبت دون أن تعطي إليه أي إهتمام ؟!.. هل حبها إليه ضعيف لدرجة إن نسمة هواء خفيفة قسمته لألف قطعة ؟!.. حدق بعمته مردفاً:
_ راحت فين يا فوزية ؟!..
هربت السيدة فوزية بعينيها منه مردفة:
_ وأنا أعرف راحت فين منين يا أيوب ؟!..
صرخ بغضب:
_ بلاش استفزاز لأن عارف كويس أوي إن مفيش حد لعب في دماغها غيرك وديتي مراتي فين؟!..
وقفت أمامه فوزية وقالت بنفس الغضب:
_ مراتك مين واحنا كنا نعرف منين إنها مراتك أساساً غير صدفة مين في البلد يعرف إنها مراتك يا أيوب ؟!..
ضرب المقعد المقابل إليه بقوة ليسقط على الأرض ثم قال بجنون:
_ أنا لا يهمني أنتِ تعرفي ولا غيرك دلال مراتي قدام ربنا خليني أعرف مكانها منك احسنلك يا فوزية لأني لو عرفتها من غيرك هنزعل من بعض..
أتسعت عينيها من تهديده الصريح ثم أشارت على نفسها وقالت:
_ هي حصلت يا أيوب واقف قدامي وبتهددني؟!..
أومأ إليها بقسوة مردفاً:
_ مش بهددك أنا بعرفك اللي هعمله وحطي في دماغك إن أي حد هيفكر يبعد دلال عني ولو خطوة واحدة هتفنوا مكانه..
ذهب من أمامها دون كلمة فقالت إليها حنين بخوف:
_ ليه عملتي كده يا تيته عمو مش هيسكت، قوليله مكانها وهما يتصرفوا مع بعض أنا شايفة إنه بيحبها وأكيد مش هيعمل لها حاجة وحشة حتى لما البيبي نزل ما عملهاش حاجة وحشة، تقدري تقوليلي ساعدتيها تمشي ليه وهي أصلا مشيت ليه؟!..
صمتت فوزية وهي لا تعلم لما وقفت أمام أيوب من أجل دلال، مسحت على وجهها وقالت بحيرة:
_ مش عارفة يا حنين مش عارفة بجد يمكن لأنها طلبت مني المساعدة وملهاش حد في البيت ده غيري ويمكن لأني شايفة إنها اتظلمت من خالد وكفايه ظلم عليها لحد كده....
إبتسمت حنين بحسرة وقالت:
_ محدش فينا بيتظلم من حد يا تيته كل واحد فينا عنده عقله اللي بيفكر بيه ولما اتظلم اتظلم بمزاجه، نصيحه مني روحي قولي لعمو مكانها فين خليهم يحلوا مشاكلهم مع بعض بدل ما بيتهم يتخرب عن اذنك..
تركتها بمفردها منذ متي وصلت حنين لهذا الكم من النضج ؟!.. أخذت نفسها بتعب وهي لا تعلم ما بيدها فعله خصوصا مع حالة دلال..
______ شيما سعيد _____
بالمساء بغرفة المكتب الخاصة بأيوب لكم كبير الحراس وقال بجنون:
_ ما هو أنا حمار عشان مشغل معايا شوية بهايم زيكم، خرجت قدام عينيكم من بيتي من غير ما حد فيكم يأخد باله ودلوقتي حتى 12 ساعه ومعرفش مراتي فين..
تدخل مصطفي بالمنتصف مردفاً:
_ اهدى بس يا باشا الرجاله عاملين اللي عليهم وزيادة من الصبح..
ضرب أيوب المكتب بقوة وقال:
_ محدش عامل اللي عليه يا مصطفى لو كانوا عاملين اللي عليهم مكانتش خرجت وهما زي البهايم، ساعة واحدة كمان ولو محدش فيكم عرف مكانها فين هخلص عليكم كلكم وأنتوا عارفين اني اعملها..
من ناحية إنه يفعلها فهو يفعلها دون أن ترمش إليه عين، أشار مصطفي للراجل بالذهاب ثم قال بجدية:
_ اهدى يا أيوب الراجل ده شغال معانا هو ورجالته من سنين وطول عمرهم عينيهم في نص راسهم، والهانم خرجت لأنك ما قلتلهمش ان ممنوع خروجها، زائد ان فوزيه هانم موصلاها بنفسها للباب ده مش ذنبهم..
نعم هذا ذنبه هو لأنه أعطي إليها الثقة والأمان ، للمرة المليون يكثر أي شيء أمامه لعله يرتاح ومع ذلك يزيد جنونه أضعاف، دقات رقيقة على باب الغرفة جعلت مصطفي يقول بهدوء:
_ أدخل..
دلفت حنين بخطوات خائفة، رفع أيوب عينيه إليها وقبل أن ينطق بكلمة قالت بسرعة:
_ أنا عارفة مكان دلال يا عمو..
أسرع إليها بلهفة مردفاً:
_ فين ؟!..
أبتلعت ريقها بمرارة تتمني لو تقدر على طلب عناق منه مثل الماضي ولكن وبكل أسف لا تستطيع، قالت بتعب:
_ عند اونكل عادل في الصعيد طنط فوزية طلبت منه يجي ياخدها الصبح عند محطة القطر وهو جه اخدها ومشي..
عند عدوه اللدود الذي أخذ عمته منه رغماً عنه ، عض على أسنانه بقسوة:
_ هجيبك من شعرك يا دلال وأشرب من دمك.. .
______ شيما سعيد ______
بالصعيد..
كانت دلال تجلس بحديقة منزل شقيق السيد عادل، أخذت نفسها بتعب تعب نفسي وجسدي شديد، من ساعات قليلا اشتاقت إليه ولدفء أحضانه، اقتربت منها امرأة بأواخر الأربعين كلمة جميلة قليلاً عليها جلست بجوارها وقالت:
_ جاعدة لوحدك ليه يا بتي ؟!..
لا تود أن تكون ضيفة ثقيلة من أول يوم فقالت:
_ كدة أحسن يا طنط عشان تعرفي راحتكم في البيت..
قالت السيدة بعتاب:
_ وه إيه الحديت الماسخ ده؟!.. بصي يا بتي أنتِ من ريحة فوزية ودي مش بس سلفتي دي في مجام خيتي جوليلي مالك يمكن يكون في حديتك معايا الشفا..
هل بالفعل تحتاج للحديث مع أحد لا يعرفها يسمع منها دون عتاب أو لوم أخذت نفسها بتعب وقالت:
_ أنا وشي فقر أبويا وأمي ماتوا وأنا صغيرة جداً، مرات عمي اقتنعت إني فقر عشان كده عمي رماني في ملجا واخد كل فلوس أبويا، ولما حبيت واحد مات مني قبل حتي ما أفرح بيه وبحبه ليا، ولما الدنيا ضحكت ليا شوية واتجوزت أيوب ابني منه مات أنا فعلاً فقر وكل ما أحب حاجة لأزم تموت، بس والله العظيم مش هقدر أتحمل لو حصل حاجة لأيوب أبعد عنه أحسن ما يحصل له حاجة بسببي..
ضربت السيدة على صدرها بقوة وقالت:
_ أستغفر الله العظيم كيف تطلعي الحديت ده من خشمك استغفري ربك يا بتي حرام..
_ متخافيش يا حجة المعاق ربنا مش بيحاسبه..
انتفضت دلال بفزع على أثر وصول نبرته الحادة من خلفها، أتسعت عينيها وهي تراه يقف أمامها بغضب لو خرج عليها لتحترق بمكانها، ابتسمت السيدة وقالت بحب:
_ الصعيد كله نور يا أيوب باشا..
جذبها بقوة من ذراعها لتقف بجواره ثم رسم على وجهه ابتسامة خفيفة مردفاً:
_ الصعيد منورة بأهلها يا أم سعد..
_ أدخلي يا ولدي..
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ هتكلم مع دلال خمس دقايق وهدخل أسلم على الكل..
نظرت برجاء للمرأة حتى تأخذ من بين أسنانه أو على الأقل تقف بجوارها لكن ما باليد حيلة ليس بيدها شئ لتفعله من أجلها الا قول:
_ أتكلم معاها براحة يا ولدي دي غلبانة..
أومأ إليها بصمت فذهبت السيدة، ضغط على كف دلال بقوة مردفاً:
_ قوليلي أعمل فيكي إيه يمكن أرتاح منك ومن دماغك ؟!..
سقطت دموعها وقالت بحزن:
_ أنا بحبك يا أيوب..
صرخ بغضب:
_ أنتِ مجنونة عمرك شوفتي ست في الدنيا بتحب جوزها تهرب من حضنه وهو نايم زي الحلوف جنبها؟!..
لا تعلم حقا لا تعلم كيف تشرح إليه ما بداخلها بكت بقهر وأشارت إليه مردفة:
_ والله العظيم بحبك وخايفة عليك أنا مش عايزة أخسرك يا أيوب زي ما خسرت كل حاجه كان نفسي فيها..
انطفت نار المشتعلة وأصبح قلبه يود عناقها، حدق بها بحنان وهو مشفق على حالها، وجهها شاحب وعينيها ذابلة ملامحها الجميلة متعبة، جذبها لتبقي بين أحضانه ويديه ضمت وجهها مردفاً بحنان:
_ اللي أنتِ بتقوليه ده حرام يا دلال أنا عارف أنك شوفتي في حياتك كتير بس عشان ربنا بيحبك بيختبرك خليكي راضية وصابورة، وبعدين يا ستي مين الحمار اللي قالك انك فقر؟!..
إجابته بحزن طفلة صغيرة تشكو لوالدها ما يؤلمها:
_ مرات عمي ؟!..
_ كنتي بتحبي الولية دي؟!..
نفت بحركة بسيطة من رأسها فقال بمرح:
_ طيب ما تحبيها يا دلال يمكن تموت ونخلص منها..
اتسعت عينيها من جملته وضربته بصدره مردفة:
_ أنت بتقول إيه أنت ؟!..
ضربها بخفة على رأسها وقال:
_ بقول إيه يعني؟!.. متجوز واحدة مجنونه خليتني طول النهار بلف حوالين نفسي عشان كلام عبيط زي ده تعرفي يا دلال لو كنتي في حاله تانية غير حالتك دي كنت قسمتك نصين عشان تعرفي بعد كده تستغفليني..
بالفعل حالتها بشعة كثرت الضغوطات عليها جعلتها تفقد جزء كبير من عقلها، ضربته بصدره بغضب مردفة:
_ أنت ليك ان تتكلم بعد ما كذبت عليا يا كذاب..
_ كذبت عليكي في إيه يا آخر صبري ؟!..
قالت بحزن:
_ قولتلي ان البيبي هيقف يشفعلي على باب الجنة ولما دخلت سألت على النت طلع إن البيبي لسه صغير ومفيهوش روح ومش هيشفعلي كمان..
يا الله ماذا يفعل معها الآن ؟!.. مسح على خصلاته بعصبية وقال:
_ ما تلمي نفسك بقى يا دلال أنتِ شايفاني أمام مسجد وبعدين أنا وأنتِ بصراحه منستحقش حد يشفع لنا..
_ أتكلم عن نفسك يا بتاع الجوازات العرفي أنت واليخت..
_ حوشي يا بت الجواز الرسمي اللي بيجري في دمك..
أتسعت عينيها بذهول هل عايرها الآن ام إنها تتوهم ؟!.. أشارت على نفسها مردفة:
_ أنت بتعايرني يا أيوب صح مش كده؟!..
للمرة الثانية يضربها على رأسها مردفاً:
_ لا تعايريني ولا عايرك غوري قدامي خلينا نمشي ..
سحبها خلفه للداخل ليجد السيد عادل وشقيقه السيد حسن فقال بقوة للسيد حسن:
_ انا مش هتكلم مع أخوك لأني مش طايقه من ساعة ما اتجوز عمتي لكن هتكلم معاك أنت عشان أنت راجل محترم، يرضيك إن حد يأخد مراتك من وراك ويمشي؟!..
حدق السيد حسن لعادل بعتاب وقال:
_ لع يا ولدي ميرضنيش..
_ أنا مش هقولك أقدر أعمل إيه لانكم عارفين بس اللي هقوله ان عمتي في بيتي مش هياخدها لو دخل بالبوليس..
تدخل عادل بالحديث بغضب:
_ ما بتحترم نفسك واعمل حساب إني أكبر منك وبعدين مراتك عندها حق بصراحة أنت راجل لا تطاق أنا أخدتها قولت أرحم البنت يومين من وشك ده..
قبل أن يقترب منه أيوب خطوة واحدة وقف السيد حسن بالمنتصف مردفاً:
_ حقك على رأسي أنا يا ولدي بس أنت خابر عقد عادل وفوزية التنين دماغهم خربانة امسحها فيا المره دي..
ليكون صادق هذا الرجل محترم جداً ولا يقدر على كسر كلمة إليه، أومأ إليه بضيق مردفاً:
_ كلامك على رأسي يا حاج حسن بس برضو أخوك مش هياخد عمتي غير بمزاجي يلا يا دلال..
قالت السيدة أم سعد وهي تنزل من فوق الدرج:
_ يلا فين يا باشا أنت رايد تشتمنا ولا إيه مش هتمشوا من أهنى غير الصبح، ولا أنت جولك إيه يا حاج؟!..
_ من غير جول يا حاجة ايوب باشا بيعرف في الاصول ومش هيخرج من اهني غير لما ياخد وجبه كامل، حضري لهم العشا في جناحهم موافج ولا هتكسر بخاطري يا باشا..
حدق بها أيوب وجدها منكمشه على حالها بخوف فاخذ نفسه وقال بهدوء:
_ ما عاش اللي يكسر بخاطرك يا حاج حسن.. .
أبتسم السيد حسن مردفا:
_ تسلم يا ولد الأصول..
صعد أيوب ودلال مع السيدة أم سعد فقال حسن بغضب لعادل:
_ عقلك اتهف ولا إيه عاد، كيف تخلي المراه تطلع من دارها من غير ما جوزها يعرف..
زفر عادل بحنق من سماعه لحديث زوجته وقال:
_ فوزيه اتحالت عليا والبنت شكلها الصبح كان يصعب على الكافر..
_ البت كان شكلها يصعب على الكافر برضك ولا أنت اللي متقدرش تجول لفوزيه لا..
_ بحبها يا حسن..
_ منكم لله أنتوا التنين خليتوا راسي في الارض جدام الراجل..
_____ شيما سعيد _____
بالجناح..
أغلق عليهما الباب ثم جذبها ليضمها إليه بحنان مردفاً:
_ عايزة تموتيني يا دلال ؟!..
رفعت راسها إليه برعب مردفة:
_ لأ طبعاً مستحيل أنا بحبك..
مرر يده على خصلاتها بنعومة وسألها بنبرة حنونة:
_ بتحبيني ؟؟..
أومات إليه بصدق مردفة:
_ أيوة والله..
أبتسم إليها بحب وهمس:
_ يبقي لأزم تعرفي حاجة واحدة يا دلال أنا روحي متعلقة بيكي لو بعدتي عني خطوة واحدة روحي تطلع..
وضعت يدها على فمه تمنعه من إكمال الحديث وقالت بخوف:
_ بعد الشر عنك بلاش توجع قلبي وتقول الكلام ده تاني..
أبعد يدها عنه وبخفة كملها بذراع واحد فوق كتفه ثم سار بها للفراش ألقي بها فوقه وقال:
_ تعرفي أنا مستغرب نفسي أوي..
عقدت حاجبها بتعجب مردفة:
_ ليه ؟!..
ألقي بجسده على الفراش بجوارها وحدق بالسقف قائلا:
_ كنت جاي وأنا ناوي أعلمك الأدب أول ما شوفتك نسيت الدنيا كلها، خلتيني بني آدم تاني يا دلال أنا نفسي مش عارفه ولا عمري تخيلت إني اكونه..
بكلمات بسيطة منه قدر على إعادة ثقتها بنفسها، ضمت نفسها إليه ووضعت رأسها فوق صدره مردفة:
_ ربنا يباركلي فيك..
أغلق يده على خصرها وأخذ نفسه براحة شديدة، تذكر حديثه مع أحد الأطباء النفسيين عبر الهاتف وهو بطريقه إليها " زي ما حضرتك شايف حالة المدام من زمان جدا وفاة الأب والام والملجا وبعدين وفاة زوجها الأول بعد جوازهم على طول والنهاية نزول الجنين، كل الحاجات دي فوق طاقتها وفوق قدرة عقلها على الاستيعاب، المطلوب حاليا من حضرتك يا باشا أنك تكون حنين عليها أول ما تشوفها ترجع لها ثقتها في نفسها أي عنف ممكن يخليها تنهار ودي حاجة عايزين نبعد عنها كل البعد"..
شعر بأنفاسها المتوترة على عنقه فسألها بهدوء:
_ عمك ومراته عملوا فيكي إيه أحكي لي..
تخشب جسدها فوقه، رفعت عينيها إليه بضياع مردفة:
_ بتسأل ليه ؟!..
بحنان أجاب:
_ عايز اسمعك..
لأول مرة أحد يطلب منها أن يسمعها، لأول مرة تقول ما عاشته وما يطاردها بنومها، أغلقت عينيها لتري كل شيء أمامها يتكرر فشددت على ضمها إليه وقالت:
_ كان عندي تمن سنين لما بابا وماما ماتوا وقتها بقيت في الدنيا لوحدي، بنت صغيرة شايلة عروسة ومعاها أراضي وفلوس كتير أوي مش فاهمة حتي ممكن تعمل بيهم إيه، اخدني عمي أعيش معاه هو ومراته وعياله، كنت هادية والله يا أيوب ومش بعمل أي حاجة غلط بس مرات عمي كانت دايما تقول عليا فقر ولو فضلت عايشة معاهم هتسيب البيت..
بكت بقهر وجسدها أرتجف أغلق ذراعيه الإثنين عليها بقوة ثم قبل رأسها مردفاً:
_ خلاص لو مش قادرة تكملي كفاية..
نفت وقالت من بين شهقاتها:
_ لأ عايزة أكمل بس خليني دايما في حضنك بحس بالأمان وأنا شمة ريحتك..
_ قولي يا حبيبتي طول ما أنا عايش هتفضلي في حضني..
مسحت وجهها بصدره ببراءة طفلة صغيرة ضائعة قائلة بتعب:
_ اخدني من أيدي عشان نجيب لبس العيد، قولت له ليه نروح لوحدنا يا عمو هاتي سمر وكريم معانا، قالي لأ أمهم هتجيب لهم لكن أنتِ يا بنت الغالي هجيب لك بنفسي، فرحت زي العبيطة ما دي أول مرة عمي يتعامل فيها كويس معايا لحد ما وصل بيا على باب الملجا خبط على الباب فتحت واحدة ست أخدتني منه وقفلت الباب تاني، كانت آخر مرة اشوف فيها الشارع لحد ما خالد جه زيادة لأنك بعته بتبرعات شافني..
يرفض قلبه سماع الجزء الخاص بخالد، لا يود أن يري بعينيها نظرة حب أو ذكرى واحدة تجمع بينهما ومع ذلك تركها تكمل فقالت بإبتسامة هادئة:
_ أول حد يهتم بيا ويخاف عليا، بقي ييجي على طول وأول ما خلصت الثانوية جه اخدني أنا ومسعد وخلود، مسعد وخلود كانوا اكبر مني بس فضلوا عشاني بأوامر من خالد لمديرة الدار، أخد لينا شقة جابها من وراك ودفع ليا مصاريف الجامعة معاه الباقي أنت عارفه..
نعم الباقي هو يعلمه ولا يرغب بقول أي كلمة إضافية، أغلق عينيه بقوة لعله ينسي الجزء الأخير من القصة ثم قال بجدية:
_ نامي أنتِ أكيد تعبانة..
همست برجاء:
_ احضني جامد..
_ هحضنك جامد..
______ شيما سعيد _____
بصباح يوم جديد كانت بجواره بالسيارة الخاصة به، عقدت حاجبها بتعجب مردفة:
_ إحنا رايحين فين على ما أعتقد ده مش طريق القاهرة ؟!..
أجابها بهدوء وعينيه على الطريق أمامه:
_ عشان إحنا مش رايحين القاهرة..
سألته بفضول:
_ آمال رايحين فين ؟!..
ألقي عليها نظرة حنونة ثم وضع كفه فوق كفها ليرفعه إليه مقبلاً إياه قبلة طويلة ثم قال:
_ رايحين بينك ؟!..
_ بيتي اللي هو فين هو أنا عندي بيت غير بيتك يا أيوب..
قرص أنفها بالقليل من القوة وقال:
_ عندك يا بنت المحظوظة بيت أبوكي والأراضي والحاجات إللي قولتي عليها إمبارح بصراحة أنا راجل زبالة وعيني على فلوس مراتي عشان كدة هنروح سوا نجيب حقك..
أتسعت عينيها بذهول، هل حقاً سيعيد أموال والدها إليها؟!.. شعرت بسعادة غامرة تسير بأعماق سألته برجاء شديد:
_ إللي أنا فهمته صح هترجع ليا حقي إللي مع عمي ؟!..
_ اممم يا دلوعة هرجع حقك وأرجع أسرقه منك..
فلتت منها ضحكة على حديثه المرح وقالت:
_ مش مهم أهو أنت تسرقني أحسن منه المعفن ومراته الجربانة..
قهقه بحب ثم جذبها ليضمها إليه، مرت الساعة وراء الأخري حتي وصل أمام منزل عمها، فقال:
_ انزلي يا دلوعة وصلنا..
أين الدلوعة يا باشا فهي منذ أن ضمتها إليك ذهبت إلي أرض الأحلام بصدر رحب، أبتسم بحب ثم مسح على وجهها بحنان مردفاً:
_ دودو اصحي يا حبيبتي إحنا وصلنا..
فتحت عينيها بتعب ومررت يدها على عينيها تزيح عنها أثر النوم مردفة:
_ في إيه ؟!..
_ وصلنا عند عمك المعفن ومراته الجربانة..
دق قلبها بخوف لا تستطيع أن تنكر ذلك، فهي أتت لهذا المنزل من قبل وتم طردها منه بقوة، همست إليه بخوف:
_ بلاش أنزل معاك أنا بخاف من الراجل ده ومراته أوي..
عقد حاجبه بغضب مردفاً:
_ أنتِ بتشتميني يا دلال ؟!..
حركت رأسها برفض مردفة بتعجب:
_ أنا لأ طبعاً عملت كدة أمتي ؟!.
أخذ نفسه لعله يسيطر على غضبه وقال:
_ لما تخافي وأنا جانبك يبقي بتشتميني يا دلال وبتقلي من قيمتي ومش أيوب رسلان إللي يسمح بحاجة زي دي..
لا هي لم تقصد أبدا ما وصل إليه، قبل أن تفتح شفتيها للحديث أشار إليها بقوة مردفاً:
_ مش عايز أسمع منك كلمة زيادة انزلي...
نفذت أمره على عينها أغلقت باب السيارة خلفها لتجد عشرون سيارة بها رجال أيوب وباب بيت عمها مفتوح، وضعت يدها بيده مردفة بقلق:
_ هو في ايه بالظبط ؟!..
جذبها لتسير معه للداخل مردفاً بقوة:
_ مفيش الرجالة وصلوا قبلنا بشوية يعرفوا عمك أننا جايين أهوزعلى الاقل يعمل لنا واجب ضيافة..
دلفت لمنزل والدها بعد سنوات طويلة من خروجها منه، توقفت عينيها على باب غرفة ثم قالت ببراءة:
_ دي كانت أوضتي يا أيوب..
_ كل حاجة هترجع لك يا قلب أيوب أقعدي عشان رجلك متوجعكيش..
جلست على الأريكة الكبيرة بمنتصف الصالة لتجد أمامها عمها وزوجته وابنه كريم مقيدين فقالت بتوتر:
_ بلاش كريم يا أيوب هو معمليش أي حاجة وحشه بالعكس لما عمو طردني آخر مرة جيت فيها هنا اداني أجرة القطر..
أشار لأحد رجاله بعينه ليفك قيد كريم الذي قال بتعب:
_ دلال ؟!..
أجابه أيوب:
_ أيوة دلال اللي أبوك وأمك رموها في الشارع وعاشين دلوقتي في خيرها، لولا إنها طلبت تطلعك بره الحساب كنت دفنتك جنبهم..
أشار للرجال مردفاً:
_ خرجوه بره وفكوا لي الراجل والوليه دول..
قال كريم بغضب:
_ إيه اللي أنت بتقوله ده أنت فاكرها سايبة؟!.. مش هسمح لك تقرب من أبويا وأمي واذا كان على فلوس دلال فأنا وعدت نفسي اني هرجعها لها..
نظر إليها أيوب وقال:
_ قولي لابن عمك يشتري عمره ويطلع لأني لحد دلوقتي عامل لكلمتك حساب..
لا تعلم حقا ما بيدها فعله ولكنها قالت برجاء:
_ أطلع يا كريم أيوب مش وحش ومش هيعمل لهم حاجه وحشة إحنا هنتكلم معاهم وناخد حقي بس..
_ ولما الحكاية كده ما تتكلموا وأنا واقف ولا البيه خايف..
إلي هنا وكفى أشار بأحد أصابعه مردفاً:
_ طلعوا الواد ده بره ولو نطق بكلمة زيادة اقسموا له دماغه نصين..
قالت برجاء:
_ أيوة..
مع اسم أيوب منها بكل أسف أثرت عليه وعاد خطوة للخلف فمال على رأسها مقبلاً إياها بحنان وهمس:
_ اششش ارتاحي أنتِ يا دلوعة..
جلس بجوارها ليفك الرجال عمها وزوجته فقال بقوة:
_ معايا شوية ورق كل اللي عايزه منكم تمضوا عليهم بهدوء وبعدين هسيبكم تروحوا في 60 داهية..
صرخ عمها بغضب:
_ بس ده مكانش اتفاقنا من الأول يا باشا أنت طلبتها مني وأنا اديتها لك الفلوس برة كلامنا، كفاية إني مخدتش منك مهر ليها..
أبتسم أيوب بسخرية وقال:
_ شوف يا راجل يا عرة حق مراتي أنا كده كده مش هطلع غير بيه، فبدل ما تجيب لنفسك الضرب وأنت قدامك يومين وتموت لم الدور، مش لمصلحتك إن الورق اللي معايا بتاع الحشيش اللي أنت بتبيعه يوصل للحكومة، تمضي بأدب ولا اتعامل معاك أنا بقلة أدب..
أتسعت عينيها وهي تري عمها يوقع أخذ منه أيوب الأوراق ثم قدمها إليها مردفاً:
_ ورايح مش هنعرف نكلمك يا دلال بقى معاكي قرش في ايدك وانا مكاني بقى في خطر..
فلتت منها ضحكة سعيدة وبعينيها الكثير من الدموع، قام وأخذها ثم قال للرجاله:
_ عايز الحاج والحاجة ياكلوا ضرب يفضلوا الباقي من عمرهم يوجعهم، وبعد ما تخلصه تلموا شويه الكراكيب بتوعهم دول وترموهم في الشارع..
خرجت منه لتجد إن كريم فر من المكان فقالت:
_ هو كريم راح فين؟!..
_ هرب .
_ هرب وساب بابا ومامته كده؟!.
مسح على خصلاتها بحنان مردفاً:
_ ما تبطلي عبط وطيبة بقى يا دلال واحد زي عمك هيخلف إيه غير واحد زي كريم يلا يا حبيبتي اركبي..
صعدت معه للسيارة فقال بحب:
_ الطريق قدامنا طويل نامي لحد ما نوصل..
بالفعل مرهقة وتحتاج إلي الكثير من النوم، مر من الوقت ما مر لتفتح عينيها على صوته الدافئ يقول:
_ وصلنا يا دلوعه اصحي..
نظرت أمامها بتعجب:
_ المطار ؟!.. احنا بنعمل إيه هنا؟!..
أخذ نفس عميق قبل أن يقول بإبتسامة هادئة:
_ أنا غلطت في حياتي كتير يا دلال وأنتِ كمان غلطتي وعشان نبدأ من جديد لأزم نبدأ على ورقة بيضا والورقه البيضا دي عشان نفتحها يبقى نعمل ايه ؟!..
_ إيه ؟!..
_ نعمل عمرة يا دلال...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شيماء سعيد
بعد 15 يوم بمنزل أبو الخير.
دلفت السيدة زينب غرفة نوم ناصر. الغرفة عبارة عن دخان يخرج من كل اتجاه، مغلقة، مظلمة، ورائحة السجائر مسيطرة على الأجواء. تنهدت بثقل وأغلقت الباب خلفها مردفة:
_ وبعدين معاك يا ناصر؟
وأين ناصر؟ جالس على الفراش عاري الصدر يأخذ سيجارة وراء الأخرى يخرج بها غضبه. وضع السيجارة بالمطفأة وقال بهدوء:
_ خير يا حاجة، في حاجة؟
جلست أمامه على الفراش وقالت:
_ أنت اللي مالك بالظبط، لما نفسك فيها وعايزها طلقتها ليه بس وسبتها تمشي؟ أقولك على حاجة، روح اتكلم مع أيوب وجيبها وتعالى ريح قلبك وقلبي يا ابني.
_ يعود بها من جديد؟ يا ليته يقدر. لأول مرة يشعر إنه عاجز عن فعل شيء يرغبه وبشدة. حدق بالشرفة وقال:
_ مينفعش يا أمي، مينفعش. كده أحسن ليها كتير.
قالت بحدة:
_ هو إيه اللي مينفعش وأحسن ليها؟ البنت بتحبك يا ناصر وأنت كمان بتحبها ولسه في عدتها. إيه اللي يمنع بقى؟ مش هتقدر تاكلها؟
أبتسم بتعب شديد وقال:
_ أكل إيه بس يا حاجة؟ حنين عايشة حياتها في قصور مش هتقدر تعيش في الحارة هنا كتير. ده غير إني كنت متجوز تلاتة ومعايا عيال وفرق السن اللي بينا والتعليم. كل دي حاجات تبني بيني وبين حنين بدل السور 1000 كده. أحسن لها.
_ ربما يكون معه حق، لكن الحب دائمًا ما يكسر القواعد. فقالت:
_ هي لما حبيتك كانت عارفة كل ده وقابله بيه. بلاش تكسر قلبك يا ابني. وبعدين اللي أعرفه بقى إن عمها متجوز بنت صغيرة برضو.
_ ظروفهم كانت مختلفة وحياة أيوب مش زي حياتي، مفيش مقارنة. كفاية كلام بقى في الموضوع ده، مش عايز أفتحه تاني.
بقلة حيلة أومأت إليه. ناصر إذا قال على شيء أنه انتهى، فهو انتهى. وضعت قبلة حنونة فوق رأسه وقالت:
_ ماشي يا حاج، المهم عندي إنك تبقى مرتاح.
خرجت من الغرفة لتخرج منه تنهيدة طويلة. أشتاق إليها ولا يستطيع أن ينكر ذلك. وجد يده تخونه وتأخذ الهاتف من فوق الطاولة ثم ضغطت على رقم هاتفها. تعالت دقات قلبه مع سماعه لرنين الهاتف. كلمة واحدة منها ردت به الروح من جديد:
_ ألو.
هل الكلمة بهذا الجمال أم صوتها أعطى إليها هذا الكم من الحلاوة؟ للمرة الثانية تأثر عليه بصوتها:
_ ناصر. يا الله على ناصر. ناصر مشتاق يا صغيرة، مشتاق وقلبه يحرقه. حمحم بخفة مردفاً:
_ ازيك يا حنين؟
حالها سئ، سئ جدًا جدًا. إجابته بتعب:
_ الحمد لله بخير. أنت عامل إيه يا حاج؟
هل وضعت بينهما حدود الآن بطريقة شيك؟ نعم يا حاج ناصر، هذا ما حدث. بلحظة ضعف قال:
_ وحشتيني يا حنين؟
الكلمة أصبحت بلا معنى بقلبها. أخذت نفسها بهدوء وقالت:
_ مفيش لازمة للكلام ده يا ناصر، مش هيفيدنا إحنا الاتنين بحاجة.
دق قلبه بخوف لأول مرة بحياته وقال:
_ يعني إيه يا حنين؟
_ إحنا الاتنين دلوقتي مطلقين، تجربة وعدت وكل واحد فينا رجع لحياته. هيبقى أحسن لو متصلتش بيا تاني.
اهتز بقوة وكأنه علم الآن فقط أنه بمرحلة الهزيمة. سألها بترقب:
_ أنتِ شايفة كده؟
من أين أتت إليها القوة لا تعلم، لكنها قالت بثقة:
_ ومش شايفة غير كده.
_ وحبك ليا؟
بصدق قالت:
_ أنا معرفش يعني إيه حب يا ناصر. تقدر تقول عشت حياتي كلها بدور على الأمان، وكل ما لقيت الأمان في مكان أحب صاحب المكان. لكن الحب اللي في دماغك أنا معرفهوش ولا عمري جربته.
رفض عقله بقوة معنى حديثها. فقام من فوق الفراش بجنون مردفاً:
_ أنا عايز أقابلك يا حنين، لازم نتكلم.
بتعب قالت:
_ عمو منعني من الخروج، ما بقاش بيثق فيا وبصراحة عنده حق. أنا معملتش أي حاجة عشان أستحق ثقته فيا. لو عايز تقابلني تقدر تيجي القصر نتكلم براحتنا وفي وجود الكل.
أغلقت الهاتف بوجهه بتعب نفسي شديد. لابد أن تنتهي تلك الصفحة من حياتها إلى الأبد بكل ما فيها. دارت بوجهها، رأت مصطفى يقف خلفها. فقالت بتعجب:
_ في حاجة يا مصطفى؟
أبتسم إليها بحنان:
_ مبسوط بيكي يا حنين.
_ وده ليه؟
_ بقيتي ناضجة وقوية.
ابتسمت إليه بسخرية وقالت:
_ بصراحة، لو مبقيتش ناضجة وقوية بعد كل اللي حصل لي ده، هبقى غبية. عن إذنك.
خطت خطوتين وسمعته يقول:
_ حنين استني.
دارت بوجهها إليه، فقال بتوتر:
_ هو أنتِ ناوية ترجعي لناصر؟
آخر من تريد الحديث معه هو أنت يا مصطفى. مسحت فوق خصلاتها بهدوء وقالت:
_ مش هرجع. أي حاجة كانت في الماضي مش هرجع لها. مش ناصر بس يا مصطفى. في حاجة تانية عايز تعرفها؟
كانت رسالتها صريحة بعدم العودة لحبه هو الآخر من جديد. ابتسم إليها وقال:
_ وطبعًا أنا من ضمن الماضي اللي مش ناوية ترجعي له، مش كده يا حنين؟
أومأت إليه بهدوء وقالت:
_ كده يا مصطفى.
بمكتب أيوب بالفندق.
دون سابق إذن فتحت عليه باب المكتب ثم دلفت بخطوات رشيقة وأغلقت الباب خلفها. رفع عينيه عن الورق الموضوع أمامه بتعجب ليري من تجرأ ودلف عليه دون إذن منه. وجدها هي. ليبتسم إليها بحب قبل أن يخلع نظارته الطبية عنه مردفاً:
_ مش معقول دلال هانم بنفسها عندنا؟
أومأت إليه بكبرياء ثم جلست على المقعد المقابل إليه واضعة ساق فوق الأخرى مردفة:
_ اطلبلي واحد شاي باللبن لو سمحت.
ضحك بخفة ثم رفع سماعة هاتفه مردفاً بهدوء:
_ واحد شاي بلبن بسرعة يا دعاء.
أغلق الهاتف ثم قال:
_ هااا، إيه سبب الزيارة الكريمة؟
أشارت بكل أصابع يديها مردفة ببراءة:
_ أسباب، مش بسبب واحد.
قام من مكانه ليأخذ، تجلس بجواره على الأريكة الكبيرة وقال بحنان:
_ كلي آذان صاغية.
ابتسمت بحب وقالت:
_ بص، عشان مواضيع كتير شوية مش عارفة أبدا منين. أنت رأيك أبدا منين؟
_ ابدئي من الحتة اللي تعجبك، المهم تتكلمي.
أومأت إليه بإبتسامة واسعة وقالت:
_ شوف يا أيوب باشا، أنا دلوقتي بقيت سيدة صاحبة مال زي زيك بالظبط. فقعدت أفكر وأقول: يا بنت يا دلال، إيه الحاجة اللي ممكن تستثمري فلوسك فيها؟ لحد ما وصلت إني هعمل فندق لنفسي صغنن كده. وبعدين لما يكبر هبقى أنافسك، رأيك إيه؟
عقد حاجبه بتعجب مردفاً:
_ داخلة على طمع أنتِ يا دلوعة، مش كدة؟
أومأت إليه ويدها تلعب بخصلاته مردفة:
_ أنا دلوعة الباشا، يعني أعمل كل اللي على مزاجي.
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ ماشي يا دلوعة الباشا، وعشان دلوعة الباشا لأزم تبدأ كبيرة. هتبقي صاحبة أكبر فندق في مصر.
رفضت مردفة:
_ لأ يا أيوب، أنا عايزة أكبر لوحدي.
قرص أنفها بالقليل من القوة وقال:
_ ما أنتِ هتكبري لوحدك. شكلك ناسية مهرك يا عروسة؟
_ مهر؟
_ أخص عليا بجد، شكلي نسيت أقولك إن فرحنا الخميس الجاي، يعني كمان خمس أيام. باقي فلوس الفندق مهرك، ها؟ طلبك التاني إيه؟
سعادتها معه لا توصف. ألقت بنفسها على صدره وقالت:
_ أنا بحبك أوي يا أيوب.
استقبلها بصدر رحب وضمها لصدر بقوة مغلقًا ذراعيه عليها ليأخذ أكبر قدر من رائحة عطرها العاشق إليها، ثم همس بنبرة خشنة:
_ وأنا مغرم يا دلال. عارفة يعني إيه مغرم؟
يا الله ما أجمله وما أجمل الحياة بين يديه. ابتعدت عنه قليلاً وقالت بتوتر:
_ امممم، عارفة يعني إيه مغرم. وعشان كده هيبقى عندي الشجاعة عشان أطلب منك الطلب التاني. وارجوك يا أيوب، متكسرليش خاطر.
عقد حاجبه بقلق وقال:
_ قولي في إيه؟
أخذت نفسها بعمق حتى تستجمع قوتها وقالت:
_ إحنا لما طلعنا عمرة، طلعنا عشان ربنا يسامحنا على كل اللي فات ونبدأ حياتنا من جديد بشكل صح، مش كده؟
مع كثرة المط، بدأت تفلت أعصابه، فقال بحدة:
_ دلال، ادخلي في الموضوع على طول.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
_ ليه من يوم ما رجعنا مجيتش القصر؟ ماما فوزية مقهورة وأنت بعيد عنها يا أيوب. ده غير حنين يا حبيبتي، كل يوم بتدبل عن اليوم اللي قبله. البنت بتموت بالبطيء يا أيوب. كفاية اللي حصل لها وكفاية إنها خسرت مامتها وباباها وأخوها. المفروض إنك تبقى في ضهرها مش تزود همومها. وفي الآخر ترجع تقول: أصلها غلطت عشان مفيش حد جنبها ووو.
معها حق. هو الآخر اشتاق لحنين. قلبه وعمته التي كانت بالنسبة إليه والدته. أخذ نفسه بتعب وقال:
_ عارف كل اللي أنتِ بتقوليه ده يا دلال، بس مش قادر. أنا بني آدم وطول عمري مبعرفش أسامح، خصوصًا الناس اللي بحبهم.
هدوءه بالحديث أعطى إليها مساحة تقول ما تود قوله، فقالت:
_ ماما فوزية عملت كده عشاني أنا اللي اتحايلت عليها عشان أمشي. عارفة إننا الاتنين غلطنا، بس أنت سامحتني. سامحها هي كمان وخلي قلبك أبيض. وبعدين، حنين تعتبر طفلة في سن المراهقة، محتاجة اللي يعلمها الصح من الغلط، مش اللي يبعد عنها. ومن غير زعل يا أيوب، أنت مكنتش الشخص المثالي في حياة حنين بعد وفاة باباها. كل حاجة أوامر وكل حاجة مرفوضة، مع أنك بتعمل اللي على مزاجك واللي أنت عايزه. أنا مقصدش أفتح في اللي فات، بس نفسي نقفله. ارجوك.
وضعت أمامه مرايا الحقيقة وتركته بمفرده. هو السبب الرئيسي بما حدث مع حنين، هو من جعلها تصل لتلك النهاية. جذبها ليضع رأسه على صدرها مردفاً بتعب:
_ خليكي في حضني كده على طول. لما بشم ريحتك برتاح.
ضمته إليها بحب وقالت:
_ أنا في حضنك لحد آخر نفس فيا. بما إن فرحنا كمان خمس أيام، فلازم نفرح كلنا مع بعض. أنا مليش حد غيرك، أنت وعيلتك بقوا عيلتي. عايزة أفرح وسطكم، ناوي تفرحني مش كده؟
طلبها أحب من على قلبه. أخذ نفس عميق ثم وضع قبلة حنونة على رأسها مردفاً بقوة:
_ هفرحك يا دلال.
قامت من مكانها بحماس مردفة:
_ طيب يلا.
_ على فين؟
_ هنروح الأول القصر نصالح حنين وماما فوزية، وبعدين هنروح كلنا نختار فساتين الفرح. عندك مانع؟
_ مفيش كلام بعد كلام الدلوعة.
دلفت لغرفة المعيشة بإبتسامة مشرقة ثم اقتربت من السيدة فوزية ووضعت قبلة فوق رأسها مردفة:
_ الحلو مكشر ليه؟
بحزن قالت:
_ أيوب وحشني أوي يا دلال، أول مرة يقسى عليا بالشكل ده.
أومأت إليها دلال ووجهت نظرها على حنين الشاردة وقالت:
_ الأستاذة حنين مكشرة ليه؟
تنهدت بضيق مردفة:
_ عمو أيوب وحشني أوي يا دلال. أنا عارفة إني غلطت وعارفة إنه لما يعرف الحقيقة هيزعل مني أكتر، بس والله وحشني.
بنفس اللحظة دلف أيوب للغرفة بهيبته المعتادة وبقوة سألها:
_ مخبية إيه تاني يا حنين؟
تجمد جسد حنين بخوف، فتدخلت دلال سريعًا مردفة:
_ بصراحة، حنين مخبية مصيبة كمان صغنونة خالص. صالح ماما فوزية وأدخل أنت وهي أوضة المكتب وتكلموا براحتكم.
ظلت عينه متعلقة بحنين للحظات، ثم اقترب من فوزية مردفاً بهدوء:
_ أخبارك إيه يا فوزية؟
بعتاب حزين نظرت إليه وقالت:
_ بقى كده يا أيوب؟ وأنا اللي قولت إن مليش في الدنيا دي كلها غيرك. يجي اليوم اللي قلبك يقسى عليا بالشكل ده وتحرمني حتى أشوفك. إزاي هنت عليك تعمل فيا كده؟
فتح ذراعيه إليها لتلقي بنفسها داخل صدره باكية. تألم وقلبه عاتبه بقسوة. أغلق يده عليها وقال:
_ حقك عليا يا عمتي، أنا معنديش أغلى منك في الدنيا.
ابتعدت عنه وقالت:
_ معندكش أغلى مني، بس قسيت عليا يا أيوب.
ابتسم نصف ابتسامة ثم مسح على خصلاتها بحنان مردفاً:
_ أنتِ كمان معندكيش أغلى مني وقسيتي عليا يا فوزية.
_ عملتلك إيه إن شاء الله؟
حدق بدلال المبتسمة، ثم انحنى ليصل لأذن عمته وهمس:
_ حرمتيني من حاجة روحي فيها وفضلت أدور عليها زي المجنون. فقررت إني أحرمك من حاجة بتحبيها وأنا عارف إني أغلى حاجة عندك، عشان تعرفي بعد الغاليين بيعملوا إيه.
ضربته بصدره بغضب مردفة:
_ يعني البنت اللي هناك دي أغلى حاجة عندك؟
رفع حاجبه بقوة، ثم نظر لدلال وقال:
_ عايزة الصراحة يا فوزية؟
_ قول الصراحة، يا بخت فوزية المايل.
_ البت دي عندي إدمان.
شهقت فوزية وفلتت ضحكة من دلال. فحمحم بقوة ثم سحب حنين من كفها مردفاً:
_ قدامي على المكتب.
بغرفة المكتب.
انتهى وقت المرح وعاد لجبروت أيوب رسلان. أغلق باب المكتب عليهما وجلس على الأريكة وأشار إليها بالجلوس بجواره. جلست برعب يسير بأعماق قلبها، فقال:
_ عملتي إيه تاني يا حنين؟ سامعك.
ماذا تقول أو من أين تبدأ الحديث؟ نظرة أمان واحدة منه جعلتها تغلق عينيها وتتحدث، قالت الحقيقة كاملة. اتسعت عينه بذهول لا يصدق. كانت تكذب من أجل الزواج من ناصر؟ جعلته يقترب منها، وبعدها عادت إلى هنا؟ بكت منتظرة صفعة جديدة منه، إلا أنها تفاجأت به يجذبها بداخل أحضانه. يتمنى لو يقدر على البكاء معها، لعله يخفف من ألم قلبه. مسح على ظهرها وشهقاتها تعلو. بعد فترة ابتعد عنها مردفاً:
_ أنا آسف يا حنين.
قالت من بين شهقاتها:
_ أنا اللي نزلت راسك وأنا اللي المفروض أعتذر. موتي مش هيغفر لي اللي عملته يا عمو.
ضم وجهها إليه وقال:
_ خلاص يا حنين، مش عايز أسمع أي حاجة في المواضيع دي تاني. كل حاجة خلصت وأنتِ دلوقتي جوا حضني.
سألته ببراءة:
_ بجد يا عمو؟ يعني حضرتك سامحتني ومش زعلان مني؟
مسح دموعها من على وجهها الناعم، ثم وضع قبلة حنونة فوق رأسها مردفاً بحنان:
_ سامحتك يا حنين، بس عشان مأكذبش عليكي، زعلان وأوي كمان. زعلان لأني وصلتك لهنا وخليتك تايهة وضايعة بتدوري على أي حاجة تحسي بنفسك فيها. سبتك لأم مريضة وأنا بدور على نفسي وعامل فيها الكبير. أنتِ اللي سامحيني يا حنين، يمكن أقدر أرتاح.
ابتسمت بسعادة وألقت بنفسها على صدره وقالت بحب:
_ أنا بحبك قوي يا عمو، وأوعدك إني مش هعمل أي حاجة وحشة تاني.
_ واثق فيكي يا بنت الغالي.
ابتعدت عنه بتوتر وقالت:
_ في حاجة كمان عايزة أقولها لك.
عقد حاجبه بقلق وقال:
_ حاجة إيه دي؟
_ أنا اتكلمت مع مامي وقالت لي إنها قتلت حد غالي عليها عشان ترجع البيت ده. هي تقصد مين يا عمو؟
اتسعت عينه برعب من معنى الحديث، لكنه قال بهدوء:
_ سيبك منها يا حنين، جومانة مجنونة وبتقول أي كلام. روحي يلا البسيه وخلي فوزية تلبس، هنجيب فستان الفرح لدلال وفساتين ليكم.
أومأت إليه بإبتسامة واسعة وخرجت. فمسح على خصلاته بغضب وقال:
_ لو اللي في دماغي صح يا جومانة، حتى الموت مش هيرحمك مني.
رفع هاتفه وقام بالاتصال على مصطفى وقال:
_ مصطفى، عايزك تجيب لي الملف بتاع قضية موت خالد بالتفصيل.
تعجب مصطفى مردفاً:
_ ليه يا أيوب؟ في إيه؟
_ شكلها ما كانتش قضاء وقدر. وبما إنك ظابط قديم، عايزك تحط لي كل خبرتك في الملف ده وتقولي إيه الحكاية بالظبط.
_ ماشي.
_ هاخد معاك قد إيه؟
_ الموضوع مش سهل يا باشا، أقل حاجة 15 يوم.
_ كتير. أنا عايزك تتصرف بسرعة.
_ هحاول يا باشا.
بعد ساعة عن أكبر مصممة أزياء بالقاهرة.
كان يتابع حيرتها بين التصميمات ومعها إبنة أخيه وعمته بمتعة. لأول مرة بحياته يعيش جو أسري دافئ به محبة والكثير من المرح. ابتسم بخفة على معالم وجهها الطفولية وهي تقول:
_ هو حلو بس أيوب مش هيوافق عشان قصير.
أومأت إليها حنين وقالت:
_ عندك حق، بصراحة ملفت أوي واحنا عايزين نعدي اليوم من غير ضحايا.
ضحكت دلال بمرح، وقالت ثم قالت بغرور:
_ مش موضوع ضحايا، أنا كده كده حلوة في القصير وفي الطويل. بس أنا حاليًا في مقام حاجة، ومينفعش أعمل كده.
ابتسمت إليها فوزية وقالت:
_ شوفي من فساتين المحجبات ومتلبسيش طرحة.
ضربت الجملة برأسه، فتدخل أخيراً بعدما أخد دور المشاهد لأكثر من ساعة وقال:
_ ومتلبسش طرحة ليه بقى؟
رفعت عينيها إليه بتعجب وقالت:
_ أنت عايزني أتحجب يا أيوب؟
نعم، يرغب أن لا يقف أمام الله يحاسب عليها. يرغب أن لا يراها أحد غيره. فقال بهدوء:
_ لو قولتلك عايزك تتحجبي يا دلال، هيبقى رأيك إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة. لأول مرة تقف بموقف مثل هذا. أخذت نفسها ونظرت لمن حولها، وجدت بعينيهم انتظار الرد. فعادت بنظرها إليه لتري بعينيه نظرة رجاء واضحة. ابتسمت وقالت:
_ ماشي، بس من هنا ورايح الكل يحترم رأيي وكلمتي. ما أنا هبقى الحاجة دلال.
ضحك بسعادة ثم اقترب مقبلاً رأسها مردفاً:
_ ماشي يا حاجة دلال، نبقى ناخد برأيك بعد كدة.
شعرت حنين بالغيرة رغماً عنها، فأقتربت من أيوب مردفة:
_ بوس رأسي أنا كمان يا عمو.
قهقه أيوب ووضع قبلة فوق رأسها مردفاً:
_ عنينا يا حنون.
_ وأنا كمان، اشمعنا هما؟
حدق بعمته ثم قال بغيظ:
_ مش عندك جوزك المستفز ده؟ بوسي فيه براحتك بعيد عننا.
ردت عليه فوزية بغضب:
_ الراجل غلبان يا أيوب، حرام عليك المعاملة دي.
بغيرة طفل على والدته قال أيوب:
_ ده غلبان ده؟
صرخت الحماس من دلال جعلته يحدق بها، فقالت:
_ أنا عايزة الفستان ده يا أيوب، بليزز.
هل لو قبلها الآن بمنتصف المكان بعد هذا الدلال سيحدث شيء؟ لا والله لم يحدث. مال عليها هامساً:
_ دلال، أنا عايزك دلوقتي. اتصرفي.
اتسعت عينيها بذهول وهمست:
_ أنت بتقول إيه يا قليل الأدب؟ إحنا وسط الناس.
_ ما أنا بوشوشك بصوت واطي أهو. اتصرفي بقى قبل ما تبقى فضيحة عامة قدام كل الناس. دقيقة واحدة ومش هبقى ملزوم باللي هيحصل.
كانت الرغبة بعينيه ظاهرة مثل الشمس. فجذبت حنين وذهبت إلى غرفة القياس بخطوات سريعة، ليقول لنفسه:
_ بقيت مراهق يا أيوب.
بيوم الحناء.
_ أنت متأكد إنك عايز تعمل كدة يا باشا؟
سأله مصطفى بذهول من طلبه، فقال أيوب بغضب:
_ ما تخلص بقى يا مصطفى، إيه الصعب في اللي بطلبه منك؟
فلتت منه ضحكة ساخرة قبل أن يقول:
_ كل طلباتك غريبة والله يا باشا. عايزني أعملك حبل يطلعك لأوضة نومك من البلكونة؟ طيب ما تدخل من الباب وخلاص.
أجابه أيوب بسخرية:
_ تصدق، المعلومة المهمة دي كانت غايبة عني. ما أنا مش عارف أدخل يا بني آدم. فوزية قافلة الباب من برة بتقول: دي حنة بنات، مينفعش أدخل. ولو دخلت وشوفت العروسة يبقى فال وحش. أخلص يا مصطفى، عايز أدخل في ورق مهم جوا.
غمز إليه مصطفى بمكر مردفاً:
_ يعني أنت عايز تفهمني إنك هتقل من نفسك وتطلع على الحبل ده عشان خاطر شوية ورق؟ ما تقول إن الهانم وحشاك وعايز تشوفها.
عض على شفتيه من الغيظ وقال:
_ معاك خمس دقايق تتصرف فيهم وتطلعني فوق، بدل ما أتصرف أنا وأطلعك عند اللي خلقك.
تلك المرة كان جاد، ومصطفى يعلم جبروت أيوب، فأومأ إليه مردفاً:
_ دقيقتين وهتبقى في جناحك يا باشا.
ذهب مصطفى دقيقة وتم تنفيذ الخطة بنجاح وتمدد أيوب على فراشه، ثم أخرج هاتفه وقام بإرسال رسالة لدلال عبر الواتساب:
_ أطلعي الجناح بتاعي دلوقتي حالا.
بالأسفل.
كانت تتمايل مع أغاني المهرجانات وتغني معها. صوت هاتفها جعلها تنظر إليه، ثم أرسلت له مردفة:
_ أعمل إيه في جناحك؟ أنا برقص مش فاضية. وبعدين هو أنت فين أصلاً؟ مش ماما فوزية قالت لك مش عايزة تشوف وشك غير بكرة في الفندق.
_ ترقص يومك بلون خصلات شعرك يا دلال. أمرها بغضب شعرت به من مجرد كلمات:
_ ده أنتِ ليلتك طين على دماغك. أطلعي يا بت الجناح بدل ما أنزل أفضح الليلة دي.
خافت من تنفيذه لما قال، فقالت لفوزية بتوتر:
_ هطلع أوضتي خمس دقايق وجاية يا ماما.
_ أطلعي يا حبيبتي، بس ما تتأخريش.
دقيقة وكانت تقف أمامه مردفة بتوتر:
_ في إيه أيوب؟ مالك متعصب كده ليه ودخلت هنا إزاي؟
سحبها ليسقط جسدها فوقه، ثم قال بغيرة:
_ أربط أيدي في إيدك عشان أبقى مرتاح، بدل دمي اللي محروق بسببك طول النهار ده؟
همست بنعومة:
_ ليه الأذية طيب؟ هو أنا كنت عملت إيه لكل ده؟
_ جننتيني ووحشتيني وخليتيني زي عيل مراهق بنط من الشبابيك عشان بس آخدك في حضني ثواني.
لعبت بيدها على ذقنه وقالت:
_ طيب ما أنت كمان جننتني وخليتني مدمنة لريحتك، مبقتش أقدر يعدي عليا يوم من غير ما أشمها.
إلى هنا وكفى. أخذ شفتيها بين شفتيه بلهفة، وهي بكل حب استقبلت قبلته بنفس شوقه وجنونه. رفع يده ليزيل عنها فستانها و...
_ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ وأنت بتعمل إيه يا ولا.
ابتعدت عنه دلال بفزع، أم هو ضغط على شفتيه بغضب شديد وقال:
_ هو في إيه يا فوزية؟ أهلك ما علموكوش وأنتم صغيرين إن الباب ده اتعمل عشان نخبط عليه؟ قطعتي لي الخلف.
بسخرية قالت:
_ كان علموك أنت الأول تحترم نفسك يا قليل الأدب يا سافل يا بجح. بتستفرد بالبنت الغلبانة وأنت عارف إنها متقدرش تقول لك لأ.
رفع حاجبه بتعجب مردفاً:
_ أنتِ بتقولي إيه؟ دي مراتي وكله بمزاجها، صح يا بت؟ انطقي.
نظرت لفوزية بخوف مردفة:
_ لأ يا ماما، مش صدقيني، هو غصبني.
ردد الكلمة بذهول:
_ غصبتك؟
جذبتها فوزية خلف ظهرها، ثم أشارت إليه بتحذير مردفة:
_ أيوة غصبتها، آمال أنت فاكر إيه؟ أنا بنتي متربية أحسن تربية ومتسلمش نفسها كده بالساهل. يلا يا بنت قدامي على بره، وانت عايزاك تختفي من البيت ده لحد بكره، بدل ما ألغي الجوازة دي خالص.
لا يود أن دلاله لهما فاق الحد ونسوا من هو أيوب رسلان. فقال بغضب:
_ لأ، هي شكلها هبت منكم انتوا الاتنين على الآخر ونسيتوا مين هو أيوب رسلان. طب قسماً بالله العظيم لهتنامي يا دلال في حضني الليلة. وكلمة كمان مش هيبقى نوم بس.
قالت بخوف:
_ بس...
_ مفيش بس. على السرير يلا.
بصباح ليلة الزفاف.
وجد حاله يسير بخطوات ثقيلة لغرفة ابنه الروحي "خالد". أغلق على نفسه باب الغرفة وفتح غرفة الملابس، أخذ ثوبًا من عنده ووضع على أنفه مردفاً:
_ آه يا خالد، محدش في الدنيا دي قدر يكسر ضهري غيرك.
عاد لغرفة النوم وجلس على الفراش. مد يده لصورته المجاورة للفراش. مرر أصابعه عليها باشتقياق. عقله يذكره بكل لحظاتهما الماضية معا منذ ولادته وحتى يوم موته. بخجل شديد قال:
_ النهاردة فرحي على دلال. أنا عارف إنك كنت بتحبها، بس أنا كمان بقيت عاشق ليها. هبقى أناني المرة دي، هخليها بتاعتي دنيا وآخرة. سامحني يا خالد، لأني مش هقدر أضحي عشانك.
سقطت من عينيه دمعة ألم. رفع الصورة لشفتيه ثم قبلها مردفاً:
_ سامحني.
أخذ نفسه بتعب ثم فتح أحد الأدراج ليضع الصورة. وجد الأشياء التي خرجت من سيارته بعد الحادث. تعلقت عيناه بفلاشة معلق بها ميدالية مكتوب عليها "دلال". انقبض قلبه وشعر بشيء بداخله يمنعه من فتحها. ومع ذلك، أخذها وخرج بها لجناحه. جلس أمام اللاب توب الخاص به بتوتر، ووضعها. اتسعت عيناه من اسم الملف "الليلة الأولى مع دلال". يستحيل أن يكون ما دلف لعقله حقيقي. فتحها ويا ليته لم يفعل. لم يتخيل بأبشع كوابيسه إن يري زوجته بعلاقة حميمية عارية بأحضان رجل آخر وتردد بلذة مستمتعة:
_ خالد...
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء سعيد
بابتسامة مشرقة، علقت يدها بيد السيد عادل ثم قالت:
_ شكراً يا أونكل إنك هتبقى مكان بابا الله يرحمه.
ابتسم إليها السيد عادل وقال بعتاب:
_ يعني تقولي لفوزية يا ماما وأنا لأ؟
تدخلت فوزية بينهما بأعين دامعة. جميلة جداً دلال، وحقاً تشعر أن ابنتها تتزوج اليوم. جذبتها لتضمها مردفة:
_ ألف مبروك يا بنتي، ربنا يديني طوله العمر عشان أشوف عيالك حواليكي.
لا، لن تبكي وتخرب وجهها. أخذت نفسًا عميقًا تكتم به مشاعرها وقالت بصدق:
_ ربنا يباركلي فيكم أنتوا الاتنين.
رفعت عينيها لساعة الحائط ثم قالت بقلق:
_ أيوب اتأخر أوي ومتصلش بيا النهاردة خالص. حد يجيب لي موبايلي أطمن عليه.
أومأت إليها حنين وأعطتها الهاتف. قامت بالاتصال عليه أكثر من مرة دون رد. انقبض قلبها لسبب مجهول، لترسل إليه رسالة صوتية عبر الواتساب:
_ أيوب، حتى لو مشغول رد عليا بأي حاجة تطمني عليك. أنا بدأت أخاف.
أتت إليها الإجابة من مصطفى الذي دلف للغرفة مردفاً بتوتر:
_ الباشا وصل، يلا يا عروسة.
عادت إليها الروح من جديد. فتقدم منها مصطفى وقال:
_ هتنزلي في أيدي يا عروسة، مش أنا أخوكي برضو؟
ابتسمت ليقول السيد عادل:
_ غور، روح لصاحبك. بنتي مش هتنزل غير معايا.
نفى مصطفى مردفاً بمرح:
_ ما أنت عارف يا عم عادل، أيوب ما بيكرهش حد في الدنيا كلها قدك. هياخدها منك إزاي؟
_ والله ده اللي عندي. عايزها ياخدها مني، مش عايزها هاخدها أنا وأروح.
ضحكت وعلقت يد بعادل والأخرى بمصطفى ثم قالت:
_ ياخدني منكم انتوا الاتنين عشان يعرف إن ورايا رجالة تسد عين الشمس ويخاف يزعلني بعد كده.
وبالفعل، رآها بين الاثنين بثوب زفافها الأبيض، بحجاب يراها به لأول مرة. تعلقت عيناه بها وبجمالها بحسرة كبيرة. ابتسامتها جعلته يبتسم رغماً عنه. ملامح وجهها جميلة بسيطة، يليق بها الأبيض وأعطت له الكثير من الحلاوة.
تقدم منها بخطوات وقورة ثم قام بالسلام على عادل ليقول إليه:
_ حطها في عينك، دي بنتي. لو نزل منها دمعة بسببك، هاخدها أنا. أساساً مش طايقك.
أومأ إليه بلا كلمة وسلم على مصطفى. من الصباح ومصطفى يشعر بكارثة لا يعلم ما هي، لكن معالم وجه أيوب لا تعبر عن سعادته بزواجه من دلال. ابتسم إليه بهدوء وقال:
_ مبروك يا صاحبي، خد بالك منها. دلال دلوقتي أختي الصغيرة.
للمرة الثانية، حرك رأسه فقط. انسحب الاثنان وبقيت هي أمامه تحدق به بقلق. نظرة خوفها في عينيها جعلته يميل على رأسها مقبلاً إياها مردفاً:
_ مبروك يا دلال.
دلال؟ هل بالفعل قال دلال؟ نظرته باردة، قبلته باردة، حتى لقبها لم يقوله. سألته بخوف:
_ هو في إيه؟ أنت كويس؟
لا، هو يحترق ولكنه غير قادر حتى على الصراخ. أومأ إليها بهدوء وقال:
_ كويس.
علق ذراعها بذراعه وسار بها إلى ساحة الرقص. لف يدًا حول خصرها والأخرى بيدها. برقي شديد بدأت أول رقصة بينهما، لتقول بابتسامة ناعمة:
_ فاكرة أول أغنية غنيتها لك؟
ابتسم رغماً عنه وقال:
_ امممم، أغنية أخر إصدار.
همست بدلال:
_ تحب أغنيها لك دلوقتي تاني؟
جذبها من خصرها لتقترب منه أكثر وقال بنبرة متملكة ربما لأول مرة تسمعها منه:
_ ممنوع حد يسمع صوت غيري.
سعيدة، رغم شعورها بشيء غريب يحدث، إلا إنها سعيدة جداً. فقالت:
_ مش قادرة أصدق إني بقيت مراتك قدام الكل. الناس دي كلها بقت عارفة إنك ليا يا أيوب.
رأس أيوب على وشك الانفجار. كلما نظر إليها، عقله يعود لمشهد تقبيل خالد إليها. لم يكمل الفيديو أو حتى يعلم إلى أين سيصل. فقط اكتفى بقبلة جنت جنونه وهمسة منها حرقت قلبه. سألها بتعب:
_ بتحبيني يا دلال؟
سؤال عجيب، ليس إليه أي محل بينهما الآن. حدقت به وقالت:
_ أنت عندك شك في ده؟
لا، ليس لديه أي شك. فقط يرغب بسماعها حتى تعطي إليه قوة يتحمل بها ما مر عليه. قال بهدوء:
_ عايز أسمعها. برتاح لما بسمعها منك يا دلال.
ابتسمت بخجل وقالت:
_ تؤ، قولي عايز أسمعها منك يا دلوعة. دلال دي مش حلوة ودمها تقيل.
رفع حاجبه مردفاً:
_ والله؟
_ اه والله.
_ عايز أسمعها منك يا دلوعة.
_ بحبك يا قلب الدلوعة من جوا.
جملة صغيرة أعطت إليه طاقة كبيرة. ضمها لصدره بقوة وهمس بنبرة دافئة:
_ يا ريتني قابلتك من زمان.
على طاولة العائلة، سمعت حنين صوت تعلم صاحبه جيداً:
_ وحشتيني يا حنين.
هل حقاً هو هنا؟ لا، هي غير قادرة على المواجهة وجهًا لوجه بعدما حدث على فراشه. ابتسمت إليه السيدة فوزية وقالت:
_ أنت بقي الحاج ناصر؟
نعم، هو ولكن لقبه الجديد الأحمق ناصر. أومأ إليها وقال بهدوء:
_ ازيك يا حاجة.
حاجة؟ يبدو من أول كلمة أن الفرق الطبقي بينهما كبير وواضح. نظرت إليه وقالت:
_ الحمد لله، نورت الفرح.
_ الفرح منور بأهله. ممكن أتكلم مع حنين شوية.
لم ينتظر حتى الإجابة وجذبها من كفها لطاولة بعيدًا عن الجميع. يا الله، كم اشتاق إليها الأيام الماضية وكم تمنى فقط أن تنام بين أحضانه. حالها كان مختلفًا. لم تشتاق فقط. آخر إهانة منه إليها تتردد أمام عينيها كلما نظرت إليه. سألها بعتاب:
_ بقولك وحشتيني يا حنين. مستخسرة فيا كلمة تريح قلبي؟
أومأت إليه بقوة وقالت:
_ ومين قالك إني مهتمة إذا كان قلبك يرتاح وإلا لأ؟
صدمته من قوة كلماتها، فقال بضياع:
_ بلاش تكذبي يا حنين. أنا عارف إنك بتحبيني بجنون. يمكن زعلانة شوية مني وده حقك على فكرة، لكن مش هيقل من حبك ليا.
ثقته العمياء تلك تؤلمها وتجعلها تشعر كم كانت حمقاء. ابتلعت المرارة في حلقها وقالت بهدوء:
_ أنا معرفش يعني إيه حب يا حاج. بس بعيدًا عن كل حاجة حصلت، عايزة أشكرك على كل إللي عملته معايا. أنا اتعلمت على إيدك حاجات مكنتش هقدر أتعلمها في سنين.
لا، لن يسمح بما يشعر به أن يحدث. قلبه يقول إليه أن، وبكل أسف، وصل لمرحلة الضياع. مد يده ليضم يدها وقال بقوة:
_ سيبك من الكلام الفارغ ده. أنا هردك يا حنين. جربت أعيش من غيرك وفشلت. كفاية لحد كده. نرجع بيتنا وهناك نتعاتب براحتنا.
أخذت يدها منه بغضب وقالت:
_ هو أنت ليه مصمم تفضل تدي أوامر ومحدش يبقى له كلمة بعد كلمتك؟ إحنا مش عرايس لعبة تحركها زي ما أنت عايز. إحنا بني آدمين. لما جالك مزاجك بقيت عايز ترجع حنين العيلة الصغيرة اللي كنت عايز تتمتع بيها يومين من غير مسؤولية. ولما حسيت إنك مش هتبقى بصورة الراجل الشهم، بقى لازم أنا أسكت وما أقولش الحقيقة. لازم أفضل في نظر الناس زانية عشان تفضل أنت البطل اللي ضحى بإسمه عشان خاطر صاحبه.
حرك رأسه بنفي لكل تلك التهم وقال بلهفة:
_ لأ يا حنين، أنا...
قطعته بقوة:
_ ما تجيبش اسمي على لسانك. وبعدين بيت مين اللي أنت بتتكلم عنه؟ البيت اللي فيه ستاتك الباقيين؟ الستات اللي بتغيرهم زي الشربات وبتمشي حياتهم وحياة أهلهم بأوامرك. أنا مش منهم ومش هينفع أكون منهم يا ناصر. قبل ما تفكر تعمل معايا كده، افتكر أنا أبقى مين. أنا حنين رسلان، مش بنت الحانوتي ولا بنت عمك الغلبانة ولا التالتة اللي مش معروف هي بنت مين أصلاً.
حنين جديدة، لأول مرة يراها. نظر في عينيها لعله يرى نظرة العشق القديمة، إلا إنه لم يرى سوى التحدي والغرور. هنا فقط علم أن كل شيء بينهما انتهى، فقال بقوة:
_ الستات اللي أنتِ بتكلمي عنهم دول كانوا شايلين اسمي واسمي جنب اسمهم في شهادة ميلاد ولادي، يعني معاهم من مقامي يا بنت رسلان.
فلتت منها ضحكة ساخرة وقالت:
_ مش فارق معايا صدقني. كل ده مش فارق معايا. كل كلامنا ملوش لازمة. وقفتنا دي أساسًا ملهاش لازمة. اللعبة خلصت يا ناصر، وكل واحد فينا رجع لمكانه. فمفيش داعي إننا نقول كلمة زيادة نجرح بيها بعض. كفاية اللي أنت قولته واللي أنا قولته لحد كده.
تركت وحيدة وعادت لمقعدها بجوار عمتها. سألتها السيدة فوزية بقلق:
_ أنتِ كويسة يا حنين؟
أومأت إليها حنين بابتسامة هادئة:
_ متقلقيش عليا يا تيتا، بالعكس. أنا دلوقتي حاسة براحة الدنيا كلها بعد ما أخدت حقي.
طبطبت عليها السيدة فوزية مردفة:
_ ماشي يا حبيبتي، واعرفي إننا خلاص، أسبوع بالكتير وهنمشي من هنا. اطمنا على أيوب ودلال هتسافري معايا ومش هسيبك هنا لوحدك.
هذا أفضل أن تبدأ من جديد بمكان لا يعرفها به أحد، مكان لا يذكرها أخطائها. فقالت:
_ ماشي يا تيتا.
يضمها إليه بصمت وكأنه يخشى الحديث. أخذت نفسها بتوتر وقالت:
_ أنت شكلك مش طبيعي النهاردة يا أيوب.
وكيف يكون طبيعي يا صغيرة؟ مهما كانت درجة وجعك، أيوب دلال خارج تلك اللعبة. من فعل هذا خالد، وهو من رحمه التراب. غير ذلك هي لا. وضع قبلة حنونة فوق رأسها وقال:
_ عايزك دايماً في حضني وعايز أقول للناس كلها إنك بتاعتي. فيها حاجة دي؟
نفت بحركة بسيطة من رأسها وقالت بحب:
_ قول كل نفسك فيه.
اقتربت منها خلود بسعادة وضمتها لصدرها مردفاً:
_ ألف مبروك يا دلال، تستحقي كل حاجة حلوة في الدنيا.
ضمتها دلال بحب ثم همست إليها مردفة:
_ وبعدين معاكي بقى يا خلود، مش ناوية تحني على الولد الغلبان اللي قاعد هناك زي العيل الصغير اللي أمه تايهة منه ده؟ أرجع له يا خلود على ضمانتي المرة دي، وأنا أوعدك والله لو عملك حاجة هخلي أيوب يعلقه.
ابتسمت إليها خلود مردفة:
_ النهاردة فرحتك أنتِ، بطلي تفكري في اللي حواليكي وفكري في نفسك مرة واحدة وأفرحي.
_ ما أنتِ أختي عبيطة وهو كمان أخويا وفرحتي هتبقى ناقصة وأنتم الاتنين زعلانين.
صمتت خلود، فحدقت دلال بأيوب بقلة حيلة ليشير بعينيه إلى مسعد ثم أشار للميك. فهم مسعد من نظرة عين، ذهب بسرعة البرق ثم حمل الميك وقال بتوتر:
_ مساء الخير يا جماعة، أول حاجة حابب أقول لأيوب باشا ومراته ألف مبروك. تاني حاجة، أنا النهارده جاي أعتذر من أكتر ست وقفت جنبي في حياتي وكانت معايا في المرة قبل الحلوة. أنا آسف يا خلود، سامحيني، وأوعدك إن حياتك اللي جاية كلها معايا تبقى فرحة وبس. من يوم ما سبتي البيت وأنا تايه ووحيد. كنت فاكر إني متعلق بيكي عشان خاطر إحنا عشرة، بس أنا اكتشفت حاجة غريبة أوي يا خلود، عارفة إيه هي؟
سقطت دموعها وهي تراه لأول مرة يفعل شيئًا من أجلها. نفت بحركة بسيطة من رأسها، فقال بابتسامة صادقة:
_ إنك حب عمري كله. بحبك يا خلود وعايز نرجع لبعض وتملي عليا البيت ونخلف. مش دي كانت أحلامك؟ أرجوكي ارجعي عشان نحققها.
دقات دقات قلبها بجنون. ها هو أول حلم من أحلامها يصبح حقيقة ملموسة أمام عينيها. حدقت بدلال فأومأت إليها بحب مردفة:
_ قولي موافقة، المرة دي على ضمانتي.
ابتسمت، ضحكت، خجلت، بكت، كل هذا بلحظة واحدة. تعالت أصوات من حولها، الجميع يحثها على القبول. فقالت:
_ موافقة يا مسعد.
ترك الميك وركض إليها، ضمها بحب وقال:
_ بحبك يا خلود.
_ الله يخليك، تحافظ عليا. صدقني مش هقدر على جديد.
بالسجن.
_ أنا عايزة أخرج من هنا يا لطفي، اتصرف.
وضع لطفي ساق فوق الأخرى بغرور واضح ثم قال:
_ شوفتي لما اتطلقتي مني عشان خاطر حبيب القلب، وصلتي لفين؟
آه يا حقير، آتٍ مخصوص ليشمت بها. كتمت غضبها وقالت برجاء:
_ بلاش نتكلم في اللي فات يا لطفي، نعتبره مات. زي ما كان في بيننا حاجات وحشة، كان في برضو حاجات حلوة. طلعني من هنا وبعدها نبقى نتفق على كل حاجة.
بالحقيقة، هو آتٍ حتى يخرجها من هنا، فهو ما زال يحتاجها. أخذ نفسه بهدوء ثم قال:
_ هخرجك يا جومانة، بس أنتِ عارفة إني مش بعمل حاجة ببلاش، صح؟
_ عارفك وحافظك يا لطفي، مش بتعمل حاجة لله، بس أنت برضو لازم تعرف إن مبقاش في إيدي حاجة أعملها. حتى قصر رسلان مش هقدر أدخله تاني.
بخبث شديد قال:
_ فاكرة الفيلا اللي أخدتيها من ابنك قبل ما يموت بيومين عشان الفيديو الجميل اللي صورتيه له في الشاليه بتاعك مع مراته؟ الفيديو ده يلزمني يا جومانة.
اتسعت عينيها برعب مردفة:
_ أنت اتجننت في عقلك ولا إيه؟ البنت دي دلوقتي بقت مرات أيوب، يعني محدش فينا هيقدر يقف قدامها ولا نعمل اللي في دماغك ده.
ضحك بسخرية مردفاً:
_ تفتكري إنك في مكانك ده تقدري تقولي آه أو لأ؟ وبعدين عايزة تفهميني إنك عملتي كده عشان خاطر الفيلا اللي أخدتيها من خالد بس؟ مفكرتيش تلعبي أي لعبة تانية بالفيديو.
مسحت على خصلاتها بتعب وقالت:
_ خالد ابني يعني أكيد مكنتش هضره بالفيديو مهما حصل. كل اللي كنت عايزاه شوية فلوس وإنه يدخلني تاني لقصر رسلان، بس زي ما أنت شوفت مقدرش يتحمل ومات. مات مقهور بسببي.
_ ما تبطلي الدور اللي أنتِ عايشة فيه ده. عايزة تفهميني إنك مكنتيش السبب في الحادثة.
لا، لا، ما حدث حادث عادي. هي لم تفعل بصغيرها. صرخت بغضب:
_ أنا ما عملتش كده، أنت اللي عملت كده وقولتلي بالحادثة دي أيوب هيرجعني القصر تاني عشان أبقى جنب ابني. مات بسببك أنت.
سحب مقعده ليقترب منها ثم قال ببرود:
_ لأ يا بيبي، وطي صوتك. أنتِ مش في الساحل، أنتِ في قسم بوليس. وكده بدل ما أطلعك هندخل إحنا الاتنين. فتلمي وتعملي اللي بقولك عليه بالظبط، ده لو عايزة تخرجي من هنا يا جومانة. مش عايزة؟ خليكي عادي كده كده، لحد عايزك ولا حد هيدور عليكي.
لا، يستحيل أن تتحمل البقاء هنا. قالت بتعب:
_ صدقني يا لطفي، أنا مش معايا الفيديو ده. صورته وأول ما خالد اداني عقد الفيلا اديته الفلاشة. غير كده أنا معرفش الفيديو فين.
أخذ نفسه براحة شديدة مردفاً:
_ بعدها عمل الحادثة. يعني الفيديو يا إما جوا العربية يا إما في حاجة ابنك اللي في أوضته. مش أنتِ قولتيلي إن كل الحاجات اللي جوه العربية حاليًا في أوضته؟ يبقى زي الشاطرة هخرجك من هنا تروحي الفيلا تجيبي الفلاشة، اتفقنا.
سألته بقلق:
_ هخرج من هنا إزاي؟
_ دي شغلتي أنا، ملكيش دعوة بيها. ها، ناوية على إيه؟ معايا وإلا عليا؟
_ معاك.
أنتهي حفل الزفاف الأسطوري وعاد بها لقصر رسلان. على باب القصر قالت فوزية بمرح:
_ يلا يا غالي، شيل البضاعة بتاعتك لحد باب الجناح.
رسم ابتسامة على وجهه وحملها. لا تعلم لما تشعر ببرود بكل لمسة منه لها الليلة. لفت يديها حول عنقه ودفنت وجهها بصدره. اليوم يوم سعادتها ولا داعي للتفكير بأشياء غير موجودة. وصل بها لباب الجناح ففتح الباب بيد والأخرى تحكمت بخصرها. دلف وأغلق الباب عليهما بقدمه ثم وضعها على الفراش بحنان مردفاً:
_ مبروك.
فقط مبروك؟ هذا كل ما يريد قوله؟ دلال، لا تفسدي الليلة بغبائك. ابتسمت إليه مردفة:
_ الله يبارك فيك يا حياتي.
ألقى عليها نظرة هادئة وبعدها ابتعد قائلاً:
_ أنا هدخل آخد شاور، تكوني غيرتي هدومك براحتك.
تغير ملابسها بمفردها؟ لا، والله. منذ متى هذا؟ لم تتحمل أكثر وفلت لسانها بحدة:
_ هغير لوحدي، أمال أنت بتعمل إيه هنا؟
لا يعلم ما دوره هنا حقاً. لا يعلم. يرفض جرحها بأي طريقة حتى ولو بكلمة، لكنه لا يقدر على لمسها وخصوصاً الليلة. يكفي ما يرسمه عقله. مسح على خصلاتها بحنان وقال:
_ اليوم النهاردة كان طويل واحنا الاتنين تعبنا. في الأحسن نرتاح. هدخل آخد شاور وأنتِ غيري هدومك.
اختفى خلف باب المرحاض لتحدق بمكانه بخوف. شعورها برعب يزيد، لكنها لا تعرف ما يدور من حولها. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت لنفسها:
_ هو في إيه بالظبط؟ أيوب ماله؟ ده امبارح كان بيتحرش بيا، النهاردة تعبان؟ زوجها وتعلمه عن ظهر قلب، يستحيل أن يكون طبيعي.
أخذت نفسها لعلها تفكر، ثم قامت من مكانها مردفة:
_ هلبس حاجة حلوة واستنى لما يخرج. أهدي يا دلال، أهدي، مفيش حاجة.
بالداخل، كان الأمر عبارة عن جنون. يقف أمام المرآة ينظر لنفسه وكأنه يبحث عن شيء. ما رآه كان بشعًا، لا تستطيع تحمله. لم يكمل، لكن عقله اكتفى بالبداية وعلم الباقي. قال لنفسه:
_ في إيه؟ أنت متجوزها وأنت عارف إنها كانت متجوزة قبلك. يعني اللي شوفته عارف إنه حصل. مالك في إيه؟
نعم، هذا حقيقي. كان يعلم، لكن الحقيقة أبشع. الرؤية غير. رآها مستمتعة، سعيدة، رآها تتغنج وتطلب المزيد. أغلق عينيه وضرب الحوض بقوة. حتى لو هذا ماضي، قبله هي الآن عاشقة إليه. دقة على باب المرحاض، بعدها صوتها الناعم باسمه:
_ أيوة.
صرخ بغضب:
_ عايزة إيه؟
ابتعدت عن الباب بذهول وقالت بنبرة مرتجفة:
_ أنا آسفة، كنت بطمن عليك بس.
آه يا دلال، آه. فتح الباب لتجده بالبدلة كما دخل. رأى بعينيها نظرة ضياع، نظرة عتاب. لم يتحمل أكثر وجذبها لاحتضانه مردفاً:
_ أنا آسف، اتعصبت عليكي وأنتِ ملكيش ذنب.
مررت لسانها على طرف شفتيها لتعطي إليها بعض الطراوة، ثم ابتعدت عنه قليلاً لتضم وجهه بين يديها مردفة بخوف:
_ مش مهم كل ده. المهم أنت، فيك إيه؟ مالك؟ طمني يا أيوب، أنا بخاف من غيرك.
هو الآخر يشعر بالخوف وربما أكثر منها. دقق بها أخيرًا ليرى ما ترتديه، قميص نوم من الستان الأبيض يصل لفوق ركبتها. ما هذه اللعنة؟ يشبه الأخرى، لكن الآخر كان طويلاً. إذا ظل هنا ثانية واحدة، ستكون النتيجة كارثية. ابتعد عنها وقال:
_ نامي يا دلال، أنا نازل المكتب عندي شغل مهم.
تركها بعدها وخرج. اتسعت عينيها بذهول من الصدمة وألقت بجسدها فوق الفراش مردفة بتوهان:
_ شغل مهم؟ هو هرب مني ولا أنا اللي بتخيل؟
نعم، فر قبل أن يفقد عقله. أغلق عليه باب المكتب ثم ألقى بجسده فوق الأريكة. أغلق عينيه لعل تحدث معجزة وينام، إلا إنه تذكر المشهد. طول اليوم يحاول أن يبقى طبيعيًا، إلا أن الأمر صعب، مؤلم، قاتل. قام وضرب كل شيء حوله، وبعدها جلس على مقعده. حدق ببقايا الغرفة بصمت لتدلف هي. لا، دلال، لا. سألها بقوة:
_ جاية ليه؟ مش قولتلك نامي؟
رفعت حاجبها بحدة مردفة:
_ وأنا المفروض أول ما تقولي نامي أنام؟ في إيه يا أيوب؟
مسح على وجهه بتعب وقال:
_ في إيه يا دلال؟
كلمة دلال بمفردها تستفزها. صرخت بغضب:
_ متقوليش دلال وبطل استفزاز. أنت هربان مني ليه؟
رفع حاجبه بتعجب ثم قال:
_ هربان منك؟ وأنا ههرب ليه؟
حركت كتفها بعجز مردفة:
_ مش عارفة، بجد مش عارفة. أيوب حبيبي، قولي فيك إيه على الأقل أطمن عليك؟
حزنه جعله يضعف. جذبها بحنان ليضمها إليه ثم قال:
_ أهدي بس، دموعك غالية أوي عليا. كل الحزن ده عشان عايزك ترتاحي بعد يوم طويل؟
بحزن قالت:
_ أنا مش عايزة أرتاح، أنا عايزة أبقى في حضنك زي أي عروسة.
يا ليته يقدر. هو الآخر يتمنى هذا القرب، إلا أن جسده حقًا لا يقدر على التخطي. خرجت منه تنهيدة طويلة ثقيلة، بعدها حملها لجناحه وضعها على الفراش بحنان وهمس:
_ طيب، مش هنزل تحت. تعالي نامي في حضني.
هو لا يريد الاقتراب منها، هذا واضح وضوح الشمس. سألته بصراحة:
_ أيوب، أنت مش عايز تقرب مني ليه؟
كيف يقترب؟ كيف يراها بعلاقة حميمية معه؟ كيف يسمع رنين صوتها باسمه؟ كيف وكيف؟ لا يصدق إلى الآن أن خالد فعل بها هذا. لحظة ستكون كارثة. إذا كانت تعلم بما فعله خالد، سألها بلحظة جنون:
_ إيه رأيك نخلي الليلة دي مميزة ومختلفة عن أي ليلة تانية؟
عقدت حاجباها بتعجب مردفة:
_ مميزة إزاي بقي؟
مرر أحد أصابعه على ذراعها وعيناه تنظر داخل عينيها بترقب ثم همس:
_ ورد وشموع والقميص التحفة إللي كنت لابسه الأول وكاميرا صغيرة تفكرنا باليوم ده بعد كده السنين قدام.
بداخلها شيء اهتز. لمسته الخبيرة مع همسه الساخن بدأ جسدها يستجيب، حتى وقفت عند جملة معينة جعلت تسأله بخوف:
_ كاميرا؟
أومأ إليها بابتسامة وقال:
_ امممم، كاميرا عشان كل ما نحب نفتكر ليلة دخلتنا نفتح الفيديو ونتفرج.
تجمد جسدها تحت يده ثم أشارت بكف مرتعشة على نفسها مردفة بتوهان:
_ أنت عايز تصورني وأنت نايم معايا يا أيوب؟
_ فيها إيه؟ أنتِ مراتي.
ضياع كل ما تشعر به الآن، ضياع. انتفض جسدها بعيدًا عنه وصرخت بجنون:
_ أنت مالك فيك إيه النهاردة؟ سامع نفسك بتقول إيه؟ أنا دلال الدلوعة حبيبتك مش واحدة من الشارع ولا واحدة من الزبالة اللي كنت تعرفهم عشان تطلب مني طلب زي ده. مش قادرة أستوعب أنك واقف قدامي وبتقولي عايز تصور شرفي وعرضي عشان كل ما مزاجك يجي لك تتفرج.
آه يا حمق، عالمك بالكامل سقط فوق رأسك. حتى لا تعلم، لا تعلم أن تم تصويرها. حاول الاقتراب منها إلا إنها صرخت مردفة:
_ أبعد عني بقولك أبعد عني. إياك تقرب.
صمم على الاقتراب، ضمها إليه بقوة وقال:
_ أهدي يا حبيبتي، حقك عليا أنا تعبان النهاردة يا دلال ومش عارف لا بقول إيه ولا بعمل إيه، فالأحسن ليا إحنا الاتنين ننام.
أغلقت يديها عليه ترفض الابتعاد، ترفض النظر داخل عينيه ونامت.
بصباح يوم جديد، فتحت عينيها بصداع شديد. نظرت محله ووجدته خاليًا وعلى الوسادة ورقة صغيرة مكتوب بها:
_ أسف على غبائي امبارح، كنت تعبان وعقلي مش فيا. أنا مسافر فترة يا دلال، متخافيش هرجع لك تاني. أنا مقدرش أعيش من غيرك، بس الأفضل دلوقتي إني أبقى بعيد. حقك عليا، خايف أأذيكي.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شيماء سعيد
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء سعيد
ومن أمتى أيوب رسلان ممكن يتفق مع واحد زيك يا لطفي..
قهقه لطفي بمرح مردفاً:
عندي فلاشة فيها المرحوم خالد والعروسة إللي في حضنك دلوقتي لو شوفت إللي جواها ممكن نتفق..
هل اهتز أيوب رسلان حقا ؟!..
للحظة واحدة نعم وبعدها عاد لقوته، أبتعد عن دلال وبعدها خرج من الغرفة أعطي وجهه للباب ليقدر على الحديث دون أن تخرج وقال بهدوء حذر:
معلش يا لطفي السمع عندي بقي بعافية شوية كنت بتقول إيه ؟!..
هدوئه زاد من جنون الآخر فقال:
هو أنت في إيه يا جدع مفيش حاجة بتهدك ولا بتكسرك ابدا؟!.. بس هرجع واقول غلبان ما أنت متعرفش اللي جوا الفلاشة إيه..
يعلم ما بداخلها ويعلم كيف سيضع جومانة ولطفي بمقبرة واحدة، أخذ نفسه وقال:
بكرة الساعة ١١ تكون قدامي في الشركة..
ضحك لطفي بسخرية مردفاً:
مصمم تفضل باشا برضو وأنت صباعك تحت ضرسي، همشي معاك للاخر وهقابلك، نصيحة مني بلاش غدر لأن الفلاشة واللي فيها بحياتك يا باشا..
أنا اللي هقرر يا لطفي إذا كان اللي جوا الفلاشة دي يهمني أو لأ..
يهمك وأوي كمان..
أغلق أيوب الهاتف بوجهه، قدرته على تحمل سماع المزيد انتهت، قام بالاتصال على مصطفي الذي قال بتوتر:
والله يا باشا أنا ما كنت هقولها مكانك فين بس هي فضلت تتحايل عليا صعبت عليا فقولت لها..
بقوة قال:
سيبك من الكلام الفارغ ده يا مصطفى وعايز لطفي وجومانة تحت عينيك 24 ساعة زود الرجاله اللي عليهم، والست اللي مع جومانة جوا الزنزانة تدخل لها النهاردة زيارة وتعرف منها أي حاجة حتى لو كانت مش مهمة مفهوم..
مفهوم يا باشا وعايز أقولك كمان إن موضوع قضية خالد على النهاردة بالليل بالظبط هقولك فيه الخلاصة..
ماشي يا مصطفي..
تجمدت عينيه على باب الغرفة، فتحته ببطء شديد ثم أخرجت أول قدم بجمالها المثير، يبدو أن الصغيرة تحاول اغرائه وليكون صادق تمت العملية بنجاح حتي قبل أن تكمل الخطوة الثانية، أغلق الهاتف وألقي به على الأريكة وعينيه فقط تتأملها بنظرات رغبة واضحة..
أخيراً حنت عليه وخرجت أمامه بثوب نوم من التول كلمة حق لا يخفي شئ وقالت بإبتسامة تزيد من جرعة الجنون لديه:
مش اليوم ده بتاعي لوحدي؟!..
أومأ إليها بتوهان فاقتربت من الهاتف ثم أغلقته وبعدها وقفت بين يديه هامسا:
يبقي ممنوع موبايلات المطلوب منك أنك تركز معايا انا وبس..
هل نسي ما كان يمنعه من الإقتراب منها ؟!.. وهل كان هناك شيء يمنعه من تذوق حبيبته ؟!..
لا والله لم يتذكر حملها بخفة مردفاً بوقاحة:
بتحاولي تغريني صح؟!..
أومأت إليه بإبتسامة ناعمة ثم همست بدلال:
امممم بحاول اغريك وادوبك وانسيك الدنيا كلها عشان تفتكرني أنا بس وتبقى معايا أنا بس..
دفع باب الغرفة بقدمه ودلف بها ثم اغلفه بنفس القدم، ألقي بجسدها فوق الفراش وقال:
كتر ألف خيرك لحد كده اللي جاي ده بقى شغلي أنا..
إبتسمت براحة شديدة، حمدت ربها انها قدرت على مسح أي مسافة بينهما حتي لا يتحول الأمر لفجوة مرعبة، جذبتها من مقدمة ملابسه ليسقط فوقها ثم قالت:
وأنا من إيدك دي لأيدك دي شبيك لبيك دلال ملك أيديك..
وهل يتمني أكثر من ذلك ؟!.. لا والله إنها بين يديه جنة لا يريد الخروج منها ابدا، مسح على خصلاتها هامسا بنبرة خشنة:
أنتِ صعبانة عليا أوي يا دلوعة..
سألته ببراءة:
ليه ؟!..
إللي هيحصل فيكي دلوقتي عايز صحة وأنتِ صحتك في الأرض، بس أوعدك نخلص واعلق لك المحلول بايدي..
بزلزالة جومانة..
أقتربت منها صديقتها الوحيدة بالمكان والتي تدافع عنها عندما يتم ضربها من قبل نساء أيوب " روحية" ، سألتها بقلق:
مالك يا ست الكل شكلك متوترة ومش على بعضك من ساعه ما رجعتي من الزيارة امبارح..
حدقت بها جومانة وقالت بقلق:
مش عارفة ايه اللي هيحصل بعد كده يا روحية، حاسة ان نهايتي قربت أوي وفي نفس الوقت مش عارفة اوقفها ولا عارفة أرجع بالزمن..
طبطبت روحية على ظهرها وقالت:
أنا مش فاهمه منك حاجة وبعدين الراجل اللي جالك زيارة إمبارح ده، قولتي إن هو اللي هيخرجك وهترتاحي من القرف هنا، المفروض تبقي مبسوطة مش زعلانة ومقهورة بالشكل ده...
حدقت جومانة لأول مرة بمنطقة فارغ بحسرة ، تنهدت بثقل شديد وقالت:
الموضوع كبير يا روحية مش هتفهمي منه حاجة بس أنا هقوله لك يمكن ارتاح..
أومأت إليها روحية بهدوء:
قولي يا أختي حتى لو مش هحلك المشكلة على الأقل تفضفضي وترمي همومك على حد...
الراجل اللي جه إمبارح ده يبقى طليقي، طلبت منه يخرجني وهو وافق بس في المقابل أجيب له فلاشة مهمة جداً من بيت جوزي الاولاني، المصيبة اني مش هقدر أدخل البيت ده وحتى لو جبت الفلاش أيوب لو عرف إني اللي عملت كده المرة دي مش هيستكفى موتي..
وهي الفلاشة دي فيها إيه مهم للدرجة دي عند جوز الرجالة دول..
بكت جومانة وهي تشعر بعجز وقلة حيلة يقتلها ببطء ثم قالت بحسرة:
الفلاشة فيها إبني في ليلة دخلته مع مراته..
ضربت روحية على صدرها برعب مردفة:
يا لهوي ومين اللي معندوش قلب ولا ضمير اللي صور راجل ومراته في حاجة زي دي ؟!..
أنا.
أتسعت عينيها بذهول وقالت:
أنتِ تعملي في إبنك كدة آمال سيبتي للعدو ايه؟!..
قبل أن تجيب دلف العسكري مردفاً:
جاي لك زيارة يا بت يا روحية قدامي على بره..
دقيقتين ودلفت لغرفة الضابط، وجدته مصطفي فقالت بسرعة:
كويس أنك جيت يا سعادة البية المرة دي أنا معايا أخبار هتطير فيها رقاب.
أخبار إيه قولي إللي عندك ؟!..
إمبارح جالها زيارة واحد جات من عنده وشها الوان فضلت اذن عليها عشان أعرف مالها ما رضيتش، بس النهاردة قالتلي أنه طليقها وناوي يساعدها تهرب من هنا بس في المقابل تجيب له فلاشة من قصر أيوب باشا..
عقد مصطفي حاجبه بترقب مردفاً:
فلاشة إيه دي ؟!..
صمتت روحية بخجل فقال مصطفي بغضب:
ما تنطقي يا روح أمك هو أنا هأخد منك الكلمة بالعافية..
أصل الموضوع حساس أوي وبصراحة مش عارفه أقوله لحضرتك ولا استنى لما اقابل ايوب بيه..
بنفاذ صبر قال:
أيوب مش هيعرف يجي لك يا روحية وهو اللي باعتني فخلصي وقولي في إيه..
أنا سألتها الفلاشة دي فيها إيه قالت إنها مصورة ابنها مع مراته في ليلة دخلتهم وان الفلاشة دي تهم أيوب باشا أوي والراجل التاني ده عايزها منها، شكله والله أعلم يا ناوي يفضح الباشا يا اما يطلب منه حاجة عشان يسكت..
أتسعت عين مصطفي من الصدمة، أي نوع من الأمهات تلك ؟!.. الكارثة الكبري برد فعل أيوب بعدما يعلم بتصوير دلال مع خالد، سألها بقوة:
متعرفيش ناوي يهربها من هنا أمتى ولا ازاي؟!..
كنت هسالها لسه بس العسكري دخل وقال ان عندي زيارة..
أشار إليها مردفاً:
ارجعي الزنزانه حالا وبالليل هجيب طريقة اقابلك بيها تاني تكوني عرفتي كل حاجة..
خرجت فأخرج هاتفه وقام الاتصال على أيوب أكثر من مرة وكانت الإجابة واحدة الرقم المطلوب مغلق أو غير نطاق الخدمه حاليا فقال بغضب:
لأ مش وقت خالص انك تقفل موبايلك أنا لأزم اتصرف دي مصيبة..
عودة لليخت..
يلا بقي يا دلوعة الكسوف مش لايق عليكي خالص..
عقدت حاجبها بغيظ مردفة:
ليه حد قالك عليا قليلة الأدب وإلا إيه ؟!.. أنا بنت زي كل البنات ومن حقي اتكسف..
قهقه بمرح وقال:
أنتِ مش زي كل البنات أنتِ ست البنات كلهم بس يلا اقلعي البتاع وانزلي بقي..
أشار إليها برجاء واضح لتخلع الروب عنها وتنزل معه للبحر، الخجل يسير بكامل جسدها، أزالت الروب عنها بحياء شديد ومدت يدها إليها سحبها لتسقط على صدره مردفاً بتعجب:
أنتِ مكسوفة بجد ولا إيه ؟!..
ضربته على صدره بغيظ مردفة:
ما تلم نفسك بقى إيه مكسوفة بقى بجد دي؟!..
سارت عينيه على جسدها المكشوف مردفاً بنبرة خشنة:
يعني من الصبح عماله تغرغري فيا لحد ما جرتيني للغلط وفي الاخر أنتِ اللي عاملة نفسك مكسوفة دلوقتي..
عضت على شفتيها بخجل وقالت:
لأ ما هو الصبح كانت حالتك النفسية وحشة لكن دلوقتي أنت مش مضمون وبتبص لي بصات مش كويسة بتكسفني..
ما هو لأزم أبص بصات مش كويسة بالمايوه الاسود إللي يعمل في حاجات مش كويسة، لو بصيت بصات كويسة هبقى أنا اللي مش كويس..
قهقهة بمرح وقالت:
اتلم بقي...
تيجي أعلمك العوم ؟!..
شهقت برعب قائلة:
وأنت يوم ما تيجي تعلمني العوم تعلمني في نص البحر أنت عايز تموتني يا أيوب ؟!.
غمز اليها بوقاحة مردفاً:
اموتك إيه بس يا بطل هو أنا بعرف أنام إلا وأنت في حضني ؟!..
أومأت إليه بعتاب:
أيوة عادي بتعرف تنام، كل ما في حاجة تزعلك تقسى عليا أنا يا أيوب وتزعلني وأنت عارف إني مقدرش أعيش من غيرك..
ضمها إليه وأغلق ذراعيه عليها ثم وضع فوق خصلاتها عدة قبلات معتذرة حنونة مردفا:
عندك حق وحقك عليا أوعدك مش هعمل كده تاني، بس صدقيني وقتها يا دلال لو كنت فضلت معاكي تحت سقف واحد كان الموضوع هيبقى اسوء من دلوقتي بكتير..
أومأت إليه بحزن طفلة صغيرة وقالت:
بلاش تبعد عني ولا تقسى عليا تاني يا أيوب، لما تحس ان في حاجة جوا قلبك قولها لي في وشي لكن متبعدش أنا مليش غيرك أنت كل حاجة ليا في الدنيا دي...
لو بيده لوضعها بداخل صدره وأغلق عليها، هو الآخر ليس لديه إلا هي مهما كان حوله أشخاص، أبعدها عنه قليلاً ثم ضم وجهها بين يديه مردفاً بحنان:
تعرفي أنا نفسي في إيه دلوقتي حالا؟!..
تؤ نفسك في إيه ؟!..
نفسي يكون ليا إبن منك يا دلال إبن أنتِ أمه ويقولي يا بابا..
يا ليته صمت، حدقت به بقهر وقالت:
ابنتا مات يا أيوب مات وأنا مقدرتش أعمله حاجة كان هيبقى حلو أوي أنا متأكدة..
لسة العمر قدامنا نجيب غيره، أنسي كل اللي فات، حياتنا بتبدا من اللحظة اللي احنا فيها دلوقتي مع بعض، هنجيب ولاد كتير وهنبقى عيلة حلوة وأي حاجة وجعتك قبل كده مش هيبقى ليها مكان وسطينا..
ابتسمت بحب وقالت:
والباشا بقى يحب إنه يبقى إسمه ايه؟!..
أبتسم بحنين لشعور ربما لأول مرة يكتشف أنه يريد أن يمر به، سرح لثواني وقال:
سند..
واشمعنى سند؟!..
عشان يبقى سندي في الكبر ما أنا نسيت أقولك الباشا قرب يعجز يا دلال..
مسحت على وجهها بحنان وقالت كأنها تتعامل مع طفل صغير:
لأ يا حلوة متقوليش على نفسك كده ده أنتِ قمر..
عقد حاجبه بسخرية مردفاً:
حلوة ؟!.. لا ده أنتِ أخدتي عليا جامد بقى وعايزة تتربي..
بدأ يدغدغ تحت ذراعيها لتضحك بصوت عالي وجسدها يتلوي أسفل يديه:
خلاص أبعد أيوب كفاية لأ لأ لأ أبعد حرام عليك مش قادرة..
قال بقوة:
اعتذري الأول وأنا أبعد..
أنا آسفة يا سيدي أبعد بقي مش قادرة أخد نفسي..
أبتعد عنها ويده تضم خصرها بقوة حتى لا تسقط منه مردفاً:
أيوة كده اتلمي دلعتك أنا دلع اوفر..
إجابته بسخرية:
عندك حق من كتر الدلع اللي شوفته على أيدك الناس بتقول عليا من دلعه فيها فسدت..
رفع حاجبه بترقب مردفاً:
أنتِ بتتريقي مش كده؟!..
نظرة الشر بعينيه جعلتها تقول بسرعة:
لأ لأ مش بتريق طبعا دي الحقيقة حتى أسأل الناس كلهم هيقولوا لك كده..
يا الله على جمال ما يعيشه معها، نسي العالم وبما فيه وتذكر فقط إنها معه وبين أحضانه، هذه الفتاة عبارة عن نعيمه على الأرض، همس بنبرة ساخنة:
بحبك..
سمعتها منه كثيراً ومع كل مرة تأثيرها على قلبها يكون أقوي، بعد تلك الكلمة تشعر إنها ملكت العالم وما فيه، أخذت نفس عميق وكأنها تسحبها إلي أعماق قلبها ثم قالت بتوهان:
وأنا كمان بحبك أوي..
عينيها تخرج قلبه فابتسم مردفاً بحنان:
يسلملي اللي بيحب أنا..
نامت على صدره لدقائق طويلة ثم سألته بنبرة دافئة:
أيوب..
امممم..
ابتعدت عنه قليلاً وقالت بفضول:
أنا أعرف إن أنت كنت متجوز قبل كده ومراتك يعني الله يرحمها ماتت، بس معرفش أنت اتجوزت كام سنة وليه مخلفتش طول السنين دي ما دام أنت بتحب الأطفال بالشكل ده ونفسك تخلف..
تنهد ومسح على خصلاتها مردفاً:
أنا قولتلك من شوية إن نفسي أخلف إبن أنتِ تبقى أمه، حبي للاطفال والخلفه جه بعد ما أنتِ حياتي دخلتي حياتي..
سألته بتعجب:
وهي ما كانتش عايزة تخلف ؟!..
مراتي الله يرحمها كانت ست كويسة عشنا 10 سنين بينا عشرة واحترام، علاقة مبنية على مصالح وشغل كبير بعيدة كل البعد عن الحب، هي بتحب شغلها أوي وأنا بحب شغل أوي واننا نخلف دي مكانتش حاجة موجودة في الحسابات..
على الأقل مكنتش عايز تغيظ جومانة ويبقى عندك اطفال زيها..
أبتسم إليها بمعني لا فائدة تدور بكل الاتجاهات حتي تعلم إذا كان بداخله مشاعر لجومانة حتي لو كانت مشاعر قليلة، قرص أنفها وقال بإبتسامة هادئة:
ريحي نفسك يا دلال من يوم ما أخويا راح أتقدم لها ووافقت بقت ولا حاجة بالنسبة ليا، طول عمرها أهم حاجة عندها الفلوس اول ما أتجوزت خلفت على طول عشان تضمن فلوس عيله رسلان، وأنا اعتبرت خالد وحنين ولادي أول مرة في حياتي أحس إني فعلا نفسي ابقى أب لما قولتلي أنك حامل..
حديثه يعطي إليها ثقة كبيرة بنفسها، إبتسمت إليه وقالت:
طيب هنخلف أمتي أنا كمان عايزة منك بيبي ؟!..
بخبث قال:
بس كدة غالي والطلب على قلبي زي العسل اقلعي البتاع ده..
شهقت برعب مردفة:
أنت بتقول إيه يا قليل الأدب ؟!..
وضع يده على ملابسها بتصميم شديد وقال:
أنا مش بقول أنا بعمل..
أيوة هتعمل ايه ؟!..
هجيب سند..
في البحر ؟!..
غمز إليها بوقاحة مردفاً:
عشان يطلع شديد زي أبوه...
بصباح اليوم التالي بحديقة قصر رسلان..
تقدمت حنين من ناصر الجالس على أحد المقاعد وأمامه فنجان من القهوة السادة، جلست على المقعد المقابل إليه وقالت بهدوء:
الدادة قالتلي أنك طلبت تشوفني هنا ما دخلتش جوا ليه؟!...
هل أشتاق لمعالم وجهها ؟!.. اه والله يشعر وكأنه غريق وصل للشط أخيراً، ماذا تريد يا ناصر من ضياع لضياع بلا أي نهاية تريح قلبك، أخذ نفسه بتعب وقال:
في الحقيقة أنا جاي عشان حاجتين النهاردة الحاجه الاولانية أقابل أيوب واقوله على الحقيقة كلها، والحاجة التانية اودعك لأن دي هتبقى آخر مرة أشوفك فيها..
لم تهتز لم تشفق على حاله أو حتي تشعر إنها ترغب بالعودة إليه، أومات إليه بهدوء مردفة:
ضميرك صحي فجأة وقررت تطلع من دور الراجل الشهم وتقول انك قررت تنام مع السهلة اللي في بيتك ما دام هي كده كده مراتك بجد كتر خيرك..
تغيرت حنين كثيراً وليكون صادق لم يري بعينيها نظرة حب واحدة إليه يحارب من أجلها فقال بجدية:
أنا لما رفضت أقول لأيوب إني قربت منك مكنتش حابب علاقتي بيه تنتهي، لكن النهاردة أنا مش فارق معايا أي حاجة يا حنين، أكتر حاجه وجعاني أنك من ساعة ما سبتي البيت وأنا زي العيل التايه من أمه حتى مش عارف أنام...
رفعت حاجبها بسخرية فأشار إليها مكملا حديثه:
وعلى فكرة مش بقولك كدة عشان ترجعي لاني معنديش النيه ارجعك، أنا رجعت نسمة وشامية وهحاول أعيش حياتي صح، بس أنتِ عارفة المشكله الرئيسية فين دلوقتي؟!...
حركت رأسها بتعب مردفة:
فين ؟!..
اني حبيتك يا حنين..
أشارت على نفسها مرددة بذهول:
أنت حبيتني أنا ؟!..
بتعب شديد أجابها:
أوي حبيتك أوي ودي أكبر غلطة عملتها في حياتي انا مكنش ينفع أحب ولا أبقي عاشق ولهان والمصيبة الأكبر إني يوم ما أحب أحبك أنتِ..
صمت وقلبه مرهق يطلب منه الصمت حتي لا يزيد على وجعه وجع ومع ذلك أخذ نفسه وأكمل:
عيلة صغيرة شقية اتربت في قصور وخدم تربية مدارس دولية، وأنا الحاج ناصر راجل اتجوز قبلها تلاتة ومعايا عيال عايش في حاره ونسوان بيتي يخدموني بنفسهم ومعايا دبلوم معرفش حاجة عن الإنجليزي غير إن تفاحة يعني ابل، تفكتري جوازة زي دي ممكن تعيش كام سنة يا حنين ؟!..
لا تعلم حقا لا تعلم، حركت رأسها بعجز مردفة:
مش عارفة..
أبتسم إليها بحب مردفاً:
بالكتير اوي تقدري تعيشي معايا سنه تحت سقف واحد، سنه الحب يخليكي فيها تعدي حاجات مش عايزاها لحد ما تقفي قدام مرايتك وتقولي ملعون أبو الحب ده الحياة دي مش بتاعتي ومش شبهي ومش هينفع اعيشها، انا ابني بينزل يشتغل معايا زيه وزي أي صبي إبنك توافقي ينزل يشتغل معايا؟!..
لا طبعاً يستحيل أن تهدر طفولة صغيرها، رفضت فقال:
عشان كده مهما كان حبي ليكي كده أحسن لنا، أنا هفضل عايش على الذكريات وسط حريمي وحياتي اللي اخترتها من الأول وأنت هتعيشي حياتك الصح اللي هتختاريها بعد كده، وعشان أكون صريح معاكي اكتر اللي مريحني إني كل ما ابص في عيني اشوف حبك ليا مات..
لم تجد حديث مناسب لكل ما قاله إلا جملة واحدة أنهت بها كل شئ:
ربنا يوفقك في حياتك اللي جايه يا حاج..
أبتسم وقال برجاء:
قولي إسمي لآخر مرة يا حنين..
رأت سيارة عمها وخلفها سيارة ناصر تعبر الطريق فقامت من مكانها مردفة بهدوء:
ربنا يوفقك في حياتك اللي جايه يا ناصر عن أذنك..
ذهبت ووقف هو ينتظر اقتراب أيوب منه، نزل أيوب من السيارة ثم فتح باب دلال مردفاً:
اطلعي أنتِ فوق عندي كام حاجة هعملها الأول..
حدقت بناصر بقلق ثم وضعت يدها على ذراع أيوب مردفة:
أيوب بلاش تعمل معاه حاجة وحشة مهما حصل هو وقف جانبك وهي كانت مراته حلاله معملش حاجة حرام..
نظرة حادة واحدة منه جعلتها تبتلع لسانها وتعود خطوة للخلف، أشار إليها مردفاً بقوة:
على فوق..
أين دلال ؟!.. وهل هذا سؤال هي الآن بغرفة حنين بعد أقل من عشر ثواني من أمر لها، أغلقت الباب بقلق خلفها لتجد حنين تجلس على الفراش وبيدها الهاتف تقلب به بهدوء فقالت بتوتر:
أنتِ قاعدة كدة عادي ؟!..
أغلقت حنين الهاتف مردفة بتعجب:
آمال عايزة أقعد إزاي ما أنا زي الفل أهو..
جلست بجوارها وقالت:
أنتِ مجنونة يا بنتي ناصر تحت وأيوب ممكن يخلص عليه بعد ما عرف الحقيقة..
ضحكت حنين بخفة مردفة:
دمك خفيف يا دودو عموماً عمو زمان كان أسوأ من دلوقتي بكتير جوازه منك خلاه كيوت خالص..
رفع حاجبها بسخرية مردفة:
لأ والله ؟!..
جذبتها حنين لتنام بجوارها:
اه والله تعالى بس اتفرجي معايا على الرواية دي حلوة اوي..
إسمها إيه بقي الروايه اللي اكله عقلك دي؟!..
بإبتسامة واسعة أجابت حنين:
حلاوة ليلة ركزي بس وأنتِ هتحبيها أوي.
بالحديقة..
أقترب مصطفي من أيوب مردفا:
عندي معلومات مهمة من روحية لأزم تعرفها يا باشا..
أشار أيوب برأسه على ناصر الواقف على بعد مسافة منه وقال:
استنى عشر دقايق نشوف الحاج عايز إيه ونبقي نتكلم براحتنا بعدها..
ذهب لناصر وقال بهدوء عجيب:
جاي ليه ؟!..
عايز اتكلم معاك يا أيوب في حاجات كتير لأزم تعرفها حصلت في الفترة اللي كانت فيها حنين في بيتي..
قول سامعك..
خلينا نتكلم في المكتب أحسن..
بعد دقيقة جلس أيوب بوقار على المقعد المقابل إليه بغرفة المكتب وقال:
هاا بقينا في المكتب..
أخذ ناصر نفسه ثم قال بجدية:
أيوب أنا عارف إن بعد اللي هقوله ده هتقول عليا إنسان زبالة وخنت الأمانة بس انا لو مقولتش هبقى برضو إنسان زبالة، مقبلش على نفسي حاجة زي دي..
صمت ثواني كأنه يحاول قول الكارثة بطريقة لطيفة لحد كبير، ثم قال:
حنين لما كتبت عليها كنت فاكر ان الحيوان ده قرب منها بس انا دخلت على حنين وكانت بنت بنوت..
للمرة الثانية يعطل بمنتصف الحديث ويصمت بمرحلة البحث عن كلمات مناسبة، فتنهد وقال بتعب:
أنا اول راجل يلمسها بنت أخوك كانت شريفة ومسلمتش نفسها لراجل غير جوزها..
هنا انتهى من سرد الكارثة وانتظر ردت الفعل، ثانية والثانية والثالثة وبعدها اه لقد اعطي إليه أيوب لكمة بمنتصف وجهه ليسقط بالمقعد للخلف، لم يحاول الدافع عن نفسه قام ليقف أيوب بأستسلام ولأول مرة يترك أحد يعلم عليه، تركه يفرغ به كل ما بداخله من غل حتي أنتهي بتعب مردفاً:
لما جوزتك حنين مقولتلكش متقربش منها ولا حددت جوازها معاك بمدة، كنت فاكر إني بسلمها لراجل لكن أنت أول واحد في حياتي يا ناصر يخيب نظرتي فيه.
بخذلان قال الحاج ناصر:
عندك حق..
فتحت دلال دون سابق إذن، التف إليها أيوب بقلق وجدها منهارة بالبكاء وجسدها يرتجف فاقترب منها بلهفه مردفاً:
في ايه مالك ؟!..
ببكاء حاد تعلقت بعنقه مردفة برجاء:
أنت شوفت الفلاشة صح ؟!.. أرجوك يا أيوب قولي أنك ما شوفتنيش في الوضع ده..
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شيماء سعيد
جذبها ليضمها إليه، فانسحب ناصر من الغرفة مردفاً:
_ هستناك في الجنينة.
أغلق ناصر الباب ليبعدها أيوب عنه قليلاً مردفاً بخوف:
_ ممكن تهدي وتبطلي عياط وتفهمني في إيه.
عينيها بالأرض وشعورها بالعار مسيطر عليها، سألته بقهر:
_ أنت اتجوزتني ليه يا أيوب؟
بدأت أعصاب تفلت ومع ذلك يحاول بقدر المستطاع السيطرة على الموقف، رفع وجهها إليه مردفاً بقوة:
_ ارفعي رأسك وإياكي أشوفك موطيها تاني. في إيه يا دلال؟
طفلة صغيرة العالم بكل مرة يخذلها ويسرق منها فرحتها، سألته بخوف:
_ أنت شوفت الفلاشة صح؟ قولي الحقيقة، أنت شوفتها وعشان كده اتجوزتني؟
عقد حاجبه بتعجب مردفاً:
_ فلاشة إيه؟
بكت مردفة بخجل:
_ الفلاشة اللي فيها أنا وخالد.
تجمد للحظة، من أين علمت بأمر الفلاشة؟
_ اهدا يا أيوب، أي كلمة خطا ستهدم كل شيء.
جذبها بحنان وجعلها تجلس على الأريكة أمامه ثم قال كاذباً:
_ أنا معرفش حاجة عن اللي أنتِ بتقوليه ده، ولا أعرف فلاشة إيه، فخدي نفسك واتكلمي بهدوء وأنا سامعك.
شعرت بأمل كبير من عدم معرفته بالأمر فقالت:
_ موبايلي رن من شوية ولما فتحت كانت جومانة بتقولي إنها معاها فلاشة بيوم فرحي أنا وخالد في الشاليه بتاعها، وقالت إنك شفت الفلاشة دي بعد حادثة خالد على طول واتجوزتني عشان عجبتك، أيوب هي كدابة صح؟ أنت ما شوفتنيش كده ومفيش فلاشة، وأنت اتجوزتني عشان قلبك دق ليا صح؟
منهارة، متخبطة، تأتي بكلمة من هنا على كلمة من هناك حتى انتهت من سرد القصة. وجدته هادئ جداً ينظر إليها بعتاب أو ربما غضب لا تعلم. حرك رأسه وقال بهدوء:
_ وبعدين طلبت منك إيه بقى عشان تديكي الفلاشة؟
رمشت بعينيها مردفة:
_ أنت عرفت إزاي إنها طلبت مني حاجة؟
أبتسم بسخرية مردفاً:
_ ما هو أكيد واحدة في السجن تتصل بيكي عشان تحكي لك القصة الخايبة دي تبقى عايزة منك مصلحة، وبت هددك من تحت لتحت. إيه هي بقى المصلحة؟ قولي.
نظراته، طريقته معها بالحديث، كل هذا مخيف ويعطي إليها إشارة واضحة بعقاب كبير. أبتلعت ريقها مردفة:
_ عايزاني أشوف لها طريقة تدخل بيها هنا.
_ امممم كويس، وأنتُ ناوية تدخليها هنا إزاي؟
سألته بخوف:
_ أدخلها إزاي؟ هي فعلاً معاها فلاشة ليا؟
ببرود أجاب:
_ كنت فاكرك أذكى من كده بكتير يا دلال.
_ أيوب..
قام من مكانه ثم ضرب أحد المقاعد لتسقط على الأرض مردفاً بغضب:
_ بلا أيوب بلا زفت! أنتِ متخيلة إني هشوفلك فلاشة وأنتِ... فأحب الموهبة إللي عندك وأقول الله البنت دي جامدة أوي في السرير، ما أجي أجرب وأدي الفلاشة لجومانة عشان بعد كده تهددك بيها. أنتِ للدرجة دي شايفاني مركبهم يا بت؟
صمتت برعب فصرخ:
_ انطقي.
نفت بحركة سريعة من رأسها مردفة:
_ لأ، أنا بس اتلخبطت وخوفت ومعرفتش أعمل إيه.
خوفها للأسف مثل العادة سيطر عليه وضعف قلبه أمامها. زفر بضيق ثم سألها:
_ رديتي عليها بإيه لما طلبت تدخل البيت قصاد الفلاشة؟
_ فقلت السكة في وشها.
_ شاطرة ما شاء الله عليكي.
أبتلعت ريقها بصعوبة ثم ابتسمت بتوتر مردفة:
_ أيوب هو أنت زعلان مني؟
أومأ إليها مردفاً:
_ أيوه زعلان منك يا دلال ومش عارف أعمل فيكي إيه عشان تثقي فيا، مش قادر أتصور إنك متخيلة إن شفتك في الوضع ده وأديت الفلاشة لجومانة عشان تهددك بيها. هي دي صورتي جوا عينك؟ هو ده الحب اللي المفروض بينا.
حمقاء جداً يا دلال، هو محق، كيف تخلت عنها عقلها لتفكر بهذا الغباء وتقوله إليه؟ قامت من محلها بخطوات سريعة ثم تعلقت بعنقه مردفة:
_ لأ طبعاً يا حبيبي، أنا مستحيل أشك فيك، بس خوفت يا أيوب. وقتها إحنا ما كناش بنحب بعض وأنت كنت جبروت. أنا آسفة.
صمتت مع زيادة نظرات العتاب بعينيه إليها. أبعدها عنه وقال:
_ حتى لو ما كنتش بحبك وحتى لو كنت جبروت ومعنديش قلب زي ما بتقولي، بس أنتِ كنت عرض ابن أخويا وشايلة اسم عيلتنا يا دلال.
بحيرة شديدة قالت:
_ أنت ليه فرحنا طلبت مني نصور فيديو؟
ماذا؟ ما هذا السؤال يا صغيرة؟ وكيف سيجيب عليه؟ حمحم بقوة ولم يجد أمامه حل إلا قلب الترابيزة، فقال بغضب:
_ أنا بجد مش قادر أصدقك! أنتِ فعلاً مصدقاها يا دلال؟ واقفة قدامي تقوليلي الكلام ده؟ شاكة في أيوب حبيبك؟ أنا كنت مستعد أتحمل الحرب مع الدنيا كلها وأنتِ معايا، مش وأنتِ في وشي.
_ شايفاني إزاي؟ ردي عليا. شايفاني إزاي؟
كلماته ضربت قلبها بقوة وجعلتها تشعر كم هي حمقاء. لا تعلم كيف أعطت عقلها لشيطانة مثل جومانة ووقفت أمام أيوب؟ وضعت عينيها أرضاً وقالت بندم:
_ عندك حق، أنا آسفة.
حمد ربه بداخله إن الأمر مر بسلام دون أن تعلم بوجود حقيقي للفلاشة. لو كانت رأتها أو حتى تأكدت من تصويرها لكانت ماتت بالحال. حدق بها وجدها تنظر إليه ببراءة منتظرة منه كلمة السماح، فقال بمكر:
_ لأ يا دلال، أنتِ جرحتي مشاعري ومش كلمة زي دي هي اللي هتخلينا نرجع زي الأول. أنا محتاج حاجة أكبر تنسيني اللي أنتِ قولتيّه من شوية ده.
آخر سلاح أمامها الآن، استخدام كل قدرتها بالدلال. فقالت منه ورفعت أحد أصابعها لتمر به على ذقنه مردفة:
_ أيوب باشا يؤمر والدلوعة عليها التنفيذ. شوف أنت عايز إيه وأنا أعمله لك.
أبتسم بوقاحة وقال:
_ هو أنا هعوز غير قلة الأدب يا دلوعة برضو.
جذبته من يده مردفة:
_ طيب يلا.
ضحك بخفة مردفاً:
_ يلا إيه؟ لأ مش بالسهولة دي، أنا عايز شغل عالي المرة دي.
زفرت بضيق مردفة:
_ أيوة يعني عايز إيه؟ مش فاهمة.
ضربها بخفة خلف عنقها وقال بسخرية:
_ هو أنتِ غلطانة وكمان مش عاجبك؟ بلاش تخليني أعاقبك يا دلوعة.
_ لأ لأ طبعاً مفيش داعي ولا للعقاب، قولي أنت عايز إيه بالظبط وأنا تحت أمرك.
_ مش هقولك، أقعدي مع نفسك بهدوء كده وشوفي إزاي هتقدري تطلعي مواهبك كلها للباشا وتخليه يحن عليكي يا دلوعة.
بالحديقة. خرج بخطوات سريعة ليجد مصطفى بانتظاره وناصر على بعد مسافة قريبة منه. أقترب من ناصر مردفاً بقوة:
_ قولت اللي عندك وأنا سمعتك، عايز إيه تاني؟
أخذ نفسه بهدوء وقال:
_ أنا وعدت حنين أجيب لها حقها من أمها والكلب اللي اسمه آدم. آدم ومات، لكن أمها لسه موجودة وأنا عند وعدي.
أومأ إليه أيوب بهدوء وقال:
_ حنين في بيتها يا ناصر، إحنا نعرف نجيب حقها كويس. الليلة عايز ورقة طلاقها، ده لو أنت عايزني أعمل حساب للعيش والملح ونقفلها على كده.
ورقة طلاقها؟ هل حقاً الأمر انتهى به إلى هنا؟ تذكر نظرة عينيها، نظرة تقول كل شيء: انتهى يا ناصر، حتى حبك بقلبي انتهى. بأستسلام شديد أومأ لأيوب وقال:
_ ماشي يا باشا، ورقة طلاقها هتبقى عندك، بس عايزك تعرف حاجة كويس، أنا والله العظيم حبيتها، لكن يا خسارة الحب لوحده مش كفاية.
ذهب، فأقترب مصطفى من أيوب مردفاً بغضب:
_ كان عايز البني آدم ده؟ يرجعها له مش كده؟ ما توافقش يا أيوب، لو النهاردة آخر يوم في عمري مش هخليها ترجع بيته تاني.
رفع أيوب حاجبه بسخرية مردفاً:
_ وأنت مالك ومال الموضوع ده يا مصطفى؟ إيه اللي مضايقك أوي كده في رجوعها لناصر؟
ماذا يقول وهو لا يعلم لماذا يرفض؟ أتت إليه وطلبت حبه فرفضها، واليوم يشعر بأشياء يعجز عن تفسيرها. قبل أن يفتح فمه أشار إليه أيوب بالصمت مردفاً:
_ روحي قالتلك إيه بالظبط عن جومانة؟
يبدو أن هذا الأمر هو الأمر الآن، فتنهد بضيق قائلاً:
_ لطفي طالب منها فلاشة، مش عارف أقولك جواها إيه يا باشا، مقابل إنه يطلعها من السجن.
أخذ نفسه براحة شديدة. لطفي فقط يهدد وليس معه شيء، وجومانة أيضاً تهدد وترغب بالدخول حتى تحصل على الفلاشة. ولكن أين الفلاشة؟ أبتسم بهدوء وقال:
_ خليها تهرب، عايزهم الاتنين يبقوا عندي النهاردة.
سأله مصطفى بتوتر:
_ أنت عارف إيه اللي جوا الفلاشة؟
بقوة قال:
_ عارف يا مصطفى. المهم إن دلال متعرفش الموضوع ده، لازم يموت النهاردة. فاهمني؟
أومأ إليه مصطفى مردفاً:
_ مش الأول نعرف هتهرب إمتى؟
_ احتمال كبير تكون هربت يا مصطفى. طالما كلمت دلال يبقى يا هربت يا هتهرب الليلة. خلي رجالتك ورا لطفي ووراها ويكونوا عندي.
_ أمرك يا باشا.
بمنزل أبو الخير. بشقة عزة، قالت السيدة زينب بحزن وهي تراها تضع ملابسها بداخل حقيبتها:
_ بتعملي كده ليه يا عزة؟ أنا عارفة إنك بتحبي ناصر، ارجعي له وفرحي قلبك وقلبه. عايزة تسيبي بيتك وبيت أهلك وتروحي تقعدي عند خالك؟
تركت عزة ما بيدها ثم قالت بهدوء:
_ شوف يا حاجة، أنا من يوم ما وعيت على الدنيا وأنتِ في مقام أمي وبحترمك زيها بالضبط. طول عمرك كلمتك سيف على رقبتي، بس المرة دي بالذات أنا مش هسمعك، لأن لو كنت مهمة عندك وقت ما طلقني كنتي قلتي له: عزة ملهاش ذنب، بلاش تاخدها في الرجلين. النهاردة هو اللي قرر يرجع الاتنين ويلم عياله، فعادي لما عزة تبقى فوق البيعة. أنا مش هعيش الحياة دي تاني والمرة دي محدش هيقف قدامي.
_ انزلي يا حاجة وسيبينا مع بعض.
أنتفضت زينب على صوت ولدها، فنظرت خلفها مردفة:
_ هي متقصدش حاجة يا ناصر، دي من حرقة قلبها يا ابني.
ردت عليها عزة بغضب:
_ أنا مش عيلة صغيرة عشان أقول كلام مقصدهوش. كل كلمة قولتها قصدها ومش خايفة منك يا ناصر.
ابتسم بهدوء وقال:
_ سيبينا لوحدنا يا حاجة ومتخافيش، محدش في الدنيا كلها بيخاف على عزة ادي.
انسحبت السيدة زينب بهدوء فأقترب منها مردفاً:
_ عايزة تسيبي بيتك ليه يا عزة؟
بهدوء قالت:
_ ده بيتك أنت، أنا بيتي أبويا كتبه ليك قبل ما يموت وشاف إنه خسارة في بنته.
تنهد بتعب شديد. عزة تحمل ثقل كبير وهو يعلم ذلك، لكن كان دائماً معتمداً على حبها إليه. جذبها من كفها بحنان لتجلس ثم جلس أمامها على الفراش مردفاً:
_ عمي لما عمل كده يا عزة، عمل كده عشان نفضل إحنا الاتنين مع بعض الباقي من العمر. كان خايف عليكي وعايزك مع حد يصونك.
ابتسمت بسخرية مردفة:
_ وأنت بقى عملت إيه؟ صنتني زي ما كان هو عايز؟
أومأ إليه وقال:
_ يمكن ما أكونش صنتك زي ما هو عايز، بس أنتِ عارفة إني عمري ما اخترت حاجة في حياتي مع إن كلمتي فوق رأس الكل. لو كان ربنا رزقنا في بحتة عيل مكنتش أتجوزت عليكي، صدقيني.
قامت من مكانها مردفة بغضب ظلت سنوات تدفنه بأعماق قلبها:
_ هو أنت فاكر إنك ظلمتني بس لما اتجوزت عليا شامية؟ لأ، أنت ظلمتني لما كنت بتحاسبني على كل غلطة هما بيغلطوها عشان تبين قد إيه أنت راجل عادل. بس في الحقيقة أنت عمرك ما كنت عادل يا ناصر. طول عمرك ظالم ومش شايف غير نفسك. اتظلمت لما اتجوزتني غصب عنك. ماشي يا سيدي، عندك حق، بس أنا كمان عشت الباقي من عمري كله بدفع تمن إنك اتظلمت. دلوقتي أنا مش مراتك وبحلك مني وبقولك سيبني في حالي. إيه صعبة عليك أوي تشوفني عايشة مرتاحة؟
لماذا يحدث هذا؟ لماذا تعاتبه وهو اعتاد منها على الحنان؟ نفي مردفاً:
_ لأ يا عزة، أنا عايز أشوفك مرتاحة، بس أنتِ عارفة لو ما رجعتكيش مش هرتاح. أنا مقدرش أعيش من غيرك.
_ أنت بتكذب عليا ولا على نفسك؟ ما أنت عشت سنين من غيري. أنت حبيت حنين يا ناصر وعايز تهرب منها في واحدة بتحبك؟ وأنا مش هقدر أستناك ليلة كل تلات أيام عشان أطبطب عليك وأقولك حقك عليا من اللي بتعمله فيك الدنيا. أنا كمان عايزة أحس إني مهمة بالنسبة لحد، عايزة راجل يحبني يا أخي.
جن جنونه وقام من مكانه صارخاً بجبروت:
_ مين ده اللي يفكر يحبك أو حتى يبصلك؟ أنا أطلع بروحه في إيدي. أنتِ بتاعتي يا عزة، حقي من الدنيا وأنا مش بسيب حقي. رجعي هدومك مكانها وساعة بالظبط والمأذون هيكون هنا، هترجعي لي غصب عنك يا عزة.
خرج قبل أن يفقد الباقي من أعصابه. قلبه يرفض وبشدة بعدها يستحيل أن يترك عزة. قال بتعب:
_ المجنونة عايزة تبقى برة حياتي خالص، طيب إزاي أتحمل أنا المصيبتين التانيين إزاي من غيرها؟
بالداخل ألقت بجسدها على الفراش بتعب وقالت:
_ أنا عارفة إني ناقصة يا ناصر. كان نفسي أجيب لك حتة العيل اللي يشيل اسمك. هما معاهم عيالك وأنا مش هسكت غير لما يكون معايا قلبك. حبيتها عشان قالتلك لأ، أنا كمان هقولك لأ، يمكن تحبني يا رب. والنبي يحبني.
بالمساء. بفيلا مهجور للطفي، فتح الباب وقال بإبتسامة واسعة:
_ والله الواحد اشتاق للفيلا دي. فاكرة لما كنا بنتقابل فيها بعد المرحوم ما مات على طول؟ طول عمرك زوجة وفية يا جومانة.
دلفت وقالت:
_ أنا فعلاً وفية يا لطفي، لأنك ما لمستش مني شعرة طول ما جوزي كان عايش. سيبك من الكلام الفاضي ده وخلينا في المهم. هروبي مش معناه إني خرجت، ممكن في أي وقت الحكومة توصلني وساعتها مش هستفاد من مساعدتك حاجة.
جلس على أقرب مقعد ووضع ساق فوق الأخرى مردفاً ببساطة:
_ وأنتِ مين قالك إنك هتفضلي هنا؟ الفلاشة تبقى في إيدي وأنتِ هتبقي في الطيارة. تنسي مصر خالص وتعيشي بفلوسك بره. شوفتي أنا طيب إزاي.
جلست على مقعد آخر واعصابها مرهقة. لا تعلم حقاً إلى أين سيصل بها الأمر، تشعر إنها انتهت ومع ذلك تمسك بآخر طوق نجاة لديها فقالت:
_ والفلاشة دي هجيبها لك منين؟ أنا لحد دلوقتي مش عارفة الخطوة اللي عملتها دي صح ولا غلط. دلال لو قالت لأيوب هبقى أنا روحت في داهية.
_ أنتِ مالك؟ من يوم ما دخلتي السجن وقلبك بقى رهيف كده ليه؟ مش هتقول له حاجة؟ هتروح تقوله إيه؟ اتجوزتني بعد ما شوفت إمكانياتي؟ البنت دي ذكية وعايزة كل فلوس أيوب، مش هتخسره بكلمتين هايفين. أنتِ بس اضغطي عليها شوية وهي هتدخلك الفيلا.
سألته بسخرية:
_ وهتدخلني ليه بقى إن شاء الله؟
_ عشان حاجات كتير يا حلوة. أول حاجة إن أيوب ميعرفش إنها عرفت حاجة عن الفلاشة وعلاقتها بيه تفضل زي ما هي. تاني حاجة عشان ما تنشريش الفلاشة على النت وتتفضح، ووقتها هو هيختار نفسه ومركزه الاجتماعي وهيطلقها.
حركت رأسها برفض وقالت:
_ تبقى مجنون لو فاكر إن أيوب هيطلق دلال مهما حصل. ده بيعشقها.
_ مهما كان بيعشقها، أنا عارف أيوب كويس أوي. اسمه أهم عنده من الدنيا وما فيها.
صوته بمفرده مرعب، ما بالك وجوده بكامل جسده خلفهما:
_ عمري ما شكيت في ذكائك يا جومانة، وعمري ما شكيت في غبائك يا لطفي. أنتوا الاتنين كنتوا عند حسن ظني بيكم.
أنتفض جسد الاثنين بنفس اللحظة برعب. حاولت جومانة الحديث إلا إنه أشار إليها بالصمت. جلس على الترابيزة أمامهما وقال بهدوء مريب:
_ تفتكري سبتك تهرب ليه؟
صمتت برعب فصرخ:
_ انطقي.
_ مش ممم عارفة.
أبتسم إليها وقال:
_ عشان السجن رحمة ليكي وأنا مبقاش ليا مزاج أرحمك.
حمحم لطفي وحاول الحديث بقليل من الثبات:
_ أنت اللي ليك مصلحة معانا مش العكس، يعني المفروض أنت اللي تخاف مش إحنا يا باشا.
ضحك أيوب بجبروت وقال:
_ اديك قولت بلسانك باشا، أنا أيوب باشا يا لطفي اللي اسمه لوحده بيخليك تعملها على نفسك. سبتك السنين اللي فاتت كلها تلعب وخليتك تأخد الرخيصة دي بمزاجي لأنها متلزمنيش. لكن عقلك يفكر تحط عينك على مراتي أو تهددني بيها؟ أنت كده كتبت نهايتك بغبائك.
حرك رأسه مردفاً:
_ أنا مليش دعوة بمراتك ولا تلزمني. كل اللي يهمني شغلي، أكلت السوق كله مني، أنت اللي مخليتش قدامي أي حلول غير إني ألعب معاك بوساخة.
_ امممم وايه كمان؟ أنا سامعك قول.
تبدو إنها النهاية حقاً يا لطفي، والأفضل إليك الآن التخلي عن جومانة. فأشار إليها وقال:
_ وبعدين أنا معرفش أي حاجة عن حكاية الفلاشة دي. هي اللي طلبت مني أخرجها وقالتلي إنها مصورة دلال وخالد ومعاها فيديو هتساعدني أرجع اسمي في السوق تاني. أنا بره الليلة دي.
أبتسم بهدوء وقرر اللعب بطريقة محترفة فقال:
_ مصدقك يا لطفي. كده كده أنا اللي بيني وبينك منافسة شغل مش أكتر. فعلاً محدش محروق مني أوي، محدش محروق مني أوي غير جومانة وهي اللي بتكره دلال وفي مصلحتها تتفضح.
أومأ إليه لطفي بلهفة مردفاً:
_ صح، أيوه والله العظيم أنا اللي بيني وبينك شغل مش أكتر. كيد النسوان ده أنا مليش دعوة بيه.
ماذا؟ هل تخلى هذا اللعين عنها أمامها بغمضة عين؟ إلى هنا ويا روح ما بعدك روح. صرخت بجنون:
_ أخرس يا حيوان يا زبالة! ده أنا كل مصيبة حصلتلي في حياتي كنت أنت السبب فيها. أنت اللي قتلت جوزي بحجة حبك ليا وإنك هتعيشني في نعيم لما أبقى مراتك، وأنت اللي قتلت ابني بغبائك وجشعك. أنت اللي ضيعتني وضيعت حياتي وضيعت مني أيوب. أيوة ضيعته! أيوب كان ممكن يحبني لو متجوزتكش بعد أخوه ما مات. أنا هقتلك يا لطفي، أنت لازم تموت.
ما قالته كان عبارة عن زلزال عنيف كسره بلحظة. أخيه مات بسببها وابن أخيه قتل بعلمها. أي نوع من الأمهات هي؟ كيف كانت تنام على وسادتها بتلك البساطة وكأنها لم تفعل شيئاً؟ قال بجنون:
_ أنتِ إيه؟ مله أهلك إيه؟ شيطانة. قتل ابنك وجوزك وكنتي عارفة، واحتمال كبير تبقي كنتي متفقة معاه كمان. أنا هقتلك يا جومانة، هقتلك.
حركت رأسها بحب مردفة:
_ لأ يا أيوب، لأ. أنا مكنتش أعرف إنه هيقتل حد فيهم، بس لما قتل أخوك أنا ارتحت. كنت فاكرة إني ممكن أتجوزك. ولما قتل خالد قولت يمكن ترجعني للبيت تاني بحجة حنين. أنت السبب يا أيوب، حبي ليك هو اللي عمل كل ده.
يكفي يا أيوب، إلى هنا حقاً يكفي. قال بجبروت:
_ مصطفى.
دلف مصطفى ومعه مجموعة من الرجال فقال:
_ خلي الرجالة تربطهم، وبعد كده الفيلا دي تولع باللي فيها. مش عارف أشكرك إزاي يا لطفي إنك عندك فيلا في نص الصحرا محدش يعرف عنها حاجة. أكيد وأنت بتشتريها مكنتش تعرف إنك هتولع فيها ومحدش هيقدر يخرجها.
قام من محله بكل هدوء وخلفه مصطفى وذهب. أذنه كانت تسمع صرخات الاثنين وكأنها أجمل الأغاني الرومانسية. صعد سيارته ليرى بعد دقائق معدودة الفيلا تحترق. أنتظر حتى أصبحت رماد فقال بهدوء:
_ يلا من هنا.
ابتسم ناصر براحة وهو يسمع المأذون يقول:
_ زواج مبارك إن شاء الله، ألف مبروك يا حاج ناصر.
ها هي عادت إليه من جديد مثلما قال. قام من مكانه وقال إليها بإبتسامة سعيدة:
_ مبروك يا عزة، رجعتي مراتي.
رفعت رأسها إليه بكبرياء وقالت:
_ الجواز قبول يا حاج، وأنت عارف إني معنديش قبول للجوازة دي، بلاش تفرح أوي كده.
ابتسم وقال:
_ لأ هفرح وهفرح أوي يا عزة، مش مهم القبول دلوقتي، المهم إنك مراتي. بعد كده أنا هعرف أخليكي تقبلي إزاي.
بقصر رسلان.
_ إيه رأيك في الفستان ده يا تيتا؟
قالتها حنين الجالسة بجوار السيدة فوزية لتنتقي ملابس عامها الدراسي الأول بالجامعة. ابتسمت فوزية مردفة:
_ بس ده للمحجبات يا حنين.
ابتسمت مردفة:
_ ما أنا كمان ناويت أتحجب. بصراحة شكل دلال حلو أوي في الحجاب وحاسة إنها خطوة كويسة.
شعرت فوزية بسعادة كبيرة، أخيراً وصلت حنين لأول الطريق الصحيح. جذبتها لتضمها مردفة:
_ ربنا يباركلك يا حبيبتي، هيبقى عليكي حلو أنا متأكدة.
أتت إليها رسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم مصطفى: "حنين، اطلعي في الجنينة شوية عايز أشوفك".
أخذت نفسها بهدوء ثم قامت من مكانها مردفة:
_ مصطفى بعتلي رسالة على الواتساب عايز يشوفني، هطلع أشوفه عايز إيه.
_ اطلعي يا بنتي وافتحي له قلبك، يمكن يعوضك عن اللي فات.
أومأت إليها حنين بصمت ثم وضعت شال فوق جسدها وخرجت إلى الحديقة. وجدته يقف أمام حمام السباحة بانتظارها. أقتربت منه مردفة بتعجب:
_ مش المفروض إنك مع عمو؟ هو مرجعش ليه؟
_ شوية وهيرجع.
_ ماشي، عايز تقول إيه؟
ماذا يريد قوله؟ حقاً لا يعلم ماذا يريد أو من أين يبدأ الحديث. سحب نفس عميق ثم قال:
_ أنا عارف إن ليا يد في اللي أنتِ وصلتي له. يمكن أكون لو رضيت بحبك زمان مكنتيش هتبقي هنا، بس صدقيني وقتها كنت خايف عليكي. مراتي ماتت بسبب شغلي وحياتي كلها بقت ضلمة، اتحولت لبني آدم تاني أنا معرفوش. وأنتِ وقتها كنتي عيلة صغيرة مكنتش عايز أخسر ولا كنت قادر أحب ست تانية كأن اللي ماتت ملهاش قيمة عندي. حقك عليا يا حنين.
بعض الأشياء إذا فات أوانها انتهت حلاوتها. أخذت نفسها بهدوء شديد وقالت:
_ ملوش داعي الكلام ده يا مصطفى، أنا اللي كنت غلطانة. عيلة مراهقة شافت قدامها ظابط بعضلات وحمش قالت: هو ده فارس الأحلام الوردية. عيلة هبلة وتايهة مش فاهمة حاجة. بلاش تعاتب نفسك على حاجة ملكش ذنب فيها.
لا يا صغيرة، فالأمر أكبر بكثير من العتاب. حدق بها وقال باعتراف أرهق قلبه:
_ أنا اكتشفت حاجة حاولت أهرب منها سنين، بس المصيبة إني اكتشفتها في وقت غلط.
_ حاجة إيه دي؟
_ إني بحبك يا حنين.
يحبها؟ هل حقاً مصطفى يحبها؟ كيف ومتى؟ ولما الآن بعدما انتهى شعورها بالحب لأي رجل؟ قبل أن تجيب أو تنظر إليه على الأقل كان اختفى. فر وكأنه يخشى الرفض. جلست على أقرب مقعد وعينيها على المسبح دون أن تشعر بالوقت. شعرت بيد حنونة على ظهرها فنظرت مبتسمة:
_ حمد لله على سلامتك يا عمو.
أبتسم إليها أيوب بحنان مردفاً:
_ حبيبتي الحلوة، سهرانة لحد دلوقتي وسرحانة ليه؟
بصدق قالت:
_ أنا مش هكدب على حضرتك ولا أخبي عليك أي حاجة تاني. مصطفى كان هنا من شوية وقالي إنه بيحبني.
جلس أيوب بجوارها وقالت باهتمام:
_ وأنتِ رأيك إيه في اللي هو قاله؟
لأول مرة بحياتها تأخذ قرارها براحة دون أن تشعر بالضياع فقالت:
_ أنا لسه صغيرة، هدخل الجامعة وبعدين أشتغل. مصطفى راجل ميتعبش وأنا متأكدة إنه هيبقى جوز كويس. لو عنده صبر لحد ما أخلص يبقى على بركة الله، معندوش وعايز يفتح بيت دلوقتي ربنا يرزقه ببنت الحلال.
وضع أيوب يده فوق يدها وسألها:
_ والمرة دي بقى القرار قرار القلب ولا عقل؟
ضحكت بقلة حيلة:
_ قلبي ده وداني في داهية. ملوش مكان في حياتي تاني. ده قرار عقلي وأنا مقتنعة بيه، بس القرار في الأول والآخر في إيدك حضرتك.
فتح ذراعيه إليها لتلقي بنفسها داخل أحضانه بعناق حنون ليقول بحب:
_ أنا معاكي في أي حاجة تريحك، المهم إنك تبقي مرتاحة.
_ ربنا يخليك ليا يا عمو.
_ ويخليكي ليا يا بنت الغالي. يلا عشان ندخل ننام.
_ يلا.
فتح باب جناحه وهو مرهق مشتاق لرؤيتها. ثانية.. هل هذا حقاً جناحه؟ مياه بحوض من البلاستيك ورائحة البخور بكل مكان. عقد حاجبه بتعجب مردفاً:
_ دلال، إنتِ فين؟
_ أنا هنا يا سي أيوب.
نعم؟ ماذا قالت؟ حدق بحمل الصوت ليراها تخرج من غرفة الملابس بعباية شكلها عجيب وتضع شيئاً غريباً فوق رأسها تربط به خصلاتها وفوقه صينية محملة بالطعام. أين رأى هذا المشهد من قبل؟ نعم، بأحد أفلام الأبيض والأسود المتحدثة عن المرأة الريفية قديماً. أقتربت منه بخطوات مدللة ووضعت الصينية على أرضية الغرفة ثم حدقت بالأرض بإبتسامة خجولة مردفة:
_ حمد لله على سلامتك يا سي أيوب، أنا حضرت لك المية اللي هتحط فيها رجلك، أكيد جاي تعبان.
رفع حاجبه بسخرية مردفاً:
_ هو فيه إيه يا دلال؟ أنتِ شاربة إيه؟
ابتسمت بنعومة مردفة وهي تجذبه من مقدمة ملابسه خلفها:
_ بعمل إيه؟ أنت طلبت مني أفكر في حاجة برة الصندوق أصالحك بيها وأنا شفت فيلم حلو أوي عجبني اللي عملته البطلة مع البطل فقررت أعمله لك يا حبيبي.
أبتسم مردفاً:
_ والبطله بقى عملت إيه مع البطل يا دلوعة؟
_ ده بقى هتشوفه عملي.
دفعته ليجلس فوق الفراش ثم جلست أمامه على الأرض وقامت إزالة حذائه عنه، فابعد قدمه عنها مردفاً:
_ إيه ده يا دلال؟ أبعدي، لأ طبعاً.
رفعت نفسها إليه قليلاً ثم قالت:
_ اشششش، أنا أعمل اللي أنا عايزاه وأنت تتفرج بس، مفهوم؟
_ ده مفهوم أوي، مفهوم خالص، بس أنتِ بالراحة على نفسك عشان اللي جاي بعد اللي أنتِ بتعمليه ده شديد.
خلعت عنه حذائه ووضعت قدميه بداخل المياه مردفة بدلال:
_ متخافش عليا.
متعة ما بعدها متعة يعيشها بين يدي تلك الصغيرة. ترك نفسه إليها لتنتهي وتضع قدميها بداخل منشفة قبل الفراسة ثم قالت:
_ يلا عشان آكلك بإيدي.
جلس أيوب رسلان يأكل على صينية فوق أرضية الغرفة فقال بتعجب:
_ كوارع وورق عنب؟ أنتِ جبت الأكل ده منين؟
_ عملته بإيدي.
_ وأنتِ بتعرفي تطبخي؟
_ امممم بعرف، حد داق.
أخذ المعلقة من يدها، كافي حتى لو كانت من الجحيم، إلا أن المفاجأة كانت هنا حقاً، الأكل رائع. لم يشعر بحاله إلا عندما قالت:
_ الحمدلله الصينية خلصت.
نعم؟ أكل صينية كاملة بمفرده؟ سألها بذهول:
_ أنتِ بتعملي فيا إيه بالظبط يا دلال؟
_ بصالحك يا قلب دلال.
جذبها من خصرها إليه بلهفة حتى التصقت به وقال:
_ صالحتك، تعالي في حضني بقى.
أبتعدت عنه ثم قامت من محلها مردفة:
_ لأ استنى، لسه ما خلصتش. خليك هنا 10 دقايق وراجعة لك.
بعد أقل من عشر دقائق خرجت عليه بثوب رآها به من قبل، هذا الثوب رآها به على اليخت أول مرة، كانت بنفس الشكل ونفس الجمال وربما الآن أجمل بكثير أمامه باحترافية. وبدأت بغناء أول أغنية جمعت بينهما:
أنا، أنا اسمي لوحده تقيل، حقيقية ومش تمثيل
وجمالي طبيعي يجنن، مرسومة أنا بالتفصيل
أنا نص الكون بيدور حواليّ، في صفي ودول
واللي بيغير يتفضل يحجز عند الدكتور
(أنا آخر إصدار (إصدار
(واحدة ماليش تكرار (تكراره
تشوفني هتنهار
ثقة في الله مش بتغر
(جاية من المريخ (مريخ
(إسمي لوحده تاريخ
دفعته ليسقط فوق الفراش ومالت عليه مردفة بنعومة:
_ فاكر وقتها بعد ما خلصت الأغنية كان نفسك تعمل إيه؟
_ كان نفسي آكلك.
_ طيب ومستني إيه؟ أنا بين إيديك وبقولك اعمل اللي نفسك فيه.
هنا انتهى أمرها، فعل حقاً ما كان يرغب به بكل شغف، يعطي إليها حب ويأخذ منها حب. بعد مدة ألقى بجسده بجوارها مردفاً:
_ عملتي إيه فيا يا دلوعة؟
_ حبيتك.
_ وأنا عشقتك.
رواية دلال حرمت على قلبك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شيماء سعيد
بالفندق الخاص بدلال..
أخذت تتابع عملها بالقليل من التعب، وبين كل حين وآخر تمرر كفها على جنينها بحنان.
دلت إليها خلود بعدما أصبحت سكرتيرتها الخاصة، وقالت بتعجب:
_ أيوب باشا بره..
أزالت عنها نظارتها الطبية، ثم قالت بضيق:
_ جاي يعمل إيه ده؟
بفضول سألتها:
_ هو في إيه يا دلال؟ أنتوا متخانقين مع بعض ولا إيه؟
أومأت إليه دلال مردفة:
_ أيوة الأستاذ فاكرني عيلة صغيرة بيمشي شغلي من ورايا على أساس إني من غيره مش هعرف أعمل حاجة.
همست خلود بصوت وصل لدلال:
_ ما إحنا فعلاً من غيره هنغرق، ده أنتِ غبية.
أتسعت عين دلال مردفة بغضب:
_ بتقولي إيه يا حيوانة؟ أنا سامعاكي، أخفي من وشي يا خلود دلوقتي.
_ أنا كدة كدة هاخد باقي اليوم أجازة لأني مش قادرة أشتغل، أنا واحدة حامل ومحتاجة أرتاح. تحبي بقى أدخلك جوزك ولا يأخد معايا منك ميعاد في وقت تاني.
رفعت دلال رأسها بغرور وقالت:
_ دخليه، واعملي حسابك إن باقي اليوم ده مخصوم منك عشان تتعلمي الأدب بعد كدة.
ألقت عليها خلود نظرة ساخرة قبل أن تقول وهي على باب الغرفة باستفزاز:
_ اخصمي براحتك، كدة كدة أيوب باشا هيديني المرتب كامل.
جزت دلال على شفتيها من الغيظ، وما هي إلا ثواني ودلف عليها بطلته التي تقدر على أخذ روحها مثل العادة. يا الله كم هو جميل وكم هي محظوظة به. ما هذا يا حمقاء، من مجرد ابتسامة خفيفة نسيتي ما فعله.
حمحمت بهدوء، ثم أشارت إليه بالجلوس مردفة:
_ أتفضل يا أيوب باشا، خير.
أبتسم بهدوء ووضع ساق فوق الأخرى مردفاً:
_ واحد قهوة مظبوط.
_ نعم؟
أجابها ببراءة:
_ مش أنا ضيف عندك دلوقتي، عايز فنجان قهوة.
بضيق قالت:
_ لا عندنا قهوة ولا شاي، قول اللي أنت جاي عشان ومشّي.
دللتها الي أن افسدها الدلال يا أيوب. لكنها لا يليق عليها إلا الدلال. أخذ نفسه براحة وقال:
_ وماله، ندخل في الموضوع. أنا لغيت العقد مع شركة الديكور اللي أنتِ تعاقتي معاها، بس سمعت أنك ناوية ترجعي تتعاقدي معاهم تاني.
أومأت إليه ببساطة مردفة:
_ أيوة فعلاً، والاجتماع هيبقى بالليل.
بدأ يتخلي عن هدوئه شيئاً فشئ، وسألها بهدوء ما يسبق العاصفة:
_ وده إسمه إيه بقى؟ تلعبي بالنار يا دلال وتصميم شديد.
عادت بمقعدها للخلف، ثم قالت بثقة:
_ لأنهم شركة كويسة جداً وهيعرفوا إزاي يتعاملوا مع ديكورات الفندق، أنا شوفت شغلهم وعجبني.
أبتسم إبتسامة مرعبة وقال:
_ وأنا شوفت شركة تانية وشايف إن شغلهم أنضف ويليق باسمنا، يبقى الاجتماع ده يتلغي وتمشي زي ما بقولك بالظبط.
أغضبها حديثه، يحاول دائماً فرض قراراته عليها ولن تقبل من الآن وصاعد. فقالت بغضب:
_ أيوب باشا، الفندق ده بتاعي وأنا بس اللي من حقي أقول القرار الأول والأخير فيه. شكراً على خدمات حضرتك، تقدر تروح فندقك تتحكم فيه براحتك.
اه يا صغيرة، افعلي كل ما تريدين، فبالنهاية العقاب ستأخذينه. نظر إليها مشيراً على المكان بقوة:
_ الفندق ده أنا شريك فيه، ولما أحس إن الإدارة هتغرقه يبقى لازم أتدخل يا مدام دلال، وأنا بقولها لك أهو، الشركة دي مش هتتعاقدي معاها بدل ما أجيب لك ضلفوا خالص.
ضربت على مكتبها بعصبية مردفة:
_ حضرتك شريك بنسبة 49%، يعني أنا النسبة الأكبر ومن حقي الإدارة والقرارات ومش هرجع في كلامي.
رفع حاجبه بسخرية مردفاً:
_ هي بقت كدة؟
_ أيوة كدة.
قام من مكانه بكل وقار وأغلق جكيت بدلته مردفاً قبل الذهاب:
_ ماشي يا دلوعة.
انتفضت جسدها بخوف بعدما أغلق الباب مردفة:
_ يا لهوي، ده قال يا دلوعة يعني العقاب في البيت. أنا مني لله بجيب قلة القيمة لنفسي.
_____
بسيارة ناصر..
رآها تخرج بابتسامة رقيقة من معهد التمريض الخاص الذي قدم لها به لتكمل تعليمها وتحمل على يدها كتبها. أقتربت من السيارة ثم فتحت الباب وجلست بجواره مردفة بهدوء:
_ مكانش في داعي تتعب نفسك، كنت ها روح في تاكسي عادي.
قرص خدها بحنان وقال:
_ يعني كمان عايزة تحرميني من الدقايق اللي بيوديكي واجبك فيهم من المعهد؟ بقيتي قاسية عليا أوي يا عزة.
تعلم إنها أصبحت قاسية، وتعلم أكثر أن نيران الاشتياق تحرقها قبل أن تحرقه، إلا أنها تسير بالطريق الصحيح وستصل إلى النهاية. أخذت نفسها بهدوء وقالت:
_ إحنا اتفقنا على إيه يا ناصر؟ مش اتفقنا أنك تسيبني براحتي وتعيش حياتك براحتك.
بقلة حيلة قال:
_ ما أنا سايبك براحتك، عملت إيه يعني؟
بكذب أجابت:
_ بتحاول تقرب وأنا مش عايزة القرب ده، خليك مع ستاتك وعيالك وسيبني أكمل تعليمي زي ما وعدتني.
تألم من فكرة إنها ترفض كل وسائل اقترابه منها. صمت وأكمل طريقه بصمت، لتقول بتعجب وهي تنظر إلى الطريق:
_ أنت رايح فين؟ ده مش طريق الحارة؟
أومأ إليها مردفاً بوقاحة:
_ رايحين شهر عسل.
صرخت بغضب:
_ شهر عسل إيه؟ أنا مش موافقة أرجع.
_ بس أنا موافق، وده كفاية يا زوزو.
_____
بفندق دلال بمكتب حنين..
دلف إليها مصطفى بإبتسامة مشرقة مردفاً:
_ صباح الفل يا حنون.
تركت القلم من يدها وحدقت به بضيق مردفة:
_ إيه اللي جابك هنا يا مصطفى؟
مد يديه خارج المكتب ليأخذ صينية الإفطار من الساعي ثم قال بجدية:
_ عرفت أنك روحتي الكلية، جيتي على هنا من غير فطار فسبت كل اللي ورايا وجيت عشان أفطرك بنفسي.
يفعل كل ما بوسعه حتى تقبل بالزواج منه وهي مصممة على الانتهاء من دراستها والتأكد من ثبات مشاعرها. أشارت إليها بهدوء مردفة:
_ ماشي يا سيدي، شكراً. حط الفطار واتفضل.
وكأنها لم تقل شيئاً. وضع الصينية أمام الأريكة الكبيرة ثم جذبها لتجلس عليها وجلس بجوارها مردفاً:
_ لأ ما أنا عامل حسابي إن الفطار ده لشخصين، أنا وأنتِ. هفطر الأول وبعدين أمشي.
لتكون صريحة، عاد قلبها للدق إليه، عادت تحب حديثه، ابتسامته، وجوده معها في مكان واحد، حتى صوته تحب أن تسمعه. لكن كل هذا لن يغير بقرارها شيئاً، هي تخشى الدخول بأي علاقة تخرج منها خاسرة. أكلت معه بصمت وأخذت الطعام من يده بصدر رحب، وبالنهاية قالت:
_ الحمد لله، شبعت. رايحة أكمل شغلي.
مسك كفها مردفاً بتعب:
_ وبعدين معاكي يا حنين؟ كل ما أقرب منك خطوة تبعدي عني ألف. هنفضل كده لحد امتى؟
أبعدت كفه عنها وقالت بصدق:
_ صدقني يا مصطفى، أنا عارفة قد إيه أنت شخص كويس ونفسي أسعدك زي ما بتسعدني. بس أنا جوايا جروح محتاجة أعالجها. مش هينفع أدخل في علاقة جديدة وأنا مشوهة بالشكل ده. لما جيت طلبتني من عمو، قولتلك أنا كل اللي محتاجاه منك الصبر، وأنت وافقت. لو شايف نفسك تعبت، أنا مش هلومك، ده حقك.
تعب من الجفاء هذا صحيح، لكنه لا يقدر على الابتعاد عنها خطوة واحدة. بالشهور الماضية روحه أصبحت متعلقة بها. قال بحنان:
_ ماشي يا ستي، هصبر. بس أنتِ كمان حسسيني إن في أمل يا حنين.
ابتسمت مردفة:
_ في أمل يا مصطفى.
ضحك مردفاً براحة شديدة:
_ أهي كلمة مصطفى مع الابتسامة الحلوة دي تخليني مستنية العمر كله يا حنون.
_ طيب يلا يا أستاذ على شغلك وسيبني أشوف شغلي.
_ ماشي.
_____
بفيلا رسلان..
عادت دلال إلى المنزل لتجد حنين تجلس أمام التلفاز، فجلست بجوارها مردفة:
_ اتصلتي بماما فوزية النهاردة اطمنتي عليها؟
أومأت إليها حنين مردفة:
_ أيوة كلمتها، بتقولي إن لو حابة أروح هتحضرلي ورقي.
_ إيه الجنان ده؟ أنتِ مش هتمشي من هنا، كملي تعليمك واختاري الشخص اللي أنتِ عايزاه بمزاجك. حتى لو مش مرتاحة مع مصطفى، لكن مش هتسيبي البيت، مفهوم.
ابتسمت إليها حنين بحب مردفة:
_ قولت لها، وبعدين أنتِ فاكراني هسيبك أنتِ وسند حبيبي وأمشي.
ضحكت دلال مردفة:
_ شطورة، خليكي متمسكة بيه كده عشان أول ما هولد وهديه لك على طول. أقوم أستخبى قبل ما أيوب ما يجي.
_ تستخبي فين يا مجنونة؟ عمو في الجناح بتاعكم بقى له ساعتين.
أتسعت عينيها برعب مردفة:
_ أنتِ بتكلمي جد؟ أيوب فوق؟
أومأت إليها حنين بتعجب:
_ أيوة فوق، هو أنتِ عملتي مصيبة ولا إيه؟
وضعت دلال يديها على وجهها وقالت بحسرة:
_ مصيبة واحدة، طب يا ريت ده أنا عملت مصايب. الله يباركلك يا حنين لو اتأخرت اطلبي البوليس.
دقيقة وكانت تدلف إلى الجناح. أغلقت الباب خلفها بخوف زاد مع رؤيتها إليه ينام على الفراش بأريحية. رسمت ابتسامة واسعة على وجهها وقالت:
_ حبيبي، مالك تعبان ولا إيه؟ إيه اللي جابك بدري من الشغل النهاردة؟
أشار إليها بالاقتراب مردفاً:
_ جيت بدري عشان أربيكي، تعالي هنا.
حركت رأسها بنفي وعادت خطوتين للخلف مردفة بحذر:
_ أيوب، أنا مش عايزة عصبيتك تأثر عليك وتنسى إني ست حامل. يرضيك سند يشوف مامته وهي بتنضرب؟
أومأ إليها ببرود مردفاً:
_ آه يرضيني عادي.
أتسعت عينيها بذهول بعد فشل حيلتها الناجحة خلال الأشهر الماضية، وقالت بخوف:
_ يا سلام يا سيدي، طيب مش جاية.
_ لو قمت أنا من مكاني وجبتك يا دلال هيبقى غلط عليكي.
قال دلال؟ نعم قالها، إذا لابد أن تنفذ الأمر وتذهب إلى عقابها بكامل إرادتها. بقلة حيلة بدأت تخطو خطوة وراء الثانية حتى وقفت أمامه مردفة بحزن:
_ بلاش تقسي عليا يا أيوب، أنا اتعودت تدلعني.
بهذا الرجاء البسيط انتهى أمر أيوب. جذبها لتجلس على ساقه ووضع كفه على صغيره النائم بداخلها بحنان، ثم قال بعتاب:
_ عشان بدلعك بقيتي تقلّي مني وبتعملي إللي على مزاجك يا دلال، حتى لو غلط.
عتابه كان عنيف عليها رغم هدوء صوته وحنان لمسته. أدمعت عينيها وبدأت تشعر بمغص غريب أسفل بطنها، لتتجاهله قائلة بحزن:
_ أنت إللي قلّيت مني يا أيوب لما فسخت العقد حتى من غير ما تقول ليه، وخلّيت كل الموظفين يقولوا عليا مليش كلمة.
مسح على خصلاتها بحنان مردفاً:
_ أنا أكتر منك خبرة في الشغل يا دلال، الشركة دي مش في صالحنا نشتغل معاها وفسخ العقد ده حق من حقوقي كشريك في الفندق معاكي. أنتِ اللي واخده الموضوع ند بند كأن في بيننا طار مش راجل ومراته.
معه حق، هي أعطت للموقف أكبر من حجمه بكثير. أخذت نفسها بتوتر ثم مدت يدها لتمر بها على ذقنه مردفة:
_ عندك حق، أنا آسفة.
لم يجيب. فوضعت فوق خده اليمين قبلة وقالت:
_ سامحتني صح؟
بقوة قال:
_ لأ.
قالها وقام من مكانه، فقالت بقلق:
_ أنت رايح فين كدة؟
_ عندي شغل في المكتب واحتمال أنام هناك. ارتاحي أنتِ.
حديثه، نظراته، بعده، كل هذا فوق وجع بطنها جعلها تصرخ من ألم، ليقترب منها بلهفة مردفاً:
_ دلال، بلاش دلع. بتعملي التمثيلية دي كل مرة وأنا بصدقك، المرة دي لأ.
بكت وعلقت يدها بيده مردفة:
_ والله العظيم المرة دي شكلي بولد.
برعب قال:
_ بتولدي في السابع؟
_____
بالإسكندرية..
أمام شاليه شيك على البحر جلست عزة. لا تنكر سعادتها بما فعله من أجلها، لكنها ما زالت تخشى القادم معه. جلس بجوارها وقال بحنان:
_ هربتي مني على برة ليه؟
تنهدت بثقل وقالت:
_ وهرب منك ليه؟ أنا عاجبني الجو، قولت أشم هوا.
تعب من عزة الجديدة واشتاق لعزته القديمة. يشعر بشعور سيقوله لأول مرة بصدق:
_ أنا بحبك يا عزة.
ماذا؟ ماذا قال؟ هل حقاً سمعتها منه بعد سنوات عاشت فقط لا تتمنى إلا نظرة حنونة منه. أرتجف قلبها وسألته بلسان ثقيل:
_ ناصر، أنت قولت إيه؟
أبتسم بشعور بالحب صادق وقال:
_ بحبك يا عزة. يمكن اتربيت على أن الحب ضعف، بس دلوقتي بقولك إني بحبك ومستعد أعمل أي حاجة عشان تكوني مبسوطة معايا.
يكفي إلى هنا عناد. ألقت بنفسها على صدره وبكت مردفة بتمني:
_ نفسي أخلف منك يا ناصر. أنا عارفة إن كل الدكاترة قالوا إنها نسبة 10%، بس أنا عايزة أمشي ورا النسبة دي لآخر يوم في عمري.
ليكون صادق، بالماضي كان الأمر غير مهم، إلا أنه اليوم ولأول مرة يشعر برغبة كبيرة بطفل من عزة. أبعدها عنه قليلاً وقال بوعد:
_ هتخلفي مني يا عزة، حتى لو هبيع هدومي قصاد عيل منك.
_____
بعد أسبوع..
كانت دلال تخطو أول خطوة من فوق سندها الصغير، والسيدة فوزية بيدها هون وتقول بإبتسامة سعيدة:
_ بسم الله. اسمع كلام جدتك فوزية وجدك عادل. أبوك وأمك لأ، دول اتنين صيع.
أخذ منها أيوب الهون وقال بجدية:
_ هاتي يا فوزية واركني على جنب.
ضحك الجميع، فأقترب مصطفى من حنين مردفاً بحب:
_ عقبالنا يا حنون.
نظرت للصغير وقالت بتمني:
_ يا رب يا مصطفى، نفسي أوي في نونو شبه كدة.
بلهفة قال:
_ طيب ما إحنا فيها يا حبيبتي، نتجوز ونجيب النونو إللي نفسنا فيه. لسه هنستنى أربع سنين؟
أومأت إليه بقوة وقالت:
_ نستنى عادي عشان لما نجيبه نبقى قد مسؤوليته، وقد مسؤولية البيت اللي إحنا هنفتحه.
بأعين دامعة كان يحدق عادل بالصغير. لم يعطِ الله إليه أولاد، لكنه يشعر مع فوزية وعائلتها بكل المشاعر. شعر به أيوب فحمل سند بحذر وقدمه إليه مردفاً:
_ شيل يا جدو أنت ومراتك، عليكم التربية وأنا والدلوعة نجيب غيره.
أخذه منه عادل ووضع قبلة حنونة فوق رأسه مردفاً:
_ هات براحتك وأنا هربي.
_____
أربع سنوات مروا وجاء يوم تخرج حنين من كلية العلوم. وضعت يدها بيد زوجها بتوتر، ليقول مصطفى:
_ اهدي يا حبيبتي، مالك متوترة كده ليه؟
أجابته:
_ قربوا ينادوا على اسمي يا مصطفى.
أبتسم إليها بحنان ومرر يده على بطنها البارزة قليلاً:
_ مش عايزك تخافي، أنا جنبك وعمك جنبك ودلال وعمتو فوزية وعمو عادل. والأهم من دول كلهم، الهانم الصغيرة اللي بدأت تكبر دي وبتقولك يا ماما أنا جوا بطنك ومعاكي خطوة خطوة.
أعطى إليها الثقة من كلمات بسيطة، فابتسمت مردفة:
_ عندك حق.
سألته بتوتر:
_ تفتكر مامي لو كانت عايشة كانت هتبقى مبسوطة باليوم ده؟ أنا متأكدة أن ده كان حلم بابي وخالد، بس مامي لأ.
مسح على ظهرها بحنان وقال:
_ اطلبي لها الرحمة وانسيها يا حنين، كفاية الميتة اللي هي ماتتها وإن محدش حتى عرف مين اللي عمل فيها كده.
صادق يا مصطفى، لا أحد يعلم من فعل بها هذا، وخصوصاً أنت.
إبتسمت إليه بحب مردفة:
_ شكراً إنك معايا.
لتسمع النداء باسمها "حنين أحمد رسلان"، فقامت بخطوات متوترة، ليبتسم إليها أيوب. فألقت إليه قبلة بالهواء. مالت دلال على كتف أيوب مردفة:
_ فاكر يوم التخرج بتاعي يا باشا؟
ضحك أيوب بخفة مردفاً:
_ هو ده يوم يتنسي برضو؟ طلعتي تستلمي الشهادة من هنا وقلب أبوها شرفت الدنيا على المسرح قدام كل الناس.
قالت بضيق:
_ بنتك دي أصلاً من يوم ما حملت فيها وهي مستفزة، بوظت حياتي البنت دي.
قرصها من أنفها بخفة:
_ ملكيش دعوة بمسك يا دلال.
ابتعدت عنه بضيق مردفة:
_ أشبع بيها أنت، أصلاً بتحبها أكتر مني.
جذبها لتنام على صدره من جديد مردفاً:
_ أنتِ ليكي حب وهي ليها حب، مكانك في قلبي مفيش ست في الدنيا ممكن تشاركك فيه، لكن مكانها هي لو أنتِ ست شاطرة تجيبلي بنت كمان تاخد نص مكانها.
أتسعت عينيها كأنها وجدت الحل مردفة:
_ بجد ينفع؟
أومأ إليها مردفاً بإبتسامة رجولية رائعة:
_ أيوب طبعاً.
تاهت بابتسامته ونسيت ما كانت تريد قوله، لتقول بتوهان:
_ هو أنت حلو كده إزاي يا أيوب؟
ضمه إليه بقوة مردفاً:
_ كل يوم بيعدي عليا وأنتِ في حضني بيرجعلي شبابي ويحلي أيامي.