تترقب زينب مجيء شفيق لترى وجهه وتطمئن عليه، ولتقر عينها برؤيته، فهو المفضل لديها لأنه ورث عنها طباع القسوة والشر. ولكنه لم يأتِ وطال انتظارها له، فامتلىء قلبها بالقلق عليه. وكلما حاولت الاتصال به، وجدت هاتفه مغلقاً. فسارعت بالاتصال على شاهين لتطمئن، علّ الله يعلم شيئاً عنه فيريح قلبها. فأخبرها شاهين أنه بخير، وربما هاتفه قد نفذ شحنه. فاطمأنت قليلاً وأخذت تنتظره مرة أخرى حتى غفت رغماً عنها.
أما شفيق، فقد عاد في وقت متأخر من الليل إلى المنزل. وعلم من شاهين أن والدته قد عادت إلى البيت، فلم يعر ذلك انتباهاً. وصعد إلى شقته على الفور، ولم يهتم بالذهاب إليها للاطمئنان عليها، بل همس: "أنا صراحة جاي مبسوط الليلة دي، ولو دخلتلها هسمع منها كلمتين يعكننوا عليا. فعلى إيه، خليني أنام مبسوط أحسن، يمكن أحلم بسمسمة مهجة القلب والصبح ابقى أعدي عليها."
غفت دلال وآثار دموعها قد شقت وجنتيها. فداهمها أحمد في أحلامها يزيل بيديه دموعها قائلاً: "دموعك دي غالية أوي يا دلال. عارف إن مفيش بعد الأم، رغم إني محسيتش الإحساس ده عشان أمي الحقيقية طلعت مريضة. بس أنا أهو موجود جنبك وعمري ما هسيبك وهكون في ضهرك ديما، وفي حضني هتنسي الدنيا كلها." ليضمها إلى صدره الذي كان كمخدر هدىء من روعها. فهمست دلال بعشق:
"ياه يا أحمد، متعرفش أنا كنت مستنية اللحظة دي قد إيه. أنا بحبك يا أحمد من ساعة ما عيني شافتك، معرفش إزاي بس حبيتك واتمنيتك، رغم إنك بالنسبالي كنت عامل زي النجمة اللي في السما ويستحيل أطولها." أحمد: "وأنا كمان حبيتك يا دلال، بس كنت بقاوم الحب ده، لأني أنا كان حلمي في اللي أحبها حاجة تانية خالص. بس الحب سلطان على القلوب مش بإيدينا." ثم شعرت دلال فجأة ببرودة تجتاح أوصالها عندما ابتعد أحمد عنها، فصاحت:
"أحمد بعدت عني ليه؟ خليني في حضنك أنا محتاجك أوي يا أحمد." "أحمد، أحمد... لتستيقظ دلال تردد اسمه. وعندما أدركت أنها كانت تحلم، بكت وهمست: "ياااه، كان حضنك جميل أوي يا مولانا. يا ترى ممكن الحلم يكون حقيقة في يوم من الأيام." ثم فجأة تذكرت الحاجة همت، فشُهقت ووضعت يدها على فمها مرددة: "لا حول ولا قوة إلا بالله. أنا نسيت الحاجة خالص، يا ترى عملت إيه من غيري، بس غصب عني." لتبكي مرة أخرى على فراق والدتها:
"هتوحشيني يا أمي، الدنيا وحشة أوي من غيرك. هترمى في حضن مين دلوقتي وأعيط ويطبطب عليا ويهون عليا، آه يا حبيبتي يا أمي." ثم حاولت التماسك قليلاً لتتصل بآدم لتعتذر له. رأى آدم اسمها ينير الشاشة فابتسم بتهكم قائلاً: "لسه فاكرة." ثم رد باقتضاب قائلاً: "أيوه." دلال بحرج: "أنا آسفة جداً يا أستاذ آدم." ليقاطعها آدم بحدة:
"وحضرتك جاية تتأسفي دلوقتي بعد ما اليوم خلص وأخدت خصم من شغلي لغيابي المفاجئ. انتِ إنسانة غير ملتزمة وللأسف مش هتكملي شغل معانا وتقدرى تيجي تاخدي حسابك." ففتحت دلال فمها بصدمة لغلظته الشديدة معها، وكأنها ليست إنسانة بل أمة لديه. فلم تجد سوى البكاء. حتى سمع شهقاتها، فتمزق قلبه لأجلها، ولكن الكبر منعه أن يعتذر لها. ولكن وجد والدته تعنفه بقولها:
"حرام عليك يا آدم، ليه يا ابني تكلم البنت بالشكل ده وهي بتتصل تعتذر، حتى مستنتش تقولك إيه عذرها. هات نولني التليفون أنا أكلمها." فناولها الهاتف وهو يعنف نفسه على قسوته معها. فكيف استطاع أن يتخلى عنها سريعاً هكذا، وهو الذي كان يدور حول نفسه طوال النهار ينتظر مجيئها في أي لحظة. ولعل سر غضبه هو أنه لم يراها ويشبع عينيه منها. "آه كم وحشتيني دلال. وما قسوتي إلا عتاب. من محب تلوى بنيران الحب. فسامحيني فأنا من حبك مصاب."
استمعت همت لشهقات دلال فحزنت من أجلها وقالت: "بس يا حبيبتي متزعليش، آدم مش قصده. هو بس من زعله عليا لإني اتعلقت بيكي ومقدرش استغنى عنك يا بنتي." دلال بحزن: "سامحيني يا حجة والله بس لو تعرفي أنا فيه إيه هتعذريني والله." همت بقلق: "مالك يا بنتي، حصل إيه؟ فانفجرت دلال باكية: "أنا أمي ماتت النهاردة ومبقاش ليا حد تاني في الدنيا." فاسترجعت همت:
"إنا لله وإنا إليه راجعون. ربنا يرحمها يا بنتي ويصبر قلبك. ومتقوليش كده، أنا أمك يا حبيبتي، متتصوريش والله غلاوتك بقت من غلاوة آدم بالظبط." ظهرت الصدمة على معالم آدم الذي استمع لشهقاتها بعد قولها إن والدتها توفت، فجلد ذاته: "إزاي أقولها كده وهي في الحالة دي... آه لو كنت جنبك دلوقتي كنت خدتك في حضني قولتلك أنا جنبك وعمري ما هسيبك أبداً." حاولت همت تهدئتها:
"بس كفاية عياط يا بنتي وجعتي قلبي، عشان كمان متأذيهاش وقولي بس ربنا يرحمها وهستناكي بكرة في معادنا يا بنتي." دلال: "الله يرحمها وباذن الله يا حجة هاجي في الميعاد." لتغلق همت الخط، ثم طالعت آدم بنظرة حزينة وقالت بعتاب: "شوفت مش قولتلك الغايب حجته معاه، ومش أي حجة دي أمها يا ابني، يعني أعز الناس. ربنا يصبرها وشكلها وحيدة ملهاش حد." تعجب آدم: "ليه فين أهل أبوها، أهل أمها؟ همت:
"معرفش، بس خلينا إحنا أهلها يا ابني دلوقتي ولازم نقف جنبها. وأنا عارفة إن العصبية دي كلها عشان مشوفتهاش. أنت حبتها يا آدم بس مكابر تعترف." فتلعثم آدم وقال: "لا حب إيه، ممكن تقولي إعجاب. هو الحب بالساهل كده؟ على العموم بكرة لازم تعرفي منها كل حاجة، ولو طلعت الأمور تمام ساعتها هتقدم ليها. بس المشكلة هتقدم لمين؟ هو ده السؤال اللي محيرني!!
عندما خرجت ياسمين من منزلها لتتجه نحو عملها في مشغل الخياطة، وجدت شيكو في انتظارها. فضربت بيدها على صدرها وقالت بفزع: "بسم الله الرحمن الرحيم. بيطلعوا إمتى دول." فضحك شيكو، ثم عبس وقال بمداعبة: "إيه ده اللي بيطلعوا إمتى؟ ليه فكراني جني؟ ده انتِ اللي مجننانى يا ياسو وحبيبة قلبي." توردت وجنتا ياسمين من الخجل، ولكن سرعان ما تجمدت ملامحها وقالت بجمود: "بقولك إيه، أنا ميخلاش عليا الكلام ده. شوف وحدة تانية هبلة تصدقك."
شيكو: "ما انتِ هبلة أهو ومش مصدقة. حرام عليكي يا ياسمين، هتعذبيني لأمتى بس. طيب أحلفلك بإيه إن بحبك انتِ ولو أطول أكتب عليكي دلوقتي عشان تصدقي أعملها." دقت قلب ياسمين بشدة وارتجفت يدها، ولكنها حاولت السيطرة على نفسها وتابعت بجمود: "قولتلك إني مش بتاعة جواز ومضيعش وقتك معايا وشوف غيري." طالعها شيكو بمكر واستطرد: "ماشي. طيب تعالي معايا اخطبلي أكمني يعني وحداني ومليش حد يجي معايا."
فصكت ياسمين على أسنانها بغيظ ودبت الأرض بقدميها وقالت وألسنة النار تخرج من عينيها: "بقى كده، آه مصدقت. عشان تعرف إنك كداب وبتاع نسوان وتلاقيك الكلمتين دول بتقولهم لكل وحدة بتقابلها. ويلا روح يا شاطر وريني عرض كتافك، مش فضيالك، ولا فضية لشغل الخطبة بتاعك." ثم لمعت عينيها بالدموع، فهي تحبه رغم كل محاولاتها المستميتة لكي يبتعد عنها، لأن الزواج سيعطلها عن مراعاة إخوتها الصغار. ابتسم شيكو بمكر وتابع:
"والله بتحبيني زي ما بحبك يا بت بس بتكابري. وعينيك بتطلع قلوب كمان. وأنا كمان بموت فيكِ ويستحيل أتجوز غيرك." ياسمين: "يبقى مش هتجوز يا شيكو." شيكو: "ليه يا بنت الناس، ده أنا حتى جاي النهاردة عشان أقولك ربنا فرجها عليا من وسع وورثت. يعني أقدر أعيشك ملكة أنتِ وإخواتك اللي شايلة همهم دول." ياسمين:
"أولاً مبروك يا سيدي. بس أنا أحق بمصاريف إخواتي ومقبلش حد يمن عليهم بحاجة وممكن في أي وقت يمنعها. آه ما أنا عارفة الناس اللي تتمسكن لغاية ما تتمكن." فصاح شيكو بغيظ: "لا أنتِ صراحة أوفر غتاتة وبوز نحس، أنا مش عارف حبيت فيكِ إيه. ده انتِ ولية نكدية وهم بصراحة." ثم أنهى حديثه بقوله: "بقولك إيه أنا ماشي وفكري أبوس إيديك في موضوع الجواز ومش أنا اللي أمنع رزق ربنا على حد، لا أنا ابن أصول وأعجبك أوي."
ثم التفت ليغادر بين صدمتها، ولكنه التفت برأسه مرة أخرى ليبتسم قائلاً: "برميل نكد بس بحبك." ثم أسرع للمغادرة من أجل ميعاده مع أحمد. لتبتسم ياسمين وتهمس: "مش قد حبي ليك يا شيكو وعارفة إنك راجل وراجل أوي كمان، بس إخواتي محدش هيكون أحن عليهم قدّي."
وقف شيكو مع أحمد أمام أحد المولات المشهورة في المدينة الجديدة ينظرون إليها بفرحة عارمة، فأخيراً حقق الله مرادهم وأصبح لديهم عمل خاص مربح ونواة لحلم أكبر أن يصبحوا أحد رجال الأعمال الذين لهم اسم مسموع ووزن في السوق. طالع شيكو أحمد بحب وقال بحبور: "يلا يا وش السعد نسمي الله وندخل ملكنا ونشوف الشغل ونقص الشريط." واستطرد بدعابة: "معاك المهم دفترك وقلمك يا سي فهيم أفندي." فضحك أحمد وأشار إلى حقيبته:
"متقلقش معايا كل عقود الملكية، وبكرة هنسجلها في الشهر العقاري إن شاء الله. وبعد ساعة من دلوقتي هييجي الناس اللي هيأجروا المحلات في المول نتفق ونمضي العقد." شيكو طالعه بإمتنان قائلاً: "مش عارف من غيرك كنت عملت إيه يا صاحبي، متحرمش منك وتفضل في ضهري طول العمر. وأول عقد هنكتبه إنك ليك نص الأرباح بالتساوي." ابتسم أحمد وقال بحرج: "مينفعش يا شيكو، ده المال مالك وانت اعتبرني مدير أعمالك بس وحط لي أجر يناسبني وبس." شيكو:
"أنت فعلاً مدير أعمالي اللي مقدرش أعمل حاجة من غيره. بس الاتفاق اتفاق وأنا قولتلك من ساعة ما ربنا كرمني إنك هتكون شريكي مش شغال عندي. فمتزعلنيش منك واسمع اللي بقوله، ده أنت المال في إيدك بيكتر يا مولانا. وعايزك كمان كل أول شهر تراعي الناس المحتاجة بمبلغ كده، زي ما ربنا رعانا وفتح علينا." ابتهج قلب أحمد وشكر الله على نعمته، فخر ساجداً لله ثم قام وقال:
"ده أكيد يا شيكو ربنا يزيدك من فضله ومش عارف أقولك إيه على ثقتك فيه كده غير إني هحاول باذن الله أكون قدها وأعمل كل اللي في وسعي عشان اسمك يعلى في السوق." شيكو: "ياه أخيراً هكون بيج بوس مان، بس سايق عليك النبي يا مولانا تعلمني كلمتين إنجليزي أتنظر بيهم قدام الناس عشان يحسوا إني حاجة كده جامدة ومتعلم بره كمان." فضحك أحمد: "بس كده عيوني حاضر."
ثم مضى اليوم ليعود أحمد إلى مخدعه ليرتاح من عناء اليوم. وعندما هم أن يستسلم للنوم وجد من يطرق عليه الباب. ليجد صوت أشجان: "افتح يا أحمد." فتأفف أحمد وضم شفتيه ثم قال: "عايزة إيه مني دي في نص الليل؟ دي مجنونة مش خايفة حد يشوفها وهي بتخبط في الوقت ده يقولوا إيه؟ أنا صراحة مش هينفع أكمل في البيت ده، ولازم أتصرف وأجيب شقة قريب وأبعد عن أشجان خالص."
ليقوم بتثاقل ويخطو نحو الباب ثم فتح ليجدها أمامه تخفض بصرها لأول مرة، لأنها دائماً كان يجدها تحدق به فيتحاشى النظر إليها ويغضب من نظراتها الجريئة تلك. ووجدها تحمل في يدها صينية طعام، لتقول بخجل: "أنا قولت أكيد راجع تعبان من الشغل وممكن تكون نسيت تأكل، فقولت أجيب لك لقمة تاكلها. ولما تخلص حط الصينية على جنب وأنا بكرة لما تخرج شغلك هدخل آخدها."
وعندما هم أحمد أن يعترض لأنه لا يريد أن تهتم به وتأتي إليه مجدداً هكذا في منتصف الليل فتثير الشكوك حوله، وجدها قد التفتت لتغادر سريعاً وكأنها تهرب من ردة فعله. فشعر بالحرج من نفسه قليلاً وقال: "للدرجاتي بتخاف من كلامي لدرجة إنها تجري كده. تعبتيني يا أشجان، وحاسس بقلبك والله بس إزاي ده انتِ كنتِ مرات أخويا وكمان أنا قلبي... ثم صمت للحظة وشرد في دلال فابتسم رغماً عنه وقال: "يا ترى عاملة إيه؟
وحالك اتصلح ولا لسه زي ما أنتِ." ولكن سرعان ما عاتب نفسه: "إيه يا شيخ أحمد، فوق لنفسك مش كده! إزاي تفكر في واحدة زي دلال متاحة للكل. اصحى كده وركز على حلمك إنك تجوز إنسانة ملتزمة تاخد بإيدك للجنة مش تخليك تنتكس. أنا لازم أهرب من هنا عشان أشجان واهرب من قلبي اللي دق لإنسانة يستحيل تكون ليه."
ثم التفت متجاهلاً الطعام وقرر أنه لن يأكل ليواصل لها رسالة أن لا تفعل ذلك مجدداً. ولكن ما أن افترش التخت، حتى شعر بالجوع يفترس بطنه ورائحة الطعام الشهي تتغلغل إلى أنفه. فأخذ ينظر إليه بإشتهاء ثم أدار بصره عنه، ولكنه استسلم في النهاية قائلاً: "أنا هاكل المرة دي بس لكن مش هتتكرر تاني."
وعندما انتهى من طعامه حمد الله ثم توجه للمرحاض فتوضأ وصلى القيام وعاد إلى التخت وأخذ يستغفر الله حتى خلد إلى النوم ليرى مرة أخرى تلك الرؤية بتفاصيلها. بل زاد عليها إنه عندما عاد للمنزل وقد أُذن لصلاة العشاء، صلى بأولاد أشجان وابنته منها وهي في جماعة. ليستيقظ في الصباح متعجباً من الحلم: "معقول ده!! طب إزاي دي كمان أكبر مني في السن ييجي خمس ست سنين! .... "ربنا يتحول الحلم إلى حقيقة، فربك رب المعجزات."
دلفت إبتهال إلى غرفة أشجان في الصباح وعلى وجهها علامات الغضب. فدب القلق في قلب أشجان، حتى وجدت ابنتها تقف أمامها ثم وجدت يدها تسقط على وجهها بصفعة قوية ألمتها، فصاحت أشجان ببكاء: "ليه كده أنا عملت إيه؟ حرام عليكي مش كفاية اللي أنا فيه؟ ابتهال بحدة:
"اخرسي أنتِ ليكي عين تتكلمي، بعد اللي شوفته بعيني امبارح وأنتِ شايلة الأكل وبتخبطي على ابن عمك في نص الليالي. ولولا إني عارفة أحمد أكتر من نفسي وعارفة إنه لا يمكن يمس شعرة منك ولو اطنطنتي قدامه. كان زماني جبتك من شعرك وسويت بيكِ الأرض وهو طردته من هنا. بس قولت يا بت بلاش فضايح بدل ما اتأكدت من أخلاق أحمد اللي كنت بتمنه لأختك بس نصيبها المقندل."
فبكت أشجان حتى سمعت إبتهال صوت شهقاتها المؤلم، فضعفت أمام بكاؤها وتحرك قلب الأم. فجلست بجانبها ومسحت على شعرها وقالت: "ليه يا بنتي ترخصي نفسك كده؟ يقول عليكي إيه ابن عمك وأنتِ بتخبطي عليه في نص الليل. ولا عشان بقيتي مطلقة يبقى عيارك فلت. لا يا بتي أنتِ بنت الحاج سليمان يعني غالية أوي. فعززي نفسك يا بنتي لغاية ما يجي عوض ربنا ليكي." فقالت دون شعور: "ياه لو كان العوض أحمد، ده أنا هكون خدمته طول العمر."
فصاحت إبتهال بضيق: "أنتِ اتجننتي يا أشجان! إزاي تفكري في أحمد وأنتِ مش بس مطلقة وهو لسه مدخلش دنيا، ده كمان أصغر منك يا بنتي. يعني مينفعش خالص، ده عايز وحدة من سنه وبنت بنوت." تنهدت أشجان بمرارة وتابعت: "عارفة، بس للأسف مش قادرة أمنع نفسي." حركت إبتهال رأسها: "لا كده وجود أحمد خطر هنا يا بنتي ولازم أبوكِ يشوف صرفة ويبعده عن هنا." فتوسلت لها أشجان:
"لا يا ماما عشان خاطري. ده وجوده هنا وإني أشوفه كل يوم مهون عليا الهم اللي أنا فيه." ابتهال بسخط: "يعني إيه أسيب البنزين جنب النار وأسكت، لا لازم أشوف صرفة." ثم وقفت واتجهت للخارج، فاتبعتها أشجان، تمسك يدها وانحنت إليها تقبلها قائلة: "بالله عليكي متخليهوش يمشي وأنا أوعدك مش هروحله تاني ولو عايزاني كمان مكلمهوش مش هكلمه." خفق قلب إبتهال وغلب قلب الأم أيضاً، بل دعت لها قائلة:
"طيب يا بنتي ربنا يريح بالك. بس الأهم من كل حاجة، إنك تاخدي بالك من ولادك لأن مالهمش ذنب وإياكِ تاخديهم بذنب أبوهم." ابتسمت أشجان بوهن: "لا طبعاً دول حتة مني وهما عكازي لما أكبر. وربنا يديني العمر عشان أقدر أربيهم أحسن تربية." فأومأت لها والدتها ثم خرجت تحدث نفسها لتأتي على خاطرها فكرة، ستحاول تنفيذها ولتكن النتيجة على الله سبحانه.
حيث توجهت إلى غرفة أحمد، ووقفت على الباب تحاول التقاط أنفاسها والسيطرة على دقات قلبها الهادرة من القلق من ردة فعله. ولكنها توكلت على الله ودقت على الباب قائلة: "أنا مرات عمك يا ابني، ممكن أدخل؟ فأسرع أحمد لفتح الباب وابتسم وقال ببشاشة وجه: "أهلاً يا مرات عمي، اتفضلي ارتاحي." فولجت إبتهال لداخل الغرفة وجلست على أقرب مقعد وأخذت تفرك في أصابعها وأحمد ينظر إليها منتظراً أن تحدثه فيما جاءت له. حتى قالت وعلى وجهها
ابتسامة لم تتعدى ثغرها: "ما شاء الله عليك يا ابني اليومين دول ربنا فاتح عليك من وسع وبيعوضك عن اللي فات عشان انت ابن حلال وتستاهل كل خير. ومتتصورش أنا فرحنالك قد إيه." طالعها أحمد بإمتنان قائلاً: "عارف أكيد يا مرات عمي. ده أنتِ أمي التانية وطول عمري بحس منك بحنية عمري ما حسيتها من الست اللي كنت بفتكرها أمي." ابتهال بحزن: "ربنا يسامحها بقى يا ابني. ثم استطردت: المهم ربنا عوضك يا حبيبي ومبقاش ناقصلك غير العروسة."
تغيرت ملامح أحمد عند سماعه لتلك الكلمة وعلم أن من ورائها شيء. أحمد: "حاسس إن لسه شوية على الموضوع ده يا مرات عمي." حمحت إبتهال بحرج: "ولا بدري ولا حاجة يا ابني، أنت ألف مين يتمناك والجواز في السن ده معناه إنك تجيب إخوات ليك مش ولاد بس ينفعوك في الكبر. وسيدنا النبي اتجوز السيدة خديجة وهو قريب من سنك كده وكمان إيه كانت أكبر منه في السن وأرملة ومعاها ولاد وحبها حب محبهوش لغيرها سبحان الله." ففطن أحمد لما ترمي
إليه وأغمض عينيه وهمس: "أشجان. إظاهر أن الرؤية حق يا أحمد، ومش هتقدر ترفض عشان ترد الجميل." لذا لم يشأ أحمد أن يشعرها بالحرج أكثر من ذلك خصوصاً عندما رآها تتعرق رغم برودة الجو، فبادر بقوله: "تصوري فعلاً يا مرات عمي أنا فكرت كتير إني أتزوج زي سيدنا النبي عشان أتبع سنته وإن الناس تعرف أن المطلقة والأرملة مش عبء على المجتمع وأنها إنسانة زينا زيها." فتهلل وجه إبتهال وصاحت بفرحة: "الله ينور عليك يا أحمد."
فاسترسل أحمد بوجه بشوش رغم النار التي تأكله من الداخل: "وعشان كده تفتكري يا مرات عمي، إن ممكن عمي يوافق إني أتزوج أشجان بعد ما تخلص عدتها." فكاد قلب إبتهال أن يسقط من شدة الفرح حتى أنها قالت بعدم تصديق: "أنت يا ابني عايز تتجوز أشجان بتي أنا." فابتسم أحمد ابتسامة صفراء لم تتعدى ثغره، فهو لم يتخيل ولو للحظة واحدة أنه سيتزوج من أشجان في يوم من الأيام، ولكن هذا قدر الله وعليه أن يتقبله حتى ولو أن قلبه لا يريد ذلك. أحمد:
"آه بس مينفعش نفتح الموضوع ده دلوقتي غير لما تخلص عدتها. وخليه سر بيني وبينك يا مرات عمي." فوقفت إبتهال والفرحة تقفز من عينيها قائلة: "آه طبعاً سر أمال إيه ربنا يفرحك يا ابني ويسترها معاك دنيا وآخرة. عن إذنك بقى عشان تشوف حالك وتروح شغلك." ثم غادرت مسرعة نحو غرفة أشجان، ففتحت الباب على مصراعيه، فخافت أشجان أن تضربها مرة أخرى فتراجعت للوراء. ولكن تفاجأت بها تبتسم وتقترب منها وتعانقها بحب قائلة:
"مكنتش أعرف إن عوض ربنا هيجيلك بسرعة كده يا أشجان." أشجان بعدم فهم: "تقصدي إيه يا ماما؟ ابتهال: "عريس يا بنتي أول ما تخلصي عدتك هيتقدم." فعقدت أشجان حاجبيها ورفضت: "لا أنا مش عايزة أتجوز تاني، أنا هقعد أربي ولادي." ابتهال بمكر: "بجد يا أشجان عليه الكلام ده، حتى لو قولتلك إن العريس هو أحمد ابن عمك." فشعرت أشجان أن الأرض تتهاوى من أسفلها وكاد أن يغشى عليها من الفرحة وتسقط في الأرض، ولكن تلقفتها يد إبتهال وهي تضحك:
"أنتِ هيغم عليكي من دلوقتي، امال لما يكتب عليكي هتعملي إيه." اتصلت زينب على شفيق عدة مرات في اليوم التالي بعد أن بلغ بها القلق مبلغه، وفي النهاية استجاب إليها على مضض قائلاً: "أيوه يا حجة، عاملة إيه دلوقتي! زينب بعتاب حزين: "مش كويسة طول ما أنا مش شايفة يا ضنايا، كده برضه متسألش عليا ولا تيجي تطل عليا يا شفيق. ده أنت روحي يا ابني ومكنتش بتفارقني أبداً." نفخ شفيق بضيق:
"معلش يا حجة، انشغلت بس، بس أنا نازلك حالا أطمن عليكي." ثم أغلق الخط وتساءل بحيرة في أمره: "هعمل إيه دلوقتي؟ أكيد هتسألني عن أسماء ولما أقولها إني خطبتها وهتجوزها هتزعل وتسمعني كلمتين مالهمش لازمة. بس ماشي هسمع من هنا وأعدي من هنا، مهو كله إلا أسماء دي الحب. وشها بريء أوي بيفكرني بالبت بتاعة النايت كليب اللي معرفتش أتهنى بيها. كانت قمر صراحة بس خلاص أسماء غطت على الكل وهتكون ست الكل مهما أمي عملت."
ثم أنهى ملابسه واتجه إليها، فلمعت عينيها من اللهفة لرؤيته قائلة: "حبيبي يا ابني، تعال في حضن أمك، وحشتني أوي." فاقترب منها شفيق واحتضنها بجفاء ثم ابتعد عنها: "ها عاملة إيه دلوقتي يا حجة؟ زينب: "بقيت كويسة لما شوفتك يا ضنايا. وانت عامل إيه؟ شفيق: "بخير يا حاجة." لتستطرد زينب: "بقولك يا شفيق، أنت هتسيب البت أشجان تبرطع في بيت أبوها ولا إيه؟
ردها وخليها ترجع البيت تخدمني أنا بقيت محتاجها عن الأول أكتر وعشان تساعد الزفتة أختها أنهار." تمعض وجه شفيق: "أرد مين يا حاجة، ردت المية في زورها. ده أنا مصدقت خلصت منها ومن وشها النكدي اللي يغم النفس، افتكرلنا حاجة عدلة على الصبح." زينب: "معلش يا ابني عشان عيالك برضه وعشان أنا بنت إبتهال مش لازم تخرج عن طوعي أبداً. لازم ترجعها." أكد شفيق: "قولت لأ، لإني خلاص هتجوز." زينب بشك وترقب من أن يكون سيفعل ما نهته عنه:
"هتجوز مين يا شفيق؟ شفيق بنبرة حادة: "أسماء يمه عشان أصلح غلطتي وأنا خلاص اتفقت على كل حجة مع أبوها والنهاردة هجيب الشبكة وبعد ما تخلص عدة أشجان هتجوزها على طول." اتسعت عين زينب بصدمة: "إيه أسماء..! عايز تجوز البت اللي مدت إيديها على أمك يا شفيق؟ شفيق مبرراً: "معلش كانت لحظة غضب وعدت يا حجة." زينب: "ولو قولتلك إني مش راضية عن الجوازة دي." شفيق: "ويستحيل تحصل. وأظن مش هتعارضي أمك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!