الحلقة السابعة والعشرون كان يزيد بن حاتم يقول: "ما هِبْتُ شيئًا قط هيبتي من رجل ظلمته، وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبي الله، الله بيني وبينك". وبكى علي بن الفضيل يومًا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدًا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة.
اتصلت تقى على ياسمين من أجل أن تخبرها بقرارها الذهاب للأراضي المقدسة لعمل عمرة هي وتميم، تقربًا لله تعالى بدلًا من الإنفاق على فرح وما يشمله من معاصي. استحبت ياسمين تلك الفكرة وأيدتها بقولها: "عفارم عليكِ يا تقى يا حبيبتي، فكرة جميلة وأنا معاكِ فيها وما شاء الله هتكون بركة وسعادة علينا". "أنا هكلم شيكو وأخليه يتفق مع تميم على التفاصيل ونطلع معاكم إن شاء الله". فابتسمت تقى واستطردت: "بس أظن شيكو مش هيعارض".
عقدت ياسمين حاجبيها وقالت: "ويعارض ليه إن شاء الله..! "بس هو يقول لأ ويبقا جت من عنده ولا يكون فيه فرح من الأساس ولا يحزنون". فضحكت تقى وقالت بمداعبة: "أحبك يا مسيطرة أنتِ". فضحكت ياسمين وأغلقت معها الخط لتتصل على شيكو. شيكو بحب: "مش مصدق إن الجميل بيتصل بيه بنفسه، ده أنا كده لازم أوزع الشربات". ياسمين بتهكم: "أنت بتتريق يا شيكو ولا إيه؟ "هي أول مرة أتصل بيك يعني؟ شيكو بحب:
"أنا كل مرة أسمع صوتك فيها كأنها أول مرة يا حب، بحس قلبي جوه بيرتعش كده". "ما تجيبي بوسة عشان يهدى". فغضبت ياسمين: "ما تلم نفسك يا شيكو مش قولتلك لما أدخل بيتك". شيكو: "يا صبر أيوب، بس ماشي يا جميل، وإحنا إيه اللي مخلينا نستنى ما تيجي نعمل الفرح النهاردة وندخل يا عسل". ياسمين: "لا هو أنتَ متعرفش إني خلاص مش عايزة فرح ونعمل عمرة أحسن يا حبيبي، ها إيه رأيك؟ "وفقت صح؟ أنا عارفة برده مش بترفضلي طلب".
"ربنا يخليك يا حبيبي". كان شيكو يستمع إليها وهو في ذهول حتى انتهت من حديثها، فصاح: "عمرة إيه يا ياسمين، هو أنا داخل دنيا ولا آخرة، حرام عليكِ يا بت تعبتيني". "خلينا نعمل الفرح ونهيص ده اللحظة اللي بستناها وبعدين نعمل عمرة بعدين". ياسمين بتذمر: "لا مفيش فرح وفيه عمرة عشان ربنا يهديك". "يأما مفيش جواز أساسًا". شيكو بصدمة: "لا مفيش إيه..!
"لا يا حبيبتي وماله نروح عمرة ونقعد للحج كمان ولو عايزة مهو أنا غلطان إني حبيتك وهروح أكفر عن ذنبي، اقفلي يا ياسمين دلوقتي". ليغلق الخط قائلًا: "آه يا ميلة بختك يا واد شيكو". "إمتى بس هتلم على البت دي، هتجنني". عاتبت دلال أحمد عندما طلب منها أن يتركوا الفيلا ويعيشوا في شقة: "أنت بتقول إيه يا أحمد حد يسيب البراح ده ومامتك وعمتو ويمشي يروح شقة". أخفض أحمد رأسه بحزن وقال بحرج:
"معلش يا دلال سامحيني عشان عارف إن الموضوع صعب عليكِ وعليه صدقيني أكتر بس غصبًا عني". دلال بإندهاش وذهن مشتت: "هو فيه إيه يا أحمد ما تقول الموضوع على طول، ليه عايزني أمشي من هنا؟ أحمد بحرج: "عشان... ثم صمت للحظة وتابع: "هتجوز أشجان الجمعة الجاية وهتيجي هي وولادها يعيشوا هنا".
تمزق قلب دلال من الصدمة فهل بعد ما حدث بينهما واعترافه بحبه لها وتلك اللحظات السعيدة التي عاشتها معه وظنت إنها قد امتلكت الدنيا وضحكت لها بعد سنين الضنك والشقاء ولكن للأسف كان هذا حلم استيقظت منه عندما ألقى بها إلى الأرض مجددًا بعد أن كانت تحلق في سماء السعادة فتمزق قلبها إلى أشلاء. فوجدتها تدفعه بكلتا يديها وتصيح بانفعال:
"عايز تجوز عليه يا أحمد وأنا لسه عروسة يوم ملحقتش أفرح وكمان تخرجني من هنا وترميني في أي مكان عشان خاطرها". "ياااه لدرجاتي أنا قليلة في نظرك ومليش أي قيمة وهي عندك الكل في الكل وبتراعي مشاعرها ومديها قيمتها وهتكون مراتك قدام الناس". "لكن أنا إيه يا أحمد مجرد واحدة حشرة دوستها برجلك مش كده". "طلقني يا أحمد واتجوزها لأن صدقني مش هستحمل حد يشاركني فيك".
ومع كل كلمة تخرج من فم دلال كانت تنزل على قلب أحمد كالسوط يمزق قلبه، فظهر الألم على وجهه حتى أنه شعر بالدوار وأمسك برأسه. وكل ما نطق به: "آسف غصب عني". ثم أُغمي عليه. وكأنه لم يتحمل ذلك الضغط العصبي الذي يفوق قدرته على المواجهة. فهو على عهد من عمه وأيضًا يعشق تلك التي هدمت حصونه وأصبح أسيرًا لعينيها. سقط أحمد أمام أعين دلال فجأة فكانت في ذهول وصدمة لم تكن تتوقعها أبدًا. فصرخت بقهر زلزل كيانها: "أحمد، قوم يا أحمد".
"افتح عينك وكلمني وقول إنك معايا وعمرك ما هتسبني". "قوم يا أحمد، أنا بحبك". "أوعى تكون صدقت لما بقولك طلقني". "ده أنا بقول كده من غيرتي بس". "ده أنا لو بعدت عنك أموت". "قوم يا أحمد عشان خاطري، قوم واتجوز ماشي القردة بنت عمك بس تقوم ولو عايز تكملنا أربعة ماشي". "ما أنت قادر وتعملها يا مولانا بس قوم". "قوم يا أحمد، قوم يا أحمد ما هو أنا مينفعش أترمل وأنا لسه عروسة كده". "ده كده أكون نحس وربنا، قوم يا أحمد".
وهكذا أخذت تصيح بألم حتى سمعتها شمس فأخذت تردد بخوف: "أحمد أحمد". فانتبهت لها عفاف فقالت: "متقلقيش يا حبيبتي، يمكن بيتسامروا عشان عرسان وكده". ولكن شمس لم تفتر عن ذكر اسمه وحينها استمعت عفاف لصراخ دلال فانتفضت واقفة وقالت بفزع: "استر يا رب". ثم هرولت إليهم سريعًا لتجده مغشيًا عليه وبجانبه دلال تبكي وتصرخ باسمه. عفاف بفزع: "حصله إيه انطقي؟ دلال بخوف: "مش عارفة مرة واحدة كده وقع من طوله". عفاف:
"اسم الله عليك يا حبيبي، شكل قلبك ضعيف، طيب قومي نوليني إزازة برفان من عندك بسرعة". فقامت دلال مسرعة وأتت به لتنثر عفاف على أنفه، فيستفيق أحمد رويدًا رويدًا وهو يذكر اسم دلال. لتمسك دلال بيده وقالت بعشق: "أنا جنبك أهو يا حبيبي، وعمري ما هسيبك أبدًا". عفاف: "خضتيني عليك يا ابني، مالك بس حصل إيه؟ "ما كنت زي الوردة المفتحة وصوتك مجلجل الفيلا". فاستطردت دلال: "كله من سيرة المشؤومة أشجان دي عملت كده". عفاف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله وده وقته أشجان انتوا فيه إيه ولا إيه". دلال بتذمر: "قوليله". أحمد بخفوت: "يا عمتو حضرتك عارفة إنه مينفعش أرجع في كلامي وجوزتي منها غصب وأنا وعدت عمي إنها هتيجي هنا". "وده ضاغط على أعصابي جدًا لكن يرضيكِ دلال تضغط عليه أكتر وتقول طلقني فحسيت إني في دوامة ومش عارف أخرج منها ومحستش بنفسي بعدها". فنظرت عفاف إلى دلال نظرة عتاب وقالت:
"ليه كده يا بنتي تخربي على نفسك وأنتِ عارفة إنه بيحبك والموضوع غصب عنه يعني مش فراغة عين زايغة". "عجبك كده كان هيروح منك". فلمعت عين دلال بالدموع وأمسكت بيد أحمد ورفعتها إلى فمها وقبلته برقة قائلة: "لا بعد الشر عليه، اتجوزها يا أحمد وسامحني كان غصب عني، أنت مش حاسس بالنار اللي جوايا لما حسيت إنها هتشاركني فيك ولا ممكن تاخدك مني وأنا مصدقت لقيتك يا مولانا". أحمد بعشق:
"محدش يقدر يعملها يا دلال، لأنك في دمي ونسمة الهوا اللي بتنفسها، ده أنا من غيرك أموت يا دلال". "وأرجوكِ مسمعش منك كلمة الطلاق دي تاني". ابتسمت عفاف واعتدلت قائلة: "لا أظن بقى كده دوري انتهى وأمشي عشان مبقاش عزول يا عصافير". "تفاهموا يا حبايبي وربنا هيراضيكم". لتخرج عفاف ليضم أحمد دلال إلى صدره بقوة وهمس بعشق: "سامعة دقات قلبي دي يا دولي". "كل دقة منهم بتقول اسمك وبتدق ليكِ وحدك".
"وصدقيني أنا هكتب على أشجان لكن ده هيكون على الورق، هعيش معاها زي الأخوات هقضي طلباتها وطلبات ولادها عشان خلاص مسئولين مني وهحاول أعوضهم عن قسوة أبوهم وحنيته اللي اتحرموا منها وهو لسه عايش على وش الدنيا". رفعت دلال عينيها إلى عينيه فرأت فيهما الصدق ولكن سألته بغيرة واضحة: "بجد يا أحمد يعني مش هتلمسها وهتكون لي أنا لوحدي وبس". أكد لها أحمد رغم علمه أن في ذلك معصية ولكن حقًا نفسه تأبى ذلك وليسامحه الله.
فابتسمت دلال وأخفضت رأسها بعدما اطمأنت. لتجده يهمس: "اطمأنتي ممكن تصالحيني عشان زعلان منك". اتسعت عين دلال واستطردت: "أنت اللي زعلان كمان". "أقول إيه بس عوض علي عوض الصابرين يا رب". فضحك أحمد: "مفيش فايدة في لسانك". "طيب يا حبيبتي قومي يلا نلبس، عشان نشوف شقة نعيش فيها على حريتنا، وصدقيني هتكون فيها مرتاحين أكتر من هنا". أومأت دلال برأسها، واستجابت لطلبه على مضض.
لتمضي عدة ساعات استطاع بها أحمد شراء شقة مجهزة بالكامل على أفضل وجه. .................. ما زال شاهين مع أخته شهيرة فسألها: "تعرفي عنوان الكلب ده كويس يا شهيرة". شهيرة: "معرفش يا شاهين لإني روحت هناك وأنا مش في وعيي فمركزتش". شاهين: "طيب معاكِ تليفون الزفتة صاحبتك دي؟ شهيرة: "آه بس هتعمل إيه معاها أكيد مش هتعرف على نفسها عشان متوديش نفسها في داهية". شاهين:
"ملكِش دعوة أنا عارف الأشكال الزبالة دي بتيجي بتبيع ضميرها بالفلوس". "هاتي بس رقمها". فأخذه شاهين منها ولكنه كان مشغولًا. لأنها في ذات الوقت كانت تحدث كريم. "إيه يا كرملة متصلتش علي ليه زي ما اتفقنا مش قولت هجيلك بعد ما تخلص مع شهيرة". فصاح كريم بانفعال: "بقولك إيه يا سالي أنا مش فايقلك، كفاية اللي أنا فيه ومتتصليش بي تاني أنا مش طايقك". "صنف ملعون صحيح". ثم أغلق الخط في وجهها. لترتسم معالم الغضب على وجه سالي قائلة:
"كده يا كريم! "دي آخرتها، كنت بتضحك علي عشان تنول المراد بس وتخلي بي وتقفل كمان السكة في وشي". "ماشي يا كريم، مش سالي اللي تعمل معاها كده". "وهفضحك فضيحة المظاهر في الكلية وهقول لشهيرة الحقيقة وشوف بقى هتعمل فيك إيه مش بعيد تقتلك عشان اللي عملته فيها وهي مش دريانة". ثم استمعت لرنين الهاتف فاستجابت قائلة: "ألوو". شاهين: "آنسة سالي". "أيوة أنا سالي مين معايا". شاهين:
"أنا واحد عايزلك كل خير وبالتمن اللي تطلبيه بس قصاد مصلحة صغيرة كده". سالي: "وهي إيه المصلحة دي؟ شاهين: "تقولي اللي عملتيه في شهيرة وبسببه كريم عرف يسيطر عليها وياخدها بيته". فدب الذعر في قلب سالي وأنكرت: "كريم مين وشهيرة مين أنا معرفش حد بالاسم ده". "ومع السلامة". ولكن قبل أن تغلق الخط صاح شاهين:
"هتقولي الحقيقة بالذوق وتستري عرض واحدة زيك اتسببتي في طلاقها من جوزها ولا أجيلك آخد منك الاعتراف وأنا بشوه وشك الجميل ده". فخافت سالي وقالت: "لا هقول كل حاجة بس متأذنيش أرجوك". شاهين: "طيب أنا هستناك في كافيه العمدة في نص البلد كمان نص ساعة لو مجتيش هجيبك من تحت الأرض". سالي: "لا جاية جاية". أغلق معها شاهين الخط ليجد شهيرة ما زالت تبكي فحدثها بقوله:
"مش قولتلك طول ما أنا في ضهرك متبكيش ومتقلقيش، ارفعي راسك يا شهيرة وأوعدك الليلة هتنامي في بيتك وفي حضن جوزك وابنك". شهيرة: "أنا عايزة ابني بس لكن سفيان صعب أرجعله بعد اللي عمله فيَّ". شاهين: "استهدي بالله أي واحد في مطرحه كان قتلك مش بس طلقك يا شهيرة". "ومعلش ابقوا اتعاتبوا وأنتوا في بيتكم". شهيرة: "طيب وماما هنعمل إيه معاها". شاهين: "أمك كده خلاص يا شهيرة انتهت، وهتقضي بقية عمرها بالحالة دي".
"وبس الدكتور يصرح ليها بخروج وهجيب واحدة تاخد بالها منها بالفلوس". "أنا عارف إن أنهار هتخدمها بس أنا مش عايز نظرة شماتة منها تكون غصبًا عنها وأمي في الحالة دي". "وعارف كمان أن أمي مش هيقدر حد يشوفها كده". شهيرة: "لا حول ولا قوة إلا بالله". وبالفعل تقابل شاهين مع سالي وقصت عليه كل ما حدث وسجل ذلك شاهين صوت وصورة فيديو ثم بعثها إلى سفيان الذي كان يحبس نفسه في غرفته يبكي وبيده صورة شهيرة يحدثها:
"أنا عملتلك إيه عشان تعملي فيَّ كده يا شهيرة". "خسارة الحب اللي حبتهولك وللأسف مش قادر أكرهك رغم كل اللي عملتيه ومش عارف أعمل إيه أكتر من أحرمك من ابنك، يا ريت كنت موتك بإيدي يمكن كنت ارتحت ساعتها لكن مش عارف إزاي ممكن أشوفك بعد كده من غير ما أحن ليكِ يا بنت عمي". ثم أخذ يبكي حتى احمرت عينيه. ليأتي له فرج الله عندما شاهد الفيديو واستمع إلى كلام سالي.
فوقف منتصبًا لا يصدق ما يسمعه أحقًا قد ظلمها ونعتها بأفظع كلمة على وجه الأرض وهي الخيانة. نعم قد قذفها ولكن رغما عنه وتساءل كيف كان سيسامح نفسه أن قتلها وعلم بعد ذلك الحقيقة. فقفز من الفرحة عندما أدرك طهارتها وعفتها وأنها كانت صادقة فيما تقول وحمد الله أنها وصل إليها في الوقت المناسب قبل أن يستبيح هذا المعتوه عفتها. ثم اتصل بها على الفور، وعندما شاهدت اسمه على الشاشة دق قلبها بشدة ولكن همست بغصة مريرة:
"إزاي هقدر أسامحك وأرجع لطبيعتي معاك يا سفيان بعد اللي حصل". ثم شردت في سيف واستطردت: "عشانك أنت بس يا حبيبي هعيش وهدعي ربنا يسامحه وأنسى اللي حصل". فاستجابت له بصوت مكلوم قائلة: "أيوة يا أبو سيف". استشعر سفيان بهذا اللقب الجديد عليها مدى حزنها ولكن ما كان بيده أن يفعل فهو معذور لذا قال: "حلو منك أبو سيف يا أحلى أم سيف في الدنيا". "ممكن أجي أبوس إيد أم سيف وآخدها بيتها معززة مكرمة". بكت شهيرة بصوت مزق قلبه فقال:
"لا مقدرش قلبي ميستحملش يا شهيرة البكا ده كله يا حبيبتي". "معلش سامحيني واعذريني، الصدمة كانت صعبة علي أوي وأنتِ عارفة مكانتك عندي". شهيرة: "خلاص يا سفيان اللي حصل حصل، وأنا موجودة في المستشفى عشان أمي تعبانة". سفيان: "خلاص هاجي أعمل الواجب وأطمن عليها وآخدك يا حبيبتي". فابتسمت شهيرة لكلمته التي أدمنتها منه "حبيبتي" وعاد لها حنينها مجددًا إليه.
وتمنت في تلك اللحظة أنه لو عادت بها الأيام أن لا تفكر في موضوع الجامعة هذا وتكتفي بقربها منه، فهو يكفيها عن كل شيء. ....... كانت أعين تقى وياسمين تخرج قلوبًا حمراء من الفرحة وهما أمام الكعبة ونظرت كل منهما لزوجها نظرة امتنان وحب. وعندما رأى شيكو تلك النظرة حمد الله إنه وفقه لتلك الرحلة المطهرة للنفس والروح وأقسم أنه سيعيدها مرات كثيرة بعد أن شعر براحة وسعادة لم يعهدها من قبل.
أما تميم فلم يفتر لسانه وقلبه معًا بالدعاء لتقى أن يشفيها الله من هذا المرض اللعين وأن يطيل الله في عمرها من أجله. نعم هو في قرارة نفسه لم يحبها هذا حب العشاق المتيم كما كان مع أسماء ولكن شعوره نحوها شيء آخر جميل يميزه المودة والرحمة والعشرة الطيبة وتلك أنقى وأدوم. وبعد تحلل الإحرام وفي غرفة شيكو وياسمين. وجدته يحاوطها من ظهرها وقبلها برقة في عنقها قائلًا بهمس:
"مش آن الأوان تفرجي عن المسجون روحه بسبب حبك وتخليه ينطلق وياخد حريته". فابتسمت ياسمين وتوردت وجنتاها خجلًا وهمست: "طيب نستنى لما نرجع بلدنا مش كده". فضحك شيكو وهو يحملها بين يديه كالأطفال فتعقلت بعنقه ودفنت رأسها بخجل في صدره. فاستطرد بعشق ومرح: "وماله هنا ما زي الفل أهو، على الأقل الواد يجي ياخد الجنسية السعودية والمصرية كمان وكده يبقى المعلم شيكو بجلالة قدره قدر يوحد البلدين". ليأخذها في رحلة عشق وحب لا تنتهي.
أما عند تقى فقد حملها أيضًا برفق تميم ووضعها على الفراش وقبل جبينها وهمس: "ها تعبتي أوي من المناسك صح وأكيد محتاجة ترتاحي وتنامي كويس". "فخدي راحتك وأنا هنام على الكنبة قصادك ولو حسيتي بوجع زيادة أو احتجتي حاجة نادي علي هقوم على طول أنا نومي خفيف". ابتسمت تقى بامتنان وحمد الله أن رزقها الله بهذا الزوج السهل اللين الذي يعاملها كملكة متوجة رغم مرضها.
ثم قالت بعشق وهي تتطلع إلى تفاصيل وجهه التي عشقتها وكأنها تحفرها في ذاكرتها حتى وإن غابت عن الوعي بسبب مرضها كان هو من تراه في أحلامها. "راحتي هي وجودك جمبي يا تميم، وأنا مش تعبانة بالعكس أنا عمري ما حسيت إني كويسة زي دلوقتي". فقبل يدها تميم واستطرد: "الحمد لله يا حبيبتي، متصوريش كنت قلقان عليكِ قد إيه في المناسك وكنت خايف تتعبي ومتقدريش تكملي". تقى: "لا يا حبيبي مش تعبانة والله حاسة إني زي ما يكون خفيت ومفيش حاجة".
لمعت عين تميم بالفرحة واستطرد: "بجد يا بركة الله في مية زمزم إنها لما شربت له". "بس برده لما ننزل مصر لازم نحلل ونتأكد يا حبيبتي". ثم اعتدل واقفًا، فسألته تقى بحرج: "وقفت ليه؟ تميم: "محتاج أنام شوية عشان مصدع معلش". "فهريح شوية على الكنبة قصادك وأنتِ برده حاولي تنامي". أخفضت تقى بصرها وقالت بخجل: "تميم ممكن متبعدش عني وتنام جمبي". اتسعت عين تميم وخرجت كلماته ملعثمة: "جمبك لا إزاي".
"هو أنتِ فاكراني حجر، أنا راجل وممكن مستحملش يعني... "قصدي.. ولا أقولك لا مش قصدي". "نامي يا تقى بالله عليكِ". فضحكت تقى وأكدت بنعومة أذابت حصونه: "ولو قولت إني أقصد قصدك". أغمض تميم عينيه بألم ثم تنهد وتابع: "يا تقى أنا عارف أنتِ بتفكري إيه". "بس يا حبيبتي صدقيني أنا يكفيني إنك تكوني موجودة قدامي وبخير لكن أي حاجة تانية لما نتأكد إنك خفيتي لأني بجد خايف عليكِ يا حبيبتي". تقى:
"جميلة حبيبتي منك يا تميم، ومتخافش علي أنا كويسة وفعلا محتاجك جمبي، محتاجة أحس إننا بقينا روح واحدة وتقرب مني كأي زوجين ومش تبعد عني". ابتسم تميم وطالعها بترقب: "تقى أنتِ متأكدة وفاهمة أنتِ عايزة إيه وممكن يحصل إيه". أومأت تقى برأسها بخجل، فقفز تميم على الفراش بجانبها قائلًا بمداعبة جعلتها تتطلق ضحكاتها الرنانة التي أضاءت وجهها وأعادت به الحياة التي ظنت أنها فقدتها: "يا بركة دعاكِ يا أم تميم، وهتجوز زيك يا شيكو".
لنتركهم يبحروا في لحظاتهم السعيدة لتعوضهم عن مرارة الأيام. ..... لم تنم دلال تلك الليلة التي في صباحها سيعقد أحمد زواجه على أشجان بعد صلاة الجمعة ليكون ذلك إشهارًا أمام أهل الحي. ولم تفارق حضن أحمد وكأنها تخشى أن تفقده وسمع أحمد دوي صدرها الذي يعلو ويهبط بفعل تلك التنهيدة المؤلمة التي تخرج من جوفها بين الحين والآخر.
أما هو فحاول بقدر الإمكان أن يتماسك رغم النار التي تأكل من الداخل وظن أنه ثابت ولكنه انفجر عندما شعر بسائل ساخن على صدره فعلم أنها تبكي بمرارة. فأبعدها قليلًا عنه وهمس بوجع: "وبعدين يا دلال، صدقيني أنا ماسك نفسي بالعافية وفعلا مش قادر أشوفك بالحالة دي". "أنا هموت من التفكير وحاسس بيكِ بس أحلفلك بإيه إنه غصب عني وإن جوازي منها مجرد صورة قدام الناس لكن قلبي وعقلي معاكِ أنتِ يا كل كلي ونبض قلبي وعقلي". دلال بأنين مكتوم:
"قول إنك بتحبني يا أحمد تاني قول وكمان قلبي واحلف إنها هتكون زي أختك وإن قلبك عمره ما هيميل ليها وقلبك لي أنا وحدي". لمس أحمد يديها ورفعها إلى فمه وقبلها وقال بعشق: "أحلفلك برب دلال اللي مفيش في قلبي أغلى منها إني بحبها أيوة هي اللي قدامي دي دلال حبيبتي وروح الروح وضي عيوني". "بحبك يا حياة قلبي، أما هي هتكون زي أختي لأني فعلا عمري ما تخيلتها أكتر من كده". دلال:
"خلاص يبقى يستحيل تبات هناك يا أحمد، أنا هموت لو سبتني ليلة لوحدي من غيرك". "أنت شوف طلباتهم الصبح هي وعيالها لكن الليل ده بتاعي أنا وبس". فابتسم أحمد وتمتم بعشق: "عيوني حاضر". "بس إحنا هنفضل نتكلم كتير والليل قرب يخلص كده". "وصراحة قلبي بيسرب شحن بسرعة وعايز شحن يكفي لغاية ما أرجعلك تاني يا جميل". فارتجفت شفتا دلال وهي تؤكد عليه: "هترجعلي صح يا أحمد، هستناك". "قول إنك هترجعلي". تنهد أحمد وأكد لها بقلبه قبل لسانه:
"إن كتب لي ربي عمرًا". "هرجع يا دولي وأصلًا مين قالك إني همشي، أنا معاكِ هنا بقلبي وروحي". اطمأنت دلال قليلًا ولكن ما زال هناك شيء عالق في نفسها لا تدري ما هو هل هو زواجه من أشجان أم شيء آخر يخفيه لها الزمن. هل ستظل تضحك لها الدنيا أم سيغدر بها الزمن... ..... حاولت أنهار أن تدخل في قلب أشجان السعادة في صباح عرسها على أحمد، فجمعت الأطفال وأسماء وشهيرة وأخذوا يرددون الأغاني ويصفقون بحرارة مع رقص أيسل وسمر.
ولكن أشجان لم تكن معهم كانت في عالم آخر من الأحزان بعد أن أدركت أنها ستزف إلى الموت. نعم إنه الموت بعينه وهي تدرك أنها لن تكون له زوجة بالفعل كما كانت تتمنى بل مجرد هامش في حياته وهناك أخرى محظوظة تتمتع بما حرمت هي منه وهو قلبه وربما بل أكيد جسده أيضًا. فأي عذاب أكثر من ذلك. بل شعرت أن عذابها مع شفيق العذاب الجسدي بالضرب والإهانة كان أهون من عذاب الروح مع أحمد.
لأن عذاب الجسد يداويه الوقت أما عذاب الروح لا يداويه إلا الموت. فكيف ستواجه أحمد في ليلتهم الأولى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!