الحلقة الثامنة والعشرون ...... بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ❤️ يُخلِّف وجع القلب في العين نظرة مكسورة لا يملّحها إلا من يحبّك بصدق، ولا يطببها إلا من يخلص لك. .............. ولجت ابتهال إلى غرفة أشجان فرأتها بوجه غير الوجه الذي اعتادت عليه، فقد كانت في الفترة الأخيرة وجهها مشرق كالشمس، والآن ذابل، وفي عيونها لمعة كأنها تحبس الدموع بداخلها، فأدركت بقلب الأم أن هناك شيئًا بداخلها تخفيه عنها، لذا قالت:
يلا يا بنات سيبوا أشجان تلبس عشان الوقت، وأنتوا خدوا ولادكم جهزوهم يلا واستعدوا. أومأت أنهار برأسها قائلة: حاضر يا ماما، يلا بينا يا ولاد نلبس. فخرجوا جميعًا، لتقف ابتهال أمام أشجان، فحاولت أشجان الهروب بعينيها من نظرات والدتها التي تشك في أمرها. فأشارت ابتهال لها: بتداري عينيكِ ليه عني يا بت بطني، تفتكري إن أمك مش حاسة بيكِ.
فين أشجان اللي كانت هتطير من الفرحة من يومين اتنين عشان هتتجوز اللي بتحبه، وفين أشجان دلوقتِ اللي عينيها بتبكي وشكلها زي ما يكون عندها مرض. فيه إيه يا أشجان حصل، قولي ومتخبيش عن أمك حاجة، لإنك مش هتلاقي حد ترمي عليه حمولك ويستحملك زي صدر أمك يا قلب أمك. وكأن تلك الكلمات بمثابة شرارة الانفجار، فانفجرت أشجان بالبكاء وألقت بنفسها على صدر والدتها وقالت بشهقات متتالية تكاد لا تكون مفهومة:
_أحمد خلاص يا أمي حتى لو هنتجوز لكن مش هيكون ليَّ. لإن جت اللي شغلت باله واتجوزها في السر قبلي، لكن أنا هكون مجرد صورة أو خيال مآتة، واسمي اتجوزت. علت الصدمة وجه ابتهال لتقول: إزاي ده وحصل امتى ومن غير ما نعرف؟ وخلاص يستحيل يتجوزك بعد اللي عمله، أنا هكلم أبوكِ دلوقتِ يقوله كل شيء نصيب. فابتعدت أشجان عنها وصرخت:
لااا مقدرش مقدرش، أنا بحبه بحبه حتى لو واحدة تانية في قلبه غيري، وكده كده أنا خلاص بقيت عايشة ومش عايشة في نفس الوقت، يعني كده كده ميتة. فخليني أتجوزه وأكون جنبه حتى لو مش حاسس بيَّ، وعشان يكون أب لولادي اللي اتحرموا من أبوهم وهو على وش الدنيا. استنكرت ابتهال: أنتِ بتقولي إيه يا بنتي، إزاي تقبلي على نفسك كده، وفين كرامتك، وهو مفيش غير أحمد، بكرة يجيلك أحسن منه. أشجان:
وأنا مش عايزة غير أحمد يا أمي، ومتخافيش كرامتي هتكون محفوظة لإني عارفة أحمد كويس عمره ما هيهيني ولا يقولي كلمة تزعلني، ومش هطلب بحقوقي عليه كزوجة إلا لو هو طلب ده، وأنا عارفة إنه مش هيطلب. ابتهال بغصة مريرة: وعلى إيه يا بنتي تضيعي شبابك كده على الفاضي وهو هيتهنى مع اللي بيحبها، وأنتِ تاكلي في نفسك لغاية ما تموتي بحسرتك. أشجان: كلها موتة يا أمي، ومعدتش تفرق معايا خلاص.
ومش عايزة حاجة غير إن ربنا يقويني ويصبرني لما يكون حلالي ومقدرش ألمسه ولا يلمسني. وأنا كده كده حتى لو متجوزتش أحمد كنت مش هتجوز وهربي ولادي، لكن أنا حاسة إن مع أحمد ولادي هيتربوا أحسن تربية ويارب يطلعوا زيه في حنيته وأخلاقه. فزفرت ابتهال بضيق: مش عارفة أقولك إيه يا بنتي، اللي تشوفيه في مصلحتك اعمليه، وقادر ربنا يحط حبك في قلبه مع الوقت، ما هو ياما رجالة اتجوزوا أكتر من واحدة وعدلوا ما بينهم وعاشوا مرتاحين. أشجان:
لو كان بالحب ماشي، لكن أنا يستحيل أفرض نفسي عليه ولو فيه روحي. ابتهال: ربنا يصبرك يا بنتي، وأظن هو اتجوز في السر عشان ما يجرحكيش قدام الناس. طيب دلوقتِ يلا ألبسي فستانك عشان أذان الجمعة على وشك يا بنتي. أشجان بنفس ملتاعة حزينة: حاضر يا أمي. لترتدي أشجان فستانًا بسيطًا هادئًا من الحرير باللون الأبيض وحجابًا من نفس الخامة، وعندما انتهت وجدت سفيان في انتظارها فقبل جبينها وقال بفرحة: مبارك عليكِ أحمد يا حبيبتي.
أما سليمان فقال: وسع كده يا سفيان، عايز أشوف عروستي الحلوة. فضمها إلى صدره وقال بفرحة: ألف مبروك يا حبيبتي، الحمد لله عشت وشوفتك عروسة الغالي وربنا عوضك خير. فبكت أشجان على صدره: ربنا يديك طول العمر ويخليك لينا يا بابا. أنهار بمرح: امسحي دموعك يا آمال مش وقته يا أختي، وافرحي من نفسك مرة. ابتسمت لها أشجان بوهن فهي لا تدري بالنار التي تأكل قلبها.
ولم تحضر أسماء معهم، بعد أن منعها شفيق من حضور تلك الزيجة وهي استجابت ليس لطاعته وإنما لشيء في نفسها حتى لا ترى تميم وزوجته. ليمر بعضًا من الوقت تم فيه عقد القران وردد أحمد خلف المأذون بقلب تائه حتى أنه تلعثم عدة مرات في النطق مما أثار ضحك البعض وهمسوا: الراجل شكله مغصوب على الجوازة دي ولا إيه، ده مش عارف ينطق. بس صراحة عنده حق، إزاي يجوز واحدة أكبر منه ومطلقة وهو لسه ما دخلش دنيا.
أما شيكو فكان يطالعه بحزن لإنه يعلم ما في نفسه ومدى حبه لدلال. شيكو: يا عيني عليك يا صاحبي طول عمرك فقري وفرحتك مش بتكمل أبدًا. .... وانتهى العقد وأخذ أحمد أشجان وأطفالها إلى الفيلا، لتستقبلهم عفاف ببشاشة وجه وترحيب قائلة: أهلًا ببنت الغالي، ألف مبروك يا حبيبتي. أشجان ببسمة مصطنعة: الله يبارك فيكِ يا عمتو. فأشارت إليها عفاف: اطلعي يا حبيبتي استريحي في أوضتك، وأنا هاخد الولاد يلعبوا شوية في الجنينة، ما تقلقيش عليهم.
وهخلي الدادة تطلع ليكِ أنتِ وأحمد الغدا. توتر أحمد وظهر ذلك على وجهه، فهو لا يريد أن يجمعهم مكان واحد حتى لا تقترب منه دون إرادته. لاحظت أشجان ذلك، فأخرجت تنهيدة محملة بالآلام ولكن حاولت ألا تظهر شيئًا أمامهم فتداركت وقالت: ما تتعبيش نفسك يا عمتو، وأنا هطلع بس أغير هدومي وهنزل نتغدى كلنا سوا أنا وأنتِ وماما شمس. ألا هي فين مش شايفاها؟ ابتسم أحمد بعد أن أراحت صدره بهذا الحديث وأيضًا استحب سؤالها عن والدته. عفاف:
مريحة شوية يا حبيبتي في أوضتها. بس ليه تنزلي وأنتِ عروسة يا بنتي، بعدين الكلام ده. رددت أشجان بقهر: عروسة إيه بس يا عمتو، هو أنا غريبة. والأكل كمان ما يحلاش إلا في اللمة. ثم استأذنت: عن إذنكم هطلع أغير هدومي. وممكن بس الدادة تجيب شنطتي من العربية وتطلع معايا تدلني على أوضتي، وبعدين تاخد الولاد لما يخلصوا لعب على أوضتهم وتناديني عشان أغيرلهم هدومهم. عفاف: بس كده من عينيا يا حبيبة عمتو. قامت بالنداء على أم فرج:
يا أم فرج هاتي شنطة أم آسر من العربية وتعالي وصليها أوضتها. ثم أشارت إلى أحمد: وأنت برده يا ابني، اطلع مع مراتك ريح شوية. فشعر أحمد بالاختناق حتى أنه حاول فك زر قميصه، وبحركته تلك شق قلب أشجان وهمست: للدراجات دي يا أحمد بتحبها، وللدراجات دي مش طايقني. يا ترى شكلها إيه، أكيد صغيرة وحلوة وبنت بنوت، يعني ما فيش مقارنة بيني وبينها، وعشان كده مش هدخل نفسي في معركة خسرانة، وعلى قد حبي ليك يا أحمد بتمنى ليك السعادة.
لتخرجه من إحراجه فقالت مشيرة إلى عفاف: عمتو أحمد وراه شغل فسبيه يشوف حاله. طالعتها عفاف باندهاش وتساءلت: معقول دي أشجان اللي كانت هتموت على أحمد مالها بقت باردة كده، وشغل إيه والراجل عريس، ولا تلاقيه خايف من دلال فابتسمت بتلقائية. أما أحمد فنظر إلى أشجان بعينين يملؤها الاعتذار والامتنان معًا. ثم قال: أشجان دلوقتِ الفيلا كلها بقت تحت أمرك، فاتصرفي فيها زي ما يعجبك أنتِ والولاد، ولو احتجتم أي حاجة كلموني.
وأنا فعلًا عندي شغل مهم جدًا، هخلصه وأرجع أطمن عليكم. ثم استمع أحمد لصوت الهاتف فأخرجه فوجدها دلال فابتسم بحب ولكن سرعان ما خشي من نظرات أشجان إليه التي تترقبه فرفض المكالمة. فجن جنون دلال وصاحت: بتكنسل عليَّ يا مولانا. أيوه تلاقيك عايش حياتك يا عريس، ما أنا عارفة صنف الرجالة بيحبوا الرمرمة حتى لو كان شيخ، ما هي حلاله آه. والشرع بيقول مثنى وثلاث ورباع.
آه يا دماغي لا أنا مش هسكت وهفضل أرن عليه عشان أقطع لحظتهم السعيدة ولغاية ما يرد الباشا. فأعادت الاتصال فتغير وجه أحمد وهمس: مجنونة أنا عارف، ومش هتسكت غير لما أرد عليها. وكذلك أكلت الغيرة قلب أشجان هي الأخرى ولم تستطع الصمود أكثر من ذلك وقررت الهروب إلى غرفتها كي تتيح لعينيها أن تسكب الدموع الحزينة على حظها القليل في هذه الدنيا. لذا قالت بنبرة حزينة واضحة على صوتها دون أن تنظر لأحمد:
طيب أنا بعد إذنكم هطلع أوضتي عشان أرتاح، وأنت يا أحمد خد راحتك ورد على الموبايل براحتك. ثم أسرعت راكضة إلى غرفتها، ونظر أحمد في أثرها فاستغفر: استغفر الله العظيم يارب، أنا مش عارف صراحة أعمل إيه معاها وبطلب من ربنا يسامحني لو قصرت في حقها غصبًا عني. ليرن هاتف أحمد للمرة الثالثة وهنا استجاب على الفور ليقول بحدة: وبعدين معاكِ يا دلال، أنا كنسلت عليكِ تفهمي إني مشغول ولما أفضى هتصل بيكِ. مش ترني ورا بعض، وتوتري أعصابي.
صكت دلال على أسنانها بغيظ عندما شعرت بتوبيخه لتهاجمه بتهكم: معلش يا مولانا أزعجت جنابك وعطلتك عن العروسة يا عريس، ويا ترى لما قطعت عليكم باتصالي كنت معاها في أي لحظة بالظبط ها؟ ليرتفع صوتها قليلًا وتابعت بقهر: لمستها يا أحمد صح؟ عشان كده ما كنتش فاضي لي ولا بترد عليَّ. ليه يا أحمد ليه تقهر قلبي وأنا اللي صدقتك. ثم بدأت في نوبة بكاء. فحوقل أحمد: لا حول ولا قوة إلا بالله، اهدئي يا دلال بالله عليكِ، مش كده.
أنتِ بتتخيلي حاجة ما حصلتش ولا هتحصل لإني مش عشان وعدتك وبس عشان أنا كمان قلتلك إنها زي أختي مش أكتر من كده. هدأت دلال من روعها قليلًا لتستحلفه: طيب احلف يا مولانا. أحمد بانفعال: يعني بتكدبيني يا دلال وعايزاني أحلف، وده من أول يوم أمال بعد كده هتعملي إيه؟ دلال أرجوكِ، انسى الموضوع ده لأن لو فضلتي تنكدي عليَّ كل شوية كده هتخلي الحياة بينا لا تطاق. دلال بصدمة: يعني إيه يا أحمد هتطلقني عشان بحبك وبغير عليك.
رق أحمد لها قليلًا عندما أحس بنبرة صوتها الحزينة فقال نافيًا: ده يستحيل يا قلب أحمد، أنتِ مراتي ليوم الدين. وأنا كمان بحبك ويمكن أكتر يا حياتي وسنين عمري الجاية وفرحة قلبي. بس عشان خاطري انسى موضوع أشجان ولا كأنه حصل لإنه فعلًا مجرد صورة مش أكتر. رضخت دلال قليلًا حتى لا يتأزم الوضع بينهما وهما ما زالا في أول الطريق. فقالت بعشق خدر حواسه:
طيب هتيجي بالليل يا أحمد صح، ومش هتحرمني منك، أنا ما بقتش أعرف أنام غير وأنا في حضنك. تنهد أحمد باشتاق لتلك الفاتنة واستطرد: ده أكيد يا دلال، وأنا فعلًا محتاج حضنك عشان أنسى فيه العالم كله ومش أفتكر غير دلال وبس. دلال بتغنج: حبيبي يا مولانا، هتوحشني وما تتأخرش عليَّ. وأوعى تاكل بره أنا هعملك الأكلة اللي بتحبها وناكلها سوا. أحمد بعشق: عيوني وأحلى أكل من إيديكِ يا حبي.
ويلا سلام عشان أنا ورايا معاد مع شيكو نشوف أشغالنا. دلال: سلام يا عيوني أنت. أغلق أحمد الخط ليتفاجأ بعمته عفاف تنظر لها نظرة عتاب واستطردت بسخط: أحمد أنا ما أنكرش إني فرحتلك لما تميت جوازك من دلال والسعادة دخلت في قلبك أخيرًا يا ابني وشوفت الفرحة في عينيك لأول مرة. لكن دلوقتِ الوضع اختلف وأنت رضيت لنفسك زوجة تانية وكمان بتحبك وليها عليك حقوق. فإزاي اللي سمعته ده يا ابني إنك حلفت إنك ما تلمسهاش وإنها زي أختك.
طيب اتجوزتها ليه..!! أنت كده هتظلمها وهي يا حبة عيني شبعت ظلم وافتكرت بجوازك منها هتشوف الهنا والسعادة اللي اتحرمت منها سنين طويلة مع شفيق. تقوم أنت النهاردة تقول زي أختي، لا كان الأولى ما تكملش الجوازة دي وتسيبها لصاحب النصيب اللي يسعدها ويعوضها. مش تركنها جنبك كده وكأنها مش مراتك وما لهاش حقوق عندك. ليطأطئ أحمد رأسه بخزي قائلًا: عمتي أرجوكِ، ما تزوديش النار اللي جوايا عشان عارف إنه حرام بس صدقيني مش قادر.
صعب عليَّ يكون بيني وبين أشجان حاجة لإني عمري ما بصتلها نظرة تانية غير أنها أختي وبس. فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فاحتدت عفاف بقولها: طيب ما كنتش اتجوزتها يا ابني، ليه بس تعذب نفسك وتعذبها كده. أحمد: حضرتك عارفة إن جوازي منها كان بسبب الحرج اللي وقعت فيه من مرات عمي وعمي كمان اللي كانوا عايزين ده وأنا ما قدرتش أقول لأ. عفاف:
وأشجان يا ابني اللي زي ما يكون قلبها حاسس وشوفتها كده النهاردة متغيرة وساكتة واللهفة اللي في عينيها ليك راحت. أحمد: أنا فعلًا كنت مستغرب من أسلوبها أوي بس حمدت ربنا إنها متفاهمة وسكتت، وهي أكيد مع الوقت هتفهم وساعتها لو طلبت مني الطلاق عشان كده هطلقها عشان ما أظلمهاش أكتر من كده. عفاف: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا عيني عليكِ يا أشجان. ماشي يا ابني ربنا يدبرها بمعرفته. وروح شوف شغلك وابقى سلملي على دلال.
ابتسم أحمد لذكر اسمها وكأنها هي وحدها سر سعادته. ثم غادر لمباشرة أعماله.. ليتوجه إليها في المساء، فاستقبلته بأبهى صورة وهمست وهو يضمها لصدره بقوة وكأنه يريد أن يخفيها بداخله كي لا تبتعد عنه. _وحشتني يا مولانا، أنا كنت بتعذب في كل دقيقة مرت عليَّ وأنت بعيد عني. أحمد: أنتِ وحشتيني أكتر يا قلب أحمد، ومن جهة العذاب عن كل دقيقة كنت بعيد عنك فيها أنا هعوضك.
ففتحت أبواب الجنة على مصراعيها أمام الذي كان نائمًا زاهدًا في هذه الحياة والآن حان وقت.
مكافأته التي لم يكن يتخيل وجودها. فتلاقت الأرواح وتعانقت القلوب وتعاظم الشعور حتى ترك بصماته على كل شيء حولهم، وكلما خارت قواهم جددتها أشواقهم من جديد، إلى أن شعر بها تستند على كتفه بأكتاف متعبة وجسد منهك. فقام بضمها واضعًا قبلة حانية فوق جبينها تعبيرًا عما يجيش في صدره من امتنان لتلك التي جعلته يذوق الجنة بين أحضان عشقها. وقد كان هذا أروع عناق تلقته بحياتها للحد الذي جعل العبرات تنبثق من عينيها تأثرًا برجل الحب والجليد الذي انصهر لأجلها وصارت نيرانًا لم تذق أشهى منها في حياتها.
وبينما هما في جنة العشق، كانت أشجان تعاني في فراشها نار الحرمان، فأخذت تتحسس بيدها الفراش وكأنها تتخيل وجوده وتسكب من عينيها العبرات وهمست بألم:
"اللي كنت خايفة منه حصل يا أحمد. كان قلبي حاسس إني مش هقدر ألمسك ولا تاخدني في حضني زي ما كنت بحلم أول ما أكون حلالك. ربنا يعلم إني مسكت نفسي عن الحرام وأنبت نفسي كتير عن مجرد التفكير فيك، ولما أطلقت دعيت ربنا يكرمني بيك بالحلال، وفعلاً بقيت حلالي، لكن مش قادرة ألمسك ولا أقولك اللي في قلبي. وده يمكن عقاب من ربنا ليّ عشان فكرت فيك وأنا كنت على ذمة راجل تاني، بس كان غصب عني صدقني، محدش يقدر يتحكم في قلبه."
فانهارت أشجان من البكاء وشعرت بنار تأكل جسدها، فقررت أن تقوم لتتوضأ وتصلي بين يدي الله وتدعوه أن يغفر لها ذلاتها ويربط على قلبها. ....... في أحد مرات المتابعة عند دكتور تقى، رأت على وجهه الاندهاش فسألته: "خير يا دكتور؟ التحاليل بتقول إيه؟ طمني." ثم نظرت إلى تميم الذي أعاد سؤاله مكملًا: "قول يا دكتور الحقيقة، ما تقلقش، تقى إنسانة مؤمنة وعارفة إن قدر الله كله خير." الطبيب:
"هو بالنسبة للخير فهو فعلًا خير يا مدام تقى، وأنا فعلًا مش مصدق إن تحاليلك سليمة والمرض ما عادش له وجود، سبحان الملك مع إن المرض ده مالوش أي علاج." فهلل تميم من الفرحة وقام يعانق تقى التي سكبت دموع الفرحة وقالت: "أنا مش مصدقة، ألف حمد وشكر ليك يارب." وعندما ابتعدت عن تميم سألت الطبيب: "يعني كده ممكن أخلف عادي يا دكتور؟ الطبيب: "طبعًا مبقاش فيه حاجة تمنعك من كده، ربنا يرزقكم الذرية الصالحة." فأحكم تميم يده
على يدها وهمس بجانب أذنها: "طيب يلا بينا يا حبيبتي عشان نجيب ولي العهد." فتوردت وجنتا تقى خجلًا وسارت معه والفرحة تملأ قلبها ولم تفتر عن حمد الله عز وجل. ...... أما عند شيكو فغلبته الغيرة من شدة حبه لياسمين فأمرها بقوله: "بقولك إيه يا ياسمين، أنت مش هتنزل الشغل تاني خلاص، وخلي واحدة من البنات تمسك بدالك الإدارة تكوني بتثقي فيها. أنا مش عايز كل يوم والتاني أدب عركة مع حد بيبصلك ولو نظرة مش ولابد يا ياسمين."
فضمت ياسمين شفتيها بغيظ وقالت بصياح: "أنت بتقول إيه يا جدع؟! عايزني أقعد في البيت بعد شقى السنين دي كلها لغاية ما كبرت المكان وبقى له اسمه في السوق والعملاء بيطلبوني بالاسم." تلون وجه شيكو من الغضب عند ذكر كلمة العملاء واتصال الراغبين بالشراء منها بين الحين والآخر. فصاح بغضب: "مهو مش كل شوية ألاقي فلان وعلان يتصل بيك يا ياسمين. لا أنا دمي حامي وما أقبلش مراتي تتعامل مع رجالة."
وعندما رأت ياسمين صدق الغيرة في عينيه وشعرت بشدة غضبه، فحاولت اللين معه واستخدام ذكائها، فاقتربت منها بهدوء وطبعت قبلة على إحدى وجنتيه وقالت بدلال: "أنت بتغير يا بيضة." فتحول الغضب إلى ابتسامة جميلة من شيكو فردد بعشق: "ومين يكون مجوز القمر ده وما يغرش عليها؟ ياسمين: "حبيب قلبي أنت. بس يا روحي أنا ما أعرفش أقعد في البيت. ده أنا من وأنا لسه عيلة بشتغل، وأتخنق لو قعدت يوم في البيت." شيكو:
"مش متحمل بجد يا ياسمين ومفروض تراعي شعوري." ياسمين: "مراعية أهو، وادي بوسة على خدك التاني عشان ما يزعلش. وأقولك عشان نراضى بعضينا، أنا هتابع الشغل مع البنات لكن الكلام مع العملاء والاتفاقات ولذي منه هجيب سكرتيرة. ها إيه رأيك؟ فابتسم شيكو عندما استحسن تلك الفكرة وقال: "لا أنت كده اللي عايزة بوسة." ....
ليمر شهرين عاش بهما أبطالنا على خير حال حتى نبتت في رحم ياسمين نبتة صغيرة وعندما علم شيكو سجد لله وحمده على نعمته. أما تقى عندما علمت بحمل ياسمين فرحت وتمنت أن يكرمها الله هي أيضًا وانتظرت الحمل ولكنه لم يحدث، فعرضت على تميم أن يذهبوا للطبيب للاطمئنان. وبالفعل ذهبوا ليطلب منهم عمل بعض التحاليل من أجل الاطمئنان على قدرتهم على الحمل. ليتفاجأ تميم بالنتيجة أنه لا ينجب، فكانت صدمة كبيرة له وشرخ في رجولته. وعندما عاد إلى المنزل وقف أمام تقى وقال بعين تلمع من الدموع
ولكن تأبى رجولته أن تنسكب: "بصي يا بنت الناس، أنا دلوقتي مليش في الخلفة ومش عايز أظلمك معايا. وعشان كده احنا لازم نطلـ... ق." ولم يتم تميم كلمته حتى وضعت تقى يدها على فمه وبكت ثم عانقته بحب وهمست:
"أوعى تقولها يا تميم أرجوك. إزاي جالك قلب تقول كده وأنت عارف إني روحي فيك. ومن غيرك أموت، ده أنا ربنا شفاني من فرحتي بوجودك جنبي. فتيجي دلوقتي تقول كده. أنا مش عايزة أطفال، أنت عندي بالدنيا يا حبيبي وأنت ابني البكري. فأرجوك تنسى الموضوع ده ومتفكرش غير في أنا وأنت وبس. وسيبك من كلام الدكاترة والتحاليل، ده رزق لما ربنا بيقدره يقول كن فيكون." فردد تميم بحزن: "ونعم بالله." ثم همس:
"وأنا أمي كانت عايزة أسيبك وأنت مريضة عشان الخلفة أتاريني أنا اللي ما بخلفش. سبحانك ربي ولك في خلقك شؤون." ........... في مكالمة حدثت بين اثنين أحدهما شفيق والثاني مجهول. مجهول: "معقول لسه ما لقتهاش يا شفيق كل الوقت ده؟ شفيق: "لسه والله يا باشا. زي ما تكون فص ملح وداب." مجهول: "أنا مش هرتاح أبدًا غير لما تلاقيها يا شفيق. يا ريت تشد حيلك شوية والمكافأة هتزيد لو لقتها في أقرب وقت." شفيق:
"إن شاء الله يا باشا هلاقيها وهتوصى بيها كمان وهبعتهالك متغلفة في سلوفان كمان." مجهول: "ماشي لما نشوف آخرتها." ..... ذاق شفيق عسل أسماء وظن أن أبواب الجنة قد فتحت له أخيرًا وسيعيش في هذا النعيم الأبدي. ولكنه تفاجأ بها ترفضه وتبعده عنها كلما حاول الاقتراب منها مرة أخرى. فتملك منه الغضب وصاح: "هو فيه إيه يا أسماء؟! ليه بتبعدي عني يا بنت الناس وأنت عارفة إني بحبك. ده كده حتى ربنا يغضب عليه لما ترفضيني. وتلعنك الملائكة."
فضحكت أسماء وقالت: "هو ده اللي تعرفه في الدين يا شفيق عشان على مزاجك. اخفي يا راجل من قدامي عشان أنت ملعون كلك على بعضك وأنا قرفانة منك ومش قادرة حتى أبص في خلقتك." احتقن وجه شفيق من الغضب وصاح بانفعال: "كده يا أسماء! طيب ما كانش برضاك، هيبقى غصب عنك." ليحاول أن يعتدي عليها دون إرادتها وعندما قبلها عنوة لم تتحمل وتقيأت فابتعد عنها وقال بنفور: "إيه القرف ده! لدرجاتي بتكرهي قربي منك يا أسماء؟
لتخرج جمرات من النار من عينيها وكادت أن تحرقه بها وقالت بغصة مريرة: "أنا بكرهك يا شفيق، بكرهك. ضيعت حياتي في لحظة وضيعت مستقبلي، وضيعت كل حاجة حلوة في حياتي." لتلمع عيناها بالدموع وهي تشير إلى بطنها مستطردة بحزن يأكل جوارحها ويشق قلبها: "ولولا اللي...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!