الفصل 16 | من 43 فصل

رواية دلال و الشيخ الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
26
كلمة
4,391
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

لم تصدق دلال ما يفعله آدم معها، وتساءلت: لماذا؟ فهو شاب شديد الطباع وصارم نوعًا ما معها، فكيف تبدل حاله هكذا فجأة؟ وما سر تلك النظرات التي في عينيه ولم تعهدها عليه من قبل؟ هل أحبها حقًا؟ ولكن متى؟ وما عساها أن تفعل الآن؟ هل توافق، ويضيع عليها حلم الارتباط بمن تمنته في أحلامها؟ أم ترفض نعمة أكرمها الله بها من أجل حلم تعلم جيدًا أنه بعيد المنال؟

فتأوهت بصمت: "آه يا مولانا لو بس أضمن ولو واحد في المية إني شغلت عقلك وقلبك زي ما أنت شاغل عقلي وقلبي، كنت أستناك ولو لآخر العمر. لكن أنا عارفة كويس إنه لا يمكن أكون على بالك، أنت فين وأنا فين بس. أنت عايز ملاك زيك وأنا... ليخرجها من شرودها آدم بصوته الرجولي الخشن: "ها، قولتي إيه يا دلال؟ فحاولت دلال ترطيب جوفها الذي جف من الصدمة والتحدث، ولكن باغتتها كلمة والدة آدم:

"متكسفهاش بقى يا آدم، ما أنت عارف السكوت علامة الرضا." ثم أطلقت زغرودة وقالت: "تعالى في حضني يا مرات ابني الغالية." فتأثرت دلال، وقد تزايدت نبضات قلبها، ومع كل خطوة كانت تتخيل أحمد أمامها يطالعها ويبتسم لها، فابتسمت دلال لا إراديًا. ففرح آدم وظن أنها تبادله نفس الشعور وفرحت بعرض الزواج. أحمد: "دلال يا فرحة أيامي الجاية ويا عمري اللي ابتدى من يوم ما شوفتك. بحبك يا دلال."

فابتسمت دلال وأخذت تهمس: "وأنا بحبك يا مولانا. أحمد، أحمد. أنت فين بس يا أحمد." ثم وجدت أم آدم تحتضنها بحب قائلة: "ألف مبروك يا بنتي، ربنا يسعدكم ويتمم بخير." ثم ابتعدت قليلا عنها واستطردت: "حبيبتي يا دلال، متتصوريش أنا فرحانة قد إيه بيكي. وحسيت النهاردة إن ربنا مش بس رزقني آدم، لأ رزقني بنت كمان حلوة اسمها دلال. وبتمنى اليوم اللي أشيل فيه ولادكم."

"وإن شاء الله مش هيطول، هو شهر واحد بس نجدد بيه الشقة وتشترى اللي يعجبك ونجوز." فجحظت عين دلال مرددة: "شهر؟! فطالعها آدم بعشق وقال: "كتير صح؟ أنا أصلا رأيي، أروح أجيب المأذون دلوقتي ونتجوز ونبقى نجدد على مهلنا." فاخفضت دلال رأسها وهمست: "الحقني يا مولانا. أنا بضيع منك، يا كل عمري، وكل كُلي، وفرحة أيامي."

وفي تلك اللحظة، في مكان آخر، عند أحمد عندما كان في طريقه للخروج لمباشرة أعماله، شعر بنغصة تجتاح قلبه. حتى أنه وضع يده على قلبه وأغمض عينيه وهمس دون شعور: "دلال يا ترى فين أراضيكِ وعاملة إيه؟

مش عارف ليه قلبي وجعني، يمكن عشان عارف إنك مجرد حلم مكنش ينفع إني أحلمه أو أفكر فيه. واديني في النهاية هاخد أشجان اللي كانت آخر واحدة ممكن أفكر فيها. لكن في النهاية كل قضاء ربنا رحمة حتى لو مش شيفنها. بس أتمنى يا دلال إنك تكوني في حال غير الحال اللي شوفتك عليه، وصدقيني أنا على العهد وبدعيلك ديما."

شهقت زينب عندما وجدت شهيرة تدخل عليها وبيدها حقيبة ملابسها وعيناها قد تلونت بالحمرة من كثرة البكاء. وبجانبها شفيق يزفر من الضيق. فقالت باستفهام: "مالك يا بت، وإيه الشنطة دي؟ ثم همست: "يكونش جوزها عرف أن شفيق خلاص مش عايز أخته، قلب عليها اللي ما يتسمى وقال وحدة بوحدة. بس ماشي مش مشكلة، المهم إنه حصل وساب البت القرشانة دي. وأنا هعرف إزاي أجيبه على وشه ابن ابتهال تاني." فزفر شفيق بضيق قائلا:

"بتك عندك أهي يا حجة، عقليها عشان ترجع لجوزها." فصرخت شهيرة: "انت بتقول إيه يا شفيق؟ عايزني أرجع ليه إزاي بعد ما سمعت بودانك أنه مش عايزني؟ وسابني أمشي ولا كأنه يعرفني." امتعض شفيق قائلا: "لحظة شيطان يا شهيرة، متكبريش المواضيع، وأكيد هيراجع نفسه. أهه خصوصًا إني مش عايز مشاكل مع أبو نسب عشان تكمل جوازتي من أسماء الحب يا بت." احتقنت الدماء في جسد شهيرة فصاحت:

"آه أنت كل همك ست الحسن والجمال وأنا أختك من لحمك ودمك مهمكش في حاجة." وهنا ضربت زينب على صدرها بقوة وقالت: "جوزتك؟ تاني يا شفيق عايز تجوز الحرباية دي؟ شفيق بتصميم: "أيوة بحبها وهتجوزها ومحدش ليه عندي حاجة." تجمدت الدماء في أوصال زينب وأزرق وجهها وهمست: "إزاي لسه؟ يعني العمل معملش حاجة. آه يا حرقة الدم وديني لآخد فلوسي من حباب عينيكِ يا ثريا." ثم أشار شفيق لشهيرة بقوله:

"بقولك إيه يا شهيرة، روّقي كده وانسى وأنا عارف سفيان طيب وابن حلال وهييجي يرجعك بنفسه." ثم أمسك شفيق برأسه وقال: "مش عارف إيه الصداع اللي مسكني من الصبح ده. ما تدخلي يا شهيرة تعمليلي فنجان قهوة بدل اللي شربته مني جوزك." وهنا جحظت عين زينب ووضعت يدها على رأسها عندما أيقنت أن ما فعله سفيان كانت نتيجة شرب القهوة الذي وضعت به النقاط. فهمست:

"يا ميلة بختك يا زينب، العمل جه من نصيب بتك وهتقعد في أربيزك وكمان هتيجي بت ابتهال تكمل عليه. أعمل إيه دلوقتي؟ هي دي آخرتها مهو الطيب كده في الزمن ده. بس لازم أكلم الست تشوفلي صرفة تبطل العمل المهبب ده، والبت ترجع لجوزها، أنا مش ناقصة خوتة. المهم عندي شفيق وبس." تفاقم الغضب في قلب سليمان مما فعله سفيان مع زوجته وابنة عمه، فولج إليه، فوجده على فراشه يتألم وممسك ببطنه ويتصبب عرقًا. ففزع واقترب منه ووضع

يده على كتفه وقال بحنو: "إيه يا ابني مالك، حاسس بإيه؟ سفيان بألم: "مش عارف يا حاج، من بدري عندي مغص وبيزيد لغاية ما حاسس بطني بتتقطع من جوه." سليمان: "سلامتك يا ابني، ألف سلامة. هخلي أمك تغليلك شوية كمون يريحوك على طول. بس أنا زعلان منك أوي يا سفيان على اللي عملته في بنت عمك، وخرجتها من بيتها قلبها مكسور كده." عقد سفيان حاجبيه وقال بضيق:

"بس يا حاج، متجبليش سيرتها، أنا مش طايقها، ويمكن وشها العكر ده هو اللي جايبلي المغص." فضرب سليمان كفًا بكف وحوقل: "لا حول ولا قوة إلا بالله. أنت فيك إيه يا ابني؟ قلبي حاسس إنك مش طبيعي، لإني عارف إنك بتعشق بنت عمك وعمرك ما زعلتها أبدًا، تقوم فجأة كده تقول مش عايزها وكرهتها. لا ده أمر ميسكتش عليه أبدًا. قوللي يا ابني أنت شربت ولا أكلت إيه النهاردة ومن إيد مين؟ سفيان:

"أنا ما أكلتش حاجة من الصبح، هو بس فنجان قهوة عزمني بيه شفيق عليه، وكان بتاعه أصلًا جاي بيه من بيتهم." فاتسعت عين سليمان وحرك شفتيه باسم زينب. "كده فهمت كان قصدها إيه." فظهر على وجهه الألم وقال:

"مفيش فايدة فيكِ يا زينب، عمرك ما هتتغيري أبدًا والشر ماليكِ من ساسك لراسِك. وسبحان الله كنت عايزة تصيبى ابنك عشان يكره أسماء أكيد، أه عشان عارفة إنها مش طيبة وهبلة زي أشجان وأنهار وطالعة قوية تشبهك. جت في سفيان وكره بنتك يعني سبحان الله (ويمكرون ويمكر الله وهو خير الماكرين) . بس أنا صعبان عليا شهيرة غلبانة زي أشجان بالظبط، ومتستاهلش كده. عشان كده لازم أتصرف وأكلم الشيخ مسعود، هو بيفهم في الحاجات دي."

رن جرس الباب لدى آدم، فزفر بضيق قائلا: "مين اللي جاي السعادي بس، ده أنا مصدقت خلاص أخيرًا خطبتها ومحتاج أقرب منها وأتكلم معاها شوية." والدة آدم: "شوف مين يا آدم على الباب، ولو إني حاسة إنه إبراهيم هو اللي بيحط إيده على الجرس كده زي العيال الصغيرة ميشيلهوش." آدم بنفور: "إبراهيم ده إنسان غتت أوي، مش عارف خالتي مستحملاه إزاي." والدة آدم: "عيب يا ابني تقول على ابن خالتك كده، وأسرع يلا افتح الباب." فتسارعت دلال بقولها:

"هقوم أنا أفتحه يا ماما الحجة." وعندما همت للوقوف، استوقفها آدم بغضب: "خليكِ عندك، رايحة فين؟ أنا مش عايزك تتعاملي خالص مع الإنسان السفيه ده ولا تكلميه، أنتِ فاهمة؟ فتجمدت دلال في مكانها وأومأت برأسها وقالت: "فاهمة يا آدم بيه." فامتعض آدم وأحس بالذنب لأنه فزعت منه وعمل ذلك حاجز بينهم لدرجة أنها تناديه بـ "آدم بيه"، وهو الذي كان يريد أن يقترب منها أكثر. فسخط على إبراهيم وذهب ليفتح الباب ليرى ابتسامته السمجة فقال:

"أهلاً." إبراهيم بمرح: "أهلاً بيه طبعًا في أي وقت مش كده ولا إيه يا باشمهندس؟ آدم: "آه طبعًا اتفضل." إبراهيم: "أنا قولت أجي أونسكم شوية وأسلم على خالتي وبالمرة أفطر معاكم." أطبق آدم على شفتيه بغيظ ليستمع إلى صوت والدته: "تعالى يا إبراهيم، ده أنت جيت في وقتك." فولج إليها إبراهيم ولكن عيناه كانت على دلال، فأخذ يحدق بها من أول رأسها حتى أخمص قدميها بإعجاب وهمس:

"يخربيت جمالك، مفكيش غلطة وكأنك خدتي الجمال لوحدك. وصراحة هموت عليكِ، بس إزاي أوصلك وأنتِ مكتفة كده بين خالتي وآدم، بس لازم أتصرف. يستحيل الجمال ده يكون لغيري، لازم تكوني لي في أقرب وقت." ثم توجه إلى خالته وقبل يدها قائلا: "حبيبتي يا خالتو، والله أنتِ الوحيدة اللي مقدراني عشان كده بحب أجي أقعد معاكي." والدة آدم: "وأنا بحبك يا ابني، ويلا بارك لأخوك آدم وأختك دلال على الخطوبة." فاتسعت عين إبراهيم وقال بجمود:

"خطوبة بالسرعة دي؟ آدم: "آه، عند حضرتك مانع؟ إبراهيم: "لا، ألف مبروك ربنا يتمم بخير." والدة آدم: "عقبالك يا حبيبي." إبراهيم: "يارب، بس لازم تكون حاجة حلوة كده زي دلال." فصاح آدم بغضب: "إبراهيم، ألزم حدودك." فاصطنع إبراهيم البرود رغم أنه من الداخل يتآكل وهمس:

"عايز تكوش على كل حاجة يا آدم، الناس بتحبك وشغال وظيفة محترمة وأم بتقدرك مش زي حالاتي، ديما تكدر فيه وتستهزء بيه وكمان عايز تجوز حتة الجاتوه دي، لا أنا لازم آخدها منك الأول وأقهرك عليها ولو عايزها مستعملة بعد كده مفيش مانع." ثم ابتسم وقال بمداعبة: "أنا ملتزم أهو بالحتة الواقف فيها، متحركتش يا هندسة بره حدودي زي ما بتقول، بس لو ممكن أتزحزح شوية وأقعد على الكنبة وأريح يبقى كتر خيرك. وإيه مش هتفطرونا ولا إيه؟ والدة آدم:

"حالا يا ابني." أشارت إلى دلال وقالت بحنو: "ادخلي يا حبيبتي حضري فطار من ايديكِ الحلوة دي." فاومأت دلال برأسها واتجهت مسرعة نحو المطبخ وتركت آدم الذي تحول إلى جمرة نار مشتعلة تكاد تحرق كل ما حولها من فرط الغيرة. ولكنه لم يتوقف على هذا وتبعها إلى المطبخ واقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلفح عنقها. فالتفتت تناظره بجمود وهي تبتعد عنه بقدر الإمكان: "فيه حاجة يا باشمهندس؟ محتاج حاجة معينة؟ حدقها

آدم بنظرات عشق وقال بخفوت: "محتاجك أنتِ يا دلال. ومش عايزك تزعلي مني بسبب أسلوبي الحاد شوية، بس غصب عني مش طايق حد يبصلك أو يكلم معاكِ، فاستحمليني. ويا ريت متطلعيش طول ما البني آدم ده هنا. أنتِ مش شايفة بيبصلك إزاي؟ حاولت دلال اصطناع الهدوء رغم النار التي بداخلها، فهي تريد الصراخ بأعلى صوتها لتقول: "أنا مش شايفة أصلا ولا شايفة حد، أنا مش عايزة غير أحمد، أنت فين بس يا مولانا؟

أرجوك أظهر وانجدني منهم، أنا مش عايزة غيرك من الدنيا." ولكنها استطردت بهدوء: "ماشي يا باشمهندس، زي ما تحب." ثم التفتت لتكمل إعداد طعام الإفطار قائلة: "ثواني وهيكون الأكل جاهز، تقدر حضرتك تاخده وتخرج بيه." امتعض آدم من جديتها في الحديث معه، فوجد نفسه يجذبها من يدها لتصطدم بصدره العريض قائلا بخفوت: "أنا آدم بس يا دلال، من غير حضرتك أو باشمهندس." خجلت دلال وافترشت بنظرها الأرض وابتعدت عنه مرددة:

"أرجوك ميصحش اللي بتعمله ده وقربك مني بالشكل ده غلط. من فضلك اخرج بره دلوقتي خليني أحضر الفطار ولما أخلص هنادي عليك." جعد آدم حاجبيه وقال بصوت رجولي خشن: "تنادي إيه؟ مش عايز اسمع صوته كمان. اتفضلي قدامي خلصي وأنا هستنى هنا هاخده منك." فهمست دلال: "لا ده شكله مجنون رسمي وهيتعبني، أنت فين بس يا مولانا."

لمع اسم أحمد في السوق وكون علاقات متينة من جهات مختلفة وأصبح الكثير يتمنى التعامل معه لما سمعوا عنه من دماثة خلقه ونجاحه. واستطاع امتلاك فيلا حديثة الطراز في مدينة الشيخ زايد وبجانبها فيلا صديقه شيكو. الذي وضع يديه على كتفه قائلا:

"وبعدين يا مولانا، كل حاجة بقت وربنا وسع علينا من كلنا، لكن لسه البال محتار وبأسأل نفسي الفيلا الطويلة العريضة دي إمتى الجماعة هينوروها ويملوها عيال وأكون بقى أبو العيال. وأنت يا عيني عليك هتاخد واحدة مش على هواك وجاهزة بالعيال كمان. يعني هتربي في غير ولدك، ده مرار طافح يا خويا. إمتى هنفرح من قلبنا." أطلق أحمد زفيرًا حارًا وأخذ يتمتم:

"كل أمر ربنا خير يا شيكو. واللي شايفه مش على هوانا ده أكيد خير بس إحنا مش شايفينه دلوقتي وأكيد ربنا ليه حكمة في كده وهنعرفها مع الوقت." شيكو: "عارف يا صاحبي بس القلب نعمل فيه إيه؟ فوضع أحمد يده على قلبه الذي نبض باسم دلال وابتسم لتذكره مشاكساتها ونظراتها الجريئة له. وقال: "الحمد لله إن اللي في القلب محدش شايفه ولا حاسس بيه غيرنا، وإلا كنا اتفضحنا. فخليه في القلب لربنا وهو وحده قادر يداويه." شيكو:

"مش قادر يا أحمد، وأنا كل يوم بشوفها قصادي ومش طايلها قلبي بيتعذب، وهي طور بعيد عنك ولا همها. مع إني دلوقتي أقدر أتزوج بدل الوحدة أربعة وأقهر قلبها، بس مش قادر أو مش شايف غيرها." ابتسم أحمد واستطرد: "كل شيء بآوانه، ومعلش اعذرها في رقبتها مسؤولية متقدرش تتخلى عنها." شيكو: "ما قولتلها أشيل عنك بس هي راسها والف سيف إنها تشيل شيلتها لوحدها." أحمد: "والله البنت دي بمية راجل وجدعة وتستاهل إنك تصبر عشانها." امتعض

شيكو وقال بمرح كعادته: "هصبر لحد إمتى ده أنا خلاص ريحتي طلعت، والقلب داب." فضحك أحمد: "لا ده أنت حالتك صعبة أوي يا صاحبي." شيكو: "أوي أوي، منك لله ياللي تنشك." أحضر سليمان الشيخ إلى سفيان الذي أدرك أنه تعرض لسحر مأكول. فقرأ عليه بعض الآيات على كوب من الماء ثم شربه سفيان ليشعر بغثيان أدى إلى تقيؤ ما في بطنه، فمكث في المرحاض بضعًا من الوقت. ثم خرج يعلو وجهه ابتسامة قائلا:

"الحمد لله، ده أنا كنت حاسس إني هموت وفيه حاجة طبقة على صدري و بطني بتغلي." فابتسم الشيخ وحمد الله أنه كان سببًا في شفائه. سفيان: "طيب بعد إذنكم يا جماعة، أنا طالع لمراتي وهنزل الولد لماما عشان خارجين أنا وهي مشوار ساعتين زمن." فابتسم سليمان وقال بمكر: "فين المشوار ده يا سفيان؟ سفيان بخجل: "هو أنا لازم أجاوب يا حاج؟ فضحك سليمان: "لا، مش لازم، بس مراتك مش فوق يا سفيان." سفيان بتعجب ممزوج بالغضب:

"راحت فين من غير ما تقول لي؟ اندهشت ابتهال من سؤاله: "أنت يا ابني مش حاسس عملت إيه؟ معقول تكون نسيت بالسرعة دي؟ فاستطرد الشيخ بإيضاح: "اعذريه يا ست أم سفيان، هو مكنش مدرك بيعمل إيه ودلوقتي فاق. فكلموه بهدوء كده عشان يعرف هيعمل إيه معاها وربنا يهدي سرهم ويسعدهم." واستأذن أنا، يلا السلام عليكم. فردد الجميع: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." طالعهم سفيان بدهشة قائلا: "هو فيه إيه؟ أنا مش فاهم حاجة." ابتهال:

"اقعد يا سفيان عشان أقولك اللي عملته في المسكينة مراتك وشوف هتصلحها إزاي." فجلس سفيان متوتر يضع يده على قلبه، وأخذت تقص عليه ابتهال ما حدث. فانفعل سفيان ووقف وقال بعدم تصديق: "أنا قولت كده لشهيرة؟ إزاي؟ دي حياتي كلها وقلبي اللي عايش بيه. لا يستحيل لساني يقول حاجة تزعلها، ده أنا عمري ما عملتها." ابتهال: "ما أنت يا ضنايا مكنتش في وعيك، والمقصود بالسحر ده شفيق عشان يكره أسماء، بس النصيب جت فيك." فردد سفيان:

"لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب أقولها إيه دلوقتي؟ منك لله يا مرات عمي. ده أنا مهما أقول مش هقدر أداوي كسرة قلبها وهي ماشية دموعها على خدها مني." فقامت ابتهال ووضعت يدها على كتفه قائلة: "متحملش نفسك ذنب يا ابني، أنت كنت مش في وعيك، وبكلمتين حلوين هتلين قلبها وأنا واثقة إنها هتسامح عشان قلبها طيب وبتحبك." سفيان: "ياريت يا أمي. أنا رايح ليها دلوقتي." ابتهال:

"وأنا مستنية الغالي ابن الغالي، وأنت خدها مشواركم انبسطوا براحتكم." فرفع سفيان يد والدته وقبلها وقال بامتنان: "مش عارف من غيرك يا أمي كنت عملت إيه، ربنا يخليكي يا غالية." ثم تركها وذهب مسرعًا لحبيبة قلبه شهيرة. وكانت في ذلك الوقت شهيرة قد انتهت من طعام الغداء مع أنهار التي حاولت بكل الطرق أن تخفف عنها حزنها فقالت: "أنا مش مصدقة إن أخويا سفيان يعمل كده يا شهيرة، ده بيحبك أوي وبيتمنالك الرضا." شهيرة والدموع في عينيها:

"اظهر الحب عنده خلص يا أنهار، ولا ممكن يكون كان تمثيل ورجع لطبيعته؟ أنا عمري مهسامحه أبدًا." أنهار: "لا متقوليش كده يا حبيبتي، وسبيلى أنا الموضوع ده، أنا هكلمه." شهيرة: "لا يا أنهار، لو بتحبيني بجد وأنا فعلاً عندك زي أسماء وأشجان، متكلميهوش. أنا مش هشحت منه الحب والحنية." أنهار: "لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يهديك يا أخويا ويرجعلك عقلك." شهيرة بحزن:

"اقفلي على الموضوع ده يا أنهار، ودلوقتي أنا خلصت الأكل هاخده لأمي وأنتِ اغرفي لجوزك وبنتك." ثم ذهبت به إلى والدتها. وعندما اقتربت من الباب سمعتها تتحدث عبر الهاتف: "يعني إيه يا ولية؟ أنتِ متعرفيش تفكي السحر، أمال تعرفي تعمليه بس. بقولك جه في البت مش في ابني والبت دي هيتخرب بيتها وهتقعد جنبي." فاتسعت عينيها بصدمة وارتجفت يدها فوقعت صينية الطعام منها، فصاحت زينب بفزع: "إيه اللي وقع بره يا معدولة؟

من أولها كده، لا أنا مش هستحمل. فعاد البت الهبلة دي هنا." لتنهمر دموع شهيرة على وجنتيها من القهر ثم انحنت تلملم الطعام، ليعلن صوت رنين الباب عن مجيء زائر. فأسرعت لتفتح لتجده سفيان أمامها. سفيان بنظرة عشق: "شهيرة حبيبة القلب وضى العين، سامحيني يا حبيبتي، وصدقيني اللي حصل كان... ولم يتم كلمته وتفاجأت بها تلقي بنفسها بين أحضانه وتبكي قائلة بنحيب:

"أنا عرفت كل حاجة يا سفيان. عشان سمعتها بتتكلم مع الست اللي عملت السحر في التليفون، ربنا يسامحها." فشدد سفيان من احتضانها وهمس: "اهدّي يا حبيبتي." شهيرة من بين شهقاتها: "خدني من هنا يا سفيان، أرجوك أنا مخنوقة أوي. أنا هنا عمري ما حسيت إنه بيتي، بيتي وحياتي كلها معاك." سفيان: "وأنا حياتي متنفعش من غيرك. بس ثواني عقبال ما تحضري حاجتك وتجيبي الولد، هدخل للست أمك." فأمسكت شهيرة بذراعه قائلة:

"بلاش يا سفيان، الكلام ملهوش أي فايدة معاها، مفيش في إيديا غير الدعاء لإنها مهما كان أمي." سفيان: "على الأقل تعرف إن السحر ربنا شاله ورجعت أخدك." فاومأت شهيرة برأسها. فولج للداخل وقال بصوت عالٍ أمام غرفتها: "دستور يا مرات عمي." فزفرت زينب بضيق وصاحت: "جاي ليه يا ابن ابتهال، مش كفايك اللي عملته في البت، ده آخرتها آه ما العرق دساس وأنت ابن... فاقتحم سفيان عليها الغرفة وقال وعيناه تطلق شرارًا:

"لو كملتي مش همشي غير وأنا واخد روحك بإيدي. لكن أنا عشان ابن أصول صابر عليكِ لغاية ما ربنا يسترد أمانته وهو هيحاسبك على ماضيكِ الو... سخ، يا شيخة اتقي ربنا شوية ده أنتِ رجلك والقبر ومفيش فايدة فيكِ جبروت." رفعت زينب حاجبيها بدهشة من جرأته عليها وقالت بإنفعال: "هي حصلت بتهددني يا ابن ابتهال؟ وديني لأخلي شفيق يعلمك الأدب والبت تطلقها ومش عايزة أشوف وشك هنا تاني." سفيان:

"لا يمكن أسيب مراتي وأنا جاي عشان آخدها. آه صح نسيت أقولك، ما هو السحر اللي كنتِ قاصدة بيه شفيق جه فيه بس ربنا كبير واتفك عشان عالم بحالي. وعايز كمان أقولك انسى من النهاردة إن عندك بنت اسمها شهيرة خالص، مش هخليها تعتب باب بيتك تاني عشان متستاهليهاش. بس هجبلك بدالها أسماء." ثم ضحك بانتصار وغادر. لتصبح زينب بغيظ وخوف: "لااا البت دي لااا. أعمل إيه فيك يا شفيق عشان تسيب البت دي."

انتظر شفيق مرور الشهر بفارغ الصبر، ومع كل يوم يمر تزداد فرحته بأنه على وشك امتلاك صغيرته التي بدلت حاله وأصبح عاشقًا متيمًا لها، ينفذ كل ما تأمره به دون نقاش. أما أسماء فامتلك الحزن قلبها، شفيق ليس فتى أحلامها الذي كانت تحلم به، فهي لا تحبه بل تكرهه وتشعر كلما دنا موعد زفافها عليه أنها قد اقتربت من الموت. نعم سيدفن قلبها في ذلك اليوم، لذا أقسمت أن تجعله يندم على ما فعله بها لكي يجبرها على الزواج منه.

وليس حال زينب بأحسن منها بل أشد حزنًا بعد أن شعرت أن هيبتها ومكانتها قد اهتزت في قلب شفيق وستسيطر عليه تلك الشيطانة الصغيرة. فما عساها أن تفعل بها؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...