دلال والشيخ الحلقة التاسعة بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أغلقت جميع الأبواب في وجهي ولم أجد سوى بابك يا الله، فارحم ضعيفًا يحتمي بحماك. لم يحتمل أحمد كل تلك الصدمات التي تعرض لها مرة واحدة، فقد كان منذ لحظات الدكتور أحمد ابن الحسب والنسب، وتغير الحال به لرجل مجهول الهوية ليس له مأوى. مما أدى إلى انهياره وسقط مغشيًا عليه أمام الجميع. فصرخ سفيان: أحمد. ثم حدق زينب بعين مشتعلة من الغضب قائلًا:
_أنتِ شكلك اتجننتي على كبر يا مرات عمي. _إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده..! مش كفاية حرمتيه هو وشهيرة من الميراث كمان تقولي عليه استغفر الله العظيم، ابن حرام يعني عايزة تموتيه كمان. بس الظاهر مش هو اللي ابن حرام لكن أنتِ اللي.. فقاطعته زينب بحدة: _اخرس يا ابن سليمان، مش عايزة أسمع كلمة واحدة زيادة. ويلا خد صاحبك واطلعوا يلا من بيتي، في ستين داهية.
تشنجت ملامح شيكو وقبض على يديه من شدة الغضب قائلًا: يلا بينا يا سفيان قبل ما أرتكب جريمة في الست دي. وساعدني يلا نوديه المحل عندي نفوقه ونحاول نهديه ولو أن النار اللي جواه بعد اللي سمعه عمرها ما هتهدى أبدًا. رمقه سفيان بنظرة حادة قائلًا: أنت مصدق الولية المجنونة دي ولا إيه..! أنا متأكد مليون في المية إنه من صلب عمي، لكن صح مش ابنها عشان مفيش أم تعمل في ابنها كده أبدًا.
ومعلش يا شيكو مش هينفع المحل، عشان الناس اللي داخلة واللي طالعة، هنوديه عندنا. فحملوه وغادروا إلى منزل سفيان. ليقف شاهين في منتصف الردهة بعد مغادرتهم، متجهم الوجه والدماء تفور في أوردته حتى صاح أخيرًا وهو يطالع والدته وشفيق قائلًا: _الكلام اللي سمعته ده صح يا حجة، أحمد مش أخونا؟ فأجابه شفيق على مضض غير مبالي: وأنت يهمك في إيه يا شاهين، المهم دلوقتِ أن الأملاك كلها بتاعتنا وعايزين نقعد أنا وأنت عشان نقسم الشغل.
فخرجت من شاهين ضحكة متهكمة لم تغادر شفتيه قائلًا: _نقسم وأبوك لسه جثته مبردتش في التربة. وأخوك الصغير اللي ياما اتقسمنا معاه اللقمة وإحنا صغيرين، وأحن الناس وأشبه واحد بالحاج الله يرحمه يطرد كده. لتصيح زينب به بحدة: _بقولك إيه يا شاهين، اتعدل ولم الدور وإلا هتشوف مني الوش الثاني وأنت عارفني. وانسى من اليوم واحد اسمه أحمد خالص ولو عرفت إنك كلمته أو اتوصلت معاه، لا أنت ابني ولا أعرفك.
فأخفض شاهين رأسه بخزي، ولمعت الدموع في عينيه ولم ينطق بحرف آخر بل اتجه إلى شقته. فتبعته أنهار التي استمعت هي وأشجان إلى كل ما حدث، فانفطر قلبها حزنًا على أحمد الذي لم ترَ منه سوى كل خير. أما أشجان فشعرت بأن قدميها لم تعد تتحملها، فأخذت تسير كالسلحفاة إلى شقتها حتى وصلت إلى مخدعها وألقت بجسدها عليه همست: _يا عيني عليك يا أحمد، هو الطيب كده في الدنيا يا ناس ملوش نصيب.
ثم انفجرت في البكاء قائلة: أعمل إيه دلوقتِ أسكت ومقولش اللي سمعته من الحية زينب عشان ميتخربش بيتي ولا أروح أقوله كل حاجة عشان يعرف أنه ابن حلال. ولج سفيان بأحمد إلى منزلهم، وعاد إليه وعيه مجددًا، فأسرعت إليه أسماء عند رؤيتهم قائلة: أحمد، مالك يا ابن عمي؟ فأخفض أحمد رأسه بخزي ولم يجبها، فأجابها سفيان: أسماء روحي جهزي أوضة الضيوف لأحمد عشان يستريح فيها، عشان مش طايق البيت هناك بعد موت عمي الله يرحمه. فارتسمت السعادة
على وجه أسماء وقالت: بس كده من عينيه. أشار سفيان إلى أحمد بالجلوس قائلًا: أقعد يا حبيبي استريح عقبال ما أسماء تجهز الأوضة. فبكى أحمد وتعالت شهقاته: استريح..! هتيجي منين الراحة يا سفيان بعد اللي حصل، ده أنا مش عارف حتى أرفع عيني في عينك ومش عارف قبلت إزاي أجي معاك. أنا دلوقتي غريب بالنسبة لكم، فهقعد بصفتي إيه؟ تأثر سفيان بحديثه، فحاوط كتفه ورفع وجهه إليه قائلًا بثقة:
أحمد أنت ابن عمي ده حقيقي أوعى تشك لحظة في كده، وأوعى توطي رأسك كده تاني. أنت أحمد الجمال وهتفضل طول عمرك رأسك مرفوعة. ووعد مني يا ابن عمي هجيب لك حقك من الشيطانة دي لغاية عندك. تصاعدت الأدخنة في رأس أحمد وردد بقهر: حسبي الله ونعم الوكيل. استمع سليمان وابتهال لصوت أحمد فخرجوا مرحبين به بحبور. سليمان: أحمد ابن الغالي عندنا، نورت بيتك يا حبيبي، ليحتضنه بحب. لتقول ابتهال: براحة عليك يا حاج عشان تعبان وخليه يقعد يستريح.
فلم يستطع أحمد كبح دموعه وبكى بصوت عال مزق صدر سليمان، فربت على كتفه بقوله: إيه يا أحمد مش كده، اهدى يا ابني وادعِ له بالرحمة. أحمد بمرارة أذابت حلقه: ربنا يرحمه، ويتولاني أنا كمان برحمته، ثم أخفض رأسه مرة أخرى. فصاح سفيان مرة أخرى: مش قلت لك ما توطيش رأسك تاني. طيب أنا هكلم قدام بابا وماما عشان تسمع منهم وتتأكد إنك ابن عمي، لأنهم أكيد حضروا وقتها وعارفين.
عقد سليمان حاجبيه وتساءل: هو فيه إيه يا ابني، ماله ابن عمك بيتكلم على إيه؟ فطلب منهم سفيان الجلوس ليشرح لهم ما حدث، أما أسماء فكانت تستمع من بعيد بفضول لما يحدث. سفيان: تصور يا بابا بعد العمر مرات عمي ربنا يجازيها بتقول عمي كتب أملاكه لشفيق وشاهين بس بحجة أن البنت مش بتورث وأن أحمد مش ابنهم وعمي اللي رباه وأنه ابن استغفر الله العظيم ابن حرام. فتعالت شهقات أحمد بالبكاء وضربت أسماء على صدرها قائلة:
يعني إيه كده هيضيع كل الأحلام اللي اتمناها معاه. فغضب سليمان وغلت الدماء في عروقه ووقف قائلًا بحدة: إيه الكلام الفارغ ده!! مستحيل حمدي يعمل كده أبدًا في أحمد ده كان عينه من جوه وابن حرام إزاي وهو مولود قدام عيني. صمت للحظات واستطرد بحزن: بس صح يا ابني جه الأوان تعرف الحقيقة، أنت ابن حمدي آه بس مش من زينب ابن واحدة تانية اسمها شمس اتجوزها أبوك على سنة الله ورسوله.
تأوه أحمد بألم ولكنه حمد الله بعد علم أنه جاء نتيجة زواج وليس سفاح. ليتساءل بحزن مزق قلبه: طيب ليه ما تربتش مع أمي؟ واتربيت عند زينب ربنا يسامحها اللي طول عمرها معذباني وفعلاً عمري ما حسيت إنها أمي ولا مرة خدتني في حضنها ولا طبطبت عليّ. وليه أصلاً بابا اتجوز على زينب؟ وأمي فين عايشة ولا ميتة؟ ولو عايشة ليه سابتني ورمتني في العذاب عند زينب؟ لمعت عين سليمان بالدموع على ذكر شمس، فقال:
يا ابني أمك ولا هي عايشة ولا هي ميتة. فحدقه أحمد باندهاش قائلًا: إزاي ده، يعني إيه ولا هي عايشة ولا ميتة؟ فحاولت ابتهال بلع الغصة المريرة التي اجتاحت حلقها وقالت: يعني يا ابني، مش دريانة بحالها. ثم صمتت للحظة وتابعت بأسى: عقلها عقل أطفال يا حبة عيني، وزينب السبب. وعشان كده أبوك أخدك يربيك مع أخواتك وحاول بكل الطرق يعوضك عن حنان الأم فكان ليك أب وأم في نفس الوقت.
بس للأسف من كتر حنيته عليك، ده خلى زينب تكرهك أكتر وأكتر لأنها عارفة ومتأكدة إنه بيعمل كده عشانها، عشان شمس اللي حبها ومحبش غيرها. فقبض أحمد على يديه بغضب وتلون عينيه بالحمرة وازداد وجهه قتامة. لاحظ ذلك سفيان فربت على يديه بحنو قائلًا: هون عليك يا غالي، ده قدر ربنا ومصير الظالم ياخد جزاءه. فصاح أحمد وقد بلغ به الغضب مبلغه: إزاي عملت فيها كده؟ وفين هي أمي، أوعى تقولوا إنها في مستشفى المجانين.
نفى سليمان: لا يا ابني، أمك في الحفظ والصون عند عمتك عفاف من سنين. كتر خيرها والله عمتك دي ليها الجنة والله من سنين طويلة بتراعيها كأنها طفلة صغيرة مهما كبرت في السن، بتأكلها وتشربها وتحميها. صراحة تعبت أوي، وعملت ده كله من حبها لأبوك الله يرحمه وهو صراحة كان بيعزها أوي ولو طلبت نجمة من السما كان يجيب لها. أخرجت ابتهال تنهيدة مؤلمة من جوفها ثم تابعت بحزن: أنا يا ابني هاحكي لك اللي حصل بالضبط.
أبوك الله يرحمه لما اتجوز شمس كان فرحان أوي وحس أن ربنا عوضه عن جحود زينب معاه. وكان يا حبة عيني بيروح لها في السر خطاطيف كده عشان زينب ما تحسش بحاجة وصراحة شمس كانت مقدرة وعمرها ما زعلت. وكانت تقول له: المهم أشوفك ولو لحظة واحدة. بس القدر يا ابني والمكتوب وما كانوش يعرفوا إن زينب عارفة كل حاجة، ومستنية اللحظة اللي تنتقم فيها منهم هما الاثنين.
واستنت لغاية ما عرفت إن شمس ولدت، عشان تحرق قلبها عليك يا ابني ومش بس كده تحرق قلب أبوك عليها كمان. فلاش باك ضم حمدي طفله أحمد إلى صدره وقبله من جبينه بحب، فطالعته شمس بعشق وقالت بدلال: أنا على فكرة ما غيرتش من مراتك زينب اللي واخدة كل وقتك على قد ما غيرت من أحمد ابنك ده اللي بقيت تقضي الساعة الوحيدة اللي بتشوفني فيها معاه تدلع وتبوس فيه كأن ده أول عيل ليك يا حمدي. وإظاهر أنا كده راحت عليّ بدري بدري.
فابتسم حمدي ووضع أحمد برفق في فراشه، ثم سار نحوها وأحاط خصرها بيديه وقال بحب: أنت بتغيري عليّ من ابنك يا ست الستات، ده أنا باحبه الحب ده كله عشان بس حتة منك أنت. حاوطت شمس عنقه وهمست بحب: أيوه بغير عليك حتى من الهوا، أنا باحبك أوي يا حمدي، أنت بالنسبة لي كل حياتي وأماني وسندي. أخرج حمدي
تنهيدة حارة وقال بعشق: مش عارف أقول إيه بعد الكلمتين الحلوين دول غير إني عايز هالحين نخاوي أحمد ونجيب له أخت صغيرة كده تلعب معاه وساعتها أفضى لك يا جميل. فتعالت ضحكات شمس مرددة: هو أنا لحقت!! لا وبنت كمان يعني عايزني أجيب لنفسي ضرة، لا كفاية زينب. فزفر حمدي بضيق: تاني مرة تكرري اسمها يا شمس واسمها لوحده بيعصبني. أرجوكِ بلاش تجيبي لي سيرتها أنا بأجي هنا عشان أنساها وأنسى الدنيا كلها معاكِ يا شمس.
فعانقته شمس فشدد هو من عناقها ثم ابتعد ونظر إلى ساعته وتبدلت ملامح وجهه للحزن قائلًا: للأسف الوقت جرى بينا بسرعة زي أي لحظة حلوة بتعدي ولازم أنزل حالًا أشوف شغلي. عقدت شمس حاجبيها وقالت بتأفف: بالسرعة دي يا حمدي، أنت لحقت؟ حمدي: معلش يا حبيبتي، بكرة إن شاء الله أحاول أجي لك بدري عن كده شوية. ودلوقتي لازم أنزل، ومش هوصيكِ ها ما تفتحيش الباب غير للحاجة فوزية وبس. أومأت شمس: حاضر يا حبيبي، في أمان الله.
ليغادر حمدي ولا يعلم أنها تلك المرة الأخيرة التي يرى بها شمس في حالتها الطبيعية. حيث كانت زينب تراقب المنزل ومعها امرأتان استأجرتهما بالمال، وعندما رأت حمدي قد غادر أمامها والبسمة لا تفارق شفتيه، قتلتها الغيرة. فقالت بصوت يشبه فحيح الأفعى: يلا يا نسوان. وزي ما قلت لكم أنا مش عايزاها تموت، أنا عايزة يتمنوا موتها لما يشوفوها قدامهم لا بتصد ولا بترد ومخها يطير. يعني تكتروا الضرب على دماغها لغاية ما تنسى هي مين وتتهبل.
لم يتحمل أحمد ما سمعه فشعر بدوار يجتاحه وأمسك برأسه كأنه غير مصدق ما حدث له وود أن لو كان هذا حلمًا ويستيقظ منه ويجد أبيه ما زال على قيد الحياة. فصاح سليمان مشيرًا إلى ابتهال: كفاية كده عليه النهاردة يا ابتهال وبعدين نكمل له اللي حصل. فأغمض أحمد عينيه بألم عندما تذكر تلك السيدة التي كان يخاف منها وهو صغير عند عمته بسبب أفعالها الجنونية ويخشى الاقتراب منها وعندما كانت عمته تقول له:
تعال يا أحمد ما تخفش سلم عليها مش هتعمل لك حاجة، دي بتحبك والله يا ابني أوي. ولكنه كان يرفض ويبتعد عنها، فضرب جبهته عندما تذكر ذلك وقال: يعني أمي هي الست اللي كنت باخاف أقرب منها وأنا صغير، وكنت باستغرب من بابا لما كان يقعد جنبها ويعيط. ولما أسأله بتعيط ليه يا بابا بيقول أصلها صعبانة عليّ والغريب إنه كان بيوصيني عليها وبأكون مستغرب عشان إيه؟! أتاريها أمي وأنا مش عارف. لتهمس أسماء بعدما استمعت لحديثهم:
يا مصيبتي يعني بقى على الحديدة وكمان طلعت أمه مجنونة، لا خلاص كده في داهية وخلي الست بسمة تشربه بالهنا. حاول أحمد النهوض قائلًا بغصة مريرة اجتاحت حلقه: أنا محتاج أشوف أمي دلوقتي. فنظر سليمان إلى سفيان وأومأ برأسه قائلًا: ساعده يا سفيان يروح. ثم أشار إلى أحمد: يا ابني بس لازم تدرك أنها مش في وعيها، فما تحملهاش حاجة فوق طاقتها ولا تحاول تكلم معاها لأنها مش هتفهمك. أخفض أحمد رأسه متألمًا قائلًا بحزن: فاهم.
فساعده سفيان وسار به إلى منزل عمته الذي لا يبتعد كثيرًا عن منزلهم. كنت أعتقد أن شياطين الجن هم أشد بأسًا على الإنسان ولكني أكتشف عندما تعاملت مع شياطين الإنس إنهم أخطر وأشد بأسًا على بعضهم البعض. وضع شفيق يده على رأسه متألمًا وقال: أنا حاسس راسي هتتفرتك، أنا طالع استريح محتاج أنام بعد العكننة دي كلها. عايزة حاجة يا حجة؟
زينب بتعب وإرهاق: ومين سمعك يا ضنايا، أنا كمان مش قادرة أفتح عينيّ وهادخل استريح بعد ما أخيرًا خلصت من الهم اللي كان طابق على نفسي العمر كله. شفيق: بس أنا برضه مضايق، عشان سفيان خده عندهم، كان نفسي يبات في الشارع وما يلقيش حد يطبطب عليه. زينب بغل: آه ما أنا عارفة عمك سليمان وسفيان طالع له قلبهم حنين، بس يغوروا بيه المهم احنا خلصنا منه. بس ما تقلقش لو استحملوه يوم مش هيستحملوه الثاني.
بس اللي مزعلني أخوك شاهين، مش طالع زيك قلبه من حديد والسبب مراته لإنه مش حكمها ومدلعها زيادة عن اللزوم، بس أنا مش هاسكت وهاكسر لها دماغها بت ابتهال. وأنت برضه عشان مراتك حالها مش عاجبني، ده غير لسانها الطويل اللي بتعرف ترد بيه دلوقتي. فثار شفيق وقال بحدة: لا ده أنا أقص لها يا حجة. بت هي فاكرة نفسها واحدة ست ولا إيه، دي على جزمتي. وأنا طالع أهو أربيها عشان أنام مرتاح. ابتسمت زينب بتشفٍ: تعيش يا سيد الرجالة، يخليك ليّ.
ليصعد شفيق إلى شقته، فاستمع إلى صوت شهقات أشجان وهمساتها وهي تقول: قطعت قلبي عليك يا أحمد، منهم لله الظلمة. فجن جنون شفيق وخرجت من عينيه أسهم نارية من شأنها تحرق الأخضر واليابس، فولج إليها كشيطان مارد وعندما رأته على تلك الهيئة فزعت وتراجعت للوراء. فصاح بحدة: صعبان عليكِ مين يا بنت الكلب ومين اللي ظلمه. أنا هاوريكِ مين الظلمة بحق وحقيقي، عشان يصعب عليكِ أوي ابن شمس المجنونة، آه ما أنتِ مجنونة زييه.
ثم انقض عليها يفترسها وجذبها من شعرها حتى كاد أن ينتزعه من رأسها، لتصرخ أشجان: آاااه. سيبني يا شفيق حرام عليك. شفيق بغضب: أنتِ لسه شفتي حاجة، ده أنا هاوريكِ النجوم في عز الظهر. ثم بدأ يركلها بقدميه حتى إنها سمعت صوت لأضلعها وهي تتمزق، ولم يكتفِ بذاك بل حملها إلى التخت ومزق ملابسها واعتدى عليها بوحشية كأنها ليست زوجته. لتنهمر دموع القهر والألم من عينيها ودعت الله أن يأخذها إليه لكي يرحمها من هذا العذاب الذي تعيش به.
وعندما انتهى منها ولاها ظهره ونام في لمحة بصر، لتطالعه بازدراء وهمست: إلهي تنام ما تقوم يا مفترٍ، منك لله أنت وأمك. ثم حاولت الاعتدال بصعوبة، لتتجه إلى المرحاض حيث حوض الاستحمام لتزيل آثاره ورائحته على جسدها وهي تبكي بمرارة. جلست أنهار في غرفتها حزينة على ما حدث لهذا الشاب الخلوق الذي لم ترَ منه سوى كل خير. لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا معاك يا أحمد يا أطيب خلق الله وربنا يجيب لك حقك منها مهما طال الزمن.
ولج شاهين إلى غرفته مهمومًا وكسى وجهه الحزن، فخفق قلب أنهار وسارعت إليه وجذبت يده برفق وأجلسته بجانبها وهمست بلين: وحد الله يا شاهين ما تعملش في نفسك كده، كلنا هنموت، ربنا يبارك لنا في عمرك. فأخرج شاهين زفيرًا حارًا معبأً بالهموم قائلًا: بابا مات وارتاح من هموم الدنيا وهو دلوقتي مع الأحَن من الكل يا أنهار، لكن أنا انكتب عليّ أعيش الهم طول عمري، ثم لمعت عينيه بطبقة كريستالية واستطرد بحزن:
مش عارف أعمل إيه يا أنهار في اللي حصل لأحمد ده ولا كان على بال ولا نية، دبريني لو عندك حل. بس أقول لك لا ما تتكلميش عشان الحل أنا عارفه وزي كل مرة مش بأقدر أفتح بوقي بكلمة. أنا حاسس إني بقيت وحش أوي يا أنهار، وخايف من حساب ربنا بس مش بإيدي، مش قادر أقف في وش أمي ولا شفيق. لو عملت أي حاجة هيحرموني من خير أبويا وهنتشرد أنا وأنتِ والعيال. عشان كده لازم أسكت، لازم أسكت. فربتت أنهار على كتفه بحنو وقالت بهدوء
ينافي النار التي في جوفها: سيبهم لله يا شاهين، ربنا مش بيسيب وكل واحد هياخد جزاءه. بس أنتِ اعملي اللي يخلصك من ربنا في الدرى من غير ما يحسوا. تعجب شاهين واستفسر: إزاي، قصدك إيه؟ أنهار: يعني أنت عارف ومتأكد أن أحمد أخوك وشقيقك ومش ابن حرام زي ما أمك بتقول. شاهين: آه طبعًا عمري ما فكرت في كده ولو لحظة أنه مش أخويا.
أنهار: يبقى ما تقطعيش علاقتك بيه، لأن الأخ سند ولو هو ضعيف دلوقتي ومحتاجك جنبه وأنتِ هتساعديه عشان الدم اللي بينكم، هو ربنا هيكرمه في يوم من الأيام ويكون سند ليك، وربنا ما يحوجك لحد يا حبيبي. فحاوط شاهين يديه بوجهها وقربها منه ولثم ثغرها بقبلة ثم قال: أنا مش عارف من غيرك كنت عملت إيه ولا استحملت القسوة بتاعة أمي وشفيق إزاي. ربنا يحفظك ليّ يا حبيبتي، أنتِ بنت أصول وياما شفتي من أمي واستحملتي.
طالعته أنهار بحب قائلة: كل شيء يهون فدى نظرة حب من عيونك الحلوة دي. ولكن سرعان ما أخفضت رأسها بحزن ولمعت في عينيها الدموع، فلامس شاهين وجهها بحب ورفعه برفق وقال بحنو: ماله الجميل مكان كويس؟ أنهار بغصة مريرة: صعبان عليّ أختي أوي يا شاهين، على قد ما أنا ربنا كرمني بيك وشفت السعادة معاك وعشان كده استحملت مرات عمي لكن هي يا قلبي مستحملة العذاب من الاثنين وخصوصًا شفيق اللي ما خلاش في جسمها حتة مش مزرقة من الضرب.
فزفر شاهين بضيق: هاقول لك إيه بس يا أنهار، والله فعلًا قلبي بيتقطع عليها دي بنت عمي وأختي، لكن للأسف شفيق ما لوش كبير وأمي هي اللي مقوياه، وربنا كبير وقادر يهديه. اتصل أحد الزبائن على تميم. إيه يا هندسة فينك، قافل الورشة وأنا محتاجك ضروري العربية عطلانة وجبتها لعندك بالزق. تميم: معلش والله حالة وفاة وما فتحتش، بس حاضر هاطلع أفتح عشان عيونك. وعندما فتح الباب ليخرج وأغلقه من ورائه وجد تقى بنت جارتهم أمامه.
فحمحم بحرج ثم تغافل عنها واتجه إلى طريقه. لتستوقفه هي بقولها: تميم. فوقف على مضض واستدار إليها قائلًا بحنق: نعم في حاجة؟ شعرت تقى بالحرج من أسلوبه الحاد منها، فبكى قلبها الذي يحبه قبل عينيها وارتجفت شفتاها مرددة: ليه يا تميم بتعاملني كده، حرام عليك والله. وأنت عارف إني بأحبـ... فقاطعها تميم: ما تكمليش يا بنت الناس وألزَمي حدودك، الله يكرمك. وما تعشميش نفسك، قلت لك قبل كده مية مرة، أنك زي أختي.
فما تعذبيش نفسك وتعذبيني معاكِ. تقى بغصة مريرة: كان عندي أمل إنك تحبني يا تميم. ثم اقتربت منه وحدقت بملامحه الرجولية التي تعشقها وهمست بألم يجتاح جوارحها: لسه بتحبها رغم أنها مش حاسة بيك؟ ارتبك تميم وتلعثم: هي مين؟ أنتِ بتقولي إيه؟ تقى: بأقول اللي شايفاه في عيونك لما تشوفيها. أسماء بنت خالك. بس يا ترى هي بتحبك زي ما أنت بتحبها؟ فصاح تميم بغضب: لا أنتِ شكلك اتجننتي وكمان دي حاجة ما تخصكيش.
بأقول لك إيه أنا مش فاضي ووراي شغل. سلام. ليتركها تبكي على جراحها وحب لا أمل له، أما هو فوقف يزيل دموعه هو الآخر من ذلك الجرح الذي قلبه من حبيبة عمره أسماء التي فضلت السلطة والمال عن الحب. آاااه من قلبي اللي عذبني بسببك يا أسماء، وخلاني ما بقتش شايف أي حد غيرك وللأسف صعبان عليّ تقى هي كمان بتتعذب زيي، بس مش قادر غصبًا عني. لإني هاظلمها معايا طول ما قلبي لسه بيحبك بس للأسف أنتِ ما تستاهليش الحب ده.
انتظر متولي دلال بلهفة وعلى مضض، بعد أن أقسم إنه لن يدعها تلك المرة من بين يديه حتى يأخذ منها ما يريد، فهو أحق بها من غيره. قام المنياوي بتوصيل دلال إلى المنزل وعندما توقفت السيارة أمام المنزل التفتت له دلال تودعه بامتنان: مش عارفة أشكرك إزاي يا باشا، غير إني أدعي لك ربنا يبعد عنك ولاد الحرام ويشفيك عشان تقدر تستمتع بحياتك بس بالحلال. ابتسم المنياوي ولكن ابتسامة مغلفة بألم وأمن على دعائها: يا رب يا دولي.
وزي ما قلت لك لو احتجتي أي حاجة ما تنسيش تتصلي بيّ. دلال: أكيد يا باشا، تسلم لي. ثم أخرج من جيبه مبلغ آخر وناوله لها قائلًا: خدي دول وهاتي كل اللي نفسك فيه، وما تخافيش من متولي مش هيقدر يجبرك تروحي مع حد تاني وأنا هاعوضه بالفلوس. دلال: الله يسترها معاك يا باشا. كان متولي يراقب هذا المشهد من النافذة وعندما همت بمغادرة السيارة أسرع إلى غرفتها، واختبأ أسفل التخت وفي يده سلاح أبيض حتى يجعلها تستسلم له بسهولة.
ولجت أخيرًا دلال إلى شقتها وذهبت مسرعة إلى والدتها لتطمئن عليها فوجدتها ما زالت نائمة، فاكتفت بقبلة على جبينها وتركتها لتسير إلى غرفتها وهي تتثاءب لرغبتها في النوم. ثم بدأت في تبديل ملابسها وذلك الذئب يختلس النظر إليها بعيون وقحة ورغبة. لتلقي نفسها على التخت وتعلق عينيها سريعًا لتنعم بقسط من الراحة، ولكن شغلها التفكير في هذا الشيخ الذي لم يغب عن مخيلتها ولو لحظة، فتنهدت وهمست:
يا ترى عامل إيه يا مولانا، ويا ترى لسه فاكرني زي ما أنا فكراك ومش قادرة أنساك يا عسل أنت ولا نسيتني. لا أوعى تنساني، ياااه لو يجمعني الحظ وأشوفك تاني، تبقى أمي داعية لي. آه منك يا مولانا، تصور حاسة إنك وحشتني ما اعرفش ليه. مع إن وشك كان كشري وبوزك شبرين معايا بس برضه كنت زي القمر، يخربيت حلاوتك.
وبينما هي شاردة في أحمد، شعرت بيد تتحسس جسدها بوقاحة، فارتجف جسدها وفتحت عينيها بفزع وشعرت أن الهواء بدأ ينفذ من حلقها وأوشكت على الاختناق عندما شعرت بأنفاس هذا الشيطان الساخنة تلفح وجهها. متولي بصوت يشبه فحيح الأفعى: لا اهدئي كده يا دولي، وما تخافيش يا بت أنا بأقدر الجمال وهتلاقيني حنين أوي، ثم غمزها واستطرد: يمكن أكتر من الباشا كمان.
فصاحت دلال بغضب: ابعد عني يا وقح، ابعد وإلا هالم عليك الناس وتبقى فضيحتك بجلاجل وهاوديك في ستين داهية. متولي بخبث: وإيه الدليل يا قطة، ما أنتِ مقضياها ومعاي صور تثبت، اشمعنى أنا يعني. دلال: آه يا سافل، ابعد عني وإلا وديني أنا هاشرب من دمك يا متولي لو لمستني. متولي بتهكم: لا خوفتيني يا قطة، ليخرج سلاحه الأبيض ويضعه على عنقها قائلًا: لو اتنفستي بس هاكون مخلص عليكِ وبعدها برضه هاعمل اللي أنا عايزه.
ليبدأ ذلك الشيطان في نزع عنها ذلك القميص القطني، وعندما حاولت الصراخ، فبادرها بقبلة طويلة، فنفرت منه دلال وقامت بالاسترجاع على الفور في وجهه وعلى ملابسه. فانتفض متولي وقام عنها قائلًا بحدة: آه يا بت الكلب يا مقرفة.
بس والله ما أنا سايبك برضه، ثم قام بمسح وجهه وخلع عنه سريعًا قميصه، فانتهزت دلال تلك الفرصة لتركض لخارج الغرفة هربًا منه، ولكنه أسرع من ورائها ودفعها على الأرض، فسقطت على وجهها وصرخت، ثم انحنى إليها ليتم ما يريد وهو يهددها بذلك السلاح وحين اقترب من مبتغاه، اتسعت عين دلال بفزع وصرخت صرخة مدوية. لتجد متولي قد سقط بجسده عليها، وشعرت بسائل لزج على صدرها، فنظرت فوجدته دماءً.
لتنظر لأعلى لتجد والدتها هي من فعلت ذلك به، عندما ضربته على رأسه بآلة حادة جعلت الدماء تفور منه. فأبعدته دلال عنها وقفت تحتضن أمها قائلة: أمي حبيبتي، أخيرًا قدرتي توقفي على رجلك تاني. فبكت والدتها: ربنا اللي قدرني عشان أمنع الشيطان ده عنك يا بنتي. سامحيني يا بنتي أنا السبب في ده كله، فقبلت رأسها دلال بحب واحتضنتها قائلة: ما تقوليش كده يا حبيبتي ده نصيب. ثم ابتعدت ونظرت إلى متولي الغارق في دمائه، فارتجفت قائلة:
هانعمل إيه في المصيبة دي، ده كده هانروح في داهية يا أمي، يعني مش كفاية أذانا وهو حي، كمان أذانا وهو ميت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!