دلال والشيخ الحلقة الثامنة بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. هل تعلم عزيزي القارئ أنك تحرم نفسك من السعادة ويضيع عمرك هباءً أمام عينيك بسرعة البرق وأنت ما زلت واقفًا في مكانك لا تنظر إلا لما حرمت منه ولا تنظر إلى كل النعم التي بين يديك؟ ولو كنت رضيت بما قسمه الله لك لغشيتك السكينة والسعادة. عند عودة أسماء من إحدى دروسها التي تتلقاها في الثانوية العامة، استوقفها تميم ابن عمتها. ابتسمت له أسماء وقالت بدلال:
"إيه يا عمنا في إيه؟ وثبتني كده كأني حرامية." طالعها تميم بعيون لامعة تسكب عشقًا وحاول إخراج كلماته بصعوبة: "أنتِ فعلًا حرامية يا أسماء عشان سرقتي قلبي." دق قلب أسماء بشدة وللحظة ارتجف جسدها، ولكنها حاولت التماسك أمام تلك المشاعر الهوجاء، فهي حقًا تميل إليه أكثر من أحمد ولكن بطبيعتها العملية تختار بعقلها وليس بقلبها. لذا اصطنعت الجمود وقالت: "قصدك إيه يا تميم؟ أنا مش فاهمة حاجة." تعجب تميم وتساءل:
"أحقًا لا تشعر بقلبه ولا عينيه التي تمطر حبًا وعشقًا؟ ولكن كان عليه أن يقطع الشك باليقين ويصارحها بحبه ورغبته في الزواج بها حتى لا تعذبه نار الحب أكثر من ذلك. لذا تفوه بتلك الكلمة التي أخفاها منذ عدة سنوات؛ لأنها حب الطفولة. "أنا بحبك يا أسماء وقلبي حاسس إنك بتبادليني نفس الشعور من ساعة ما كنا لسه عيال صغيرة."
توترت أسماء من تصريحه المفاجئ ودارت أعينها في كل مكان لا تعلم بما تجيبه. وأعلن قلبها الطوارئ وأوشك على الاستسلام أمامه ويعلن الموافقة، ولكن يأبى عقلها الاستسلام. لا لا لن تتزوج بميكانيكي وتضحك عليها صديقاتها. نعم فهو ليس أهلًا لها ولا يليق بها وستضع قلبها تحت قدميها حتى تميت ذلك الحب الذي ينبض بين جنبيها. لذا طالعته بجمود قائلة:
"ده كان لعب عيال يا تميم، ودلوقتي احنا كبرنا ومأظنش اللي حاسس بيه ده حقيقي. وصراحة يعني سامحني احنا ما ننفعش لبعض خالص وأنت بالنسبة لي أخ وبس." تجمد تميم في مكانه واصفر وجهه وقال بصدمة: "أخ!! أنتِ بتقولي إيه يا أسماء؟ أنتِ كذابة. لو لسانك بيقول كده، لكن عينيكِ بتقول حاجة تانية. أنتِ بتحبيني زي ما بحبك. قوليها يا أسماء أرجوكِ ومتحكميش علي بالإعدام." فصاحت أسماء دون رحمة:
"قلتلك ما ننفعش لبعض يا تميم حتى لو فكرت فيك في يوم من الأيام. وبص لنفسك كده وأنت تعرف أنا مين وأنت مين؟ أنا بنت سليمان الجمال وأنت ميكانيكي مشحم، سوري يعني ما تزعلش مني." لم يتحمل تميم تلك الإهانة وشعر أن جسده يتهاوى وقدميه أصبحت كالهلام وبدأ يترنح. ففزعت أسماء وقالت: "تميم أنت كويس؟ أنا آسفة سامحني." وعندما حاولت الاقتراب منه لتهدئته ومساعدته، وجدته يبتعد ويشير بيده في وجهها قائلًا بغلظة لم تعهدها منه:
"إياكِ تقربي مني أو تلمسيني يا بنت خالي. وانسى كل اللي قلته كأنه لم يكن، وبتمنالك كل السعادة مع الإنسان اللي يستاهلك. ومش هقدر أقولك غير ربنا يهديلك نفسك بس صدقيني هيجي اليوم اللي تندمي فيه إنك ضيعتيني من إيديكِ بس ساعتها هيكون فات الأوان. سلام يا بنت خالي." ثم استدار ليطلق لعينيه الإذن بسكب العبرات الحارقة على حب عمره الذي فقده في لحظة. أما أسماء فوقفت متجمدة تجاهد دموعها ألا تهبط وتحدث نفسها:
"خايفة تكون اللي قلته صح يا تميم. بس صدقني غصب عني، أنا نفسي في حياة تانية خالص وأنت ما تنفعش للأسف." ولج سفيان إلى غرفته فتخشبت قدماه عندما وجد خليلة القلب ومهجة الروح "شهيرة" تتزين أمام المرآة، وقد أسدلت شعرها الغجري على ظهرها وأخذت تنثر العطر على عنقها وسائر جسدها حتى امتلأت الحجرة برائحتها الندية لتصل إلى أنف سفيان فأسكرته في الحال. فأقترب منها كالمغيب يحاصر خصرها من الخلف بذراعيه، فارتجف جسدها على أثر لمسته.
فردد سفيان بعشق: "أنا سفيان يا عمري أمنك وأمانك." ثم دفن رأسه في عنقها يستنشق ريحقها. فهمست شهيرة بدلال: "سفيان." فردد بشوق: "عيونه." فتوردت وجنتاها خجلًا، فأمسك سفيان بيدها ليجعلها تستدير وتصبح في مواجهته، ثم لمس أسفل وجهها ليجبرها إلى النظر إليه، ليبحر في عينيها الساحرة ليهمس بعشق: "بحبك أوي يا شاهي، وكل يوم عن التاني بعشقك أكتر. مش عارف ليه، يمكن عشان بتحلوي كل يوم عن التاني أكتر."
أذابت كلماته ثلوج قلبها ولأول مرة تطالعه بحب بعد أن أدركت قيمته وشعرت كم هي سعيدة معه ولكن بغبائها كانت تنظر دائمًا إلى المفقود فأنساها ذلك الموجود وهو حب زوجها واحترامه له وهذا ما تفقده كثير من الزوجات الآن للأسف. دق قلب سفيان وتعالت نبضاته حين وجدها تنظر إليه بنظرة عاشقة تمناها طويلًا فاتسعت عيناه بغير تصديق قائلًا: "شاهي إيه اللي شايفه في عيونك ده إيه؟ شهيرة بتغنج: "شايف إيه؟ سفيان:
"شايف نظرة طول عمري بحلم بيها، وإحساس تاني مختلف معاكِ المرة دي، معقول حصل اللي كنت بدعيه في كل سجدة، حبتيني زي ما بعشق التراب اللي تحت رجليكِ يا شاهي." فلمعت عين شهيرة بالدموع وقالت بتأثر: "ياه هو أنا كنت وحشة كده أوي معاك لدرجة إنك تحس إني مش بحبك يا سفيان." حرك سفيان رأسه بنفي:
"أبدًا عمرك ما كنتِ وحشة معايا بالعكس كنت أجمل وأحن زوجة وأجمل أم. بس بالرغم من كده كنت حزين لإنك بتعملي كده من باب الواجب مش الحب. وكان نفسي يكون بالحب عشان أحسه وأقدر أعبرلك عن اللي جوايا أكتر." أخفضت شهيرة رأسها ندمًا وتابعت: "معلش كان غصب عني عشان كان حلمي أكمل تعليمي وأشتغل." فطالعها سفيان بمكر: "ولي يحقق ليكِ أمنيتك دي، بس شرط ألاقي النظرة اللي في عيونك دي على طول." ارتجف جسد شهيرة وقالت بصدمة: "معقول؟! رفع
سفيان حاجبيه وتم بتأكيد: "مش معقول ليه؟ من بكرة أقدم ليكِ في أحسن كلية بالمصاريف. شوفي أنتِ عايزة كلية إيه وأقدملك والشغل موجود، هخليكي مديرة المصنع بحاله عشان تكوني تحت عينيه ديما، لإنك بتوحشيني." دفعها كلماته إلى أن أحاطت عنقه بحب وهمست بصدق: "تصور أنا ما كنتش أتصور إني بحبك أوي كده." فتح سفيان فمه وقال: "إيه قولتي إيه؟ توردت وجنتا شهيرة قائلة بحرج: "وبعدين بقى ما تكسفنيش. مش هعرف أقولها تاني." فغمزها سفيان بمكر:
"مش لازم تقوليها باللسان تعالي ننفذها عملي." ليحملها بين يديه إلى التخت، ليبث لها أشواقه وحبه الذي ادخره لتلك اللحظة التي كان ينتظرها منذ سنوات. وهكذا مرت عليهم أروع اللحظات السعيدة ولم يخرجها منها إلا صوت الصرخات التي كان مصدرها منزل حمدي. ففزعت شهيرة قائلة: "باااابا! سفيان بتوتر: "إهدي يا حبيبتي، وخليكِ هنا وأنا هروح أشوف فيه إيه وأجي أطمنك." لم تتحمل شهيرة الانتظار فسارعت بقولها بتوتر:
"لا أنا هلبس وأجي معاك، أنا قلبي مش مطمن، استر يا رب." فأسرعت لارتداء ملابسها. أما أشجان فعندما استمعت لصوت الصراخ ابتسمت قائلة: "يا رب يكون حصل اللي في بالي ويكون شفيق ولا أمه اللي ماتت." ولكن عندما خطر على بالها أحمد فزعت وقامت مسرعة قائلة: "يا مصيبتي ليكونوا عملوا فيه حاجة، لما أقوم أشوف فيه إيه ولو حصل هقلب عليها واطيها وهقول كل حاجة وأوديهم في ستين داهية."
لتنزل مسرعة لتلتقي بشاهين وشهيرة ووالدها ليتجهوا مسرعين نحو منزل حمدي. زينب: "بقولك ما تتخضش يا ضنايا ده أبوك اللي مات. بعد ما مضيته على تنازل على ممتلكاته ليك ولأخوك." فهدأ شفيق وارتسمت الفرحة على ملامحه وتراجع لكي ينام مجددًا قائلًا: "طب أنا هنام دلوقتي عشان تعبان وأبقى صحيني على العزا بالليل عشان واجب برضه." فثارت الدماء في عروق زينب وقالت بحدة: "أنت بتستهبل يا شفيق؟!
هو آه غار في داهية، بس مينفعش تنام وتسيب الناس الغريبة هي اللي توقف معانا. قوم يلا اتصل بدكتور الصحة عشان يأكد أنه اتكل على الله." ثم خفضت صوتها: "بس اديله قرشين حلوين كده عشان يخلص ويعمل تصريح دفن بعد وفاة طبيعية. بدل ما ندخل في سين وجيم ومين اللي زقه ورزعه في الأرض، خلينا نخلص." ثم تابعت بسخرية: "وأكيد مولانا الشيخ أحمد هيشوف حد من اللي بيقولوا قال الله وقال الرسول يغسله." فابتسم شفيق مؤكدًا:
"أيوه وأنا هصبر عليه لغاية بس ما ناخد العزا وبعدين هطرده من بيتي ويشوف أي خرابة يبات فيها." لمعت عين زينب بالفرحة: "ياه كان نفسي في اللحظة دي من زمان. إني أشوفه طالع من البيت ده موطي راسه بعد ما كان رافعها وفاكر نفسه دكتور وهو حتة عيل آخره يدي حقن." شفيق بغل: "أيوه يا حجة، ودلوقتي مش هيعرف يكمل كليته عشان الفلوس وهيلف يشتغل ولو حتى زبال عشان يعرف يجيب لقمته." ليضحك الاثنان ضحكات شيطانية. زينب:
"ياه دلوقتي بس هدى قلبي، بعد ما أبوك حرق دمي زمان لما اتجوز عليه." لتشرد قليلًا فيما حدث. عندما علمت بزواج حمدي من شمس، فأخذت تتساءل ما تفعل هل تذهب وتفسد زواجه منها ولو اضطرت لقتلها أمامه، أم تصمت لتحرقها نار الكبرياء والغرور. زينب: "مش عارفة أعمل إيه، بس حتى لو فرقت بينهم وخليته يطلقها وأنا أقدر على ده كويس، هيفضل برضه حاططها في دماغه وممكن يرجعلها تاني من ورايا." ثم اتسعت عيناها بشر بعد أن طرأت
عليها فكرة شيطانية وهي: "لا أنا هسيبه يتنعم شوية معاها وياخد منها اللي هو عايزه لغاية ما يشبع ويزهق ويرجعلي ندمان." ثم تراجعت وهمست بخوف: "بس لو ما شبعش وعرفت تخليه زي الخاتم في صباعها وخلفت منه كمان هتعملي إيه؟
ساعتها يبقى جنت على نفسها وهساوي بيها الأسفلت ومش هتنفع تكون واحدة ست تاني وهاخد اللي هتخلفه منها وهحرق قلبها عليه وهو كمان هيفضل طول عمره مقهور عليها، لأنها هتفضل قدامه بس ما يقدرش يجي جنبها ويتمنى هو بنفسه أن لو كانت ماتت واستريحت كان أحسن." جزع أحمد من صوت صراخ أنهار، وتفتت قلبه لأشلاء قائلًا بغصة مريرة اجتاحت جوفه: "بااابا."
فتحامل على جسده وحاول بصعوبة الاعتدال بقدر الإمكان ثم الاستناد على ذلك الطرف البارز في التخت ليستطيع الوقوف ثم هاجمه الدوار ليجد نفسه قد جلس مرة أخرى، فبكى بمرارة قائلًا: "قوم تاني يا أحمد وحاول، قوم شوف أبوك ماله. أبوك لو جراله حاجة أنت كده انتهيت يا أحمد لأنك من غيره ولا حاجة. هتكون لوحدك حتى لو ليك أم بس كلاب الشارع أحن منها وليك أخ من دمك بس الدم عنده مية."
ثم حاول الوقوف مرة أخرى، حتى وجد صديقه شيكو أمامه ورأى في عينيه ما يخشاه فسقط جالسًا مرة أخرى، يرتجف من الصدمة وأحس بنيران تحرق جوفه. وبخطى ثقيلة كالسلحفاة اقترب منه شيكو بعينين دامعة وقلب يأن حزنًا على هذا الرجل الطيب الذي لم يجد منه كل خير. وحزن أكبر على صديق عمره الذي فقد في لمحة بصر سنده في تلك الدنيا. "البقية في حياتك يا أحمد، ادعيله يا حبيبي بالرحمة." فخرجت صرخة من جوف أحمد شقت قلب شيكو:
"لاااااا أبويا ما ماتش، لا هو أكيد تعبان بس وهيفوق تاني. هو وعدني إنه هيفضل جنبي، عشان عارف ما فيش حد حنين عليه غيره، ليه بتكدب علي يا شيكو وتقول مات. لا حرام عليك، أبويا عايش مش هيسيبني وحيد في الدنيا دي، ده أنا أتوه من غيره يا شيكو." فبكى شيكو وانتحب قائلًا:
"صلي على النبي كده يا صاحبي، واستغفر ربنا، ده أنت حتى مؤمن وعارف إن لكل أجل كتاب، فاسترجع يا صاحبي وربنا يربط على قلبك. وهات موبايلك أطلع رقم الشيخ مصطفى عشان الغسل." فاسترجع أحمد بقوله: "إنا لله وإنا إليه راجعون." ليتمكن الألم من قلبه حتى استمع إلى صراخ شهيرة وهي تنعى والدها:
"هتسيبني لمين يا بابا، ده أنت مش أبويا بس أنت كنت أبويا وأمي وكل حاجة في حياتي يا حبيبي. كنت ديما بتاخدني في حضنك وتطبطب علي، أعمل إيه من غيرك دلوقتي؟ فبكى أحمد حتى تعالت شهقاته، ونادى بعلو صوته: "شهيرة." لتسمعه شهيرة وتخطو إليه مسرعة لكن حين ناظرته بكت وقالت وصدرها يعلو ويهبط: "بابا مااات يا أحمد، الصدر الحنين راح يا أخويا." فأشار لها أحمد بعد أن مد له ذراعه، لتسرع إليه شهيرة فاحتضنها وبكى ثم همس:
"بس يا حبيبتي، أومال أنا روحت فين، هيفضل صدري مفتوح ليكِ أي وقت وهفضل في ضهرك طول ما أنا عايش." شهيرة بنحيب: "ربنا يخليك لي يا حبيبي، أنا عارفة أنت واخد منه حنيته، بس الفراق صعب أوي." فبكى أحمد وابتعدت عنه شهيرة، ليشير إلى شيكو: "ساعدني أشوفه يا شيكو." ليقوم بمساعدته حتى وصل إليه، فألقى برأسه على صدره وبكى قائلًا:
"حبيبي يا بابا، ما كنتش عارف أن الفراق هيكون بدري كده، ما كنتش خرجت من البيت وقعدت تحت رجلك. هتوحشني أوي يا حبيبي." كانت أشجان تطالعه من على بعد وتبكي لبكائه وهمست: "أحول ولا قوة إلا بالله ربنا يتولاك يا أحمد. عندك حق تبكي بدل الدموع دم لأن الراجل ده كان بيحميك من الشياطين اللي هنا ودلوقتي للأسف هيتفتح عليك نار جهنم منهم. ولو أطول أخبيك في قلبي كنت خبيتك لكن للأسف ما فيش في ايدي حاجة يا ابن الناس."
نظرت زينب إلى أشجان بحدة ثم اقتربت منها وقالت بصوت يشبه فحيح الأفعى: "جيتي يا وش الفقر، من ساعة ما دخلتي بيتنا والفقر مسكه، وصدقتِ تغوري يوم من وشي وش ابني اللي مش طايقك تقومي تيجي تاني." زفرت أشجان بغصة مريرة: "الواجب اللي جابني يا مرات عمي وبعدها هرجع لبيت أبويا تاني عشان ترتاحوا من خلقتي." فهددتها زينب:
"اعمليها يا بت إبتهال وهتلاقي جاب بدالك ست ستك، الظاهر أمك ما عرفتش تربيكِ وأنا هربيكِ من جديد. بس عشان غلاوة عيال الغالي شفيق، ما فيش بيت أبوكِ تاني، ما فيش خروج من هنا غير على قبرك، فعيشي بلقمتك." فأطلقت أشجان لدموعها العنان، بكل ما أوتيت من قوة، فظنوا إنها حزينة على عمها الراحل ولكنها تبكي نفسها وعمرها الذي ذهب هباءًا مع زوج أناني لا يحب إلا نفسه، وحماة ظالمة تسأل الله أن يصيبها في أعز ما تملك.
أما عفاف والدة تميم فكانت تنزوي بأحد أركان المنزل تبكي على مصابها في أخيها الحنون الذي لم يفتر عن السؤال عنها ومساعدتها على قدر استطاعته. وكانت تتحاشى النظر إلى زينب، لأنها تعلم جيدًا إنها تبغضها وقد أقسمت من ألا تدخل منزلها ولا تجتمع بها ولكنها أحنثت بقسمها بعد موت الغالي، فحضرت من أجل أن تودعه الوداع الأخير بصحبة تميم. ولكن تلك الحية زينب، تأكلت من فرط الغضب لرؤيتها، فأسرعت إليها وقالت بهسيس:
"إيه جابك هنا يا عفاف، مش قلتلك زمان ساعة اللي حصل مش عايزة أشوف خلقتك ولا تدخليلي بيت، ومنك لأخوكِ من بره بره." عفاف بقلب ممزق: "ما هو عشان أخويا جيت أودعه يا أم شفيق. بس قلبي حاسس إن أخويا مات من القهرة منك زي ما قهرتيه زمان على شمس. عملتي فيه إيه يا زينب؟ أنا مش عارفة أنتِ قادرة تاكلي وتنامي إزاي وأنتِ في رقبتك ذنب واحدة غلبانة ما كانش ليها حد غير الغالي الله يرحمه." كادت مقلتا عين زينب أن تخرجا
من شدة الغضب وقالت بحدة: "ده ذنبها هي يا عفاف، عشان اللي بيجي على زينب، عمره ما يكسب أبدًا. ويلا مش شوفتيه يا أختي، يلا مع ألف سلامة عقبال ما تحصليه." فرفعت عفاف نظرها للسماء وقالت: "حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم أنت المنتقم الجبار."
قد علمت بسمة بخبر الوفاة الذي تناقل بسرعة البرق في الحي، فانتهزت تلك الفرصة لتقديم واجب العزاء إلى أحمد في محاولة منه للفت نظره إليها. فذهبت إلى منزلهم تتشح بالسواد، وتحاول جاهدة أن تزرف العبرات باصطناع، فتفاجأت بها أسماء أمامها فجن جنونها وقبضت على معصمها قائلة بهدر: "أنتِ إيه يا بت اللي جايبك هنا؟ عاتبتها بسمة: "فيه إيه يا أسماء، جاية أعمل الواجب فيها حاجة دي؟ حركت أسماء شفتيها بتهكم:
"واجب إيه يا أم واجب امشي يا بت من هنا. بدل وديني لأجرك من شعرك لغاية الشارع." صمتت بسمة على أسنانها بغيظ: "قادرة وتعمليها يا أسماء، بس ده عزا ولو عملتيها هيكون شكلك وحش أوي." كانت زينب تطالعهم من على بعد، وتوجست أن بينهم شيء، فأرادت أن تعلم ما يحدث حتى تكيد إلى أسماء التي لن تنسى ما فعلت بها. فاقتربت منهم قائلة بحدة: "صوتكم طالع ليه احنا في عزا ولا خناقة؟ فبادرت بسمة بقولها:
"ما أنا جاية أعزي يا حجة وأعمل الواجب بس أسماء مش عاجبها وعايزاني امشي." زينب ببرود: "ده بيتي وأنا اللي أقول مين يمشي ومين يقعد." ليخرج أحمد هائمًا من الغرفة بعد أن ودع أبيه مستندًا على شيكو، حتى يبدأ الغسل لأنه لن يتحمل أن يشاهد هذا. فأخذت بسمة تلاحقه بعينيها حتى ولج إلى غرفته. فلاحظت زينب ذلك فأرادت أن تكيد أسماء فقالت:
"بقولك إيه يا بنتي، رجلي مش شيلاني من الحزن، ممكن تروحي عند أحمد تقوليله الدفن هيكون دلوقتي ولا هنستنى للصبح." لمعت عيون بسمة بعد أن جاءتها الفرصة، فقالت: "حاضر يا حجة زينب." فذهبت بسمة مسرعة لتتبعها أسماء تهبد بقدميها الأرض. لتهمس زينب بتشفٍ: "هتتعاركوا عليه عشان دكتور وابن الجمال. لكن لما يتغير الحال هتتغير النفوس أكيد." استأذنت بسمة لتدخل على أحمد، فقام لها شيكو ولم ينظر إليها أحمد، فتجهم وجهها وهمست:
"طيب بصلي ولو نظرة واحدة." شيكو: "نعم فيه حاجة؟ بسمة: "الحاجة بتسأل الدفن امتى دلوقتي ولا الصبح؟ فهمس أحمد: "مستعجلة أوي على الدفن، ده أنا ما شوفتش في عيونها حزن ولو حتى دمعة واحدة." أحمد دون أن ينظر إليها: "قولي ليها الصبح إن شاء الله عشان نصلي عليه الضهر." لتعود أسماء حزينة، بعد أن ظنت إنها ستلفت انتباهه، لتخبر زينب التي امتلأ قلبها بالغيظ وهمست: "لسه هتقعد على قلبي لغاية الصبح يا ابن شمس."
لم تعلم دلال سر تلك الغصة التي اجتاحت قلبها فجأة فرددت: "آه قلبي وجعني ما أعرفش ليه، أنا ما حسيتش الإحساس ده غير يوم موتة أبويا وبعديها جواز أمي من متولي. بس دلوقتي إيه حصل عشان يجيني؟ يا ترى إيه حصل؟ لما أحاول أنام يمكن أرتاح الساعتين دول شوية قبل ما أروح مع الباشا."
فنامت فداهمتها الأحلام. حين شاهدت أحمد كأنه في صحراء قاحلة، يلهث من شدة العطش وينظر حوله ليعله يجد ما يروي عطشه وكلما سار بخطواته يتهيأ له أن هناك ماء ولكن عندما يصل إليه يجده سراب حتى بلغ الجهد به مبلغه ولم يتحمل أكثر من هذا سقط مغشيًا عليه ينازع الموت، فصرخت دلال: "أحمد، أحمد." فاستمع لصوتها المنياوي ففزع وذهب إليها، فوجدها تنازع وهي نائمة، فأيقظها:
"دلال اصحي، أنتِ بتحلمي حلم مزعج. فوقي عشان تعرفي إنه حلم مش حقيقة." ففتحت دلال عينيها واستمعت لصوت المنياوي فأدركت أنها كانت تحلم به، ولكن في آن الوقت شعرت إن هناك خطب ما به وهذا سر تلك الغصة التي شعرت بها فاغمضت عينيها وهمست: "يا ترى فيك إيه يا مولانا، حصلك إيه أكتر ما أنت مدشدش كده. أنا حاسة إن السبب في كل ده هي حلاوتك، أول مرة أشوف شيخ كيوت كده يا ناس." سألها المنياوي:
"دلال هتنامي تاني ولا إيه، لا كفاية قومي عشان أوصلك يلا." فاعتدلت دلال وأجابت: "لا يا باشا صحيت خلاص، يلا بينا."
كتب أحمد منشورًا على صفحة التواصل الاجتماعي إن والده قد انتقل إلى رحمة الله وطلب الدعاء له، فانهالت عليه التعليقات من كل حدب وصوب بالدعاء والرحمة. وعندما هم ليغلق الهاتف لاحظ صورة لملامح امرأة يحفظها عن ظهر قلب رغم أنه لم يرها سوى مرة واحدة. واتسعت عيناه بصدمة، جعلت جسده يرتجف، عندما رآها ملتصقة برجل متقدم في العمر يحاوطها بذراعه وقد كتب بتفاخر: "أعرفكم بصديقتي الجديدة دلال رحبوا بها."
ليشعر بألم في صدره عندما رأى التعليقات التي كتب بها أحدهم: "كل حلو يليق بالباشا، اللي مشرفنا وعمره ما بيكبر أبدًا." اكفهرت معالم أحمد وأطلقت عيناه شرارًا حارقًا وقد تلون وجهه بالحمرة وهمس: "أستغفر الله العظيم، هي وصلت لكده يا دلال؟!
وأنا اللي كنت حاسس بالذنب ناحيتك بسبب أسلوبي اللي كان قاسي معاكِ، وفي الآخر أتفاجأ إنك مصاحبة راجل في عمر أبوكِ عشان الفلوس طبعًا. أستغفر الله العظيم، يا ريتك كنتِ سبتيني أموت في الشارع أفضل من إني أشوفك كده، للدرجاتي هان عليكِ نفسك ورميتيها في الطين كده." ثم تراجع وعاتب ذاته: "وأنا ليه زعلان كده؟ أنا مالي بيها؟ كل واحد بيتحاسب على نفسه، ومفروض ما أقولش غير ربنا يهديها ويا ريت أقدر أنسى إني قابلتها في يوم من الأيام."
ثم خرج من شروده عندما طرق عليه شيكو الباب، يخبره أن عليهم التحرك الآن استعدادًا لدفن والده. ثم اقترب منه وتبعه أيضًا سفيان لمساعدته على النهوض. ليبكي أحمد بين أيديهم قائلًا: "مش قادر أقوم، حاسس إن ضهري خلاص انكسر ومش مصدق أن بابا مات." آزره سفيان: "وحد الله يا أحمد، وادعيله بالرحمة. ومتقولش كده، احنا كلنا جنبك وهتخف بإذن الله وترجع توقف على رجليك من تاني." فردد أحمد بحزن يفتت قلبه:
"لا إله إلا الله محمد رسول الله اللهم صبرًا." ليتحامل عليهم، ويذهبوا جميعًا إلى المدفن أما زينب فلم تذهب معهم بحجة إنها لن تستطيع أن تراهم يضعوا فوقه التراب ولكن الحقيقة إنها تريد أن تأخذ قسطًا من الراحة قبل أن تبدأ معركتها مع أحمد عندما يعود. وأثناء خروج شفيق نظر إلى أسماء بطرف عينه وهمس:
"ما كنتش عارف إنها حلوة أوي كده، كنت خدتها بدل بوز النكد أشجان. بس وماله ملحوقة وأنا أولى بيها من الغريب وكمان أرضي أمي وآخد بتارها منها." انتهى الدفن وعاد الجميع بقلوب وجلة حزينة ما عدا شفيق الذي لم يذرف دمعة واحدة على أبيه. وقام شيكو وسفيان بمساعدة أحمد حتى وصلوا به إلى باب المنزل ومن ثم إلى غرفته. ولكن في تلك اللحظة كانت هناك أعين تنبعث منها براكين الشر. فصاحت بصوت عالي: "استني عندك أنت وهو."
ارتفعت الأعين إلى زينب في اندهاش، وترقب. فنطق شاهين: "فيه إيه يا حجة؟ شفيق بخبث وندالة: "هتعرف دلوقتي يا شاهين، اتكلمي يا حجة." كانت أعين أحمد تطالع زينب بتوتر بعد أن حدثه قلبه بأن هناك مصاب أيضًا كبير بعد مصابه في والده. ليصعق عندما بدأت الحديث باسمه. "أحمد." فطالعها بقلب وجل، فهو منذ الصغر يهابها ويخشى بطشها. تابعت زينب: "أنت ما بقاش ليك مكان وسطينا، ولا ليك ورث." فاتسعت حدقتا أحمد قائلًا بصدمة:
"حضرتك بتقولي إيه يا ماما؟ فصاحت بغدر كشيطان مارد: "أنا مش أمك يا أحمد. وأيوه ما لكش مكان وسطينا بعد النهاردة، ولا ورث عشان أبوك قبل ما يموت كتب تنازل عن كل ممتلكاته لشفيق وشاهين." تدلى فك أحمد للأسفل بصدمة وارتجف قائلًا: "مش أمي إزاي؟ للدرجاتي وصل كرهك لي إنك تحرميني حتى من كلمة أمي. وإزاي بابا اتنازل عن كل حاجة لشفيق وشاهين؟ وفين طيب شهيرة؟ ده يستحيل! زينب بقسوة: "احنا مش بنورث بنات." ثم حدقت سفيان بحدة وتابعت:
"عشان الورث ما يروحش لغريب." صرخ أحمد: "لا يستحيل بابا يعمل كده، عشان كان عارف شرع ربنا كويس. أكيد يا أمي حضرتك غلطانة." زينب بوقاحة: "أنت مش ابني ولا كمان حمدي أبوك. أقولك الحقيقة اللي كنت مخبياها عليك سنين." فوضع أحمد يده على قلبه، الذي لم يعد يحتمل كل تلك الصدمات المتتالية. ضيقت زينب عينيها وتابعت بهسيس شيطاني:
"أنت ابن حرام. ابن حرام وجابك حمدي من الملجأ عشان ياخد ثواب. وعشان كده ما كانش ينفع تورثه مش من حقك. وكتب الورث للي أحق بيه شفيق وشاهين." ارتجفت شفتا أحمد عند نطقه: "أنا إيه؟ ابن حرام؟ ولم يحتمل الصدمة وسقط مغشيًا عليه بين يدي سفيان وشيكو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!