الفصل 19 | من 43 فصل

رواية دلال و الشيخ الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
19
كلمة
4,012
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

نفذت أسماء انتقامها من شفيق الذي قتل روحها عندما اغتال براءتها، فأقسمت ألا تعطيه نفسها وتجعله يذوق مرارة الحرمان ويتعذب بنار الشوق. عندما طردته من غرفته منكسرًا إلى غرفة الأطفال، ألقى بنفسه على التخت يزفر بضيق وكأنه على وشك الاختناق. فقال بمرارة: "لا أنا لو فضلت صاحي كده هيجرالي حاجة، أنا هحاول أنام أحسن." ولكنه لم يستطع النوم ولم يغمض له جفن، وأخذ يتقلب على فراشه كثيرًا كأنه ينام على جمرات من النار. فقال بسخط:

"لا أنا كده هتجنن بجد، إزاي بعد ما اتجوزها تحرمني منها وأنا اللي كنت بحلم باليوم ده. وكمان تحكم عليا أنام في أوضة تانية أنا شفيق الجمال، اللي كلمتي بتمشي على أكبر شنب فيك يا بلد. ماشي يا أسماء بس أتمكن منك وبعدين همشيكِ على العجين متلغبطوش." أما زينب فكانت الأخرى تتلوى كالحية على فراشها حتى قفزت من التخت فجأة. وقالت: "لا مش قادرة أنام وبنت إبتهال تاخد مني ابني أنا لازم أعمل حاجة أكسر فيها فرحتها الليلة."

ثم ابتسمت بمكر وأخرجت مفتاح شقة شفيق وقررت أن تصعد إليهم وتفاجئها بوجودها في غرفة نومها. وبالفعل صعدت للشقة ووضعت المفتاح في الباب، فاستمعت أسماء لصوت المفتاح حيث كانت في طريقها للمرحاض. فدق قلبها سريعًا من الخوف وأسرعت للباب لترى من هذا الذي يفتح عليهم الباب في تلك الساعة، فرأت زينب من العين السحرية. فأطبقت على شفتيها بغل وهمست:

"بقى كده يا حماتي. عايزة تفهميني إنك الكل في الكل وممكن تدخلي عليا أوي وقت براحتك، طيب ماشي." فأسرعت إلى غرفة شفيق. وعندما رآها تهلل وجهه بفرحة. وقال: "كنت عارف إني مش ههون عليكِ." تقدمت منه أسماء وقالت بدلال وهي تجلس بجواره وتمسح على شعره بحنو: "آه طبعًا يا حبيبي مقدرتش أبعد عنك." فحاوطها شفيق بذراعيه واستسلمت له للحظات. حتى تفاجأ شفيق بوالدته فوق رأسه. تقول:

"مش كفاية مسخرة يا بت إبتهال وتتخمدي وتسيبى شفيق يستريح عشان يشوف أشغاله الصبح." ابتعدت أسماء عن شفيق سريعًا. وقالت بتغنج: "رد يا شفيق على الحجة أمك اللي دخلت علينا أوضة نومنا في يوم دخلتنا. أنا مشوفتش قلة حيا للدرجاتي. بس العيب مش عليها عليك يا شفيق عشان سايب ليها المفتاح." فاعتدل شفيق من نومته وأطلقت عينيه جمرات من نار. وصاح في زينب: "إيه جابك يا حجة، يصح كده برده. أنا غلطان اللي ديتك المفتاح."

نزلت فتاة تلو الأخرى من سيارة أحمد. وعندما همت دلال بالنزول من ورائهم استوقفها أحمد. بقوله: "استني عندك رايحة فين؟ دلال بحرج: "هنزل مع البنات، مش قولت هنشتغل وهنلاقي مكان نبات فيه. مفيش أحلى من كده، وتشكر يا مولانا." فزفر أحمد بضيق. وقال بتهكم: "تشكر! ثم استطرد: "دلال أنتِ مش هتنزلِ معاهم، أنتِ هتيجي معايا الفيلا بتاعي." رفعت دلال حاجبيها. وقالت بصدمة: "لا إلا أنت يا مولانا، أجي معاك أعمل إيه؟

أوعى تكون لسه مصدق إني كنت ببيع نفسي." لتجهش بالدموع واستطردت بقهر: "أقسم لك بالله ما حصل وأنا انخدعت والله." نزلت دموع دلال على قلب أحمد كجمرات حارقة لم يحتملها. ويعلم أن قلبه يصدقها، ولكن ما سمعه ورآه منها يكاد يصيب عقله بالجنون. وما يثير غيرته هو خطوبتها لذلك الجاحد، كيف كانت وما كانت تقوله له ويقوله لها، هل أحبته؟

لاااا قلبي المتيم بها لا يستطيع تحمل هذا، فهي لي حتى وإن ظاهري وعقلي يرفض هذا، ولكن ليس على القلب سلطان إلا الهوى. فهتف أحمد بألم يشق صدره لبكائها. وقال بصوت حاد يخالف ما يشعر به: "أصدقك ولا مصدقكيش مش هتفرق. كل الحكاية أن ليكي دين في رقبتي عشان أنقذتيني يوم الحادثة. وعايزة أردّه مش أكتر." فطالعته دلال بعتاب تطل من عينيها بكسرة. وقالت:

"أنت شايف كده يا مولانا، كل اللي ليه عندك دين عايز ترده، لكن مفيش يعني حاجة كده ولا كده مستخبية هنا ولا هنا." نبض قلب أحمد وجاهد حتى يخفي بسمته. فكيف يقول لها أنه متيم بها وهو الشيخ وهي راقصة. كيف تجتمع السماء والأرض وبينهما كل تلك المسافة. لذا اكفهر وجهه. وقال:

"حاجة إيه أنا مش فاهم، أنا قولتلك دين وهسدده، ومتخفيش الفيلا أنا مش لوحدي فيها. فيها عمتي وأمي. بس لازم تعرفي حاجة عن أمي إنها ست كبيرة وللأسف مش طبيعية، يعني عقلها زي الأطفال." همست دلال: "شوف أنا بكلمه في إيه ويقول إيه. هيفهم إزاي ده إني بحبه، ده البعيد لوح. وقال بيقول أمه عقلها عقل عيال، عشان كده طالع زيها مش بيفهم. بس ماشي هروح معاه، أعمل إيه بحبه وبموت فيه، يكش يفهم بالتدريج. يختي جماله حلو، بحبك يا مولانا."

ليقطع حديثها الخافت أحمد بحدة. قائلاً: "هتفضلي تبرطمى كتير كده؟ ها قولتي إيه هتيجي معايا؟ فأطلقت دلال عينيها تتأمل تفاصيله بحب حتى شعر أحمد بالحرج وأخفض رأسه واستغفر. "استغفر الله العظيم. طلعتلي منين دي، أعمل إيه فيها دلوقتي؟ هتجنني ومش قادر أنا كمان أبصلها واحفظ ملامحها." لتقطع شروده دلال: "هو أنا أقدر أقولك لأ يا عم الشيخ، توكل على الله يلا، وأنا معاك."

فابتسم أحمد ثم انطلق بها نحو الفيلا. وعندما وصل وولج للداخل وجد عمته تمشط شعر والدته. فألقى السلام: "السلام عليكم ورحمه الله وبركاته." فالتفت عمته عفاف. وقالت: "وعليكم السلام يا ابني. أخيرا جيت، دي أمك طول النهار مش على لسانها غيرك. ليه بتطول كده يا ابني، وامتى هتيجي تعيش معانا وتسيب بيت عمك، مش كفاية كده؟ فحمحم أحمد بخجل واقترب من والدته وقبل رأسها، فأخذت تحركها كثيرًا وتضحك فرحًا برؤيته. ثم قبل رأس عمته. وقال:

"معلش الظروف يا عمتي." ودلال تراه من بعيد فلم يأذن لها بالدخول بعد. فهمست: "ما أنت حبوب وحنين أهو يا مولانا، امال منشفها عليا ليه كده؟ عفاف بإستغراب: "ظروف إيه يا ابني اللي مقعداك ضيف هناك وسايب ملكك هنا، ده أنا سبت بيتي عشانك وعشان الغالية أمك وحتى تميم رأسه ناشفة زيك ومرضاش يجي يعيش معايا هنا." أحمد بصوت خافت: "يا عمتي خايف أمشي، يقولوا ما صدق هرب من جوازة أشجان." ثم صمت للحظات وتبدلت ملامحه للحزن. واستطرد:

"وده مينفعش، أنا لازم أوفي بوعدي عشان عمي ومراته اللي بتعاملني زي ابنها وأكتر. لازم أرد الجميل." فصاحت عفاف بغضب: "يعني هو لازم رد الجميل إنك تجوز واحد مطلقة يا ابني وأكبر منك." وهنا سمعت دلال كلمة زواج أحمد. فضربت على صدرها. وقالت: "يا مصيبتي يجوز، يعني بعد ما لقيته يجوز ويضيع مني. لاااا مقدرش على كده." فأسرعت إليه ووقفت أمامه وهدرت بصوت حزين: "الكلام اللي سمعته ده صح؟ أنت هتجوز يا مولانا؟

ابتلع أحمد غصة مريرة في حلقه وهي تتوسل إليه بعينيها أن ينفي ذلك. فقد رأى بعينيها شيئًا يجهله، هل هو حبًا حقًا أم مجرد إعجاب؟ فإن كان حبًا فلما ارتبطت بشخصًا غيره؟ فأغمض عينيه بألم. وهمس: "تعبني حبك أوي يا دلال. ولا عارف أعيشه ولا عارف أنساه.. وآخرتها إيه يا بنت الناس، إحنا فعلاً منفعتش لبعض حتى لو مفيش في قلبي غيرك.. وعشان كده." وجد نفسه يقول: "أيوه هتجوز بنت عمي يا دلال. مفيش مبروووك."

فارتعشت شفتيها بمرارة ودمعت عينيها. وقالت: "مبروك. ودلوقتي أستأذن أنا يا مولانا ومتشكرين لغاية كده. واعتبر الدين اللي في رقبتك اتحل خلاص." لتلتفت سريعًا قبل أن تسمع رده، وتخطو خطواتها للخارج. فصاح بها ليستوقفها: "استنى عندك." فتوقفت متخشبة في مكانها، وقد شحب وجهها ودموعها لا تتوقف.

فأسرع إليها ووقف أمامها وجزع عندما رآها على هذا النحو. وود أن لو اعترف بعشقها وضمها لصدره ليطمئنها أن ليس في قلبه سواها ولا يرغب بأحد سواها. ولكن كما لديها دين في رقبته، فدين عمه أقوى وأولى بالسداد. وعليه أن يوفي كلمته وعهده، فالمسلمون على ما هادوا. وليس هو من يقطع عهده ولو على رقبته. دلال بحدة: "نعمين؟ عايز مني إيه تاني يا سيدنا الشيخ، ما خلاص فضناها وقولت حليتك من الدين اللي في رقبتك ليه. فخليني أرجع لحياتي وبيتي."

فغضب أحمد. وقال ساخرًا: "حياتك وبيتك. إيه حنيتي للرقص والمجون اللي كنتِ عايشة فيه تاني." فعقدت دلال حاجبيها. وهدرت قائلة: "لا أنت المجنون، بقولك إيه متشتمش عيب عليك يا مولانا." فابتسم أحمد رغم عنه. فحدقت به دلال. وهمست: "بقى الضحكة الحلوة مليش نصيب فيها وهتروح لغيري، يبختها." "ملكش فيه يا مولانا أرقص أغني، دي حياتي وأنا حرة. وسبني في حالي وروح اتحكم في المحروسة اللي هتجوزها." احمد بصرامة:

"قولتلك مش هتمشي من هنا، هتقعدي مع أمي وعمتي وهجبلك كل طلباتك عايزة إيه تاني." فهمست دلال: "عايزاك أنت يا مولانا. أنا بحبك بس أنت مبتفهمش." دلال: "لا مش عايزة تغور اللقمة اللي بتيجي بكسرة النفس. أنا ماشية." وعندما حاولت المغادرة مرة أخرى، اضطر أن يمسك بمعصمها بقوة. ثم دفعها من ورائها. وأخذت دلال تصرخ وعمته تصيح. قائلة: "فيه إيه يا أحمد ومين دي؟ وليه يا ابني بتكلمها كده وبتجرها وراك ليه؟ أحمد:

"هفهمك كل حاجة يا عمتي بس مش دلوقتي." ثم صعد لأحد الغرف وفتحها ودفعها بها. قائلاً: "أنتِ مش بتسمعي الكلام، وعشان كده هحبسك أنا لغاية ما تتعلمي الأدب يا دلال. وعلى فكرة الأوضة دي فيها حمام، وعمتي هتطلع ليكي الأكل. وهجبلك لبس على ذوقي." فصرخت دلال: "أنت بأي حق تعمل معايا كده؟ أنت تعرفني ولا حد قريبي يا جدع! أنا هبلغ عنك البوليس وأقول خطفني." فضحك أحمد:

"البوليس اللي لسه جايبك منه. اسكتي يا دلال واقصري الشر عشان غضبي وحش. ويلا هسيبك ترتاحي وتنامي وهيكون ليا معاكِ كلام تاني." ولم يدع لها الفرصة للرد وقام بأغلاق الباب بالمفتاح وهبط على السلم. فاستقبلته عمته وعلى وجهها معالم الغضب: "أنا مش مصدقة اللي بتعمله ده يا شيخ أحمد، وإيه كمان جايب بنت في إيدك. هو فيه إيه بينك وبينها يا شيخ أحمد؟ فلمعت عين أحمد بالدموع وهو يجاهد أن يبوح بما تجوبه نفسه. فقال:

"الشيخ أحمد يا عمتي فُتن للأسف ووقع في الحب. وحب مين البنت اللي شفتيها دي وتعرفي كانت بتشتغل إيه؟ فاتسعت عين عمته بفضول. ليلقی على مسامعنا القنبلة: "كانت رقاصة." فضربت عمته على صدرها. قائلة: "يا مصيبتي. أنت اتجننت يا أحمد، حصلك إيه بس. لا دي عين وصابتك يا ابني. رقاصة إيه وبتاع إيه، فوق لنفسك يا ابني وارجع لربك واستغفر. ده أنا قولت هتاخد بنت شيخ المسجد المنقبة وحافظة القرآن." فبكى أحمد حتى فاضت عيناه.

فأشفقت عليه عمته. وقالت بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله. قد كده بتحبها يا ابني." احمد: "آه للأسف، ومش عارف أعمل إيه؟ عفاف بثقة: "تعمل إيه، تجوزها طبعًا على طول يا ابني، عشان اللي بتعمله ده حرام وغلط، تكلمها وتكلمك من غير صفة، ودي بداية خطوات الشيطان، هوب من غير ما تحس تلاقي نفسك واقع في كبيرة من الكبائر والعياذ بالله." اتسعت عين أحمد. وقال بذهول: "اتزوجها؟

إزاي بقولك كانت رقاصة ولسه استغفر الله العظيم جايبها من.. لا مش قادر أكمل عشان قلبي بيقول مظلومة. ده غير إني خاطب بنت عمي. أتزوجها إزاي قولي لي؟ عفاف:

"عادي يا مولانا، ما أنت أكتر واحد عارف الشرع وإن ربنا محلل أربعة. وانت هتجوز أشجان عشان عمك مش حب، فحق قلبك عليك تراضيه هو كمان وتجوز اللي بتحبها. أما عن ماضيها يا ابني، فأنت برده عارف إن ربنا غفور رحيم. المهم هي تكون بتحبك وتسمع كلامك وتتوب لربنا وتكون إنسانة تانية زي ما كنت بتمنى." فتنهد أحمد بحرارة وأمسك برأسه وحركها كثيرًا. ثم قال بتأني:

"مش عارف بجد أعمل إيه، أنا محتار وخايف لو عملتها أظلم أشجان لإني قلبي مع دلال." عفاف:

"يا حبيبي القلب مش عليه سلطان وعشان كده حبيبنا النبي قال لربنا 'هذا قسمي فيما أملك فسامحني فيما لا أملك'. يعني كان بيعدل بينهم في المبيت والكلام الحلو والمعاملة الطيبة لأن ده حق، لكن كان بيميل للسيدة عائشة وبيحبها. فكل اللي عليك إنك تراضي أشجان لأن البنت اتظلمت كتير يا حبة عيني من شفيق ومستنية منك عوض ربنا. أما الغلبانة اللي فوق فمن عصبيتها ودموعها لما سمعت إنك هتجوز فهي بتحبك أوي وأكيد هتغير بس بعقلك وحكمتك هتقدر تمتص الغيرة دي وتتحملها بقدر الإمكان."

فابتسم أحمد وقبل جبينها. وقال: "ربنا يكرمك يا عمتو، مش عارف من غيرك كنت عملت إيه. هونتي فعلاً عليا الموضوع بس لازم أصلي صلاة استخارة الأول. ودلوقتي هروح أشتري شوية لبس لـ دلال وعايز من حضرتك تطلعي ليها الأكل. ويا ريت تحاولي تكلمي معاها وتفهميها وحدة وحدة الأصول اللي تربينا عليها والدين." فابتسمت عفاف: "حاضر يا ابني من عينيه."

ثم غادر أحمد وتوجه بسيارته نحو أحد المحلات القريبة واشترى لها ما يلزمها من ملابس بيتية وخروج ولم ينسى إسدالاً للصلاة. ثم عاد بأدرجه إلى الفيلا وناول ما اشتراه إلى عمته. وقال: "أنا هبات عند شيكو الليلة، يعني هكون قريب لو حصل أي حاجة كلميني يا عمتو، هيجيلك فورًا." عفاف: "حاضر يا ابني متقلقش، روح واطمن وإن شاء الله خير."

ليغادر أحمد ولكن تلك المرة بقلب غير القلب، حيث غزى قلبه الفرح لأول مرة عندما أدرك أنه على وشك الوصول إلى مبتغاه وستكون حلاله في أقرب وقت، وتقر عينيه برؤيتها عن قرب دون خجل. ولكن سرعان من قطب جبينه. وهمس: "بس مش هقدر آخدها في حضني، لأ لسه بدري حتى لو مشتاق ليها أوي. مش هينفع تكون مراتي بالفعل غير لما أتأكد إنها اتغيرت ونست كل الماضي عشان نقدر نفتح صفحة جديدة."

أعدت عفاف بعضًا من الطعام من أجل دلال وحملت ما ابتاعه لها أحمد ثم صعدت به إليها. وعندما اقتربت من غرفتها سمعت بكاؤها وشهاقتها التي لا تتوقف. فرددت: "لا حول ولا قوة إلا بالله. البت دي صعبانة عليا أوي." ثم سمعتها تهمس بغصة مريرة:

"كده يا أحمد يعني يوم ما أشوفك تضيع مني وتقول هتجوز. دي آخرتها يا مولانا وأنا اللي كنت بحلم باليوم ده وبتمناك في كل لحظة. حرام والله حرام، بعد الحب ده كله. وكمان هان عليك تحبسني، ليه فكرني إيه. أنا لازم أتصرف وأهرب من هنا، بس إزاي.. ولو حتى هربت بجسمي، أعمل إيه في قلبي اللي هيفضل معاك يا مولانا." وبينما تبكي سمعت طرق على الباب. فهتفت بحدة:

"أهو رجع أكيد مهونتش عليه، وهيرجع في كلامه ويقول إنه بيحبني ومش هيجوز غيري. طيب أعمل إيه أول ما يقول كده، أقوله أنا كمان بحبك وأحضنه العسل ده ولا أتقل شوية برده عشان ميقولش عليه مدلوقة. بس أتقل إيه، ده أنا بموت فيك يا مولانا." ثم أسرعت إلى الباب. وهتفت: "أحمد أنت رجعتلي صح، افتح يا أحمد. أنا عارفة إني مهونتش عليك، افتح يا مولانا."

ثم سمعت صوت المفتاح يتحرك فنبض قلبها بشدة وارتسم على ثغرها ابتسامة، لتبدل الابتسامة إلى شهقة عندما وجدت عمته. التي بادرت بقولها: "هتفضلي متنحة كده كتير، خدي يلا الأكل من إيدي، عشان أعرف أجيب كيس اللبس اللي جبهولك أحمد." ابتسمت دلال لذكر أحمد، ولاحظت ذلك عفاف. وهمست: "بتحبه أنا متأكدة." ثم أحضرت الكيس ووضعته على التخت. وأشارت إليها: "أهو يا بنتي الحاجة، كلي الأول وبعدين شوفيهم وإلبسي اللي يريحك." فصاحت دلال:

"أنا مش عايزة أكل ولا ألبس أنا عايزة أمشي من هنا." عفاف: "ليه يا بنتي هو فيه حد منا ضيقك وحتى لو أحمد يعني شد عليكِ شوية فهو لمصلحتك، عايزلك الخير وعايز تعيشي حياة كريمة وفي أمان وهيوفرلك كل اللي تطلبيه. فتعوزي إيه تاني؟ فلمعت عين دلال. وقالت بقهر: "مش هيكون ليها الحاجات دي كلها طعم من غيره. أعمل إيه بيها وهو بعيد عني وهيروح لغيري، ده أنا كده هتعذب أكتر. وعشان كده لازم أمشي يمكن لما أبعد أقدر أنساه."

ثم نظرت إلى الباب المفتوح وإلى عفاف. التي فهمت من نظرتها إنها تريد الهرب ولكنها اصطنعت عدم الفهم. ثم وجدتها تسرع نحو الباب. لتلقي عليها ما جعلها تتجمد في مكانها. "هتهربي وتسبيه وهو هيجيب المأذون بكرة ويكتب عليكِ." هذا ما قالته عفاف. لتتجمد دلال في مكانها غير مستوعبة ما تقوله وتتساءل: "أحمد عايز يتجوزني. مولانا عايز يتجوزني؟ معقولة دي، طب إزاي؟ ثم التفتت إلى عفاف. وقالت:

"اللي سمعته ده صحيح، الشيخ أحمد عايز يتجوزني، بجد ولا بتضحكي عليه عشان ممشيش." عفاف: "استغفر الله العظيم وأنا هكدب ليه يا بنتي. أيوه هيتجوزك." دلال بفرحة: "مش مصدقة، طب اقرصيني كده عشان أحس إني مش بحلم. معقولة يعني بيحبني زي ما بحبه. وصرف نظر عن بنت عمه وهيتجوزني أنا." لتطلق زغرودة مطولة لن يقطعها إلا قول عفاف: "مصرفش نظر عن بنت عمه مينفعش طبعاً ده وعد ولازم يوفيه." جحظت عين دلال.

لتشهق بشدة ثم تحاول السيطرة على نفسها. لتقول بصدمة: "إيه؟ يعني إيه الكلام ده؟ هو هيجوز بنت عمه، امال عايز يتجوزني ليه؟ يكونش عايز ياخدني فوق البيعة." ثم اخفضت صوتها. وقالت بمرارة: "إظاهر لسه فاكرني رخيصة. لا يا مولانا أنا مش رخيصة وغالية في نظر نفسي أوي. أنا ماشية وقليله ألف مبروك على بنت عمك وينسى إنه عرفني في يوم من الأيام." ولج أحمد إلى شيكو الذي كان في انتظاره. فرحب به ببشاشة. تعجب أحمد من ببشاشة وجهه. فسأله:

"شكله مبسوط أوي، مش معقول عشان شوفتني يعني عشان أنا معاك كل يوم وبوزك بيبقى شبرين." شيكو: "أنا برده، ده أنا اللي مستحمل تكشيرتك اللي تسد النفس وبقول زي بعضه يا واد يا شيكو إتحمل مكنش أنت تتحمل صاحبك مين هيتحمله." فضحك أحمد: "لا جدع يا صاحبي. بس قولي إيه مالك بجد؟ شيكو: "خلاص فرجت ووفقت نتجوز وكانت شغلانة البنات اللي بعتها دي وش السعد عليه. ياريتك كنت عملتها من زمان." فرح أحمد لفرح شيكو واحتضنه بحب. قائلاً:

"الف مبروك يا صاحبي، ربنا يتمم بخير." شيكو: "عقبالك يا شيخنا، بس أنت يعني مصمم تجوز بنت عمك؟ هو أنا عارف إن المطلقة إنسانة زينا وليها حق تجوز تاني وتعيش حياتها مقولناش حاجة بس أنا حاسس بيك يا صاحبي أنها مش داخلة دماغك ولا بتحبها عشان كده ديمًا مهموم." فاطلق أحمد زفيراً حاراً. وقال: "ده مكتوب يا شيكو والمكتوب مفيش منه هروب." شيكو: "بس القلب برده يا أحمد، كان نفسي تجوز وحدة تحبها عشان تسعدك."

وفي تلك اللحظة وجد عمته تتصل عليه. ففتح سريعًا. فوجدها تقول: "ألحق يا ابني دلال لسه نازلة حالا." احمد بتوتر: "طيب أنا هشوفها." فقام أحمد مسرعًا. ليوقفه شيكو: "هي مين دي يا أحمد." فالتفت أحمد برأسه وابتسم. وقال بعشق: "دي القلب اللي لسه كنت بتكلم عنه." فاتسعت عين شيكو. ثم ضحك بهيسترية: "يا لعبك يا مولانا. أيوه كده، ربنا معاك يا صاحبي. بس لما ترجع تحكي لي بالتفصيل ماشي." احمد وهو يتخطى البوابة بخطى مسرعة وبصوت عالٍ:

"إن شاء الله." ثم عبر الطريق إلى الفيلا التي يقطن بها واختبأ وراء جدار حتى يراها وهي تخرج. وما هي إلا لحظات حتى وجدها تخرج من البوابة، تدور عينيها حولها بارتباك. وما أن خطت خطوات خارجها حتى تجمدت مكانها عندما استمعت لصوته الرجولي الخشن. "على فين العزم يا دلال هانم."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...