الفصل 12 | من 43 فصل

رواية دلال و الشيخ الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
19
كلمة
3,254
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

دلال والشيخ الحلقة الثانية عشر ........ بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله كم من أناس على مدار التاريخ ظنوا في أنفسهم مقدرة على مجاراة الكون في سننه، أو مصارعته في ثوابته، فصنعوا بذلك أفخاخهم بأفعالهم، وكانت نهايتهم الحتمية هي الدليل الكافي على بلاهتهم وسوء صنيعهم. ......

تلونت زينب تلك الأفعى باللون الأسود مثل قلبها، لتبث سمومها إلى سفيان وأخبرته بصاعقة نزلت على قلبه فأهلكته. وهى أن أخته الصغيرة خانت أختها مع زوجها من أجل الحب. إنها حقًا مصيبة جعلت مقلتي سفيان أن تخرج من عينيه وتيبس جسده وشعر بنار تخرج من رأسه وقال بعدم تصديق: أنتِ بتخرفي تقولي إيه يا ولية أنتِ..! لم يعجبها زينب ما تلفظ به فاستنكرت:

ولية يا ابن إبتهال. ماشي مهو لما العيب لما يطلع من أهل العيب ميتسماش عيب. عشان عارفة إبتهال هتجيب إيه يعني غير ناس أنجاس زيك وزي أختك. فصاح سفيان بانفعال: امسكي لسانك عن أمي يا ولية أنتِ وإلا والله أقطعهولك. تشنجت زينب وحركت يديها في الهواء قائلة: أنت بتقولي أنا الكلام ده!! والله لأندمك يا سفيان. وروح يا شملول لأختك وعرضك اللي فوق، وربنا يكفينا شر الفضايح.

فأسرع سفيان إلى أعلى يدعو الله أن تكون تلك العجوز الشمطاء كاذبة. فصغيرته أسماء لا يمكن أن تفعل ذلك به وبأختها وتضع رأسهم في الطين. ولكن كلما اقترب من شقتهم، شعر بالاختناق وكأن الهواء نفد من حوله، حتى وجد أنهار تقف منهارة تبكي على باب شقة أشجان الذي تركته أشجان مفتوح سهوًا منها، عندما استمعت لآخر كلمات شفيق: _أنا هصلح غلطتي وأتجوزك يا أسماء وهطلق أشجان بالثلاثة، مبقتش تلزمني. أنا بحبك أنتِ يا أسماء.

رأى سفيان أخته أنهار على هذا النحو، فتوقف وشعر أن قدميه أصبحت كالهلام لا يستطيع الوقوف عليها من الصدمة. ولكن صوت أنهار الباكي أخرجه من صدمته عندما قالت بقهر: _أسماء يا سفيان كسرت أشجان وكسرتنا كلنا ومش هنقدر نرفع راسنا في وش حد بعد كده.

فصاح سفيان بصوت زلزل أركان المنزل ووصل إلى مسامع أسماء فارتجفت من الذعر وقامت على أثره أشجان تتأوه ألمًا ولكن الألم النفسي أقوى وأشد، زلزل كيانها من الداخل وودت أن لو ماتت قبل أن ترى أختها بين أحضان زوجها. _معش على الدنيا اللي يكسرنا يا أنهار لسه. _إفردي طولك وارفعي رأسك عشان هغسل عاري بإيدي دلوقتِ وبعد ما أخلص عايزك تزغرطي. ثم ولج للداخل كالثور الهائج وعينيه تطلق شرار من شأنه يحرق الذي أمامه.

وعندما رأته أسماء ارتجفت وتراجعت للوراء وقالت بذعر: _لا يا أخويا صدقني مش أنا اللي أعمل كده، ده هو اللي ضحك عليه، منه لله. أما شفيق فتراجع بقدميه للخلف خوفًا من بطش سفيان، ثم أسرع بالركض للأسفل يحتمي بوالدته. التي زينت وجهها بابتسامة النصر عندما رأته فقالت: _ها خلص عليها ابن ابتهال ولا لسه عشان أبلغ ويروح في ستين داهية. ويتقهر سليمان وإبتهال عليهم وأشوف الكسرة والحزن في عينيهم، ياه كنت بتمنى اليوم ده من زمان.

ثم وضعت يدها على كتفه وقالت بامتنان: _تعيش يا ابني اللي نولتلي اليوم ده، أنا كده بردت ناري خلاص. أطلقت عين سفيان نار محرقة وصاح بقسوة: _وأنتِ صدقتيه وخونتي نفسك قبل ما تخوني أختك. ثم استطرد بانكسار: _ليه كده يا أسماء، ده أنتِ بنتي ومربيكي على إيدي! بكت أسماء بقهر وحاولت الدفاع عن نفسها: _والله ما عملت حاجة، أنا مظلومة، هو اللي... قاطع حديثها سفيان بانفعال: _مش عايز أسمع ولا كلمة. ثم انقض عليها،

وحاوط عنقها بيديه وصاح: _مفيش حاجة هتغفر اللي عملتيه ده غير موتك وموته برده على إيدي. أطبق سفيان يده على عنق أسماء بقوة فتلون وجهها بالزرقة واتسعت عينيها وأخذت تلهث. لم تتحمل أنهار رؤية أختها تموت أمام عينيها، فصرخت واقتربت منهم لتنقذها من يده وحاولت نزع يده التي تحيط بعنق أسماء وترجته: _سيبها يا سفيان، دي أسماء حبيبتك. سيبها وربنا سبحانه وتعالى هو اللي هيحاسبها لكن أنت حرام تروح بذنبها. فنهرها سفيان:

_أقسم بالله لو مبعدتيش إيدك لأكون مخلص عليكِ وراها. فبكت أنهار وهي ترى أختها تموت أمام أعينها ولا تستطيع فعل لها شيء. أما أشجان التي كانت شاردة ولا تعي ما حولها من الصدمة استفاقت على صوت صراخ أسماء فأدارت وجهها لترى سفيان على هذا النحو. فلم تتحمل ووقفت رغم ما بها من ألم وكسرة نفس وأسرعت إليه تترجاه: _لا يا أخويا عشان خاطري، يهون عليك أختك تموتها بإيدك وتعيش ندمان العمر كله يا أخويا.

لا سيبها، أرجوكِ دي أسماء بنتك مش أختك وبس. سيبها وخلي ذنبها بينها وبين ربنا ومأظنش أن فيه عقاب أكبر من إنها تتجوز شفيق عشان يستر عليها. ربنا معاها ده أنا مشفقة عليها والله، سيبها يا أخويا أبوس إيدك. فدمعت عين سفيان بالدموع ونظر إلى أشجان بشفقة وقال: _أنتِ اللي بتقولي كده يا أشجان، ده أنتِ اللي مفروض تخنقيها بإيدك. أشجان بغصة مريرة: _دي أختي ومهما عملت قلبي ميقساش عليها ويسامحها.

فترك سفيان أسماء تلهث بشدة لتستعيد أنفاسها. امتلأ قلب زينب بالفرحة لما حدث بعد أن ظنت إنها أخيرًا انتصرت على سليمان وقضت على أعز ما يملك انتقامًا منه. زينب بتشفٍّ: _تعال ورايا يا شفيق نشوف سفيان خلص ولا لسه، عشان نتصل بالبوليس وتبقى الفضيحة على عينك يا تاجر. شفيق برعب: _لا مقدرش أطلع ده، لو شافني هيقتلني زي أسماء. فصاحت زينب: _يقتل مين! ميقدرش حد يمس شعرة منك وأنا موجودة، هي سايبة ولا إيه. تعال ورايا بقول!

فاستمع شفيق لها رغمًا عنه وخطا بخطى سلحفاة من ورائها وتعالت نبضات قلبه من الخوف. حتى وصل إلى شقته، فدلفت زينب للداخل وعلى وجهها ابتسامة مشرقة، لتتفاجأ بما لم تتوقعه. حيث رأت أشجان وأنهار يطوقان أسماء بذراعيهم وعيونهم تشع بالحب والحنو نحوها. وقد حدثتها أنهار: _خدي نفسك يا أسماء واحدة واحدة، وقومي معايا ريحي على السرير. ورأت سفيان يضع يده على رأسه وعينيه تمتلئ بالدموع. فتعاظم الحقد في قلبها وصاحت بغل:

_كويس عملت بنصيحتي يا سفيان ومخلصتش عليها، بس يعني لا مؤاخذة هتمشي موطي رأسك بين الناس، يلا معلش مسير الأيام تعدي والناس تنسى. ثم استطردت بتهكم: _بس ياعيني هتقعد جنب أمها عشان مش هتلاقي حد يجوزها بعد عملتها السودة دي. فقبض سفيان على يديه بقوة وضرب الحائط وتلونت عينيه ببراكين الغضب ثم استدار إلى زينب وصاح: _مهو أنتِ لو عرفتي تربي ابنك مكنش ده حصل.

لأنه مفروض هو راجل وهي بنت عمه يعني دمه وشرفه وهو أكثر واحد مفروض يحافظ عليه. فهاجمته زينب وقالت بحدة: _هو ده اللي قدرت تقوله يا ابن إبتهال، سبت الحمار وبتشطر على البردعة. ده أنا كنت بحسبك راجل وهتخلص عليها عشان ترفع راسك بين الناس بس إظاهر أخرك كلمتين ملهمش لازمة. ثم استطردت بجمود: _ويلا اتفضلوا من غير مطرود، وخد أختك الخاطية معاك. وإياك تجيب سيرة ابني على لسانك تاني.

ده راجل يا حبيبي، مهما عمل اسمه راجل، أما العيب فعلى أختك اللي جتله برجليها لما عرفت أن أختها مش موجودة. فصاحت أسماء بغصة مريرة: _كدب كدب، هو اللي اتصل بيه وقال أجي عشان أراضي أشجان ومتسبش بيتها ولما جيت شربني عصير ومدرتش بنفسي ساعتها وفوقت على المصيبة دي. ثم أخذت تضرب وجهها بيديها وتصرخ بألم، فطالعها سفيان بحزن ولوهلة شعر إنها صادقة فيما تقوله. فالتفت إلى شفيق وغابت عينيه بقتامة وانقض عليه يمسك

بعنقه فصرخت زينب وقالت: _سيب ابني يا مجرم واتشطر على أختك. صاح سفيان به: _عملت كده ليه يا شفيق، أنت إيه شيطان، معندكش أي ذرة ضمير. هان عليك بنت عمك تضيع مستقبلها وهي لسه عيلة. حاول شفيق إخراج صوته بصعوبة وقال: _لحظة شيطان يا سفيان، بس هصلح غلطتي وهطلق أشجان وأتجوزها. وقعت تلك الكلمات على قلب زينب كالجمر فصاحت بغل: _تتجوز مين يا زفت، تتجوز واحدة فرطت في نفسها يا نطع. يستحيل ده يحصل. فردد شفيق:

_لا يا حاجة معلش عشان خاطري دي بنت عمي برده. صمتت زينب على أسنانها بغيظ: _مهي أشجان برده بنت عمك وأم عيالك يا نطع. شفيق: _لا أشجان راحت عليها وهي طالق مني بالثلاثة وهتجوز أسماء. سرى في جسد أشجان الفرحة وأطلقت زغرودة ابتهاجًا بطلاقها وخلاصها من هذا اللعين. ولكنها نظرت إلى أسماء بشفقة وهمست: _يا عيني عليكِ يا أسماء منه ومن أمه وأنتِ لسه عودك طري يا قلب أختك.

فحدقت أسماء شفيق وزينب بغضب وأقسمت أن تنتقم منهم مما فعلوه بها. ترك سفيان شفيق ونظر إلى أسماء بحزن قائلًا: _مبروك عليكِ شفيق يا أسماء. ثم نظر إلى أشجان بشفقة قائلًا: _لمّي هدومك وهدوم عيالك وهاتي أختك وحصليني على بيت أبوكِ يا أشجان. ثم غادر سريعًا، لتضم أنهار أشجان إلى صدرها وتبكي، فبكت أشجان حتى تعالت شهقاتها. أما أسماء فوقفت وانضمت إليهم باكية ثم قالت مشيرة إلى أشجان:

_وحياة دمعتك الغالية دي يا أشجان، لأخد حقك من شفيق وأمه. ثم بكت بمرارة وتابعت: _أما أنا فربنا يتولاني برحمته ودي جزاتي عشان مكنتش بفكر غير في الوجهة الاجتماعية والجاه، أديني في الآخر هاخد شفيق. استمعت همت لأذان الظهر فأخذت تردد من ورائه ثم قالت بعد الانتهاء: _اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته. فسألتها دلال:

_ليه يا حجة بتقولي ورا الآذان كده وإيه الدعاء ده؟ ابتسمت همت وقالت: _عشان يا بنتي، سيدنا محمد أمرنا بكده وأنه سبب في دخول الجنة وقال في الحديث: (قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو) فرددت دلال:

_صلى الله عليه وسلم، أنا أول مرة أعرف. شكلي هتعلم حاجات حلوة كتير من حضرتك. همت: _يا ريت عشان أخد أجر وأحس إني عملت حاجة مفيدة ربنا يغفر بيها ذنبي قبل ما أموت. دلال: _بعد الشر عليكِ. همت: _لكل أجل كتاب يا بنتي وهاتي يلا مية أتوضى وأتوضي أنتِ كمان عشان تصلي بيه جماعة، ويا ريت تسنديني أقعد. ابتسمت دلال: _عيوني. ثم استطردت بحرج: _بس أنا مبعرفش أصلي، متعلمتش للأسف وقليل لما كنت أشوف أمي بتصلي. فاستغفرت همت:

_استغفر الله العظيم، ليه كده بس يا بنتي. على العموم ملحوقة، وأنا هعلمك كل حاجة. بس هاتي ورقة وقلم هكتب ليكِ الفاتحة وسورة قصيرة، عشان تقرئيها وأنتِ بتصلي لغاية ما تحفظيها. ولما أتوضى بصي عليَّ بعمل إيه واعملي زيي.

فأومأت دلال لها وذهبت لإحضار الماء، وتوضأت همت ثم فعلت مثلها، وقامت لتصلي وهي تقرأ الفاتحة من الورقة ومع كل كلمة كان ينبض قلبها بشدة، وعند السجود وجدت نفسها تبكي وتدعو لوالدتها بالشفاء وأن يلهمها الله الخير ويغفر لها ولم تنسَ أحمد فدعت الله أن يجمعها به. انتهت دلال من صلاتها فنظرت إليها همت والابتسامة تزين ثغرها: _ما شاء الله بتتعلمي بسرعة ذكية يا بنتي. وبصي كده على شكلك بالحجاب في المراية زي القمر إزاي.

فذهبت دلال مسرعة إلى المرآة لتنظر إلى نفسها، فابتسمت وقالت: _فعلًا شكلي حلو، بس صراحة فكرة إني أغطي شعري دي صعبة عليَّ وحاسة الحجاب بيخنقني. همت: _كل حاجة في البداية صعبة وبنتعود عليها، وأنا مش هغصبك، هسيبك لما تيجي تقولي عايزة أتحجب بنفسك. لأن الحجاب نعمة وستر للبنت يا دلال ويحفظك من العيون. أدركت دلال حقيقة ما قالت وأنها بالفعل تعرضت للأذى كثيرًا بسبب ملابسها الكاشفة. ولكن لم يكن عندها الجرأة لتتخذ هذه الخطوة بعد.

ولجت أشجان بطفليها إلى بيت أبيها والحزن قد أطفأ وجهها وكأنها في الستين من العمر وليست سبعة وعشرين عامًا أي ما زالت في ريعان شبابها. ومن ورائها أسماء تتخبط في مشيتها وقد تلونت عينيها بالحمرة من كثرة الدموع ولم ترَ أمامها سوى سواد يحيط بكل الاتجاهات. ويتقدمهم سفيان الذي صاح بقهر: _كل واحدة فيكم على أوضتها، ومتخرجش منها والأكل والشرب هيطلع ليكم فوق. استمع سليمان وإبتهال لما قاله سفيان فخرجا مسرعين. صاح سليمان:

_فيه إيه حصل يا سفيان يا ابني وما لهم أخواتك. وأشجان داخلة بشنطة هدومها ليه؟ إيه مفيش فايدة من شفيق مد إيده عليها تاني؟ لم تتحمل إبتهال صمته فصاحت بذعر: _ما تتكلم يا ابني، وأسماء مالها هي كمان؟ فحاول سفيان استنشاق الهواء بعد إحساسه أنه قد شارف على الاختناق فخرجت حروفه بصعوبة: _ماما، بابا، شفيق طلق أشجان لأنه بيحب أسماء وعايز يتجوزها وهي موافقة.

تيبس جسد سليمان من المفاجأة ولم يشعر بجسده فهوى به على المقعد الذي من ورائه. أما إبتهال فصرخت ونفت ذلك قائلة: _إيه الجنان اللي بتقوله ده يا سفيان، طلق مين وعايز يتجوز مين، قول كلام يتعقل. أخفض سفيان رأسه بخزي وردد: _هو ده اللي حصل وهيجي بكرة عشان يدي أشجان حقوقها ويتكلم على أسماء. انفعلت إبتهال: _هو لعب عيال يسيب دي وياخد دي. طيب طلق أشجان في داهية خلصنا منه ومن قرفه.

لكن يتجوز أسماء ويعمل فيها اللي عمله مع أشجان لا ده يستحيل. وكمان أسماء لسه صغيرة ولسه بتتعلم. فصاح سفيان بغضب: _بس هي موافقة وتقدرِ تسأليها. ثم استدار سريعًا قبل أن تلاحظ تلك الدمعة التي هربت من جفنيه. ولكن سليمان رآها وشعر إنها جمرة نار نزلت في قلبه فأحرقت جسده، وفطن لما حدث وأدرك أن زينب قد انتقمت منه في أعز ما يملك. فوضع يده على وجهه وأخذ يردد: _لا حول ولا قوة إلا بالله.

يا ريتها كانت خدت حقها مني أنا وبناتي لااااااا. ثم وقف متصلبًا وسار نحو سفيان ووضع يده على كتفه وقال بعين مقهورة تتمنى أن ينفي ما يدور بخلده: _حصل اللي بفكر فيه يا سفيان؟ ارتجف سفيان وتوقفت الكلمات في حنجرته ولكن بكى وتعالت شهقاته. فلم يستطع سليمان التحمل وخطا خطواته للخارج متوجهًا نحو زينب.

في تلك اللحظة كانت زينب في غرفتها تدور حول نفسها وتضع يدها على رأسها في محاولة تخفيف ذلك الألم الذي ينهش بها بعد ارتفاع ضغط الدم عليها جراء عصيان شفيق لها وزواجه من تلك الأفعى الصغيرة التي أهانتها من قبل. وخسارتها أمام سليمان بزواج شفيق من أسماء بعد أن أرادت لها الموت على يد شقيقها، ثم حبسه وبهكذا تكون انتقمت من سليمان وردت له الصاع صاعين ولكن انهارت كل أحلامها بزواج شفيق من أسماء.

وبينما هي كذلك استمعت لصوت من ورائها تعلمه جيدًا، صوت ما زال يحرك قلبها رغم مرور كل تلك السنوات. صاح سليمان بصوت حزين مقهور على فلذة كبده التي استحوذ عليها الشيطان شفيق واستحل عرضها وهدم حياتها وأحلامها: _ارتحتِ دلوقتِ يا زينب، وهديتِ وانتقمتِ لنفسك. استدارت زينب له وأخذت تطالع تقاسيم وجهه بحب، فبرغم تلك الخطوط التي نقشت وجهه ببراعة من أثر الزمن لكن ما يزال وسيمًا كما رأته أول مرة.

ابتسمت زينب واقتربت منه كثيرًا حتى أصبح لا شيء يفصل بينهم واختلطت أنفاسهم. فقالت بنعومة: _مفيش حاجة أبدًا هتريحني يا سليمان غير إنك تكون معايا. ثم حاولت لمس وجهه قائلة بلهفة وشوق: _أنا لسه بحبك يا سليمان وعايزك، ودلوقتِ اللي كان بينا راح، وممكن نتجوز ونعوض اللي راح في الباقي من حياتنا. فدفع سليمان يدها بقوة ألمتها وصاح بغضب: _أنتِ اتجننتِ يا زينب، عايزة بعد العمر ده كله أتجوز على ابتهال حب عمري وعشرة السنين ومن مين!

_من أكثر ست بكرهها في الدنيا. أنا عمري ما حبيتك بالعكس شايفك أنتِ والشيطان واحد، ومش بس كده يا زينب عشان افتريتِ بزيادة من أول اللي عملتيه في شمس لغاية اللي عملتيه في أحمد ودلوقتِ بنتي. وحاسس أن قريب أوي ربنا هتشوفي نتيجة أفعالك عشان ربنا سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. قال كلماته تلك وتركها غادر وهو يردد (حسبي الله ونعم الوكيل)

وأخذ يكررها كثيرًا حتى شعرت زينب بألم ينتاب قلبها وأن قدميها لم تعد تحملها فتراجعت للوراء حتى سقطت على التخت، فالتقطت الهاتف لتتصل لشفيق وهي تلهث: _إلحقني يا شفيق بسرعة بدكتور. شفيق بذعر: _مالك يا حاجة فيكِ إيه؟ ولكنها لم تجبه بعد دخولها في إغماءة. فأسرع شفيق إليها بقلب يرتجف وعندما رآها على هذا النحو، حملها وأسرع بها إلى المستشفى ومنها إلى غرفة العناية المركزة وعندما خرج الطبيب.

أسرع إليه شفيق وشاهين الذي جاء مسرعًا بعد محادثة شفيق له. شاهين: _أمي عاملة إيه يا دكتور دلوقتِ، طمني الله يخليك. الطبيب: _الحاجة عندها للأسف عندها قصور في الشريان التاجي ومحتاجة تدخل جراحي سريع عشان ننقذ حياتها وجيت أخد منكم إقرار بالموافقة. شفيق: _موافقين طبعًا، بس تقوم بالسلامة. الطبيب: _دعواتكم. شاهين: _ربنا كريم. لتمر ساعتان وخرجت زينب نحو العناية المركزة مرة أخرى. أقبل شاهين يسأل الطبيب عن حالتها. الطبيب:

_هي حاليًا في حالة حرجة، بس بإذن الله مع الوقت هتتعافى. شفيق: _يعني هتقدر تخرج إمتى يا دكتور؟ الطبيب: _مش قبل أسبوع إن شاء الله. وجود شخص واحد في حياتك يحبك بصدق قادر على تخفيف كل ما تعانيه بكلمة واحدة أو لمسة حانية. ولج سفيان إلى غرفته محملًا بالهموم، مبعثر الهيئة وكأنها أصبح كهلًا في الستين من العمر. صدمت شهيرة من هيئته، فأسرعت إليه قائلة بلهفة: _سفيان مالك فيه إيه؟ سفيان بجمود:

_مفيش حاجة، أنا محتاج أستريح بس، هاخد حمام وأطلع أنام. وعندما استدار ليسير نحو المرحاض وجد من تحتضن خصره من الخلف، فأغمض عينيه مستسلمًا لهذه المشاعر الضارية التي افتقدها كثيرًا معها. همست شهيرة بعشق: _لما تكون مضايق مش هتلاقي أحسن من حضني ترمي فيه همومك. فالتفت لها سفيان يطالعها بحب قائلًا: _بجد يا شهيرة! يعني أقدر أدفن نفسي في حضنك وألاقي الراحة اللي كنت بتمناها من زمان.

فأومأت له شهيرة، فاحتضنها بقوة ثم شعرت بسائل على كتفها، فنظرت فإذا هي دموعه، فدق قلبها بشدة وأخذت تمسح على خصلات شعره بحنو قائلة: _إهدى يا حبيبي وكل مشكلة ليها حل بإذن الله. تنهد سفيان: _يا ريت بس خلاص اللي حصل. ابتعدت عنه قليلًا شهيرة وتساءلت: _بس قولي حصل إيه يمكن أقدر أساعدك. فضمها سفيان سريعًا وقال: _هش أنا مش عايزة حاجة دلوقتِ غير حضنك ده أنسى بيه العالم كله.

عاد أحمد إلى منزل عمه في تلك الليلة وعينيه تلمع بالسعادة لأول مرة بعد كل تلك الليالي الذي نام به والدموع تبلل وسادته من الحزن. فأخيرًا سيكون له شأن بين رجال الأعمال، فما أجمل عوض الله الذي جاء على يد صديقه شيكو. وعندما دلف للداخل وجد زوجة عمه قد انكمشت ملامحها حزنًا وتضع يدها على إحدى وجنتيها ولسانها ينهج لذكر الله: _استغفر الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يا رب افرجها على بناتي. فتعجب أحمد وجلس بجانبها وقال

بصوت رجولي أجش به حنو: _خير يا مرات عمي، مالك قاعدة زعلانة كده؟ تنهدت ابتهال بغصة مريرة قائلة: _أشجان يا ابني أخوك الله يسامحه طلقها عشان ياخد أسماء قال إيه بيحبها. يا عيني عليكي يا أشجان مش كفاية شافت المرار معاه السنين دي كلها واتحملت الضرب والإهانة عشان خاطر عيالها. يجي في الآخر يطلقها وكمان يتجوز أختها. فتدلى فك أحمد بأسى وهو يستمع إليها غير مصدق ما تقول، فكيف يكون شفيق بكل تلك القسوة.

ولكن لا عجب من ذلك فهو ابن من؟ ابن زينب. زفر أحمد بضيق: _لا حول ولا قوة إلا بالله. مقدرش أقولك غير الكلمة اللي بتطبطب على النفس وهي (لعله خير) يا مرات عمي. مش يمكن ربنا حب يرفع عنها البلاء ويعوضها براجل تاني يقدرها. فأومأت إبتهال برأسها واستطردت: _يا ريت يا ابني. بس تفتكر مين اللي ياخد واحدة مطلقة بعيالها، صعب يا ابني في مجتمعنا ده. أحمد: _مفيش حاجة تصعب على ربنا سبحانه وتعالى ومفيش في إيدينا غير نقول يا رب. إبتهال:

_يا رب. عقد أحمد حاجبيه واستطرد باندهاش: _بس إزاي يتجوز أسماء! أسماء أكيد مش هتوافق وهي عارفة طبعه واللي عمله في أشجان. حركت إبتهال رأسها باستياء: _لا يا ابني موافقة وده اللي هيجنني، معرفش إزاي تقبل على نفسها كده. تعجب أحمد وهمس: _معقول تكون هي كمان بتحبه. بس إزاي، الموضوع ده فيه إنَّ. إبتهال: _يا ريت يا ابني تدعيلهم وأنت بتصلي ربنا ينور بصيرتهم. أحمد: _حاضر عيوني. لم تفتر أشجان عن الدموع طوال الليل

حتى تعالت شهقاتها متمتمة: _يا رب الصبر من عندك، عشان تعبت أوي واتظلمت كتير وضاع عمري من غير ما أحس بيه وخلاص كده انكتب عليَّ العمر كله أعيش ودمعتي على خدي، ووظيفتي أربي عيالي وبس، منك لله يا شفيق. وبينما هي تبكي، مر أحمد أمام غرفتها ففزع من صوت بكائها، فطرق الباب قائلًا بهمس: _أنتِ كويسة يا أشجان، فيكِ حاجة تعبانة، أكلم سفيان ونوديكِ للدكتور؟

تلفظت أشجان اسمه بعذوبة "أحمد" ودبت قشعريرة في جسدها ثم وضعت حجابها بغير إحكام وأسرعت لفتح الباب. وأخذت تطالعه بحب، فأخفض رأسه حياءً. دفعة من الأدرينالين المتحمس تدفقت في دمائها لرؤيته فقالت: _بقيت كويسة لما شوفتك يا أحمد. خجل أحمد من كلماتها الجريئة، فهو منذ وقت طويل يشعر في عينيها الكثير نحوه وكلما حاول أن ينهرها عن ذلك فهي زوجة أخيه، تماسك وكتم ذلك مبررًا:

_كفاية اللي بيعمله فيها شفيق، مش هكمل عليها أنا طول ما هي متخطتش حدودها معايا وربنا يهديها. حاول أن يلهيها عنه وقال: _أشجان أنا عرفت اللي حصل ومش عايزك تزعلي، وفكري في اللي جاي وفي ولادك. وادعي ربنا يعوضك براجل يستاهلك ويكون حنين على ولادك. فحدقت أشجان النظر به وهمست: _ياااه لو كان العوض هو أنت يا أحمد! ونعوذ بك من الرياء الخفي، والعمل من أجل الظهور لا من أجلك يا ربي، ونعوذ بك من قلة الإخلاص وفقدان الدليل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...