الفصل 4 | من 8 فصل

رواية دموع على ارض الصعيد الفصل الرابع 4 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
45
كلمة
2,447
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

نزلت روح من السيارة ببطء، تتفحص بعينيها المكان الذي وقفت فيه لأول مرة. بجوارها رحمة، ملامحها شاحبة وتبدو مرهقة، بينما كان كاسر يتابع خطواتهما بصمت، وأدهم يسير خلفهم وهو يمسك بذراع زوجته بعناية. ارتفعت أنظار روح إلى القصر الضخم. كان شامخاً كأنه لوحة معمارية من زمن فات، مزخرفاً بلمسات قديمة تنبض بالفخامة. الفناء واسع تتوسطه نافورة ساكنة، وصوت المياه المنسابة منها يضفي سكينة غريبة رغم توتر الجو.

ما إن دلفوا إلى الداخل حتى ظهرت سيدة مسنة ذات وقار وهيبة، تحمل نظراتها حناناً خاصاً. أسرعت نحو رحمة واحتضنتها بقوة، ثم قالت: "حمد لله على السلامة يا بنتي… نورتوا البيت كله والله.. تعرفي أنا هعمل ليلة لكل أهل البلد حلاوة رجوعك.. جوليلي عامله أي دلوجتي." ابتسمت رحمة بتعب، ثم ردت بصوت خافت: "الله يسلمك يا تيتة.. أنا بجيت كويسة اهه الحمد لله." أشار أدهم نحو روح وهو يتحدث بهدوء:

"دي روح… هتكون مع رحمة الفترة الجاية تراعيها وتساعدها." نظرت الجدة إلى روح طويلاً، ثم ابتسمت وقالت: "ونعم البنت... شكلها طيب جوي.... البيت بيتك يا بنتي ال بيوجف جمب ولادنا… يبجى مننا." ابتسمت روح بأدب وقالت: "شكراً يا حجه. أنا اهنيه بس علشان أساعد مدام رحمة لحد ما تجوم بالسلامة." لكن لم يلبث هذا الهدوء أن انكسر، حين خرج صوت أميرة من أعلى الدرج وهي تقول بامتعاض: "يعني إي؟! هي دي هتجعد فوج معانا...

تبجى جمب أوضنا اكده عادي." اتجهت الأنظار إليها، لكن قبل أن تتحدث الجدة، قال كاسر بصرامة: "أميرة… اسكتي انتي.. مش عايز اسمع صوتك." سكتت أميرة وهي تكتم غضبها. فتقدم كاسر نحو روح وقال: "تعالي أوريكي أوضتك." سارت روح خلفه عبر الممر الطويل في الطابق العلوي، مرت بعدة أبواب حتى توقفت عند إحداها. فتحه وأشار إليها بالدخول، ثم قال: "أوضتك اهنيه… وأوضة رحمة جمبك وأنا أوضتي الناحية التانية لو احتاجتي أي حاجة جوليلي."

أومأت برأسها ولم تتكلم. بينما خرج كاسر وأغلق الباب خلفه. فتقدمت روح بخطوات بطيئة داخل الغرفة. كانت بسيطة الترتيب لكنها دافئة، ذات نوافذ تطل على الحديقة الخلفية. الستائر البيضاء تتحرك مع نسمات الهواء الهادئة. فوقفت في منتصف الغرفة ونظرت إلى الجدران، ثم همست وكأنها تخاطب قلباً غائباً: "خلاص يا فرات… حقك هيرجع.. وجريب جووي.. أنا مستحيل اسمح إن حد فيهم يا يعيش مبسوط... بجيت في وسطهم وهجتلهم واحد واحد."

في تلك الليلة الهادئة ظاهرياً، كانت العاصفة تزمجر داخل غرفة رحمة، التي وقفت هناك في صمتٍ ثقيل تراقب أدهم وهو يخلع قميصه أمام الخزانة، وجسده مشدود كوت على وشك الانفجار. ونظراته لا تعبر سوى عن الجفاء والضيق. فتقدمت رحمة نحوه بخطوات خافتة، ومدت يدها إليه بحذر. لكن قبل أن تلمسه، استدار فجأة وأبعد يدها بقسوة وهو يهتف بانفعال: "أوعي تلمسيني فاهمه." تراجعت رحمة للخلف بصدمة، وعيناها تتسعان في ذهول. فواصل

أدهم بصوت ممتلئ بالاحتقار: "أنا بكرهك… بقرف منك… ومش عارف أنا ليه مستحمل دا كله والله العظيم." كانت كلماته كالسكاكين تقطع أوصالها في صمت. لكن رغم ذلك، تقدمت نحوه ثانية ودموعها تنساب بصوت مبحوح: "أنا عملتلك إي؟! جولي بس… أنا بحبك والله العظيم بحبك انت ليه بتعمل معايا اكده." نظر إليها باحتقار وهو يرد ببرودٍ قاتل: "بس أنا بكرهك... مش بحبك ولا طايج ابص في وشك ولا طايق حتى نفسك."

تكسرت الدموع في عينيها أكثر، وتعلقت بنظراته المنفرة كأنها تبحث عن ذرة رحمة. وهتفت: "طب جولي أعمل إي... أنا مستعدة أعمل أي حاجة علشان ترضى." صرخ أدهم فجأة وكأن شيئاً انفجر بداخله: "مفيش حاجة هترضيني منك... مفيش أي حاجة هترضيني... علشان أنا أصلاً مش عايزك! تجمدت رحمة في مكانها، ثم همست في انكسار وهي تبتعد عنه: "خلاص… مدام مش عارفة أسعدك… طلجني."

وهنا انفلت صبره تماماً، واندفع نحوها كمن انقض عليه شيطان، وصفعها بقوة على وجهها. فسقطت أرضاً، ثم أمسك بشعرها وشدها بعنف مزمجراً في وجهها: "عايزة تطلجي علشان أخسر الـ 5 مليون مؤخر ال أخوكي خلاني أكتبهم يوم جوازنا… علشان أخوكي يخربلي كل شغلي ويبهدلني في السوق صوح... دا ال انتي عايزاه.... أنا كرهتك… وعمري ما كرهت حد في حياتي زيك والله."

كانت رحمة تبكي بصوت خافت، تتوسل بنظراتها لكنها لم تنطق. وفجأة… دوى صوت طرقات على الباب، فتجمد أدهم في مكانه. ثم أفلت شعرها بسرعة، وهتف وهو يلتقط قميصه ويرتديه على عجل: "جومي… جومي بسرعة. يلا." نهضت رحمة وهي تمسح دموعها بظهر كفها المرتعش، ووقفت خلفه تترنح. ففتح أدهم الباب، وكانت الواقفة هناك… روح، التي نظرت إليه بشك ورددت: "العلاج يا مدام رحمة.. دا ميعاده.. انتي كويسة... شكلك تعبان جوي." نظرت رحمة بتوتر وهتفت:

"أنا كويسة جوي مفيش حاجة.. تعالي اتفضلي يا روح." وفي صباح يوم جديد… كان صباحاً هادئاً على غير العادة. النسيم يتسلل برقة من النوافذ العتيقة، يلامس الستائر البيضاء فتتمايل بخفة. فخرجت روح من غرفتها ترتدي عباءة بسيطة، وخطاها تتجه نحو الممر الطويل، تتأمل الزخارف القديمة والأبواب الخشبية الضخمة، وتتمهل عند كل ركن كأنها تبحث بين تفاصيله عن أثر… عن خيط يقودها إلى الحقيقة.

حتى نزلت إلى الطابق السفلي، فسمعت صوت أواني وأحاديث ناعمة قادمة من جهة المطبخ. واقتربت بخطوات حذرة حتى وصلت إليه، فوجدت عدداً من العاملات منشغلات في تجهيز الإفطار. وبادر بعضهن بالنظر إليها، فتقدمت روح بخطوات ودودة وابتسمت قائلة: "صباح الخير يا بنات… تحبوا أساعدكم في حاجة." تبادلت العاملات النظرات قبل أن ترد إحداهن بابتسامة بسيطة: "صباح النور يا هانم… دا نورك والله ربنا يعزك إحنا تمام."

قالت أخرى كانت تقطع الخبز وتتحاشى النظر المباشر إليها: "سبحان الله… انتي وشك فيه شبه كبير من بنت كانت شغالة عندنا اهنيه." توقفت يد روح فجأة، وعيناها اتسعتا برهبة مكتومة، فهتفت بصوت مرتجف: "مين.... اسمها إي عاد." ردت الفتاة الأولى ببساطة: "فرات… كانت بنت طيبة جوي… وشها كله نور... جلبها أبيض ودايما بتضحك وبتساعد الكُل." تدخلت أخرى في الحديث قائلة بحنين واضح:

"والله كانت بتعاملنا زي خواتها… لا عمرها تعالت علينا ولا زعلت حد كل الناس في الجصر كانت بتحبها." ثم خفضت صوتها قليلاً وأضافت: "ما عدا رائف بيه وكاسر بيه… كانوا دايما بيعاملوها وحش… مش طايجينها خالص معرفش ليه عاد." ارتبكت روح وهمست: "ليه.... ليه مدام كانت كويسة اكده." هزت إحداهن كتفيها وقالت: "الله أعلم محدش عارف… بس في يوم اكده… اختفت. مرة واحدة من غير لا وداع ولا كلام… ولا حد سأل عنها."

تبادلت العاملات نظرات القلق، وكأن الحديث عنها ممنوع أو أن ذكراها ما زالت تحمل نذيراً ما. وقبل أن تنبس روح بكلمة أخرى… دخلت إلى المطبخ امرأة ضخمة الجسد، ملامحها صارمة، تضع على رأسها طرحة سوداء مشدودة وتعلو وجهها نظرة حزم لا تخطئها العين. كانت رئيسة الخدم، وتقدمت بخطوات ثابتة وقالت بصرامة: "كفاية كلام… كل واحدة ترجع شغلها." سكت الجميع على الفور. ثم التفتت إلى روح، وأخفضت صوتها قليلاً قائلة بنبرة مهذبة:

"كاسر بيه عايزك في أوضته… دلوجتي." ابتسمت روح بارتباك وذهبت. وفي غرفة كاسر، كان واقفا عاري الصدر، جسده مشدود وعضلاته تتحرك بانسيابية مع كل مرة ينخفض فيها ليؤدي تمرين الضغط. وقطرات العرق تنساب على ظهره وصدره العريض، وتنفسه كان منتظماً، لكن ملامحه تدل على انشغال ذهنه بأفكار أثقل من جسده. حتى دوى صوت طرقات خفيفة على الباب، فقطع سكون الغرفة، واعتدل في جلسته وقال بصوته الأجش: "ادخل."

دُفِع الباب ببطء ودخلت روح بخطوات حذرة. وما إن رفعت عينيها حتى ارتبكت من المشهد أمامها... جسده العاري المتعرق وشعره المبلل، ومنديل أبيض في يده يمسح به وجهه، وعينيه كانتا شاخصتين نحوها بثبات غريب. فتلعثمت قليلاً ثم قالت: "حضرتك طلبتني." نهض كاسر من الأرض، سحب قميصاً أبيض من فوق الكرسي، لكنه لم يرتده، بل تقدم نحوها وأعطاها ظرفاً بنياً متوسط الحجم، وهو يقول: "دا مرتب شهرين...

وطلب إجازة من المستشفى خدته ليكي مدفوع الأجر وموجود كمان في الظرف." نظرت روح إلى الظرف باندهاش، ثم فتحت جزءاً بسيطاً منه لترى رزماً من المال بداخله، فرفعت رأسها نحوه وقالت: "كل دا ليه عاد.. هعمل إي بالفلوس دي كله." كاسر بجمود وهو يمسح عرقه: "علشان انتي في بيتي... ومسؤولة عن أختي... وعلشان تبجي عارفة إن أي غلط.... أي خيانة... أنا هجتلك بكل سهولة." جف حلق روح للحظة، ولم تستطع الرد، فقط اكتفت بالنظر إليه بتوتر.

فأشار بيده وهتف: "اتفضلي... اخرجي يلا." استدارت روح لتخرج، لكن قدمها اصطدمت بأداة الحديد الخاصة بالتمرين، واختل توازنها وسقطت على الأرض. وفجأة صرخة ألم حادة خرجت منها، جعلت كاسر يتقدم نحوها بسرعة: "مالك.. في إي عاد."

اقترب منها وانحنى، فحاولت الوقوف لكنها صرخت مجدداً. فلم تتكلم من الألم، فقط أمسكت بكاحلها بتوجع. فانحنى منها أكثر، ثم حملها بين ذراعيه دون أن ينظر في وجهها. توترت أنفاسها وخفضت رأسها بتوتر، وقلبها ينبض بعنف من قربه. ثم وضعها على الفراش برفق، وجلس عند طرفه، ومد يده إلى قدمها المصابة، لكنها سحبتها فجأة في ذعر: "لأ… لأ متلمسنيش." رفع رأسه إليها وقال بجفاف: "لازم أشوف رجلك… واضح إنها التوت."

ثم أمسك ساقها برفق وحاول تحريكها قليلاً، لكنها صرخت من شدة الألم، فتراجع ببطء وقال بنبرة حاسمة: "خلاص… أنا هطلب الحكيم يجي يشوفك احسن." نهض كاسر من مكانه وخرج من الغرفة بخطوات سريعة. وبمجرد أن أغلق الباب، جلست روح وهي تتنفس بسرعة، وجهها شاحب وعقلها مشوش. نظرت نحو الباب الذي خرج منه، وهمست لنفسها بدهشة: "هو في إي... أنا مالي بالظبط ولا إي بيوحصلي...

لع لازم أفوق وأصحصح شوية.. أي هيضحك عليا أنا كمان.. دا واحد حقير وجليل الباب.. هو السبب في موت فرات ولازم دا ال يفضل في دماغي وبس." وبينما كانت تهم بالنهوض ببطء، انتبهت إلى هاتفه المحمول الموضوع على المنضدة القريبة. والهاتف يهتز ويرن، وبلا وعي مدت يدها نحوه. وما إن قرأت الاسم على الشاشة حتى اتسعت عيناها بذهول وارتجف قلبها... كريم.

تحاملت روح على نفسها وهي تنهض ببطء من على الفراش، وأنين خافت خرج منها مع كل حركة، لكنها تجاهلت الألم. كل ما كانت تفكر فيه هو الاسم الذي رأته منذ لحظات على شاشة الهاتف... كريم. وفتحت الباب بخفة، وما إن همت بالخروج حتى اصطدمت بنظرة كاسر الذي عاد لتوه. فاقترب منها بسرعة وقال بحدة: "بتجومي ليه... اجعدي... الحكيم جاي حالاً."

قال كلماته وهو يضع الهاتف على أذنه، لكن ما إن لمح نظرة روح المترقبة نحو الجهاز حتى أنهى المكالمة فجأة وأغلق الهاتف. فنظرت إليه روح بعينين ممتلئتين بالشك والغضب، لكنها لم تتكلم، فقط شدت عباءتها وجلست بصمتٍ متشنج. وما هي إلا لحظات حتى طرق الباب، فدَلَفت الخادمة وقالت بتوتر واضح: "كاسر بيه… فيه واحدة تحت عايزاك." رفع كاسر حاجبه باستغراب وسأل بجمود: "مين؟ ردت الخادمة بعد لحظة صمت: "بتجول إنها... عمة فرات...

ال كانت بتشتغل عندنا." ارتبك وجه كاسر للحظة، لكن عين روح اتسعت في صدمة، وتعلقت بنظرات الخادمة التي لم تلاحظ ما أثارته كلماتها. فأكملت الخادمة: "وبتجول انها عايزاك تساعدها علشان تلاحي بنت اخوها التانية و... لم تنهِ الخادمة كلماتها، وفجأة سقطت روح على الأرض مغشياً عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...