نامت. دخلت غرفتها ونامت بسرعة. هذا ما تفعله عندما تشعر بالاختناق، بالاكتئاب. اعتادت ذلك منذ وفاة عائلتها وسفر عمها الأصغر. لم يهتم أحد لإرضائها منذ زمن، لم يتكلف أحد بأن يقول لها كلمة طيبة تطيب بها خاطرها. وها هي الآن في منزل زوجها تشعر بالغيرة، بالاختناق. تشعر بأن الحياة ستكسرها ثانية بعد أن ضحكت لها.
كادت أن تبكي وتنهار حتى سمعت وقع خطواته. أغمضت عينيها بسرعة تمثل النوم. لقد لحق بها، تبعها، إنه مهتم، مهتم لأمرها. سعادة تغلغلت داخلها، شعرت بأن قلبها يرفرف من مكانه عندما سمعت صوته الدافئ. "شوق؟ شوق؟
لكنه فضلت عدم الرد. بقيت ساكنة لترتجف فور شعورها بلمسته الحانية. بيده الخشنة تتحرك بهدوء على وجنتيها وتمسد شعرها بحنان لطالما افتقدته. شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح وجهها ليطبع قبلة رقيقة جانب شفتيها هامساً: "تصبحين على خير". *** في الصباح. كانت مريم تقود سيارتها بسرعة فائقة، فقد تأخرت على محاضرتها الأولى وكانت مهمة جداً. لكنها صدمت بشاب يقف أمام السيارة وكادت أن تدهسه لولا أن توقفت بسرعة، مغمضة عينيها بذعر. ***
"صباح الخير"، قالها وقد خرج لتوه من الحمام يجرّف شعره بهدوء تام. حبيبات الماء تتقاطر على عاريه مرورا بوجهه ولحيته الجذابة. مظهره هكذا يأسر أي أحد. شردت بمظهره لثوانٍ، لا بل لدقائق، حتى استفاقت عندما تحرك ليقف أمام المرآة. "صباح النور"، قالت شوق بابتسامة ودودة لكنها تخفي قلقها.
دخل غرفة الملابس الخاص به يختار ملابس رسمية للعمل. يرمقها بنظراته بين الحين والآخر، وهي تتهرب وتعيد ترتيب ثيابه. لكنه فجأة التفت لتلتقط المنشفة المبللة التي رماها على السرير بإهمال. رفعت وجهها لتصدم برؤيته أمامه، قريباً جداً منها. أدارت وجهها عنه بحرج وارتباك، لترمي ما تحملها على السرير وتهم بالمغادرة. وهمست بخفوت: "هروح أحضرلك الأك... لم تكمل كلماتها حتى شعرت بقبضته تجذبها إليه لترتطم بصدره العاري لتتألم بخفوت.
"خرجتي من المكتب بتجري ليه؟ " قالها مهران وهو يبعد خصلات شعرها المنساب على كتفها إلى الخلف. "مممفيش"، قالتها بتوتر دون التجرؤ على النظر إلى عينيه. "متأكده؟ " سألها وهو يرفع ذقنها لتلتقي عيناه بعينيها، وأصابعه تتحرك على شفتيها بجرأة. هزت رأسها بتوتر وهي تشعر بذراعيه تحيط خصرها بشدة تجذبها إليه أكثر. همست من جديد: "هحضرلك الأكل."
أغمضت عينيها عندما شعرت بأنفاسه الساخنة على عنقها وقد دفن وجهه هناك. يريدها الآن، لقد صبر عليها بما فيه الكفاية. سمع صوتها الخافت: "مهران... لم يآبه لندائه الضعيف، بل كان مستمتعاً بما يفعل. حتى دفعته بهدوء متمنعة بضعف. نظر إليها برغبة أكثر، دون أن يبتعد عنها، فقط استجاب لدفعها لتلتقي عيناهما لثوانٍ معدودة. وقالت: "انت مش...
ابتلع كلماتها بقبلة شغوفة سرعان ما تحولت إلى عنيفة، والأخرى لم يكن منها إلا أن تجاريه. وكل ما يجول بمخيلتها جي جي وما فعلته معه أمس بالمكتب. أرادت أن تثبت لنفسها وله بأنها زوجته وهي أحق به من أي أحد. *** "هما بيعملوا إيه كل ده بالأوضة؟ " قالت جي جي بغيظ. "عرسان، بيكونوا بيعملوا إيه"، قالت عواطف بابتسامة. "هي الست هانم هتطير يعني؟ مش ييجي يقعد معانا شوية"، قالت جي جي بغيرة. "جي جي"، قالت والدتها بتحذير.
"أوف بقى، أنا طالعة أتخمد"، قالت جي جي بتذمر. "يكون أحسن"، قالت رهام بحده. "في إيه يارهام مالك متعصبة على البنت كده؟ " قالت عواطف. "شكلي دلعتها زيادة ومش عارفة أسيطر عليها، وعلى طيشها. أنا خايفة عليها أوي. بدأت تتعبني"، قالت رهام بتعب.
تدخل عامر الذي دخل فجأة، ليتحدث بتهذيب وهو يجلس. "عشان هتدخل، لكن حضرتك من الأول كان لازم تفهميها إننا بالحياة دي في حدود مش لازم نتخطاها. لكن واضح جداً إنك فعلاً ما تعبتيش في تربيتها." "عامررر"، قالت والدته بتحذير. "إنت إزاي تكلم مرات خالك كده؟ "معلش يارهام هانم، أنا آسف، لكن ده اللي لاحظته من لبسها وطبيعتها الشاذة كلياً"، قال عامر. "عن... "رهام
بحرج: بعد إذنكم." غادرت وهي تشعر بالخزي من ابنتها. كيف لها أن تكون سبب بتلك الاتهامات؟ هذا فقط ما أخرجه ذلك الشاب، فما الذي يفكر به البقية؟ "إنت غلطت ياعامر، مكنش لازم تعمل كده"، قالت عواطف بعتاب. "حضرتك مشوفتيش الحرس بيبصولها إزاي بلبسها العريان ده؟ لازم الست هانم تفوق بنتها. إحنا مش بلندن ياماما، فهماني"، قال وهو يضع قدم على الآخر بهدوء.
تنهدت عواطف من طباع ابنها الحادة، دائماً ينتقد الجميع ولا يعجبه العجب. "ربنا يهديها." "يارب"، قال عامر. "ويهديك انت كمان"، قالت عواطف بغيظ. "بضحكة مقبولة منك ياست الكل"، قال عامر. *** نامت على صدره من شدة الإرهاق. ألقى بنظرة عليها بهدوء، وضع رأسها على الوسادة ونهض ليقف أمام الشرفة يدخن ويدخن بشراهة.
استيقظت بعد مدة، ربما تكون طويلة، لا تعلم. عضت شفتيها بخجل وهي تتذكر ما حدث منذ قليل. كيف حدث كل شيء بسرعة. هي الآن أصبحت زوجته حقاً، لقد تمم الزواج. دفنت وجهها بخجل. لكن ما هذا؟ تساءلت باستغراب وهي تراه يدخن أمام الشرفة عاري الصدر يرتدي بنطاله فقط. شعرت بالخوف من منظره. نظرت إليه مطولاً مترددة، هل تذهب إليه أم لا؟ هل أخطأت معه بشيء؟ هل أزعجته بشيء؟ لماذا هو على هذه الحال؟ ما هذا الهدوء الذي هو عليه الآن؟
نهضت بحذر وهي ترتدي ثيابها بقلق وتوتر. وضعت حجابها بسرعة وإهمال. والتقطت كنزة صوفية بلون البني ومعطف جلد أسود. تقدمت نحوه بهدوء وخوف. نادت بنبرة صوت محرجة ومرتعشة: "مهران... إزاي تخرج كده؟ هتمرض." التفت إليها، لكنه ما إن رآها حتى... *** "هو كويس يادكتور، مش كده؟ " قالت مريم بدموع وتأنيب ضمير. "اطمني يابنتي، كويس وزي الفل وهيخرج دلوقتي... بعد إذنك"، قال الطبيب.
خرج غيث خلف الطبيب ببرود. "إنتي خبطتين ولازم تتعاقبي يا آنسة"، قالها دون أي مقدمات. "أفندم؟ " قالت مريم بصدمة. "أفندم إيه؟ بقولك لازم تتعاقبي وعقابك هو... " قال غيث ببرود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!