رفعته لأعلى لتظهر عن وجهها ثم تقترب منه بثقة تامة لا تعرف من أين جاءت بها وتهمس بصوت أنثوي جذاب: _أنا اتفقت معاك من قبل الجواز إني هلبسه بإذن الله لما أكون واثقة من قراري. ودلوقتي ده انسب وقت عشان أثبتلك إني مش عايزة أي راجل غيرك يشوفني!! هيمن عليه الصمت للحظات بعد ما قالته، فقد دفنت أي شيء كان من الممكن أن يقوله بعد آخر جملة تفوهت بها. ولم يجد شيئًا ليقوله سوى تهنئتها، حيث غمغم بابتسامة: _مبروك يا ملاذ. ربنا يثبتك.
ثم هم بالاستدارة ليذهب، فقبضت هي على ذراعه وأردفت بتعجب: _بس!! _بس إيه؟ قالها في ريبة حقيقية، لتكمل هي بخيبة أمل: _أقصد مبروك بس! يعني مش هتقول حاجة تاني؟ عاد يستدير بكامل جسده لها ويضيق عينيه متشدقًا ببرود وجفاء: _المفروض أقول إيه مثلًا أكتر من كده! زمت شفتيها بيأس وقالت في قسمات وجه واضح عليها العبوس: _أنا توقعت إنك هتفرح لأنك كنت متحمس جدًا ومبسوط جدًا بالفكرة لما قولتلك عليها بعد كتب الكتاب.
ابتسم بازدراء وهمس بكلمات جعلتها تتأكد بأن جميع جهودها معه لم تجدي نفعًا: _وانتي قولتي أهو بعد كتب الكتاب، يعني قبل ما تحصل أي حاجة بينا. دلوقتي إنتي متعنيش ليا بحاجة يا ملاذ.
شعرت بأن غدتها القنوية ستبدأ في إفراز دموعها. فقد أوشكت على فقدان الأمل في أن تعود العلاقة بينهم كما كانت ويعود هو لطبيعته الحانية والجميلة التي لم تشهدها سوى لمرات قليلة. ولوهلة شعرت الآن أنها تشتاق لرؤية حبه لها ومعاملته التي شبه بمعاملة الملوك لزوجاتهم. خرج صوتها مبحوحًا بنظرات منكسرة: _زين، إنت بجد بقيت تكرهني!
أصدر تنهيدة حارة وقال متهربًا من الإجابة على هذا السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عليه بـ "لا". فبرغم كل ما حدث بينهم، ما زالت تستحوذ على جزء كبير منه: _أنا بقول إن يلا بينا عشان اتأخرت على الشركة. أنا هسبقك على تحت وهستناكي في العربية وإنتي تعالي ورايا.
ظلت مكانها تتابعه وهو يغادر المنزل، ثم أنزلت النقاب على وجهها مجددًا وأخذت حقيبة يدها ولحقت به. لتستقل بجواره في السيارة دون أن تنظر له، مستغلة فرصة تغطية وجهها لتترك العنان لدموعها من أسفله. أما هو، فكان يختلس نظرات سريعة لها من آن لآخر. فلا ينكر سعادته حين رآها ترتديه، وبالأخص حين سمع جملتها بأنها لا تريد رجل سواه يراها. والآن هو يواجه صراعًا بين رغبة قلبه وحكمة عقله التي ترفض الخنوع لها، ويقتنع أن التي قامت بخداعه مرة بإمكانها أن تفعلها مجددًا!!
داخل منزل محمد العمايري...
ينظر لصحن الطعام الذي أمامه بصمت ويحرك المعلقة يمينًا ويسارًا فيه دون أن يرفعها لفمه مطلقًا. يفكر فيما قالته أمه له، فقد كان جزء من كلامها صحيح والجزء الآخر يستحيل حدوثه. هي لديها الحق عندما قالت إلى متى سيظل يحاول حمايتها ويرعاها هكذا، وإلى متى ستبقى معهم في المنزل. ولكن حلها للمشكلة بزواجه منها لا يمكن، بل مستحيل. ولا يستطيع أن يوهب قلبه لامرأة سوى زوجته التي تمثل مانعًا وحاجزًا بينه وبين أي امرأة أخرى. فقد نجحت في أن تعميه عن النساء أجمعهن في حضورها، وحتى بعد مماتها!
انضمت لطعامه أمه التي جلست على مقعد في آخر الطاولة وبدأت في تناول طعامها دون أن تنظر له أو حتى تلقي عليه تحية الصباح. فزفر هو بخنق وتمتم مبتسمًا بلطف: _صباح الخير! ردت عليه في اقتضاب متصنع حتى توهمه بأنها بالفعل غاضبة منه ولن ترضى عنه إلا حين ينفذ ما تريد: _صباح النور. نهض من مقعده واقترب ليجلس على المقعد المجاور لها، ثم أمسك بكفها وقبل ظاهره بحنو متمتمًا في اعتذار صادق:
_أنا آسف، سامحيني اتعصبت عليكي امبارح غصب عني والله. واوعدك لو إنتي مضايقة من وجود شفق هنا، هشوف حل في أقرب وقت. سحبت يدها من بين يديه وهتفت في إصرار وقسوة وهي تكمل تناول طعامها: _وأنا قولتلك الحل يا كرم، ومعنديش غيره وهنفذ اللي قولتهولك فعلًا لو متجوزتهاش. استغفر ربه وهو يزفر بنفاذ صبر ويتمتم متوسلًا إياه برقة:
_يا ماما ابوس إيدك بلاش اللي بتعمليه ده. إنتي عارفة إني مقدرش أزعلك مني وفي نفس الوقت مقدرش أعمل اللي بتقوليه ده. متجبرنيش أختار بين حاجتين أنا مقدرش أعمل ولا واحدة فيهم. نظرت له وأغلقت على قلبها بالمفتاح حتى لا يدخله بنظراته وكلامه ويضعف من موقفها. وليخرج صوتها قاسيًا لا يحمل رحمة: _لازم تضحي بحاجة، وشوف بقى إنت هتضحي بإيه. قال شبه غاضبًا دون أن يرفع صوته:
_دي مفيهاش اختيار ولا تضحية. إنتي كأنك بتطلبي مني أدمر حياة البنت. أنا لو عملت اللي بتقوليه هبقى بظلمها وأنا مش هقبل بكده لإني عارف إني مش هقدر أنسى أروى ولا أحبها. _هتحبها وابقى افتكر اللحظة دي لما تتجوزها ويحصل اللي بقولك عليه. هو رأسه نافيًا بعدم حيلة عندما أدرك استحالة الحديث معها ومحاولة اقناعها بأن تتوقف عن ما تفعله. فهتف محاولًا تغيير مجرى الحديث حتى لا يفقد زمام نفسه: _فين رفيف؟
_معاها محاضرة مهمة طلعت من الصبح بدري وبعد ما تخلص هتروح على الشركة. _وشفق؟ هنا التزمت الصمت للحظات قصيرة ثم التقطت قطعة خيار وألقتها في فمها متمتمة في برود وهدوء تام: _مشيت الصبح، صمتت إنها تمشي وأنا مقدرتش أمنعها. أصل همنعها بأي حق؟ وهي بنفسها قالت إنها مش مرتاحة هنا، يعني رأيها من رأي في موضوع إنها مينفعش تقعد. هتف غير مستوعبًا ما قالته وفي شيء من الصدمة: _مشيت إزاي يعني؟ وليه مصحتنيش؟
وإزاي تسبيها تمشي بالسهولة دي؟ _هعملها إيه يعني؟ هربطها في السرير مثلًا! هب واقفًا وهو يتأفف بأنفاس ملتهبة، فقد نجحت الظروف في إخراج جانبه السيء. ورغم كل هذا، لازال ينجح في السيطرة على جموحه أمام أمه، حيث هتف بهدوء مزيف: _وراحت فين؟ هزت كتفيها لأعلى بمعني "لا أعرف"، ليخرج هو هاتفه ويتصل عليها فيجد هاتفها خارج نطاق الخدمة، ليلقي نظرة معاتبة على أمه قبل أن يندفع لخارج المنزل، ظنًا منه أنه عندما يذهب لمنزلها سيجدها فيه!
مرت ساعة منذ استيقاظه وهو يجلس أمام التلفاز ولم يسمع لها صوتًا، فليس من العادة أن يستيقظ ويجدها مازالت نائمة. مما أثار شكوك القلق بداخله، فهب واقفًا واتجه نحو غرفتها، ثم فتح الباب ببطء هاتفًا مناديًا عليها بصوت عادي: _يسر!
فسمع صوت رذاذ المياه في الحمام ليدرك أنها استيقظت وتأخذ حمامها الصباحي. ولكن فضوله دفعه للدخول وتفحص غرفتها وأشيائها. وألقى نظرة شاملة وعامة أولًا على الغرفة متفحصًا جميع أجزائها بعينيه، وبتلقائية قام بفتح الخزانة كنوع من الفضول أيضًا. ولسوء الحظ أنه فتح الباب الخطأ، حيث رفع حاجبه مبتسمًا بشيء من السخرية ومد يده يقلب بين ملابس العرائس النسائية التي لا تخلو خزانة زوجين منها. كانت ألوان وأشكال ومعظمها من الألوان المفضلة لديه، هل هذه صدفة أم تلك الخبيثة خططت لكل شيء!
كان يخرج واحدًا واحدًا يمسكه من رأس الشماعة ويقلبه يمينًا ويسارًا. هل كانت حقًا تظن أن الحياة بينهم ستكون وردية لتقوم بشراء كل هذه الملابس المثيرة!
كان يحدث نفسه هكذا. وبعد ما يقارب الدقيقتين أغلق الخزانة وهم بالمغادرة، ولكن البوم الصور الموضوع على الفراش لفت نظره، فاقترب وجلس ثم التقطه وبدأ يقلب في صوره. كانت صورة تجمعها مع أصدقاء لها وصور جماعية عندما كانت في الجامعة، ولكن احتوى الألبوم على صور كثيرة جدًا تجمعها بشاب لا يعرفه. ربما كانت كثيرة أكثر من اللازم إلى الحد الذي جعله يتساءل بشدة وتصيبه الشكوك حول ما العلاقة التي تجمعها بذلك الشاب والذي تسمح لها بأن تلتقط كل هذه الصور معه وتقوم بحفظها داخل ألبوم!
خرجت من الحمام وهي ترتدي ملابس منزلية تصل لركبتيها وبحمالات أظهرت عن ذراعيها كاملًا وجزء من صدرها العلوي، وبمجرد ما رأته انتفضت واقفة بزعر وأسرعت تنزل المنشفة التي على شعرها وتلفها حول ذراعيها لتخفي شيئًا قليلًا ثم هتفت باستغراب: _بتعمل إيه هنا؟ تجاهل سؤالها ورفع الألبوم أمامها يسأل في ريبة واضحة وصوت غليظ: _مين ده؟ اقتربت وسحبت من يده الألبوم واغلقته، ثم وضعته على المنضدة الصغيرة بجانب الفراش وقالت في ضيق ملحوظ من
عبثه بأشيائها دون إذنها: _مش لازم تعرف، أعتقد إن مش هتفرق معاك. ثم إن إنت أصلًا مين سمحلك تقلب في حاجتي من غير إذني؟ استفزه جدًا طريقتها، ولكنه تمكن من تمالك انفعالاته وغمغم في برود كان مستفزًا أكثر بالنسبة لها: _أنا سألتك سؤال واحد وأظن أن الإجابة مش محتاجة الرغي ده كله. _وأنا مش عايزة أقولك أساسًا. أجابها بنظرة صارمة وحادة: _أعرف ليه بقى؟ هتفت بعدم اكتراث له مطلقًا وكلمات أشعلت فتيل النيران في أعماقه:
_حاجة متخصكش، وبما إننا قريب أوي هنتطلق، أعتقد ملهاش لازمة وممكن بقى تطلع عشان عايزة ألبس. صر على أسنانه وكور قبضة يديه كدليل على هيجانه الداخلي وأنه يمنع نفسه الثائرة عنها بصعوبة. ثم هتف بابتسامة مزيفة تخفي خلفها جموحًا مخيفًا: _ماشي يا يسر!
ثم انصرف وتركها تفكر في أمره وتبتسم بسعادة داخلية، فلأول مرة ترى اهتمامه بشيء يخصها. كان دومًا يشعرها بأنها نكرة وليست ضمن قائمته بتاتًا. ولوهلة شعرت أنه تضايق بسبب هذه الصور، ولكن رفضت هذه الأفكار السخيفة، فآخر شيء تتوقعه منه الآن هو الغيرة. ما حدث للتو ليس سوى بدافع فضوله وتطفله عليها! مع تمام الساعة الواحدة ظهرًا داخل شركة العمايري...
كانت رفيف تتفحص مكتبها الجديد بابتسامة عريضة. تتفقد كل شيء به، وبالمكتب الخشبي ذي اللون الأسود والنافذة التي تعطي إطلالة رائعة على الشارع بالخارج من الأعلى. وبينما هي منشغلة بالنظر من النافذة، سمعت طرق الباب فالتفتت وسمحت للطارق بالدخول. فوجدته علاء، حيث فتح جزء من الباب وهتف باسمها بمشاكسة مألوفة منه: _مبروك على الوظيفة الجديدة. خلاص بقينا business woman. ضحكت بخفة ثم أجابته في رقة طبيعية منها: _ادخل ياعلاء.
دخل وترك الباب مفتوحاً وجلس على مقعد وثير أمام المكتب وهتف ضاحكاً: _على حظك الوحش إن يسر مجاتش النهردا. جلست على مقعدها الخاص أمام مكتبها وقالت ببساطة وهدوء محاولة أن تكون أكثر حذراً في التحدث معه حتى لا تتخطى الحدود كما وعدت أخيها: _مش مشكلة لسا الأيام جاية كتير إن شاء الله.. شكرًا جدًا ياعلاء إنت السبب الأكبر أني بدأت شغل هنا لولا إنك قولت ليسر وهي اقنعت حسن مكنتش هعرف اقنعهم نهائي.
ابتسم لها بلطف وحدقها بنظرات دافئة مغمغماً في صوت هادئ وجذاب: _أي خدمة يابنت العم.. أي حاجة تعوزيها هتلاقيني موجود اطمني.. يلا أنا همشي بقى أنا قولت آجي ابارلك على السريع بس.. عايزة حاجة؟ هزت رأسها بالنفي وهمست مبتسمة بصفاء: _عايزة سلامتك! هب واقفاً وانصرف بعد أن أغلق الباب خلفه أما هي فاستمرت في تفحص كل شيء يحتويه داخل الأدراج هذا المكتب متوسط الحجم.
في مساء ذلك اليوم وبينما الساعة كانت قد تخطت الثانية عشر بعد منتصف الليل فتحت ملاذ عيناها ونهضت من فراشها وهي تفرك عيناها لتزيح بعض من آثار النوم حتى تتمكن من الوقوف والذهاب للمطبخ لشرب الماء.. فذهبت للمطبخ وشربت كوبًا من الماء البارد وبينما هي في طريق عودتها لفراشها وغرفتها سمعت صوتًا هادئًا وجميلًا يتلو القرآن لوهلة ظنت أنه الراديو أو تسجيل لأحد الشيوخ من شدة جمال الصوت.. لتقود خطواتها نحو مصدر الصوت وتفتح الباب
ببطء فتجده هو الذي يمسك بكتاب القرآن الكريم ويتلو آياته كسلاسل من ذهب بصوت يبعث السكينة والاطمئنان في النفوس.. فتبتسم هي بحب وتدخل ثم تغلق الباب خلفها بحذر شديد وتقترب منه لتجلس بجوارها على الأريكة الصغيرة وتستند بمرفقها على حافة الأريكة العلوية وهي مثبتة نظرها عليه تتلذذ بجمال صوته.. أما هو فانتهى من الآية وتوقف عن القراءة
لينظر لها ويقول باستغراب: _إيه اللي مصحيكي دلوقتي؟ قالت برقة ساحرة وابتسامة تخطف القلوب بغمازتها: _قومت أشرب وسمعت صوتك فجيت. _طيب روحي كملي نومك! هزت رأسها بالرفض وهي تقول بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا: _لا هنام جمبك هنا على صوتك.. كمل يلا. أردف في جدية بسيطة وحزم: _هتنامي هنا إزاي يعني قومي روحي اوضتك ياملاذ. تشدقت بإصرار والحاح تام: _يبقى تاجي معايا الأوضة وتقعد جمبي تقرأ قرآن لغاية ما أنام.. يا إما أقعد هنا.
أدرك أنه لا مفر من عنادها وإصرارها فاستسلم لها وهتف مغلوبًا على أمره: _استغفر الله العظيم.. طيب اسبقيني على الأوضة وأنا جاي وراكي.
ارتفعت ابتسامتها وكادت أن تشق طريقها حتى أذنيها من فرط سعادتها بموافقته أن يبقى بجوارها لدقائق الليلة في غرفتها حتى تنام.. ثم استقامت وعادت لغرفتها مجددًا وتدثرت بالغطاء لنصف جسدها وهي جالسة في انتظار مجيئه وبعد لحظات دخل واغلق الباب خلفه ثم اقترب ناحيتها وجلس على الفراش من الجهة الأخرى فمددت جسدها كاملًا ورفعت الغطاء حتى صدرها ونامت على الجهة المقابلة له أما هو فعاد يكمل التلاوة بداية من الآية التي توقف عندها.. وهي تحدق به بصمت وكم تمنت لو أن حياتهم تصبح طبيعية.. وكل ليلة يكون بجوارها ويقضي ليله معها في غرفة واحدة.. بدلًا من أن يكون لكل منهم غرفة منفصلة!
الآن فقط هي تستطيع وبكامل الثقة وعدم التردد أن تعلن عهده الجديد.. وقد ذعنت لقلبها وقبلت بما يحاول اقناعها به وهو أنها " أحبته بشدة " ولا تريد رجل سواه أن يكون معها.. ترغب في أن تكون زوجته لآخر نفس يخرج منها.. بل وأيضًا تود أن تكون أمًا لأولاده ولكن هيهات فهو لم يسمح لها بعد بالتوغل في قلبه من جديد وستضطر أن تعاني عقاب خطأها وتنتظر لحظة الإفراغ عن مشاعره المحبوسة خلف القضبان!
بدأت تغمض عيناها تدريجيًا حتى ابحرت في ثبات عميق وبعد دقائق انتهى هو من القراءة فالتفت لها وهمس بترقب: _ملاذ!
لم يجد الأجابة منها فيتنهد بعمق ثم يضع كتاب القرآن الكريم على المنضدة بجانبه ويلتفت لها ليتأمل ملامحها بأسى.. يلومها بشدة على ما فعلته بهم.. فقد دفعته إلى الدرجة الذي يكون فيها في أقصى لحظات رغبته واشتياقه لها ولا يستطيع تلبية رغبته فقط لأنه لا يتمكن من استعادة ثقته بها.. يجد صعوبة في أن يسلمها قلبه ونفسه مجددًا.. يخشي أن يثق بها من جديد فتخذله للمرة الثانية.. ومن جانب آخر لا يستطيع مكابحة عقله الذي يلح عليه أن
يطلقها ويقي قلبه ونفسه من هذه العلاقة المزعزعة.. فيواجه تعنيف قلبه الذي يتوسل له أن لا يستمع لعقله ويعطيها فرصة ثانية فهي اخطأت واعترفت بخطأها و ندمت ثم طلبت منه السماح وقطعت الوعود بأنها لن تسمح بشيء كهذا أن يتكرر مرة أخرى.. وستكون له بكامل جوارها لتصبح زوجة تليق به ويفتخر بها.. وإن خلفت بوعودها هذه المرة وخانت الثقة مجددًا يحق له أن يستمع لعقله.. ولكن إذا استمع له الآن سيكون الظالم والجلاد الذي نفذ حكم الإعدام في
مذنب قام بالسرقة بينما هو في القانون لا يستحق الإعدام!
ولكن حتى وإن استمع لرغبة قلبه لن يتمكن من الصفاء بسهولة.. ولن يعدها بأن تعود علاقتهم كما كانت إلا بعد وقت طويل.
مد يده وابعد خصلات شعرها عن وجهها وارجعها للخلف ثم مرر ابهامه على وجنتها بلطف يتحسس بشرته الناعمة فتفتح هي جزء بسيط من عيناها لترى صورته غير واضحة ولكن شفتيها انحرفت قليلًا لليمين وبدون وعي مدت يدها وقبضت على كفه الذي على وجنتها وقربته من شفتيها لتطبع قبلة ناعمة على باطنه وهي تحت تأثير النوم ثم اغلقت عيناها من جديد وأكملت نومها كما كانت وكأن لم يحدث شيء.. فسحب هو كفه من بين كفها بحرص ثم نهض من الفراش واطفأ ضوء الغرفة وقبل أن يرحل انحنى وطبع قبلة مطولة على رأسها في ابتسامة حانية وبعدها رحل فورًا قبل أن يفقد زمام السيطرة على نفسه التي تطوق إليها!
ترجل من سيارته وقاد خطواته نحو الأريكة المتوسطة في منتصف حديقة المنزل وجلس واضعًا رأسه بين راحتي يديه بيأس وشجن.. ماذا عساه أن يفعل من أين له القوة لكي يتحمل كل هذا تباعًا.. لقد سئم حياته حقًا فكل شيء يضغط عليه من جميع الجهات وبات لا يعرف يرضي من أو ماذا يفعل.
من جهة والدته التي تصر على رغبتها في زواجه.. ومن جهة تلك العنيدة التي لا تدرك خطورة ماهي فيه وتعرض نفسها دومًا للخطر فمنذ الصباح وهو يبحث عنها في كل مكان قد يمكن أن تكون به ولكن لا أثر لها حتى هاتفها لا يستطيع الوصول إليها من خلاله. أما بالأعلى تقف كل من هدى ورفيف التي هتفت بإشفاق على أخيها: _قوليله ياماما حرام عليكي كرم بذات فيه اللي مكفيه. قالت هدى بإصرار وشيء من الشفقة: _وإنتي فاكرة إني مبسوطة كدا!!
ما أنا بعمل كدا عشان مصلحته وهو عنيد مش عايز يفهم وأنا مش هسيبه كدا لغاية ما يدمر حياته ونفسه.. سبيه يومين يدور عليها وبعدين هيدرك إن عندي حق وهيوافق. قالت محتجة ومعاتبة أمها بلطف: _إيه ياهدهد مكنتش أعرف إنك قاسية كدا.. ولما تقسي بتقسي على كرم.. على فكرة بقى أنا مش هستحمل اشوفه كدا وهروح أقوله. قبضت هدى على ذراعها وصاحت بها معنفة إياها في تحذير حقيقي:
_إياكي يارفيف تقوليله وإلا والله العظيم يكون ليا تصرف تاني معاكي.. ملكيش دعوة دول ولادي وأنا عارفة أنا بعمل إيه كويس وفاهمة دماغ كل واحد فيهم. تراجعت وهي تلوى فمها بامتعاض وتتأفف بخنق وإشفاق على أخيها المسكين.. أما هدى فأخذت تحدق به بأعين دامعة وقلب يحترق على حزنه وألمه ولكنها متيقنة أن ما تفعله سيكون السبب في تضميد جروحه التي تنزف منذ افتراقه عن زوجته! داخل منزل حسن العمايري.
كانت تجلس أمام التلفاز تشاهد إحدى قنوات الطبخ وبينما هي مندمجة في التلفاز.. جال بعقلها ما حدث بينهم في الصباح فانزلت نظرها عن التلفاز وثبتته على اللاشيء بشرود.. ليأتيها صوت بداخلها ويخبرها بأنه لم يكن من الجيد وليس في صالحها أن تحادثه هكذا.. هي الآن في أمس الحاجة لأي شيء ليقربها منه فتستطيع من خلاله امتلاك مفاتيح قلبه.. وما فعلته بالصباح له تفسير واحد وهو أنه غباء منها.. والحل الوحيد هو الاعتذار منه ومحاولة تلطيف الجو بذكائها ودهائها الأنثوي!
استقامت وقادت خطواتها الواثقة نحو غرفته ثم طرقت على الباب عدة طرقات متتالية بلطف هاتفة: _حسن إنت صاحي.. أدخل؟ أتاها صوته الحازم يسمح لها بالدخول ففتحت الباب ببطء ودخلت ثم اغلقته خلفها كما كان.. ونظرت له فوجدته متسطحًا على ظهره فوق الفراش ويعقد كفيه خلف رأسه.. فتحنحت باضطراب بسيط واقتربت لتجلس على حافة الفراش بعيدًا عنه قليلًا وتطرق رأسها أرضًا هامسة باعتذار صادق وهي تعبث بأصابعها: _أنا آسفة بخصوص الصبح متضايقش مني.
أطال النظر إليها في سكون دون أن يجيبها أو يكون على وجهه أي تعابير.. لتكمل هي بجدية بعد أن نظرت له: _لسا حابب تعرف مين ده؟ رسم ابتسامة متصنعة على وجهه وغمغم بصرامة: _مش عايز أعرف حاجة.. أنا عايز أنام ممكن تطلعي برا! وردة فعلها كانت غير متوقعة بالنسبة له حيث هزت رأسها بالنفي وتمتمت مبتسمة: _تؤتؤ لما أقولك الأول بعدين هطلع عشان ابقى ريحت ضميري. مالت شفتيه لليسار بابتسامة ساخرة لتستكمل هي حديثه بنبرة عادية:
_ده كان زميلي في الكلية وكنا مجموعة كبيرة بنات وأولاد أصدقاء جدًا بسبب إننا كنا مع بعض في كل نشاطات الكلية وكدا.. واللي شوفته في الصورة ده كان صداقتنا قوية شوية وكنا في كل حاجة في الكلية مع بعض والصور دي اتصورناها لما كنا في حفلات تبع النشاطات أو حجات تبع الكلية نفسها فإنا شيلها كنوع من الذكرى برضوا عادي ولغاية دلوقتي احنا احيانا بنتواصل. عبارة " لغاية دلوقتي " التي تفوهت بها جعلته يرفع حاجبه بشيء من الدهشة
ويهتف بنبرة رجولية خشنة: _لغاية دلوقتي!!! _أيوة أقصد يعني مجرد سؤال كلنا بنسأل على أحوال بعض كل فترة وفترة والفترة دي ممكن تبقى مرة كل تلات شهور أو أربعة. هز رأسه بتفهم وهو لا يزال يحتفظ بتفاصيل وجهه الصارمة ولكن اختفت في سرعة البرق هذه التفاصيل وحل محلها التوتر حين وجدها تسأله وهي تضيق عيناها بلؤم: _إنت كنت بتسأل ليه بقى؟ نظر لها بذهول لعدم توقعه لسؤالها هذا وتمتم بتوتر ملحوظ: _بسأل ليه؟
اعتدل في نومته وغمغم بطبيعية جاهد الظهور بها وبنبرة صوت كان يحاول أن تبدو عادية: _عادي فضول حبيت أعرف لما شوفتها. اتسعت ابتسامتها وقالت بنبرة صوت ماكرة تمكن من فهمها جيدًا: _أممممم ما أنا قولت كدا برضوا.. المهم إنت مش زعلان مني خلاص صح؟ قال ببرود متعمد لاستفزازها وحتى يخرج تلك الأفكار السخيفة من ذهنها التي لمحت لها للتو: _لا مش زعلان أنا أصلًا مكنش في بالي ومكنش الموضوع فارق معايا أوي يعني.
نجح بالفعل في أغضابها حيث قالت وهي تجز على أسنانها بغيظ: _أه فعلًا ما أنا لاحظت ده.. طيب تصبح على خير ياحسن! قالت آخر كلماتها وهي تستقيم واقفة وتستدير لتنصرف فيأتيها رده الذي لا يختلف في نبرته عن سابقتها وهو يحاول منع ابتسامته من الانطلاق: _وإنتي من أهله. في مساء اليوم التالي.......
كان كرم في غرفته يحتسي كوب القهوة خاصته ويشعر بأن رأسه ستنفجر من كثرة التفكير، حيث بدأت الوساوس تنهشه نهش، فلو ذهبت لماذا هاتفها خارج نطاق الخدمة ومالذي يدفعها للذهاب لمكان لا يستطيع حتى تخيله، فهذه ليست عادتها وهو اعتاد منها على الصراحة لا الهرب، إن كانت لا ترغب بالبقاء بمنزله لكانت قالت له بنفسها وصممت على الرحيل.. ولكن كل ما يحدث الآن يزيد الأمر سوءًا بالنسبة له، يخشي أن يكون ذلك الوغد قد نال منها قبل أن ينال هو
منه. اليوم هو اليوم الثاني لها منذ اختفائها وكل هذا يذكره بحادثة زوجته حيث تم العثور عليها بعد ثلاث أيام في أحد الأماكن المهجورة وبعد أن فاحت رائحة الجثة وبدأت تتعفن، وكلما تجول بذهنه هذه الذكريات الأليمة يحاول إخراجها ولكن بلا جدوى.
قطع لحظات هدوئه صوت رنين هاتفه الصاخب فالتقطه وأجابه بهدوء: _أيوة يامسعد. أجابه الآخر مبتسمًا بشيطانية: _عرفت مكانه ياكرم بيه. وثبت واقفًا وتشدق بمزيج من الفرحة والنشوة التي اعترته: _متأكد؟ _متأكد طبعًا.. هستناك عند الشركة عشان المكان قريب من هناك.
انهى الاتصال فورًا وقد لمعت عيناه بوميض الانتقام والثأر وشرع في ارتداء ملابسه ثم فتح أحد أدراج المكتب الصغير بجانب الفراش والتقط السلاح ثم وضعه في بنطاله من الخلف وارتدي فوقه السترة السوداء الجليدية وانطلق مغادرًا المنزل مستقلًا بسيارته لينطلق بها كسرعة البرق.... !!!
انتهت من تسريح شعرها وثبتته بمشبك للشعر ورفعته لأعلى ثم نزعت عنها روب النوم وكانت على وشك أن تتسطح على الفراش ولكنها التفتت مزعورة على أثر فتح الباب ووجدته هو يدخل بهدوء ويغلق الباب خلفه فتهتف في توتر: _حسن!! .. إنت جيت إمتى؟
وجدته يقترب منها في خطوات غير متوازنة لتتراجع للخلف بنظرات مرتبكة ومرتعدة قليلًا من هيئته الغريبة، انتهت قهقرتها عندما اصطدمت بباب الخزانة وهو لا يزال يقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة ولا يفصله عنها سوى سنتيمترات قليلة ثم همهم بنبرة متألمة وأعين تلمع بالدموع:
_كان عندك حق أنا كنت غبي جدًا وساذج.. تعرفي إن رحمة هي اللي لفقت ليا تهمة القتل من سنتين ودخلت السجن بسببها وكله ده ليه عشان تسرق فلوس المشروع اللي كنت ناوي أعمله.. حلمي! أدركت أنه ليس بوعيه وأنه قام بشرب جرعة زائدة مما جعله ثملًا قليلًا، لتتنهد بأسى وتحاوط وجهه بكفيها هامسة بإشفاق: _عارف عارفة ياحبيبي.. تعالى خد دش وفوق وبعدين نبقى نتكلم.
انحنى ودفن وجهه بين ثنايا عنقها يستمد من حرارة جسدها بعض الدفء والقوة لتشدد هي من عناقه وتملس على شعره بحنو، وبعد لحظات قصيرة احست بأن الأمر سيكون أكثر من مجرد عناق فابتعدت عنه وهي تردعه عن ما يحاول فعله في اضطراب وتلعثم: _حسن بتعمل إيه!! .. إنت مش في وعيك و..... قاطعها واضعًا سبابته على شفتيها هامسًا بنبرة ونظرات سلبتها علقها قبل قلبها، فهي ضعيفة ومسلوبة القوة أمامه وأمام عشقها لها: _أنا محتاجلك يايسر!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!