في صباح اليوم التالي داخل منزل محمد العمايري. كانوا على طاولة الطعام يتناولون فطورهم بهدوء ولا أحد يتحدث، كان الكل يأكل معادا هو يعبث بصحن الطعام الذي أمامه دون أن يضع لقمة في فمه وينتظر اتصال معين بفارغ الصبر ولا يزال الغضب يهيمن عليه منذ أمس. سمع أمه تهتف باهتمام: _مالك ياكرم مش بتاكل ليه.. إنت متعصب من حاجة؟ رد عليها باختصار شديد: _مليش نفس! نظرت له شفق
بتدقيق وتحدثت لنفسها بخوف: "هل يعقل أن يكون شك بشيء عندما وجدني أمسك بصورة ذلك الرجل بالأمس". اهتز هاتفه على الطاولة بجانبه وأخيرًا جاء الاتصال المنتظر فوقف فورًا وأجاب وهو يسير باتجاه الباب ليغادر: _ألو يامسعد عملت إيه؟ أجابه الآخر باستياء شديد: _هو ياكرم بيه شوفت الكاميرات وطلع هو. تحول لجمرة نيران ملتهبة وأطلق من بين شفتيه ألفاظ بذيئة من بينها كلمات وعيد بالانتقام. * * *
كان حسن بمكتبه داخل الشركة يدور بمقعده بحركة دائرية حول نفسه وبيده مفاتيح سيارته يعبث بها ويحركه يمينًا ويسارًا أمام عيناه. شارد الذهن يتذكر كلامها "عشان هي أصلًا عمرها ماحبتك، وإنت كنت دايب فيها ويمكن مازالت، هي باعتك في أول محطة". "اللي لسا بتحبها دي تخلت عنك رغم كل اللي عملته عشانها".
لا يزال يحبها للأسف ولم يتمكن من نزعها من قلبه بأي شكل من الأشكال، لم يعد حبًا كما كان سابقًا ولكنه لا يستطيع القول أنه يكرهها، رغم أنها لا تستحق سوى الكره. قطع شروده دخول يسر المفاجئ وهي تحمل بيدها ملفات صغيرة. فاغلقت الباب خلفها وهتفت بإيجاز: _حسن اتصل بزين شوفه فين لغاية دلوقتي مجاش! عقد حاجبه وهدر باستغراب: _وإنتي عايزة زين ليه؟ هتفت بامتعاض وابتسامة صفراء:
_يمكن عشان الشغل مثلًا، وعشان في ملفات عايزة اورهاله ضروري. قال في حزم ونظرة قوية: _طاب ما أنا موجود أهو ولا هو لازم زين! ، تعالي وريني إيه اللي عايزة تورهوله. أشاحت بوجهها للناحية الأخرى متأففة بخنق فهي قررت منذ ما حدث بالأمس أنها ستحاول تجنبه وعدم التحدث معه بقدر الإمكان حتى تهدأ نفسها الثائرة منه.
اقتربت منه ووقفت بجواره وانحت للأمام بجزعه وفتحت الملفات ثم بدأت تتحدث وتشرح له الأمر بالتفصيل وكان هو بكامل انتباهه معها ولما تقوله ولكن انحرفت عيناه عن غير قصد واستقرت على حجابها المزحزح من الأمام فأظهر عن منطقة صدرها البيضاء العلوية. ونظرًا لأن الرداء الذي ترتديه لديه فتحة صدر واسعة قليلًا فعندما انحت كشف عن داخلها. استغرق الأمر ثلاث ثواني بالضبط حتى مد يده وسحب حجابها لأسفل جيدًا ليخفي لحمها
وهتف بغلظة صوته الرجولي: _لما تلبسي الفستان ده تاني البسي حاجة تحته يإما تلبسي طرحة طويلة وتثبتيها عشان مترجعش لورا. اعتدلت بسرعة وانتصبت واقفة ثم عدلت من حجابها وقالت في انفعال بسيط: _وإنت تبص ليه أصلًا!!! ازاح نظره عنها وقال بوقاحة مبتسمًا: _فرجة ببلاش.. متفرجش ليه! صرت على أسنانها بغيظ ولملمت الملفات فورًا قائلة بقرف وهي تتجه نحو الباب: _وقح!
وقبل أن تقبض على مقبض الباب وتفتحه تذكرت شيء فتوقفت والتفتت بجسدها ناحيته ثم اقتربت مجددًا وجلست على المقعد المقابل له مغمغمة بمضض واختناق: _عايزة اطلب منك طلب. اتسعت ابتسامته وأجابها بوقاحة وخبث أشد: _إيه متفرجش تاني؟!!! قالت بنظرة منذرة وهي تضبط غضبها: _احترم نفسك ياحسن. تخلي عن وقاحته واخفي ابتسامته ليجيبها بجدية وخشونة: _طاب قولي عايزة إيه؟
_رفيف كلمتني وبتقولي إنها نفسها تاجي تشتغل هنا وطلبت مني احاول اقنعك وأخليك تقنع زين وكرم، هي بتقولي إنكم رافضين فكرة الشغل بس أظن معندكمش حجة طالما هتشتغل معانا وقدام عينا، وأنا هدربها وهعرفها كل حاجة. أصدر تنهيدة حارة وصمت لبرهة من الوقت ثم تشدق بصوت أجشَّ: _طيب هشوف. استقامت وارسلت له ابتسامة وهي تهمس: _شكرًا. نظر لها بجمود ووجه خالي من التعابير فاستدارت هي وانصرفت.
وبعد أن اغلقت الباب وقفت خلفه تبتسم بسعادة داخلية حين استعادت توجيهاته الحازمة لها حول ردائها، وقوي الأمل بداخلها أنها قد تكون أوشكت على تحقيق هدفها! * * * في تمام الساعة الثانية ظهرًا. كانت بمنزل والدها وتجلس بجانبه على الفراش وبين ذراعيه في صمت حتى همست بعتاب: _بس كان المفروض تقعد في المستشفى يابابا عشان تبقى تحت رعاية الدكاترة علطول. أجابها بصوت هادئ:
_ما إنتي عارفاني ياحبيبة بابا مبحبش أقعد في المستشفيات وأنا الحمدلله كويس دلوقتي وأمك ربنا يخليها لينا مش بتخليني اتحرك من مكاني من وقت ما جينا من المستشفى. ابتسمت له بحب وامسكت بيده تقبلها هاتفة: _ربنا يخليكم لينا. _عاملة إيه مع جوزك.. وهو عاملة إيه زين؟ سألها بابتسامة عذبة لتختفي ابتسامتها تدريجيًا ويحل محلها العبوس ولكن سرعان ما رسمتها باحترافية وقالت بتصنع السعادة:
_الحمدلله يابابا كويسين وزي الفل.. وهو كويس اتصل بيا من شوية وقالي إنه جاي في الطريق. أماء لها بالإيجاب. ثم دخلت أمها وهتفت ضاحكة بمداعبة: _مش هتكبري على الحركات دي يابت. اتهمت بأن تجيب عليها ضاحكة ولكن رنين الباب أوقفها وأشارت لأمها التي همت بالذهاب لتفتح بأنها هي التي ستذهب وتفتح وقالت: _خليكي أنا هروح افتح ده تلاقيه زين.
قادت خطواتها الطبيعية نحو الباب وفتحته وكما توقعت كان هو فابتسمت له برقة وافسحت له الطريق للعبور. ليهمس هو بتساؤل قبل أن ينزع حذائه بجانب الباب: _في حد عندكم؟ فهمت مقصده حول هل يوجد نساء من اقاربهم أو معارفهم أتو لزيارة والدها وتمني الشفاء له أم لا، فهزت رأسها بالنفي وتمتمت بصوتها الناعم: _لا مفيش حد غير ماما. بدأ في نزع حذائه عنه وهو يغمغم بخفوت: _طيب قوليلها إني جيت.
خرجت أمها من الغرفة وهي ترحب به ترحيبيًا حارًا ومدت يده تصافحه ففعل وهي يرد عليها ترحيبها به باحترام شديد. ثم اصطحبته معها إلى غرفة زوجها وجلس معه بعدما عانقه وتمنى له الشفاء العاجل. أما ملاذ فذهبت للمطبخ وبدأت في تحضير كوب شاي له فقد عرفت خلال الأيام القليلة منذ زواجهم أنه يفضل الشاي كثيرًا وأكثر من أي شيء آخر.
وبعد دقائق قصيرة عادت لهم وهي تحمل الكوب على صينية صغيرة ثم وضعته أمامه على منضدة صغيرة الحجم وجلست على مقربة منه تتابع حديثه مع والدها الذي استمر لربع ساعة بالضبط. ثم استأذن منهم بالرحيل ليوقفه أبيها هاتفًا: _خليك اتغدى معانا يابني! أجابه بامتنان ونبرة مهذبة: _ربنا يخليك ياعمي مرة تاني إن شاء الله.. معايا شغل في الشركة لسا مخلصتهوش والله. _ماشي يابني مش هعطلك عن شغلك، ربنا يعينك ويقويك.
ودعه ثم انصرف ووقف بجانب الباب يرتدي حذائه. لتلحق هي به وتقف خلفه تنتظره حتى ينتهي ويلتفت لها لتهمس بنبرتها الأنوثية الخافتة: _هتاجي تاخدني إمتى؟ أجابها بجفاء بسيط وإيجاز دون أن يكون في وجهه أي شيء من البشاشة أو جزء من انحراف شفتيه للجانب كابتسامة لطيفة: _على الساعة 8 إن شاء الله. ثم فتح الباب ورحل فأغلقته خلفه ببطء وهي تأخذ نفسًا عميقًا بأسى وشجن.
فهو لن يجعلها تحصل على المسامحة منه بسهولة وكأنها لم تخطأ في شيء يستحق الخصام والعقاب!! * * * مر أسبوعًا كاملًا وطرأت معه بعض التغيرات الطفيفة. يسر لا تزال تحاول تجنب حسن قدر الإمكان حتى تفكر ماذا ستفعل وماذا ستكون خطتها القادمة ولكن تجد أن الشجار قد أدي بنتيجة إيجابية معه على عكس توقعها. وملاذ لم تجد أي نتيجة لمحاولاتها البائسة في إثبات أنها نادمة على كل شيء.. ولكنها لا تنكر أنه بدأ يكون أقل حزمًا معها.
وشفق باتت لا ترى كرم سوى دقائق قليلة إما على الطعام أو حين يكون في الحديقة يشرب قهوته.. لم تكن مدركة أنه يتجنب محادثتها عمدًا!! كانت تجلس في الحديقة على نفس المقعد الهزاز التي تجلس عليه دومًا، تتأمل النجوم الساهرة وتسترجع ذكرياتها من أخيها وأمها، وتحزن على الحال الذي هي فيه ثم تعود وتحمد ربها رغم كل شيء. وتفكر إلي متى ستقطن في منزل الغرباء لابد من وضع الحدود لكل هذا.
وجال بذهنها فكرة أن تتصل بعمها ولكنها تعرف جيدًا شر زوجته وابنائه وبالأخص ابنه الأكبر الذي تهاتف عليها لسنوات ورفضته وكان هذا بداية المشاكل بينهم عندما وقف أخيها ضد عمه الجبار وطلب منه أن يبتعد عنهم تمامًا ويبعد ابنه عن شقيقته وإلا ستكون نهاية هذا الأمر سيئة. أخيها!!
أصبحت عارية لا تجد الستار الذي كانت تستتر خلفه، لم يعد هناك السند أو القصر المنيع الذي تلوذ إليه وتحمي نفسها داخله وهي متيقنة أنها ما دامت داخله فهي في آمان من شرور الناس. اعتدلت في جلستها فورًا حين رأته يقترب منها وهو يحمل في كل يد كوب قهوة دافئة ثم اقترب وجلس على المقعد المجاور لها ومد يده لها بكوب القهوة الثاني فأخذته من يده وهي تبتسم بحياء واضطراب من ملامح وجهه الصارمة على عكس طبيعته مع الجميع وليس معها فقط.
فساد الصمت بينهم للحظات وكلاهما يحتسي من كوبه في صمت حتى أتاها صوته القوي وهو يقول: _عدى اسبوع واستنيت تاجي وتقوليلي بنفسك مجيتيش.. ليه مقولتيش إنك عارفاه لما شوفتي صورته في اوضتي؟!! قُيَّد لسانها وأصابها الارتباك والقليل من الدهشة حين تأكدت أنه عرف بكل شيء، فابتلعت ريقها وتمتمت بخفوت وهي تتحاشى النظر إليه:
_خوفت أقولك لتصمم على اللي في دماغك أكتر لإني كنت عارفة من سيف الله يرحمه إنك مش سايب مكان وبتحاول تلاقيه وعايز تنتقم منه، محبتش أكون سبب لو بسيط في حاجة ممكن تأذيك. هتف في صوت غليظ وغضب مكتوم:
_إنتي عرضتي نفسك للخطر.. لو كنتي قولتيلي من وقت ما كنتي شاكة فيه مكنش اللي حصل معاكي في بيتكم ده هيحصل لإني مكنتش هسمحلك تقعدي وحدك أبدًا، وأنا كدا كدا كنت هلاقيه وهوصله سواء عرفت إنه هو اللي بيبتزك أو لا بس زي ما قولتي اللي عمله ده خلاني اصمم أكتر على اللي ناوي أعمله فيه. فهمت في لمح البصر ما ينوي الفعل به، وهو الثأر لروح زوجته التي خرجت وهي تتعذب، فهتفت في ذهول وشيء من الرجاء:
_ولما تدخل السجن بسببه هتستفاد إيه، هتبقى خسرت مراتك وخسرت حياتك.. الأفضل إنك تسلمه للشرطة وتسيب القانون يعاقبه. نظر لها مبتسمًا بإزدراء وهو يتمتم: _وهي الشرطة هتقدر تطفي النار اللي جوايا!! .. خلاصة الكلام ياشفق أنا جيت عشان أقولك مش هينفع تمشي من هنا غير لما امسكه لإن ماما قالتلي إنك عايزة تمشي. ثم هب واقفًا واتجه نحو الداخل مجددًا وتركها معلقة نظرها عليه وهو يبتعد عنها بأعين دامعة!! * * *
عاد من عمله مبكرًا اليوم على غير عادته وكان متعبًا ودخل فورًا لغرفته حتى ينام. والآن الساعة قاربت على العاشرة مساءًا ومازال لم يتسيقظ!! القت هي نظرة على ساعة الحائط بنظرات قلقة ثم استقامت وقررت أن تدخل له وتطمئن عليه وتعرف سبب نومه لكل هذه الساعات فهو منتظم في ساعات نومه ولا ينام لساعات طويلة هكذا.
قادت خطواتها نحو غرفته وفتحت الباب ببطء وادخلت رأسها تنظر له فوجدته في فراشه متدثر بالغطاء حتى كتفه ووجهه يعطي أحمرارًا ليس طبيعيًا. فدخلت دون تردد واقتربت منه تتلمس بباطن يدها جبهته ووجنته لتجد حرارته مرتفعة جدًا فتخرج فورًا لتجلب دواء للانفلونزا وملأت كوب ماء ثم عادت له وهمست في رفق وهي تهزه بلطف حتى يستيقظ: _زين.. زين قوم خد البرشام ده.
فتح عيناه بصعوبة واعتدل نصف اعتدالة في نومته حتى يتمكن من شرب الماء وأخذ الدواء ثم عاد وتدثر مجددًا بالغطاء مغمضًا عيناه التي لا يقوي على فتحهما من ارتفاع حرارة جسده. بينما هي خرجت مجددًا وعادت بعد لحظات وهي تحمل بيدها منشفًا صغيرًا أكبر من حجم اليد قليلًا، وغمسته في الماء ثم أخرجته وعصرته وطوته ثلاث مرات، ثم وضعته على جبهته. رفع هو يده وازاحه هامسًا بصوت ضعيف يكاد لا يسمع:
_اطلعي ياملاذ وسبيني، أنا هنام وهصحى الصبح كويس إن شاء الله. هتفت برفض قاطع وشيء من الغضب: _لا مش هسيبك، إنت مش قادر تفتح عينك من التعب. ارتفعت نبرة صوته قليلًا وهو يقول بخشونة: _قولتلك اطلعي، ملكيش دعوة بيا. امسكت بالمنشفة الصغيرة وعادت تضعها على جبهته مجددًا هاتفة في إصرار وحدة: _متعاندش معايا، لما حرارتك تنزل إن شاء الله هبقى اطلع وأسيبك، وممكن تسكت بقى وتسيبني أعملك الكمادات.
ليس لديه القدرة لمقاومتها أو الجدال معها، فاستسلم لأمره وأغمض عيناه من جديد تاركًا إياها تفعل به ما تريد. واستمرت لدقائق تضع الكمادات على جبهته حتى هدأت حرارته المرتفعة قليلًا، فتنهدت هي بارتياح وجعلت تتفرس ملامحه بابتسامة جميلة ومحبة، ثم مدت يدها تمررها برقة على شعره الأسود الغزير.
لم يمر أسبوعين على زواجهم، ولكنه نجح بسهولة أن يتولى منصبه في قلبها، وأصبحت شبه متأكدة من أنها الآن يمكنها إعلانه سلطانها الجديد وتدق الطبول احتفالًا ببداية عهده. سمعته يهمس في صوت خافت: _اطفي المروحة ياملاذ.. أنا بردان. _مش هينفع اطفيها، لازم اشغلها عشان تجدد الهوا في الأوضة، أنا مشغلاها على أقل درجة.
ثم رفعت جزء من الغطاء وتدثرت بجانبه دون أن تضع رأسها على الوسادة، ليقترب هو برأسه من جسدها يستمد منها الدفء، فتبتسم بحب ودفء وتضمه لصدرها بعد أن تمددت كليًا بجواره، وأخذت تغلغل أصابعها بين خصلات شعره وتعبث به برقة حتى غلبه تعبه ونام بين ذراعيها، ولحقت هي به بعد دقائق.
فتح عيناه في صباح اليوم التالي بتكاسل وخمول، ونظر لها بصمت للحظات وهي نائمة بسكون بجانبه، فاعتدل في نومته وانحني طابعًا قبلة رقيقة على جبهتها، ثم نهض من الفراش وغادر الغرفة متجهًا للحمام لكي يأخذ حمامًا دافئًا ويزيح آثار الحمى عن جسده. وبعد دقائق خرج وهو يرتدي بيجامة منزلية من اللون الأسود والرصاصي، ثم ذهب للمطبخ وبدأ في تحضير كوب الشاي الصباحي الخاص به.
فتحت عيناها وتمطعت بذراعيها للأمام ثم اعتدلت جالسة، ونظرت بجوارها فلم تجده، لتقطب حاجبيها باستغراب. ونهضت لتغادر الغرفة، فسمعت صوت قادم من المطبخ.. علمت أنه فيه، فتوجهت صوبه ووقفت بجوار الباب متمتمة في رقة: _صباح الخير. رد عليها باقتضاب دون أن ينظر لها: _صباح النور. اقتربت منه ووقفت بجواره، ثم مدت يدها لتتحسس جبهته هاتفة بنعومة: _بقيت كو...... امسك بيدها قبل أن تلمسه وابعدها هاتفًا في صلابة: _كويس.. كويس الحمدلله.
طالعته بنظرات رجاء أن ينهي عقابه لها، فقد بدأت نفسها تتألم من جفائه معها، ليخرج صوتها عابسًا: _هتفضل لغاية إمتي كدا يازين؟ وضع السكر في كوب الشاي ثم بدأ يقلب بالمعلقة وهو يردف بصوت رجولي أجش: _هيفضل حبك لخطيبك حاجز بينا، وهيفضل خداعك ليا نقطة سودا في علاقتنا. هتفت بنبرة صوت مرتفعة قليلًا وصدق ينبع من صميم فؤادها: _مبقتش أحبه، والله العظيم مبقتش بحبه، ليه مش عايز تفهم!!
.. أنا مفيش حياتي حد غيرك ومبقتش بفكر غير فيك، وعايزاك تديني فرصة اثبتلك ده واثبتلك إني مش بفكر فيه نهائي وإني ندمانة على اللي عملته، اديني فرصة استعيد ثقتك فيا من جديد. نفسًا قويًا أخذه وأخرجه زفيرًا حارًا قبل أن يهتف في غلظة صوت ونظرة ثاقبة كالصقر: _طيب هديكي فرصة، ولو معرفتيش تستعيدي الثقة دي هيحصل إيه؟ _مفيش لو.. أنا هصلح كل حاجة عملتها صدقني.
امسك بكوب الشاي والقي عليها نظرة قوية قبل أن ينصرف، ويتركها تتراقص فرحًا من داخلها وتفكر ماذا ستفعل لتتمكن من إعادة المياه لمجاريها، فارتفعت لشفتيها ابتسامة مختلطة بمزيج من المشاعر الرومانسية حين تذكرت نومها ليلة أمس وهو بين ذراعيها، إحساس داهمها لا تجد الكلمات لوصفه سوى أنها شعرت بالسلام والراحة النفسية بجواره.
فتحت الباب ببطء ودخلت حتى توقظه، فتجده مازال نائمًا، تنهدت بعمق ثم اقتربت من الفراش وجلست على الحافة بجواره تبتسم بحب، لا تعرف سبب تغيره معها منذ آخر شجار بينهم والذي كان من أسبوع كامل.. لم يكن تغيرًا جذريًا ولكنه لم يعد يعاملها باحتقار وتقرف بل أصبح عاديًا تمامًا يتحدث بطبيعية، مما جعلها تشك بأمره وتتساءل بفضول وحيرة، هل خطتها تسير في الطريق الصحيح أم أنه أشفق عليها؟ أم ماذا؟
، كانت تسأل نفسها هذا السؤال منذ ثلاث أيام وتخشى أن تسأله فتسمع منه ردًا يدخل اليأس لقلبها أو تسمع ما لا تريد سماعه وينفعل فيشب شجار جديد.. وكانت تفضل عدم معرفتها سبب هذه المعاملة، يكفي أنها تسعدها وتعطيها المزيد من الأمل. انحنت نحوه وطبعت قبلة طويلة على وجنته تبث بها كل شوقها وحبها له، ففتح هو عيناه دفعة واحدة بشيء من الفزع حين شعر بها وخرج صوته تلقائيًا: _بتعملي إيه! ارتدت للخلف فورًا في زعر وهتفت
بتوتر مع قليل من الخجل: _ولا حاجة، كنت جاية اصحيك عشان منتأخرش على الشغل. اعتدل وفرك عيناه متمتمًا بابتسامة مزدردة: _وإنتي كدا بتصحيني ولا بتتحرشي بيا وأنا نايم. أشارت إلي نفسها بسبابتها هادرة بدهشة وترفع: _أنا!! .. بيك إنت!! ، ده على أساس إن إنت ملاك طاهر نازل من السما عشان اتحرش بيك مثلًا. أبعدها عن طريقه وهو يقول بضحكة خفيفة: _طيب ابعدي. نزل من الفراش وتوجه للحمام لكي يأخذ حمامًا صباحي قبل الذهاب للعمل، أما هي فقد
همست لنفسها في فضول قاتل: _لا ما أنا هتحصلي حاجة لو مفهمتش هو بيتعامل معايا كدا ليه! خرجت وبدأت في وضع طعام الإفطار في الصحون ومن ثم ترتيبها على الطاولة، الأمر الذي استغرق منها ما يقارب العشر دقائق. وبعدما انتهت اندفعت نحو غرفتها مجددًا حتى تستعجله، وفتحت الباب لتجده يلف منشفة على نصفه السفلي، وكان سيهم بفكها لولا دخولها الذي اوقفه، فاستدارت فورًا بجسدها كاملًا توليه ظهرها هاتفة بإيجاز:
_أنا حطيت الفطار يلا عشان ميبردش. ثم خرجت وأغلقت الباب بسرعة وهمت بالرحيل من أمام الباب، ولكنها توقفت حين عزمت على أن تحصل منه على إجابة للسؤال الذي تطرحه منذ أيام، فانتظرت لدقيقة وطرقت على الباب هاتفة: _حسن. _اممممم. قالت بترقب لإجابته: _خلصت؟ .. عايزة اقولك حاجة. _ادخلي خلصت.
فتحت الباب من جديد فوجدته ارتدي بنطاله فقط، هل سألته انتهيت أم لا لتقصد البنطال فقط، ولكنها لم تركز كثيرًا عليه وحاولت أن تثبت نظرها على وجهه فقط، ثم اقتربت منه ووقفت بجانبه وتابعته وهو يفتح الخزانة ويلتقط قميصًا من اللون الازرق الداكن ويدخل ذراعيه في أذرعته، وكان على وشك أن يغلق أزراره ولكن سؤالها جعله ينتبه لها أكثر وينظر لها، حيث قالت بوضوح دون أي مقدمات: _إيه سبب تغيرك معايا من ساعة ما اتخانقنا على موضوع الطلاق.
اتاها صوته القوي وهو يبتسم ببساطة: _أنا متغيرتش، بس تقدري تقولي إني لقيت إن شغل القط والفار ده مش هيفيد بحاجة بالعكس هيوجع دماغي أنا والأفضل إني اتعامل معاكي بسلاسة وعادي جدًا لغاية ما نتطلق. هذا ما كانت تخشى سماعه ولهذا كانت مترددة في سؤاله، وعلى عكس المتوقع منها غمغمت في شيء من السخرية: _يعني إنت خلاص قررت إنك هتطلقني. بدأ يزرزر قميصه وهو يقول بمبالاة: _إنتي شايفة إننا ينفع نكمل مع بعض؟ قالت بهدوء تام:
_ومينفعش ليه!؟ نظر لها وقال ببرود قاسي وكلمات دخلت في قلبها كالسقم الذي يفتت الأعضاء: _عشان احنا مننفعش لبعض وعشان أنا مش قادر أحبك. رفضت الكلمات الخروج ورفض صوتها أن ينطلق من حنجرتها، وفقط شعرت بأن دموعها على وشك التجمع في عيناها، وما زاد الأمر سوءًا استرساله في الحديث ولكن هذه الأمر ببعض اللين:
_إنتي مش هتقدري تغصبي حد عشان يحبك يا يسر.. أنا مش بحبك فعلًا بس كمان مش بكرهك، أنا بكره تصرفاتك وأفعالك ومش عايز أكرهك، فعشان كدا هننصبر لغاية ما تعدي فترة على جوازنا وبعدين هنطلق.. صدقيني ده أفضل حل لينا احنا الاتنين.
لديه الحق في جملة واحدة فقط، هي لن تستطيع إجباره على حبها.. فكل شيء يمكن أن يكون بالإجبار إلا القلب، فلا تتمكني من فرض سيطرتك عليه وجعله يخضع لقوانينك ويذعن لك، لن تتمكني من جعل القلب يستلطف شخصًا أو يكرهه أو يحبه بالإجبار. الآن فقط يمكنها أن تبارك له على الفوز وتتقبل خسارتها النكراء. امتلأت عيناها بالدموع وقالت في انكسار وعجز: _موافقة ياحسن. أحاط بكتفيها وتمتم في لطف وحنو مع زرانة وتعقل:
_من غير زعل يايسر، أنا مدرك حبك ليا بس احنا مش لبعض، وإنتي أكيد هتنسيني بعدها بفترة وهتلاقي الشخص اللي ينسابك ويحبك، إنتي تستاهلي واحد يقدرك ويحبك لكن أنا مش هقدر أكون الشخص ده.. إنتي محتاجة واحد زيك! قال جملته الأخيرة بابتسامة مداعبة لتجيبه بتعجب: _زيّ إزاي يعني؟! أكمل بمزيد من المشاكسة حتى يجعلها تبتسم: _واحد خبيث زيك عشان تتأقلموا مع بعض، لكن أنا طيب وغلبان جمبك وبخاف على نفسي منك أحيانًا.
ابتسمت بالفعل وأظهرت عن أسنانها البيضاء الناصعة، ثم قالت بنبرة عادية تتصنع من خلالها الثبات: _طيب خلص لبس وتعالى أنا هستناك برا عشان الأكل. إيماء لها بالموافقة لتستدير هي وتنصرف، وبمجرد ما خلت بنفسها في الخارج تركت العنان لدموعها تسقطهم في صمت وهي تشعر بتمزق قلبها من الألم والحرقة. يبحث في مكتبه الصغير عن بعض الأوراق الخاصة بالعمل لكي يأخذها معه، وبينما هو منشغل بالبحث عنها دخلت عليه هدى وأغلقت الباب خلفها وهاتفة:
_رايح الشركة من دلوقتي ياكرم؟ _أهاا، إنتي عايزة حاجة ولا إيه؟ استغرقت لحظات وهي تجهز الكلمات بذكاء في عقلها حتى تصل لمبتغاها، ثم اقتربت منه وهمست في صوت منخفض قليلًا: _هتعمل إيه مع شفق؟ وأخر ما تقعد هنا يعني أهو عدي أسبوع وهي ذات نفسها عايزة تمشي. قال بإيجاز وعدم اهتمام وهو لا يزال يبحث في الأدراج عن ما يريد: _أنا اتكلمت معاها إمبارح ياماما وفهمتها الموضوع. استفزها عدم اكتراثه للأمر فهتفت في حدة ملحوظة في نبرتها:
_مينفعش تقعد هنا كتير ياكرم، وهي مهما كان فهي غريبة عننا ومش من عيلتنا، وملاذ ويسر لما بياجوا هما وإخواتك بحسهم بيضايقوا وبذات يسر، ده غير إن جدتك كمان أسبوع ولا حاجة وهتاجي وهتعوز تخلي حسن وزين ياجوا ياخدوا يومين معانا هنا، وعيب تقعد وسطيكم وهي غريبة عنكم كلكم. عثر على الأوراق أخيرًا ثم ألقاها على سطح المكتب وهو يجيبها بفتور وشيء من الانفعال البسيط:
_وأنا أعمل إيه بس أسيبها في بيتهم وحدها ويحصل معاها زي ما حصل لما جبتها، أنا تعبت والله كل حاجة بتضغط عليا!! ، لو عندك حل وهيخليها في آمان قوليه وريحيني. ابتسمت بمكر وقالت مباشرة دون أي مقدمات: _اتجوزها. الجمته الكلمة في أرضه وجعلته يحدق بأمه في دهشة ولا يستوعب ما اخترق سمعه للتو، وسرعان ما ضحك ساخرًا دون أن يتحدث ويسمع استرسالها في الحديث وهي تقول بحكمة:
_ده الحل الأمثل، إنت هتفضل تحميها كدا لغاية امتي لكن لما تتجوزها هتبقى تحت عينك وهتكون برضوا نفذت وصية سيف الله يرحمه وهتخلي اخته في كنفك وجمبك علطول وفي حمايتك. استمر في ضحكه المندهش وهمهم في ازدراء: _أنا مش مصدقك والله، ولا مستوعب اللي بتقوليه. رسمت محل ابتسامتها قسمات الحزم والاستياء البسيط وقالت في شيء من الجفاء: _مش مستوعب ليه!!
، إنت عايز تفضل عازب كدا علطول.. هي اروى هترجعلك تاني مثلًا ولا إنت بقى هتوقف حياتك عليها وهتتقمص دور المخلص ليها لآخر عمرك. اطال النظر في وجهها للحظات فلقد كانت كلماتها قاسية عليه ولم يتوقعها منها قط! خرج صوته الغليظ وهو يهم بالانصراف: _بظبط هو ده اللي هعمله يا أمي. وصل عند الباب وتوقف عندما سمعها تهتف في قسوة ونبرة لا تحمل المزاح أو الرحمة:
_لو موافقتش تتجوزها اعتبرني مت وهغضب عليك لغاية ما أموت ولساني مش هيخاطب لسانك أبدًا.. شوف بقى هتختار إيه. التفت لها برأسه ومال بها قليلًا للجانب وكأنه يتوسلها بنظراته قائلًا "لا تفعلي هذا بي أرجوكِ، لا تجبريني على الاختيار بينكم! وضعت الصخر على قلبها حتى لا تلين له ولنظراته التي تذيب الثلج. أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ترفض النظر إليه، موضحة له عدم رغبتها في رؤيته إلا حين يخبرها بقراره النهائي.
أصدر هو تنهيدة مسموعة في حيرة وألم، ثم قام بفتح الباب ورحل. تركها تتخبط في مشاعرها ما بين شفقتها عليه وما بين رغبتها في أن تراه سعيدًا، حتى لو لن يكون في البداية سعيدًا. ولكنها متأكدة بأن هذه الفتاة هي التي ستعالج آلمه، وفي النهاية هو بنفسه سيشكرها. *** أوقف سيارته في المكان المخصص داخل الحديقة، ثم نزل منها وقاد خطواته الطبيعية نحو الباب. طرق عدة طرقات خفيفة لتفتح أمه الباب وتهتف بدهشة امتزجت بالسعادة:
"إيه ده زين.. مقولتش ليه إنك جاي؟ انحنى والتقط كفها يقبله برقة، ثم يعانقها وهو يردف: "عاملة إيه يا أمي؟ "الحمدلله ياحبيبي بخير وإنت عامل إيه.. مراتك مجاتش معاك ولا إيه؟ أجابها بالنفي وشيء من العجلة: "لا مجاتش، أنا جيت اتكلم مع رفيف في حاجة وماشي تاني عشان معايا اجتماع." قطبت حاجبيها باستغراب وتشدقت بريبة والقليل من القلق: "خير.. هو في حاجة ولا إيه؟ ملس على وجنتها بحنو هامسًا: "خير إن شاء الله.. أنا هروح اشوفها."
ثم تركها وتوجه للأعلى مسرعًا. وبينما هو في طريقه لغرفة شقيقته، قابل شفق التي كانت في طريقها للأسفل حتى تشرب. فأجفل نظره عنها فورًا أرضًا وتوقف لثانية واحدة. ألقى عليها تحية السلام وقاد آخر خطواته لغرفة شقيقته دون أن ينتظر منها الرد. حتى لترد هي في نفسها تحية السلام عليه وتكمل طريقها للأسفل وهي تبتسم بتعجب من هؤلاء الإخوة. فكرم كان يرفع نظره إليها بصعوبة في البداية بسبب حياءه.
وأخيه الأكبر لا يختلف عنه كثيرًا، سوى أنه ملتزم ولا يرفع نظره في امرأة أيضًا، ولكن ليس من حياءه بل من فرط تدينه وأخلاقه الحميدة. وخلال المرتين اللتين رأت فيهما حسن، اتضح لها من مجرد نظرة أنه لا يشبه إخوته بتاتًا في شيء. طرق الباب وانتظر أن يأتيه صوتها تسمح للطارق بالدخول. حتى فتح الباب ودخل. وبعفوية شديدة وثبت من فراشها واقفة وعانقته مرحبة به بحرارة. فغالبًا يكون الأخ الأكبر للفتاة الوحيدة بمثابة أب وليس أخ.
بادلها هو ترحيبيها به بحنوه المعتاد عليها وهو يهمس في صوت ينسدل كالحرير ناعمًا: "عاملة إيه يارفوفتي؟ دلعه المميز لها هو ما قاله "رفوفتي". ولكن من أشقائها يدلعها على طريقته. فمثلًا حسن يقول لها أحيانًا "فيفي"، وكرم "رورو". ولكن الأقرب لقلبها هو ما يناديها به أخيها الأكبر. غمغمت في رقة: "الحمدلله كويسة وإنت؟
"بخير الحمدلله، أنا حسن كلمني من كام يوم في موضوع الشغل وقالي إنك قولتي ليسر وكدا وكنت عايز آجي اتكلم معاكي في الموضوع ده بس مكنتش فاضي." تهللت اساريرها وقالت بحماس: "يعني موافق بجد؟ جذبها من يدها بلطف وأجلسها على الفراش وبدأ يتحدث بنبرة صوت جادة ونظرة ثاقبة تعرفها جيدًا منه، مما جعلها تتوتر:
"موافق وكمان جهزي نفسك وتعالي مع كرم بكرة عشان تبدأي ويسر تعلمك زي ما قالت. بس مش هو ده الموضوع اللي جاي عشان.. قوليلي بقى إنتي كلمتي يسر فعلًا؟ ارتبكت بشدة وتلعثمت. فطالما سأل هذا السؤال حتمًا عرف بأنها تحدثت مع "علاء". وكان يسألها بوضوح وبنظراته هذه لأنه متيقن أنها لم تتمكن من الكذب أمامه، وإلا ستكون عواقب كذبها أشد. فأخذت شهيقًا قويًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا، ثم تمتمت في توتر:
"الصراحة لا.. بص هو مفيش حاجة أصلًا والله، كل كل ما في الموضوع إني كنت راجعة من الكلية وعلاء شافني بالصدفة وقالي تعالي هوصلك البيت في طريقي وأنا ركبت وهو سألني عن الكلية والكلام جاب بعضه واتكلمت عن الشغل وكدا يعني وقولتله إنكم مش موافقين فقالي إنه هيكلم عمي ويخليه يحاول يقنعكم وعشان عمي مسافر فشكله قال ليسر وهي قالت لحسن، بس هو ده اللي حصل والله." لو كانت كذبت لكان سيغضب بشدة منها. ولكن صراحتها هدأت من روعه كثيرًا.
وتمتم في رزانة ونبرة دافئة: "طيب وهو هل يصح إنك تركبي معاه في العربية وحدك؟ هزت رأسها بالنفي وهي تطرق رأسها أرضًا بإحراج وهمست في صدق وضيق من نفسها: "أنا مكنتش اقصد أعمل حاجة غلط والله، هو لما قالي اركبي محبتش اكسفه وإنت عارف إن علاء كويس جدًا ولو كان غير كدا أنا مكنتش هتكلم معاه كدا نهائي أو هركب معاه أصلًا." أكمل بنفس نبرته السابقة:
"أنا مقولتش حاجة على علاء، أنا عارف علاء كويس وإلا كان زمانك هتشوفي ردة فعل مني مختلفة. أنا بتكلم عليكي إنتي.. ده غلط واسمه خلوة وإنتي فاهمة يعني إيه خلوة.. فأنا مش هقول حاجة المرة دي وهعديها بس هتكون آخر مرة. ولو حصلت تاني الصدفة دي ابقى اعتذري منه بأي طريقة ودايمًا تخلي في حدود في تعاملك مع أي راجل مش مع علاء بس. وتبقى الحدود دي كمان لما تكوني مضطرة يعني في عمل أو شيء تاني إنتي مضطرة تتعاملي فيه مع راجل فتحطي حدود ومتسمحلهوش ولا تسمحي حتى لنفسك إنتي تتخطيها."
ثم توقف عن الكلام للحظات واسترسل حديثه بابتسامة ساحرة ولين: "في مقولة بتقول زينة الغني الكرم وزينة الفقير القناعة وزينة المرأة العفة." هزت رأسها بالإيجاب وهي ترسم ابتسامة ناعمة على شفتيها: "حاضر صدقني آخر مرة ومش هتتكرر تاني." قرب رأسها من شفتيه ليقبل جبهتها متمتمًا قبل أن يستقيم واقفًا: "يحضرلك الخير ياحبيبتي، أنا همشي بقى عشان متأخرش." ودعته بعناق سريع ثم انصرف وتركها تفكر في كلامه وتلوم نفسها بشدة على ما فعلته.
فهو لديه الحق في كل كلمة قالها. وهي أخطأت حين سمحت لنفسها بأن تتخطى الحدود، سواء مع شقيق ملاذ "إسلام" أو مع ابن عمها. *** تجولت إلى ما يقارب الساعة والنصف بين محلات الملابس النسائية، وخاصة محلات الملابس الفضفاضة كالرداءات والعباءات والتنانير.. إلخ. وبينما هي في آخر محل تحاسب على آخر شيء ستشتريه، لفتت نظرها ساعة الحائط التي تجاوزت الثالثة عصرًا.
فخفق قلبها ببعض التوتر واسرعت للخارج بعد أن حملت أكياس ملابسها، عازمة على الوصول للمنزل مسرعة. داعية ربها ألا يكون وصل قبلها، فهي لا تدري كيف ستكون ردة فعله. نزلت من السيارة الأجرة أمام البناية الضخمة التي تقع شقتها في الطابق العاشر منها. وتلفتت حولها فوجدت سيارته. لتغمض عيناها بيأس وهي تزفر، معنفة نفسها بشدة.
ثم أخرجت هاتفها ونظرت للشاشة، وكان عدد الاتصالات الواردة منه تجاوزت الخامسة عشر، مما أثبت لها أنها ستتلقى توبيخًا وسخطًا عنيفًا منه. فقادت خطواتها المتعثرة لداخل البناية ثم استقلت بالمصعد الكهربائي. وبعد لحظات وقفت أمام طابق شقتها، فخرجت وتحركت صوب الباب ببطء وتردد، تحاول إيجاد الحجج والأعذار التي ستبرر بها خروجها دون إذنه. تفكر كيف ستهدأ من ثورته.
وضعت المفاتيح في قفل الباب وأدارته للشمال ثم فتحته بحذر وأدخلت جسدها تدريجيًا. أولًا رأسها التي تلفتت يمينًا ويسارًا باحثة عنه. ثم خطت بقدمها اليمني للداخل وأخيرًا جسدها كله. ثم أغلقت الباب بحرص شديد وبطء. وإذا بها تنتفض واقفة كأن عقرب لدغتها حين سمعت صياحه مناديًا عليها: "مـــــلاذ." ازدردت ريقها بارتباك والتفتت بجسدها بعد أن ألقت بالأكياس على أقرب مقعد منها. ثم ذهبت له وهي تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، حتى وقفت أمامه.
وخاطفت نظرة سريعة له لتجد وجهه مشتعلًا يعطي احمرارًا مريبًا. وخرج صوته الذي وقع في نفسها وقعًا مهيبًا ومخيفًا: "كنتي فين؟ انزوت نظرها عنه في ربكة ملحوظة وهمهمت بأسف صادق: "أنا آسفة." ارتفعت نبرة صوته قليلًا وصارت أشد قسوة: "أنا مش بقولك اعتذري، أنا بسألك كــنـــتي فــــيــــن؟ وطلعتي من غير ما تقوليلي ومش بتردي على تلفونك كمان." كان صوتها منخفضًا وفيه شيء من الإحراج منه وهي تتمتم:
"روحت اشتري كام حاجة ليا ومكنتش متوقعة إنك هتتعصب كدا أوي والله، ولو كنت أعرف كنت قولتلك وأنا أساسًا كنت ناوية أرجع قبل ما ترجع بس تأخرت غصب عني." سرت رعشة في جسدها أثر صرخته العنيفة والثائرة بها وهو يخرج شحنة غضبه المكتظة داخله: "مفيش حاجة اسمها مكنتش متوقعة.. في حاجة اسمها إنك متجوزة ولما تطلعي من البيت تشاوريني وتاخدي إذني الأول مش تطلعي وتدخلي على مزاجك."
هي لم تكن تقصد أن تخالف قواعد المرأة المتزوجة عند خروجها من المنزل، ولكنها كانت تريد أن تفاجئه بما عزمت عليه ولا تريد أن يعرفه حاليًا إلا حين اللحظة. فرفعت نظرها له وقالت باعتذار ينبع من صميمها وصوت رقيق به خضوع كامل لأوامره: "حاضر.. أنا آسفة، أول وآخر مرة صدقني مش هتتكرر تاني." لانت نظراته قليلًا لها وسكنت ثورته في الأعماق بعض الشيء. ثم اقترب منها وهو يتفحص يديها الفارغتان مغمغمًا بغلظة صوته الرجولي:
"وفين الحجات اللي جبتيها دي وإيه هي؟! ابتسمت بلطف وتحدثت بنبرة أنوثية ناعمة: "عملاها مفاجأة ليك.. لما ياجي وقتها هتعرفها." رَانَ الصمت عليه لثوانٍ يحاول تخمين هذه المفاجأة التي تتحدث عنها، ولكن لم يعطها اهتمامًا زائدًا عن حده حيث نفضها عن ذهنه. وثبت تركيزه على نفسه المتأججة بنيران الغيرة. فكما أخبرها هو لا يستطيع الوثوق بها حتى الآن ولم تتمكن من استعادة هذه الثقة.
وما يدور في عقله الآن هو سبب كل هذا الغضب ويجعله يحترق ويأكله أكلًا. حيث همس في نظرة تركت أثرًا سلبيًا في نفسها ونبرة صوت خافتة تحمل لهيب الغيرة والازدراء معًا: "ياترى روحتي تشتري الحجات اللي عملاها مفاجأة ليا دي بس، أصل إنتي متعودة بتقولي للناس رايحة مكان وبتكوني روحتي مكان تاني خالص." وقعت كلماته الجافة التي لا تحمل الرحمة كصخور ضخمة وتركت آثارها من جروح على جسدها وبالأخص قلبها. أيشك بها؟
يذكرها بليلة زفافهم حين أخبرتهم بأنها ذاهبة للحمام وخرجت لتقابل خطيبها السابق. هل حقًا يظنها الآن خرجت لتقابله مجددًا؟ ولكنها وعدته بأنها ستكف عن حبه وهي بالفعل فعلت. ووعدته بأنها ستوهب حياتها لأجله وستكون ملكًا له. وأقسمت بأنها لا تريد سواه وأنها نادمة أشد الندم على الخطأ التي اقترفته وستبذل كل الجهد لتصحيحه. هل يظن أن خيانة الوعود من شيمها؟ ربما خدعته واستغلته وخانته، ولكنها لم تخن وعدها أبدًا ولن تفعل.
غامت عيناها بالعبارات الحارقة والمعاتبة على ما قاله: "إنت شاكك فيا يازين!!
، أنا وعدتك إني مستحيل أقرر الغلط مرة تاني ومش معقول هكون بعمل كل اللي أقدر عليه عشان أصلح الوضع بينا واستعيد ثقتك واروح أعيد الغلط تاني ده يبقى اسمه غباء ووقتها ابقى استاهل إنك متدينيش فرص فعلًا.. أنا حلفت بالله إن القذر ده مبقيش في بالي أصلًا وإن إنت الراجل الوحيد في حياتي دلوقتي بس واضح إن حتى القسم بالله مخلكش تصدق ولسا بتشك فيا ومبقتش مجرد عدم ثقة لا كمان بقى شك إني بخونك وبقابله وبكمل علاقة حبي معاه."
ثم استدارت وذهبت لغرفتها بعد أن أخذت أكياس ملابسها معها. واجهشت ببكاء قوي وصل لأذنيه. ليزفر متسفرًا ربه. فمهما حدث بينهم فإن آخر شيء يريد سماعه أو رؤيته هو بكائها. اتجه نحو غرفتها وحاول فتح الباب ولكنه أبى ولم يفتح. ففهم أنها أغلقته بالمفتاح من الداخل. ثم أطرق على الباب بلطف هاتفًا: "افتحي ياملاذ." جاءه صوتها الباكي وهي تهتف بتضجر: "مش هفتح يازين وممكن تسبني وحدي لو سمحت." قال بلهجة آمرة بها شيء من الرفق:
"قولت افتحي الباب ياملاذ.. افتحي يلا!! وقفت مغلوبة على أمرها وفتحت له بوجه غارق في الدموع. ليخرج منديلًا من جيبه ويمد يده به إليها. وبنظرة دافئة ثم يهمس في هدوء ساحر: "فهمتي أنا ليه بقول الطلاق أفضل حل ولازم يحصل، لإن أنا لا قادر أسامحك ولا قادر أشوفك بالوضع ده، فده هيكون فيه خير ليكي أكتر مني." جففت دموعها بالمنديل الورقي الذي أعطاه إياه. وهتفت بإصرار وحزم: "وإنت ادتيني فرصة، لما استنزفها وقتها ابقى طلقني."
"ياريتك تمسكتي بالفرصة الأولى زي كدا وحافظتي عليها على الأقل مكنش ده هيبقى وضعنا." "تمسكت بيها والدليل إني رفضت أسيبك وخدت عهد على نفسي إني هشيل خطيبي من تفكيري ونجحت، وزي ما نجحت هنجح دلوقتي كمان، لإني مش عايزة أتطلق منك.. عايزة أفضل مراتك." أنا بفتخر إني مراتك يا زين، وبقيت بحب ارتباط اسمي باسمك.
كانت تتحدث بثقة مفرطة وهي تخبره بأنها كما نجحت في تطهير قلبها من هذا الحب الخبيث المدنس، ستنجح في استعادة ثقته بها وستتمكن من إزالة العوائق التي تحجب ضوء الشمس عنهم.
أما هو، فقد دوت كلماتها الأخيرة في أذنيه، التي أرسلت كلامها لعقله، والذي بدوره قام بإفراز هرمون السعادة المسؤول عن تحسين الحالة المزاجية. فكان هو على وشك أن تنطلق منه ابتسامة عاشقة لهذا الكلام الذي بإمكانه أن يترك أثرًا إيجابيًا في نفس ورجولة أي رجل، ولكنه كبح تلك الابتسامة بصعوبة وتكلف. تَكَلَّفَ الجمود ولف ذراعه حول كتفيها طالبًا منها السير معه حتى الحمام، ثم فتح الباب لها وقال بنبرة عادية:
_اغسلي وشك واتوضي يلا عشان العصر أذن من نص ساعة. إماءت رأسها بالإيجاب ثم دخلت وأغلقت الباب عليها بهدوء، وشرعت في غسل وجهها والوضوء لأداء فرضها وهي تجاهد في كبت دموعها من الانهمار مرة أخرى. *** مع صباح يوم جديد، كانت ملاذ تقف أمام مرآة غرفتها تستعد للذهاب لزيارة أهلها بعد أن طلبت منه الإذن ووافق، وقال أنه سينتظرها ليأخذها معه في طريقه ثم يتجه هو لعمله بعد ذلك.
كانت ترتدي عباءة عصرية من اللون البينك مطرزة بفصوص بيضاء من الخرز، وفوقها ترتدي حجابًا طويلًا أشبه بـ (الخمار) ، ثم قامت بإنزال النقاب على وجهها. لم تكن تود أن تكشف عنه الآن وكانت تخطط لشيء آخر لتكشف له المفاجأة.
ولكن بعد ما قاله لها البارحة وشكوكه بها أنها لم تذهب لشراء بعض الأشياء الخاصة بها كما قالت، وأنها ذهبت لمقابلة خطيبها السابق، أثارت في نفسها آلامًا عنيفة وجعلتها تتخذ قرارًا حتميًا بأن ترتديه اليوم وتثبت له صحة كلامها، لعلها تستعيد ولو جزءًا صغيرًا من ثقته بها.
ألقت نظرة أخيرة على مظهرها الخارجي فشعرت ولأول مرة أنها راضية عن نفسها وعن مظهرها. رأت نفسها في هذه الملابس المحتشمة وهذا النقاب الذي يخفي وجهها أجمل من أي شيء ارتدته سابقًا. فأخذت نفسًا عميقًا وأخرجته زفيرًا حارًا تستعد لمواجهته وترتب الكلمات التي ستقولها له، فاستجمعت شجاعتها وثقتها بنفسها ثم خرجت من الغرفة واتجهت نحوه.
فوجدته جالسًا على أريكة متوسطة الحجم أمام التلفاز المغلق، ويوجه لها ظهره، وفي سبابة يده اليمنى مسبحة رقمية من اللون الأسود، كلما يذكر الله يضغط على زرها فتقوم هي بالتسجيل والعد. ازدردت ريقها بتوتر وهمست في صوت رقيق: _أنا خلصت.
التفت لها برأسه، فلجمت الدهشة لسانه وتفحص مظهرها وملابسها بتدقيق، ثم ثبت نظره على وجهها يحدقها بشيء من الذهول الممتزج بالإعجاب. واستغرق الأمر ثلاث ثوانٍ بالضبط حتى هب واقفًا وقال باستغراب متفهمًا عن سبب ارتدائها له فجأة هكذا: _إيه ده؟ رفعتها لأعلى لتظهر عن وجهها ثم تقترب منه بثقة تامة لا تعرف من أين جاءت بها، وتهمس بصوت أنوثي جذاب:
_أنا اتفقت معاك من قبل الجواز إني هلبسه بإذن الله لما أكون واثقة من قراري، ودلوقتي ده أنسب وقت عشان أثبتلك إني مش عايزة أي راجل غيرك يشوفني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!