جاءتني مستترة بكم درعها تمشي مشى الحرائر، ليست بالجريئة السليطة، بل بثوبها يزين نور وجهها، أعطتني أملاً أن مرادي أن أنال ما يرضي ربي هو آتٍ لا محالة، وأن الخير والحياء ما زال موجوداً في دنيانا، وأن هناك نسوة ما زلنا نلتحف برداء أمهاتنا المؤمنين، فتحدث عقلي وقتها أن ما تمناه قلبي أن يجد فتاة تنير دربي بنور حيائها تكون لي نصفاً لا ينشطر عني أبداً. تأخذني إلى طاعة الله قبل طاعة البشر تحفظ عيني من النظر فيبقى نورها يضيء الأثر.
الفصل الأول محاولة إقناع بالزواج
في إحدى القرى التابعة لإحدى محافظات القاهرة، وحيث تلك القرية النامية عن صخب المدن، صوت زقزقة العصافير يغرد فوق تلك الأشجار النابتة أمام تلك البيوت البسيطة بتطريزها القديم لما يشير لعمرها التسعيني، نجد ذلك المنزل بتراثه الحديث بعض الشيء يتكون من طابقين، يضم الطابق الأرضي بعض المحلات الناشئة في ذلك البيت للإيجار، وفي الطابق الثاني تحديداً كان هدوء الليل يسيطر على تلك المنازل لما تشير إليه الساعة إلى الثانية بعد منتصف الليل.
تململت تلك الفتاة في نومها بهدوء فور سماعها رنين الهاتف الخاص بها، فقامت مسرعة بخوف أن موعدها المحدد بطاعة ربها قد فات، نظرت للهاتف براحة عندما وجدت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، حمدت الله سراً وذهبت لتتوضأ لأداء صلاة قيام الليل المحببة لقلبها قبل أذان الفجر بساعات. أدت فرضها بمحبة وبسمة مشرقة تنير ثغرها براحة وهناء، ثم جلست على سجادتها ترتل سورة البقرة كم تفعل يومياً، فبها تجد راحتها وأمنها. فُتح باب غرفتها بهدوء
فتطلعت لها بحب وهي تقول: "اتفضلي يا أمي، إيه اللي مصحيكي دلوقتي؟ لسه فاضل ساعة على الفجر كنت هصحيكِ." ابتسمت لها بمحبة وهي تقترب منها قائلة بحنان: "قلقت من نومي وعارفة إنك بتكوني صاحية في الوقت ده واخوكِ جاي الساعة ٢ من بره يا بنتي، غلبت كلام معاه مفيش فايدة." ضحكت ملء فمها وهي تقول بقلة حيلة: "السبب في البلاستيشن اللي فتح تحت البيت، سيبيه يلعب يا ماما." استرسلت حديثها بحزن:
"بس ده بيمنعه من الصلاة يا رونق، وبيبعده عن طريقه، يابنتي أنا عايزاه يكون حاجة كويسة." ابتسمت بهدوء ثم قالت بيقين: "متقلقيش يا ماما، أنا هتكلم معاه." تابعت حديثها بجدية: "وانتِ يا رونق، إمتى هتفرحيني بيكِ يا حبيبتي؟ بقي عندك ٣٠ سنة وترفضي كل اللي بيجي يتقدم." ابتلعت غصة مريرة في حلقها واسترسلت حديثها بهمس: "أنا مش عايزة زوج والسلام يا ماما، أنا عايزة واحد عارف الدين كويس ويتقي الله عشان يتقي ربنا فيا."
قالت خديجة باهتمام: "يا بنتي وماله محمود ابن عمك؟ قمة الذوق والأدب، وطلبك كذا مرة." حاولت أنا أهدأ قليلاً فقالت باحترام: "يا أمي يا حبيبتي، أنا مقلتش إنه مش كويس، بس أنا مش شيفاه زوج ليا. وبعدين طول عمرك تقولي، 'إن جواز القرايب يجلب المصايب'، وإنك مش بتحبي جواز القرايب، عشان تفضل النفوس حابة بعض، لأن أي مشكلة بتشيل النفوس من بعض." اللمعت الدموع في مقلتيها واسترسلت حديثها بحزن:
"أنا تعبت من كلام الناس يا بنتي في الطالعة والنازلة، وانتِ ماشاء الله تبارك الرحمن مفكيش غلطة، مش عايزة حد يقول كلمة تزعلك." اعتلى الألم قسمات وجهها فقالت: "هي القرى كده يا أمي، كل الناس تتدخل فيما لا يعنيها." "نصيحة مني متديش ودنك لأي حد وسيبي اللي يتكلم يتكلم، إحنا عند ربنا لينا كتير، 'وما جزاء الصابرين إلا الجبر يا أمي'." احتضنتها بحنان وقالت من بين ابتسامتها:
"ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يسعدك ويتقي ربنا فيكِ يا عيوني." ابتسمت بهدوء قائلة: "يلا يا ست الكل روحي صلي وادعيلي، وأنا اصلي وأنام ساعة كده عشان الشغل الصبح." قبلت رأسها بمحبة وضمتها مرة ثانية إلى أحضانها: "ربنا يزيدك يا بنتي ويرزقك من نعيمه." رددت بهدوء: "اللهم آمين." ثم تابعت حديثها بجدية: "متنسيش تتكلمي مع عادل، قولي له إن البتاع اللي بيضيع وقته فيه ده هيدمره. هو يقبل منك يا حبيبتي." قالت مبتسمة:
"حاضر يا ماما، لما أجي من الشغل هكلمه بإذن الله." استدارت لتذهب وهي تقول: "ربنا يبارك فيكم وميحرمكوش من بعض يارب." *** في مكان آخر في إحدى شوارع تلك القرية، دوى صوت أذان الفجر من تلك الزاوية الصغيرة المخصصة للصلاة. افترش الأرض ينتظر إقامة الصلاة وبيده مصحف يرتل آيات الله في جوفه. اقترب منه رجل من أئمة المسجد يحدثه بمحبة: "ازيك يا يعقوب؟ أخبارك إيه يا طيب؟ ابتسم له بهدوء وهو يتصدق ويقفل مصحفه قائلاً:
"بخير يا شيخ بدر، طمني على أحوالك." جلس مقابلًا له ثم أردف قائلاً: "شفت ليك رؤية امبارح تبارك الرحمن، حاجة من الجنة يا رفيقي الصالح." خفق قلبه فرحاً فقال بابتسامة زينت وجهه: "خير يا شيخنا، أثلج قلبي." تابع حديثه باهتمام ومحبة لذلك الشاب الخلوق:
"في الرؤية يا بني وتفسيرها إن ربنا هيكرمك قريباً بما تتمنى وسيأتي العوض من الله اللي ضيعت عمرك تستناه بصبرك وطيبة قلبك ورضاك، عشان عاوز إنسانة تعرف دينها كويس والله أعلى وأعلم." ارتسمت ابتسامة شكر ورضا على وجهه البشوش وهو يقول بأمل: "أتمنى يا شيخ بدر ألاقي إنسانة تساعدني على طاعة الله." ثم استرسل بحزن: "لأن حال البنات في عصرنا هذا يحزن ويبكي." اعتلى الحزن قسمات وجهه فأردف بقلة حيلة:
"للأسف، النت شغل البنات، والموضة بقينا نشوف البنت نص شعرها باين، والملابس تصف أجسادهم، غير المكياج اللي بيحطوه يغير ملامحهم ده، والعيب على الأهل، مش عارف إزاي الأب بيسيب بناته تخرج كده، ولا الزوج اللي بيستحل كده." ثم تابع حديثه قائلاً: "ليس لنا من الأمر شيء يا رفيقي، نسأل الله أن يخرجنا منها بحسن العمل وحسن الختام." آمن يعقوب على حديثه قائلاً ببسمة هادئة: "يلا، قد قامت الصلاة."
بعد مدة كان قد أتم صلاته وذهب مسرعاً للبيت لأجل الذهاب إلى عمله، فدق باب البيت بهدوء. فُتح الباب لتنظر له مبتسمة وهي تقول: "تصلي في الحرم مع عروستك يا يعقوب يا ابني يارب." ابتسم لها بحنان ثم أردف بضحكة: "يارب يا ست الكل." تابع حديثه قائلاً: "الفطار جاهز ولا أروح أجيب طعمية من عمي محمد؟ قالت مسرعة: "لا حبيبي جاهز، دقيقتين وهجيبه على ما تغير هدومك." قال بهدوء وهو يذهب في اتجاه غرفته: "عائشة صحت تصلي يا أمي ولا لأه؟
نجلاء بحزن لحال ابنتها: "سيبها نايمة يا ابني، أصلها كانت بتذاكر لحد الساعة ٤." التفت ينظر لها والحزن يلمع في مقلتيه فحاول التماسك: "هتفضل كده لحد إمتى يا أمي؟ أنا خايف عليها، ومش راضية تخليني أساعدها." استرسلت حديثها بيقين نابع من قلبها: "بكرة تتعدل يا ابني، أنا هحاول أفهمها وأقنعها، وربنا يهديها ويشفيها يارب." قال بهدوء: "يارب يا أمي." جلس يتناول طعامه، فتحدثت نجلاء بتساؤل: "سألت عن البنت اللي قولت لك عليها؟
رفع بصره براحة ثم استرسل حديثه معقباً: "مش مناسبة ليا يا أمي، مش شبهي ولا دي الإنسانة اللي عاوزها." قالت بقلة صبر: "وبعدين يا يعقوب، بقي عندك ٣٥ سنة يا ابني، هنستني إيه تاني؟ قال مبتسماً بحنان: "وما بعد الصبر إلا جبر يا أمي، وعلى الله العوض." تطلعت له بحسرة وخوف:
"يابني عاوزة أطمن عليكم، أبوك مات وسابني لوحدي من وأنت في تانية ابتدائي، واختك كانت لسه مولودة وأنا مريضة، وراحتي إني أشوفك متهني وأشوف ليا أحفاد يعوضوني عن سنين التعب دي كلها." قبل رأسها بمحبة وهو يقول بحنان: "أنتي عندي بالدنيا وما فيها يا ست الكل، وبعدين هفرحك، الشيخ بدر شاف ليا رؤية وقالي استبشر خير، دعواتك معايا بقى يا نوجه." احتضنته وهي تهمس من وسط بكائها: "ربنا يرزقك يا ابني ببنت الحلال اللي تنور قلبك."
ابتسم براحة وحب قائلاً: "اللهم آمين يا أمي." *** أشرقت الشمس لتعلن بداية يوم جديد مليء بالأمل وتحدي الصعاب. ارتدت رونق ملابسها الفضفاضة وأحكمت خمارها بإتقان ثم جذبت حقيبتها ووضعت ما يمكن أن تحتاج له وخرجت تبحث عن والدتها بهدوء وهي تنادي: "يا أمي يا مااااااما يا ست الحبايب." خرجت من المطبخ تقول بتحذير: "يابنتي هتصحي أبوكِ، انتي مفيش فايدة فيكِ." ضحكت ملء فمها وهي تمسك خدودها بمرح:
"عشان يصحى يا أمي يفطر معايا قبل ما أنزل الشغل، انتي عارفه إني مش باكل من غيرة." "ولا أنا أقدر آكل من غيرك يا حبيبة بابا." التفتت على أثر الصوت فركضت مسرعة تحضنه وهي تقول بمرحها المعتاد: "حبيبي يا بابا، ربنا يخليك ليا، وأفضل كده قرفكم عادي." يضحك ملء فمه وهو يقول بتساؤل: "عملتي إيه في الموضوع اللي اتكلمت معاكي فيه؟ شحب وجهها بضيق من تذكر تلك الفتاة التي تقود عقلها دوماً للجنون:
"يابابا حبيبي، أميرة بنت عمتي مش بتاعت شغل وتحمل مسؤولية، دي عاوزة تقعد في فيلا والخدامين يخدموا عليها. جت امبارح معايا الشغل كسفتني مع المديرة بطريقتها وأنا تعبت من كتر ما بنصح فيه وهي ولا هنا." اعتلى وجهه الحزن والألم: "أنا مش عارف أمها مساعدها على كده ليه يا بنتي، ربنا يهديها." تنهدت بهدوء قائلة: "يارب ويهدي عمتو سماح بجد."
تناولت طعامها على عجل، وقامت مسرعة عندما رأت الساعة دقت الثامنة صباحاً فحملت حقيبتها بهدوء وهي تقبل رأس أبيها وأمها قائلة: "أنا ماشية عشان الباص زمانه على وصول، أستودعكم الله." هبطت الدرج مسرعة وهي تردد ذكر الله سراً فاستوقفتها إحدى جاراتها وهي تقول بغيظ: "ازيك يا رونق." ابتسمت بهدوء ثم أجابت: "الحمد لله يا خالة هدى، انتي أخبارك إيه؟ نظرت لها من أعلى لأسفل وهي تجيب بتشفي ولؤم:
"بخير، كنت بعزمك على خطوبة روضة بنتي الليلة، ابقي تعالي شوية يمكن تصادف ويشوفك حد ويعجبيه." نغز قلبها بألم من تلقيحها المؤذي لها فحاولت أن تجيب بهدوء: "الف مبروك يا خالة، كان نفسي أحضر والله بس مش بحب الأفراح من النوع ده، ولا بحب إني أعجب حد في مكان مختلط، وباركِ لـ روضة كتير." "بعد إذنك يا خالة عشان معاد شغلي." التفت تداري دمعة هاربة من سمراوية عينيها فرددت بألم سكن قلبها:
"اللهم أعطني الصبر حتى ترضى عني وتفك كربي وتمنع عني ما يؤذي عقلي، ويمغص قلبي." صعدت الباص الخاص بنقلها إلى العمل فبحثت بنظرها عن كرسي بجانب النافذة، أخرجت مصحفها وأخذت تقرأ في سرها لحين أن توصل.
استمعت لهمهمات النساء من خلفها عن أخبار الدنيا، منهم من تحكي كيف تعيش تعيسة في بيت زوجها، ومنهم من تحكي كيف تقضي اليوم دون أن تجد طعاماً مناسباً لصغرها، في ظل غلاء الأسعار. حمدت الله كثيراً أنها في هذا المكان الذي اختاره الله لها وأن الرضا يكمن في منبع قلبها.
توقف الباص جعلها تفيق من شرودها، ونزلت بهدوء متجهة إلى ذلك المصنع الذي يضم من الفتيات مئات أو أكثر، جميعهم يبحثون عن الرزق الحلال لكي تسير دنياهم. دلفت بهدوء ثم ألقت التحية على مجموعة فتيات يجلسن في أماكن عملهم، وضعت الحقيبة وبدأت في العمل بذهن شارد البال ودعوة في سرها وددت لو تتحقق. *** في جهة أخرى من القرية صاحت الأم بعنف وهي تنتحب وتقول بغضب: "يعني شمتي فيا خديجة على آخر الزمن تشمتي فيا مرات خالك."
لوت فمها بتهكم وهي تمضغ تلك العلكة في فمها يميناً ويساراً. فتحدثت بنفور: "عايزة إيه يا ماما؟ انتي عاوزاني أشتغل في مصنع زي رونق؟ نظرت لها سماح بغيظ وهي تقول بحدة: "ومتشتغليش ليا على الأقل تكفي مصاريف هدومك اللي كل شوية بتجيبيها والاكسسوارات اللي مالية أوضتك دي." رمقتها بنظرة ملؤها الضيق ثم أردفت قائلة: "وانتي دورك إيه؟ مش المفروض الحاجات دي انتي اللي تجيبيها انتي وبابا؟ بلعت غصة حلقها بتوتر ملحوظ
فقالت بثبات صنعته بصعوبة: "وهو فين أبوكي؟ عايش حياته بره وسايبنا للي يسوى واللي ميسواش." ثم تابعت بحزن وحسرة: "حتى مش بيبعت لينا مصاريف تكفي أكل ولا شرب، وكل لما أتكلم معاه، 'معيش معيش'." أغمضت أميرة عينها بضيق ثم قالت وهي تبرد أظافر يدها بذلك المبرد اليدوي غير مبالية بشيء: "تلقيه متجوز عليكي هناك." كزتها بقوة وهي تصرخ بجنون: "قولتك ألف مرة بلاش أسلوبك ده، ما انتي طالعة له في العند والبخل." شهقت من
وسط بكائها وهي تقول بغل: "والله تستاهلي." هتفت بها غاضبة: "بنت قليلة الأدب." تركتها وذهبت إلى غرفتها فوقفت بعد مهلة تنظر لها وهي تقول بتحذير وتلك العبارات تظهر بألم في مقلتيها: "أنا هسافر لبابا وانتي روحي اقعدي مع أخوكي محمد ومراته، على الأقل تشوفي مرات خالوا بتعامل رونق إزاي وشوفيها زارعة فيها قيم وأخلاق انتي حرمتيني منهم، ومترجعيش تلوميني." أغمضت سماح عينيها بألم شديد وهي تبكي بحسرة:
"اللي عملته في أمي زمان بينعاد قدامي تاني دلوقتي، كان عنده حق محمد أخويا لما قالي يا هتندمي يا سماح وكل اللي بتعمليه يقعدلك." "كثيرًا منا يفعل هذا الشيء، لقد أدركتُ أن بر الأبوين أصبح أمراً صعباً، أرى فتيات يرفعن أصواتهن على أهلهن، ويعاملنهن بقسوة، لكن ما أدركته حديثاً أن ما فعلته البنت بأمها سيعود لها في صورة مطابقة عندما تسير أماً."
"الرفق يا أحفاد عائشة وخديجة وفاطمة، وأمهات المؤمنين جميعاً الرفق بأمهاتكم حتى لو أغضبوكم يظلوا بالآخر من ربوكم وتعبوا وسهروا الليالي لأجلكم." *** عند رونق أعلنت الساعة عن الحادية عشرة وهو وقت "الرست" بالنسبة لهم أي وقت راحتهم بأخذ بعض من الدقائق للتوقف عن العمل. اقتربت منها الفتيات يتبادلن أطراف الحديث. أعقبت تلك الفتاة بكبر ونفور: "انتي هتفضلي دفنة نفسك في الشوال اللي انتي لبساه ده؟ نظرت لها بضيق ثم أردفت
قائلة بهدوء تحكمت به: "ماله اللي أنا لبساه يا منار، وبعدين مش اسمه شوال، ثم تابعت حديثها بوضوح: 'اسمه إدناء'." ضحكت بسخرية وهي تقول: "شوال إدناء متفرقش في المسميات كتير، المهم إنه في الآخر شكله مش لطيف." زفرت بضيق ثم قالت معقبة: "عاجبني يا منار، وشايفة راحتي فيه." نظرت له بسخط وهي تقول بنزق: "انتِ حرة، بس لو فضلتِ كده هتفضلي طول عمرك قاعدة بايرة على المكنة دي." ابتلعت ريقها بألم ثم استرسلت حديثها بهدوء:
"متى أراد الله شاء يا منار." ردت فتاة تجلس بجوارهم تدعى سعاد: "خليكِ في حالك يا منار، وبلاش كلامك اللي زي السم ده ومش أول مرة تحصل." ثم تابعت حديثها بضيق: "ياريت متتكررش تاني، ولا عشان رونق مش بترد عليكي بتزودي من أذيتك ليها." نظرت لها شرزاً وذهبت تنفخ من أمامهم وهي تتمايل يميناً ويساراً. حتى تحدثت سعاد قائلة بهدوء وحكمة: "متشغليش بالك بكلامها يا رونق، انتي عارفها متكبرة وميعجبهاش العجب." ابتسمت بمحبة ثم أردفت بهدوء:
"ربنا يهديها." *** انتهى دوام عملها وخرجت للتو لتبحث عن مواصلة تنقلها للبيت. وقفت بهدوء تراقب الطريق وعيناها ترسم الأرض لشدة خجلها أن تقف هكذا. دق هاتفها معلناً عن اتصال فرفعت الهاتف وهي تجيب: "السلام عليكم يا بابا." رد قائلاً بمحبة: "بخير يا رونق أيامي." ابتسمت بهدوء وهي تخبئ وجهها: "بحب أسمع منك الكلمة دي يا بابا، ربنا يبارك لنا فيك." أردف قائلاً بحنان: "ويبارك ليا فيكم يا حبيبتي." ثم تابع بجدية:
"تعالى ليه الورشة وانتي مروحة عشان جايب لأمك أكله حلوة كده تعملها لينا على العشا." ابتسمت قائلة بمرح: "من عيوني يا بابا، والله يا بخت خديجة بيك." ضحك ملء فمه وهو يقول بابتسامة: "ماشي يا بكاشة، متتاخريش." أغلقت الهاتف بهدوء وعلى وجهها ابتسامة عذبة من حديث أبيها الطيب معها، فحمدت الله سراً أن العوض يأتي أحياناً على هيئة الآباء، وهذا ما كان يجعل قلبها مليئاً بالرضا والنور بعيداً عن جرح المجتمع للفتاة المتأخرة في الزواج.
*** في مكان آخر وبينما كان يجلس وسط مجموعة من أصدقائه، في إحدى المقاهي المخصصة لقعدة الرجال والشباب، قال ذلك الشاب المتعجرف: "البنت دي مش هتجيبها لبر." ثم تابع حديثه بغل شيطاني: "بس على مين؟ مش معاذ اللي بنت تعلم عليه." قال شخص آخر ينفث السيجار بتلذذ: "هتعمل إيه يعني؟ قال مردفاً بوعيد: "هشير الصور بتاعتها في كل مكان، هخليها تجيني ترتجي طلبي وأنا اللي هرفضها." قهقه الآخر بضحكة عالية:
"أسد وتعملها، بس بقولك إيه متبعتلي صور القمر لما أشوفها كده." غمز له بطرف عينيه وهو يجيب ببرود: "افتح الشات عندك وخد أحلى صور وابعتها لحبايبك يا عم." ابتسم بفحيح ثم أردف قائلاً بعد أن عبث بازار هاتفه وهي يتطلع لأحد الصور بإعجاب: "لأ بس البت تستاهل الصراحة إنك هتموت عليها، لكن من غيظك إنها رفضتك عاوز تبيعها كده." ثم تابع حديثه تساؤل: "هو انت محبتهاش؟ أجابه بهدوء:
"حبيتها بس مش لدرجة الحب الحقيقي، الصراحة حبيت حبها ليا، وحبيت اللي باخده منها، وأنها مبتعرفش تقول لأه لأي سبب." ثم تابع بشر: "بس جت عند المهم ورفضتني، بعتتلي الصور دي بطلوع الروح، بس رخصت نفسها لما عملت كده وأنا مستحيل أتجوز واحدة عملت كده." قال شخص آخر يسمى أيمن يجلس معهم: "يا عم مينفعش الكلام ده، يعني ترضاها على أختك؟ نظر له شرزاً وهو يقول: "أنا أختي متعملش كده يا أيمن." نظر له بضيق ثم تحدث قائلاً:
"وانت تعرف إيه عن أختك؟ ثم قال بنصح: "يا معاذ زي ما بتخاف على أختك خاف على بنات الناس، ودي نصيحة بدل ما ترجع تعض إيدك من الندم." "إعمل تُعمل كما تُدان تُدان."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!