فحصتها الطبيبة بعناية، فهتفت بعد مدة قضتها في الصمت الطويل، مما أدى قلبه إلى الخوف، فقالت بهدوء يصاحبه بعض التوتر: ـ المريضة بتعاني من ضغط معين، أو اتعرضت لصدمة قريبًا؟ خفض نظره عنها ثم أردف قائلاً: ـ أيوه تعرضت لصدمة وضغط الفترة دي. نحتت بهدوء ثم هتفت قائلة:
ـ للأسف أخت حضرتك اتعرضت لمرض نفسي وهو «اضطراب ما بعد الصدمة»، بجانب أنها بتعاني أيضًا من مرض نفسي آخر ويسمى في الحالة العلمية «إيذاء النفس غير الانتحاري»، ودليله أنها حاولت تأذي نفسها بقطع شرايين يدها. صدمة وراء صدمة وقعت على رأسه، فقال بقلق: ـ وده علاجه إيه؟ نظرت له وهي تجيب بهدوء: ـ الاضطراب ممكن يقعد علاجه من شهر لست شهور على حسب تقبل الحالة لبروتوكول العلاج. ثم تابعت بجدية:
ـ أما الإيذاء النفسي بيقعد فترة، وليه كذا طريقة للعلاج. والأفضل في الحالات اللي زي دي أنها تحتجز في مصحة نفسية عشان متأذيش نفسها. رد عليها بنبرة قلقة وخوف تجلى على ملامحه: ـ مصحة؟ لا مستحيل نفسيتها تتعب أكتر وأنا معنديش استعداد أخسرها. وزعت عائشة نظراتها بين الطبيبة وبين يعقوب، فهتفت بألم ممزوج بالقهر: ـ أنا موافقة أتحجز في المصحة يا يعقوب، يعني مش هيحصل حاجة، أنا كده كده ميتة نفسيًا. اقترب يحتضنها
بخوف وهو يهمس لها بحنان: ـ مستحيل أسمح بكده، انتي هتتعالجي وانتي في بيتك وهتبقي أحسن من الأول وأكتر. هتفت الطبيبة حسناء بهدوء: ـ ممكن تتعالج في البيت بس هيكون في شروط. قال وهو يطلع بها: ـ وإيه هي الشروط دي؟ أنا مستعد لأي حاجة. قالت الطبيبة مسترسلة حديثها: ـ أولًا العامل النفسي مهم جدًا وممنوع نذكر قدام المريض سبب مرضه أو أي حاجة من اللي كانت سبب في صدمته، حاليًا هي كده كده فاكرة أو عارفة، مع الوقت هتتعايش مع كل ده.
ـ ثانيًا يا عائشة احكيلي الأعراض اللي بتحسي بيها. انزوت على حالها ببكاء وهي تنظر لهم بخوف وقلق، فخرج صوتها متوترًا: ـ مش عايزة أشوف حد. تطلع بها بحزن وهو يمسد على كتفيها بحنان: ـ متخافيش يا حبيبتي أنا معاكي، اتكلمي. صمتت قليلًا وهي تحاول الحديث بغير بكاء، فخرج صوتها مهزوزًا:
ـ أنا بشوف كل الناس مؤذية، كلهم بلا استثناء، حتى ماما معايا في البيت بحس إنها عايزة تأذيني، مش عايزة أكلم حد ولا أشوف حد، بحس إن الناس كلها بتكرهني وإني وحشة ومش مرغوب بيا. استمعت لها الطبيبة باهتمام، فقالت بابتسامة حانية: ـ كله هيعدي إن شاء الله. دلت المريضة إلى غرفة الكشف، وبيدها إبرة حقنة مهدئة، أشارت لها الطبيبة بصمت وهي تحقنها بهدوء حتى ذهبت بعد مُهلة في سبات عميق. تعجب يعقوب من هذا الأمر، فأردف قائلاً:
ـ إيه الحقنة دي؟ ردت عليه معقبةً: ـ عشان أقدر أشرحلك مرضها بالضبط. أومأ لها بأن تتحدث، فقالت: ـ إيذاء النفس غير الانتحاري؟ إيذاء النفس غير الانتحاري هو محاولة من المريض أن يلحق الأذى بنفسه، عن قصد دون محاولة قتل النفس؛ فعلى سبيل المثال، لو قام الشخص بجرح جلده بغير قصد قتل نفسه، هنا يسمى هذا الفعل إيذاء النفس غير الانتحاري، أي ليس بقصد أنه ينتحر. ثم استكملت حديثها قائلة: ـ أشرح لحضرتك مثال.
ممكن المريض يجرح أو يطعن جلده بأداة حادة (مثل السكين أو موس الحلاقة أو إبرة) حرق الجلد (بسيجارة عادةً) نظر لها بخوف وهو يقول: ـ وده فعلًا اللي عملته عائشة. أكدت حديثه بجدية، ثم تابعت: ليه المريض يعمل كده بقى؟ وإنه يحاول يأذي نفسه عن قصد؟ مفيش سبب واضح دائمًا، ولكن قد يكون إيذاء النفس طريقة يستخدمها الأشخاص لمحاولة: التقليل من المشاعر التي تسبب الشدة أو المشاعر السلبية.
أو معاقبة الذات بسبب شيء يعتقدون أنهم أخطأوا في فعله. استجابة لمشاكل في العلاقات، يعني ممكن علاقة تدمرت بين شخصين تعمل كده، أو صدمة في حاجة كانت مفكرها أمان ليها وبقت مصدر خوفها. اعتلى الألم قسمات وجهه، فأردف بحزن: ـ طب والمرض ده علاجه إيه؟ استقامت بوقفتها وهي تجلب إحدى الصور وتشير له قائلة: في نوعين من العلاج عن طريق المعالجة النفسية وهما: العلاج السلوكي الجدلي:
وده بيكون من خلال جلسات أسبوعية وفردية لمدة عام، حيث يقوم الطبيب بمساعدة الشخص على تعلم كيفية ضبط الشدة. وتاني طريقة هي العلاج الجماعي لتنظيم المشاعر: يساعد هذا العلاج الشخص على إدراك الانفعالات السلبية وتقبلها. وده اللي حضرتك هتعمله معاها في البيت مع بعض الأدوية اللي هوصفها للحالة. ومع الوقت والعلاج المريض يتعافى تمامًا، ولكن مهم جدًا الالتزام بمواعيد مراجعة الطبيب، وتكون كل شهر تقريبًا عشان أتأكد إن الحالة بتتحسن.
أومأ لها بالموافقة وهو يقول: ـ شكرًا لحضرتك يا دكتور على المعلومات دي، وبإذن الله شهر أحبها لحضرتك. أخذها وذهب للبيت بعدما شعر إنها ارتاحت قليلًا، فهمس لها بحنان وهي تغط في نوم عميق: ـ لو الدنيا كلها رفضتك أنا هنا عشان أقبلك بعيوبك وبتعبك، لو وقفت الدنيا كلها قدامي. اليوم هو الموافق الثلاثاء في أيام الأسبوع، فات يومين على تلك الأحداث، تابعت رونق أيامها بدعاء كل اليوم أن يكون اختيارها هو الصواب.
طلبت من عملها إجازة بضعة أيام لتحضر لهذا اليوم الموعود، خرجت من بوابة المصنع وهي تذكر الله على تلك المسبحة التي ترتديها في إحدى أصابع يدها. اقتربت من ذلك المحل الذي يعرض ملابس الزي الشرعي، دلفت بهدوء وهي تنظر هنا وهناك، وقعت عيناها على إدناء فضفاض من اللون النبيتي الهادئ، أخذته بين كفيها تتفحصه بعناية، ثم اقتربت من تلك الفتاة وهي تقول لها: ـ هشتري الإدناء ده، ممكن أقيسه. أشارت لها على مكان البروفات وهي تقول بكل أدب:
ـ هناك يا فندم، تحت أمرك، نورتي المحل. ابتسمت لها بخفة وهي تقول: ـ شكرًا للطفك الطيب. ثم ذهبت لتلك البروفة وارتدت ذلك الرداء الذي سلب عقلها لشدة براحته وهدوئه، فقالت بابتسامة عذبة: ـ جميلة جدًا القصة دي، هشتريه. خرجت بهدوء ثم ذهبت لتحاسب الكاشير بعدما انتقلت خمارًا يتماشى معه. في طريقها وجدت رجلًا يبيع تسالي الحرنكش، فأسرعت إليه مبتسمة وهي تقول بهدوء: ـ السلام عليكم يا عمي، لو سمحت عايز بـ 50 جنيه حرنكش.
قال الرجل مبتسمًا بمرح: ـ حرنكش حرنكوش واللي ياكله مينسوش. ابتسمت في سرها وهي تتذكر أيام الطفولة عندما كانت تبقي مصروفها لتشتري به هذه الفاكهة المحببة لقلبها. مشت بخطى متثاقلة تتذكر تلك الأيام المريرة وكيف مر القحل المر عليها، سنين من عمرها قضتها بين حنان الأهل وظلم المجتمع، لكن إيمانها بالله كان قد بنى في قلبها حاجزًا متينًا من إضلال عقلها عن السخط على أمر الله، فحمدت الله سرًا وهي تقول: "ولسوف يعطيك ربك فترضى".
"عند يعقوب" دلت نجلاء إلى غرفة عائشة بغضب بعدما أخبرها أحد جيرانها عن تلك الصور، فقالت بحدة وهي تنزع عنها غطاءً التي تندثر خلفه من حدة البرد رغم حرارة الجو في ذلك الوقت: ـ إيه الصور دي حقيقة؟ ارتاعت من أثر صوتها العالي، فقالت ببكاء: ـ والله مظلومة يا أمي. جذبتها من شعرها بغضب وهي تقول:
ـ بقالي أكتر من شهر مش بتروحي جامعتك وقافلة على نفسك طول اليوم، كنت مفكرها أنه التعب اللي بيجيلك كل سنة بسبب حزنك إنك مشوفتيش أبوكي، لكن طلعتي عاملة فضيحة. دلف يعقوب على أثر الصوت، فقال بعتاب: ـ مش كده يا أمي، فيه إيه لكل ده؟ ردت عليه معقبةً بغضب: ـ فيه إن أختك عاملة فضيحة. فهم مقصدها، فقال بثبات: ـ عارف يا أمي وعائشة مظلومة. نظرت لها بألم وهي تقول: ـ دي تربيتي فيكي تكسريني وسط الناس. قبل يعقوب رأسها
بحنان وهو يقول بجدية: ـ مفيش الكلام ده يا أمي، أنا جبت ليها حقها وهي ملهاش ذنب في اللي حصل. غضبت منه، فقالت بحدة: ـ أنت كمان بتدافع عنها وهي غلطانة وبتجيبيلنا العار. تنفس ببطء شديد وهو يحاول التماسك، فقال معقبًا: ـ كل ده كان مؤامرة من صحبتها وإيمان بنت خالتي يا أمي، وأنا سكت عشان خاطرك، لكن بلاش تجرحيها، عشان هي حتى لو غلطانة عرفت غلطها، لكن الدور على اللي قتل القتيل ومشى في جنازته.
ثم أخذها للخارج وبهدوء وحكمتها فهم ما تعاني منه عائشة، وبعد قرابة الساعة من الرفض والغضب، حنى قلبها لفلذة كبدها، فدلت بخطى متألمة إلى غرفتها ثانيًا. نظرت لها عائشة بكسرة وهي تنتحب من شدة البكاء: ـ والله يا أمي سامحيني، أنا غلطانة، حقك على راسي. رق قلبها لها، فاحتضنتها ببكاء وهي تهمس لها: ـ حقك عليا أنا من كل أذية يا نور عيني. ارتفع رنين الهاتف، فنظر للاسم ووجد اتصالًا من "بدر" يخبره بموعد حضوره اليوم، فرد
يعقوب بهدوء وهو يرحب به: ـ تشرف في أي وقت يا شيخ بدر. ابتسم الآخر بمحبة وهو يقول: ـ شرفك الله بالنظر لوجهه الكريم يا يعقوب. قفل الهاتف بشرود وهو يفكر حاليًا كيف سيخبره بذلك الأمر المعقد. دلت إلى غرفتها بهدوء وهو يقول بمرح: ـ الجميل قاعد لوحده ليه؟ لسه زعلانة من كلام ماما؟ شبه ابتسامة خافية ظهرت على محياها وهي تقول:
ـ عادي يا يعقوب، بحب أقعد لوحدي بقرأ قرآن وأسبح الله عشان ربنا يقبل توبتي، وخلاص ماما عندها حق تغضب وأنا مش زعلانة منها. قبل مقدمة رأسها بحنان وهو يقول بفخر: ـ هيقبلها يا حبيبتي عشان هي من قلب صادق النية. ثم أردف قائلًا بخوف من رفضها: ـ بدر جاي النهارده عشان خاطري، اطلعي اقعدي معاه، ولو رفضتي مش هغصبك. التَمَسَت الرجاء في عينيه، فقالت بهدوء: ـ حاضر يا يعقوب. ربت على كفيها بحنان ثم التفت ليخرج من الغرفة قائلًا:
ـ ربنا يراضي قلبك يا عائشة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!