في لحظة واحدة، كانت فؤادة بأحضان جلال بالكامل، لا يفصلهما سوى جسد ليلى الصغير العالق بذراع فؤادة، لتتسارع أنفاس فؤادة وتتدفق الدماء ساخنة إلى وجنتيها وتقول متلعثمة: نااامت، عااوزة أحطهاا في سريرها. كان جلال يستمع إلى لجلجتها في الحديث بشيء من التسلية قد نسيه منذ أعوام طويلة وتفاجأ أنه يحيط جسدها بشدة طوال حديثها ولم يتركها حتى وجدها تحاول الفكاك منه قائلة: سيبني من فضلك، أنااا خلاااص وقفت كويس.
ليبتسم بزاوية فمه قائلًا وهو يتركها بهدوء: ابقي خدي بالك. وابتعد عن مسار خروجها تاركًا الصغيرة بأحضانها كما كانت لتنظر له فؤادة بدهشة، فكانت تنتظر أن يلتقط منها الصغيرة، ولكنه لم يفعل سوى أنه ابتعد عن خط سيرها، وعندما سمعته يقول لها بتسلية: إيه مش عارفة تشيليها؟ أخدها منك. فقالت له بعناد حاد: لا كتر خيرك، أنا شايلاها كويس.
وتركته وانصرفت تجاه غرفة حسنة والتي وقفت أمامها عاجزة عن دق بابها، ولكنها عندما لمحت ظله خلفها وهو يراقب تصرفها استندت على الباب وهي تنقر الباب بأصابع يدها المصابة، وعندما أتاها صوت حسنة من الداخل آذنة لها بالدخول، قالت بحمحمة: افتحيلي يا أمي لو سمحتي. لتفتح حسنة الباب بابتسامة وعندما وجدتها تحمل ليلى بهذا الإجهاد البادي عليها قالت بقلق: ليه كده بس يا بنتي؟
ما خليتيش ليه حد يشيلها أو كنتِ ندهتي عليا أشيلها، غلط عليكي كده. وعندما رأت جلال وهو يراقبهم بتسلية، قالت له بدهشة: ما أخدتهاش منها ليه يا جلال؟ قدر دراعها انخبط منها وإلا كانت ليلى وقعت منها. جلال ببراءة: عرضت عليها وما رضيتش، أعمل إيه؟ كانت حسنة قد أبدلت ثيابها استعدادًا للنوم، وعندما وجدت جلال على نفس حاله ولم يبدل ملابسه قالت باستغراب: هو من ساعة ما طلعت معايا وأنت لسه بهدومك لحد دلوقتي؟
مش قلت لي هتغير وتنام على طول؟ ما غيرتش ليه؟ جلال بلجلجة: عادي، هغير دلوقتي، تصبحوا على خير. ليلتفت ويدخل إلى غرفته تاركًا حسنة تبتسم بتمنى، أما فؤادة فقالت: هو حضرتك هتنامي من غير ما تتعشي؟ حسنة: لا يا بنتي عشا إيه تاني؟ أنا أكلت فاكهة كتير وما عنديش حتة في بطني لأي أكل تاني الليلة دي. فؤادة وهي تشير بإصبعها على غرفة جلال: طب وأستاذ جلال؟ حسنة بخبث: ابقي اسأليه يا بنتي لو مش هتعبك. فؤادة بخجل:
لا أبدًا، ما فيش تعب ولا حاجة، هسيب حضرتك ترتاحي، تصبحي على خير. حسنة: وأنتِ من أهل الخير يا بنتي. لتتركها فؤادة وتغلق الباب خلفها، لتظل بمكانها لا تدري كيف تسأل جلال عن إذا كان لديه رغبة في العشاء أم لا، ولكنها أخيرًا حسمت رأيها ودقت عليه الباب دقات صغيرة، ليأتيها صوته من الداخل قائلًا: أيوه، ثانية واحدة. ليفتح الباب مستطلعًا وجهها في تساؤل لتحمحم فؤادة بصوتها قائلة له:
أخلي خالتي أم إبراهيم تجيب لحضرتك العشا هنا، وإلا تحب تتعشى تحت؟ لينظر جلال لها بتفحص وقد أصبح يتلذذ بالنظر إلى عبث يديها الدائم بملابسها، ثم قال: أنتِ هتتعشي فين؟ فؤادة: أنا هاكل في أي مكان عشان العلاج مش هتفرق. جلال: خلاص، خلينا نتعشى تحت.
لتومئ فؤادة برأسها وتتركه ذاهبة للأسفل تحت مراقبته لها، وكان قد أبدل ثيابه، فذهب لغرفة الصغار ليجدهم يغطون في نوم عميق فيتركهم ويذهب إلى الأسفل ليجد أن المكان خالي تمامًا، فبدأ في التجول بالمكان، وعندما التف خلف الدرج وجد بابًا يدلف إلى غرفة واسعة للطهي، ووجد فؤادة تقف وهي تفعل شيئًا ما لم يتبينه. وعندما اقترب منها قال: أمال فين أم إبراهيم؟
ليسمع صوت سقوط شيء ما أرضًا مع شهقة عالية من فؤادة والتفاتها سريعًا له، وهي تسمي الله بصوت عال. جلال وهو يضحك بشدة: أمال بس عمالة لي سبع رجالة في بعض وأنتِ بتترعبي من خيالك؟ فؤادة وهي تلتقط أنفاسها: وهو المفروض برضه أن حضرتك تدخل على حد تخضه بالشكل ده؟ جلال: وهو أنا عملت إيه؟ أنا بسألك على أم إبراهيم لما ما لقيتهاش هنا لا هي ولا ماجدة. فؤادة: لقيتهم ناموا، صعبوا عليا أصحيهم. جلال: طب وأنتِ بتعملي إيه؟
لتنحني فؤادة أرضًا وهي تلتقط من الأرض شوكة وسكينًا وتعتدل مرة أخرى قائلة: بحضر لنا عشا. ليقترب جلال مستطلعًا ما أمامها، ليجدها قد وضعت طبقين وتحاول صنع بعض شطائر الجبن والعسل فيقول وهو يسحب من أمامها الأطباق: طب هاتي أنا هعملهم أنا. فؤادة باعتراض: لا لا لا، ما تتعبش نفسك، أنا هعملهم. جلال بسخرية: وهتعمليهم إزاي بقى بإيد واحدة؟ مش هتعرفي. فؤادة باستسلام: معلش بقى، هتعبك.
ليبدأ جلال في صنع الشطائر تحت تعليمات فؤادة التي كانت تملي عليه ماذا يضع أولًا وماذا يليه بداخل الخبز، ووجدها أخرجت من المبرد طبقًا ملئ بالخضروات المجهزة وطبقًا آخر من التوت عندما رآه جلال ابتسم ساخرًا وهو يقول: وده بقى هنعمل بيه إيه؟ فؤادة: أنا بحب آكله مع الجبنة، أكنّي باكل عنب. جلال: طب ما تاكلي عنب على طول. فؤادة وعلى شفتيها ابتسامة حنين:
حضرتك عمرك ما هتتخيل أنا قد إيه مشتاقة للتوت بتاعنا ده، لو أطول يمكن كنت طبخته كمان. وبدأوا في تناول الطعام، كان جلال لا يشعر بالجوع، وكان يرغب في النعاس، لكنه وجد نفسه يأكل بشهية، وعندما وجدها تلتقط حبات التوت مع الطعام مد يده والتقط بعض حبات التوت ووضعها بفمه ليبتسم ويقول: تصدقي مش وحشة، بالعكس طعمه حلو. فؤادة بابتسامة: إحنا ما عندناش حاجة وحشة.
وبعد انتهائهم من الطعام سألته فؤادة إن كان يرغب في احتساء أي مشروب لكنه رفض تمامًا قائلًا: أنا خلاص على آخري، أنا هطلع أدخن سيجارة وأشم شوية هوا يمكن أهضم. فؤادة بابتسامة: اتفضل، ومش محتاجة أفكر حضرتك يا أستاذ جلال، البيت بيتك. جلال بانتباه: كنت عاوز أقول لك على حاجة. فؤادة بانتباه: خير. جلال:
مش عاوز حد هنا أبدًا مهما كانت علاقتك بيه يعرف أي تفاصيل عن جوازنا، مش عاوز الكلام يتسرب للزيني، عاوزه يعتقد إن جوازنا طبيعي جدًا. فؤادة بفضول: طب إيه السبب؟ جلال: لو الزيني عرف الوضع الحقيقي، هتلاقيه سكت وبعد تمامًا لحد ما يلاقيني بعدت ومشيت ويرجع يستفرد بيكي، لكن طول ما هو فاهم إن جوازنا طبيعي، حتى لو أنا بعدت هيبقى فاهم إني راجع تاني في أي وقت. فؤادة وهي تومئ برأسها: فهمت. جلال: ولا حتى عم نبيل يا فؤادة. فؤادة:
حاضر يا أستاذ جلال، ما تقلقش. جلال وهو يمشط شعره بأصابعه: وعاوزك كمان بلاش كلمة أستاذ دي وأنتِ بتتكلمي معايا. فؤادة بخجل: يا خبر، لا طبعًا ما يصحش. جلال: ما أنتِ لو فضلتي تقولي لي يا أستاذ كل اللي موجودين هيفهموا كل حاجة لوحدهم، ووقتها يبقى كل تعبنا راح على الفاضي. فؤادة بتردد: خلاص، أنا هحاول ما أندهلكش باسمك قدام حد. جلال بدهشة: أمال هتندهيني بإيه؟ فؤادة بعند: مش هندهلك أصلًا. جلال بابتسامة تسلية: ماشي، لما نشوف.
*** في منزل عزت.. عم جلال كانت ندا شبه محتجزة لنفسها بغرفتها، مع اعتقاد الجميع بأنها منهارة نفسيًا لبُعد أبنائها عنها. كانت زينب تجلس مع عزت في حديقة منزلهم فقالت له: "مش شايف إنك ظلمت بنتك يا عزت لما وافقت ولاد أخوك على اللي هم عاوزينه؟ عزت بهدوء: "لا يا زينب، ما ظلمتهاش." زينب بعند: "لا ظلمتها وهنتها كمان، لما حكمت إنها تتحرم من حضن عيالها وحكمت عليها إنها تروح تشحت ولادها كل ما تشتاق لهم." عزت بتأنيب:
"بلاش تقفي مع الباطل يا زينب، بنتك هي اللي عملت كده في روحها، غلطت غلطة أنتِ نفسك كنت هتغلطيها زمان، بس لما حسيتي إنها مش هتجيب غير الخراب رجعتي لعقلك وبعدتي عن المشاكل، لكن بنتك ساقت فيها وارتكبت معصية كبيرة لربها قبل ما تبقى لجوزها يا زينب." زينب: "تقوم توافق على طلاقها بالشكل ده يا عزت، وهي لسه في عز شبابها، هتفضل مترهبنة طول عمرها وهي عايشة لوحدها." عزت:
"وتترهبن ليه، لو حبت تتجوز وجالها حد مناسب، ما حدش هيمنعها." زينب بحسرة: "ومين اللي هيبصلها بعد ما ابن عمها يطلقها وياخد منها كمان عيالها، وكل واحد يتخيل حكايات وحكايات من ورا الموال ده، ما فيش ست بتتحرم من عيالها غير لما تكون ست بطالة يا عزت، وأنت مش عاوز تاخد بالك من النقطة دي." ليظهر الحزن جليًا على وجه عزت ويقول:
"بنتك هتشوف عيالها وقت ما تحب يا زينب، ما حدش قال إنه هيحرمها منهم، وسيبيني دلوقتِ يا زينب، أنا عاوز أقعد لوحدي شوية." لتتنهد زينب وتنهض قائلة: "أنا هروح أبص على الغلبانة اللي حابسة روحها في أوضتها دي." وعندما ذهبت زينب إلى غرفة ندا وقبل أن تفتح الباب سمعت ندا تقول: "أهم سافروا سوا، ويا عالم نتيجة السفرية دي هتبقى إيه، مش يمكن يروحوا أغراب ويرجعوا أحباب."
"أنا ما يخصنيش كل الكلام ده، أنا كل اللي يخصني، إن البت دي تبعد تمامًا عن الكل، ما يخصنيش ولا الطريقة ولا التفاصيل." لتفتح زينب الباب لتتفاجأ بها ندا فتلقي الهاتف على الفراش بعد أن أغلقته واعتدلت في مكانها وقالت: "خير يا ماما." زينب: "خير أنتِ يا بنتي، كنتِ بتكلمي مين؟ ندا وهي تنظر اتجاه الشرفة: "دي واحدة صاحبتي." لتجلس زينب بجوارها وتقول وهي تربت على قدمها بحنان: "وأنتِ هتفضلي قافلة على روحك كده يا بنتي لحد إمتى؟
ندا: "مش ده اللي بابا عاوزه وأمر بيه من يوم ما جيت؟ زينب: "ده بس كان من صدمته من اللي حصل، لكن أكيد ما كانش يقصد إنك تفضلي كده العمر كله." ندا: "أنا مش عاوزة أخرج من الأوضة، عاوزة أقعد مع نفسي شوية." زينب: "بكفاياكي يا ندا، وبدل اللي أنتِ بتعمليه ده، فكري إزاي ترجعي جوزك لحضنك من تاني." ندا بعجرفة: "حسين هيرجع لي هيرجع لي، بس بعد ما أعمل اللي أنا عاوزاه." زينب بفضول: "وإيه بقى اللي أنتِ عاوزاه؟ ندا بغرور:
"أما يحصل، هبقى أفهمك كل حاجة." زينب بتحذير: "شكلك مش ناوية تجيبيها لبر، إحنا مش عاوزين مشاكل تاني يا ندا." ندا بتصميم: "كل اللي أنا عاوزاه هيحصل، حكاية إني استنى اللي الكل عاوزه وأنفذه دي انتهت بالنسبة لي من زمان، آن الأوان إن اللي أنا عاوزاه هو اللي هيحصل." زينب بسخرية: "وهيحصل إزاي بقى يا فصيحة عصرك وأوانك؟ ندا: "بأن الكل يعرف إن أنا اللي باقية، أنا وبس." في منزل سالم
كانت نهاد تجلس بصحبة سلمى في غرفتها عندما سمعت رنين هاتفها لتجد أن المتصل ما هو إلا عارف فقالت بتساؤل: "ده عارف، أخو جوز فؤادة، خير يا رب." وضغطت على زر الرد وقالت بتوجس: "ألو." عارف: "السلام عليكم، إزيك يا آنسة نهاد." نهاد: "وعليكم السلام، أنا الحمد لله بخير، هي فؤادة كويسة؟ عارف: "الحمد لله فؤادة بألف خير." نهاد باستغراب: "أومال في إيه؟ لتضربها سلمى على رأسها باستياء. ليتنحنح عارف بإحراج قائلًا:
"أنا بس حبيت أطمنك على أخبارها، وأقول لك إنها رجعت المزرعة بتاعتها." نهاد بشهقة عالية: "هو أخوك طلقها؟ عارف وهو يكتم ضحكه: "لا، هيطلقها ليه بس، ربنا ما يجيبش طلاق أبدًا." نهاد: "الله، أنت مش بتقول إنه رجعها على المزرعة؟ عارف بدفاع: "أنا قلت كده، أنا ما قلتش كده، أنا قلت إنها رجعت المزرعة." نهاد بغيظ: "أنت هتجنني يا جدع أنت، ما أنت بتقول أهو، أنت بتقول الكلام وبتنفيه في ساعتها." لم يستطع عارف كتم ضحكه أكثر
من ذلك ليقول وسط ضحكه: "يا ستي والله ما طلقها، هو أخدها وراحوا يقعدوا في المزرعة عندها كام يوم." نهاد بتنهيدة: "طب ما تقول كده من الأول، طيب يا سيدي ربنا يهنيهم ويرجعوا بالسلامة إن شاء الله." عارف: "أنا قلت أقول لك يمكن تحبي تروحي تغيري جو معاها كام يوم أنتِ وأختك مثلًا ولا حاجة." نهاد بامتعاض: "ما أعتقدش إن بابا يوافق." عارف: "طب ما تحاولي، مش يمكن، وخصوصًا بعد المقابلة الأخيرة اللي حصلت بينهم." نهاد بفضول:
"مقابلة إيه دي؟ عارف: "أنتِ ما تعرفيش إن عمي راح لفؤادة واتكلم معاها يوم ما خرجت من المستشفى؟ نهاد بعدم فهم: "عمك مين؟ عارف: "عمي سالم." نهاد: "أنت عندك عم اسمه سالم؟ عارف بضجر: "يا بنتي عم سالم باباكي." نهاد بغيظ: "بنتك، أنا مدرسة لغة عربية على فكرة، لا يكون حضرتك فاكرني عيلة صغيرة." عارف بهيام: "عارف يا ستي إنك كبيرة وست البنات كمان." نهاد بلجلجة: "طب حضرتك عاوز تبلغني حاجة تانية؟ عارف وهو ما زال على هيامه:
"عاوز سلامتك وأتمنى إن يبقى لنا لقا قريب." لتغلق نهاد الخط دون أن ترد عليه بكلمة واحدة لينظر عارف إلى الهاتف بصدمة قائلًا: "يا بنت المجانين." أما نهاد فأغلقت الخط وألقت بالهاتف من يدها وكأنه سلك كهربائي قد مسها بماس مفاجئ لتنظر لها سلمى بدهشة قائلة: "مالك يا بنتي في إيه؟ نهاد بتيه: "ها، مااافيش حاجة." سلمى: "أومال مالك قفلتي التليفون من غير ولا كلمة كده وبترميه كأنه قرصك في دراعك؟ نهاد بلجلجة:
"اللي اسمه عارف ده بيتكلم بطريقة كده غريبة." سلمى بسخرية: "غريبة إزاي يعني، بيتكلم بحواجبه بدل لسانه؟ نهاد بحدة: "ما تتنيلِ وتسكتي أنتِ راخرة هو أنا ناقصاكي، مش كفاية النحنوح التاني." لتضحك سلمى بمرح قائلة: "أيوه بقى، إحنا فينا من نحنحة، أوعدني يا رب." نهاد بغيظ: "يوعدك بإيه إن شاء الله؟ سلمى بضحك: "بنحنوح من النحانين ونتنحنح مع بعضينا إحنا الاتنين ونتجوز ونخلف نحانين صغيرين." نهاد:
"وأنا بقى يوم ما ألاقي نحنوح وأحب أتنحنح يبقى أخو جوز فؤادة؟ سلمى باستياء: "وماله بس أخو جوز فؤادة يعيبه إيه؟ نهاد وهي تشرح لها: "يعيبه أخوه يا أذكى أخواتك، أنتِ فاكرة إن بابا ممكن يوافق على حاجة زي دي؟ سلمى بتفكير: "طب مش يمكن يوافق، وخصوصًا بعد ما اللي اسمه الهلالي ده اتقبض عليه وبيتحقق معاه، يعني خلاص بعد عنه." نهاد: "المشكلة ما كانتش في الهلالي يا سلمى، المشكلة في بابا نفسه، بابا هو اللي كان طمعان في فؤادة."
سلمى: "طب هو كان بيكلمك عاوز إيه؟ نهاد باستفهام: "مين؟ بابا سلمى بضجر: صبرني يا رب، بابا هيعوز منك إيه أصلاً؟ أنا بكلمك عن عارف. نهاد: كان بيقول لي إن فؤادة سافرت المزرعة بتاعتها هي وجوزها، وبيقول لي لو أحب أروح أقعد معاها كام يوم أنا وأنتِ. سلمى ببهجة: الله! طب ما تيجي فعلًا نروح لها. نهاد: وتفتكري بابا ممكن يوافق؟ سلمى: أهي محاولة، يا صابت يا اتنين عور. دخل كريم على ندى بغرفتها فوجدها تمسك إحدى المجلات
وتطالعها بملل فقال لها: ما زهقتيش من قعدتك دي؟ ندى بملل: هعمل إيه يعني؟ أديني قاعدة. كريم: جلال كلمني النهاردة. ندى بلهفة: هو جلال رجع وسابها؟ كريم: لا ما رجعش، كلمني من هناك. ندى بفضول: خير؟ كريم وهو يطالع رد فعلها: قال لي إن أدهم طلب منه إنه يكلمك عشان تروحي تقضي معاهم هناك كام يوم؛ لإنك وحشتيه. ندى بسعادة: أدهم طلب منه كده فعلًا؟ كريم باستغراب: مش أمه يا بنتي؟ وأكيد وحشتيه ونفسه يشوفك. ندى بفضول: وهو مبسوط هناك؟
فرحان يعني وبيأكل وبيلعب عادي؟ كريم: جدًا. ندى بحدة: وهو بقى اللي قال لك الكلام ده؟ كريم بابتسامة: الحقيقة لا، بس أدهم هو اللي قال لي بنفسه. ندى: أنت كلمته؟ كريم: أيوه، وقال لي إن هو وسلوى وليلى مبسوطين جدًا، وكان نفسهم تبقي معاهم عشان أنتِ كمان تنبسطي زيهم. ندى بجمود: لا طبعًا. كريم باستغراب: هو إيه ده اللي لا طبعًا؟ ندى: دي إجابتي على طلب جلال، مش موافقة طبعًا إني أروح لهم هناك.
كريم: رغم إن أنا كمان رأيي من رأيك، بس ماما لما عرفت كانت هتطير من الفرح وقالت إن دي خطوة ممكن تفرق في صلحك مع حسين. ندى بسخرية: وهو فين حسين؟ ما صدق عمل اللي عمله وخلص مني. كريم وهو يحك رقبته: حسين بعت لك ورقتك النهاردة الصبح. ندى بغل: أهي غلطة هتتحط مع غلطاته، وبكرة الحساب يجمع. كريم وهو مغادرًا إياها بقلة حيلة: واضح إن ما فيش فايدة فيكِ.
كان قد مر ثلاثة أيام على وجود فؤادة على أرضها، وهي في قمة سعادتها لعودتها إلى جذورها التي كانت تشعر أنها اجتثت منها عنوة طوال العامين السابقين.
وكان جلال يرافقها في المرور على أرضها ومتابعة كل كبيرة وصغيرة، ليجدها على إلمام بالكثير من شؤون الزراعة، بل وجد أنها تتفوق عليه معرفة في بعض الأمور التي يجهلها هو عن الأراضي المستصلحة، ولكنه أيضًا وجدها تميل عليه شارحة له بهدوء وسلاسة ما يجهله دون أن يلاحظ أحد ذلك؛ حتى تحافظ على هيبته وسط العاملين.
وكانت سلوى وأدهم قلما يفارقوهما في جولاتهما باستمتاع شديد، وقد سمح جلال للصغار بركوب الخيل عندما وجد السياس لا يتركوا الصغار وحدهما بالمرة ويراقبان تحرك الجياد بعناية، علاوة على أن الجياد كانت هادئة الطباع بطبيعتها فلم يكن هناك أي خوف من أي نوع على الصغار عند امتطائهم إياهم. وعندما كانوا يتجولون بالقرب من بعض صوبات الخضار، سمعت فؤادة صوت هاتفها فردت بمرح قائلة: وحشتيني يا قردة، فينك؟ ليأتيها صوت تهليل نهاد
من الطرف الآخر وهي تقول: وافق يا فؤادة، بابا وافق. فؤادة: وافق على إيه مش تفهميني؟ نهاد وهي لازالت على تهليلها: وافق إن أنا وسلمى نجي لك نقعد معاكِ يومين في المزرعة. فؤادة بسعادة: أنتِ بتتكلمي جد؟ نهاد: لا وخذي عندك الكبيرة بقى. فؤادة بمرح: هو لسه كمان في كبيرة؟ نهاد: محمد جه وهيبقي معانا، بس طبعًا بابا ما يعرفش إنه هنا. فؤادة بتهليل: محمد!
يا حبيبي يا أخويا، وحشني قوي، قد إيه محتاجاه يا نهاد، قولي لي بسرعة هتيجوا امتى؟ نهاد بمرح: اعملي حسابنا معاكِ على الفطار بكرة، هنبقى عندك من بدري يا قلبي. فؤادة بسعادة: وأنا هستناكوا من النجمة، أوعوا تتأخروا. نهاد: نجيب لك إيه معانا؟ فؤادة باشتياق: كتبي يا نهاد، كتبي وحشوني، هاتيهم لي معاكِ كلهم.. ممكن؟ نهاد: عيوني، وإيه كمان؟ فؤادة: تسلم عيونك يا حبيبتي، وسلمي لي على مرات عمي كتير، وقولي لها إنها وحشتني قوي.
نهاد: هي كمان بتسلم عليكِ قوي، وربنا يسهل بقى، يلّا هقفل معاكِ عشان أروح أجهز الحاجة. فؤادة: ماشي يا حبيبتي، مع السلامة. وما إن أغلقت الهاتف حتى التفتت لجلال الذي كان يراقبها عن كثب وقالت: ولاد عمي هيبقوا بكرة إن شاء الله يقضوا معانا يومين. جلال: ربنا يجعله عامر دايمًا. فؤادة بتردد: شكرًا.. طب إيه رأيك؟ جلال: في إيه؟
فؤادة: يعني لو كلمنا أستاذ عارف وقلنا له ييجي هو كمان يقضي معانا اليومين دول، ويتعرف على نهاد عن قرب وهم وسطينا عشان ياخد قرار أخير إن كانت مناسبة ليه فعلًا ولا لأ. جلال بابتسامة: أنتِ شايفة كده؟ فؤادة: ما أنا باخد رأيك أهو، ولا نسأل والدتك؟ ليومئ جلال برأسه علامة الموافقة. عند عودتهم للمنزل، وإثارة الحوار مرة أخرى أمام حسنة قالت: على كده يا بنتي أنا لازم أرجع طنطا أنا والولاد.
ليعلو اعتراض سلوى وأدهم بحزن مطالبين ببقائهم مع فؤادة، لتطمئنهم فؤادة بأن أحدًا منهما لن يغادر المكان وصرفتهم للعب، ثم التفتت لحسنة قائلة: ليه يا أمي عاوزة ترجعي؟ هو حضرتك مش مبسوطة هنا؟ حسنة: أبدًا يا بنتي، بس مهما إن كان، عشان ضيوفك ياخدوا راحتهم، ده أنا والولاد لوحدنا واخدين أوضتين، وبتقولي بنات عمك وأخوهم وكمان عارف، هتجيبي منين مكان لكل دول وإحنا موجودين؟ والدنيا شتا، يعني ما ينفعش أي نومة والسلام.
فؤادة: أنا ممكن أنام مع حضرتك والبنات يناموا في أوضتي، ومحمد وأستاذ عارف في أوضة الضيوف اللي تحت، شوفتي محلولة إزاي؟ حسنة بتساؤل: بس هم ولاد عمك يعرفوا إيه عن جوازك أنتِ وجلال؟ فؤادة وهي تنظر لجلال: ما يعرفوش حاجة. حسنة: يعني المفروض إنكم متجوزين جواز طبيعي، وخصوصًا عشان عمك مش المفروض أبدًا إنه يعرف حاجة. فؤادة: أنا ما حكيتش حاجة، رغم إني متأكدة إن حتى لو حكيت محدش هيقول حاجة قدام عمي.
حسنة: ما تضمنيش الظروف يا بنتي، وكمان ما حدش فينا ما بيقعش بلسانه بكلمة كده ولا حاجة في أي وقت أو قدام أي حد. فؤادة: خلاص مش مشكلة، مش هقول حاجة برضه وخليهم زي ما فهموا من البداية. حسنة بابتسامة: مش كفاية أبدًا. جلال بزهق: أنتِ تقصدي إيه يا أمي؟ وضحي كلامك. حسنة: المفروض لو أنتم متجوزين وعايشين طبيعي، يبقى وجودكم مع بعض في نفس الأوضة، ما يبقاش كل واحد منكم في أوضة منفصلة. فؤادة باعتراض: لا طبعًا ما ينفعش.
حسنة: أنتِ أصلًا مراته، يعني حلاله، ما فيهاش حاجة لو اليومين دول نمتوا في نفس الأوضة على ما يرجعوا طنطا تاني. فؤادة: لا يمكن ما أقدرش، أنا كل اللي أقدر أعمله إني أستناهم على ما يناموا وبعدين أجي لحضرتك أنام عندك، لكن ما أقدرش أبدًا إني أنام في أوضة واحدة مع راجل غريب عني. حسنة: أيوه بس... ليقاطعها جلال بوجوم قائلًا: فؤادة عندها حق يا أمي، هي بتتكلم صح. لتستأذنهم فؤادة للذهاب للمطبخ لمتابعة تحضير الغداء،
ليقول جلال لحسنة بهجوم: أنتِ إزاي يا أمي تقترحي اقتراح زي ده؟ حسنة: أنا بنبهكم للي المفروض يكون وأنتم حرين. جلال بغضب: وأنتِ معتقدة إني ممكن أنام في مكان وجنبي حد غير هدى حتى لو الاسم مراتي زي ما قلتي من شوية؟ حسنة بخبث: هو أنا قلت لك نيمها جنبك ولا في حضنك؟ أنا قلت في أوضة واحدة، وأوضتك فيها كنبة كبيرة، فكان ممكن عادي يعني حد على السرير وحد على الكنبة، أنت ليه مخك خدك بعيد كده؟ جلال
وهو يحاول التغلب على غضبه: يعني أنتِ رأيك أكلم عارف أبلغه فعلًا زي ما قالت فؤادة؟ حسنة: بلغه، يمكن يبقى فيه نصيب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!