فزع الجميع عند سماعهم لصوت إطلاق النار الذي انطلق بعده طلقات أخرى متباعدة من أماكن خارج المزرعة ومن اتجاهات مختلفة. ونهض جلال وعارف معًا على الفور واتجها إلى باب المنزل الذي وجدا عند بابه العم نبيل وهو يهم بالدخول إليهم، ليباغته جلال بلهفة قائلًا: "إيه صوت ضرب النار ده؟ إيه اللي حصل؟ قال نبيل بابتسامة وهو يطمئنهم:
"ما تقلقوش، ده طلق بنضربه كل يوم وبيبتدي من عندنا والمزارع التانية بترد علينا، عشان نبلغ بعض إن عربيات التموين والماية وصلت." قال عارف: "أممم، زي سيم يعني." قال نبيل: "أيوه." ليأتيهم صوت فؤادة بتساؤل: "ومن إمتى السيم ده يا عمو؟ قال نبيل: "بقالوا دلوقتي سنة يا بنتي ويمكن أكتر كمان. ولما العيار انطلق النهاردة، افتكرت إنك ما تعرفيش عنه حاجة فجيت أطمنكم." قال جلال: "وهو أنتم هنا ما عندكمش ماية؟ قال نبيل:
"عندنا بس ضعيفة، وعشان كده بنجيب ماية من برة نملي الخزانات اللي بنستعملها في الحموم والنضافة، ودول ليهم حنفيات مخصوص. لكن الماية الحلوة، بنستخدمها للأكل والشرب بس." قالت فؤادة وهي تستدير لتعود إلى مائدة الطعام: "يلا يا جماعة كملوا أكلكم قبل ما الأكل يبرد، وتعالى يا عمو اتغدى معانا يلا." ليعود الجميع إلى الداخل بينما اعتذر نبيل متعللًا بأنه قد تناول غداءه بالفعل، وبأنه سيعود إليهم مرة أخرى ليتناول معهم الشاي.
وعند جلوسهم مرة أخرى قامت فؤادة بطمأنة حسنة والأطفال ليعود الجميع إلى طعامه مرة أخرى. قال عارف: "بصراحة يا فؤادة، الأكل يجنن." قالت فؤادة بسعادة: "أومال، ده متسوّي كله في فخار في فرن بلدي." قالت حسنة: "رغم إن إحنا كمان حاجتنا كلها بيتي ومن خير الأرض، لكن بصراحة الحاجة ليها طعم مختلف برضه عن عندنا." قالت فؤادة: "أنا مبسوطة قوي إن الأكل عجبكم." قالت سلوى بسعادة:
"والبيت كمان حلو قوي يا طنط فؤادة، هتودينا بقى نتفرج على الخيل إمتى؟ قالت فؤادة بضحك: "آه يا مصلحجية، حاضر، بكرة الصبح إن شاء الله بعد الفطار، أوديكم." قالت سلوى باعتراض: "وليه مش النهاردة؟ قالت فؤادة: "حبيبتي النهاردة خلاص قرب يخلص، والدنيا قربت تضلم، فمش هتلحقوا تتفرجوا وتنبسطوا. إنما بكرة الصبح اليوم هيبقى طويل، وهتقدروا تتفرجوا وتلعبوا وتركبوا خيل كمان." قال جلال بحدة:
"لا، افرضي حد وقع ولا اتعور، مش تتكلمي كلام مسئول." تفاجئت فؤادة بهجوم جلال غير المبرر عليها فقالت بندية وهي تتشبث بيدها المعلقة بطرف غطاء رأسها وتتلاعب به بشدة: "هو حضرتك شفت الخيل اللي عندنا؟ قال جلال بسخرية: "وهشوفها إمتى بقى إن شاء الله؟ في الحلم؟ قالت فؤادة:
"يبقى ممكن تصبر على ما تشوفها وبعدين تقول الكلام ده. أولًا الخيل اللي عندنا هادية جدًا، ثانيًا والأهم إني عمري ما كنت هسمح إن حد من الولاد يركب خيل من غير ما يبقى معاهم حد من السيّاس." قال جلال بعند: "برضه لا، ما فيش ركوب خيل." لتنظر له فؤادة بحنق ثم التفتت إلى الجهة الأخرى في صمت وعلامات الانزعاج بادية على وجهها. قالت حسنة: "سيبوا بكرة لربنا، وبطلوا نقار بقى شوية، ده أنا قلت إنكوا عقلتوا." قال عارف بمرح وهو ينهض من
مكانه بعد أن أنهى طعامه: "يموت الزمار وصباعه بيلعب، سفرة دايمة يا ست فؤادة، ربنا يستر وما نامش وأنا سايق." قالت فؤادة بابتسامة: "ألف هنا، طب ما تخليك معانا يومين، هتنبسط قوي." قال عارف بمرح: "لا يا أختي، ما باحبش النقار." قال جلال بتساؤل: "أنت هترجع دلوقتي على طول؟ قال جلال: "هشرب بس فنجان قهوة وأتوكل على الله على طول." لتنهض فؤادة من فورها وهي تتجه إلى باب المنزل من الداخل، وتضغط على زر جهاز معلق بجوار الباب وتقول:
"مين اللي موجود؟ أنا فؤادة." ليأتيها صوت سيدة ما قائلة: "حمد لله على السلامة يا ست البنات، أنا سعدية." قالت فؤادة بابتسامة: "خالة سعدية، وحشتيني، أكيد هاجيلك وأسلم عليكم كلكم، بس عاوزة منك خدمة." قالت سعدية: "اؤمريني يا ستنا." قالت فؤادة: "عاوزة قفص من كل نوع فاكهة ويبقوا عندي في ظرف نص ساعة، ممكن؟ قالت سعدية: "ده أنتي تؤمري، قبل النص ساعة هيبقوا عندك."
لترفع فؤادة إصبعها عن الزر وتعود إليهم مرة أخرى لتدعوهم إلى تناول الشاي والقهوة في الخارج. ليخرجوا جميعهم إلى خارج المنزل فيجدوا أريكتين خشبيتين مرصوص عليهم بعض الوسائد ويوجد فوقهم مظلة ضخمة، وأمام الأرائك يوجد منضدة. وجدوا نبيل قد أتى ووضع عليها عدة أنواع من الفاكهة وهو يقول: "دوقوا من خير ربنا اللي من أرضنا، الفاكهة مغسولة وزي الفل."
قام عارف بالتقاط ثمرة من فاكهة الخوخ وتناولها على الفور، وسلوى التي امتدت يدها وتذوقت من معظم الأصناف وهي تصدر أصواتًا تنم عن الاستمتاع. وكان أدهم يحاول مجاراة سلوى فيما تفعله وسط ضحكات ليلى الرنانة وهي تنظر إليهم بينما تتلاعب ببعض حبات العنب بين يديها. واعتذرت حسنة بأن معدتها حاليًا ممتلئة، بينما جلال ظل يتلفت حوله وكأنه يدرس المكان بعينيه دون أن ينظر إلى الفاكهة أو ما يحدث إلى أن تنبه على صوت
عارف وهو يقول باستمتاع: "يا خبر يا فؤادة، أنتي إزاي كنتي حارمة نفسك من الجمال ده؟ قالت فؤادة وهي تحاول إبعاد سحابة حزن من عينيها: "ما أنت عارف يا أستاذ عارف... مجبر أخاك لا بطل. عارف بمرح: آه يا ولاد الذين، هسيبكوا أنتوا مع الحاجات الحلوة دي وأمشي أنا. فؤادة بابتسامة: لا ما تقلقش، ما أنت هتاخد نصيبك معاك. عارف بضحك: أوعى تكوني فهمتيني صح. فؤادة: ده ما يجيش من بعض فضلكم عليّ. حسنة
وهي تربت على يد فؤادة: ما تقوليش كده يا بنتي، أنتِ تستاهلي كل خير. نبيل وهو يوجه كلامه لفؤادة: قلتي لي في التليفون إن كتفك ودراعك مصاب، لكن ما قولتيليش من إيه، كنتِ متشعبطة على الشجر برضه؟ لتضحك فؤادة بملء فيها وتقول: تصدق فكرتني، بس ما تقلقش أول ما أخف إن شاء الله هتلاقيني فوق شجرة التوت. سلوى بشهقة: أنتِ بتتشعبطي على الشجر يا طنط؟ نبيل بضحك: بتتشعبط بس، ده كان فاضل نبنيلها أوضة فوق الشجرة تنام فيها.
ليضحك أدهم وسلوى بطفولية، بينما كرمشت فؤادة وجهها بشكل لطيف وقالت: بتضحكوا عليّ؟ معلش، اصبروا عليّ بس أما أخف وأنا أوريكم. سلوى ضاحكة وهي تحذر فؤادة بسبابتها: لو عملتيها تاني بابا هيعاقبك. لتلتفت فؤادة تلقائيًا على جلال لتجده ينظر إليها بتركيز لتخفض عينيها بسرعة وكأنها ضبطت بالجرم المشهود ليخرجها نبيل مما هي فيه مرة أخرى قائلًا: ولما أنتِ ما وقعتيش من على شجرة أومال إيه اللي عمل فيكِ كده؟ فؤادة بتردد وهي
تحاول تخفيف الخبر عن نبيل: دي حاجة بسيطة يا عمو، ما تقلقش. وعندما وجدت نبيل ما زال ينتظر إجابة قالت بتنهيدة: انضرب عليّ نار. نبيل بدون فهم: أنتِ محروقة واللا متعورة؟ فؤادة بتوضيح: رصاصة يا عم نبيل، انضرب عليّ رصاصة. نبيل بصدمة: ومين اللي عمل كده؟ واتقبض عليه واللا لا؟ وكان قاصدك أنتِ واللا جت فيكِ بالغلط؟ فؤادة: براحة يا عمو، أنا كويسة أهو قدامك، تعالى اقعد بس، وأنا هحكيلك على كل حاجة.
وما أن جلس نبيل حتى رأوا مجموعة من السيدات كل منهم تحمل على رأسها صندوقًا مغلقًا ويتجهون ناحيتهم، لتنهض فؤادة مسرعة وهي تصرخ بسعادة قائلة: خالة سعدية وحشتيني. لتضع سعدية ما تحمله أرضًا، وتفتح ذراعيها محتضنة فؤادة بحب شديد وهي تتفحص كتفها وذراعيها وهي تحاول الاطمئنان عليها. لتفعل باقي السيدات مثلما فعلت سعدية. عارف: واضح إن الكل هنا بيحب فؤادة. نبيل: ومين يعرف فؤادة وما يحبهاش؟
فؤادة متربية وسطنا هنا، حتى وقت الدراسة لما كانت تضطر تروح إسكندرية، كانت بتصمم تقضي كل إجازة هنا وسطنا، حتى الفترة اللي اشتغلتها كانت بتشتغل من هنا وكل فين وفين على ما تنزل المكتب مرة وترد على طول. ثم أكمل بتنهيدة: سليم بيه الله يرحمه، كان دايما يقول فؤادة عمرها من عمر أول بذرة انغرست في الأرض دي، ورغم إنها اتعلمت ودخلت الجامعة، إلا إنها فلاحة أصيلة.
ثم ضحك قائلًا: الليدي اللي قدامكم دي، يا سلام عليها وهي لابسة البرنيطة القش وبتجمع المحصول وسط الستات. كان جلال مصوبًا نظره على فؤادة يتفحصها ويركز مع ردود أفعالها، كانت بسيطة، رقيقة، مرحة مرح طفل يلهو مع رفاقه وهو يحاول تأجيل المغيب كيلا تفوته لعبة هنا أو أطروحة هناك. كانت فؤادة قد استأذنت من السيدات بعد أن شكرتهم على مساعدتها وأشارت إلى سيارة عارف طالبة منهم أن يضعوا بها الفاكهة.
عارف وهو يضحك بصوت عالي: إيه يا بنتي كل ده؟ مين اللي هياكل كل ده؟ فؤادة بابتسامة: خد اللي يكفيكم أنت ودكتور حسين والباقي هادي بيه حبايبك وأصحابك. عارف: ماشي يا ستي، شكرًا. وعندما التفتت وجدت نظرات جلال تتفحصها مرة أخرى، لينتابها شعور لم ينتابها من قبل، شعور بالخجل ولم تدرِ سببًا لهذا الشعور ولكن وجهها اعتلته حمرة خفيفة زادتها جمالًا ورقة. فعادت للجلوس بجوار حسنة مرة أخرى بينما قال عارف بعد
أن انتهى من شرب القهوة: أنا هضطر أمشي بقى عشان ألحق الطريق قبل الليل. نبيل: تحب أبعت معاك حد لغاية البوابات؟ عارف: لا وعلى إيه، متشكر جدًا، بس أنا متعود على الطريق وعارفه ما تقلقش. ليتجه عارف إلى حسنة ويقبل رأسها، ويقبل الصغار بمداعبة، بينما وقف جلال واتكأ على عصاه وذهب معه إلى أن أوصله إلى السيارة، وبعد أن جلس عارف خلف
المقود نظر إلى جلال وقال: عيش لك يومين يا جلال، وسيب روحك، وحاول تنسى أي حاجة تانية طول ما أنت هنا. جلال: حاجة إيه اللي عاوزني أنساها يا عارف؟ عارف: أي حاجة يا جلال، أي حاجة. جلال: خد بالك من نفسك وطمني عليك أول ما توصل بالسلامة. عارف: حاضر، لا إله إلا الله. جلال وهو يشير إليه مودعًا إياه: محمد رسول الله.
بعد أن خرج عارف من البوابة وأغلقت خلفه مرة أخرى، عاد جلال إليهم مرة أخرى ليجد أن سلوى وأدهم قد جلسوا حول فؤادة وهم يتهامسون معها في شيء ما وهي ترد عليهم بابتسامة خبيثة وهي ترفع حاجبًا وتخفض الآخر، وكأنهم يدبرون أمرًا ما. وعندما جلس مرة أخرى وجدها نهضت مصطحبة الأطفال الثلاثة معها وتسير بالهوينا من أجل خطوات ليلى الضعيفة وهي تمسك يدها وقالت موجهة حديثها
إلى نبيل قبل انصرافها: معلش بقى يا عمو نبيل، أنا هسيب أستاذ جلال يشرح لك اللي حصل عشان الولاد عاوزيني أوريهم حاجة. جلال بتساؤل حذر: أنتم رايحين فين؟ فؤادة وهي تنظر لسلوى وترفع كتفيها ببراءة: مش رايحين في حتة، إحنا قدامكم هنا، قالتها وهي تشير إلى شجرة التوت الضخمة التي تلقي بظلالها عليهم.
ليومئ جلال برأسه، وبدأ في قص ما حدث لفؤادة وقت الحادث على نبيل، وتعمد أن لا يقص عليه أي شيء يخص كيفية زواجهم، ولكنه وضح له أن فؤادة تشك أن الجاني هو نفسه نفس الشخص الطامع في المزرعة. كان يقص على نبيل ما حدث وعينه لا تفارق فؤادة والأطفال فوجدهم ذهبوا إلى شجرة التوت لتشير فؤادة إليهم على أرجوحة معلقة، ليجدها قد حملت ليلى بذراعها السليم وأجلستها على الأرجوحة وهي تضحك معها وتلاغيها بينما تحاول أرجحتها ببطء حتى لا تخاف.
وكانت تحكي شيئًا ما لأدهم وسلوى اللذان كانا يضحكان بمرح شديد بين الفينة والأخرى، وعندما أنزلت ليلى من الأرجوحة قالت لهم شيئًا ما وهي تشير إليهم بتحذير بإصبعها السبابة وعندما وافقها الصغار على ما قالته ابتسمت بمكر واتجهت خلف الشجرة وغابت عن عينيه عندما اختفت خلف الشجرة، فتشتت انتباهه وهو يتحدث مع نبيل، فكان يأكله الفضول ليعرف محتوى ما يقولونه وما يخططون إليه معًا، ولكنه انتبه فجأة عندما سمع تهليل الصغار وتصفيقهم ليراهم ينظرون إلى الأعلى ووجد فؤادة تطل عليهم من فوق أحد الأغصان وهي تساقط عليهم التوت وهي تهز فرع الشجرة وسط ضحكاتهم المرحة وهم يتلقفونه بأيديهم ويأكلونه بسعادة.
لينهض جلال من مكانه منتفضًا وهو يقول بغضب: دي مجنونة رسمي. حسنة والتي كانت تتابع كل ما يحدث بابتسامة هادئة: في إيه بس يا ابني؟ جلال بغضب: أنتِ مش شايفة عملت إيه؟ افرضي وقعت دلوقتي؟ يبقى إزاي الحال؟ لتنظر إليه فؤادة على أثر صوته العالي الغاضب فتقول بعناد: أنا طول عمري بطلع على الشجر، وأعلى من كده بكتير وعمري ما وقعت، ده أنا لولا بس كتفي كنت طلعت فوق عن كده بكتير.
جلال بحدة: ولما حد من الولاد يقلدك ويحصل له حاجة هتفيديني بإيه بقى إن شاء الله؟ فؤادة بدفاع وهي تشير إليهم: أنا ما طلعتش غير لما هم وعدوني إنهم مش هيعملوا زيي، حتى اسألهم. أدهم: وعد مش هنعمل كده يا عمو، ما تخافش. سلوى: وأنا كمان يا بابا. جلال بتردد: ومش المفروض التوت ده يتغسل قبل ما يتاكل؟ هنا نظرت له فؤادة بتردد وقالت: الشجرة دي عمرها ما اترشت بأي مبيدات، بس هو طبعًا في دي أنت عندك حق. لينفخ جلال بغيظ وهو يتجه إليها
وقال بنوع من الشماتة: وريني بقى هتعرفي تنزلي إزاي وأنتي بكتفك ده.
لتنظر له فؤادة بتحدي، ليجدها استدارت وهي ما زالت على فرع الشجرة لتصبح مستلقية عليه بظهرها، لتعتدل جالسة في ثوانٍ. ثم أسندت قدميها على فرع منخفض عن الفرع الذي تجلس عليه، واستندت بيدها السليمة لتهبط بقدميها بكل سلاسة، وكأنها تهبط درج المنزل حتى وصلت إلى الأرض وسط تصفيق الأطفال وضحكات عالية من حسنة التي كانت تراقب جلال وهو يلقي بعصاه أرضًا ويفتح ذراعيه متحركًا يمينًا ويسارًا مع خطواتها، منتظرًا سقوط فؤادة المحتوم في كل لحظة. ونبيل أيضًا ظل بمكانه بابتسامة عريضة تملأ وجهه ولم يتدخل وهو يعلم تمام العلم أن فؤادة تستطيع فعلها دون خوف عليها.
وما إن وصلت إلى الأرض حتى مدت يدها لتعدل هندام ملابسها وهي تنظر إلى جلال بكبر وقالت للأطفال: تعالوا نلم بقى التوت ده ونديهولهم جوا يغسلوهولنا عشان بابا ما يزعلش، وتركته مكانه مذهولًا ومغتاظًا في نفس الوقت من عنجهيتها المجوفة. والتفت متأهبًا للانحناء أرضًا ليلتقط عصاه، إلا أنه وجدها قد ناولته إياها وهي تجلس أرضًا مع الأطفال وهم يجمعون التوت الذي تساقط من الشجرة.
ليشكرها جلال بخفوت وعاد إلى مجلسه مع حسنة التي كانت تنظر بسعادة للأطفال وهي تراقب ضحكاتهم التي لم تنقطع منذ وصولهم إلى هذا المكان الذي يخيم عليه سحر من نوع خاص. أما نبيل فقال بود: ما تقلقش على فؤادة يا أستاذ جلال. جلال بابتسامة ود: جلال بس يا عم نبيل. نبيل: تكرم يا ابني، بس لما فؤادة شاكة إن ممكن يكون الزيني ورا موضوع ضرب النار ده، ليه خاطرت بروحها وجت لحد هنا دلوقتي؟
ليأتيهم صوت فؤادة التي أرسلت الصغار إلى الداخل لغسل أيديهم وانضمت لهم قائلة: وأنت من إمتى تعرف عني إني ممكن أهرب ولا أخاف يا عمو؟ نبيل: ما قلتش تهربي ولا تخافي، لكن الموضوع وصل لمحاولة قتل يا بنتي، لازم تحرصي على روحك. فؤادة: أنا لا يمكن أسيبه يفكر لحظة واحدة إنه قدر يخوفني، وعاوزاك توصله بطريقتك إني شاكة فيه وإني رجعت هنا عشان كده، لا يفكر إني جاية هنا عشان استخبى ولا حاجة.
لينظر إليها جلال ولأول مرة وهو معترفًا بإعجابه الشديد بشجاعتها وجرأتها في الدفاع عن حقها. نبيل: بس برضه لازم تحرصي. فؤادة بثقة: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. جلال: ما تقلقش يا عم نبيل، أنا معاها ومش هسيبها لحد ما أتطمن عليها. نبيل بتساؤل: هو أنت يا ابني ممكن تسيبها عشان شغلك وترجعلها تاني؟ جلال: أنا كمان عندي أرض بتابعها، مش موظف مرتبط بأيام ومواعيد. نبيل: ربنا يبارك فيما أعطى،
ثم نهض وقال: أنا هروح دلوقتي أبيت على الحراسة وأتمم على كل حاجة، وأوصل رسالتك يا فؤادة. جلال باستفسار: هتوصلها إزاي؟
نبيل: كل المزارع اللي حوالينا عاملين جروب على الواتس بنتواصل مع بعض عليه في الحاجات اللي تخص المزارع. هبعت عليه رسالة أبلغهم إن صاحبة المزرعة موجودة لو حد محتاج إنه يشورها في أي حاجة، وهقول كمان إنها موجودة هنا فترة لإنها اتعرضت لضرب نار وعارفة إن اللي عمل كده من النواحي دي، فجاية عشان تعرف هو مين وعاوز إيه.
فؤادة بابتسامة: هو ده بالظبط اللي عاوزاه يوصل للزيني يا عمو، الزيني لازم يعرف إن لو سليم عز الدين مات، فأنا بداله وعمري ما هفرط في شبر واحد منها. ليومئ نبيل برأسه ويتركهم منصرفًا ليلتفت جلال إلى فؤادة قائلًا: هو اشمعنى مزرعتكم أنتو بالذات اللي طمعان فيها اللي اسمه الزيني ده؟
فؤادة: لما جه اشترى حتة أرض جنبنا وحب يكبرها، أخد اللي في ضهر مزرعتنا بالظبط، ولما جارنا اللي في اليمة التانية حصلتله ظروف وعرض مزرعته للبيع، اشتراها منه، فأصبح محاوطنا يمين وشمال ومن ضهرنا كمان، وحاسس إن مزرعتنا هي صرة الأرض بتاعته، لو أخدها هتبقى الأرض على بعضها، وكمان بابا الله يرحمه حفر آبار كتير، والبئر الواحد دلوقتي تكلفة حفره عالية جدًا... فهمت؟ جلال: اممم، الآبار وعاملينله زي الخازوق يعني.
فؤادة بسخرية: بالظبط كده. حسنة: بس مش شايفة إنك كده بتقوليله حاربني على المكشوف؟ فؤادة: أصلك ما تعرفيش يا أمي، اللي زي الزيني ده ما بيعرفش يلعب غير في الضلمة، ما بيحبش النور.. بيخاف منه، وده أول سلاح لازم يبقى في إيدي ضده. حسنة: ربنا يحفظك يا بنتي ويبعد عنك كل شر. فؤادة وهي تنظر إلى السماء: الدنيا ابتدت تضلم، والجو هنا بالليل بيبرد، اتفضلوا جوه. جلال: روحوا أنتو أنا هدخن سيجارة وهحصلكم.
لتدلف فؤادة وحسنة إلى الداخل ليجدوا الصغار الثلاثة قد تجمعوا أرضًا حول طبق من التوت اللذيذ وهم يتناولونه بشهية شغوفة. فضحكت حسنة وقالت: كلتوا التوت كله، ما سيبتوش لتيتة حبة؟ لتجد ليلى قد مدت يدها والتقطت بعض حبات من التوت واتجهت إلى حسنة ومدت يدها بحبات التوت إلى فم حسنة لتدسها بداخله. فؤادة بابتسامة وهي تربت على رأس ليلى بحنان وهي تقول: ماشاء الله عليها، جميلة وحنينة. حسنة بابتسامة: أيوه، ربنا يديمها نعمة.
سلوى: على فكرة في لسه طبق توت مليان على الترابيزة عشانكم يا تيتا. حسنة ضاحكة: طب والله كتر خيركم. فؤادة: حضرتك ما دقتيش حاجة لسه من الفاكهة بتاعتنا، أنا هعمللك طبق على ذوقي. حسنة: ماشي يا ستي مش هكسفك. لتعد فؤادة طبقين من الفاكهة وتعود لتجلس مع حسنة وتعطيها أحدهم وتضع الآخر جانبًا وهي تقول: يلا بقى، ذوقي وقوليلي رأيك. لتلتقط حسنة بعض حبات
الفاكهة وهي تقول بابتسامة: صدقتي والله يا بنتي، فعلًا طعمهم مختلف، وخصوصًا الخوخ والبرقوق. سلوى بمرح: وكلهم يا تيتا. فؤادة: ها بقى يا سلوى، هتفضلي معايا هنا ولا ترجعي طنطا؟ سلوى بتأكيد: هنا طبعًا بس توريني الخيل. فؤادة: وأنت يا دومي؟ أدهم بابتسامة: أنا كمان عاوز أفضل هنا، بس هي ماما تنفع تيجي هنا؟ فؤادة بحنان: حبيبي وقت ماما ما تحب تيجي هتنور المزرعة كلها. أدهم: بس هي ما تعرفش السكة.
فؤادة: هي بس توافق تيجي وأنا أبعتلها عربية مخصوص تجيبها. أدهم وهو ينظر خلف فؤادة: ينفع تكلمها يا عمو وتقوليلها تيجي؟ ماما وحشتني. لتلتفت فؤادة فتجد جلال يقف خلفها وعلى ما يبدو قد استمع لحوارها مع أدهم فقال بتنهيدة: حاضر يا أدهم، هكلم خالو كريم يقوللها. أدهم وهو يرفع كفوفه بالدعاء: يا رب توافق. نظرت فؤادة لجلال وقالت وهي تشير على طبق الفاكهة الآخر: اتفضل حضرتك أنا عملتلك الطبق ده، أنت ما أكلتش فاكهة.
جلال وهو يجلس أمامهم: أنا ماليش تقل أوي على الفاكهة لكن هدوق عشان ما تزعليش. فؤادة: بألف هنا. ليبدأ جلال في تذوق الفاكهة بينما أتت سلوى وجلست بجوار فؤادة وقالت: هتحكيلنا حواديت وحكايات إيه النهاردة؟ ليأتي أدهم ويجلس بجوارها من الجهة الأخرى قائلًا: أنتي وعدتينا تحكيلنا قصة سيدنا يوسف. فؤادة بابتسامة: حاضر، لما تيجوا تناموا هطلع معاكم وأحكيلكم اللي أنتم عاوزينه.
ليتفاجأ الجميع بليلى قد أتت مسرعة وألقت بنفسها في أحضان فؤادة وهي تغمغم بشيء ما وكأنها تشترك معهم في الحوار وتقول لهم إني معكم. لينفجر الجميع ضاحكين بشدة عليها، ثم قالت سلوى: وكمان تحكيلنا سنو وايت.. أنتي وافقتي. فؤادة بمرح: هو أنتي ليه محسساني إني أنكرت؟ ماشي يا ستي حاضر، بس افرضوا بقى نمتوا مني قبل ما أكمل. سلوى ضاحكة: المهم أنتي ما تناميش. فؤادة وهي تدعي النعاس: آه يا لولو، شكلي هنام من دلوقتي.
سلوى وأدهم بإزعاج: لا ما تناميش. فؤادة بضحك: خلاص يا عم أنت وهي، مش هنام. سلوى وهي تنهض وتسحب فؤادة من يدها: طب يلا دلوقتي. فؤادة: طب مش لما تتعشوا؟ أدهم: أنا مش جعان، أنا أكلت توت كتير أوي. سلوى: وأنا كمان، يلا بقى. فؤادة بقلة حيلة: يلا، لتجد أن كف ليلى قد تشبث بملابسها فانحنت وحملتها واتجهت إلى الدرج قائلة: بعد إذنكم، هنيم الولاد وأرجعلكم. البيت بيتكم، وخالتي أم إبراهيم وماجدة في المطبخ لو احتجتم أي حاجة.
حسنة وهي تنادي أم إبراهيم: طيب يا بنتي كتر خيرك، وأم إبراهيم هتطلع وراكي عشان تغير لليلى وتساعدك إنها تنام. وبعد صعودهم التفتت حسنة لجلال قائلة: البنت دي بنت حلال مصفى. جلال وهو يمد يده في طبق الفاكهة: فعلًا. لتقول حسنة بمكر: واضح إن الفاكهة عجبتك. جلال: آه، بس أنتِ عارفة إني ما ليش تقل على الفاكهة. حسنة بضحك: أومال لو ليك تقل يا جلال.
نظر لها جلال بعدم فهم ثم نظر إلى الطبق الذي أعدته له فؤادة ليجده قد فرغ تمامًا من الفاكهة ولم يتبق سوى البقايا فقال بانتباه: تصدقي ما أخدتش بالي إني أكلت كل ده. حسنة بخبث: اللي واخذ بالك يتهنى به. جلال بانتباه: تقصدي إيه؟ حسنة ببراءة: هقصد إيه يعني يا ابني؟ بس قول لي صحيح، أنت هتكلم كريم بجد عشان موضوع ندى ومجيئها هنا؟ جلال بتنهيدة: وأنتِ تعرفي عني إني ممكن أوعد وما أوفيش؟ حسنة: تفتكري هترضى؟
جلال: والله هي حرة، أنا هعمل اللي عليَّ وخلاص. ليسمع جلال صوت هاتفه وعندما نظر إلى شاشته وجد أن عارف هو المتصل فأجابه قائلًا: السلام عليكم، أنت فين دلوقتي؟ عارف: وعليكم السلام، أنا يعتبر وصلت، بس عديت على قصر الثقافة الأول، هقعد شوية وبعدين أروح، بس قلت أطمنكم إني وصلت. جلال: ماشي يا سيدي، حمد لله على السلامة. عارف: الله يسلمك، يلا سلام.
وبعد أن أغلق الهاتف: الوقت عدى بسرعة قوي، وأنا حاسس إني تعبت وعاوز أنام، وأنتِ مش هتنامي؟ لتنهض حسنة من مكانها قائلة: أنا كمان عاوزة أنام بس ما كنتش عاوزة أسيبك لوحدك. جلال: طب يلا بينا. ليصعدا إلى الأعلى لتدلف حسنة إلى غرفتها مباشرة بينما مر جلال على غرفة الصغار التي كان بابها مردودًا دون إغلاق ليلمح فؤادة تجلس بين الفراشين وظهرها إلى الباب وكل من سلوى وأدهم في فراش وهم منتبهين إليها
بكل تركيزهم وهي تقول: ولما رموا القميص على وش سيدنا يعقوب راح مفتح ورجع يشوف من تاني، فقال لهم شفتوا بقى إن ربنا عرفني حاجات أنتم ما تعرفوهاش، وقاموا راحوا كلهم مصر عند سيدنا يوسف اللي رحب بيهم جدًا وقعد باباه ومامته على العرش ولما انحنوا له كلهم قال لباباه، إن هو ده تفسير الرؤية اللي شافها وهو صغير. سلوى: يعني سيدنا يوسف سامح أخواته على اللي عملوه معاه وهو صغير؟ فؤادة: آه يا لولو، سامحهم كلهم.
أدهم: بس دول كانوا عاوزين يموتوه. فؤادة سكتت شوية وبعدين قالت لهم: عاوزاكم تعرفوا حاجة، بس فكروا كده شوية معايا، هو لو ما كانش أخواته عملوا فيه كده كان جه مصر وبقى هو العزيز بتاعها؟ سلوى وأدهم: لا. فؤادة: أخواته كانوا يقصدوا يأذوه، لكن ربنا كان رايد حاجة تانية، والحاجة التانية دي ما حصلتش غير لما أخواته نفذوا اللي كانوا عاوزين يعملوه، أنتم فاهمين حاجة؟ سلوى وأدهم: لا.
فؤادة بتوضيح: يعني أخواته كانوا عاوزين يأذوه، فربنا حول أذيتهم دي لخير كتير قوي لسيدنا يوسف، لكن البداية بتاعة الخير دي كانت بإنهم رموه في البير، فهمتوا؟ سلوى: أنا فهمت. أدهم: وأنا كمان. فؤادة: أنا طبعًا ما أعرفش السبب الحقيقي اللي خلى سيدنا يوسف سامحهم، لكن لما فكرت فيها قلت ممكن يكون عشان كده. أدهم: بس أنتِ كبيرة، المفروض تبقي عارفة. فؤادة بمرح: أبقى عارفة أكتر منكم آه، لكن عارفة كل حاجة كل حاجة.. لا.
أدهم وهو يتثاءب: يلا بقى سنو وايت. فؤادة برجاء: طب ممكن أحط ليلى في سرير تيتا عشان نامت، وأشوف لو تيتا أو بابا عاوزين حاجة وأرجع لكم تاني؟ سلوى وأدهم: ماشي. لتنهض فؤادة وهي تحاول الاعتدال بينما تحمل ليلى النائمة بذراعها السليم ليسرع إليها جلال دون تفكير ويلتقط منها ليلى قائلًا بتحذير هامس: حاسبي لا تقعي بيها. لتشهق فؤادة من المفاجأة حتى كادت ترتد ساقطة أرضًا بينما تلقفها جلال بين ذراعيه مانعًا إياها من السقوط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!