عندما استمع عارف لحديث نهاد في الهاتف مع أخيها، واستمع لاسم محمد، لم يكن يعلم أنه أخيها، فاشتعلت النيران في صدره وأخذ يسأل نفسه عن هذا المدعو محمد وعلاقته بها. وظل الحال على ما هو عليه لمدة ثلاث ساعات، والجميع في انتظار أن تفيق فؤادة، ولكنها ما زالت تحت تأثير المخدر ولم تسترد وعيها بعد، ليقول جلال ببعض القلق:
"ما تسأل صاحبك ده يا حسين عن سبب تأخيرها بالشكل ده، ده قال ساعتين وأهو عدى ثلاث ساعات ولسه ما فاقتش لحد دلوقتي." حسين: "ما تقلقش يا جلال، أحيانًا بيبقى الجسم محتاج راحة فبتستمر في البنج أكنها نايمة." جلال بضيق: "بس عاوزين نتطمن عليها، طب ادخل أنت بص عليها، هو أنت مش دكتور هنا؟ لينهض حسين قائلًا بهدوء: "اهدَى وأنا هخليه يبقى يبص عليها."
وبعد خمس دقائق عاد حسين بصحبة سيف، ودخل سيف مصطحبًا معه حسين إلى فؤادة وغابا بالداخل عشر دقائق، ثم عادا إليهم وقال سيف: "هي فاقت الحمد لله، بس طبعًا الألم شديد عليها وعشان كده اديتلها مسكن هيخليها تنام تاني." جلال: "وموضوع ايدها؟ سيف: "لا تمام الحمد لله، ما فيهاش أي مشاكل." جلال: "طب مش هينفع ندخل نشوفها ونتطمن عليها؟ سيف بأسف: "للأسف، لازم ننفذ كلام الظابط، أنا هكلمه دلوقتي وهبلغه بالتطورات." جلال:
"طب هي هتفوق تاني امتى؟ سيف: "مش قبل بالليل." لتتقدم منهم نهاد قائلة: "طب ما ينفعش أدخل أقعد جنبها عشان لما تفوق ما تبقاش لوحدها؟ سيف باعتذار: "لو كان بإيدي كنت سمحتلك، لكن أديكي شايفة الوضع عامل إزاي." كان كل ذلك يحدث بالقرب من سالم الذي كان جالسًا بكرسيه ولم يتحرك منذ مجيئه ولم يغير وضع جلسته، فاقتربت منه سلمى ووضعت يدها على كتفه قائلة: "بابا.. هو حضرتك هتفضل قاعد كده.. أنت كويس؟
ليرفع سالم وجهه إلى ابنته بجمود وينهض من مكانه قائلًا: "هخرج أعمل تليفون وأرجع لكم." ليتركهم ذاهبًا إلى الخارج ليشير جلال بعينيه لعارف فيخرج بهدوء خلفه وهو يتتبعه عن بعد، ثم استدار جلال لحسين قائلًا: "فؤادة لما فاقت ما قالتش أي حاجة؟ حسين بأسف: "اعتذرت ونامت على طول." جلال باستغراب: "اعتذرت عن خروجها ولا عن إيه بالضبط؟ حسين بتنهيدة: "اقعد وأنا هحكيلك اللي حصل بالضبط."
ليقص حسين على جلال كل ما حدث على مسمع ومرأى من كريم، وبعد أن فرغ من حديثه قال جلال بغضب مكبوت: "ندا زودتها أوي يا حسين، وأنا مش راضي أوجهلها أي عتاب عشان تشيل كل الهبل ده من دماغها وبرضه ما فيش فايدة." كريم بإحراج: "معلش يا جلال اعذرها، أنت عارف هي بتحب سلوى وخايفة عليها قد إيه." جلال: "وإيه علاقة سلوى باللي بتعمله ده يا كريم؟ كريم: "هي بس خايفة يبقى لها مرات أب، مش أكتر." حسين بدهشة:
"ده أنت عندك فكرة مسبقة عن الموضوع بقى؟ كريم وهو يحك مؤخرة رأسه: "كلمتني بالتليفون وحكيتلي." حسين باستفهام: "وقلت لها إيه؟ كريم بإحراج: "ما أنت عارف مراتك يا حسين، ما بتقتنعش بكلام حد." حسين: "آه يعني قلت لها إيه برضه؟ كريم: "لما حاولت أشيل الكلام ده من دماغها، صممت إني أجي أتغدى معاكم وأشوفها عشان أقتنع إن كلامها صح." جلال بتركيز: "وأنت بقى لما تشوفها إيه اللي هيخليك تقتنع بكلامها إن شاء الله؟ كريم بتنهيدة:
"بصراحة يا جلال أنا كنت فاكرها مأفورة الحكاية أوي، لكن طلع عندها حق، البنت فعلًا فيها شبه كبير جدًا من هدى الله يرحمها، أنا ما شفتهاش غير وهي واقعة على الأرض لما وصلنا، لكن حسيت إني اتسمرت في الأرض وأنا ببصلها، وهو ده اللي مخوف ندا، خايفة لا تتعلق بيها عشان شبه هدى الله يرحمها." جلال بغيظ: "اسكت يا كريم الله لا يسيئك، ما حدش فيكم فاهم حاجة."
وفي هذه الأثناء كان عارف يأتي إليهم من بعيد، ولمحوا من على بعد سالم وهو قادم أيضًا خلف عارف، وما أن وصل عارف إلى جلال حتى مال عليه وقال له شيئًا ما بأذنه جعل جلال ينظر بتمعن إلى سالم الذي عاد إلى مكانه السابق بجوار زوجته وبناته ولكنه هذه المرة أسند رأسه إلى الجدار وأغمض عينيه وعلى ملامحه علامات من الغضب المكبوت جعلت نهاد وسلمى يتبادلان النظرات مع والدتهما، ولزموا الصمت منتظرين أي أخبار عن فؤادة.
كان عارف يتابع نهاد، حركاتها وردود أفعالها، ولاحظ أيضًا أنها تتعامل مع والدها بحذر شديد إن لم يكن رعبًا شديدًا، على عكس سلمى التي كانت تتمتع ببعض الجرأة في التعامل مع والدهما. وعندما حاول أن يشير إليها محاولًا التحدث إليها وجدها تشير بالرفض بعينيها برعب شديد مما جعل سلمى تضحك عليها بشدة من وسط بكائها، وجعل عارف يبتسم على حركتها بشدة.
لتمر عليهم الساعة تلو الأخرى، ليجد جلال والدته تأتي عليه هي الأخرى لينهض من مكانه ويجلسها قائلًا: "ليه تعبتي نفسك يا أمي؟ حسنة وهي تربت على يديه: "قلت أجي أتطمن بنفسي على الغلبانة دي، بعد ما صليت ركعتين شكر لله إن ربنا نجاها من اللي حصلها، بس هي هتفضل كده يا أولاد من غير ما حد يطمننا عليها؟ حسين: "أنا اتطمنت عليها يا أمي، وسيف كمان مش سايبها، وعلى العموم هي زمانها هتفوق دلوقتي."
ليجدوا الملازم علاء قادمًا إليهم من على بعد بصحبة سيف حتى وقف أمامهم جميعًا وألقى السلام، ثم قال: "أنا هدخل آخد أقوالها دلوقتي، وبكرة الصبح إن شاء الله هيوصل لكم استدعاءات رسمي عشان ناخد أقوالكم في محضر رسمي، عن إذنكم." ليتركهم ويدخل إلى فؤادة بصحبة سيف، وما أن دخلوا إليها، إلا ووجدوها مستيقظة وتبكي في صمت. سيف بعملية: "عاملة إيه دلوقتي؟ فؤادة: "كتفي بيوجعني شوية." سيف بدعابة:
"لو كنتي قلتي أوي كنت هقول لك كدابة، لأني مديكي مسكن قوي جدًا." فؤادة بتمرد: "أنا ما بعرفش أكدب أصلًا." سيف بابتسامة: "طب لما هو بيوجعك شوية بس، بتعيطي ليه؟ فؤادة: "ما باحبش المستشفيات، عاوزة أمشي من هنا." علاء: "أنا بس اللي أقول إن كنتي تمشي ولا لا." فؤادة باستغراب: "مين حضرتك؟ علاء: "أنا وكيل النيابة اللي بيحقق في القضية بتاعتك، وجاي عشان أسألك عن اللي حصل." فؤادة:
"أنا أصلًا ما عرفتش إيه اللي حصل غير من الدكتور لما فقت المرة اللي فاتت." سيف موجهًا حديثه إلى علاء: "طب يا فندم أنا هسيبك تشوف شغلك وهنتظرك برة، وياريت بقدر الإمكان بلاش تجهدها." علاء: "متشكر أوي." ليخرج سيف ويلتفت علاء إلى فؤادة قائلًا: "بس على الأقل عارفة مين اللي ممكن يعمل فيكي كده؟ فؤادة بحزن: "لأ طبعًا ما أعرفش." علاء: "يعني ما بتتهميش حد؟ فؤادة: "لأ." علاء:
"مع إن عندي اتنين متهمين لحد دلوقتي والاتنين بيتهموا بعض." فؤادة باستغراب: "اتنين مين دول؟ علاء: "عمك وجوزك." فؤادة بصدمة: "إيه؟ لا طبعًا، مش ممكن أبدًا." علاء بفضول: "مين فيهم اللي مش ممكن أبدًا عمك.. ولا جوزك؟ فؤادة: "ولا ده ولا ده حضرتك، ما حدش فيهم أبدًا ممكن يعمل حاجة زي كده." علاء: "طب ليه وجهوا الاتهامات دي لبعض؟ فؤادة: "ده مجرد سوء تفاهم حضرتك مش أكتر." علاء: "عمك بيتهم جوزك إنه عمل كده عشان طمعان في ثروتك."
فؤادة: "لا طبعًا، مش حقيقي، جلال من عيلة كبيرة وغني، يعني مش محتاج، وبعدين جلال أواني واتجوزني من قبل ما يعرف حاجة أصلًا عن ثروتي اللي حضرتك بتقول عليها دي، فمش أول ما يتجوزني يعني يقتلني بعدها بكام يوم، مش منطق أصلًا." علاء: "طب ما هو جلال بيتهم عمك برضه لنفس السبب." فؤادة بتردد: "هو بس عمي زعلان مني عشان اتجوزت من وراه، لكن طبعًا ما توصلش للقتل أبدًا، عمي بعيد تمامًا عن اللي حصل ده." علاء:
"طب مين اللي ممكن يكون عمل كده؟ لتصمت فؤادة لبرهة ثم تقول وهي تحاول التغلب على أوجاعها: "الوحيد اللي ممكن أتهمه هو عبد الجليل الهلالي." علاء باهتمام: "ممكن تقولي لي أسباب اتهامك ليه تبقى إيه؟ فؤادة: "الهلالي كان عاوز يتجوزني غصب عني لولا إني هربت من البيت واتجوزت بعيد عنه ولما عرف اتجنن، وأنا عملت له محضر عدم تعدي." علاء: "اللي أعرفه إن المحضر ده كان ضد عمك كمان." فؤادة باضطراب: "لا..
عمي مش ممكن يعمل حاجة زي دي، أنا متأكدة. علاء: طب ليه عملتيله المحضر بعدم التعدي مع الهلالي؟ فؤادة: أنا بس حبيت الهلالي ما ياخدش موقف من عمي عشان ليهم شغل مع بعض، بحيث يفهم إن عمي مالهوش علاقة بهروبي وجوازي. لينظر لها علاء بتركيز وكأنه يحاول قراءة أفكارها. وعندما شعرت فؤادة بذلك زاد ارتباكها فأغمضت عينيها وقالت: أنا تعبانة، ممكن كفاية كده من فضلك. لينهض علاء
من مكانه وهو يتنهد ويقول: لو حسيتي في أي لحظة إنك عايزة تقول لي أي حاجة تانية، فياريت تبلغيني. لتومئ فؤادة برأسها وهي لا زالت مغمضة عينيها حتى خرج من الغرفة. وما إن خرج حتى قالت نهاد: ممكن أدخل لها بقى ولا برضه ممنوع؟ علاء: الحقيقة الموضوع دلوقتي في إيد الدكتور بتاعها، هو اللي يحدد إن كان مسموح بالزيارة ولا لأ. كان سيف لا زال جالسًا
بصحبة حسين وإخوته فقال: متهيأ لي المفروض إن جوزها المفروض هو اللي يدخل لها الأول ولا إيه؟ وبعد كده ممكن تشوفوها بس مدة صغيرة أوي عشان ما تجهدوهاش. لينهض جلال من مكانه وهو يجذب حسنة معه ويتجه إلى غرفة فؤادة ويدق الباب بهدوء ثم يدلف إلى الداخل مع والدته مغلقًا الباب من ورائه.
ليقف علاء أمام سالم قائلًا: مدام فؤادة نفت تمامًا التهمة عنك يا سالم بيه، زي ما نفتها عن جوزها بالضبط، ولولا إنها اتهمت شخص ثاني.. كان هيبقى في إجراء ثاني للأسف. سالم بفضول: واتهمت مين؟ علاء بابتسامة: الحقيقة ما ينفعش أقول مين حرصًا على سير التحقيق، لكن ده ما يمنعش إني عاوز حضرتك تعدي عليا بكرة إن شاء الله في النيابة عشان أقدر آخد أقوالك في محضر رسمي.
ليومئ سالم رأسه بصمت، ثم يلتفت علاء إلى حسين وعارف قائلًا: ويا ريت تبلغوا جلال بيه نفس الكلام، برضه هنتظره يعدي عليا بكرة إن شاء الله. حسين: تمام حضرتك، إن شاء الله هبلغه. علاء وهو يتجه إلى الخارج: ألف سلامة على المدام، ربنا يطمنكم عليها. ليرد الجميع بغمغمة غير مفهومة ما بين شكر وامتنان. أما بالداخل، فما إن أغلق جلال الباب حتى أسرعت حسنة
إلى فؤادة وهي تقول بهلع: فؤادة يا حبيبتي، ألف لا بأس عليكي يا بنتي، حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. فؤادة بابتسامة امتنان: تسلمي لي يا أمي. جلال بجمود: حمد لله على السلامة. فؤادة: الله يسلم حضرتك، متشكرة. جلال: مش لو كنتي سمعتي الكلام ما كانش حصل حاجة من الكلام ده. لتنظر له فؤادة بدهشة، فيكمل قائلًا: هو أنا مش نبهت عليكي ما تتحركيش من جوه البيت، ممكن أعرف إيه اللي خرجك؟ لتتبادل فؤادة النظرات مع حسنة، ولا تعلق.
فيقول جلال: ممكن تجاوبيني؟ حسنة: يا ابني مش وقته، دي لسه تعبانة ومش حمل الكلام ده دلوقتي. جلال باعتراض: وهو أنا بشقيها يا أمي؟ أنا عاوز أعرف سبب خروجها من البيت وعصيانها لكلامي. فؤادة وهي تنظر للجهة الأخرى: أنا آسفة. جلال باستغراب: أفندم! فؤادة بتمرد: بقول لك أنا آسفة، وأوعدك إني ما أكررهاش مرة تانية، إيه؟ المفروض أعمل إيه ثاني مش فاهمة. جلال وهو ينظر لها بتركيز شديد: أتمنى، بس برضه ما قلتليش إيه سبب خروجك من البيت.
فؤادة بارتباك: ما فيش سبب معين. جلال: أفندم! فؤادة بإصرار: بقول لك ما فيش سبب معين، كنت عايزة أخرج فخرجت. قالت فؤادة ما قالته بتحدٍ وكانت تنتظر ثورته وغضبه لكنها بدلًا من ذلك وجدته يقول بهدوء: قلتي إيه لوكيل النيابة؟ فؤادة وهي تنظر له بتحدٍ: اتهمت الهلالي، ونفيت التهمة عنك وعن عمي، ومن فضلك مش عايزاك تتهم عمي ثاني، عمي لا يمكن يعمل كده. جلال بتهكم: وإيه بقى اللي خلاكي متأكدة أوي كده؟ مش هو ده عمك اللي كان...
لتقاطعه فؤادة بتعب وتقول: اللي كان فيه العبر كلها، بس ما يقتلنيش، عمي لا يمكن يعمل كده. جلال بتنهيدة: عمومًا أنا اتأكدت إنه فعلًا بعيد عن اللي حصل. فؤادة بفضول: واتأكدت إزاي؟ جلال: بعدين. حسنة بتأكيد: أيوه بعدين، إحنا دلوقتي ما نفكرش في أي حاجة غير إنك تقومي بالسلامة وبس. جلال: عمك ومراته وبناته بره عايزين يتطمنوا عليكي، أسيبهم يدخلوا لك؟ فؤادة ببعض التردد: هو ممكن تفضلوا معايا وعمي موجود؟
جلال وهو يطمئنها: ما تقلقيش، أنا هفضل موجود معاكي. لتنهض حسنة من مكانها وهي ترتب غطاء رأسها وتقول: أنا هفضل بره على ما يخرجوا من عندك، ومش هسيبك، ما تقلقيش. لتخرج حسنة ويقف جلال على باب الغرفة وهو يشير بيده للداخل ويوجه كلامه لسالم قائلًا: فؤادة بانتظاركم.. اتفضلوا. أنهى كلامه وعاد للداخل ووقف أمام النافذة حتى دخلت نهاد وسلمى ووالدتهم مهرولين لتنحني نهاد على فؤادة محتضنة
إياها ببكاء شديد وهي تقول: يا حبيبتي يا فؤادة، كنت هموت من رعبي عليكي. فؤادة متأوهة: آه، حاسبي يا بنتي كتفي. نهاد بارتباك: أنا آسفة. أنا آسفة، نسيت، معلش. لتزيحها سلمى بيدها وتأخذ مكانها وتنحني على فؤادة وتقبل رأسها وتقول: سلامتك يا فوفو ألف سلامة، بقى دي آخرتها ضرب نار مرة واحدة كدة. لتقول والدتهما وهي تقبل فؤادة وتقول بحنان: سلامتك يا فؤادة، الحمد لله يا بنتي إنك بخير. فؤادة: الله يسلمك يا طنط، تسلمي لي يا رب.
وعندما ابتعدت والدة نهاد من أمامها، لمحت فؤادة عمها وهو ينظر إليها بحزن وقال لها وهو بمكانه: حمد لله على سلامتك. ثم استدار خارجًا بعد أن قال لزوجته وبناته: هستناكم بره. لتتنهد سلمى وتقول: معلش يا فوفو، ما أنتِ عارفة بابا، بس لا يمكن أبدًا يعمل كده فيكِ. فؤادة: أنا عارفة يا سلمى، ومتأكدة كمان، وقلت الكلام ده لوكيل النيابة. والدة نهاد:
حبيبتي أنتِ عارفة غلاوتك عندي قد إيه، لولا إنك عارفة اللي فيها ما كنتش سيبتك هنا لوحدك أبدًا. فؤادة: ما تقلقيش عليّ يا طنط، أنا بخير ومش لوحدي ما تخافيش. قالتها وهي تنظر باتجاه جلال. نهاد وهي تبكي كالأطفال: هي الرصاصة لما جت فيكِ وجعتك أوي يا فؤادة؟ فؤادة: أوي يا نهاد أوي. نهاد وهي تنظر لسلمى: شفتِ! قلت لك أكيد وجعتها، تقولي لي: "لا دي تلاقيها أغمى عليها على طول وما حستش بحاجة". فؤادة بابتسامة:
ما أنا برضه أغمى عليّ بعدها بشوية صغيرين. سلمى بانتصار: شفتِ! أهو، زي ما قلت لكِ. نهاد وهي تجفف عينيها من أثر الدموع: طب هو أنتِ لسه موجوعة أوي؟ ولا الوجع خف شوية؟ فؤادة: الدكتور حاطط لي مسكن في المحلول، فيعني الحمد لله الوجع محتمل نوعًا ما. لتنحني نهاد على فؤادة بعد أن تأكدت أن أباها بعيدًا عنهم وقالت بهمس: أنا معي في شنطتي الأوراق بتاعتك كلها. فؤادة بلهفة: بجد! لتضع نهاد كفها على فم فؤادة وهي تقول:
الله يخرب بيت الغباء يا بعيدة، شكلي أنا اللي هجيب أجلك بإيدي، ما تهمدي، أنتِ عاوزاني أرقد مكانك؟ فؤادة باعتذار: حقك عليّ، معلش. نهاد بهمس: أخليهم معي وإلا أعمل إيه؟ فؤادة: أديهم لأستاذ جلال. لترفع نهاد عينيها إلى جلال وتتفرسه بنظراتها ثم تهمس لفؤادة مرة أخرى قائلة بمرح: إلا هو أنا لو هربت من أبويا هأقع على واحد مز كده برضه وإلا أنا قرعتي دايمًا في خريجين الأحداث؟ لتتأوه فؤادة وسط ضحكاتها وهي تقول:
هو في حد مسلطك عليّ! أنتِ ناوية تموتيني من الضحك بدل النار! نهاد بامتعاض: أنتِ اللي خفيفة وما حدش بيعرف يتفكه معك بكلمتين. ثم تمد نهاد يدها داخل حقيبتها لتخرج كيس بلاستيكي به مجموعة من الأوراق وتعطيها لجلال وهي تتلفت باتجاه الباب، وما إن التقطها منها جلال حتى خرجت من الغرفة وكأنها تعدو ثم عادت برأسها مرة أخرى وقالت: هأجيلك بكرة الصبح. وخرجت سلمى ووالدتهما في أثرها. ليقول جلال وهو ينظر للأوراق التي بيده:
أعمل بيهم إيه دول؟ فؤادة: من فضلك خليهم لي أمانة عندك لغاية أما أخرج من هنا، هو أنا هأخرج إمتى؟ ليدخل حسين وعارف بصحبة حسنة ويقول: لسه قدامك كام يوم يا فؤادة. عارف: حمد لله على السلامة يا فؤادة، أنا الحقيقة مش عارف أشكرك إزاي. فؤادة باستغراب: تشكرني أنا؟ على إيه؟ عارف بمرح:
الحقيقة أنا بأشكرك مرتين، مرة على الساسبينس اللي عيشتينا فيه ده، الواحد ما كانش بيشوف الكلام ده غير في الأفلام بس، أما بقى الشكر الثاني ده فهأبقى أقول لك عليه بيني وبينك. حسين: الحقيقة أنا كمان المفروض أشكرك يا فؤادة. فؤادة: أنتوا إيه حكايتكم النهاردة؟ في إيه؟ حسين: ما تشغليش بالك دلوقتِ بالكلام ده، أنتِ المفروض تستريحي، بس أما تأكلي الأول، الدكتور أمر لك بأكل وزمان الأكل هيجي لك دلوقتِ. فؤادة: بس أنا مش جعانة.
حسنة باعتراض: لا، ما فيش الكلام ده، أنتِ هتأكلي الأكل اللي هيجيبوه لك ومن الصبح إن شاء الله هيجي لك الأكل من البيت. فؤادة: مش قصدي والله يا أمي بس أنا فعلًا مش حاسة إن عندي نفس. حسين: أنتِ نزفتِ كثير، أي نعم عملوا لك نقل دم، بس ده ما يغنيش عن الغذاء أبدًا، الغذاء هو اللي هيساعدك تقومي وتخرجي بسرعة، بس معلش بقى هتتشكشكي كثير. فؤادة بلا مبالاة: ما جتش على الشكشكة. عارف باستغراب: إيه ده؟ ما بتخافيش من الحقن؟
فؤادة ببساطة: لا، عادي يعني، بتوجع دقيقة وخلاص. حسين بضحك: ربنا يكملك بعقلك. فؤادة بتمرد: أنا عاقلة على فكرة. حسين وهو يرفع يديه بتسليم: وست العاقلين كمان! حد يقدر يقول نص كلمة؟ لتدخل إحدى الممرضات ومعها الطعام لتضعه على الحامل وتقربه من فؤادة التي قالت باعتراض: لبن لأ، أنا ما بأحبش أشربه. جلال بتهكم: يعني إحنا خلصنا من الحقن، تقومي تطلعي لنا باللبن! عارف بمرح: مع إن الحقن دي ليفل الوحش. حسنة: بس أنت وهو، ثم
نظرت لفؤادة بحنان وقالت: أنتِ بتأخذي الحقن رغم إنها بتشكشك لأنك عارفة إنها هتعالجك، واللبن كمان هو اللي هيخلي الأنسجة بتاعة جسمك تلم وتخف بسرعة، هنشربه كأننا بنشرب الدواء، وأنا بكرة إن شاء الله هأجيب لك لبن من عندنا، طازة وفريش ومغلي وزي الفل. فؤادة: طب ممكن تسيبوه لي في الثلاجة شوية؟ ما بأقدرش أشربه سخن أبدًا، أرجوكم. وأثناء جدالهم يسمعون طرقًا على الباب وعندما يذهب جلال ليفتح الباب يجد أن كريم هو الطارق،
ليقول جلال: يا خبر، أنا فكرتك مشيت. كريم ببعض الخجل: أنا قلت أطمئن عليها الأول وأشوفكم لو محتاجين مني أي حاجة. جلال: طب تعالَ اتفضل، ادخل يا كريم، ثم يقول لفؤادة: ده يبقى كريم ابن عمنا يا فؤادة. فؤادة: أهلًا وسهلًا. كريم: حمد لله على سلامتك، وإن شاء الله تخرجي بألف سلامة. فؤادة: شكرًا.
كان كريم يركز نظراته على فؤادة وطريقة نطقها للحروف، ولاحظ أيضًا حركة أصابعها وهي تتلاعب بأطراف غطاء فراشها، وكان عارف وحسين يتابعان ردود أفعال كريم الذي قال بعد برهة من الصمت: طب أنا هأضطر أستأذن عشان اتأخرت على ماما، وعاوزة تروح من بدري، ثم التفت إلى حسنة وقال: تحبي تيجي معي يا امرأة عمي أوصلك؟ حسنة: لأ يا حبيبي، روح أنت بالسلامة، واعتذر لزينب، أديك شايف الدنيا عاملة إزاي. كريم وهو يسترق النظرات لفؤادة:
تتعوض يا امرأة عمي، الأيام جاية كثير، وإن شاء الله لما آنسة فؤادة تخرج بالسلامة نجي لها لغاية عندها. نتطمن عليها. لم تجب فؤادة ولم تنظر تجاهه بينما كان جلال وإخوته ينتظرون أن ترد عليه بكلمة شكر أو تحية لكنها لم تفعل وظلت صامتة، فقال عارف: تحب أجي معك وأنت راجع؟ كريم وهو لا زال يسترق نظراته لفؤادة: زي ما تحب، يلا. عارف: طب يا جماعة أنا هأرجع مع كريم وهأجيب العربية وأرجع لكم. حسين:
ده أنا نسيت خالص موضوع العربية ده، أومال أنت جيت بإيه يا جلال؟ جلال: جيت بعربية التاجر، وصلني أول ما عرفنا اللي حصل. عارف وهو يأخذ كريم تحت جناحه ويتجه به إلى الخارج: مش هتأخر عليكم. وبعد أن صعدوا إلى السيارة قال كريم: هي فؤادة دي حكايتها إيه؟ عارف: حكايتها في إيه مش فاهم؟ كريم: يعني، أصل ندى قالت لي على حكايتها لما جت ولغاية ما اتجوزت جلال، لكن شكلها بيقول إن وراءها حكاية كبيرة. عارف:
ولا حكاية ولا رواية، هو زي ما ندى حكت لك بالضبط. كريم: بس دي جريئة أوي. عارف: أشمعنى يعني؟ كريم: يعني اللي يخلي بنت أبوها ميت تهرب من عمها عشان ما تتجوزش غصب عنها، تقوم تتجوز واحد عمرها ما عرفت عنه حاجة في يوم وليلة كده، وإلا هي كانت تعرف جلال من قبلها وإلا إيه النظام؟ عارف وهو يزفر من تحت أنفاسه: أنت شكلك هتعوم على عوم أختك بس بجنان. كريم ضاحكًا: لا يا عم، لا هأعوم ولا هأغطس، ماليش دعوة.
وما إن وصلوا إلى المنزل حتى ترجلوا من السيارة، وبينما اتجه كريم إلى الداخل اتجه عارف إلى سيارته وقادها عائدًا إلى المشفى. وقبل أن يدلف كريم إلى الداخل سمع صوت ندى وهي تقول بغضب: بس أنت ما قلتليش إنك عاوزني أخرجها لك عشان تقتلها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!