جلال: وايه اللي انت عاوز تعرفه؟ عارف: إيه اللي بينك وبين عبد الجليل الهلالي يا جلال؟ صمت جلال وهو ينظر إلى اللا شيء، ويبدو على ملامحه الغضب الشديد وهو يعض على نواجزه بقوة. ليقف عارف أمامه قائلاً بتوجس: "إيه يا جلال؟ ضايقك في إيه خلاك كارهه للدرجات دي؟ وتار إيه ده اللي ليك عنده ومن إمتى؟ وإزاي إحنا مانعرفش؟ قاطعه جلال بغضب: "كفاية يا عارف، كفاية. أنا مش عاوز أتكلم في الموضوع ده دلوقتي." عارف بتصميم:
"وأنا مش هسيبك غير لما أعرف كل حاجة." لوي جلال كفه بغضب ورفعها أمام وجهه وهو يقول: "مش هيهدالي بال لحد ما أنتقم منه ابن الهلالي." عارف بفارغ صبر: "طب مش تفهمني عمل لك إيه بالظبط؟ قال جلال وهو ينظر لصورة هدى المعلقة على الجدار: "قتلها يا عارف، هو اللي قتلها. كانت عربيته، وكان سايقها بنفسه، وعمل عملته وجرى زي الندل، ما فكرش حتى يبص وراه ويشوف مين مات ومين حي." اتسعت عينا عارف بصدمة وهو يقول:
"وإنت عرفت منين إنها عربيته؟ إنت مش قلت في التحقيقات وقتها إنك ماشفتش العربية بسبب المطر والضلمة؟ أخذ جلال نفسه على وتيرة متهدجة وهو يقول بغل: "ده لأني وقتها فعلًا كنت مشوش ومش مركز غير في اللي حصل لهدى وحصلي." عارف باستغراب: "أومال عرفت الكلام ده إزاي؟ أنا مش فاهم حاجة." قال جلال وهو يجلس وكأنه يتذكر شيئًا ما:
"بعد الحادثة بفترة طويلة، بعد ما ابتديت إني أقدر أحرك رجلي، وبدأت أنزل الجناين من تاني، لقيت واحد من الفلاحين اللي طلعونا من العربية يومها وكلموا الإسعاف بيديني نمرة عربية واكصدام وبيقول لي إنه ما عرفش يجيبهم لي قبل كده، وكان فاكرهم بتوع عربيتي."
"عرفت على طول إنهم وقعوا من العربية اللي خبطتنا، فاخدتهم وكشفت على نمرة العربية وعرفت إنها بتاعة الهلالي، وإن عربيته راكنها من فترة ما بيستخدمهاش واشترى عربية غيرها. ولما سألت هنا وهناك عرفت إنه قال إنها اتخبطت منه في القاهرة وهو هناك." عارف: "طب والراجل اللي لقاهم ده ما حاولش يجيبهم هنا ليه؟ أو حتى كان أداهم لعطوة؟ جلال:
"لما سألته قال لي إنه لما شالهم من السكة ركنهم عنده في البيت، ولما عرف اللي حصلي وحصل لهدى، قال في نفسه إن خلاص على كده، وإن ما منهمش فايدة، ورماهم فوق سطوح بيته مع الكراكيب. لكن بعد كده وهو بيجيب حاجات من على سطوح بيته.. عتر فيهم تاني فقرر إنه يجيبهم لي." عارف: "بس مش يمكن تكون غلطان يا جلال ويكون حصل لبس في الموضوع؟ جلال:
"لأ يا عارف، لأني روحت لغاية بيته وشفت العربية واتأكدت إنها هي نفس العربية اللي خبطتنا. يمكن الدنيا كانت مطرة وضلمة بصحيح، لكن لحظة الخبطة أنا كنت باصص في المراية وشايف شكل العربية، لأنه كان عمال يديني في كلاكسات وعاوز يعدي منى بأي طريقة، وأنا المطرة ما كانتش مساعداني إني أوسع له وهو ما كانش عاوز يستوعب ده." عارف: "طب ليه ما بلغتش؟ جلال باستهزاء:
"وهعمل إيه بالبلاغ وأنا متأكد إنه يقدر يطلع منها زي الشعرة من العجين. الهلالي مش قليل وهيبقى له ألف طريقة وطريقة عشان يفلت منها. أنا هاخد تاري بنفسي يا عارف." عارف: "وهو جوازك من فؤادة هياخد تارك منه يا جلال؟ جلال بغل: "لما يبقى الست اللي هيموت عليها في إيدي وأقدر ألعب بيها بمزاج." عارف بغضب: "وذنبها إيه الغلبانة اللي سلمت لك أمرها دي إنك تستغلها في تخليص حساباتك معاه يا جلال؟
بقى هي دي الشهامة اللي كنت دايما بتتكلم عنها؟ جلال بغضب: "ومين قال لك إن حد هيدوس لها على طرف؟ عارف: "أومال تسمي اللي ناوي تعمله ده إيه إن شاء الله؟ جلال: "بقول لك إيه يا عارف، أنا مش بحكيلك عشان تحاكمني." عارف بهدوء: "اسمع يا جلال، أنا مش هقول لك غير إن البنت يتيمة، بلاش تحسسها إنها طلعت من حفرة عشان تقع في دوحيرة." جلال: "إنت فاكر إني ممكن أعرضها لحاجة تمسها أو إنها ممكن تحس أصلًا بحاجة؟
أنا شغلي وكلامي كله معاه هو." عارف: "وهو يعني ده اللي هيخليك تبقى أخذت تارك منهج؟ جلال بتنهيدة: "لأ يا عارف، أنا مجرد إني بس بضايقه، لكن تاري منه قرب أوي. لو تعرف أنا بخطط له بقالي قد إيه." عارف: "بلاش تتهور يا جلال، وأوعاك تنسى إن لو لا قدر الله حصل لك أي حاجة، إن أمك ممكن تروح فيها." جلال: "ماتقلقش، أنا كل الحكاية إني هرجع الحقوق لأصحابها." عارف: "مش فاهم." نهض جلال من مكانه وهو يتجه للأعلى وهو يقول:
"كفاية عليك كده يا عارف." ليذهب عارف ورائه مسرعًا وهو يمسك ذراعه ويقول بصدق: "اوعدني تاخد بالك من نفسك وإنك في أي لحظة تحتاجني فيها تبلغني على طول." ليبتسم جلال ويستدير إلى أخيه ويحتضنه بشدة مربتًا على ظهره وهو يقول: "أوعدك." *** في صبيحة اليوم التالي، كانت حسنة تجلس في ساحة المنزل وهي تجيب على أسئلة أم إبراهيم عن نوعية الإفطار وتحضيره بين وقت وآخر وهي في انتظار استيقاظ باقي أفراد أسرتها.
وعندما سمعت صوت حركة آتية من الأعلى، رفعت نظرها لتجد ندا وهي تهبط بخطوات يبدو عليها الغضب وهي تحمل ليلى الصغيرة وهي تعض على أصابعها. ندا بجمود: "صباح الخير يا مرة عمي." حسنة: "صباح الخير يا حبيبتي، مالك يا بنتي؟ ندا بتأفف: "مافيش." حسنة:
"اسمعي يا ندا، إنتي عارفة كويس أوي أنا كنت بحب هدى قد إيه، وقد إيه حزنت عليها، ولسه حزينة عليها لغاية النهارده، وهفضل حزينة عليها عمري كله. وكمان جلال، أنا ما أفتكرش أبدًا إني شفته بيضحك مرة واحدة من بعدها. وأوعي تنسي إنه حتى كان رافض يتعالج بعد الحادثة لولا إخواته اللي ما سمحولوش إنه يعمل كده. أوعي تنسي إن يمكن يكون حسين اتجوزك لأنه بنت عمه، لكن جلال اتجوز هدى لأنه طول عمره كان بيحبها من وهي لسه بضفاير. لكن يا بنتي أوعاكي تنسي أبدًا إن ده نصيب وحكمة ربنا، وإن جلال لسه بعزه ومن حقه إنه يتجوز وقت ما يحس إنه عاوز يتجوز، ماحدش أبدًا يقدر يلومه ولا يمنعه."
"صحيح اللي حصل امبارح ده كان مفاجأة لينا كلنا، وإنه ما يعتبرش جواز بالمعنى المعروف، وإن ماحدش فينا متوقع إن الجوازة دي هتطول عن شهر ولا اتنين بالكتير. لكن ده يعتبر إنذار ليكي يا بنتي، إن اللي ما حصلش النهاردة وارد أوي يحصل بكرة أو بعده. وماتزعليش مني يا بنتي، إنتي ما تقدريش تحجري عليه. أنا ما رضيتش أتكلم امبارح قدام جوزك عشان ما يحصلش مشكلة، بس قلت أوعيكِ بيني وبينك."
كانت ندا تستمع لزوجة عمها بامتعاض شديد ولكنها آثرت الصمت وعدم النقاش، فهي تعلم جيدًا حب جلال وإخلاصه لشقيقتها، وأنه لن يستطيع نسيانها أبدًا طوال حياته. وبعد ثوانٍ قليلة بدأ الجميع في الهبوط لتأتي أم إبراهيم هي الأخرى لإبلاغهم بأن الإفطار قد صار جاهزًا. وقبل أن يتجهوا لتناول الإفطار قال عارف: "طب ندهتوا على فؤادة؟ حسنة: "أنا هروح أندهلها وأشوفها كده، يمكن لسه نايمة." حسين وقد بدأ في تناول الطعام بالفعل:
"صحيها يا أمي وخليها تاكل عشان الأدوية بتاعتها." وعندما طرقت حسنة على الباب ولم يأتها رد قامت بفتح الباب بهدوء لتجد فؤادة ساجدة في صلاتها، لتعود إلى الخارج وهي تغلق الباب وراءها مرة أخرى. وعندما ذهبت إليهم سألها عارف: "إيه.. لسه نايمة؟ حسنة: "لقيتها بتصلي، كلوا يلا وأنا هخلي أم إبراهيم تندهلها كمان شوية." وبعد دقيقتين وجدوا فؤادة تأتي إليهم بخجل وهي تقول: "صباح الخير." ليرد الجميع: "صباح الخير." حسنة:
"يلا يا بنتي اقعدي عشان تاكلي قبل الفطار ما يبرد." عارف بود: "المفروض تتعاملي كأنك في بيتك يا فؤادة وما تتكسفيش من حد فينا، إنتي بقيتي واحدة منا." لتنظر له فؤادة بامتنان قائلة بخفوت: "الله يكرمك، متشكرة." ليسود الصمت المكان لا يقطعه غير صوت احتكاك أدوات المائدة ببعضها أثناء الطعام. وبعد أن انتهى جلال من طعامه نظر إلى فؤادة وقال بجمود: "كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع." فؤادة بخفوت: "اتفضل." لتتنحنح جلال ويقول:
"أفضل إن الكلام يبقى بيني وبينك." لتنهض فؤادة وتقول وهي تشبك أناملها باضطراب: "أنا تحت أمر حضرتك." لينادي جلال على أم إبراهيم بصوت جهوري قائلاً: "هاتي لي القهوة في الجنينة يا أم إبراهيم." أم إبراهيم من الداخل: "حاضر يا سي جلال."
ليذهب جلال من أمام فؤادة لتسير وراءه لتلاحظ وللمرة الأولى إصابة قدمه، لكنها تلاحظ أيضًا شيئًا آخر، فقد أحست بغضبه من عنف خطواته لدرجة رجفت قلبها، فهي لم تنم ليلتها بسبب ما حدث في اليوم السابق من أحداث، وكانت لا تعلم إن كانت قد فعلت الصواب أم أنها تصرفت برعونة وبدون تفكير جيد على عكس عادتها، فقد اعتادت دائمًا أن تدرس تفاصيل أمورها جيدًا واتخاذ قراراتها بعد تفكير عميق. وعندما كانت تعجز في بعض الأحيان عن اتخاذ قرار ما، فإنها كانت تلجأ لصلاة الاستخارة.
ولكنها هذه المرة لم تفعل أي شيء من كل ذلك، ولذلك عندما عادت إلى غرفتها قررت أن تقضي ليلتها في الصلاة والابتهال إلى الله أن يجعل في تصرفها خيرًا لها. وصل جلال إلى الحديقة ووقف عند مائدة من الخوص وحولها عدة مقاعد من نفس الهيئة وجلس على أحدهم وهو يشير لفؤادة بالجلوس أمامه، فجلست فؤادة على حافة المقعد وكأنها تتأهب للهرب في أي لحظة. ليتحدث جلال فجأة قائلاً:
"طبعًا اللي حصل امبارح ده ما كانش على بالك ولا على بالي أنا كمان، كل شيء حصل بسرعة لدرجة إننا ممكن نكون لحد دلوقتي مانعرفش أسامي بعض كويس، وطبعًا ماينفعش إننا نبقى كده عشان الوضع اللي إحنا فيه." لتقول فؤادة بخجل:
"أنا اسمي فؤادة سليم المنياوي، عمري 25 سنة، خريجة آداب إسكندرية لغات شرقية. أمي ماتت وهي بتولدني، وبابا الله يرحمه وهب عمره كله لتربيتي. كان ليا أب وأم، كان زمان مشارك عمي سالم في شركة استيراد وتصدير، بس بعد فترة بابا فض الشركة لأنه ما استراحش في التعامل مع عمي، وقرر إنه يمشي في اتجاه تاني خالص بعيد عنه. فقرر إنه يشتري أرض ويستصلحها، وفعلاً ابتدى الأول بعشر فدادين وشوية شوية بقوا 135 فدان، كلهم فاكهة، وبيصدرها بره، واشترى أرض وبنى عمارة والعمارة بقوا عمارتين."
"عمي حاول أكتر من مرة إنه يخلي بابا يدخله شريك معاه في الأرض والعماير، بس بابا رفض، وقال له خلينا إخوات أحسن وما تدخلش الفلوس بيننا تاني." "وفضل الحال على ما هو عليه لحد خمس سنين فاتوا لما اتفاجئت إن كل أملاك بابا بالكامل باسمي حتى عربيته. ولما سألت بابا عن السبب قال لي إنه بيوفر عليا مشاكل كتير ممكن أتعرض لها بعد موته، ما كانش يعرف إن اللي عمله ده هو اللي هيجيب لي كل المشاكل." جلال: "إيه اللي حصل؟ فؤادة:
"بعد ما خلص العزا بتاع بابا، عمي قال لي إني لازم ألم كل الأوراق اللي تخص شغل بابا وأديهاله، عشان يقدر يشوف مصالحي وما فيش حاجة تتعطل، خصوصًا إن المحصول كان بيتصدر أول بأول. وأنا صدقته، وكنت فاكراه خايف على مصالحي بجد. لما حاولت أجمع الأوراق دي اتفاجئت إن كل الأوراق اللي موجودة مجرد صور مش أصل." "جمعتهم كلهم في ظرف وأديتهاله وأنا بفهمه إن دي كل الأوراق اللي لقيتها في البيت." وعندما صمتت فؤادة قال جلال
يحثها على استكمال حديثها: "وبعدين.. حصل إيه بعد كده؟ لتتنهد فؤادة بحزن وتقول: "أخد مني الظرف بفرحة شديدة جدًا وفتحه وابتدى يطلع العقود عقد ورا التاني، وكان كل ما يبص على عقد الاقيه بيبرق بغضب وهو بينقل عيونه بين العقود وبينى لحد ما فجأة قام من مكانه وشدني من دراعي بغل وهو بيقول لي بنرفزة: 'إيه الهبل اللي إنتي جايباهولي ده؟ معناته إيه الكلام ده؟ وفين أصول الأوراق دي؟ وإزاي أبوكي يعمل كده؟
و.. و.. و..' قال كلام كتير أوي وقتها وسأل أسئلة أكتر من غير ما يديني أي فرصة إني حتى أرد بكلمة واحدة. لكن بعدها لقيته ساب دراعي وسألني عن المحامي بتاع بابا."
"أنا ماعرفش هو عمل إيه بالظبط مع المحامي، بس اللي عرفته إنه أخد منه كل أصول الأوراق، وصمم إني أجي أعيش معاه في طنطا. ومن يومها وأنا شبه محبوسة، مش بخرج من البيت غير معاه أو مع نهاد وسلمى، وساعات مرة عمي. والحقيقة هما اللي خففوا عني اللي كان بيحصل لأنهم كانوا متعاطفين معايا جدًا، لحد ما حصل اللي حصل من شهرين بالظبط." جلال: "وإيه اللي حصل؟ فؤادة:
"عمي كان عازم ناس عنده في البيت عشان شغل بينهم وبينه، واتفاجئت بعمي بعت لي إنه عاوزني، فلبست وخرجتله من غير ما أحاول أبص على حد من اللي موجودين. لقيته أداني ورقة في إيدي وسألني إن كنت أفهم اللي فيها. لقيتها فاكس من اليونان بيتكلموا فيه عن معاد شحنة معينة، فبلغته باللي فيها وسيبتهم ورجعت أوضتي تاني يوم لقيته بيتصل من مكتبه وطلب من نهاد إنها توصلني ليه في مكتبه لأنه محتاجني في حاجة."
"ولما روحناله شفت عنده الهلالي، كان قاعد معاه في المكتب وعرفت بعد كده إنه كان موجود عند عمي لما ترجمت له الفاكس. لقيت عمي بيديني نفس الفاكس وبيطلب مني إني أقرأه له من تاني، فقريته له. لقيت الهلالي بيضحك لي وبيسألني إزاي قدرت أترجمه فحكيت له إني دارسة يوناني وعبري في الجامعة. قعد يتكلم معايا كتير أوي، وأنا كنت برد عليه بسلامة نية، ما كنتش أعرف إن عمي موديني مخصوص ليه عشان يعاين البضاعة." جلال: "وعرفتي منين الكلام ده؟
فؤادة والدموع تملأ عينيها: "بعد ما خلص كلام معايا لقيته بص لعمي وقال له.. 'على البركة'. لقيت عمي فرح أوي وقال لي مبروك يا فؤادة. قلت له على إيه يا عمي؟ قال لي عبد الجليل بيه طلبك مني وأنا وافقت." جلال بفضول: "وعملتي إيه ساعتها؟ فؤادة: "غضبت وثورت وقلت كلام كتير أوي مش فاكرة منه غير قلم من عمي على وشي جرح لي شفايفي ومناخيري نزفت بسببه." جلال وهو يجاهد لكبت غضبه: "وحصل إيه بعد كده؟ فؤادة بسخرية:
"الهلالي بيه قال لعمي.. 'واضح إن ضوافرها محتاجة تتقص، هسيبهالك شوية على ما تقصها لها.. أكون رجعت من برة'."
"يومها عمي رجعني البيت مسحوبة من دراعي، ورماني في أوضتي وهو بيتوعد لي بعقاب جسيم لو ما سمعتش كلامه. كنت بتلاشاه تمامًا طول فترة وجوده في البيت، لحد أسبوع فات لقيته جالي أوضتي وبلغني إن الهلالي رجع من السفر وإن جوازي في خلال أسبوعين. ولما اعترضت من تاني كان مصيري نفس القلم على وشي وحبسني في أوضتي وحرج على أي حد إنه يدخل عندي إلا بإذنه وفي الأوقات اللي هو يحددها. وقرر إن الأكل يدخلي مرة واحدة في اليوم وفي وجوده، وكانوا
طبعًا بيعملوا اللي بيقول لهم عليه لأنهم ما يقدروا يعارضوه. لحد يوم ما هربت، اتفاجئت بحد بيحاول يفتح الأوضة، وفي الوقت ده أنا كنت عارفة إن عمي في الشغل، ولقيت بعد شوية مرة عمي ونهاد وسلمى قدامي، وعرفت منهم إن سلمى أخدت المفتاح من غير ما عمي ياخد باله وعملت عليه نسخة، وحكوا لي إن عمي خلاص اتفق على كتب كتابي مع الهلالي، وإنه هيمضيني على تنازل عن كل أملاكي قبل كتب الكتاب. وقالوا لي إني لازم أهرب وما أسيبهوش أبدًا ينفذ
اللي ناوي عليه، واللي حصل بعد كده إنتوا كلكم عارفين."
ساد الصمت لفترة فيما بينهم لا يقطعه غير بعض شهقات مكتومة من فؤادة على أثر بكائها أثناء الحديث، ومع كل شهقة كان جلال يتجه بنظره إليها بغيظ من عمها ومن الهلالي. وأثناء جلوسهم تأتي عليهم سلوى وهي ممسكة بشريط شعرها وتتجه إلى فؤادة قائلة بخفوت: "طنط فؤادة." فؤادة: "إيوة حبيبتي." لتمد سلوى يدها بالشريطة إلى فؤادة وهي تقول: "ممكن تلميلي شعري؟ ليلى فكتهولي وما عرفتش ألمه تاني." لتأخذها فؤادة على قدمها وهي تسألها بخفوت:
"عاوزة شريطة واحدة ولا اتنين؟ سلوى: "هو ينفع اتنين؟ فؤادة بحنان: "وتلاتة كمان لو تحبي. ها عاوزة إيه؟ لتنهض سلوى من على قدم فؤادة وهي تقول: "طب هروح أجيب لك باقي الشرائط عشان تعملي لي شرايط كتير." فؤادة بضحك: "بس مش هينفع كتير أوي، هو أكتر حاجة أربعة، بس إنتي هاتي الشرائط نفس اللون وهاتي الفرشة." سلوى وهي تتجه بسرعة للداخل: "ماشي."
ليسود الصمت مرة أخرى وما هي إلا لحظات وعادت سلوى بشرائطها وفرشاة شعرها، وانشغلت فؤادة بتمشيطه لها وتجديله ووضعت به الشرائط بطريقة طفولية محببة، وكم كانت سعادة سلوى عندما نظرت لوجهها بالمرآة وقالت لفؤادة بسعادة: "أنا شكلي بقى حلو خالص، ممكن بعد كده إنتي تعملي لي شعري كل يوم؟ فؤادة: "إن شاء الله، من عينيا يا حبيبتي لو أنا موجودة حاضر هعملهولك."
كان جلال يجلس مقابلًا لهم طوال الوقت وهو يركز نظره على ابنته وتعبيرات وجهها التي كانت تشبه والدتها إلى حد بعيد. وبعد أن انتهت من تمشيط شعرها ناداها جلال وقال: "لسه عاوزة تركبي معايا الكاريتة؟ سلوى بشهقة طفولية: "بجد يا بابا، هتركبني معاك؟ جلال: "أيوه بجد، تعالي يلا، هنروح جنينة البرتقان." سلوى وهي تتجه إليه: "طب أقول لتيتا عشان ما تدورش عليا." جلال وهو يمسكها من كفها ويتجه إلى الخارج: "طنط هتبقى تقولها لي."
ليتركا فؤادة جالسة بمكانها وهي تشاهد انصرافه مع ابنته وهي تحدث نفسها قائلة بحيرة: "هو ماله بيتعامل معايا كده ليه، أكنه مغصوب على اللي عمله، إشحال إن ما كانش هو اللي اقترح إنه يتجوزني." لتنظر فؤادة إلى السماء وتقول: "يارب، أمري كله بإيدك، يسر لي حالي وأصلح لي بالي، وابعد عني كل شر واحفظني دايما بخير، أنا ماليش غيرك." لتسمع صوت حسنة من خلفها وهي تقول: "الله، إنتي قاعدة لوحدك ليه يا بنتي، وجلال راح فين؟
لتجد ندا هي الأخرى قادمة من خلف حسنة وهي تحمل ليلى بين ذراعيها وتقول: "ماشفتيش سلوى يا مرة عمي؟ لتقول فؤادة ردًا على سؤاليهما: "استاذ جلال أخد سلوى وراحوا جنينة البرتقان." حسنة بسعادة: "بجد يا بنتي؟ فؤادة: "ده اللي اتقال قدامي، حتى سلوى كانت عاوزة تدخل تبلغ حضرتك بس باباها قال لها إني هبلغك."
كانت ندا تنظر لفؤادة بوجه خالٍ من التعبير وكانت عيناها تنتقل بين وجه فؤادة ويدها التي تمسك بفرشاة شعر سلوى. وبعد أن فرغت فؤادة من حديثها سألتها ندا بجمود: "مش الفرشة اللي في إيدك دي بتاعة سلوى؟ فؤادة بابتسامة: "آه هي.. جابتهالي عشان أسرح لها شعرها ومشيت مع باباها قبل ما ترجعها مكانه." لتمد ندا يدها لتنتزعها من يد فؤادة ببعض العنف الذي استغربته فؤادة وقالت:
"ياريّت ما تتكررش تاني، أنا بسرح سلوى كل يوم وعارفة هي بتحب إيه." فؤادة باستغراب: "هي بس جات لي وشعرها مفكوك وقالت لي إن ليلى فكتهولها وطلبت مني ألمها لها." ندا: "لأ، لو اتكررت تاني قوليلها تيجي لي وأنا هتصرف." لتصمت فؤادة بينما قالت حسنة: "سلوى مسيرها تكبر وتعتمد على نفسها يا ندا، مش هتفضلي طول عمرك محلقة عليها." لتنظر لها ندا بامتعاض وتعود إلى الداخل مرة أخرى تاركة ابنتها تلهو في الحديقة بجوار فؤادة وجدتها.
بعد لحظات تنهض حسنة وتتجه إلى الداخل وهي تقول: "هسيبك شوية يا بنتي وأروح أشوف أم إبراهيم عملت إيه." لتظل فؤادة في مكانها وهي تراقب ليلى أثناء لعبها بعد أن انضم إليها شقيقها أدهم، وأخذوا يجرون ويلهون سويا تحت مراقبة فؤادة لهم. بالداخل، ما إن دلفت حسنة إلى المنزل حتى نادت على ندا التي كانت سبقتها منذ لحظات وعندما أتت بجوارها قالت حسنة: "يعني الكلام اللي قلتهولك الصبح ده ما منهوش فايدة؟ ندا بجمود: "تقصدي إيه يا مرة عمي؟
حسنة بهدوء: "يا بنتي إحنا البيت ده الحمد لله عمره ما حصل فيه أي مشاكل بين أي حد والتاني، لزمته إيه الكلمتين اللي قلتي هم للبنت دلوقتي؟ هي كانت عملت إيه؟ ثم إنتي المفروض بدل ما تزعلي إنها سرحتلها شعرها، تفرحي إن جلال أخد سلوى معاه. ثم ربتت بحنان على كتفها قائلة.. ربنا يطيب قلبك يا بنتي."
لم ترد ندا عليها بحرف واحد، بينما انتهت حسنة من حديثها وتركتها متجهة إلى المطبخ، لتجلس ندا مكانها وهي تردد في نفسها.. "بس أنا برضه عمري ما هسمح له يجيب لها مرة أب، حتى لو كانت ملاك نازل من السما، ولا حتى لو كان فترة مؤقتة."
وما هي إلا دقائق حتى سمعوا بكاء ليلى وصراخ أدهم وهو ينادي على جدته وأمه، لتهرع ندا إلى الخارج لتجد فؤادة ملقاة على الأرض وهي تحتضن ليلى في حين يجلس أدهم بجوارها أرضًا وهو يحاول انتزاع ليلى من أحضانها دون فائدة. صرخت ندا وهي تسرع إليهم وهي تقول: "إيه اللي حصل.. في إيه؟ أدهم وهو يبكي:
"ليلى كانت عمالة تتشعبط في السور، وكانت عاوزة تطلع عليه ومش عارفة، فأنا شيلتها عشان أطلعها عليه، فستانها شبك في الحديد، فطنت جت جرى عشان تسلك لها هدومها، ما عرفتش تسلكه غير لما رفعت ليلى لفوق أوي، وليلى خبطتها جامد في راسها وهي شايلها لقيتها وقعت على الأرض كده ومش بترد عليا." ندا بعد أن انتزعت ليلى من بين يدي فؤادة وقامت بتهدئتها حتى سكتت عن البكاء: "طب خلاص، ماتخافش وبطل عياط."
وفي تلك الأثناء كانت وصلت إليهم حسنة وأم إبراهيم، ليسرعوا إلى فؤادة الملقاة أرضًا بجانب ندا التي كانت تعطي كل اهتمامها لإسكات صغيرتها دون الالتفات إليها. حسنة بلهفة: "إيه اللي حصل يا ندا؟ ندا بهدوء: "أبدًا، ليلى كانت بتتشعبط في السور وفؤادة حاشتها." حسنة بعدم فهم وهي تربت على وجه فؤادة في محاولة لإفاقتها: "وإيه اللي خلاها اغمى عليها كده؟ ندا وهي على نفس هدوئها: "رجل ليلى خبطتها في راسها الظاهر." حسنة بغيظ:
"يابرودك، طب ما تشوفي كلونبا ولا أي حاجة نفوقها بدل ما إنتي قاعدة كده ولا على بالك." ندا وهي تنهض من جوارهم حاملة طفلتها وتتجه إلى الداخل: "خلي أم إبراهيم تجيبلها بصلة تفوقها بيها." أسرعت أم إبراهيم إلى الداخل وعادت بزجاجة نشادر ومررتها أمام وجه فؤادة من تحت أنفها لتتأوه وهي تحرك رأسها قليلاً لتقول حسنة وهي تربت على وجهها: "فوقي يا بنتي، ألف سلامة عليكِ." لتفتح فؤادة عينيها ببطء وهي تنظر حولها وتقول:
"ليلى حصل لها حاجة؟ حسنة بتنهيدة: "لأ يا بنتي، ليلى بخير الحمد لله. هي بس اتخضت وعيطت شوية وخلاص. بس هو إيه اللي حصل؟ فؤادة: "فستانها اتقطع وشبك في السور، فكان لازم أرفعها أوي عشان أسحبهولها، بس هي خافت وقعدت ترفص برجلها، فحرف جزمتها جه في راسي فما حسيتش بحاجة بعدها." حسنة بحنان: "سلامتك يا بنتي ألف سلامة، قومي روحي اغسلي وشك وغيري هدومك على ما أجيب لك تلج تحطيه على قورتك أحسن ورمت مطرح الخبطة."
لتنهض فؤادة معهم بحذر وما إن اعتدلت في مكانها حتى سمعت صوت يناديها بغضب قائلاً: "بقى هي دي تربية سليم يا ست فؤادة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!