الفصل 12 | من 30 فصل

رواية فؤادة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميمي عوالي

المشاهدات
19
كلمة
3,042
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

مر اليوم على منزل جلال وسط مشاورات بين الجميع، والجميع يحاول إثناء حسين عما وصلت إليه علاقته بندى، محاولين إقناعه بأن يردها إلى عصمته وعدم إتمام الطلاق من أجل الصغار. أما حسين، فكان يسمع لهم بصد تارة وبهدوء تارة أخرى حتى خرجت فؤادة من غرفتها والصغار حولها، وهي تمسك يد ليلى الصغيرة التي قد بدأت تشعر بغياب أمها عنها، وبدأت الدموع تداعب عينيها.

وعندما وصلت إليهم نهض حسين مسرعًا وهو يتلقف ليلى ويرفعها إليه مداعبًا إياها، والتي ما أن رأت أباها حتى دست وجهها بين ثنايا عنقه واستسلمت لنوم عميق في ثوانٍ معدودة بوداعة طفولية أشفق عليها الجميع. لتتنحنح فؤادة قائلة بإحراج شديد: "أنا آسفة، بس حسيت إن ليلى مستغرباني ومش عارفة تنام معايا." حسنة بأسف: "حقك عليا يا بنتي، المفروض إنك تستريحي وتتغذي، مش إنك تفضلي مذنبة روحك كده وسط الولاد." فؤادة بابتسامة صادقة:

"أبدًا والله يا أمي، أنا الولاد ما تعبونيش خالص، بس ليلى صعبت عليا لما حسيت إنها عاوزة تنام وقلقانة تنام معايا عشان مش واخدة عليا." حسين بامتنان: "كتر خيرك يا فؤادة، يكفي إنها ما عيطتش خالص من ساعة... ليصمت حسين دون أن يكمل حديثه المفهوم دون سماعه. فؤادة: "ربنا يهدي الحال والمايه ترجع لمجاريها إن شاء الله." حسنة وهي تنادي أم إبراهيم:

"إحنا اليوم خلص لا حد أكل ولا حد شرب، والغلبانة دي لا أكلت ولا خدت الأدوية بتاعتها من ساعة ما خرجت من المستشفى." فؤادة بإحراج: "ما تشغليش بالك، أنا مش جعانة." حسين وهو لا يزال يحتضن ليلى النائمة: "ما ينفعش يا فؤادة، لو عاوزة تخفي وترجعي لحالتك الطبيعية من تاني لازم تتغذي كويس وتلتزمي بكل اللي قال لك عليه الدكتور سيف."

أمرت حسنة أم إبراهيم أن تجهز لهم الطعام، وما أن التف الجميع حول مائدة الطعام، إلا ووجدوا كريم قادمًا إليهم وملقيًا السلام. حسنة: "تعالى يا ابني كل لك لقمة معانا، إحنا يا دوب هنتغدى." كريم وهو يجلس بجوار عارف: "والله أنا كمان لسه ما اتغديتش." عارف: "طب يلا يا سيدي اتفضل مد إيدك، حماتك بتحبك." كريم وهو يتابع فؤادة بابتسامة: "المهم إن بنتها تحبني، وإلا إيه."

كانت فؤادة تنظر في طبقها، لم ترفع رأسها عنه، ولم تحاول الاشتراك في حديثهم، تحاول الاعتماد على نفسها في الطعام، فهي تتعامل بيد واحدة، والأخرى رغم أنها معلقة بسبب إصابتها إلا أنها تتشبث وتتلاعب بشدة بملابسها كعادتها. وعندما بدأت حسنة في ضيافة كريم قال: "ما تقلقيش عليا يا امرأة عمي، أنا هعرف أصرف نفسي، شوفي أنتي بس الغلبانة دي أحسن شكلها كده مش عارفة تاكل."

لترفع فؤادة رأسها وتنظر لكريم لأول مرة ليقابلها بابتسامة واسعة قائلًا: "حمد لله على السلامة." فؤادة بوجل: "الله يسلم حضرتك، شكرًا." لتشعر فؤادة ببعض الارتباك الذي لا تدري سببه، فهي تشعر أنها مراقبة من هذا الكريم، فهو ينظر إليها وكأنه يتغلغل إلى شرايينها ليدقق النظر بداخلها، فحاولت أن تنهي طعامها سريعًا حتى تغادر تلك الجلسة، ولكنها وجدت كريم يقول لها: "تعرفي يا آنسة فؤادة إني شفتك قبل كده."

لترفع فؤادة رأسها إليه مرة أخرى وهي تتساءل بعينيها دون أن ينطق لسانها، فيكمل كريم قائلًا: "أنتي كنتي بتتعاملي مع مكتب ترجمة في سان استيفانو في إسكندرية... مش كده؟ فؤادة وهي تنظر لجلال: "أيوة.. ده حقيقي، بس الكلام ده كان من سنين." لتكمل فؤادة بخفوت: "كنت بشتغل معاهم." كريم: "أنتي بتعرفي لغات إيه؟ فؤادة بإيجاز: "لغات شرقية." كريم بفضول وهو يحاول رصد رد فعلها: "برافو عليكي، طب سيبتي الشغل ليه؟

دي الترجمة دي شيء ممتع، أنا كمان بشتغل مع نفس المكتب، بس أنا بترجم إسباني وإيطالي." لتخفض فؤادة رأسها مرة أخرى إلى طبقها دون رد وعندما حاول كريم فتح الحوار مرة أخرى معها، قامت فؤادة من مكانها بخجل بعد أن قالت: "أنا الحمد لله شبعت." حسنة: "أنتي ما أكلتيش كويس يا بنتي." جلال بحزم: "خلي أم إبراهيم تودي لها سندوتشات وفاكهة في أوضتها يا ماما، هيبقوا أسهل بالنسبة لها عشان إيدها." فؤادة بامتنان: "شكرًا."

ثم نظرت لأدهم وسلوى قائلة: "هستنى أشوفكم قبل ما تناموا." ثم استأذنت في الانصراف، وتركتهم واتجهت إلى غرفتها بهدوء. كانت سلوى وأدهم يتحدثان سويًا بصوت خافت وهما يراقبان الكبار وأحاديثهم، لتنبري سلوى وهي تسأل كريم قائلة: "هي خالتو ما جاتش معاك تاني من عند جدو؟ كريم بهدوء: "لا يا سلوى، أصل جدو تعبان، ولما يخف... ليقاطعه حسين قائلًا بحزم: "لما تحبي تشوفيها يا حبيبتي، يبقى خالو ياخدك تشوفيها ويرجعك تاني."

لتعود سلوى بنظرها لأدهم وعلى وجهها نظرة بمعنى.. أرأيت. ليقول أدهم بتردد: "طب وأنا يا بابا؟ حسين وهو يعلم جيدًا مغزى سؤال ولده: "أنت إيه يا حبيبي؟ أدهم: "لما أحب أشوف ماما؟ حسين بحنان وهو ينظر لأدهم: "وقت ما تحب تشوفها هتشوفها طبعًا يا أدهم، دي مامتك، ولا يمكن أبدًا حد ممكن يمنعك عنها أو يمنعها عنك." أدهم بحزن: "يعني ماما مش هتعيش معانا هنا تاني؟ ليقول جلال مقاطعًا إجابة حسين قبل نطقها:

"وقت ماما ما تحب ترجع تعيش معانا يا أدهم ما حدش أبدًا هيمانع ده." لينظر أدهم إلى حسين وكأنه ينتظر تأكيده على كلام عمه فوجده يومئ رأسه مع نظرة طمأنة. بعد أن فرغ الجميع من الطعام جلسوا جميعهم لتناول المشروبات الساخنة، بعد أن ذهب أدهم وسلوى للجلوس مع فؤادة لسماع قصصها الشيقة إليهم. ليقول كريم متسائلًا: "ناوي على إيه يا حسين؟ حسين بهدوء: "مش ناوي على حاجة يا كريم، أنا خلاص نفذت قراري ومش هرجع فيه تاني." كريم بتنهيدة:

"أنا مش هحاول أخليك ترجع عن قرارك يا حسين، أنا عاوزك تفكر في مصير الولاد." حسين بجمود: "أنا ما أقدرش أبدًا أثق في ندى إنها تربي ولادي وهي بعيد عن البيت ده يا كريم، وأنت أكيد فاهم أنا أقصد إيه كويس." ليحني كريم رأسه وهو يستند بمرفقيه على قدميه ويقول وهو على نفس وضعه: "لكن الولاد مش هيقدروا يستغنوا عن أمهم يا حسين وأنت أكيد فاهم ده كويس." حسين: "خلاص، حلها أنت." حسنة:

"أنا غلبت فيها عشان ما تخرجش من البيت وهي ركبت دماغها قدام كريم." لينظر كريم إلى حسنة ويقول: "مهما إن كان يا امرأة عمي، ورغم اللي عملته مع ندى، لكن أنا مع ندى في قرار خروجها من هنا." ليتدخل عارف قائلًا: "وأنا كمان." حسنة: "إزاي بس يا ولاد؟ كريم: "النفوس شالت خلاص يا امرأة عمي، وعمرها ما هترجع زي ما كانت أبدًا، ومش هتعرفوا تتعاملوا مع بعض بطبيعتكم زي الأول." جلال بتنهيدة: "عمي عرف التفاصيل يا كريم؟ كريم:

"أنا حكيت لهم كل حاجة." حسين بفضول: "وعمي عامل إيه؟ كريم: "والله يا حسين ما عارف أقول لك إيه، من ساعتها وهو شبه سرحان وما بيتكلمش غير لو حد وجه له كلام." حسين بأسف: "ما كنتش أحب أبدًا إن الحكاية توصل لكده، لكن يعلم ربنا.. إني حاولت معاها لمرات فشلت عن إني أعدها من كتر تكرارهم." كريم: "برضه ما عرفتش ناوي تعمل إيه بخصوص الولاد، والحكاية مش على قد أدهم وليلى لكن كمان سلوى متعلقة بيها." جلال:

"ما تشغلوش بالكم بسلوى، أنا قررت إني آخدها معايا وأنا مسافر." كريم بفضول: "مسافر فين؟ جلال: "مسافر مع فؤادة، هنقعد شوية في المزرعة بتاعتها." كريم بتردد: "هو أنت ناوي تستمر في جوازك منها يا جلال؟ وعندما نظر له جلال بجمود أكمل كريم قائلًا:

"يا ريت ما تعتبرش كلامي ده تدخل في حياتك الشخصية، بس ندى كانت حكت لي على ظروف جوازكم وملابساته، طبعًا في تفاصيل غايبة عني أنا ما أعرفهاش، بس الكام مرة اللي شفتها في إسكندرية، بيقولوا إنها... جلال بفضول تغلب على جموده: "إنها إيه يا كريم؟ كريم: "يعني، بصراحة اللي شفته منها في إسكندرية.. مختلف تمامًا عن اللي شايفه منها هنا." جلال: "مش فاهم." كريم:

"يعني طبعها اللي شفته هناك بيقول إنها مش بالوداعة اللي أنا شايفها هنا أبدًا." جلال: "اشرح لي أكتر.. مش فاهم." كريم: "يعني اللي يشوفها هنا يقول إنها منكسرة وهادية وبريئة، لكن اللي شفتها في إسكندرية قطة شرسة بضوافر، كنت موجود في المكتب مرة وكانت شبه مكسرة نص الأجهزة اللي فيه." عارف باستغراب: "فؤادة؟ كريم:

"أيوة فؤادة، رغم إني ما كنتش متأكد إن هي لما شفتها إلا النهاردة وهي قدامي وجهًا لوجه، وكمان أنا ما كنتش وقتها أعرف اسمها." جلال: "وما عرفتش كانت عاملة كده ليه؟ كريم:

"اللي فهمته وقتها إنها كانت عاملة شغل كتير جدًا للمكتب، وقعدت فترة تتعامل بالإيميلات من غير ما تروح تحاسبهم، ولما راحت بعد فترة كان ليها مبلغ كبير، ولما قعدت مع المحاسب عشان يصفوا الحسابات بتاعتها، المحاسب اتطاول عليها وعاكسها بجرأة وهو عامل حسابه إن ما حدش هيقدر يعدل عليه لأنه شريك في المكتب، لكن طبعًا ما كانش عامل حساب اللي فؤادة عملته يومها." جلال بفضول: "عملت إيه بالظبط؟ كريم:

"أنا لما دخلت لقيت 3 شاشات كمبيوتر مكسورين ومرميين في وسط المكتب ولقيتها بتقول بنرفزة جامدة...

أنا مش هتعامل مع مكتب يملكه حد بالحقارة دي مرة تانية، وبالنسبة لفلوسي اللي عندكم أعتقد إنها تجيب لكم أجهزة بدل اللي اتكسرت دي، ونبقى خالصين. وبالنسبة لباقي فلوسي بما إني ما بسيبش حقي فهاتوا بدل ده كمان بالمرة. وهوب يا ابني عينك ما تشوفش إلا النور، بعزم ما فيها حدفت طقطوقة السجاير الكريستال في الباب الإزاز بتاع المدير. وعشان كده مش عارف إيه وش الهدوء اللي هي لابساه ده.

بعد أن انتهى كريم كان الصوت السائد هو ضحكات عارف، والذي كان يضحك مرددًا: "والله جدعة، بنت بميت راجل." بينما جلال قال مبتسمًا: "لا ما أنا عارف وشفت الوش التاني ما تقلقش." كريم باستغراب: "إيه كسرت لك حاجة هنا ولا إيه؟ جلال ضاحكًا: "مش للدرجة دي يعني." حسنة: "هي شكلها ما بتسيبش حقها." كريم بمغزى:

"أول مرة شفتها، شدتني بالشبه الكبير اللي بينها وبين هدى الله يرحمها وخصوصًا إن ليها بعض الحركات بتعملها بإيدها زيها بالظبط، لكن لما شفت الحادثة دي عرفت إن فرق السما من العمى." كان جلال يستمع إلى كريم وهو يعلم تمامًا أنه يلمح إلى ما كانت تفكر به ندى، ولكنه لم يعلق وظل محتفظًا بابتسامته الهادئة ولكن كريم أعاد عليه سؤاله مرة أخرى قائلًا: "برضه ما قلتليش... ناوي تستمر في جوازتك دي؟ جلال بوجوم: "يهمك تعرف الإجابة يا كريم؟

كريم: "أيوه." جلال: "عاوز تعرف ليه؟ كريم بتردد: "تزعل لو قلت إني عاوز أحتفظ بالإجابة لنفسي؟ جلال بابتسامة: "لا طبعًا ما أزعلش أبدًا، لأن إجابتي نفس إجابتك برضه هحتفظ بيها لنفسي." ليومئ كريم برأسه وهو يتجاوز عن حديثهم عن فؤادة ويلتفت إلى حسين مرة أخرى قائلًا: "ما قلتليش يا حسين، ناوي على إيه؟ على الأقل لما عمك ومرات عمك يسألوني أعرف أرد عليهم." حسين:

"بص يا كريم، أنا مواعيد شغلي كلها أختك عارفاها وحافظاها، يعني تقدر تتواجد كل يوم مع ولادها لو حبت في الوقت اللي أنا مش موجود فيه، لكن غير كده مش هقدر." حسنة: "بس برضه لو حبت تاخدهم يوم ولا اتنين ويرجعوا تاني من حقها يا ابني، دي أمهم." ليقول حسين: "وتضمني إنها ما تسممش دماغهم من ناحيتي أو ناحيتكم وهم بعاد عن هنا؟ كريم:

"مش للدرجة دي يا حسين، وبعدين من الناحية دي ما تقلقش، أنا موجود وعمك موجود ومرات عمك كمان، ما حدش أبدًا ممكن يسمح بحاجة زي دي." جلال: "عمومًا، حسين لازم يروح لعمي ويقعد معاه ويفهمه كل حاجة، ويتفق معاه على الكلام ده في وجودك يا كريم برضه." وعندما نظر حسين إلى جلال أكمل قائلًا: "أنا وعارف هنبقى معاك، ما تقلقش." ليومئ حسين برأسه، لينهض كريم مودعًا إياهم وهو يقول: "تمام، يبقى أشوفكم إن شاء الله على خير وقت ما تيجوا."

جلال: "بكرة يا كريم إن شاء الله، عشان نخلص من الموضوع ده قبل سفري إن شاء الله." لينصرف كريم، وبعدها يستأذنهم حسين لينضم إلى ليلى في نومها بعد أن عبر لهم عن مدى إرهاقه وحاجته إلى النوم بشدة. لينظر عارف إلى جلال قائلًا: "أنت مسافر إمتى؟ جلال: "بعد بكرة إن شاء الله." عارف: "طب وأنت حاسس إنك هتقدر تاخد بالك من سلوى لوحدك؟ حسنة:

"سلوى اتعلقت بفؤادة، لكن المشكلة في أدهم، لما تاخد سلوى وأمه كمان مش موجودة هيبقى عامل إزاي لوحده؟ عارف: "طب ما تروحي مع جلال وتاخديهم معاكي؟ حسنة: "أنا... أنت بتهزر؟ عارف: "لا بهزر ولا حاجة، أهم يغيروا جو يومين، ووقت ما تحبوا ترجعوا كلميني أجي أخدكم." حسنة: "وهسيبك أنت وحسين لوحدكم؟ عارف بضحك: "إحنا مش أطفال يا أمي، ثم ده أنا بقول لك يومين، ما بقولكش خليكي هناك." لتنظر حسنة إلى جلال الذي يراقبهم بصمت:

"وأنت رأيك إيه يا جلال؟ جلال: "مش عارف، وبعدين يعني إحنا مش عارفين صاحبة المكان هترحب بده ولا إيه وهل المكان المفروض إنه يصلح للولاد ولا لأ." حسنة: "إن كان على صاحبة المكان، هي عرضت قبل كده إن سلوى تروح معاهم، يعني هي مرحبة، لكن بقى حكاية الولاد كلهم دي بصراحة... مش عارفة، وأتحرج كمان إني أقول لها حاجة زي دي." عارف: "أنا أقول لها ما تشغلوش بالكم." وما أن فرغ عارف من جملته، حتى وجدوا فؤادة تصطحب

أدهم وسلوى إلى حسنة قائلة: "معلش يا أمي، بس الولاد عاوزين يناموا." لتنهض حسنة وتصطحب الطفلين معها إلى الأعلى قائلة: "ياللا يا ولاد أنا هوديكم أوضكم عشان تناموا." وبعد أن صعدت حسنة بالطفلين قال عارف لفؤادة: "بقول لك يا فؤادة." فؤادة: "أيوه يا أستاذ عارف." عارف: "ما بلاش يا بنتي كلمة أستاذ دي، ده إحنا حتى هنبقى نسايب." فؤادة بابتسامة خجلى: "معلش، سيبني براحتي." عارف: "ماشي يا ستي، بس كنت عاوز أسألك على المزرعة بتاعتك."

فؤادة: "مالها؟ عارف: "يعني، هل لو في ولاد صغيرين، المكان يبقى أمان بالنسبة لهم؟ فؤادة بحماس: "آه طبعًا، المزرعة أمان جدًا وفي حراسة وأسوار، وكمان هينبسطوا جدًا بالخيل بتاعة بابا الله يرحمه، لكن حضرتك بتسأل ليه؟ عارف: "أصلي بحاول أقنع أمي، إنها تروح معاكم هي والولاد." فؤادة بلهفة وسعادة: "بجد؟

طب يا ريت، والله هتنبسط جدًا، والبيت مليان أوض، وكمان في جنينة البيت بابا كان عامل لي مراجيح بين الشجر، يعني الولاد كمان هيلعبوا وهينبسطوا." لينظر عارف بابتسامة لجلال قائلًا: "شفتوا بقى، أنا قلت كده، أنت تاخد ماما والولاد، وأم إبراهيم." جلال ضاحكًا: "تصدق أنا ابتديت أتغوش من إصرارك إنك تفضي البيت بالشكل ده." عارف بمرح: "لا، أوعى مخك يروح لبعيد، أخوك أشرف من الشرف." لتنسحب فؤادة بخجل وهي منكسة الرأس بعد أن قالت:

"بعد إذنكم." ليضحك عارف بصخب بينما جلال يبتسم ابتسامة واسعة وهو يقول: "يا أخي لم نفسك، وخد بالك من كلامك." عارف: "المهم إني ظبطت لكم السفرية، بس أنت في الفترة الجاية دي ما عندكش هنا حاجة مهمة في الأرض؟ جلال: "المحصول... التاجر خلاص استلمه، ولو في أي حاجة عطوة ممكن يتصرف ما تقلقش." عارف وهو يحك مؤخرة رأسه وينظر لجلال بمكر: "هو أنا لو سألتك نفس سؤال الواد كريم، هتجاوبني نفس الإجابة؟ جلال بفضول: "وأنت عاوز تعرف ليه؟

عارف: "أخويا وبتطمن عليك." جلال: "ماشي يا سيدي، ناوي أستنى شوية." عارف: "أشمعنى؟ جلال: "يعني، أمي لفتت نظري لحكاية لا كانت على بالي ولا على بال فؤادة أصلًا." عارف بفضول: "حكاية إيه دي؟ جلال: "سمعتها لو اتطلقت بسرعة كده، وكمان عمها بما إنه ما يعرفش تفاصيل جوازنا." عارف بتفهم: "فعلًا، إنما أنت ليه ما جاوبتش كريم لما سألك؟ جلال ببعض الغضب: "مالوش إنه يسأل أصلًا، ومش مستريح لنيته." عارف: "ليه يعني؟ جلال:

"بصراحة يا عارف، مش عاجبني الطريقة اللي بيحاول يتعامل بيها مع فؤادة ولا الطريقة اللي بيبص لها بيها." عارف بخبث: "الله أعلم بالنوايا." جلال: "أهو النوايا دي اللي مش عاجباني." عارف: "ما هو عارف إنها جوازة كده وكده." جلال بحزم غاضب: "حتى لو كان، البنت دي حاليًا شايلة اسمي، ومش من الأصول أبدًا إنه يفكر فيها من الأساس يا عارف، ده اللي إحنا اتربينا عليه... ولا إيه؟ عارف:

"ما تضايقش نفسك، هو أكيد ما يقصدش، وخلينا دلوقتِ نتفق هنعمل إيه مع عمك." جلال: "ما تقلقش، إن شاء الله خير." في اليوم التالي كان لقاء الأخوة الثلاثة بعمهم. لقاء يسوده الوجوم بعدما عاتب عزت حسين عتابًا مريرًا بسبب إخفائه كل ما كان من ابنته كل هذه المدة، ولكن حسين برر ما حدث بأنه كان يأمل أن يستطيع إصلاح الأمور دون أن تتطور إلى تلك الدرجة.

وفي النهاية، بعد أن تبين لعزت أن قرار حسين بالطلاق قرار لا رجعة فيه، اتفق الجميع على أن ترى ندى أبناءها وقتما تريد بمنزل حسنة، ولكن جلال أعلمه أن ذلك سيكون بعد رجوعهم من السفر.

كانت الشرطة قد قامت بتفتيش منزل الهلالي وضبطت كل المخالفات التي وُجهت إليه الاتهامات بسببها، مما أدى إلى مد حبسه على ذمة التحقيقات خمسة عشر يومًا آخرين. وعندما سمع جلال هذا الخبر من محاميه، كاد يطير فوق السحاب من شدة سعادته، وأبلغ فؤادة أن مشكلة الهلالي قد انتهت تمامًا بالنسبة لها. أما تهمة إطلاق النار، فقد اعتبرته النيابة بريئًا منها بعد أن نجح الهلالي في إثبات أماكن تواجده وقت الحادث.

يوم السفر صباحًا، قرر عارف أن يقوم بأخذ إجازة من عمله وأن يذهب بسيارته بصحبة جلال ووالدته. وقد أصر جلال أن تمر فؤادة على المشفى قبل سفرهم للاطمئنان على جروحها. وبعدها توجها إلى المزرعة. كان عارف يقود سيارته ويصطحب معه والدته التي كانت تحمل ليلى على قدميها، وكانت أم إبراهيم وفتاة عشرينية أخرى تسمى ماجدة قد أتت بها أم إبراهيم بناءً على طلب جلال تجلسان بالمقعد الخلفي.

وفي سيارة جلال، كان جلال يقوم بالقيادة وتجلس فؤادة بجواره، وبالخلف يجلس أدهم بجوار سلوى بسعادة متناهية، فهي تكاد تكون المرة الأولى التي يخرجان بها من محافظتهم، وكانوا طوال الطريق يسألان فؤادة أسئلة لم تنتهِ إلا بوصولهم عن المكان الذي سيذهبون إليه، وما يوجد بداخله، وكانت فؤادة كل مرة تجيبهم والابتسامة لم تفارق وجهها دون كلل أو ملل، حتى وصلوا إلى المزرعة والتي فاجأت الجميع بفخامتها ورقيها وأناقة تقسيمها. وما أن وصلوا إلى البوابة الضخمة المصفحة حتى أطلق جلال زمور السيارة وما هي إلا دقيقة واحدة وخرج من باب صغير رجل يكاد يكون على عتبة الستين من عمره، ولكنه مفتول العضلات...

قوي البنية. ما أن وقع بصره على فؤادة التي كانت تشير إليه بيدها بمرح كالأطفال قائلة: أنا جيت. ليبتسم الرجل ابتسامة واسعة مهللًا بالترحيب قائلًا: أخيرًا نورتي مكانك يا ست فؤادة، حمد لله على السلامة. فؤادة بسعادة: الله يسلمك يا عمو نبيل، وحشتني ووحشتوني كلكم.

ليأمر الرجل أحدهم بالداخل ليفتح البوابة من الداخل، لتنفتح عن مشهد يخطف الأنفاس، فكان المدخل عبارة عن أعمدة خرسانية قصيرة منحوتة بمهارة فائقة بتشابك فيما بينها على شكل يشبه جذوع النخيل، وتنتهي في الأعلى بشكل يوحي بأنه تيجان مرصعة بالعديد من مصابيح الإضاءة، بينما تتجادل أفرع العنب التي تتساقط عناقيدها من سقف الممر بشكل يخلب الألباب، بينما ينتهي الممر بساحة صغيرة يغلب عليها شجر التوت والكافور، فيلقيان بظلالهما على الساحة والتي تطل على مدخل منزل على طراز الأكواخ الإنجليزية مطلي من الخارج بلون الياقوت. عندما توقفت السيارات، هبطت فؤادة بسعادة وهي تلتفت لنبيل الذي تبعهم حتى المنزل، وتقوم

بتقبيل يده قائلة بحب شديد: وحشتني أوي يا عمو، ووحشني كل حاجة هنا. نبيل: وإنتِ كمان وحشتيني ووحشتي كل حاجة هنا يا فؤادة. فؤادة بحب: وأنا هفضل هنا ومش هسيب أرضي لحد أما أموت. نبيل: بعد الشر عليكِ يا بنتي، ربنا يحفظك من كل شر. فؤادة وهي تسحب نبيل من يده بمرح: تعالى يا عمو لما أعرفك على ناس ليهم جميل كبير أوي في رقبتي. فتشير إلى حسنة بحب قائلة: دي تبقى حسنة هانم زي أمي بالظبط. ثم تشير لعارف الواقف بجوار حسنة قائلة:

الأستاذ عارف مدرس في طنطا. ثم أشارت إلى جلال الذي اقترب من تجمعهم بعد أن كان يفحص المكان بعينيه وقالت: وده الأستاذ جلال يبقى... ليقاطعها جلال قائلًا بابتسامة: جوزها. فتلتفت فؤادة بخجل لنبيل وهي تقول: وده بقى عمو نبيل هو اللي مربيني مع بابا الله يرحمه وياما ذاكر لي أيام المدرسة. ليتبادل الجميع التحية، بينما قامت أم إبراهيم وماجدة بحمل الحقائب وإدخالها إلى المنزل. نبيل بابتسامة واسعة:

ألف مبروك يا بنتي، ربنا يسعدكم يا رب. ثم أشار إلى سلوى وأدهم وأكمل قائلًا: ... ومين القطاقيط الحلوين دول؟ فؤادة بابتسامة: القمراية دي سلوى بنت الأستاذ جلال والجميل ده أدهم ابن عمها وأخته ليلى، باباهم دكتور، بس ما قدرش يجي معانا. نبيل بترحيب: نورتوا المزرعة، وإن شاء الله تنبسطوا، البيت متوضب وزي الفل، خليت البنات اللي في الملحق جم نظفوه امبارح، والأكل كمان جاهز. فؤادة وهي تصفق بيديها كالأطفال:

أنا شامة ريحة الفرن شغال. لتلتفت فؤادة إلى حسنة والباقين بالدخول إلى المنزل قائلة بترحيب شديد: ياللا يا أمي عشان تستريحوا وتتفرجوا على البيت من جوه، اتفضلوا. ليدلفوا إلى المنزل، ليجدوا ردهة واسعة مليئة بالأرائك المتراصة بجوار بعضها وتلتف بعد ذلك على شكل مربع بينهم مائدة عليها أطباق تمتلئ بالعديد من أنواع الفاكهة، وبالخلف مائدة طعام متوسطة الحجم، وحول الردهة عدة أبواب وسلم خشبي أنيق يؤدي إلى الأعلى فتقول فؤادة

وهي تشير إلى الأرائك: بابا الله يرحمه كان دايما بيعمل اجتماعات بأصحاب المزارع اللي حوالينا هنا. حسنة: الله يرحمه يا بنتي. فؤادة وهي تشير للأعلى: اتفضلوا فوق عشان تعرفوا مكان أوضكم. ليصعد الجميع إلى الأعلى وخلفهم أم إبراهيم وماجدة وهما تحملان الحقائب إلى الأعلى، ليجدوا أن المكان يحتوي على أربع غرف للنوم، فتشير على غرفة تحتوي على سرير ضخم وتقول: الأوضة دي لحضرتك يا أمي اتفضلي. وأشارت إلى غرفة بسريرين لتقول:

والأوضة دي عشان سلوى وأدهم. ثم أشارت لغرفة أخرى وقالت: دي كانت أوضة بابا، ممكن أستاذ جلال يقعد فيها، ولو أستاذ عارف حب يفضل معانا الأوضة سريرها كبير جدا، ممكن تباتوا سوا، ولو بيحب ينام لوحده في أوضتين للضيوف تحت. وأشارت على الغرفة الأخيرة قائلة: ودي أوضتي. ليدلف كل منهم إلى الغرفة التي خصصت لهم وبدأوا في رص حاجياتهم، وبدأت أم إبراهيم وماجدة بمساعدتهم.

وبعد عودتهم إلى الأسفل لتناول الغداء الذي أمر نبيل بإعداده لهم، وأثناء تجمعهم على مائدة الطعام سمعوا صوت طلق ناري علموا على الفور أنه بداخل المزرعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...