تحميل رواية فراشة المقبرة بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حاجبه وهو يلوح بيده: اقتلوهم كلهم، مش عايز ولا واحد فيهم عايش. حاضر يا كبير. انطلقت الرصاصات من خارج المنزل، اخترقت الجدران وغمرت البيت القديم مثل غيمة ثقيلة. سمع صراخ ثم صراخ ثم خمد كل شيء. عندما انتهى الرجال، كان البيت يبدو من الخارج مثل غربال تبن. أطلق عمران ابتسامة وركل الباب واندفع للداخل يحمل بندقيته في يده. هذا جزاء من يقف في وجه عمران. وجد على النزاوى مرمي على الأرض في الصالة يحتضن طفلته الصغيرة. ركله عمران بقدمه: موت يا كلب. ثم دعس دماغه بقدمه. غير بعيد، كانت سوسن، امرأة على النزاوى، مر...
رواية فراشة المقبرة الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
حاجبه وهو يلوح بيده: اقتلوهم كلهم، مش عايز ولا واحد فيهم عايش.
حاضر يا كبير.
انطلقت الرصاصات من خارج المنزل، اخترقت الجدران وغمرت البيت القديم مثل غيمة ثقيلة.
سمع صراخ ثم صراخ ثم خمد كل شيء.
عندما انتهى الرجال، كان البيت يبدو من الخارج مثل غربال تبن.
أطلق عمران ابتسامة وركل الباب واندفع للداخل يحمل بندقيته في يده.
هذا جزاء من يقف في وجه عمران.
وجد على النزاوى مرمي على الأرض في الصالة يحتضن طفلته الصغيرة.
ركله عمران بقدمه: موت يا كلب.
ثم دعس دماغه بقدمه.
غير بعيد، كانت سوسن، امرأة على النزاوى، مرمية على الأرض.
وجهها يحدق صوب على ابنها الكبير الذي خرم الرصاص جسده.
حتى وهي ميتة، بدت مفزوعة مرعوبة.
على باب الغرفة الداخلية، كان هناك شاب آخر قتله الرصاص وهو يحاول الهرب.
سار عمران وخلفه رجاله.
مشى بين بركة الدماء التي ملأت الصالة.
سمع صراخ طفل صغير.
اقترب عمران، كان الطفل مستخبي تحت السرير.
جره عمران من رجله وأطلق عليه درزينة من الرصاص ثم تركه جثة هامدة.
فتشوا البيت، مش ولا واحد فيهم حي.
انتشر الرجال في كل مكان داخل البيت وجلس عمران يدخن سيجاره وبندقيته وسط قدميه.
ثم صرخ: خلص انت وهو، احنا مش هنفضل هنا للصبح.
يا كبير، يا كبير؟
مالك ياض.
صرخ عمران بغضب.
لقينا دي يا كبير.
ورمي جسد طفلة في الثالثة عشر تحت قدمي عمران.
همس الرجل: نقتلها يا كبير؟
رد عمران ببرود: أيوه اقتلها.
صوب الرجل بندقيته على رأس البنت وقبل أن يطلق الرصاصة.
وكان عمران يتأمل البنت التي كان شكلها وجسمها أكبر من عمرها.
استنى!
أمره عمران أن يتوقف.
خد الرجالة وغور.
استناني بره.
خرج الرجال من البيت وألقى عمران نظرة على البنت المرتعبة المتيبسة من الصدمة.
شعرها الطويل ووجهها المدور.
ثم برم شاربه.
ثم نهض مكانه وجر البنت المستسلمة على واحدة من الغرف.
ألقاها على السرير وقطع ملابسها.
ثم خرج بعد نصف ساعة.
وقف عمران في الخارج وأمر رجاله أن يحرقوا المنزل.
صب الرجال الجاز والبنزين حول المنزل وأشعلوا النار.
اشتعل الحريق ومسكت النار في الخشب والأقمشة وكل شيء داخل المنزل.
يلا بينا.
أمرهم عمران أن يرحلوا بعد أن ألقى نظرة أخيرة على الحريق المشتعل.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
لم يخرج أحد من أهل البلد ليطفئ النار في بيت علي النزّاوي.
النار فضلت مشتعلة لحد الصبح، إلى أن أصبح كل شيء رماد.
عندما حضرت الشرطة، لم تتعرف على الجثث. كانت كلها محروقة ومتفحمة.
ومحدش من أهل البلد شاف حاجة أو شهد بحاجة.
بيت علي النزّاوي وسط الزراعات، مفيش بيوت جنبه.
شخص غير مهم مات، وماتت عائلته، ولم يكلف أحد نفسه التعرف على الجثث أو عددها.
ترك البيت حطامًا، ووضع حوله شريط لمنع دخول الناس.
بيت كان عامرًا بساكنيه، أصبح صامتًا مثل مقبرة.
داخل الزراعات، كانت هناك فتاة ضعيفة تتلوى من الألم.
لم تجد مكانًا تهرب إليه غير الحقول.
كان معظم جسمها محروقًا، ووشها.
نار من الألم مولعة في جسمها.
بكت كثيرًا أوي وسط الحقول، لكن مقدرتش تصرخ.
خافت يحصل لها زي اللي حصل لأهلها.
مكنتش قادرة تتخيل إنها فقدت كل عائلتها مرة واحدة.
فضلت يوم كامل داخل الحقول.
في الليلة الثانية، مقدرتش تتحمل الألم ولا الجوع.
راحت على أحد البيوت وخبطت عليه.
طلعت عليها ست، طلبت منها البنت طعامًا.
الست قعدت تصرخ: "عفريت! عفريت! عفريت!".
كان وجهها مشوهًا لدرجة مريعة.
البنت كمان خافت.
مش عارفة إيه اللي بيحصل.
كل اللي عملته طلبت أكل، رغيف عيش.
ركضت مصدومة على الأرض المزروعة، وفضلت تجري من غير توقف لحد ما عبرت الحقول ووصلت الطريق العام.
وهي بتعبر الطريق، كانت عربية هتصدمها.
صاحب العربية في آخر لحظة قدر يوقفها.
البنت مقدرتش تتحرك من قدام العربية.
الراجل وقف العربية وخرج هو ومراته.
جرى على البنت يسألها: "إنتي كويسة؟".
البنت مردتش.
كانت حالتها مريعة، محروقة وباكية.
الدنيا كانت ضلمة، مقدروش يشوفوا حجم الدمار اللي في جسمها.
"اسمك إيه؟"
مردتش.
"ساكنة فين؟"
مردتش.
"طيب جاية منين؟"
البنت مردتش.
بصت زوجة الرجل تجاهه: "إحنا لازم ننقذها. البنت دي محتاجة دكتور."
همس الزوج: "إحنا في مكان بعيد وغريب ومنعرفش عنها حاجة، يمكن تحصل مشكلة."
"قلت لك هناخدها ونعالجها. مش ممكن أسيبها كده."
"أمري لله."
ركبت البنت العربية، والراجل ساق ناحية بيته.
قبل ما يوصلوا البيت، البنت فقدت وعيها.
ولما الإضاءة كانت كويسة، أدركوا حجم الدمار في جسمها.
نقلوها على المستشفى بسرعة، ودخلت غرفة العمليات.
استولى عمران على أرض علي النزّاوي.
كل فدادين أرضه بقت ملكه.
كانت ذريته انقطعت.
كان علي النزّاوي وصل البلد غريب وملوش عائلة.
علي النزّاوي اللي اتجرأ ووقف قدامه، كان لازم يموت.
وكان متجوز تلت حريم، رغم كده كان عقله يشرد أحيانًا إلى الطفلة التي قام باغتصابها، وأكثر من مرة.
لام نفسه إنه سابها تتحرق.
كان ممكن يجيبها الدوار عنده ويربطها في القبو، وكل ما يحب يزورها يزورها.
دايمًا سرعته بتفقده الكثير من الفرص.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
اسمك إيه يا بنتي؟
طيب عمرك كام؟
هو انتي سامعاني؟
حاسة بوجع أو ألم في حتة معينة من جسمك؟
كان الطبيب يكرر أسئلته والفتاة صامتة. طيب يا بنتي قولولي لو كنتي حاسة بوجع عشان أديكي مسكنات.
منذ وصولها المشفى ورغم حجم العمليات التي خضعت لها وحقن المخدر التي غرست في جسدها لم تصدر الفتاة أي صوت.
كان جسد الفتاة محترق بالكامل حتى أن الأطباء اندهشوا من نجاتها. ربما نجحوا في إنقاذ وجهها، لكن بقية جسدها كان عبارة عن بقع وحل بعد المطر مشى فيها شخص بحذائه.
جلست المرأة جنب الفتاة. متخفيش يا حبيبتي هتبقي كويسة. أنا مش هسيبك ولا أتخلى عنك.
وكانت المرأة اعتبرت الطفلة هدية من عند الله بعد أن يأست من الحمل والخلفة. تربت على كتفها وتطعمها بيدها وتنام بجوارها.
طوال أكثر من خمسة عشر يوم ظلت في المشفى حتى خرجوا معًا.
وكان الرجل اقتنع برأي زوجته. إن كانت طفلة يتيمة أو مقطوعة من شجرة ولم يسأل عنها أحد حتى الآن، فإنه ستكون ابنتهم.
في البيت الكبير كان للطفلة غرفة واسعة لها شرفة تطل على الحديقة.
غرفة مزينة بلعب الأطفال والديكور الخفيف. وكانت والدتها الجديدة تظل معها حتى نومها ثم تغادر لغرفة زوجها بعد أن تطمئن عليها.
الطبيب النفسي الذي عُرضت عليه الطفلة أكد أنها تعرضت لصدمة نفسية قوية جعلتها تفقد النطق.
وأصبح للمرأة التي ظنت أنها خرساء أمل أن تنطق الفتاة مرة أخرى. مكنتش مستعجلة. الأيام التي قضتها وحيدة خلال سفر زوجها في رحلات عمل جعلتها ترضى بأقل القليل.
والآن لديها طفلة تتحدث إليها حتى وإن كانت لا ترد عليها.
وما كان يؤذيها سوى بكاء البنت المر كلما خلت بنفسها.
حتى أن بكاءها كان يوقظ والدتها من نومها فتركض نحوها ملهوفة تسأل إن كان بها وجع أو ألم. تعاين كل جسدها.
ثم تحتضنها حتى النوم.
اختارت لها المرأة اسم زهرة لأنها كانت تشبه الزهرة المشرقة في برائتها.
وكان يخيل للمرأة أحيانًا أنها عندما كانت تنادي على ابنتها باسم زهرة تنظر إليها كأنها تسمعها وتفهمها.
وعندما تكرر الأمر أدركت المرأة أن الفتاة تسمعها.
ومنذ تلك اللحظة أصبح بينهم اتفاق متبادل.
كأن تقول المرأة: زهرة تاكلي؟
تهز زهرة رأسها.
زهرة هتنامي؟
توميء زهرة برأسها.
وجدت المرأة سعادتها تعود لها مرة أخرى فتحكي لزهرة بالساعات وزهرة تسمع وتهز رأسها.
عندما رأت زهرة هرة تركض في الحديقة شردت معها.
تذكرت هرتها التي كانت تربيها في بيت والدها.
ودون أن تشعر نزلت دموعها. رأت والدتها كل ذلك. قبل نهاية اليوم أحضرت لها قطة.
لكن زهرة رفضتها. كانت تريد تلك الهرة بالذات التي تلعب في الحديقة.
جلست زهرة ووالدتها نسرين يخططان كيف يقنعان الهرة الغريبة أن تسكن معها.
سنغريها باللبن، لابد أنها جائعة.
ما رأيك في السردين؟ القطط تحب السمك.
سنبني لها بيت في الحديقة وبيت في غرفتك.
لكن عندما قدموا اللبن للهره تعرضوا لفشل ذريع. الهرة لم تشرب اللبن ولم تأكل السمك.
لقد أصابت كل خططهم بالفشل حتى جاء اليوم الذي كانت زهرة جالسة فيه في الحديقة وجاءت القطة من نفسها ودخلت بين قدميها. وكانت على وشك الرحيل لكنها شمت رائحة مميزة. رائحة جسد زهرة المحروق.
مأت الهره بشكل غريب ثم قفزت في حضن زهرة. ومنذ تلك اللحظة لم تفارق الهره زهرة ولا دقيقة.
كانت المرة الأولى التي ترى فيها نرجس زهرة تضحك عندما دخلت تحمل الهرة في حضنها.
قالت المرأة السعيدة:
إذا وجدتي صديقة جديدة؟
أحنت زهرة رأسها.
صديقة ستأخذ مكاني؟
ترددت زهرة ثم نزلت دموعها ورمت نفسها في حضن نرجس.
رواية فراشة المقبرة الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
كانت دموعها دافئة، تشبه قطرات مطر نزلت خلال الصيف. احتضنتها نرجس، كانت حقاً ابنتها الحقيقة التي حلمت بها.
"هس.. "، ربّتت نرجس على كتف ابنتها. "توقفي عن البكاء يا طفلة! سأسمح لك بصديقة جديدة، بشرط أن تمنحيني كل يوم عشرة أحضان طويلة!"
"ها، ما رأيك؟"
"عشرة؟" فتحت زهرة كفي يدها، مظهرة عشرة أصابع صغيرة محروقة مهترئة، وعلى وجهها ابتسامة عريضة. "لا يراك أحد جميل بنفس الطريقة التي يراك بها والداك."
"توقفي عن البكاء!" حذرت نرجس ابنتها.
ثم نظرت إلى الهرة التي كانت تجلس مستكينة في حضن زهرة. كانت الهرة تجلس بترقب وقلق.
"ما رأيك أن نختار اسماً لها؟"
هزت زهرة رأسها بالموافقة.
"اختاري اسماً وأنا أختار اسماً." هزت زهرة رأسها بإيجابية. "إذا ما رأيك في اسم زهرة؟"
رفضت زهرة الاسم، معترضة برأسها.
"معك حق،" قالت نرجس. "ليس معقولاً أن يكون لدينا في منزل واحد زهرتين."
حركت زهرة رأسها عدة مرات موافقة.
"ممم، ربما تاشا؟"
اعترضت زهرة مرة أخرى.
"ما رأيك في اسم شقلط؟" ابتسمت زهرة بسخرية، ثم حركت رأسها بالرفض.
همست نرجس وهي تضع إصبعها فوق ذقنها، "غلب حماري. اختاري أنت اسماً يا زهرة، القطة صديقتك وليست صديقتي أنا."
ارتعش فم زهرة، تقلص واستدار، كانت على وشك أن تنطق.
ثم صمتت.
لاحظت نرجس بسعادة ما حدث، لكنها أخفت مشاعرها. وهمست، "سمعت قبل ذلك عن هرة ناطقة كان اسمها ميمي. قرأت قصتها على صفحات الفيسبوك."
وافقت زهرة على الاسم بعد عدة هزات من رأسها الصغير.
"حسناً، ستكون قطتك ميمي."
ثم نظرت تجاه الحديقة وأردفت، "إذا تحدثت معك القطة، لابد أن تخبريني."
عندما تحني زهرة رأسها، تعني حاضر.
"حان وقت استحمامك يا زهرة، اسبقيني على غرفتك، اختاري ملابسك."
ركضت زهرة على الدرج نحو غرفتها.
ما إن اختفت حتى مسحت نرجس دموعها. لطالما تمنت أن تكون لديها طفلة، طفلة صغيرة تتحدث معها وتتحاور معها. الآن لديها واحدة، لكنها صامتة، رغم ذلك تحبها جداً.
عندما وصلت نرجس الغرفة، كانت زهرة داخل الحمام، تتأمل جسدها العاري المشوه، وعيونها تتساءل، "لماذا جسدي ليس مثل جسد بقية الفتيات اللاتي أراهن في القصص المصورة والتلفاز؟"
عمرها اقترب من الرابعة عشر، ولا تستطيع غسل جسدها بنفسها. هناك عجز وقصر في أصابعها لا يزال تحت طور العلاج.
"ما رأيك أن تحاولي أنتِ تلك المرة؟ سأقف إلى جوارك إذا احتجتِ مساعدة."
كانت نرجس تعرف أن ابنتها تكبر، وأنها عما قريب ستشعر بالخجل منها.
بيد مرتعشة، أمسكت زهرة الليفة، حاولت أن تقبض عليها وتمررها على جسدها، لكن الليفة سقطت على الأرض.
"لا مشكلة،" همست نرجس. "هناك تقدم واضح!"
رمقتها زهرة بنظرة متواطئة. تعرف أنها تكذب، لكنها تحب ذلك.
انفتح باب الغرفة ودخل والد زهرة وهو يسعل بصوت واضح.
همست نرجس، "إننا هنا يا بابا، من فضلك لا تدخل، زهرة تستحم."
ما إن أنهت زهرة الحمام حتى ركضت تجاه والدها واندست في حضنه.
قبلها الرجل وأخرج من خلف ظهره لعبة جديدة. التقطتها زهرة بسرعة.
ثم لاحظت الهرة التي تحدق به بغضب.
"ممم، أرى أن لدينا ضيف هنا."
تركت زهرة اللعبة واحتضنت ميمي وقربتها من والدتها. كأنها تعرفه بها وتشير إليه وهي تهمس بكلمات غير منطوقة، "هذا بابا."
"زهرة، اذهبي إلى سريرك، لدي موضوع شائك أناقشه مع والدك."
أطاعت زهرة الأمر.
قالت نرجس، "زهرة تكبر، وحتى الآن لم نجرِ لها العملية."
قال زوجها، "معك حق، حتى لو كانت عملية خطيرة، لابد أن نقوم بها."
وكادت المرأة أن تقول، "وما الفائدة؟" لكنها كتمت كلاماتها وانهمرت دموعها.
"أنا خائفة." قالت نرجس. "خائفة أن لا يقبلها أحد."
ربت الرجل عن كتف زوجته، "سنظل إلى جوارها، أنت وأنا. إنها ابنتنا ولن نتخلى عنها."
رواية فراشة المقبرة الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
احتضنت زهرة الهرة ميمي منذ يومين، ومنذ موافقتها المبدئية أن تسمح لها بصداقتها، وزهرة ترغب بسؤال ميمي فكرة تحيرها. لقد رفضت ميمي كل المحاولات التي أقدمت عليها زهرة ووالدتها، ثم فجأة تخلت عن عنادها وأصبحت صديقتها.
رقدت ميمي على السرير على جانبها الأيمن كما علمتها والدتها.
وكانت الهرة ميمي منكمشة أمامها. ثم جعلت زهرة تحرك يدها وتهزها وهي تنظر تجاه ميمي، كانت تلك طريقتها في السؤال عن ما يحيرها.
تمتلك ميمي عينين جميلتين بلون الأخضر الفاتح. لعقت ميمي قدمها ورفعت رأسها بشموخ.
حدقت في وجه زهرة التي تكافح بيدها، ثم فجأة...
"تستطيعين أن تتحدثي يا فتاة."
انتفضت زهرة. زحفت بجسدها للخلف، لكن الهرة واصلت لعق قدمها بلامبالاة.
بحذر راقبت زهرة الهره التي قفزت على الأرض واختفت في الشرفة.
تشرق الشمس في تمام السادسة بتوقيت ميمي. شعرت زهرة بحركة، ولما فتحت عينيها وجدت ميمي تتحرك في حضنها. يبدو أنها حضرت بعد أن أغلقت زهرة عيونها.
نهضت زهرة بفرحة ونزلت على الأرض مرتدية منامة زهرية وبقدمين عاريتين. حاولت أن تحتضن ميمي التي ابتعدت عنها، ثم وقفت أمام باب الغرفة تنتظر أن تفتح زهرة لها.
فتحت زهرة الباب أمام ميمي التي ركضت إلى الرواق حيث ينتظرها طعامها.
لم يخفِ على زهرة امتعاض ميمي منها. وقفت أمام المرآة.
بجسدها النحيل حركت شفتيها مثلما تفعل كل مرة.
ثم نزعت قميصها فظهر ذراعها المحترق. مررت زهرة أصابعها فوق الجروح، تعرف أنها لا تؤلم، لكن قلبها يؤلمها كلما رأتها، كأنها حدثت للتو.
"زهرة..."
سمعت زهرة صوت الخادمة. أخفت جسدها بسرعة داخل قميص جديد وفتحت الباب.
"تخبرك الماما أن طعام الإفطار جاهز وأن البابا والماما في انتظارك."
أحنت زهرة رأسها بتفهم، ثم ابتسمت للخادمة.
نزلت زهرة درج السلم تركض رغم أن لا شيء جديد.
تركض زهرة كل يوم نحو المائدة كأنها أول مرة تفعلها.
نفس الحماس ونفس الجدية.
طبعت قبلة فوق خد الماما.
ثم استدارت خلف البابا واحتضنت رقبته وقبلته قبل أن تجلس في مقعدها وتضع المئزة فوق حجرها.
كانت ميمي هناك تلعق باستمتاع. لوحت لها زهرة، ثم بدأت تتناول طعامها.
"اسمعي يا زهرة،" همس البابا. "تعرفين أننا نحبك ونتمنى لك الخير."
أحنت زهرة رأسها بابتسامة.
"هناك قرار اتخذه البابا والماما، ستخضعين لعملية جراحية جديدة."
امتعض وجه زهرة. تكره المستشفيات ورائحة الديتول، و"بالطو" الممرضات، وشكل الحقن. لقد خضعت لأكثر من عملية وليست مسرورة على الإطلاق بقرار الماما، فلا شيء داخلها سوف يتغير.
"أكمل البابا: إنها عملية مهمة يا زهرة، عليك أن تفهمي ذلك. بابا يحبك ويريدك أن تصبحي أجمل فتاة في العالم."
"لكن العمليات موجعة،" شرحت زهرة بيدها.
"أعدك أن تكون آخر عملية،" همست الماما بوجه حزين.
"ها موافقة؟"
أشارت زهرة تجاه الهره ميمي.
قال البابا: "تريدين الهره معك؟"
وافقت زهرة.
"لكن الأطباء سيرفضون ذلك."
بكت زهرة واقتربت منها ميمي وتحركت بين قدميها.
احتضنت زهرة الهره وأصرت أن تأخذها معها.
"سأبذل كل جهدي،" وعدها البابا. "سأجعلها تنتظر معنا في المشفى وتراقب الأطباء حتى لا يرتكبوا أي حماقة."
أحنت زهرة رأسها بموافقة وكافأت البابا بقبلة.
"اتفقنا. الجراحة ستكون بعد يومين. الماما ستخبرك بكل شيء."
بعد يومين دخلت زهرة غرفة الجراحة. كانت عملية دقيقة ستستغرق عدة ساعات.
كانت ميمي في حضن الماما عندما انغلق الباب.
مضت الساعات طويلة على نرجس ونزلت دموعها أكثر من مرة. لم تتمكن من الجلوس. ظلت واقفة تلف وتدور مثل سمكة محبوسة في حوض.
خرج الطبيب أخيرًا. كان وجهه متعرقًا. نزع نظارته الطبية ومسح العرق.
ركض والد زهرة نحوه بوجه قلق.
همس الطبيب: "أستطيع أن أخبرك أن زهرة أصبحت أنثى متكاملة."
ثم بتردد همس: "بعد تعافيها أنصح بعرضها على طبيب نساء وولادة."
"هناك شيء خاطئ؟" همست نرجس بخوف.
"بقايا الماضي يا مدام!!" وضح الطبيب الذي كان يعرف قصتها.
جلست نرجس بتوتر.
نظرت إلى زوجها: "ماذا يعني هذا الكلام؟"
رفع والد زهرة يده ثم احتضن يد زوجته. "سيكون كل شيء بخير. زهرة فتاة قوية."
رواية فراشة المقبرة الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
همست نرجس بعيون باكية قبل أن ترفع رأسها:
"لماذا حدث لها كل ذلك؟ أتعتقد أنها تعرف؟ وهل علينا أخبارها؟"
قال الرجل:
"لا نقول شيئاً. أي ما كان حدث لزهرة، فإنها تحاول نسيانه. إنها تحاول أن تتعايش مع ما حدث لها. أي كلام عن الماضي لن يساعدها ولن يساعدنا."
صرخت نرجس وهي تحاول أن تكتم غيظها:
"من المجرم الذي فعل ذلك؟"
كانت زهرة تعرضت للاغتصاب وتهتك رحمها قبل أن تترك لتحترق.
همس الرجل بإحباط:
"لا أعرف."
قالت نرجس:
"أتعتقد أن هذا ما سبب لها الصدمة؟"
انفتح باب غرفة زهرة وخرجت منه تمشي بترنح وعلى وجهها ابتسامة. مضى أكثر من عشرة أيام على الجراحة وتحسنت صحتها بصورة جيدة.
ركضت نرجس نحوها:
"لماذا تركت سريرك يا زهرة؟ الطبيب طلب راحتك!"
إشارة زهرة تجاه الهرة ميمي التي كانت تشعر بالجوع. ظهرت ميمي من خلف ظهر زهرة، كانت تلعق فمها وتمشي بغنج وتهز ذيلها.
أجلسها البابا على المقعد:
"تبدين بصحة قردة يا صغيرتي!! لكن لا تبدئين في الحركة قبل أن يمنحك الطبيب الإذن. مفهوم؟"
"مفهوم."
لم تحتج زهرة المزيد من الوقت لتلاحظ وجه والدتها المحتقن، والتي كانت تحاول أن تخفي دموعها. تركت مقعدها ومنحت والدتها حضناً دافئاً طويلاً ومسحت دمعة من عينها بأصبعها المنحني، ثم أشارت نحو جسدها وتحركت شفاهها، كانت تقول: "أنا بخير، لا تبكي."
أنهت ميمي طعامها وتسكعت حول الصالون، ثم وقفت ونظرت تجاه زهرة محدقة فيها بعينيها الخضراوتين. ارتبكت زهرة وسقط المنديل من يدها.
انتقلت عينا البابا بين زهرة وميمي، شعر أن هناك شيئاً غريباً يحدث. كانت شفاه زهرة تتحرك باستمرار وعينيها تدور بخجل، متنقلة بين البابا والماما.
ثم فجأة، قفزت ميمي تجاه الغرفة، مشت عدة خطوات ثم توقفت واستدارت تجاه زهرة قبل أن تواصل سيرها وتختفي داخل الغرفة، وتبعتها زهرة بلا تلكؤ.
همس الرجل:
"أشعر بشيء غريب حول هذه الهرة، علاقتها بزهرة مريبة."
قالت نرجس:
"الأطفال يعشقون الحيوانات، ثم ماذا تنتظر من فتاة وحيدة ليس لها أصدقاء، ثم وجدت صديقة تقبل بها أخيراً؟"
لكن الرجل نهض، تحرك ومشى تجاه غرفة زهرة، ثم تسمر أمام الباب دقيقة قبل أن يعود لمقعده بنظرة شاردة.
سألته نرجس:
"ما بك؟ وجهك تغير؟"
همس الرجل:
"أفكر في كلامك."
منحياً الفكرة التي اشتعلت داخل عقله بعيداً، قال:
"أعتقد أن الوقت حان أن تجد زهرة أصدقاء طبيعيين. كنت أؤجل ذلك الموضوع، لكن زهرة لابد أن تلتحق بالمدرسة، ما رأيك؟"
همست نرجس بنبرة مذعورة:
"أخاف عليها، قد تتعرض للتنمر وتسود حالتها."
"لكنه أمر لابد أن يحدث. زهرة لن تظل حبيسة البيت طوال حياتها." قال الرجل بثبات.
رفعت نرجس يدها بقلة حيلة:
"وماذا يمكننا أن نفعل؟"
قال الرجل:
"أن نعدها. نحضرها للقادم. لابد أن تتحفز زهرة وتتطلع للحياة بعيون مشرقة. سنكون حريصين أن نقص عليها حكايات بعض الأطفال الذين لم يكن يتقبلهم العالم، سنلمح من بعيد. سنمنحها الثقة التي تحتاجها، سنكون بجانبها دائماً."
تلك الليلة شاهدت زهرة فيلماً "أعجوبة" وبكت كثيراً وهي تشاهد الطفل غير المرغوب يكافح ليجد له موطئ قدم في هذا العالم الشاسع.
كان البابا والماما معها. تحدث البابا بصوت دافئ:
"علينا أن لا نسمح لأي شخص أن يفقدنا ثقتنا في أنفسنا يا زهرة. الحياة تستحق أن نقاتل من أجلها. مؤكد أننا سنقابل أوغاد كثيرين، لكن علينا أن نقاتل."
سحبت نرجس الغطاء فوق جسد زهرة وتمنت لها أحلاماً سعيدة. قفزت ميمي في حضن زهرة، وأغلقت نرجس المصباح ثم غادرت الغرفة هي والبابا.
لكن البابا توقف لحظة أمام الباب المغلق كأنه نسي شيئاً في الداخل. وقف بصمت وتركيز حتى همست نرجس:
"دعنا نذهب."
رواية فراشة المقبرة الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
في ظلام الغرفة، استدارت زهرة في سريرها وعانقت ميمي التي راحت تخرخر بهدوء. كانت الدموع ما زالت ساخنة على وجنتيها، وذهنها يضج بأفكار مبعثرة عن الفيلم الذي شاهدته، وعن الكلمات التي قالها والدها.
لكن شيئًا آخر كان يشغلها أيضًا؛ ذلك الشعور الغريب عندما نظرت ميمي إليها، وكأن الهرة كانت تحاول قول شيء لم تفهمه بعد.
في الخارج، جلس الأب في الصالة، شاردًا. التفتت إليه نرجس بقلق.
"ما بك؟ لم تتوقف عن التفكير منذ أن رأيتها مع ميمي."
"لا أدري." قال بصوت خافت. "هناك شيء في تلك القطة... زهرة تتواصل معها بطريقة لا أفهمها."
"إنها مجرد قطة." تمتمت نرجس وهي تحاول طمأنته.
لكنه لم يكن متأكدًا. منذ أن استعادت زهرة وعيها بعد الجراحة، بدت مختلفة. ليس فقط في حالتها النفسية، بل في الطريقة التي تتفاعل بها مع ميمي.
في تلك اللحظة، انفتح باب غرفة زهرة ببطء، وظهرت ميمي عند العتبة. وقفت هناك، تنظر إليهما بعينيها الخضراوين الواسعتين. شعر الأب بقشعريرة غريبة، لكنها سرعان ما اختفت حين عادت القطة للداخل وأغلقت الباب بمخالبها الصغيرة.
"رأيت ذلك." همس.
"رأيت ماذا؟" سألت نرجس.
"القطة أغلقت الباب بنفسها."
"وماذا في ذلك؟ بعض القطط تفعل ذلك."
لكن داخله كان يخبره أن هناك أكثر من مجرد مصادفة.
في الداخل، كانت زهرة مستيقظة، مغمضة العينين، تستمع لصوت ميمي وهي تتحرك فوق السرير. ثم سمعت صوتًا آخر، لم يكن خرخرة هذه المرة. بل كان أشبه بهمس ناعم، بالكاد مسموع.
فتحت عينيها ببطء.
"ميمي؟"
الهرة كانت تجلس عند قدميها، تحدق بها. ثم، بوضوح تام، رأت زهرة شفتي ميمي تتحركان، وكأنها... تتحدث.
ارتجف قلبها، لكنها لم تصرخ. لم تهرب. فقط نظرت إلى القطة في ذهول.
"أنتِ لستِ مجرد قطة، أليس كذلك؟"
هزت ميمي ذيلها، ثم مالت برأسها وكأنها تبتسم.
زهرة شعرت بالخوف... لكنه لم يكن خوفًا عاديًا. كان شيئًا أعمق، شيئًا جعلها تتذكر ليلة لم تكن تريد تذكرها.
ليلة النار.
ليلة الألم.
ولأول مرة منذ الحادثة، شعرت أن هناك من يعرف الحقيقة؛ ميمي.
"اسمعي يا فتاة، أنا مجرد قطة." ثم لعقت ميمي ذيلها. "لكن من المكان الذي أتيت منه القطط تتكلم. عليكي أن تفهمي أنني لن أتحدث إلا معك إلا للضرورة القصوى. ثم هناك أمر آخر؛ أنتِ أيضًا لابد أن تتحدثي."
أشارت زهرة إلى فمها، أنها لا تستطيع أن تتحدث.
همست ميمي وهي تدور حول نفسها، "فتاة لا تتحدث... فتاة لا تتحدث لن يكون لها مكان في الحياة."
"ثم هناك أمر آخر؛ والدك، البابا بدأ يشك، ولن يكون ظريفًا أن أشرح أنا له الأمر. عليكي أن تحاولي يا زهرة، الماضي لن يتركك إذا لم تتركيه. والآن ميمي ستذهب للنوم، ميمي متعبة."
في اليوم التالي، قدم والد زهرة الأوراق إلى المدرسة. كان يعرف أنها مهمة صعبة وأن زهرة سوف تعاني لبعض الوقت. لكنها الخطوة الأولى، وعلى زهرة أن تخطوها مهما كان الثمن.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
وقفت زهره أمام المرآه، إنه اليوم الأول في المدرسة. كانت مرتدية الزي المدرسي، وكانت ميمي نائمة على السرير.
وصوت الماما يرتفع بين الحين والآخر: "زهره سنتأخر".
احتضنت زهره ميمي وودعتها، وخرجت وهي تشعر بالخجل.
جلست في السيارة صامتة. لم يكن صمتها نابعًا من عدم تحدثها، بل صمت داخلي حقيقي عندما لا تعرف ما تقوله.
"هناك الكثير من الطلبة والطالبات يا زهره مثل حالتك. لم تشعري بالغربة؟"
لكن عندما عبرت السيارة بوابة المدرسة، شعرت زهرة بالغربة فعلاً. كان كل شيء غريبًا بالنسبة لها: الجدران، الساحة، الطلبة. كل شيء بدا غريبًا وغامضًا.
"كيف كان حال المدرسة اليوم؟" سألها والدها بنبرة قلقة.
"لا بأس!!" رفعت زهره يدها مبينة أن الأمور في المنتصف.
"بداية جيدة." همس والدها. "متأكد أنك ستتحصلين على أعلى الدرجات يا قطتي."
رفعت ميمي رأسها ولعقت جسدها عندما سمعت كلمة "قطتي". إنها قطة في نهاية الأمر، سواء كانت متحدثة أو صامتة، فهذا الشعور يتملكها.
القت زهره حقيبتها وركضت على غرفتها. كان لديها الكثير لتقصه على ميمي.
جلست ميمي على مؤخرتها وتابعت زهره وهي تشرح بيديها تفاصيل يومها الغريب. استمعت ميمي بصمت دون مقاطعة. ولما انتهت زهره، قالت ميمي: "إذا لم يكن بإمكانك التحدث، فلن أستطيع مشاركتك تفاصيل يومك!"
"أتعرفين؟" قفزت ميمي على السرير. "لطالما تمنيت أن أذهب إلى المدرسة. أعني مدرسة حقيقية حيث أحمل حقيبة محشوة بالكتب والأقلام فوق ظهري، أن أجلس وأستمع إلى المدرسة وهي تشرح الدروس. هل بمقدورك أن تحققي حلمي يا زهره؟"
"اسمعي، سيكون هذا سرنا الصغير. زهره لا تتحدث إلا مع ميمي. القطة الغريبة التي تتحدث لغة البشر. رغم أنه من ناحية أخرى، لا أرى غرابة في نوعي، فهناك جنيات وعفاريت وأشباح تظهر من العدم وتتحدث ولا أحد ينكر عليها ذلك."
"ها، ما رأيك؟ أريد أن أسمعك تتحدثين معي عن المدرسة."
وعندما لاحظت ميمي تردد زهره وارتباكها، همست: "اسمعي يا زهره، لقد كشفت لك سري وهذا أمر خطير. البشر لا يتقبلون الحيوانات الناطقة إلا في أفلام الكرتون. إذا لم يكن لديك نية للكلام، سأرحل من هنا ولن تريني مرة أخرى، ولكي أكون منصفة، سأمنحك نصف يوم للتفكير."
قفزت ميمي وتحركت تجاه الباب. وقبل أن تدلف للخارج، سمعت همسًا خافتًا: "انتظري..."
كان البابا في مكانه خلف الباب يهز رأسه باستمرار. هذه الأصوات التي يسمعها ليست من اختلاق عقله. هناك هرة تتحدث لغة البشر خلف الباب. أتكون جنية؟ أ يجب علي أن أحضر شيخًا يطهر المنزل؟
حتى سمع كلمة "انتظري".
كان صوتها. صوت ابنته التي لطالما تمنى أن يسمعه.
ألصق الرجل أذنه بالباب وهطلت دموعه بلا توقف.
"أنت تتجسس على زهره يا زوجي العزيز؟ ماذا تنتظر أن تسمع من شخص لا يتحدث؟"
أشار لها البابا أن تصمت، لكن صوتها كان قد وصل الغرفة والأصوات خلف الباب اختفت.
رواية فراشة المقبرة الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
رفعت نرجس حاجبها وهمست: "فيه إيه؟"
أطلق البابا ابتسامة كبيرة: "على ما يبدو زهره اتكلمت."
ثم أدرك الورطة العالق فيها، فأردف: "لكن هناك شيء آخر!"
كانت نرجس من السعادة ما يجعلها قد تتقبل أي شيء.
رغم ذلك، عندما قال زوجها إن هناك هرة متكلمة، كادت أن تفقد وعيها.
"شبح؟ جنية؟"
"لا،" همس الرجل، "مجرد هرة تتكلم مع زهره. أنا لا أفهم السبب الذي يجعل هرة تنطق بلغة البشر، لكن زهره تحدثت معها."
تكومت نرجس على الكنبة: "يعني ميمي جنية، صح؟"
ارتعش جسد نرجس لأن ميمي خرجت من الغرفة.
ولعقت بعض اللبن. كانت نرجس تتابع الهرة متوقعة في أي لحظة أن تأتي بحركة سحرية، لكن الهرة اختفت داخل غرفة زهره.
جلس البابا إلى جوار زوجته: "ربما زهره خلقت كل ذلك؟ فأنا غير متأكد."
"خلقت من ميمي صديقة تتحدث إليها وترد على نفسها؟"
لم تصدق المرأة كلام زوجها، كان فيه شيء مريب.
قال الرجل: "المهم أن زهره تحدثت، ابنتنا نطقت يا نرجس."
"أريد أن أقتحم الغرفة وأقوم باحتضانها."
"لا،" همست نرجس.
"لن نرغمها على ذلك، امنحها الوقت الذي تحتاجه. المهم أنها بخير."
انتظمت زهرة في دراستها، وبدأ مستواها يتحسن في التحصيل الدراسي.
"هناك شيء آخر."
كل ليلة كانت نرجس وزوجها يقفان بالتناوب خلف باب غرفة زهره، يستمعان لها وهي تتحدث.
إذا قالت ميمي:
"ربما حان الوقت لتتحدثي مع والديك يا زهره، والديك يستحقان ذلك."
"لكن إياكي أن تذكري أي شيء عني، هذا سر بيني وبينك."
ترددت زهره: "كيف أفعل ذلك؟"
"تقفين هكذا،" وشدت ميمي جسدها، "شعرك ضفيرة فوق ظهرك، ترتدين منامة أو أي شيء آخر."
"تطلقين ابتسامة خجولة ثم تقولين ماما."
"بعدها كل شيء سيسير كما هو مخطط له، ماما سترضخ نحوك."
"والبابا سيرقص من الفرحة، وأنا سأنال وجبة سردين معتبرة."
فتحت زهره الباب بارتباك وخجل.
كان والداها جالسين في الصالة يشاهدون فيلماً تافهاً.
بدا منسجمين جداً، والبابا يحاوطها بيديه بحنان.
لكن زهره لم ترَ نرجس والباب، بل والدة الحقيقي على النزاوى غارقاً في دمائه، جسده مخرم بالرصاص.
عيونه فارغة وأطرافه محترقة.
صرخت زهره صرخة مدوية وسقطت على الأرض فاقدة للوعي.
رواية فراشة المقبرة الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
بعد تلك الحادثة عاد الصمت يلازم زهرة مرة أخرى. توقفت عن الكلام وعادت لتشاهد شارداً، حزيناً، وكئيباً. حاولت ميمي أن تخرجها من حالتها بلا فائدة.
بدت الفتاة مصممة على عزلتها ووحدتها. في المدرسة كانت تجلس بمفردها ولا تختلط مع أي شخص.
لا تعرف نرجس ما حدث لزهرة، لكنها متأكدة أنه أمر خطير.
عرضت زهرة على أكثر من دكتور نفسي. استخدموا معها حيل الأطباء، لا شيء.
زهرة قررت أن تبقى فمها مغلقاً.
كانت ميمي تتحدث مع زهرة رغم ذلك، ولم تتوقف عن الكلام عن عالمها. من حيث أتت ومغامراتها، لكن زهرة لم تبدِ أي اهتمام.
"اسمعي يا فتاة!"
"من حيث أتيت يعتبر عدم الرد على شخص يحادثك وقاحة لا تغتفر." ثم شردت ميمي لبعيد.
"أتعرفي يا زهرة؟ لقد كان لي حبيب قبل أن أحضر لهنا."
"كنت أحبه جداً يا زهرة، وأتمنى أن أقضي بقية حياتي معه."
"لكن تخيلي ماذا فعل بعد كل ذلك الحب؟"
"قبضت عليه متلبساً بخيانتي مع هرة سمراء اسمها فاتي."
"كان يقول لها كلام الحب الذي لم يقله لي وحاول أن يقبلها."
"شعرت أن قلبي انفطر. صفعته على وجهه وهربت. لم يكن لدي مكان ألجأ إليه، لذلك ركضت في كل مكان."
"بت في مقلب قمامة وبيت مهجور."
"وسكنت في منزل امرأة مسنة، لكن كل ذلك لم ينسيني إياه."
"كان عليّ أن أهرب مرة أخرى، وربما أواصل الهرب إلى ما لا نهاية."
"حتى رأيتك في الحديقة، حينها قلت: ما خطب تلك الفتاة النحيلة؟"
"تابعت محاولاتك الحسيسة للتقرب مني بلا مبالاة، لكن أنا أيضاً أشعر بالوحدة وكنت أحتاج صديقة."
"زهرة..."
"لكل واحد منا ماضٍ يهرب منه. أنت لست وحيدة في ذلك."
"عندما ترغبين في التحدث عن ماضيك، ستتخلصين منه. لا تجعلي الماضي يقتلك يا زهرة."
بعد يومين فتحت زهرة فمها. تحدثت إلى ميمي: "صباح الخير."
"مساء الخير."
"كيف حالك؟"
"ما حال المدرسة؟"
لكنه لم يكن حديثاً عميقاً، مجرد كلام فارغ.
"زهرة..." قالت ميمي، "كنتِ على وشك التحدث لوالدك. ماذا حدث؟"
قالت زهرة بشرود: "رأيت والدي."
"إذا كان لديك والد آخر؟" همست ميمي، ثم رفعت عينيها. "وهذا البابا غير موجود الآن."
"أتفهم حزنك يا زهرة. ربما نزور قبره في يوم ما."
"لا قبر له." همست زهرة بغضب مكبوت. "أنا لا أعرف أين قبره."
"كل ما أعرفه أنه لم يعد موجود."
"لديك أب آخر يا زهرة الآن."
"والد يهتم بك، ووالده تحبك."
بكت زهرة، نزلت دموعها. "أنت لا تعرفين ما حدث يا ميمي."
"لا تعرفين أي شيء. أنت مجرد هرة حمقاء مثقفة."
رفعت ميمي ذيلها. لم تغضب. لم تثور. "لديك حس فكاهي إذاً يا زهرة."
"لكني صديقتك، وأعدك أن نصل إليها. قد أكون مجرد هرة، لكنني أفي بوعودي."
تحسنت زهرة نوعياً. بدأت تفرغ ما في داخلها. فكل شخص يحتاج أن يتقيأ ذاكرته بين الحين والآخر.
بدأت تلعب في المدرسة، تكتشف أصدقاء. وأخيراً بعد شهر، عندما ظهرت نتيجة المدرسة.
حملت زهرة ورقتها ودخلت على والدها وهمست: "تفضل بابا. لقد نجحت."
كانت أول مرة يسمع فيها صوتها. نعم، كان يتجسس عليها.
لكن الآن، إنها تقف أمامه وتهمس: "بابا."