تحميل رواية فراشة المقبرة بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حاجبه وهو يلوح بيده: اقتلوهم كلهم، مش عايز ولا واحد فيهم عايش. حاضر يا كبير. انطلقت الرصاصات من خارج المنزل، اخترقت الجدران وغمرت البيت القديم مثل غيمة ثقيلة. سمع صراخ ثم صراخ ثم خمد كل شيء. عندما انتهى الرجال، كان البيت يبدو من الخارج مثل غربال تبن. أطلق عمران ابتسامة وركل الباب واندفع للداخل يحمل بندقيته في يده. هذا جزاء من يقف في وجه عمران. وجد على النزاوى مرمي على الأرض في الصالة يحتضن طفلته الصغيرة. ركله عمران بقدمه: موت يا كلب. ثم دعس دماغه بقدمه. غير بعيد، كانت سوسن، امرأة على النزاوى، مر...
رواية فراشة المقبرة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسى
ظلت زهرة تراقب الرجل الذي أنقذها، تحاول أن تفهمه رغم أنه كان غامضًا كليالي القرية المظلمة.
لم يكن يتحدث كثيرًا، ولم يسمح لها برؤية وجهه أبدًا، حتى عندما أتى بالطبيب، كان حريصًا على إخفاء ملامحه، كأنه شخص من عالم الظلال.
بعد مغادرة الطبيب، بقيت زهرة تحدق في النار المتراقصة أمامها، بينما كان الرجل يجلس على مسافة، متكئًا إلى جذع شجرة داخل الكهف، بدا وكأنه ينتظر شيئًا.
— "إنت مين؟" سألت مرة أخرى، بصوت أثقل من قبل.
لم يجب. فقط استمر في سن سكينه بحركات بطيئة، وكأنها طقس مقدس.
— "أنت عارفني، مش كده؟"
— "ليه مش عايزني أرجع الوحدة الصحية؟"
— "لأنهم لسه بيدوروا عليكي، والعمدة مش هيسيبك."
— "ليه؟"
رفع عينيه نحوها للحظة، لكنها لم تستطع رؤية سوى ظلام عميق خلف القماش الذي يغطي وجهه.
— "إنت اللي لازم تجاوبي على السؤال ده، مش أنا."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ليس بسبب البرد، ولكن بسبب طريقته في الحديث، كأنه يعرف أكثر مما يقول.
مرت ساعات دون أن يتحدث أي منهما، حتى كسرت زهرة الصمت:
— "إنت مش ناوي تقوللي اسمك حتى؟"
— "الاسم ملهوش قيمة هنا."
— "طب إنت منين؟"
ابتسم بسخرية، وكأن السؤال كان نكتة لم تفهمها.
يكفي أن تعرفي أننا لن نلتقي مرة أخرى في هذا العالم القاسي.
— "أنت مش آمنة هنا، لازم تمشي."
— "وأروح فين؟"
— "بره القرية زي ما عشتي كل حياتك، ارجعي بيتك في القاهرة."
شعرت زهرة بغصة، لم تكن القرية مكانًا جيدًا، لكنها اعتقدت أن من الممكن أن تفعل شيئًا جيد.
— همست زهرة: "ماينفعش، أنا لازم..."
— "لازم تعيشي، ده اللي لازم تعمليه." قاطعها بصوت حاسم.
— "بس أنا..."
— "زهرة، اسمعي كويس... العمدة مش بيقتل حد وخلاص، لو قرر يخلص على حد، يبقى معناه إنه عارف إنه لو سابه عايش، هيكون في خطر عليه."
ارتجفت يدها دون أن تشعر.
— "أنا... مش فاهمة."
— "لا، إنت فاهمة كويس، بس مش قادرة تصدقي."
— "إنت بتتكلم عن إيه؟"
وقف الرجل، سحب وشاحه ليغطي وجهه أكثر، ثم قال:
— "اللي حاولوا يقتلوكي، هيرجعوا تاني. بس المرة دي، مش هيسيبوا أثر."
— "طب وإنت؟"
توقف للحظة، ثم قال:
— "أنا... شغلي خلص."
— "يعني إيه؟"
لكنه لم يجب، فقط التفت وابتعد، تاركًا وراءه أثر خطواته في الطين، وصدى كلماته في عقلها.
"استنى، أقف مكانك، انت مين وانقذتني ليه؟"
توقف الشاب في مكانه، استدار تجاه زهرة.
— "انتي ليه رجعتي؟"
فتحت زهرة فمها بصدمة.
— "لا دا انت بقا عرفني كويس، وانا مش هتحرك من هنا غير لما اعرف انت مين وتعرفني ازاى؟"
— "معرفكيش!" صرخ الشاب بصوت غاضب، "ومش عايز اعرفك!"
"روحي للمكان اللي جيتي منه."
"كملي حياتك مع والديكِ، استمتعي بحياتك، انتي بقيتي دكتورة قد الدنيا ما شاء الله."
تنهدت زهرة بحزن.
— "اكشف وشك، انا عايزة اشوفك."
"عايزة اشوف الشخص اللي انقذني من الموت."
— "لو ما تحركتيش دلوقتي هيبقى كل اللي عملته ملوش لازمة."
"رجالة العمدة في طريقهم لهنا، الوقت قدامنا قصير جدا."
— "سلام يا دكتورة."
راقبت زهرة الرجل وهو يبتعد، جسده يذوب في ظلام الليل كما لو أنه لم يكن موجودًا من الأساس. شعرت برعشة تجتاحها، ليس فقط بسبب البرد، بل بسبب إحساس غامض بأنها لن تراه مجددًا.
حاولت الوقوف، لكن الألم كان أقوى منها. تحاملت على نفسها، وضغطت على جروحها، ثم نظرت حولها، تحاول استيعاب وضعها. لم يكن بإمكانها البقاء هنا.
لكن إلى أين ستذهب؟
استعادت كلماته في عقلها:
"اللي حاولوا يقتلوكي، هيرجعوا تاني. بس المرة دي، مش هيسيبوا أثر."
كان عليها أن تهرب. لكن الهروب بدون خطة يعني الموت بطريقة أخرى.
بعد قليل، سمعت حركة في الخارج.
تجمدت في مكانها، قلبها يخفق بقوة. خطوات تقترب، لكنها كانت بطيئة ومترددة.
حاولت البحث عن شيء تدافع به عن نفسها، لكنها لم تجد سوى كوب الماء الفارغ بجانبها.
ثم ظهر رجل عند مدخل الكهف.
لم يكن الرجل الغامض الذي أنقذها، ولم يكن أحد رجال العمدة. كان شخصًا آخر... شابًا في العشرينيات، بملابس متسخة ونظرة مذعورة في عينيه.
— "إنت... إنت زهرة؟"
— "إنت مين؟" همست، تحاول أن تبدو أقوى مما تشعر.
— "أنا... اسمي كريم. بعتني ليكي الشخص اللي انقذك."
عادت القشعريرة تسري في جسدها، إذًا، لم يتركها تمامًا، لكنه لم يعد بنفسه، بل أرسل هذا الشخص بدلاً منه.
— قال الشاب بخوف: "امري آخدك من هنا... بسرعة."
— "هو فين؟"
— "مشي خلاص."
شعرت بشيء يشبه الغضب يشتعل داخلها. لماذا يقرر لها ما يجب أن تفعله؟ لماذا يختفي فجأة ويتركها مع شخص غريب؟
لكن قبل أن تتمكن من التفكير أكثر، سمعا صوتًا في الخارج.
صوت محركات سيارات.
كلاهما تجمد. نظر كريم إليها بقلق، ثم قال بصوت منخفض:
— "لازم نمشي حالا، رجالة العمدة وصلوا."
لم يكن لديها وقت للتفكير. تحاملت على نفسها، واستندت على كتفه، بينما خرجا من الكهف بحذر.
كانت السيارات تتحرك ببطء بين الأشجار، أضواؤها تخترق العتمة. كانوا يبحثون، يفتشون، يقتربون.
— "هنخرج ازاي؟" همست زهرة، أنفاسها تتسارع.
— "في طريق بين الجبال، بس لازم نتحرك بسرعة."
لكن قبل أن يتمكنوا من التحرك، انطلقت طلقة نارية في الهواء.
توقفا فورًا، الدم يتجمد في عروقهما.
ثم جاء الصوت المخيف، الصوت الذي كانت تخشاه أكثر من أي شيء آخر:
— "دوروا هنا! البنت قريبة!"
كان رجال العمدة على بعد خطوات منهم وكان على العمده على النزاوى يتقدمهم.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اسماعيل موسى
في اللحظة التي دوى فيها صوت الطلق الناري، أدركت زهرة أن الفرار لم يصبح خيارًا، وأن الوقت قد نفد.
لم يكن أمامها سوى انتظار مصيرها، لكن فجأة، ومن العدم، جاءها الصوت الهادئ العميق الذي أصبح مألوفًا لها.
"انزلي بسرعة يا دكتورة."
قبل أن تستوعب، شعرت بيد قوية تمسكها وتسحبها إلى الأرض.
جسدها يشعر بالألم، لكن الشاب الذي أنقذها لم يسمح لها بالبقاء طويلاً. سحبها خلفه بسرعة، مستخدمًا العتمة كدرع يخفيهما عن الأنظار.
كانت أنفاسه ثابتة رغم التوتر، بينما كانت أنفاسها متقطعة، مليئة بالخوف والرعب، ومن قبضة يده الحديدية.
"إزاي عرفت إنهم هنا؟" همست، بالكاد تتحكم في ارتعاش صوتها.
"مش لازم يظهروا عشان أعرف إنهم هنا." رد بهدوء، وكأن ما يحدث مجرد لعبة اعتادها. "الكلاب بنسمع نباحها من مكان بعيد جدًا."
أشار لها بالبقاء منخفضة، ثم تحرك بسرعة. لم تكن متأكدة مما فعله، لكنها سمعت صوت ارتطام شيء ما، ثم صوت محرك سيارة يُشغل بعيدًا عنهم.
"دلوقتي." قالها بإيجاز، ثم أمسك يدها مرة أخرى وسحبها بين الحقول التي تكفلت بخفائهم، بينما اختفى كريم الشاب الآخر ولم تره في الجوار.
ورغم العتمة إلا أن الأقدام التي تتبعهم لم تكن بعيدة.
واصل السير حتى ظهرت سيارة قديمة متوقفة على الطريق، الباب كان مفتوحًا، وكريم يجلس خلف المقود، يراقب الطريق بعينين مذعورتين.
قبل أن يصلوا السيارة أمطرهم الرصاص، أعيرة نارية انطلقت من كل حدب وصوب.
سحب الشاب زهرة بيد مرتعشة ثم همس: "انحني على الأرض."
"مترفعيش وشك خالص يا دكتورة."
ثم رفع وجهه لحظة وكان يغمغم: "خمسة، ستة، سبعة." قبل أن ينحني مرة أخرى.
وضع وجه زهرة المرتعبة بين يديه ولم ترَ سوى لمعة عينيه وهمس: "أنا عايزك تثقي فيه، ممكن؟"
ترددت زهرة، كيف تثق بإنسان لا تعرفه؟ لكن صوت الرصاص لم يمنحها فرصة للتردد.
"حاضر."
"أريدك أن تصرخي بصوت مسموع، ممكن؟"
"أتمي العدد لعشرة واصرخي."
اختفى الشاب الآن. عدت زهرة واحد، اثنان، حتى وصلت عشرة، ثم أطلقت صرخة ووقفت في مكانها.
"هناك يا رجالة." سمعت زهرة صوت أحد رجال العمده على النزاوى، الذي كان يركض نحوها.
وصل الرجل زهرة وأطلق ابتسامة: "بتصرخي يا قوطة؟"
"خايفة من الضلم..." لم يتم كلمته، انغرست سكينة في عنقه وسقط أرضًا.
سحب الشاب بندقية الحارس وانبطح على الأرض.
"دكتورة، ضعي يديك فوق أذنك."
كان الرجل يركضون نحو مصدر الصوت عندما انطلقت رصاصات الشاب التي أسقطتهم واحدًا تلو الآخر.
"يلا بينا." سحب الشاب زهرة من يدها خلفه.
همست زهرة: "انت إزاي ماشي كده ومش خايف منهم؟"
"لأنهم ماتوا." أجاب الشاب باقتضاب.
"متأكد إزاي؟"
استدار الشاب نحو زهرة: "لأني عارف عددهم يا دكتورة."
"الكلب الكبير دايمًا بيخلي مجموعة من الرجال يحوطوه."
"مش بيغامر ويبعت الرجال كلهم."
"لازم تخرجي من هنا دلوقتي."
"طب إنت؟ هيعملوا فيك إيه لو لقوك؟"
ابتسم بسخرية، تلك الابتسامة التي لم ترها لكنها شعرت بها في نبرته.
"أنا ميت من زمان يا دكتورة."
شعرت برغبة غريبة في قول شيء ما، أي شيء يبقيه معها للحظة أطول. لكنه لم يمنحها الفرصة.
أدار وجهه أخيرًا نحوها، ونظر إليها مباشرة.
كانت تلك النظرة... غريبة.
ليست نظرة امتنان لإنقاذه لها، ولا نظرة شخص يعرفها جيدًا، ولا حتى نظرة وداع تقليدية. بل نظرة اثنين التقيا صدفة، رغم أنه لم يكن من المفترض أن يلتقيا أبدًا.
نظرة تحمل شيئًا من التقدير، وشيئًا من الوداع المسبق، كأن كل شيء انتهى قبل أن يبدأ.
كانت نظرة طويلة، أثقل من الكلمات التي لم تُقل.
عندما وصلا السيارة،
دون أي تعليق، استدار الشاب وسار مبتعدًا.
"زهرة، اركبي!" صاح كريم، يضرب المقود بيده، عيناه تراقبان الطريق بتوتر.
لكن زهرة بقيت متسمرة للحظات، تراقب الرجل الذي أنقذها وهو يختفي بين الأشجار.
أرادت أن تسأله عن اسمه، أن تعرف أكثر، لكنه اختار الرحيل.
وبدون كلمة أخرى، صعدت زهرة السيارة، وأغلقت الباب خلفها.
تحركت السيارة ببطء، تاركة خلفها القرية التي لم تكن تعرف إن كانت ستعود إليها مرة أخرى.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماعيل موسى
كانت السيارة تتهادى على الطريق الوعر، وعقل زهرة لا يزال عالقًا عند الرجل الغامض. شعرت بضغط في صدرها وهي تسترق نظرة عبر النافذة، حيث تلاشت الأشجار التي ابتلعت ظله.
ثم دوّى صوت الأعيرة النارية مجددًا.
شهقت زهرة، وقبضت على طرف مقعدها، بينما ضغط كريم بحدة على دواسة الوقود.
"بيطاردوه!" صرخت، وهي تلتفت للخلف، لكن كريم لم يكن بحاجة إلى تفسير.
"هو عارف هو بيعمل إيه." قالها بحدة، وكأن الكلمات كانت موجهة لنفسه أكثر منها لها.
لكن زهرة لم تستطع أن تبعد عقلها عن الرجل الذي تركوه خلفهم، وحده، يواجه رجال العمدة المسلحين.
على الجانب الآخر، وسط الأشجار الكثيفة، كان الشاب الملثم يركض.
لم يكن يركض بلا هدف. كانت قدماه تعرفان الأرض كما يعرف أحدهم خطوط كفه.
انحنى بين الحشائش العالية، تسلل عبر الظلال، كل خطوة محسوبة بدقة.
كان يسمع أصوات المطاردين خلفه.
خمسة، لا... ستة رجال.
رأى انعكاس أضواء المصابيح اليدوية بين الأشجار، ثم صوت أحدهم:
"لازم تخلصوه قبل ما يوصل للجبل!"
الجبل.
ابتسم لنفسه، ابتسامة بالكاد لمعت في الظلام، وهو يواصل الركض.
ثم، أتت الرصاصة الأولى.
انطلقت من بعيد، وشعر بها تخترق الهواء قرب كتفه.
لم يصب، لكنه شعر بالحرارة تمر بجواره.
انخفض بسرعة، وركل جذع شجرة يابسة ليسقط خلفها، مستخدمًا إياها كغطاء.
أعاد حساباته، كانوا ينتشرون، يحيطون به.
رأى ظلًا يقترب من يمينه، فثبت أنفاسه، انتظر للحظة، ثم تحرك بسرعة.
طعنة خاطفة.
أطلق الرجل صرخة قصيرة قبل أن ينهار، ورأى الآخرون سقوطه، مما جعلهم يترددون للحظة.
لحظة كانت كافية للرجل الغامض كي يتحرك مجددًا.
رصاصة أخرى، هذه المرة أقرب.
لم يكن أمامه خيار سوى الركض مباشرة نحو المنحدر الصخري الذي قاده نحو الكهوف.
لكن أحدهم كان ينتظره هناك.
رجل ضخم الجثة، بندقيته مصوبة مباشرة نحوه.
"انتهت اللعبة، يا ابن الكلب." قالها وهو يضغط على الزناد.
لكن الشاب الملثم لم يتوقف.
بل اندفع مباشرة نحوه.
بسرعة خاطفة.
طلق ناري انطلق— لكن بعد لحظة، كان الاثنان يتدحرجان على الأرض.
القتال كان فوضويًا، سريعًا.
قبضات تتطاير، سكين تُغرس في اللحم، رجل يصرخ وهو يسقط على وجهه.
عندما نهض الشاب الملثم، كان يلهث، والدماء تقطر من ساعده.
لكنه لم يتوقف.
نظر نحو الكهوف، حيث كان يعلم أنه لن يتمكنوا من اللحاق به.
كانت هذه فرصته الأخيرة.
خلفه، كان الرجال الآخرون يقتربون. سمع أصواتهم الغاضبة، لكن جسده لم يعد يشعر بشيء سوى الرغبة في البقاء على قيد الحياة.
خطوة، خطوتان— ثم قفزة عبر الصخور.
انزلقت قدمه للحظة، لكنه استعاد توازنه، ودخل في ظلام الكهف.
توقف للحظة، يستمع.
هدوء.
ثم صوت أحد الرجال، غاضبًا، محبطًا:
"وصل الكهف، اللعنة!"
ابتسم الشاب الملثم في الداخل، لم يكن الضوء يصل، لكن هذا لم يكن مهمًا.
لقد كان ينتظر تلك الفرصة من سنين طويلة.
سحب رشاش سريع الطلقات وانبطح على الأرض بين صخرتين، أمطر رجال العمدة بالرصاص.
لم يسمح لهم بالتراجع، كمن كل رجل في مطرحه يبحثون عن العمدة بعيونهم.
طلقة خلف طلقة كان الشاب الملثم يسقطهم واحدًا تلو الآخر بلا رحمة.
العمدة الذي كان يقف بعيد صرخ: "يا رجال؟"
لكنه لم يتلقى ردًا.
"وهم كلهم." همس رجل من خلفه بنبرة مرتعبه.
سحب العمدة بندقية: "حط عينك وسط راسك يا كلب منك له."
ثم تراجع بروية والرجال يحيطون به.
تجنب الرصاصات البعيدة وهو يتقهقر.
"لو أي كلب فيكم وقف ضرب نار هقتله بنفسي." صرخ العمدة وهو يقفز فوق فحيرة وسط الظلام.
طلقة بعيدة أسقطت الرجل الذي يقف جوار العمدة.
انبطح العمدة على الأرض يده مصوبة تجاه الجبل، "طلقة أخرى، طلقة أخرى." همس في سره.
انطلقت طلقة أخرى من ناحية الجبل، أجرى العمدة حساباته.
انتظر طلقة أخرى ثم أخذ نفس عميق وأطلق خزنة رصاص.
حل صمت للحظة طويلة قبل أن ينهض العمدة.
"إلا بيّا."
"ناصر!"
صرخ واحد من الرجال: "نروح نكمل عليه يا عمدة؟ شكله اتصاب."
"لأ،" همس العمدة، "لازم نرجع الدوار، أنا هجهزله حملة كبيرة، ده لو مكنش مات دلوقتي."
ثم صرخ في الرجال، "حاوطوا الجبل، مش عايز نملة توصل المغارة، مش عايز أي شخص يقدم له مساعدة، لو كان اتصاب لازم يموت."
أوقفت زهرة السيارة بالعافية بعدما سمعت صوت الأعيرة النارية التي كانت تشبه حربًا.
نزلت من السيارة، "مش هسمح إن شخص تاني يموت بسببى."
"لازم أساعده." ورغم اعتراضات كريم، إلا أن زهرة تركت السيارة وركضت خلال الطريق عائدة نحو الطريق الذي ركض فيه الشاب الملثم.
رواية فراشة المقبرة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماعيل موسى
استدار كريم بالسيارة، اندفع بها حتى حازى الدكتورة زهرة.
"دكتوره من فضلك، إلى بتعمليه فيه خطر على حياتك وحياةنا."
ثم أوقف الكلمة قبل أن يصرخ: "وحياتى كمان."
"مش هسيبه لوحده، لو كان فيه حد لازم يموت يبقى أنا."
صرخ كريم: "انتى الوحيده إلى مش لازم تموتى، دا كل إلى بيعمله عشانك."
توقفت زهرة عن الركض، كانت منتهية أصلاً. وضعت يدها على ركبتيها.
"تقصد ايه؟"
"مقصدش حاجه، من فضلك اركبى عشان اوصلك بيتك."
"مش هينفع نرجع دلوقتى، زمان رجالة العمده مراقبين كل شبر فى القريه، مش هنقدر نوصله."
رفعت زهرة يدها.
"نوصله فين؟"
"الجبل، الشخص إلى ساعدك ساكن الجبل من سنين طويله."
"المكان إلى ساكن فيه ملوش غير طريق واحد، ورجالة العمده عارفين كده واكيد الطريق متنغم حراس."
"اركبي يا دكتوره الله لا يسيئك!!"
"انا مقدره إلى عملته لحد دلوقتى يا استاذ كريم، لكن اسفه مش هقدر ارجع، اتفضل انت وانا هكمل لوحدى."
ترك كريم السيارة.
"لو سبتك هيكون مصيرك رصاصه طايشه مع أول خطوه ليكى جوة القريه."
"انت لازم ترجعى القاهره وتكشفى الحقيقه قدام المسؤلين."
"ان فيه شخص ظالم هنا متستر بالقانون، متضيعيش كل حاجه من فضلك."
"تقدري تقدمي شكوة لانهم اعتدو عليكى فى أثناء تأدية عملك."
"فكرك واحد زى العمده مش هيلاقي شهود زور يشهدوانى تهجمت عليه مثلا؟"
"انا شفت بعيني انسان بيموت قدام الناس ومفيش ولا شخص قدر يقول الحقيقه."
بغضب همس كريم: "يعني هتشيلي بندقيه زى ناصر وتحاربي العمده؟"
"انا قولتله الدم بيجيب دم، واهو هارب فى الجبل زى المطاريد."
"انا خدت قرارى خلاص يا استاذ كريم اتفضل انت، انا هكمل من هنا وحدى."
"شكلها كلها عيله مجنونه."
همس كريم في سره وهو يبتعد بخطوات وجلة.
انطلقت زهرة تركض. تعرف المكان الذى وصلت فيه إلى السيارة.
هناك درب متعرج بين أشجار مبعثره يقود نحو الكهف.
تنهدت زهرة، أغمضت عينيها. كان الألم يئن داخل جسدها، أصابتها لم تشفى بعد. ثم سارت برأس منحنية وسط الظلام.
لم تكن تمتلك كشاف يضيء الطريق.
لكن بعد تفكير أدركت أن ذلك في صالحها، شكل رجال العمده بقع مضيئة وسط الظلام مكنتها الابتعاد عنهم.
كانت الأضواء متمركزة عن بقعه معينة تسد طريق صعود الجبل.
كمنت زهرة خلف شجرة. كان صعود الجبل مستحيلاً.
إذا فكرت في الركض سيكون مصيرها عيار ناري.
أدركت زهرة الورطة التي وقعت فيها عندما حضر رجال آخرون سدوا عليها طريق الخروج.
ليس معها حقيبه طبيبه تساعد بها ناصر ولا حتى سلاح تدافع به عن نفسها.
"اثبتي مكانك."
جاء صوت من أسفل قدمي زهرة، صوت رفيع عرفته زهرة كانت ميمي.
"متحركيش يا زهره غير لما اقلك."
ربما كانت أكثر مرة تشعر فيها زهرة بالسعادة لرؤية ميمي.
مشت ميمي في طريق متعرج نحو الخلف وتبعتها زهرة.
"حنا رايحين فين يا ميمي؟ مفيش طريق لصعود الجبل غير من هنا..."
"كلمة لا يوجد غير موجوده فى قاموس القطط، انا اعرف طريق لكنه صعب."
واصلت ميمي السير حتى وصلت خلف الجبل.
"الأن سنصعد الصخور يا زهره، ولانك مصابه ستظلين هنا حتى اصل ناصر. ربما أجد حبل يساعدك على التسلق."
"زهره؟" همست ميمي عندما لاحظت ترددها.
"لا تتحركي من مكانك هنا حتى أظهر مره أخرى."
لم يندهش ناصر لسماع الهره ميمي تتحدث.
عاصر في حياته الكثير من الأمور الأكثر غرابة من تلك.
"بيتك تشعل فيه النار بكل ساكنيه مثلا؟"
كان ناصر يضغط بيده على مكان رصاصة اخترقت جنبه عندما حمل الحبل والقاه أسفل الجرف ثم ربطه في صخرة.
"الأن زهره."
صرخت ميمي: "امسكي الحبل."
دفن ناصر قدميه تحت صخرة وقبض على الحبل في يديه.
"وراح يجذب زهره التى كانت تتسلق بصعوبه."
"يا رجاله في صوت هناك."
صرخ أحد الحراس الذي كان يتبول خلف الجبل وهو يصوب كشافه على زهرة.
ظهرت زهرة التي كانت تتأرجح في منتصف الجبل في ضوء المصباح.
انطلقت رصاصة قشطت الصخرة بجوار زهرة جعلتها تصرخ.
أضطر ناصر لترك الحبل وإطلاق أعيرة نارية في الهواء بينما تأرجحت زهرة ونزلت بضع خطوات.
"زهرة."
صرخت ميمي: "ابذلي كل مجهودك من فضلك."
راحت زهرة تتسلق بكل قوتها وناصر يجذب الحبل.
وقبل أن تصل القمة أطلقت صرخة مروعة عندما لدغها ثعبان في ساقها.
رواية فراشة المقبرة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماعيل موسى
من حياة في البرية وسط الزواحف والوحوش، أدرك ناصر أن أمام زهرة عدة دقائق محدودة قبل أن تخور قوتها.
"زهره؟" صرخ ناصر. "لو مقدرتيش توصلي هنا خلال دقيقة أعصابك هتنهار وهتسقطي على الأرض."
نظرت زهرة تجاه الأرض البعيدة وشعرت بوجع السقطة في عظمها. شهقت زهرة، أغمضت عينيها وتسلقت بكل قوتها. مع تحرك الحبل، وصلت فتحة المغارة في اللحظة الأخيرة. قشطت رصاصة كاحلها.
هوت زهرة على الأرض تلهث، متعرقة، منتهية. ناصر صوب البندقية.
"خدوا يا ولاد الـ..."
دفقة من الرصاص أجبرت الرجال على الاختباء. ثم بسرعة، ألقى البندقية وشق بيده جلبابه وربط به ساق زهرة.
قبل أن يغرس أسنانه داخل ساقها وزهرة تصرخ وتبكي. امتص ناصر السم وبصقه على الأرض. حمل زهرة وأرقدها على فراشه داخل الكهف.
كان الغضب تملكه، وعندما يتملك الغضب إنسان يائس، لا يمكنك أن تعرف ما بأمكانه فعله. اختفى داخل المغارة وأحضر أربيجيه كان احتفظ به عندما سكن الجبل. وضع القذيفة بداخله وصوب.
دوى الانفجار المرعب وارتفعت الصرخات. ركضت السيقان المرتعبة بعيداً عن الجبل. ترنح ناصر، لم يعد قادر على نصب طوله. انتابته نوبة فقدان وعي وغشاوة، ثم هوى بكل جسده على الأرض.
وقفت ميمي وسط الجسدين الممدين على الأرض. لذا لم تفعل شيء. سوف ينتهي بهم المطاف قتلى داخل الكهف.
ظلت ميمي بين الجسدين تغمض عينيها برهة، ثم تفتحها ببطء، وهي تهمس بكلمات ليست من لغة البشر، بل من لغة القطط القديمة، التي تتناقلها الأمهات إلى صغارهن في همسات منتصف الليل.
"يا ليلُ يا حامل الأسرار،
يا ظلَّ السكون في دار الأقدار،
باسم المخالبِ المُخبَّأة في الظلام،
وباسم العيونِ التي تبصرُ ما وراء الأوهام،
أدعوكَ، أيها الجنيُّ الضرير،
يا من تُسمعُ النداءَ وإن حُجِبتَ عن النظر،
تعالَ إلى ميمي، وافتح لها بابَ القدر!"
بمجرد أن نطقت الهرة ميمي آخر كلمة، ارتجف الريح في الكهف كأنها تتنهد، ثم ساد صمت ثقيل. بعد لحظات، تصاعد من الظل همسٌ خافت، كصوت أوراق تتلاعب بها الرياح، ثم ظهر الجني الضرير. عيناه فارغتان، كأنهما حفرتان من الليل نفسه، لكنه يرى بطرق لا يفهمها أحد. تحرك من الظلام وجلس أمام ميمي، وأمال رأسه قليلًا، وكأنه يسمع ما في قلبها أكثر مما يسمع صوتها.
"لكل هرة أمنية،" قال بصوت كالصدى العميق، "فما هي أمنيتك يا ميمي؟"
"أريدك أن تشفي جروح زهرة وناصر."
همس الجني الضرير رأسه. "لكل هرة أمنية واحدة."
"شخص واحد."
ترددت ميمي لحظة ثم همست: "زهرة."
وضع الجني الضرير يده فوق ساق زهرة، ضغط عليها وأطلق تهويدة، ثم اختفى ببطء وهو يقول: "لكل هرة أمنية واحدة."
"أمنية واحدة يا ميمي بنت راخ."
فتحت زهرة عيونها بعد لحظات، كان ساقها سليمة بعد أن اختفى الجسم من جسدها.
"ميمي؟"
"أنا هنا يا زهرة."
"إنتي عملتي إيه؟"
نظرت ميمي إلى جسد ناصر. "أظن إنك طبيبة حتى لو مكنش عندك أجهزة طبية."
عاينت زهرة الكهف بسرعة، أشعلت نار ووضعت داخلها سكين ناصر حتى لمعت من اللهب. نزعت ملابس ناصر، حددت مكان الرصاصة، ثم غرست السكين. وحتى أثناء فقدانه الوعي، صرخ ناصر من الألم.
أخرجت زهرة الرصاصة وقامت بكي الجرح. قبل أن تتكئ بظهرها على الصخر، كانت متعبة، ومنهكة، ومصدومة، تموت وتغلق عينيها، لكنها سمعت صرخة ميمي: "هناك رجال قادمون تجاه الكهف."
رواية فراشة المقبرة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اسماعيل موسى
تنهدت ميمى بسخط.
"الرجال هم الرجال فى كل مكان وزمان، يستحقون القتل على أي حال!!"
"هيا يا زهرة، لن يطلب منك أحد أن تصيبيهم بالرصاص، فأنتِ لستِ قناص."
"أطلقي رصاص عشوائي يشعرهم أن ناصر موجود."
بخوف أمسكت زهرة البندقية.
"القاعدة الأولى، ضعي يدك على الزناد وصوبي البندقية بعيد عن نفوخك."
صوبت زهرة البندقية مثلما رأت ناصر، ثم ضغطت على الزناد.
دفعتها الطلقات للخلف وارتفعت ماسورة البندقية نحو السماء.
ضربة خائبة، لكن الرجال توقفوا على أي حال.
أسندت زهرة مؤخرة البندقية على كتفها وأطلقت الرصاص حتى أفرغت المخزن، لم تتبق أي رصاصة.
بين الرجال سرت وشوشة.
"ناصر لم يمت، لقد أرسلنا العمدة لحفناله."
"لقد أمر العمدة بهدم الكهف فوق رأس ناصر ولا عودة دون رأسه."
كانت زهرة واقفة مرتعبه، إذا صعدوا الكهف ليس لديها طريقة لتمنعهم.
كانت فكرة غبية إطلاق الرصاص كله دفعة واحدة.
"حاولي إعادة شحن البندقية، ضعي خزنة أخرى." همست ميمى.
لم تنجح زهرة في تغيير خزنة البندقية، لكن خلال سيرها ارتطمت قدمها بالرشاش.
امسكت زهرة الرشاش بين يديها، كان ثقيل لكن الرصاص محشو بداخله.
"فكري يا زهرة، فكري."
جربت أكثر من مرة حتى وضعته على وضع الضرب الفرداني، ثم رقدت في مقدمة الكهف تدعو أن لا يقترب أحد حتى يصبح على بعد مترين منها.
"قدرة الإنسان على التأقلم معضلة قديمة منذ أيام هانيكان وبراوسون، فعندما لا يكون لدى الإنسان خيار آخر، مشتت، منغص، يبذل قصارى جهدها."
أطلق ناصر أنة وجع، كانت الحمى تسري في جسده مما جعل زهرة تشعر بالقلق.
"لا تشغلي بالك." صرخت ميمى. "ركزي على حماية الطريق من المجرمين."
جرت ميمى فوطة قذرة وأغرقتها في الماء ثم وضعها على رأس ناصر.
"سيفي ذلك بالغرض."
"الإنسان الحجري كان يعيش على كماليات أقل من ذلك."
"ميمي؟" همست زهرة. "لماذا اخترتي أن تنقذيني وتركتي ناصر؟"
"لأنني صديقتك الوحيدة صح؟"
أطلقت ميمى مواء.
"مؤكد أن ناصر ليس عشقي يا زهرة، لكني اخترت أن أنقذ الطبيبة على أمل أن تنقذ ناصر."
"كان أمر مجرد من المشاعر، لكنني على ما يبدو كنت محدودة الفكر، ويبدو أننا سنموت جميعًا داخل الكهف."
"إلى متى سنظل هنا يا ميمي؟"
"هل تعتقدي أنهم سيرحلون؟"
"لن يرحلوا." أوضحت ميمى. "هؤلاء المجرمين لا يعرفون سوى الدم."
"أواصلي إطلاق الرصاص يا زهرة وادعي أن يستعيد ناصر صحته."
"أنتِ تعرفي ناصر يا زهرة؟"
"لا أعرفه يا ميمي، لكن أشعر أنه شخص قريب مني."
"لكنك فقدتي كل عائلتك في المحرقة يا زهرة."
"أعتقد أنه مجرد شخص يكره العمدة أو له معه ثأر."
كانت الشمس بدأت تشرق وتضيء الوادي والدرب الموصل إلى الكهف، واضطر رجال العمدة إلى ترك أماكنهم.
كان ناصر استعاد وعيه وبدأ يتحرك داخل الكهف، عاين ناصر الطريق والقتلى ثم جلس في شرود.
"إحنا محتاجين مساعدة شخص من خارج الكهف."
"كريم ممكن يساعدنا." قالت زهرة.
"لا!" همس ناصر. "كريم بعيد عن كل ده، أنا عايز أعلمك ضرب الرصاص والتصويب."
"ممكن قعدنا يطول هنا."
"يطول إزاي؟ إحنا، إحنا خلصنا رصاص ومفيش أكل."
رمق ناصر زهرة بنظرة مطولة.
"متقلقيش، تعالي معي."
بدا الكهف أوسع مما اعتقدت زهرة، في خلفية الكهف كانت هناك غرفة مغلقة.
فتح ناصر بابها، كانت هناك صناديق ذخيرة معبأة بداخلها.
أطعمة مجففة وبقايا متعلقات آدمية.
طلب ناصر من زهرة أن تحمل صندوق ذخيرة وأعاد تلقيم الرصاص في الخزن الفارغة.
ثم علم زهرة التصويب على زجاجات فارغة.
بعدها شعر بالتعب، رقد يأخذ قيلولة تاركاً الكهف في عهدة ميمي وزهرة.
بعدما نام ناصر دخلت زهرة تحضر تمر ولبن.
فتشت الأغراض كلها وبين الصناديق القديمة تعثرت بصورة نصف محترق.
أخذتها زهرة ونفضت التراب من فوقها ثم وضعتها أمام الضوء وهي تفتح فمها من الصدمة.
كانت صورة تجمع والدها ووالدتها، احترقت أطرافها.
رواية فراشة المقبرة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اسماعيل موسى
كان الشيء الوحيد الذى ليس من الممكن ان تجد فيه تزيف هو الصراخ. ومع تطور المرأة أصبح هناك عدة أنواع للصراخ والنواح. لكن الصراخ الذى سمعه ناصر لم يسمعه من قبل فى حياته، لا فى جنازة ولا فى مصيبة. أطفأ ناصر كم جلبابه.
وكانت زهره وميمى حضرا على صوت الصراخ والحريق الذى اشتعل فى الطريق. شاهدت زهره بقايا اشتعال الرجال.
ورغم عنها تقيأت.
"مفيش وقت، لازم نمشى"، همس ناصر وعينه على الطريق. "لازم اوصل العمده قبل ما يوصله الخبر".
شهقت زهره. "العمده؟"
"انت ناوى تقتل العمده؟ مش كفايه دم لحد كده؟ الناس دى إلى ماتت عشان سبب تافه؟"
استدار ناصر. كاد أن يصرخ في وجه زهره لكنه كتم غضبه.
"كل واحد منهم ارتكب جريمه يستحق عنها الموت مرات وليس مره واحده."
"أنا هوصلك الطريق وتقدرى ترجعى بيتك لحضن عائلتك وسريرك بعيد عن الوش ده."
صرخت زهره. "انت ليه بتعاملنى كأنى طفله؟"
"أنا شريكتك فى المجزره دي. وبعدين ليه ما سألتنيش انا ما أطلقتش الرصاصه ليه؟"
من خلف القناع همس ناصر. "يمكن ايدك ارتعشت فى اخر لحظه."
"لا"، صرخت زهره. "أنا ضغطت على الزناد لكنه كان فى وضع الأمان."
"أنا قصدت كده أصلا."
فتحت زهره فمها بغضب. "يعنى ايه قصدت كده؟"
"انت إلى حطيت البندقيه على وضع الأمان؟"
"أيوه أنا."
"ليه؟" صرخت زهره بيأس.
"مكنتش عايز ايدك تتلطخ بالدم، كفايه أنا. انتى لسه الدنيا قدامك واسعه وكبيره، لكن أنا حياتى انتهت."
"ولما اقتل العمده هبقى حققت كل احلامى."
"انت مين؟ ارجوك قولى."
"خلينى اشوف وشك على الأقل."
"انزع القناع ده لو سمحت."
"صدقينى، انتى مش هتقدرى تبصى فى وشى لو نزعت القناع."
"انتى رجعتى إلى فى بطنك من صراخ الرجال."
"انت شخص اعرفه، طيب؟ قريبى؟"
"لا"، صرخ ناصر.
ثم سار فى الطريق وتبعته زهره وميمى. فى الطريق العام رفضت زهره أن ترحل.
كان هناك شيء داخلها أكبر من العناد والفضول. كان داخلها حنين. حنين لشيء بدأ يتضخم داخلها بخصوص ناصر.
تلك العاطفه الجامحه التي تنتابك تجاه شخص لم تراه من قبل لكنك تشعر أنه شخص مقرب.
همست زهره بقلق. "انت هتقتل العمده ازاى؟ دا زمان البيت بتاعه محمى برجاله."
"فقد العمده عدد كبير من رجاله والباقين لن يصمدو امامى."
"4 9 2 سينتهي كل شيء اليوم."
"انت ليه مصمم ان تموت بالطريقه دي؟"
"لو كان ليك تار مع العمده انت اخدته وقتلت ناس كتير تبعه."
"النار إلى جوايا مش هتطفى غير لما اخلص على العمده."
كان هناك حركه جوار بيت العمده. مجموعه من الرجال يهرولون بقلق. يدخلون ويخرجون من بيت العمده.
"فيه ناس كتيره"، همست زهره من بين الحقل الذي أخفاهم عن عيون رجال العمده.
"أنا محتاج فرصه واحده"، همس ناصر وهو يرفع البندقيه حدود صدره.
لم يتوقف الرجال عن الحركة. كان هناك حوالي خمسة رجال على سطح المنزل.
واثنين أمام المنزل وواحد خلف المنزل.
"أنا هتحرك قبل الشرطه ما توصل." ثم نظر تجاه زهره. "بندقيتك فى ايدك." وحرر ناصر أمان البندقيه.
"عند اشارتى اطلقي رصاص عشوائي وعندما يتجمع الرجال اركضي. اهربي ولا تنظرى خلفك."
زحف ناصر على بطنه في الغيط الموحل حتى اقترب من الرجل الذي يحرس مؤخرة المنزل.
ثم تخلص منه بضربة سكين قبل أن يتسلق جدار البيت.
ثم لوح بيده لزهره.
اطلقت زهره الرصاص كما أمرها ناصر. مجرد دقيقه.
وبدأ رجال العمده يتجمعون خلف المنزل.
صمدت زهره دقيقه قبل أن تركض داخل الحقل بعيد عن البيت.
تبعها بعض الرجال واختفى ناصر داخل المنزل من نافذه مفتوحه.
واصلت زهره الركض مع ميمى وهي تسأل ميمى بخوف. "لسه بيجرو ورايا؟"
بعد خمسة دقائق ارتفع حريق داخل بيت العمده النزاوى.
توقف الرجال عن مطاردة زهره وعادو تجاه المنزل.
زهره التي وصلت الطريق العام توقفت عن الركض.
كان حريق هائل يشبه الحريق الذي قضى على منزل والدها وارتفع صراخ أهل القريه. النساء والرجال يركضون من كل ناحيه. "بيت العمده بيولع يا جدع."
"العمده لسه جوه البيت يا جدع."
مع الناس سارت زهره تجاه البيت. عندما وصلت كان هناك حريق ضخم ابتلع كل شيء.
أهل القريه يكافحون لاطفاء الحريق وانقاذ أطفال العمده ونسائه الذين كان شخص غامض يدفعهم الى خارج البيت من بين النار.
"ناصر"، همست زهره في سرها.
"هو دا إلى قتل العمده؟" صرخ واحد من الرجال عندما لمح ناصر بقناعه يلقى بطفل خارج المنزل.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اسماعيل موسى
عندما سألت، تقدم لك واحد في عمر الأربعين.
قالت: "رفضته، هعمل إيه بواحد في الأربعين؟ دا واحد ميت!"
أحس عمر الأربعين عمر بلا كرامة، عمر مائع أكثر من الأزم.
وإلا كيف بواحد في الأربعين أن يشعر أنه طفل، أو أنه على وشك الموت؟ غريبة هي الحياة التي لا تجمعنا بمن يشبهنا إلا تحت التراب.
من بين النار المشتعلة، أنقذ ناصر أولاد العمده علي النزاوى، أنقذ حريمه، ولم يبالي بالنار التي أحرق أجزاء من جسده. فقد كانت يده محترقة ومهترئة عندما خرج من بيت العمده.
قبض رجال العمده على ناصر. إنه قاتل العمده ومشعل الحريق. أوسعوه ضرباً، لكن الشرطة حضرت بسرعة، إنه بيت العمده وليس بيت آخر.
وقفت سيارات الإطفاء وقذفت خراطيم المياه على البيت المحترق، ونجحوا في إخماد الحريق بعد ربع ساعة.
لم ينج العمده، مات داخل بيته محترقاً. واقتيد ناصر إلى قسم الشرطة متهماً بقتل العمده بطلق رصاصي قبل أن يشعل الحريق في المنزل، كما أكد الشهود، رجال العمده.
ورجل عنده رجال يشهدون زوراً ويزيفون الحقائق لا يستحق الحياة. لكنها ربما تكون الحقيقة. ربما ناصر أطلق الرصاص على العمده وأشعل النار عندما دخل لينتقم من العمده.
ولم يكن داخل القرية سير إلا خبر موت العمده.
فقد ظن البعض أن العمده لا يمكن أن يموت.
شخص مثله يستحق ميتة تليق به، ميتة معتبرة تخلد حياته التافهة المليئة بالمظالم.
داخل قسم الشرطة، أجبر خاطر على نزع قناعه. ولم يطق ضابط الشرطة النظر في وجهه.
"أنت شيطان، مستحيل تكون إنسان."
لكن المخبر السري لا يفرق بين شيطان وملاك.
فكل من يدخل القسم لابد أن يضرب، ثم يأخذ القانون مجراه.
أي عنصر يهرب من الإهانة ستكون سبه في وجه السلطة.
في قسم الشرطة، أنكر ناصر إطلاق الرصاص على العمده وإشعال الحريق في بيته.
وبعد أربعة أيام، قال تقرير الطب الشرعي أن العمده قتل برصاصة قبل أن تحترق جثته.
والبندقية التي ضرب بها كانت سليمة والبصمات عليها. لم يلحق بها ضرر ولم تحترق. كانت تحت جسد العمده محمية من النار، كأنه في لحظاته الأخيرة أبى إلا أن يأخذ المجرم عقابه، فأحتفظ بالبندقية سليمة.
في النيابة، سمح وكيل النيابة لناصر بارتداء قناعه. وكان هناك محامي وكلته زهرة للدفاع عنه.
وجهت النيابة لناصر تهمة قتل العمده مع سبق الإصرار والترصد، وتم تحريز سلاح الجريمة.
"سأخرجك من هنا،" همست زهرة في الممر الواصل بين حجرة وكيل النيابة وسيارة الترحيلات.
"لن تقبع في السجن أكثر من عشرة أيام. ومع أول جلسة في المحكمة، طلب المحامي، محامي ناصر."
أخذ بصمات ناصر وطابقها مع البصمات الموجودة على البندقية التي أكدت التحقيقات أنها سلاح الجريمة.
تم أخذ بصمات ناصر، وبالطبع لم تتطابق مع البصمات الموجودة على سلاح الجريمة.
انتفت تهمة القتل عن ناصر. وبعد تأكيد الشهود من أهل القرية رؤية ناصر ينقذ أطفال العمده وحريمه، كانت تهمة إشعال الحريق مشكوك فيها.
خرج ناصر من قاعة المحكمة بكفالة عشرة آلاف جنيه. وكانت زهرة في انتظاره داخل سيارة والدها مع والدها ووالدتها نرجس وميمي.
"أنا لازم أرجع القرية،" همس ناصر بقلق وخوف. كانت أول مرة يركب فيها سيارة بعد سيارة الترحيلات.
قبضت زهرة على يده وصرخت: "اسكت يا ناصر!"
"اسكت يا أخي!"
وطوال الطريق، حل صمت كئيب لم يقطعه سوى شهقات زهرة ودموع ناصر.
حتى وصلا بيت زهرة. "أريد أن أجلس مع ناصر بمفردنا لو سمحتم."
سمح لها والديها بالجلوس مع ناصر. "انزع قناعك يا ناصر."
"لم تعد مضطر لإخفاء وجهك بعد الآن."
لم يسمح لها ناصر بنزع قناعه أو حتى لمسه. "ليس الآن."
"لست مستعد يا زهرة."
حدقت زهرة في وجه ناصر. "أعرف الآن لماذا أنقذت أولاد العمده، ولما سمحت ليديك أن تحترق، وكيف حافظت على البندقية التي تحمل بصماتك سليمة رغم الحريق."
"أنت ماكر يا ناصر، كنت تعرف أن احتراق يديك سيضيع البصمات ولن تتطابق أبداً. ربما أنا الوحيدة التي فكرت في ذلك. كنت حريصاً على سلامة البندقية من أجل براءتك."
"لكن، كيف عرفت أني أختك؟"
"عرفتك من أول نظرة،" همس ناصر، "عندما سمعت أن هناك طبيبة جديدة في الوحدة الصحية، ذهبت لرؤيتك، ومع أول نظرة عرفتك."
"ليه يا ناصر خبيت علي الحقيقة؟"
"ليه مجريتش وخدتني في حضنك؟"
"خفت عليك، كان لديك حياة كاملة، لم أرغب أن يصيبك مكروه. إذا كان العمده عرف أنك أختي، كان سيقتلك."
ثم أضاف ناصر: "أنا مشوه بوجه بشع، أنا شيطان يا زهرة."
"هش، اصمت،" همست زهرة، "تعالى هنا." ثم غرقا في حضن طويل دامع.
رواية فراشة المقبرة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اسماعيل موسى
كان على نرجس أن تعد غرفة جديدة لناصر، وكان الأمر مربكًا في البداية لأنه رجل غريب سيعيش بينهم، لكن من أجل عيون زهرة كل شيء يهون. إنها ابنتها الوحيدة وناصر قطعة منها. ورغم التخبط في مواعيد الوجبات ورفض ناصر الانضمام إلى المائدة وحرصه على تناول طعامه بمفرده داخل غرفته، إلا أنها كانت تشعر بشيء غريب تجاه ناصر. شفقة مشوبة بحزن، إلا أنها احترمت رغبته في البعد عنها وعن الخادمة، والحديث بالكاد لزكريا والد زهرة الذي كان يمهد لعلاقة تجمعه مع ناصر. فقد كان ناصر حريصًا وخجولًا أكثر من اللازم.
كان واضحًا أن ناصر اكتفى من العالم ويريد أن يقضي بقية حياته بمفرده في سلام. لقد كانت المرة الأولى التي يلمس فيها ظهره سرير مريح وغرفة مغلقة لا تهب فيها الريح الباردة.
حتى أنه نام لمدة يومين كاملين فور وصوله، حتى اضطرت زهرة لإيقاظه شكًا منها أنه مات.
ثم اعتاد ناصر أن يجلس في الحديقة بمفرده معظم النهار دون مضايقة أحد، اللهم ميمي التي أصيبت بالعمى في آخر أيامها. ربما تبدلت ملابس ناصر بأخرى جديدة اشتراها له زكريا، لكنه ظل كما هو، وحيدًا معزولًا، غير قادر على الاختلاط بالعالم. فمنذ زحفه وهو طفل صغير عاري الجسد ونصفه محروق، يصرخ صرخات تصل حدود السماء دون أن يساعده أحد، كأنه منبوذ. لقد واصل الزحف ليلتها مثل كلب كسيح ينتقل من حقل لحقل. كان مجرد طفل يصرخ باسم أبويه وإخوته. كان عمره في الحادية عشر حينها، ورغم أن جروحه تعفنت وتقيحت وأكلت من جسده، لم يمد له أحد يده. لقد عاش لشهور طويلة معتمدًا على بقايا الأكل التي يجدها صدفة في الطرقات. إنه يتذكر أول مرة قصد فيها منزل جيرانه ليطلب خبزًا عندما سرقت المرأة عفريت شيطان.
من وقتها وهرب إلى الجبل بعيدًا عن الناس.
هل يمكنني أن أجلس معك؟ همس زكريا قبل أن يجلس.
فيه موضوع مهم عايز أكملك فيه.
توقع ناصر الأسوأ، لكن الرجل بدا ودودًا ولطيفًا. لقد كنت خائفًا على زهرة من بعدي. أعرف أنها أختك، وأنني لست والدها الحقيقي، لكن فكرة تركها بمفردها في هذا العالم بدت مأساوية أكثر من اللازم. الآن أنا مطمئن، لقد أزحت حملًا كبيرًا من فوق كتفي يا ناصر. سيكون لدى زهرة كتف تتكئ عليه ويوفر لها الأمان. أعرف أنك عانيت أكثر من اللازم، لكن على الحياة أن تمضي. أنا لا أطلب منك أن تخرج للشارع، لكن على الأقل أن تختلط بعائلتك الجديدة. فأنا بمثابة والدك، من فضلك امنحني هذا الشعور.
أنا شخص ملعون، ألا تفهم؟ لا يستطيع أحد أن ينظر إلى وجهي دون أن يتقيأ. أتريد أن يأتيك كابوسي كل ليلة؟
يا ولدي، قبل أن تأتي زهرة، كنت أتمنى أن أسمع كلمة "بابا".
لا يمكنني وصف شعوري أول مرة قالت فيها زهرة "بابا".
لقد تعلمت أن أرضى بالقليل يا ناصر، وأنا لا أطالبك بتغيير نفسك، بل أطالبك أن تتحدث معي.
انظر بنفسك، هناك امرأتان تتحدثان طوال الليل والنهار.
ورجل مسن على وشك الموت يجلس بمفرده.
تحدث معي يا ناصر، لا تترك رجلًا عجوزًا يشعر بالوحدة، لأنك تعرف ذلك الشعور. سنخرج معًا. سنذهب للمقاهي والشركة وكل مكان. ارتدِ قناعك أو من دونه، لكن كن معي من فضلك.
بدا ناصر مترددًا عندما حرك يده المحترقة، لكن زكريا قبض على يده وأحس بارتعاشتها. وبعد يومين، شوهد ناصر يجلس مع زكريا يلعبان الطاولة داخل المجلس، ويجلس معهم على مائدة الطعام.
ثم بدأ ناصر يترك نفسه لتجارب زهرة العلمية التي كانت تعمل على تجربة لشفاء جروحه.
داخل منزل زهرة، وبين أدواتها الطبية والبحثية، قررت أن تجرب طريقة جديدة لعلاج الحروق التي تملأ جسد ناصر، خاصة بعد فشل العلاجات التقليدية في تحسين حالته بشكل كاف.
كانت نظريتها قائمة على تحفيز تجديد الأنسجة المتضررة عبر مزيج من العلاج بالخلايا الجذعية والعلاج بالضوء الحيوي، وهي تقنية طورتها بناءً على أبحاث متقدمة في ترميم الجلد.
بدأت زهرة بتنظيف الحروق بعناية، مستخدمة محلولًا مطهرًا لا يسبب تهيجًا، ثم قامت بتقشير الطبقة الميتة برفق لتوفير بيئة نظيفة تساعد على امتصاص العلاج.
استخرجت زهرة خلايا جذعية مشتقة من الأنسجة الدهنية، وهي نوع من الخلايا لديه قدرة عالية على التجدد والتكيف. بعد معالجتها في وسط مغذٍّ، قامت بحقنها في المناطق المحترقة بجرعات دقيقة، مستخدمة تقنية المايكروإبر لضمان توزيع متساوٍ وتحفيز إنتاج الكولاجين.
وضعت زهرة جهازًا صغيرًا يصدر أشعة ضوئية ذات أطوال موجية محددة فوق المناطق المصابة. كان هذا الضوء يحفز نشاط الخلايا الجذعية، ويعزز تدفق الدم، ويقلل من الالتهاب. شعرت بأمل حقيقي وهي تراقب تفاعل جلده مع الضوء، حيث بدأ الاحمرار يخف تدريجيًا.
بعد أولى الجلسات، لاحظت زهرة أن الحروق بدأت تظهر علامات تعافٍ أسرع من المتوقع. الجلد لم يعد قاسيًا كما كان، والخلايا المتجددة بدت أكثر نشاطًا. كان ناصر يراقب بصمت، لا يعبر عن الألم أو الراحة، لكن نظراته كانت تخبرها أنه يلاحظ الفرق.
بالنسبة لزهرة، لم يكن هذا مجرد علاج لندوب ناصر، بل كان اختبارًا علميًا قد يغير مستقبل علاجات الحروق. لكن السؤال الذي راودها: هل يمكن لهذا العلاج أن يداوي الحروق الأعمق التي لا تُرى على الجلد؟
وبينما كانت التجربة تأتي ثمارها، كانت العلاقة بين ناصر وزهرة تطورت لدرجة كبيرة. وكان هناك حدث هام عندما أمرت زهرة ناصر أن يظل داخل غرفته مغطى بالشاش يخضع لعلاجها الفريد. بعد عشرة أيام قضاها ناصر في رحلة وحبس انفرادي، وقفت زهرة ونرجس وزكريا على باب غرفته.
اليوم ستظهر نتيجة التجربة.
رواية فراشة المقبرة الفصل الأربعون 40 - بقلم اسماعيل موسى
متتحركش! أمرت زهره ناصر الراقد على ظهره بينما كانت عينى ناصر تلتقط الإشارات من وجه نرجس وزكريا.
يكتسب الوجه البشرى ملامح شخصية صاحبه بمضى السنين، إن كان منعزل أو متشائم أو حتى ضاحك. مهما كانت قسمات وجهك تنطبع عليها شخصيتك.
لكن وجه ناصر كان بلا ملامح، تجويفين وسط قوره من العظم.
كانت زهره أخضعت جسد ناصر بأكلمه للجرعات بعد أن قشطت الجلد الميت وطهرته. نظر ناصر إلى يده التى لم تكن بشريه بعد، لكن الحياه دبت خلالها. تستطيع أن تطلق عليه يد وليست أداة.
كانت زهره تمتم بكلمات غير مفهومه، لكنها توضح استيائها. وحين وقف ناصر أمام المرآه للمره الأولى يرى نفسه إنسان. نعم كان وجهه لازال يشبه المؤخره، لكنه وجه بشرى.
ثم إن هناك بعض المناطق فى جسده عادت لطبيعتها.
"رائع"، همس زكريا، بينما أطلقت نرجس ذغروته.
"ليس الآن"، همست زهره بأنزعاج. "من فضلكم اتركونى مع المريض."
ابتسم زكريا وجذب نرجس للخارج.
شرحت زهره لناصر تجربتها وأنها ستضطر لزيادة الحقن. ناصر الذى أبدى سروره لأن أخته من لحمه ودمه طبيبه ماهره.
قررت زهره تعديل جرعات العلاج.
بعد مرور أسبوع على بدء العلاج، جلست زهرة أمام ناصر تتفحص التقدم الذي أحرزه جلده تحت تأثير الخلايا الجذعية والعلاج بالضوء الحيوي.
كانت التغييرات موجودة، لكنها بطيئة مقارنة بما كانت تتوقعه. المناطق المحترقة أظهرت تحسن طفيف في الملمس واللون، لكن بعض الأنسجة كانت لا تزال قاسية ومتليفة.
أدركت أن الجرعة التي حددتها في البداية كانت محافظة جدا، فقد كانت تخشى ردود الفعل السلبية أو تكاثر الخلايا بطريقة غير متوقعة. لكن الآن، وبعد أن أثبتت الخلايا الجذعية قدرتها على التكيف مع البيئة المصابة دون مضاعفات، قررت زيادة الجرعة بشكل مدروس.
المرحلة الأولى: إعادة تقييم حالة الجلد.
أحضرت زهرة جهاز تحليل الأنسجة الحيوية، الذي يقيس معدل تجدد الخلايا وتدفق الدم في المنطقة المصابة. أظهرت البيانات أن التجدد يحدث، لكنه أقل من المطلوب، وكأن الجلد يحتاج إلى دفعة إضافية.
المرحلة الثانية: ضبط تركيز الخلايا الجذعية.
بدلًا من استخدام التركيز القياسي، قررت زهرة مضاعفة تركيز الخلايا الجذعية المحقونة بنسبة 1.5 إلى 2 ضعف الجرعة السابقة.
لكنها لم ترد المخاطرة بحقنها دفعة واحدة، لذا قسمت الجرعات على جلستين خلال 48 ساعة، لتراقب الاستجابة قبل إعطاء الجرعة الثانية.
المرحلة الثالثة: تعزيز امتصاص الخلايا.
لضمان استفادة الأنسجة بشكل أكبر، استخدمت إنزيمات محفزة للانتشار الخلوي قبل الحقن، مما يسمح للخلايا الجذعية بالاندماج بفاعلية أكبر مع الجلد التالف. كما قررت إطالة مدة التعرض للعلاج بالضوء الحيوي بنسبة 30%، حيث أثبتت الأبحاث أن الضوء يزيد من نشاط الخلايا الجذعية ويحفز إفراز عوامل النمو المهمة لترميم الجلد.
المرحلة الرابعة: المراقبة والتفاعل مع التغيرات.
بعد أول جلسة من الجرعة المعدلة، لاحظت زهرة أن الجلد بدأ يظهر احمرارًا أكثر من المعتاد، وهو ما قد يكون إشارة إيجابية على استجابة الخلايا، أو علامة على التهاب خفيف بسبب التحفيز الزائد. لهذا، قررت مراقبة الحرارة الموضعية والتفاعل المناعي قبل إعطاء الجرعة الثانية.
إن كان الجلد يستجيب بشكل طبيعي، فستكمل العلاج. وإن ظهر التهاب زائد، ستعدل تركيز الضوء وتضيف أدوية مضادة للالتهابات لتفادي أي مضاعفات.
المرحلة الخامسة: الاختبار النهائي.
في نهاية الجلسات المعدلة، كان على زهرة أن تنتظر 72 ساعة أخرى قبل الحكم على فعالية العلاج. لم يكن ناصر يتحدث كثيرًا، لكنه شعر بشيء مختلف في جلده، كما لو أن الأنسجة المحترقة بدأت تستعيد مرونتها بشكل أسرع من المتوقع.
الآن، كانت زهرة أمام مفترق طرق: هل نجحت تقنيتها بشكل كامل، أم أن هذه التعديلات ستجلب معها آثارًا جانبية غير محسوبة؟
مرت ثلاثة أسابيع منذ أن بدأت زهرة تعديل جرعات العلاج، وكانت تراقب بشغف كل تغيير يحدث في جلد ناصر. في البداية، لم يكن الفرق واضحًا، لكن تدريجيًا، لاحظت تحسنًا مذهلًا.
التغييرات الرئيسية التي رصدتها:
انخفاض مساحة الندوب: بدأت المناطق المحترقة تفقد صلابتها وتتحول إلى نسيج جلدي أكثر مرونة.
تحسن اللون والملمس: لم يعد الجلد مشدودًا ومتليفًا كما كان، بل أصبح أكثر تجانسًا مع الأنسجة المحيطة.
عودة الإحساس تدريجيًا: بعض المناطق التي فقدت الإحساس بسبب التلف العصبي بدأت تستجيب للمس والحرارة، مما أكد نجاح العلاج في تجديد الأعصاب.
انخفاض الالتهابات والتورم: بفضل تقنيتها في ضبط الجرعات ومراقبة ردود الفعل، لم تظهر أي مضاعفات خطيرة، وكانت النتائج أسرع من المتوقع.
لم يكن الجلد قد تعافى بالكامل، لكن النتائج كانت أقرب إلى المعجزة الطبية مقارنة بالحالات التقليدية لعلاج الحروق العميقة. فقد استعادت الأنسجة حيويتها بنسبة 80%، مما يعني أن ناصر لم يعد مضطرًا لتحمل الألم المستمر، ولم تعد الندوب عائقًا كبيرًا أمام حركته.
مع ذلك، لا تزال هناك بعض المناطق التي تحتاج لمزيد من الوقت والعلاج لاستعادة وظائفها بالكامل، لكن الأهم أن التجربة نجحت، وأثبتت زهرة أن علاج الحروق بالخلايا الجذعية والعلاج بالضوء الحيوي يمكن أن يكون بديلاً فعالًا عن العمليات الجراحية التقليدية.
وقف أمام المرآة، يمرر أصابعه فوق جلده، وكأنه لا يصدق أن هذا جسده بالفعل. لأول مرة منذ الحادث، لم يشعر بالألم عند تحريك ذراعه، ولم تكن الندوب قاسية كما اعتاد. استدار نحو زهرة، ثم قال بصوت منخفض:
"ما كنتش مصدق إن ده ممكن يحصل…"
لم تبتسم زهرة، لكنها شعرت بارتياح داخلي. لازالت تتذكر وقوفها أمام المرآه أول مرة وهي ترى ناصر يعاين جسده.
"الآن لست مضطر لارتداء قناعك عندما تخرج يا ناصر."
"لكن لازال هناك بعض العلاج."
"زهره، لست فأر التجارب الخاص بك، سأكتفي بهذا القدر."
"أنا كنت فين وبقيت فين؟"
"حسنًا، سننظر في أمرك في وقت لاحق. الآن خذ دوش وبدل ملابسك، سنخرج أنا وأنت في نزهة."
انتظرت زهره ناصر في الصاله رفقة والديها حتى خرج ناصر. لقد بدا إنسانًا مختلفًا.
في بنطاله الجينز وقميصه الكتان، أقسم إذا عاد إلى القرية حتى كريم نفسه لن يعرفه.
احتضن زكريا ناصر ثم نظر إلى زهره المتأنقه: "إلى أين إن شاء الله؟"
"سنخرج في نزهة يا بابا."
"نزهة من دوني؟"
"رجلي على رجلكم وهناخد الست الكركوبه دي معانا."
تذمرت نرجس لكن الابتسامه لم تغادر وجهها.
في الطريق كان ناصر يراقب الناس. تعود أن ينظر إليه الناس بسخرية أو تقزز. الآن راح يستشعر التحسنات التي حدثت في وجهه من خلال عيونهم.
لم يكن به شيء مختلف يدفع أحدهم للنظر إليه أكثر من مرة.
"إنه أمر رائع أن تعيش مثل البشر الطبيعين."
خضع ناصر لمزيد من التجارب وعمليات التجميل وأصبح أخيرًا مثل كل البشر الطبيعين، الهم من بعض الندوب التي تحتفظ بها ذاكرته.
بعد ثلاثة أعوام تزوجت زهره من طبيب شاب قابلته صدفه. ولم يمر سوى عامين آخرين حتى وجد ناصر نصفه الآخر.
كانا يعيشان في بيت زكريا ونرجس. نرجس التي كانت أن تحلم أم تسمع كلمة ماما أصبح لديها أحفاد تنسى أسماءهم من كثرة عددهم.
وبعد عمر طويل كان يمكنك رؤية نرجس وزكريا بشعرهم الأبيض يجلسان في الحديقة يحيط بهم أحفادهم.