تحميل رواية فراشة المقبرة بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حاجبه وهو يلوح بيده: اقتلوهم كلهم، مش عايز ولا واحد فيهم عايش. حاضر يا كبير. انطلقت الرصاصات من خارج المنزل، اخترقت الجدران وغمرت البيت القديم مثل غيمة ثقيلة. سمع صراخ ثم صراخ ثم خمد كل شيء. عندما انتهى الرجال، كان البيت يبدو من الخارج مثل غربال تبن. أطلق عمران ابتسامة وركل الباب واندفع للداخل يحمل بندقيته في يده. هذا جزاء من يقف في وجه عمران. وجد على النزاوى مرمي على الأرض في الصالة يحتضن طفلته الصغيرة. ركله عمران بقدمه: موت يا كلب. ثم دعس دماغه بقدمه. غير بعيد، كانت سوسن، امرأة على النزاوى، مر...
رواية فراشة المقبرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
رفع الرجل رأسه ببطء، نظر إلى العمدة بعيون أنهكها المرض، لكنه لم يتحرك. كأن الأوامر الصاخبة لم تصل إلى أذنيه، أو ربما وصلت لكنه لم يجد في نفسه الرغبة في تنفيذها.
زم العمدة شفتيه بضيق، ثم ألقى نظرة جانبية نحو التمرجي، الذي فهم الرسالة فورًا، فاندفع نحو المريض وأمسك بذراعه بخشونة، كأنه ينتزع جذعًا متيبسًا من الأرض.
"قلت لك قوم، العمدة بنفسه واقف قدامك!"
لكن قبل أن ينهض الرجل، وقبل أن يخطو العمدة خطوة أخرى داخل الوحدة، ارتفع صوت هادئ، ثابت، لكنه حاد كحد السكين:
"سيبه."
لم يكن هناك صراخ في نبرة زهرة، ولا غضب. فقط أمر واضح، جاف، لا يقبل النقاش.
التفت العمدة ببطء نحو مصدر الصوت.
ورآها.
كانت تقف بثبات، بملابسها الطبية البيضاء، يدها ما زالت ممسكة بالسماعة التي تدلت من عنقها، وشعرها مشدود في عقدة خلف رأسها. لم يكن في مظهرها شيء خارج عن المألوف، لكنها لم تكن مثل الأخريات.
العمدة علي النزاوي كان رجلًا اعتاد أن يرى الخضوع في أعين الناس قبل أن ينطقوا بأي كلمة، لكن في عيني هذه الطبيبة، لم يكن هناك شيء من ذلك.
كانت تنظر إليه مباشرة، دون تردد، دون خوف.
لم يجب على الفور، بل أخذ لحظة ليدرسها. راقب الطريقة التي وقفت بها، الطريقة التي لم تنحنِ فيها، لم تتهرب فيها من نظراته.
ثم، وببطء مدروس، ابتسم.
"الطبيبة الجديدة."
لم يكن سؤالًا، بل تأكيدًا.
أومأت زهرة برأسها دون أن تغير من وقفتها.
رفع العمدة يده إلى شاربه الطويل، مرر أصابعه عليه بتؤدة، ثم قال بصوت متثاقل:
"نحب نعرف مين اللي بيخدم عندنا."
"الطب لا يفرق بين الناس." ردت زهرة ببساطة، ثم أشارت بيدها نحو الرجل الذي كان التمرجي قد أجبره على النهوض. "وهذا المريض هنا قبلك، وعليه أن يكمل كشفه قبل أي شخص آخر، حتى لو كان العمدة نفسه."
ساد صمت ثقيل للحظات. في الركن، شعر التمرجي بالعرق يبلل قفا عنقه.
الرجال الواقفون في الزاوية تبادلوا نظرات سريعة، نصفهم ينتظر العاصفة، والنصف الآخر ينتظر المعجزة.
أما العمدة، فقد ضاقت عيناه قليلًا، لكنه لم يتحرك.
ثم فجأة، انفجر ضاحكًا.
ضحكة قوية، خشنة، تناثرت في أرجاء الوحدة الصحية كأوراق شجر في مهب ريح مفاجئة.
"هاهاها! والله حاجة!" قال وهو يهز رأسه، ثم نظر إليها نظرة طويلة، كأنه يزن شيئًا في داخله.
ثم صوب عينيه تجاه الرجل المريض، "قوم اكشف دا دورك."
تسمر الرجل فى مكانه لم يتحرك انش واحد. ارتعش جسده وبدا مثل دجاجه اغرقها المطر.
"قوم، مالك خايف ليه؟" خاطبته زهرة بنبره صادقه.
قال الرجل بتلعثم: "أنا بقيت كويس مش عايز أكشف."
صرخت زهرة: "خايف ليه؟"
"دا دورك ودور إلى بعدك، محدش هياخد دور أي حد طالما أنا هنا."
صوب علي النزاوي نظره مطولة على وجوه المرضى، نظره صارمه كلها تحذير.
ثم، بخطوات بطيئة، استدار ليغادر، لكنه قبل أن يصل إلى الباب، التفت إليها مجددًا وقال:
"هنشوفك قريب، دكتورة."
ثم خرج، وخلفه خيالات رجاله، تاركًا وراءه ثقلًا غير مرئي استقر في هواء الغرفة.
بدأ المرضى يغادرون الوحدة الصحية واحد تلو الآخر.
لم يتبقى ولا حتى مريض واحد.
الكل رفض أن يتلقى العلاج أو أن تعاينه الطبيبة زهره.
وقفت زهره في الشرفة غير مصدقة لما حدث، كانت متأكدة أنها فعلت الصواب.
بعد لحظات قررت أن تحتسي فنجان قهوة فدلفت تجاه الاستراحة.
كان مضى ربع ساعة عندما قدم التمرجي صارخًا:
"يا دكتوره يا دكتوره!"
"الحقي فيه واحد بيموت!"
تركت زهره فنجان القهوة وركضت على غرفة الكشف.
ولم تصدق نفسها، كان المريض نفسه كان عليه الدور الذي رفض أن تعاينه زهره مضرجًا في دمائه ينازع الموت.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
عندما دخلت زهرة إلى غرفة الكشف توقفت أنفاسها لوهلة.
كان الرجل ممددًا على الطاولة الخشبية القديمة، التي لطالما جلست عليها الأمهات بأطفالهن والرجال بأوجاعهم المزمنة، لكنه هذه المرة لم يكن مريضًا ينتظر تشخيصًا.
كان جسده مغطى بالدم، صدره يرتفع وينخفض بصعوبة، كأنه يحاول التشبث بآخر أنفاسه.
وضعت يدها على موضع النزيف في بطنه، حيث انغرس جرح عميق، ربما سكين، ربما شفرة حادة، الدم كان يتسرب من بين أصابعها، ساخنًا، لزجًا، ينذر بنهاية لا مفر منها.
"من فعل هذا؟" صاحت، وهي تضغط بيدها بقوة، تحاول وقف النزيف، رغم أنها كانت تعلم أن الأمر قد فات أوانه.
لكن لم يجبها أحد. التمرجي واقف عند الباب، جسده متوتر، عيناه تتحركان بقلق بين الرجل المحتضر والطبيبة التي تحاول إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه.
فتح الرجل المصاب عينيه بصعوبة، نظر إلى زهرة كأنها آخر شيء سيراه في هذه الدنيا. حاول أن يتحدث، شفتاه ارتجفتا دون أن تخرج الكلمات، ثم أخيرًا، همس بصوت خافت، متقطع:
"أولادي... يا دكتورة... خلي بالك منهم..."
شعرت زهرة بجسده يرتجف بين يديها، أنفاسه تتباطأ، عينيه تغيم. كانت قد رأت الموت من قبل، في المستشفيات الكبيرة حيث كانت تتدرب، لكنها لم تره بهذه القسوة، في غرفة ضيقة، على طاولة قذرة، لرجل لم يسمح له حتى بأن يمرض في سلام.
ثم، في لحظة، سكن جسده تمامًا.
أبعدت يديها ببطء، أناملها ملطخة بالدم الذي بدأ يبرد. حدقت في وجهه للحظة، كأنها لا تصدق أنه مات بهذه السرعة، بهذه السهولة، كأن الحياة نفسها كانت تنتظر لحظة ضعفه لتنتزعه دون رحمة.
استدارت بحدة نحو التمرجي:
"اتصلوا بالشرطة فورًا!"
لكن التمرجي لم يتحرك. فقط خفض رأسه، ولم ينبس بكلمة.
"قلت اتصلوا بالشرطة!" صرخت، والغضب والذهول يتشابكان في صوتها.
رفع التمرجي عينيه ببطء، نظر إليها كأنه يراها لأول مرة، ثم قال بصوت خفيض:
"مفيش حد هيبلغ، يا دكتورة."
حدقت فيه، غير مستوعبة.
"إيه!"
أخذ خطوة للوراء، كأنه يهرب من نظراتها.
"إحنا هنا... مفيش حاجة اسمها شرطة... مفيش حد بيشتكى."
شعرت بقشعريرة باردة تزحف على جسدها، كما لو أن يدًا خفية أحكمت قبضتها على عنقها. نظرت إلى الرجل الميت، ثم إلى التمرجي، ثم إلى الباب الذي بدأ الناس يقفون عنده، يراقبون بصمت، وجوههم خاوية من أي تعبير.
"يعني إيه!" سألت بصوت مرتجف، رغم محاولتها للتماسك.
جاءها الرد من أحد الرجال الواقفين عند الباب، بنبرة هادئة، كأنما يشرح أمرًا بديهيًا:
"يعني مفيش جريمة حصلت، يا دكتورة."
ابتلعت ريقها.
"بس الراجل مات قدامي...!"
"محدش شاف حاجة."
"لكن—"
قاطعتها امرأة عجوز بصوت متعب:
"سيبيه في حاله يا دكتورة... وكمّلي شغلك."
شعرت زهرة وكأنها علقت في كابوس، كأنها في عالم موازٍ، حيث الجريمة تُمحى بمجرد أن يرفض الجميع الاعتراف بها. نظرت مرة أخرى إلى الجثة، ثم إلى العيون المتفرجة، وبدأت تدرك الحقيقة.
هنا، الموت ليس مجرد نهاية. الموت هنا رسالة.
جاء الليل ومعه جاء الدفن.
لم تكن هناك جنازة كما يحدث في القرى الأخرى. لم تكن هناك زغاريد النساء الكبيرات وهن يودعن الميت، ولا صفوف الرجال تتقدم في صمت مهيب خلف الجثمان. لم يكن هناك سوى صمت ثقيل، كأنه الغبار الذي يسبق العاصفة.
حُمل الجسد إلى المقبرة على عربة خشبية قديمة، تآكلت أطرافها من الزمن، يجرها حمار هزيل، عيناه معتمتان كأنه يدرك المصير البائس لمن يحمل.
لم يسر خلفه إلا رجلان فقط، أحدهما حفّار القبور العجوز، والآخر ابن عمه، الذي مشى برأس منخفض، وكأنه يخشى أن يراه أحد فيُحسب عليه أنه شارك في الجنازة.
لم يجرؤ أحد من رجال القرية على الحضور.
كانوا يعرفون أن مجرد الوقوف في الجنازة قد يكون بمثابة توقيع على حكم غير مكتوب، وقد تكون العواقب ثقيلة، أثقل من أن يتحملها أي رجل لديه بيت وأولاد.
لكن النساء كن هناك، على بعد خطوات من المقبرة، متشحات بالسواد، يراقبن في صمت، وبعضهن يخفي وجوههن خلف أطراف الأوشحة خوفًا من أن تُرى دموعهن.
أما زوجته، فكانت مختلفة.
وقفت أمام بيته الطيني، حيث جلست طوال النهار تبكي دون توقف، حتى جفت دموعها وصار صوتها أجشًا كصوت الرياح التي تهب قبل الشتاء. كانت ممسكة بطفليها الصغيرين، أحدهما لم يتجاوز الثالثة، والآخر رضيع يتشبث بثوبها وكأنه يشعر باليتم قبل أن يفهم معنى الموت.
"مين هايربيهم!" صاحت فجأة، بصوت كسر الصمت كأنه حجر ألقي في بئر عميقة.
لم يجبها أحد.
"مين هايربيهم!" صرخت مرة أخرى، ونظرت حولها، تبحث عن أي وجه يمكن أن يعطيها إجابة.
لكن الوجوه كانت مكسورة، مطأطأة، تتجنب النظر إليها.
اقتربت منها امرأة عجوز، وضعت يدها على كتفها في محاولة يائسة لتهدئتها، لكن الأم الشابة دفعت يدها بعيدًا، وصرخت:
"جوزي مات! قتلوه قدام عنيكو! وانتو واقفين ساكتين!"
أطبقت أناملها على كتفي طفلها الأكبر، الذي كان ينظر إلى القبور بعينين واسعتين، كأنه لا يفهم ما يحدث، لكنه يشعر أن شيئًا كبيرًا سُلب منه.
"هتسيبوني لوحدي؟" سألت بصوت خافت، متوسلًا، كأنها تنتظر أن ينشق أحدهم عن صمته.
لكن الرد كان نفس الصمت، نفس الخوف الذي جعل الرجال يختبئون في بيوتهم، والنساء يسرن بسرعة قبل أن يُسألن لماذا وقفن طويلًا.
وفي النهاية، حين انتهى الدفن، وانطفأت الفوانيس القليلة التي كانت تضيء الطريق إلى المقبرة، عادت الزوجة إلى بيتها، وحيدة.
أما القرية، فقد استمرت كأن شيئًا لم يكن. كأن الحياة لم تُنتزع من رجل كان يمشي بينهم قبل يوم واحد فقط. كأن الموت هنا لا يُسجَّل، بل يُطوى في العتمة، مثل سر قديم لا يجرؤ أحد على نطقه.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
في اليوم التالي للدفن، عندما هدأت الأصوات وانطفأت المشاعل، ظلت الأرملة الشابة جالسة أمام بيتها، تحضن طفلها الرضيع بينما ينام الآخر على حجرها.
لم تكن تبكي، لم يتبقَ في عينيها دموع. فقط نظرة خاوية، كأن روحها غادرت مع زوجها إلى القبر.
مع شروق الشمس، انتشر في القرية خبر لم يتوقعه أحد: علي النزاوي يريدها هي وأبناءها في بيته.
لم يكن أحد يجرؤ على عصيان أوامر علي النزاوي، عمدة القرية وصاحب النفوذ فيها. كان رجلاً لا يعرف الرحمة، لا يُعرف إن كان عادلًا أم ظالمًا، فقط يُعرف أن كلمته تُنفذ، سواء أراد الناس ذلك أم لا.
أرسلت خادمة من خدمه إلى بيت الأرملة، وقفت عند الباب وقالت بصوت حازم:
— "الحاج عايزك دلوقتي."
رفعت المرأة رأسها، حدقت في الخادمة، لم تقل شيئًا، فقط شدّت الطفلين إلى صدرها كأنها تستعد لعاصفة أخرى.
لكنها وقفت في النهاية، وسارت معها، وسط أنظار أهل القرية الذين تظاهروا بعدم رؤيتها، وكأنهم لم يسمعوا بالخبر، وكأن الأمر لا يعنيهم.
حين وصلت إلى بيت النزاوي الكبير، كان الرجال قد اجتمعوا في الساحة أمامه. وقف علي النزاوي في المنتصف، بملامحه الجامدة التي يصعب فهمها، عيناه تتفحصان المرأة التي وقفت أمامه بشجاعة مستمدة من الألم، لا من القوة.
نظر إلى الطفلين، ثم رفع صوته قائلًا أمام الجميع:
— "العيال دول ولادنا، من النهارده تحت حمايتي وانا هتكفل بيهم."
ساد الصمت، كان ذلك إعلانًا رسميًا، أمرًا غير قابل للنقاش.
لم تنطق المرأة بكلمة، لم تشكر ولم تعترض، فقط نظرت إلى الرجل العجوز بعينين ساكنتين، ثم إلى الجمع من حولها. كانوا يراقبون، بعضهم بفضول، بعضهم بارتياح لأنهم لم يعودوا مضطرين إلى التفكير في مصيرها.
أما علي النزاوي، فاكتفى بتلك النظرة، وأمر خدمه:
— "خدوهم جوا حضرولهم اوضه وخليهم ياكلو."
في تلك الليلة، جلست زهرة وحدها في غرفتها الصغيرة داخل الوحدة الصحية. كان المصباح الخافت يبعث ضوءًا أصفر شاحبًا، يكاد لا يبدد العتمة من حولها. الهواء ثقيل، والجدران تضيق عليها أكثر مما هي ضيقة بالفعل.
يدها ما زالت تحمل آثار دم الرجل الذي مات أمامها، رغم أنها غسلتها مرات ومرات. كانت تشعر أن الدم التصق بأناملها، تسلل تحت جلدها، ولن يزول أبدًا.
لم تستطع أن تمنع عقلها من إعادة المشهد، مرة بعد مرة. كيف كان مستلقيًا على الطاولة، كيف تلاشت الحياة من عينيه بينما كانت تحاول يائسة أن تبقيه حيًا. كيف كان يمسك بيدها في لحظاته الأخيرة، كأنه يستجدي منها شيئًا لا تستطيع منحه.
لكنها كانت تعرف الحقيقة.
لو لم تتدخل أمام العمدة… لو لم تصر على حقه في الكشف… لو لم تجبره على الوقوف في وجه من لا يُقف أمامه… ربما كان سيظل حيًا الآن.
شعرت بغصة تخنقها، كأن يديها هما من ضغطتا على عنقه وخنقتاه، وليس اليد التي أمسكت بالسكين وطعنته في الظلام.
"أنا السبب."
كان صوتًا يهمس داخل رأسها، لا يتوقف.
"أنا السبب."
وضعت رأسها بين يديها، تحاول أن تدفع الأفكار بعيدًا، لكن كيف يمكنها أن تفعل ذلك؟ كيف يمكنها أن تغفر لنفسها؟
لقد جاءت إلى هذه القرية لتكون طبيبة، لتساعد الناس، لتمنحهم حياة أفضل، لكنها في النهاية، تسببت في موت أحدهم.
ابتلعت غصتها، لكنها لم تستطع منع الدموع التي تجمعت في عينيها.
"كان يجب أن أسكت."
"كان يجب أن أتركه وشأنه."
لكنها لم تسكت. والآن، هناك طفلان صغيران بدون أب، وامرأة مكسورة بلا زوج، وعينان أخيرتان انطفأتا إلى الأبد لأنها أرادت أن تكون شجاعة.
شعرت برغبة في الصراخ، في تكسير كل شيء حولها، في الركض بعيدًا عن هذه القرية وعن كل شيء فيها. لكنها لم تفعل.
فقط جلست هناك، في العتمة، مع الذنب الذي التصق بها مثل ظل لا يمكن الهروب منه.
في بيت العمدة علي النزاوي، كانت الأرملة تتحرك كالشبح، لا صوت، لا اعتراض، فقط خطوات حذرة بين جدران لم تعتدها، وأشغال لم تخترها.
كان البيت كبيرًا، أكبر مما تخيلت، لكنه لم يكن دافئًا. كان باردًا رغم حرارة الصيف، جدرانه تخنق أكثر مما تحمي، وأروقته الطويلة تبعث شعورًا غريبًا بعدم الأمان.
منذ اليوم الأول، فهِمت ما هو مطلوب منها، العمل، الخدمة، ألا تُرى ولا تُسمع.
كانت تغسل الصحون، تمسح الأرض، تطهو، تفعل كل ما يُطلب منها، دون أن ترفع رأسها.
لكن العمدة كان يراها.
في كل مرة دخلت الغرفة لتضع الطعام، في كل مرة انحنت لترفع آنية، كان يراقب، لم يكن يتحدث كثيرًا، فقط يجلس في مقعده الجلدي الكبير، صامتًا، لكن عيناه تتبعانها أينما تحركت.
لم تكن بحاجة لأن تنظر إليه لتعرف ذلك، كانت تشعر به. كانت نظراته تثقل خطواتها، تجعل أنفاسها مضطربة، كأن الهواء في الغرفة أصبح أكثر كثافة.
في بعض الأحيان، حين تمر بجواره، تلمح ابتسامة خفيفة، بالكاد مرئية، لكن معناها واضح.
لم يكن ينظر إليها كخادمة. كان ينظر إليها كشيء يخصه. شيء سيناله، عاجلًا أم آجلًا.
وفي الليل، حين يخلو البيت من ضوضاء النهار، حين ينام الجميع، كانت تعلم أن نظراته ما زالت هناك، تنتظر.
رواية فراشة المقبرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
مرت الأيام على زهرة وكأنها فقدت الإحساس بالزمن. كانت تستيقظ كل صباح، ترتدي معطفها الأبيض، تخرج إلى الوحدة الصحية، ثم تعود في المساء دون أن تشعر كيف انقضى اليوم.
لم تعد ترى المرضى، لم تعد تفكر في التشخيصات، لم تعد تهتم بأي شيء سوى أن تنهي عملها وتمضي.
لم تكن زهرة كما كانت، لم تكن تلك الطبيبة التي جاءت إلى القرية بعزم وإصرار، تؤمن أنها تستطيع أن تصنع فرقًا. أصبحت شيئًا آخر... آلة تعمل بلا إحساس، بلا روح، تؤدي واجبها كأنه عقاب، كأنه مجرد وقت يجب أن تمضي خلاله حتى ينتهي يومها.
لكن أهل القرية لم يكونوا كما كانوا أيضًا.
لم ينسَ الناس ما حدث، لم ينسَوا أنها كانت السبب في موت الرجل. لم ينسوا أنها وقفت في وجه العمدة، ثم تراجعت، ثم مات الرجل بعد كل ذلك.
في البداية، كانت النظرات فقط... نظرات مليئة باللوم، بالاتهام، أحيانًا بالاحتقار، وأحيانًا بالشفقة. ثم بدأ الأمر يتطور.
في البداية، كان بعضهم يتجنب دخول الوحدة الصحية عندما تكون هناك، يأتون فقط عندما يكون الطبيب البديل متواجدًا، أو يذهبون إلى "الداية" القديمة في القرية، حتى لو لم تكن تعرف شيئًا عن الطب.
ثم بدأ الهمس...
"لو ما كانتش اتكلمت، كان زمانه عايش..."
كانت تسمع هذه الكلمات كأنها طعنات خفية، كأنها أصوات تأتي من ظلام عقلها المرهق، تلاحقها حتى في وحدتها.
ثم جاء اليوم الذي كاد أن يكسرها تمامًا.
كانت تحاول فحص طفل صغير جاءته نوبة شديدة من الحمى. حاولت تهدئة والدته، لكنها لم تستمع، فقط انتزعت طفلها من بين يديها وصرخت:
"سيبينا في حالنا!"
وقف الجميع في الوحدة الصحية، يراقبون، بعضهم صامت، وبعضهم يهز رأسه موافقًا، وبعضهم يتهامس في ركن الغرفة. أما زهرة، فوقفت هناك، باردة، متيبسة، كأن الكلمات لم تصل إليها. لكنها وصلت. ووصل الألم معها.
في تلك الليلة، جلست في غرفتها، نفس الغرفة التي احتضنت وحدتها منذ أن جاءت إلى هنا، نظرت إلى يديها، اليدين اللتين كانتا ترتعشان يوم مات الرجل بين أصابعها، والآن أصبحتا جامدتين، كأنهما لم تعودا جزءًا منها.
همست بصوت بالكاد تسمعه:
"ليه جيت هنا؟"
لم تكن تنتظر إجابة.
لم تعد زهرة قادرة على الاحتمال، لم يكن الأمر مجرد نبذ أهل القرية لها، ولا نظراتهم التي تحمل اتهامات غير منطوقة، بل ذلك الإحساس الثقيل الذي أصبح يلازمها... الإحساس بأنها لم تعد تنتمي إلى هذا المكان، بأنها أصبحت غريبة عنه كما هو غريب عنها.
في صباح يومٍ لم يختلف عن غيره، دخلت مكتبها في الوحدة الصحية وكتبت طلبًا رسميًا لنقلها، لم تفكر كثيرًا، لم تتردد.
فقط أمسكت القلم، وخطّت الحروف بثبات، كأنها تحاول أن تنتزع نفسها من هذا المكان قبل أن يبتلعها تمامًا.
قبل أن ترسل الطلب، جاءها استدعاء غير متوقع.
"العمدة عايزك في بيته."
لم يكن هذا طلبًا، كان أمرًا.
وقفت زهرة أمام الرجل المسلح الذي يضع بندقية فوق كتفه في وسط النهار دون أن يخشى أحد. رفعت حاجبها باستنكار وصرخت:
"ابعد من هنا قبل ما أطلب لك الشرطة!"
ابتسم الحارس:
"شرطة؟ مفيش شرطة هنا، إحنا الشرطة، إحنا اللي بنمسك المجرمين ونقدمهم للشرطة."
كاد الأمر أن يتطور حتى تدخل الطبيب البديل وعرض أن يذهب مكان زهرة لبيت العمدة ويوقع الكشف عليه.
لكن الحارس نهر الطبيب المسن وكاد أن يبهدله وسط الناس.
رفعت زهرة يدها.
"خلاص!"
خلصت زهرة الطبيب من يد الحارس وصرخت:
"خلاص هروح معاك."
عندما وصلت إلى بيت العمدة، استقبلها الخدم بوجوه جامدة، قادوها إلى الداخل حيث كانت الأجواء مختلفة عن كل مرة زارته فيها من قبل. هذه المرة، لم تكن مجرد ضيفة عابرة أو طبيبة جاءت لزيارة عادية.
هذه المرة، كانت وحدها، في بيته، بدعوة مباشرة منه.
قادوها إلى غرفة جلوس واسعة، حيث كان يجلس هناك، علي النزاوي، في مقعده الجلدي، ينظر إليها بنظرة لا يمكن تفسيرها بسهولة. لم يكن في عينيه الغضب الذي توقعته، ولا اللامبالاة التي أظهرها في الماضي، بل شيء آخر... شيء لم تستطع فهمه.
"سمعت إنك مش عايزة تكشفي عليه يا دكتورة، هي دي أخلاق الدكاترة؟"
رفعت زهرة صوتها بغضب:
"إنت سايب رجالتك يرهبوا خلق الله ويتهجموا على الناس المحترمة ومبسوط؟"
صرخ العمدة على النزاوي:
"مين عمل كده؟"
"واد يا جبالي عملت إيه يا كلب؟"
وقبل أن يرفع الحارس صوته، صفعه علي النزاوي على وجهه.
"اصرخ بندور كتفه في النخلة!"
"خلاص!" صرخت زهرة بخوف.
لكن علي النزاوي نزع جلبابه كأنه شاب في العشرين وأمسك سوطه وجلد جبالي حتى قطع جلبابه ومزق ظهره.
جلس علي النزاوي على مقعده.
ورفع كوب الشاي إلى شفتيه، ثم وضعه دون أن يشرب.
ثم همس بنبرة محايدة:
"قبل ما تمشي ممكن تكشفي عليّ؟"
شعرت زهرة بالحرج. سألت:
"دلوقتي؟"
"دلوقتي."
فتحت زهرة حقيبتها الطبية وأخرجت السماعة. حاولت أن تتعامل مع الأمر كما تتعامل مع أي مريض آخر.
لكنها عندما اقتربت منه، عندما وضعت يدها على معصمه لتقيس نبضه، وعندما رفعت عينيها لتلتقي بعينيه...
حدث شيء غريب.
شيء تحرك في داخلها، شيء لم تشعر به منذ زمن.
لم تكن نظراته مجرد نظرات رجل مريض، ولا كانت نظرات عمدة مسيطر يريد أن يثبت سلطته. كانت عميقة، قوية، وفيها ظل لشيء تعرفه... شيء ظنته مات منذ زمن.
شعرت للحظة كأنها عادت بالزمن إلى الوراء، إلى مكان آخر، إلى وجه آخر، إلى عينين كان لهما نفس الوقع، نفس القوة، نفس السطوة.
تجمدت أصابعها على معصمه، والتقت عيناها بعينيه في صمت طويل.
لكنها لم تقل شيئًا.
ولم يقل هو شيئًا.
فقط، ظل ذلك الإحساس معلقًا بينهما، كأن الماضي تسلل إلى الحاضر دون إذن.
فقط كانت تغرق أكثر... وأكثر...
شيء تعرفه داخله ولا تعرفه أنت، نبض غامض خافت خائف غاضب يتحرك داخل صدرك بلا توقف.
رواية فراشة المقبرة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
خرجت زهرة من بيت العمدة بخطوات ثقيلة، كأنها تخوض في وحل غير مرئي.
الهواء البارد لفح وجهها، لكنه لم يكن كافيًا ليوقظها من الشرود الذي غرقت فيه.
كان الشارع هادئًا، لكنها شعرت بعيون تراقبها من الظلال، من خلف النوافذ، من زوايا الأزقة الضيقة.
لم يكن أحد قد قال شيئًا، لكن الصمت كان أكثر صخبًا من أي كلمات.
حين وصلت إلى الوحدة الصحية، وجدت بعض النساء الجالسات عند المدخل، يتهامسن بصوت منخفض، وحين رأينها، تلاشى همسهن، واستبدلنه بنظرات حادة، ثقيلة، كأنها تحمل اتهامًا خفيًا.
اتهام يخاف المرء التصريح به حتى لا يناله عقاب الجلاد.
"إيه اللي وداها هناك؟"
كلمات متناثرة كانت تصل أذنيها مثل الحصى، لم تلتفت، لم ترد، فقط واصلت سيرها، لكنها شعرت بشيء يتحرك داخلها، شيء لم تشعر به منذ زمن طويل.
عندما دخلت غرفتها، خلعت معطفها الطبي وألقت به على الكرسي، اقتربت من المرآة، نظرت إلى نفسها، لكن ما رأته لم يكن مجرد انعكاس وجهها.
بل كان وجهه.
تلك العيون.
تلك النظرة.
تلك النبضات الغامضة التي ارتجفت تحت جلدها حين لمست معصمه.
أين رأيته من قبل؟
لم يكن مجرد عمدة قرية، لم يكن مجرد رجل صاحب سلطة، لم يكن حتى مجرد مريض يحتاج إلى الكشف.
كان شيئًا آخر... كان ظلًا من الماضي، منسيًا لكنه لم يمت، مختبئًا لكنه لم يختفِ تمامًا.
وضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة دقات قلبها المتسارعة.
لم يكن هذا مجرد شعور بالانجذاب، لم يكن خوفًا، لم يكن ارتباكًا عاديًا.
بل كان شيئًا أعمق.
شيئًا يشبه الذكرى.
لكنه لم يكن ذكرى.
كان شيئًا آخر... شيئًا مجهولًا، لكنه مألوف بطريقة تخيفها.
***
في المساء، وبينما كانت زهرة جالسة في غرفتها تحاول التركيز على قراءة بعض الأوراق الطبية، جاءها صوت طرق خفيف على الباب، لم تكن تتوقع أحدًا، فمنذ أن قررت الرحيل عن القرية، لم تعد تختلط بأحد.
قامت متثاقلة وفتحت الباب، لتتفاجأ بوالدتها، نرجس، واقفة هناك بملامح متعبة لكن عينيها تلمعان بقلق أمومي مألوف.
"إيه المفاجأة دي، ماما؟"
لم ترد نرجس مباشرة، فقط حدقت في وجه ابنتها، كأنها كانت تحاول فك شفرة مشاعرها، ثم ابتسمت نصف ابتسامة وقالت:
"مش هتدخليني ولا إيه؟"
تنحت زهرة جانبًا، وسمحت لها بالدخول، لكن قبل أن تغلق الباب، شعرت بشيء يندس بين قدميها ويدخل مسرعًا إلى الداخل.
الهرة ميمي.
تلك القطة المشاغبة التي كانت زهرة قد تركتها في بيت والدتها قبل شهور، ظنًا منها أنها لن تراها ثانية، لكن ميمي كانت لديها خطط أخرى.
ورغم عجزها فقد قفزت على السرير وكأنها تعلن بوضوح أنها لن تغادر.
"أنا ما جبتهاش، هي اللي جت! فضلت تلحقني لحد ما ركبت الميكروباص، ولما وصلت هنا، نطّت من الشنطة كأنها بتقوللي خلاص، أنا هفضل هنا."
بقيت نرجس يومين مع زهرة، لم تسألها مباشرة عما يضايقها، لكنها كانت تراقبها بعين الأم التي ترى ما لا يُقال.
حاولت زهرة أن تبدو طبيعية، أن تخفي اضطرابها، لكنها لم تستطع خداع والدتها.
في صباح اليوم الثالث، قررت نرجس الرحيل، وقفت عند الباب، تمسح على شعر ابنتها بحنان، وقالت:
"أنا ماشية، بس إنتِ عارفة إنك تقدري تكلميني في أي وقت، صح؟"
"عارفة، ماما."
"أنا مش مطمنة عليكي، زهرة. فيه حاجة مضايقاكي، وأنتِ مش عايزة تقولي."
ابتسمت زهرة ابتسامة واهية، وقبلت يد والدتها.
"أنا كويسة، متقلقيش."
لكن نرجس لم تصدقها، رغم أنها لم تلحّ بالسؤال، تركت ابنتها على باب الوحدة الصحية، بينما الهرة ميمي جلست عند قدمي زهرة معلنة قرارها النهائي البقاء مع زهرة.
في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت زهرة ترتب بعض الملفات في مكتب غرفة الكشف، سمعت صوت خطوات ثقيلة عند الباب، رفعت رأسها، لتجد العمدة علي النزاوي واقفًا هناك، يملأ حضوره المكان كعادته.
كانت نظراته مختلفة هذه المرة... أكثر عمقًا، أكثر بطئًا، كأنه كان يراها بطريقة لم يرها بها من قبل.
"مشغولة يا دكتورة؟"
أغلقت الملف بهدوء، وقالت دون أن تتوتر:
"لأ، تحت أمرك."
تقدم بخطواته الواثقة، ثم جلس على الكرسي المقابل لها، استرخى في جلسته لكنه لم يرفع نظره عنها.
"أنا جاي النهارده مش علشان أكشف، أنا جاي علشان أفهم."
قطبت زهرة حاجبيها قليلًا، لم تقل شيئًا، فواصل هو، بنبرة هادئة لكنها مشحونة بشيء لم تستطع فهمه تمامًا:
"إنتِ عارفة إنك مش طبيعية، صح؟"
اتسعت عيناها قليلًا، فابتسم هو ابتسامة خافتة، كأنه استمتع بمفاجأتها.
"ما تفتكريش إني واحد بسيط، يا دكتورة، أنا راجل بيعرف يشوف اللي الناس مش بتشوفه، وعارف إنك من يوم ما حطيتي إيدك عليا، وأنتِ مشغولة بحاجة... ومش قادرة تهربي منها."
شعرت زهرة بانقباض في صدرها، لكنها تماسكت، وقالت بثبات:
"أنا دكتورة، ولمست المرضى شيء طبيعي في شغلي."
وقفت الهره ميمى بحذر تحدق بعلى النزاوى وشيء داخلها يرجف بقوة.
بينما ضحك العمدة ضحكة قصيرة، ثم انحنى للأمام، ليقول بصوت خفيض لكنه عميق وهو يبرم شاربه:
"لمساتك دي... خلت قلبي يمرض."
تسارعت أنفاسها دون أن تدرك، بينما كانت نظراته تزداد ثباتًا، كأنه لم يقل مجرد كلمات، بل ألقى شيئًا في الهواء، شيء ثقيل، شيء لن تستطيع التظاهر بأنها لم تسمعه.
لكنه لم يعطها فرصة للرد، وقف بهدوء، ثم قال قبل أن يغادر:
"سلام يا دكتورة."
وغادر، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا... وإحساسًا عميقًا لم تستطع تسميته.
طلت نظره غريبه من عين الهره ميمى قبل أن تقول رجل شرير.
لكن كان هناك شيء اخر داخل ميمى شيء أعمق من مجرد الاحساس، شيء يخبرها انها تعرف هذا الرجل وربما رأته قبل ذلك.
رواية فراشة المقبرة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
كانت زهرة تجلس على العتبة الحجرية أمام الوحدة الصحية، تضع كوب الشاي الساخن بين يديها، تشعر بحرارته تخترق جلدها البارد.
كانت الشمس تتسلل بين أغصان الأشجار المتناثرة، تلقي بوهجها الذهبي على الأرض الرطبة، فيما كانت رائحة الحقول تعبق في الهواء، ممزوجة بنسيم الصباح النقي.
بالطو الأطباء الأبيض كان ما زال على كتفيها، مفتوحًا قليلًا، يتراقص مع النسمات الخفيفة.
لم تكن في عجلة من أمرها، ولم يكن هناك مرضى بعد، فالساعات الأولى من النهار عادة ما تكون هادئة، خالية إلا من خطوات الفلاحين البعيدين وأصوات الطيور المتناثرة في السماء.
إلى جانبها، جلست الهرة ميمي، ملتفة على نفسها في كسل، كأنها تستمتع هي الأخرى بدفء الشمس.
كانت عيناها نصف مغمضتين، لكنها لم تكن نائمة تمامًا، فقط مسترخية في يقظة خفيفة.
كانت ترفع أذنًا وتخفض الأخرى، تراقب محيطها بحذر كسول، بينما ذيلها يتحرك ببطء فوق الأرضية الصخرية.
رشفت زهرة القليل من الشاي، ثم مررت أصابعها على فرو ميمي الناعم، شعرت بالدفء الذي ينبعث منها، وكأنها مخلوق صغير يحمل حرارة الحياة نفسها.
— "ميمي؟" همست زهرة وهي تنظر إلى الأفق.
"هو ممكن فيه حاجات تفضل تلاحقنا حتى لو إحنا منعرفهاش."
رفعت ميمي عينيها المتعبه، "هذا كلام مجانين يا زهرة. كل ما نشعر به يكون له سبب، ربما الآن، ربما في الماضي، لكنه موجود."
طرقت زهرة تجاه الحقول الشاسعة، "مش عارفة ليه حاسة إني كنت هنا من قبل، حاسة إني أعرف المكان بكل تفاصيله، حاجة جوايا بتغلي من غير توقف وبتمنعني أبطل تفكير في الشعور ده."
لم تتحرك ميمي، لكنها أصدرت صوت خرير خافت، كأنها تفهم ما تقوله زهرة، أو على الأقل تشعر به.
عيناها، رغم استرخائهما، كانتا تراقبان شيئًا بعيدًا.
كانت تتجه بنظرها نحو الحقول الممتدة على مرمى البصر، تلك الحقول التي يكسوها اللون الأخضر العميق، متمايلة مع النسيم كبحر ساكن.
وفجأة، بدون إنذار، قفزت ميمي.
تحركت بسرعة مفاجئة، قفزت من حجر زهرة بخفة، ثم انطلقت نحو الحقول كأن شيئًا استدعاها هناك.
— "ميمي!" نادت زهرة، لكن الهرة لم تتوقف.
رقبتها زهرة وهي تختفي بين الزراعات العالية، كان ذيلها الأبيض آخر ما رأته قبل أن تبتلعها الخضرة تمامًا.
شعرت زهرة بانقباض في قلبها، إحساس غامض لم تفهمه، كأن ميمي لم تذهب لمطاردة عصفور أو اللعب في الطين، بل لسبب آخر... سبب أعمق، مجهول، وربما... مألوف بطريقة مخيفة.
***
على أطراف القرية، حيث لم يعد أحد يمر إلا قليلًا، وقفت بقايا المنزل الذي التهمته النيران منذ سنوات طويلة.
كان البناء قد فقد ملامحه، لم يبقَ منه سوى جدران سوداء، متفحمة كعظام محترقة، وسقف منهار لم يترك سوى بعض الأخشاب الملتوية، كأصابع ممدودة تطلب النجدة بعد فوات الأوان.
الأبواب اختفت، والنوافذ لم تعد سوى فتحات خاوية تنظر إلى الفراغ، كأنها عيون مفتوحة على الحزن الأبدي.
كانت الأرضيات مغطاة بطبقة من الرماد القديم، ممزوجة بتربتها الأصلية، حتى صار من الصعب التفريق بين ما كان جزءًا من البيت، وما كان جزءًا من الأرض التي ابتلعته.
كانت الرياح تتسلل عبر الفتحات، تصدر أصواتًا كأنها أنين خافت، فيما العشب البري نبت بين الشقوق، يحاول أن يغطي آثار الخراب، لكنه لم ينجح في طمس الندوب التي تركها الحريق.
توقفت ميمي.
كانت عيناها تتسعان ببطء، كأن شيئًا كان يعود إلى ذاكرتها، شيئًا لم تكن تريد تذكره.
تقدمت خطوة، ثم خطوة أخرى، كانت أقدامها الصغيرة تخطو فوق الرماد البارد، لكنها شعرت بحرارته تحرق جلدها كما لو أن النيران لم تنطفئ أبدًا.
هنا، في هذا المكان، كانت هناك صرخات.
هنا، كانت ألسنة اللهب تلتهم كل شيء، تسرق الهواء، وتغلق كل الممرات.
هنا، كانت أمها، بقفزاتها المرتبكة، تحاول الفرار، لكن الدخان كان أسرع.
وهنا، كانت هي، صغيرة جدًا، لا تفهم لماذا أصبح العالم كله نارًا، ولماذا تحول الدفء إلى موت.
تذكرت كيف دفعتها والدتها إلى ثغرة صغيرة بين الجدران، كيف ضغطت بجسدها النحيل حتى خرجت إلى الهواء البارد، بينما بقيت الأم هناك... خلف الجدار، بين النيران، لم تخرج أبدًا.
لم يكن هناك وقت للبكاء حينها، كان هناك فقط الجري، الجري بعيدًا، حتى لم تعد الرائحة تلتصق بأنفها، حتى لم تعد عيناها تحترقان من الدخان.
والآن، بعد كل تلك السنوات، عادت إلى هنا.
عادت، وكأن شيئًا ما ناداها.
رفعت رأسها ببطء، نظرت إلى الظلال المتراكمة داخل الأطلال، إلى الفراغ الذي خلفته النيران، ثم إلى السماء التي كانت صافية بشكل مخيف.
تتذكر شريط حياتها الطويل.
حينها انطلقت ميمي من بين أنقاض المنزل المحترق، لم تكن تملك وجهة، فقط غريزة البقاء كانت تدفعها للأمام.
كانت صغيرة جدًا، بالكاد تفطم عن أمها، والبرد كان قاسيًا، لكن شيئًا آخر كان أقسى... الوحدة.
في الأيام الأولى، اختبأت بين الأحراش القريبة، في حفر صغيرة تحت جذور الأشجار، تتحرك فقط حين يجنّ الليل، تبحث عن أي شيء يبقيها على قيد الحياة.
لم تكن تعرف الصيد بعد، ولم تكن هناك أم تعلمها، فاضطرت إلى التقاط الفتات، تتسلل إلى البيوت البعيدة، تسرق لقيمات من بقايا الطعام الملقى.
لكن الحياة في البرية لم تكن سهلة، كانت هناك كلاب تتربص، وأعين بشرية تلمحها من بعيد فتقذفها بالحجارة.
وكانت هناك ليالٍ طويلة بلا طعام، حيث لم يكن في المعدة سوى الهواء، ولم يكن في القلب سوى الخوف.
مرت الأيام، تحولت إلى أسابيع، والأسابيع إلى شهور.
كبرت ميمي بسرعة، لكنها لم تفقد نحافتها، ظل جسدها صغيرًا، هشًا، كأن النار لم تكتفِ بحرق منزلها بل سرقت منها فرصة أن تكبر كغيرها من القطط.
ومع ذلك، تعلمت كيف تخفي نفسها، كيف تستمع للأصوات قبل أن تقترب، كيف تقرأ النوايا في العيون قبل أن تضع قدمها في أي مكان.
وفي أحد الأيام، وجدت نفسها عند حدود منزل لم يكن كباقي البيوت.
عندما وصلت ميمي إلى ذلك المنزل، كانت قد قضت سنوات تتنقل من مكان إلى آخر، تبحث عن ملجأ، عن زاوية دافئة تأويها من البرد والجوع والذكريات التي لم تفارقها.
لم يكن في نيتها البقاء، لم يكن هناك مكان آمن في هذا العالم، لكنها كانت متعبة، وشيء ما في هذا البيت جعلها تتوقف.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، ترسم خطوطًا ذهبية على الأرض، والحديقة تفوح منها رائحة الأرض الرطبة.
الأشجار هنا لم تكن موحشة، والأصوات القادمة من الداخل لم تكن مزعجة، لم يكن هناك صراخ، ولا تهديدات، فقط هدوء نادر، يشبه حلمًا خافتًا وسط ضوضاء العالم.
ثم رأت الطفلة.
كانت زهرة في السابعة من عمرها، تجلس على العشب، ساقاها مطويتان تحتها، ويديها تعبثان بورقة شجر ذابلة.
لم تكن تغني، لم تكن تتحدث مع أحد، فقط كانت هناك، في عالمها الخاص، ترسم على التراب بأطراف أصابعها.
توقفت ميمي عند حافة الحديقة، تتأملها بحذر، كانت قد تعلمت أن البشر لا يحبون الغرباء، أن الأيدي التي تمتد للقطط الشريدة تحمل في الغالب حجارة أو ضربات، لكنها لم ترَ ذلك في عيون الطفلة.
زهرة رفعت رأسها ببطء، نظرت نحوها، لم تقل شيئًا.
كان هناك صمت بينهما، لكنه لم يكن جافًا، لم يكن عدائيًا.
بل كان نوعًا من الفهم.
مدّت زهرة يدها الصغيرة، لم تحاول النداء عليها، لم تحاول إجبارها على الاقتراب، فقط تركت يدها مفتوحة، كأنها تقول: "إذا أردتِ، يمكنكِ أن تأتي."
ميمي لم تتحرك فورًا، كانت لا تزال تشعر بالريبة، بالحذر الذي لم يفارقها منذ تلك الليلة، ليلة الحريق، ليلة الفقد.
لكنها كانت مرهقة... مرهقة من الركض، من الاختباء، من الوحدة.
فى اول مره هربت ميمى، اختفت يومين كاملين لكن بعد ذلك لم تستطع مقاومة الرغبه حين تكرر الأمر.
بخطوة بطيئة، ثم أخرى، تقدمت.
حين لمست يد زهرة فروها لأول مرة، لم تشعر بالخوف.
لم يكن في اللمسة قوة، ولا محاولة امتلاك، فقط دفء، هدوء، إحساس بأن هناك أخيرًا مكانًا قد تستطيع أن تنتمي إليه.
وشعور آخر أنها رأت تلك الفتاة الصغيرة في مكان آخر لا تتذكره.
رواية فراشة المقبرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
رواية فراشة المقبرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
عادت ميمي إلى غرفة زهرة بخطوات بطيئة، وكأن ثقل العالم فوق ظهرها الصغير.
لم تكن تلك القطة المرحة التي اعتادت زهرة على رؤيتها تتمدد بكسل في الشمس، أو تلك التي تتسلل إلى حجرتها ليلًا لتنام عند قدميها.
كانت مختلفة… شاردة، وكأنها فقدت جزءًا منها في مكان ما ولم تعد كما كانت.
أغلقت زهرة باب الغرفة بهدوء، ثم جلست على سريرها، تتأمل القطة التي قفزت إلى طرف السرير، جلست هناك، تلف ذيلها حول جسدها بإحكام، وعيناها التائهتان تحدقان في الفراغ.
— "ميمي؟" نادت زهرة بصوت خافت، لم تتحرك القطة.
لم تصدر حتى ذلك الخرير الناعم الذي اعتادت أن تردده عند سماع صوت زهرة.
زحفت زهرة قليلًا إلى الأمام، مدت يدها بحذر، تمرر أصابعها على فرو ميمي، لكنها لاحظت أن جسدها كان متوترًا، مشدودًا كما لو أنها ليست هنا، بل في مكان آخر بعيد جدًا.
— "في إيه يا ميمي؟ إنتي مش على بعضك من ساعة ما رجعتي."
لم يكن هناك رد،فقط صمت ثقيل.
كانت زهرة تحاول أن تخفي قلقها، لكن شيئًا ما كان يجعل صدرها ينقبض.
لم تعتد أن ترى ميمي بهذا الشكل،كانت دائمًا قوية، حتى في أشد الأوقات قسوة. أما الآن… فكان هناك شيء مكسور بداخلها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت برفق:
— "ميمي، بصّيلي."
ببطء، رفعت القطة رأسها، نظرت إلى زهرة، وعندها… شعرت زهرة بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
كانت ميمي تنظر إليها كما لم تفعل من قبل، نظرة تحمل شيئًا أكبر من الحزن، أكبر من الخوف… كانت نظرة شخص يتذكر شيئًا كان يجب ألا يتذكره أبدًا.
مرت لحظة ثقيلة بينهما، قبل أن تفتح ميمي فمها أخيرًا، بصوت بالكاد يسمع:
— "أنا كنت هناك."
شهقت زهرة، كأن الهواء خرج من رئتيها دفعة واحدة.
— "إيه؟!"
لم يكن عقلها مستعدًا لاستيعاب ما سمعته، لكنها رأت الصدق في عيني القطة، ذلك الصدق القاسي الذي يجعل المرء يصدق دون أن يحتاج إلى دليل.
— "أنا كنت هناك، زهرة… في النار، في الليلة اللي اتحرق فيها البيت."
ارتعشت يد زهرة، سحبتها ببطء، كأنها تخشى أن تلمس شيئًا قد يحرقها.
— "بي… بيت مين؟"
— "بيت أمِّك."
الهواء في الغرفة صار أثقل، وكأن الجدران اقتربت، وكأن العالم كله انكمش حول زهرة في لحظة واحدة.
— "إنتي بتقولي إيه؟"
لكنها عرفت.
عرفت أنها لم تكن تكذب.
عرفت أن هناك شيئًا في أعماقها، شيئًا كان مختبئًا، يطرق باب وعيها بقوة الآن.
كانت ذكريات مشوشة، أشلاء صور ممزقة، أصوات بعيدة، لكنه كان هناك… كان دائمًا هناك.
— "زهرة، إنتِ كنتِ هناك برضه."
أرادت أن تنكر، أرادت أن تضحك وتقول إنها مجرّد قطة، قطة لا تفهم ما تقول، لكن عقلها لم يستطع إنكار شيء لم تفهمه، لكنه شعر به بكل كيانه.
— "أنا ما فاكراش أي حاجة عن ده."
هزّت ميمي رأسها، كأنها تعرف ذلك بالفعل، كأنها لم تتوقع غيره.
— "عشان عقلك حبسك برا الذكرى دي، زهرة، مش عشانها مش موجودة… لكن عشانها كانت كبيرة أوي، أكبر من اللي تستحميليه وقتها."
زهرة كانت تشعر أن رأسها سينفجر،قلبها كان ينبض بسرعة غير طبيعية، وأنفاسها أصبحت ضحلة، متسارعة.
— "إنتي بتتكلمي عن حاجات حصلت وأنا طفلة… حاجات أنا مش فاكرها أصلاً! إزاي ممكن تبقي متأكدة؟"
أمالت ميمي رأسها قليلًا، عيناها نصف مغمضتين، وكأنها ترى شيئًا خلف زهرة، خلف الحاضر نفسه.
— "لأن الحريق ده هو اللي فرقني عن أمي… زي ما فرقك عن أمِّك."
زهرة وضعت يديها على رأسها، شعرت بدوار مفاجئ، كان هناك شيء بداخله يتحرك، يصرخ، يحاول الخروج.
شيء ظل محبوسًا لسنوات طويلة.
ما كانت تمر به زهرة لم يكن غريبًا من الناحية الطبية، بل هو ظاهرة معروفة في علم النفس العصبي تُسمى "الكبت الصدمي" (Traumatic Repression) أو "فقدان الذاكرة التفارقي" (Dissociative Amnesia).
عندما يمر الإنسان بتجربة صادمة للغاية في سن مبكرة، فإن الدماغ—وخاصة الجهاز الحوفي (Limbic System)، المسؤول عن معالجة العواطف والذاكرة—يقوم بحماية النفس من الانهيار عبر إنشاء "حاجز ذهني" يمنع استرجاع تلك الذكرى.
المنطقة الرئيسية المسؤولة عن هذا الحاجز هي "اللوزة الدماغية" (Amygdala) و**"الحُصين"** (Hippocampus).
في اللحظات الأولى من الصدمة، ترتفع مستويات الكورتيزول والإبينفرين، وهما هرمونان يرتبطان بالاستجابة للخطر، ما يؤدي إلى تعطيل الحُصين جزئيًا، مما يجعل تكوين الذاكرة غير مكتمل أو مجزّأ.
إذا كانت الصدمة شديدة بما يكفي، فإن الدماغ قد يتعامل معها كـ"معلومات غير قابلة للوصول" بدلًا من تخزينها كذكرى طبيعية.
هذا يعني أن زهرة لم "تنسَ" الحريق بالطريقة العادية، بل إن دماغها قام بحماية نفسها من الألم عن طريق دفن الذكرى في اللاوعي.
لكن الذكريات المكبوتة لا تُمحى أبدًا.
تبقى هناك، كامنة، تنتظر المحفز المناسب لتطفو إلى السطح.
وفي حالة زهرة، كان المحفز هو "ميمي"… القطة التي كانت هناك في تلك الليلة.
شعرت زهرة بألم حاد خلف عينيها، كأن رأسها سينفجر، كأن شيئًا كان يحاول كسر الجدار الذي بناه عقلها لسنوات.
—
لكن الذكرى لم تعد تسأل عن إذنها.
وميض من نار.
صوت صراخ.
يد تمتد إليها وسط اللهب.
وجه لا تتذكره… لكنه محفور في أعماقها.
زهرة شهقت، وضعت يدها على فمها، عيناها اتسعتا بصدمة لم تعرف أنها كانت ممكنة.
كان الليل قد بدأ يزحف على القرية عندما خرجت زهرة من المنزل.
لم تكن تدري كيف حملتها قدماها إلى الخارج، لكنها وجدت نفسها تمشي بلا تفكير، وكأن قوة خفية كانت تقودها.
الهواء البارد لفح وجهها، لكن الدفء المتبقي في جلدها لم يكن بسبب الطقس، بل بسبب النار التي بدأت تحترق داخلها… النار التي لم تكن تعلم بوجودها حتى تلك اللحظة.
كان الطريق وعراً تحت قدميها، لكنها لم تشعر بشيء.
لا بالأحجار الصغيرة التي كانت تتسلل إلى نعليها، ولا بأغصان الأشجار المتشابكة التي امتدت كالأصابع لتحاول إيقافها.
لم تكن ترى شيئًا سوى هدفها الوحيد.
البيت.
البيت الذي احترق.
البيت الذي مات فيه الجميع.
❋ ❋ ❋
وقفت أمامه، قدماها مغروستان في الأرض كأنهما جذور شجرة، وعيناها متسعتان أمام الأنقاض المتفحمة.
لم يكن هناك سوى الجدران المهدمة، آثار الدخان الأسود الذي ما زال مطبوعًا على الحجارة، وبعض الأخشاب المحترقة التي لم يبتلعها الزمن تمامًا.
لكن زهرة لم تكن ترى هذا فقط.
كانت ترى الماضي.
كانت ترى ألسنة اللهب وهي تبتلع المنزل، تلعق الجدران، تلتهم الأثاث، تتصاعد إلى السماء كأنها غضب من الجحيم نفسه.
كانت ترى نفسها… طفلة صغيرة، قدماها عاريتان، ترتجف في زاوية الغرفة بينما النار تزمجر حولها.
ثم… جاء الرصاص.
❋ ❋ ❋
ضربت الذكرى عقلها كصاعقة، جعلتها تتراجع خطوة إلى الوراء، تلهث وكأن الأكسجين قد هرب من رئتيها.
كان هناك رجال.
رجال بملابس سوداء، يحملون أسلحة، يصرخون بلغة لم تفهمها وقتها.
كان والدها يقف أمامهم، عاري الصدر، يفتح ذراعيه كأنما يحاول حمايتهم جميعًا بجسده،كانت والدتها تمسك بالصغيرين، تحتضنهما، تحاول أن تغطيهم بجسدها.
ثم…
انطلقت الطلقة الأولى.
شهقت زهرة، وضعت يديها على أذنيها وكأنها تحاول إيقاف الصوت، لكنه كان قد اخترقها بالفعل.
ثم الثانية.
الثالثة.
الرابعة.
صرخة أمها كانت أقوى من الرصاص.
ثم سقطت.
سقطوا جميعًا.
❋ ❋ ❋
شهقت زهرة وهي تترنح إلى الخلف، قلبها يخفق بجنون.
لم تكن قادرة على التنفس، على التفكير، على استيعاب ما تراه. كانت دموعها تسيل على وجنتيها دون أن تدرك حتى أنها تبكي.
"لا… لا… ما ينفعش… ده مش حقيقي… مش حقيقي!"
لكن عقلها كان قد استيقظ.
كان يرفض العودة إلى النوم.
❋ ❋ ❋
ثم جاءت اللحظة التي لا تزال محفورة في وعيها. اللحظة التي سقط فيها جسدها الصغير على الأرض، بين الجثث، بين الدخان والدم، والبرد يزحف إلى عظامها
زحفها تحت السرير، اليد التى جذبتها من قدمها ثم لا شيء اخر
توقفت الذكريات عند هذا الحد سقطت الدكتوره زهره على الأرض فاقده للوعى
❋ ❋ ❋
عندما فتحت عينيها، كانت في مكان آخر.
كانت تشعر بخشونة الملاءة تحت جسدها، بالدفء الذي لم يكن موجودًا في تلك الليلة.
سقف خشبي داكن امتد فوقها، وعلى الجدران كانت هناك ظلال نار هادئة، تراقصت بفعل ضوء المصابيح الزيتية.
لم يكن هذا بيتها.
لم يكن هذا أي مكان تعرفه.
❋ ❋ ❋
— "أخيرًا فوقتي."
جفلت عند سماع الصوت، صوت رجل، عميق وثقيل كأنه قادم من أعماق الأرض.
التفتت ببطء، ورأت رجلاً يجلس على كرسي خشبي بالقرب من الباب، يراقبها بعينين غامضتين.
— كان "العمدة… العمدة علي النزاوي."
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية فراشة المقبرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
جلست زهرة على الفراش تتنفس بصعوبة، تشعر بجسدها يرتجف رغم الدفء في الغرفة.
عيناها تجولان في المكان، تحاول استيعاب ما يحدث، لكن عقلها كان لا يزال عالقًا هناك... عند الحريق... عند الرصاص... عند الدم.
رفع العمدة علي النزاوي كوبًا من الشاي إلى شفتيه، رشفة هادئة، ثم وضعه على الطاولة الخشبية بجانبه. لم يكن يبدو مستعجلًا، بل راقب زهرة بصبر، وكأنه يعرف أنها ستتحدث عاجلًا أم آجلًا.
لكن زهرة لم تكن مستعدة للصمت أكثر.
"أنا إزاي وصلت هنا؟"
كان صوتها حادًا، متوترًا، مليئًا بالشكوك والغضب.
رفع العمدة حاجبه، ثم قال بهدوء:
"لقيناكي عند البيت المحروق، مغمى عليكي."
حدقت فيه زهرة، عقلها يحاول استيعاب كلماته، لم تتذكر أي شيء بعد اللحظة التي انهارت فيها الذكريات على رأسها. هل فقدت وعيها هناك؟ منذ متى؟ ومن الذي وجدها؟
"مين اللي لقاني؟"
"أنا."
"إنتِ؟"
تراجعت زهرة قليلًا، لم يعجبها ذلك، لم يعجبها أن يكون هذا الرجل هو من وجدها، أن يكون ذلك الرجل المتعجرف لمس جسدها. لم تكن تثق به، لم تكن تثق بأي شخص هنا.
ابتسم العمدة ابتسامة باهتة، ثم قال:
"أنا اللي لقيتك، وأنا اللي جبتك هنا."
"متصلتش ليه بالاسعاف او بدكتور الوحده الصحيه؟"
"معلهش يا دكتوره كل واحد وعلى قد علامه بقا انا عملت الى قدرنى عليه ربنا، هو دا جزاتى؟"
نهضت زهرة بسرعة، جسدها ما زال مرهقًا، لكن رغبتها في الرحيل كانت أقوى من أي شيء آخر. توازنت بصعوبة، ثم تقدمت نحو الباب.
لم يبدُ على العمدة أنه انزعج، بل راقبها بصمت وهي تفتح الباب، وكأنه كان يتوقع رد فعلها هذا تمامًا.
"متأكدة إنك تقدري تمشي كده؟"
لم ترد عليه، فقط خرجت من الغرفة، قدماها تتعثران قليلًا، لكن خطوتها كانت حازمة.
تابعها العمده على النزاوى من على المصطبه امام داره وهو يبرم شاربه كان يعرف انها أنثى مليحه وأن يرغب أن يتذوقها.
كان شيء داخله يرغب فيها بقوة لكنها ابتعدت.
صرخ على النزاوى: "إنت يا زفته إنتِ؟"
ركضت الخادمه زوجة الرجل الذى مات امام اعين رجال القريه بجسدها النحيل ووجهها الشاحب.
"ادخلى حضريلى الحمام."
ارتعش جسد الخادمة، كانت تعرف ما سيحدث لاحقًا، كانت تعرف أنها ستموت مثلما تموت كل مره يطلبها فيها العمده.
الليل كان باردًا في الخارج، والهواء محملاً برائحة الأرض الرطبة. كانت الأنوار القليلة في القرية تومض على استحياء، والأصوات نادرة، وكأن المكان كله قد نام.
لكن زهرة لم تكن تفكر في أي شيء سوى وجهتها الوحيدة: الوحدة الصحية.
كانت بحاجة إلى الهدوء، إلى أي شيء يمنحها إحساسًا بالواقع، بعد أن كادت الذكريات تبتلعها.
عندما وصلت أخيرًا إلى باب الوحدة الصحية، كانت أنفاسها متسارعة، ليس من التعب فقط، بل من كل شيء شعرت به الليلة.
وضعت يدها على مقبض الباب، ضغطت عليه ببطء، ثم دخلت إلى الداخل، حيث كان الضوء الخافت يملأ المكان، ورائحة الأدوية تطفو في الهواء.
لم تكن تريد شيئًا الآن... سوى أن تكون وحيدة مع أفكارها.
أغلقت زهرة باب الوحدة الصحية خلفها، استندت للحظة على الجدار، وكأنها تحتاج إلى شيء تستند إليه حتى لا تنهار.
في الداخل، كانت ميمي جالسة على المكتب، تراقبها بعينيها الواسعتين اللتين تحملان أكثر مما يجب أن تحملهما قطة.
لم تقل زهرة شيئًا، فقط اقتربت ببطء، سحبت الكرسي وجلست، وضعت رأسها بين يديها، وشعرت بأن أنفاسها مضطربة، وكأنها لا تزال عالقة في الدخان... في الرصاص... في الصرخات.
مرت لحظة صامتة قبل أن تهمس بصوت مبحوح:
"أنا شوفتهم، ميمي."
لم يكن هناك حاجة لذكر من هم.
رفعت القطة أذنها قليلًا، كأنها تنصت أكثر، لكن عينيها بقيتا ثابتتين على زهرة.
"شوفت البيت... شوفت النار... شوفتهم وهما..."
توقفت، لم تستطع أن تكمل، لم تستطع أن تنطق تلك الكلمة.
أخذت نفسًا مرتجفًا، ثم رفعت عينيها إلى ميمي، وكأنها تبحث عن شيء، عن إجابة، عن تفسير.
"بس في حاجة... حاجة مش قادرة أفهمها، مش قادرة أوصلها."
ضاقت عينا القطة قليلًا، وكأنها تفكر.
"إيه اللي مش قادرة توصليله؟"
بلعت زهرة ريقها، ترددت، ثم همست:
"أنا كنت تحت السرير، ميمي... كنت مستخبية، كنت خايفة، وكل حاجة كانت سريعة، النار، الرصاص، الصراخ..."
وضعت يدها على جبينها، أغمضت عينيها للحظة، ثم أكملت بصوت مرتعش:
"بس... آخر حاجة فاكراها... هي اليد."
فتحت عينيها ببطء، نظرت إلى ميمي، وكأنها تحتاج إلى تأكيد بأن ما تتذكره حقيقي.
"إيد... حد... كانت بتشدني من تحت السرير."
ميمي لم تتحرك، لكنها لم تبعد نظرها عن زهرة، وكأنها كانت تتوقع هذا.
"فاكرة شكلها؟"
زهرة هزت رأسها ببطء.
"لا... بس حاسة إنها كانت قوية... كانت بتسحبني بقوة، وأنا كنت بحاول أقاوم، كنت بموت من الخوف، كنت حاسة إنه... إنه لو خرجني، مش هشوف النور تاني."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها وهي تقول هذه الكلمات، كأنها للمرة الأولى تدركها حقًا.
ميمي اقتربت منها قليلًا، جلست أمامها على الطاولة، ثم قالت بهدوء:
"بس أنتِ خرجتي، زهرة."
"أنا مش عارفة مين اللي سحبني... مش عارفة إيه اللي حصل بعد كده... كأن عقلي قفل الباب عند اللحظة دي، كأنه رافض يخليني أعرف."
ثم رفعت عينيها إلى ميمي، نظرة تائهة، نظرة شخص يبحث عن إجابة في عيون قطة، في أي شيء قد يمنحه خيطًا لهذا اللغز الذي ظل يطارده طوال حياته.
"إيه اللي حصل بعد كده، ميمي؟ وليه مش قادرة أفتكر؟"
في صباح اليوم التالي، جلست زهرة في شرفة غرفتها، تطالع الشارع الهادئ أمامها.
كانت الشمس قد بدأت بالكاد في شق طريقها عبر الضباب الخفيف الذي يغطي أطراف القرية، تاركة ضوءًا رماديًا باهتًا ينساب فوق الأسطح والجدران الحجرية.
على الطاولة أمامها، كان كوب القهوة لا يزال ساخنًا، لكن يدها لم تمتد إليه بعد. كانت منشغلة بمراقبة ميمي، التي جلست بجوارها في وضع متحفز، ذيلها ملتف حول جسدها، وعيناها الواسعتان تتابعان شيئًا محددًا في الشارع.
أدارت زهرة رأسها ببطء، تتبع نظرة القطة... فرأته.
العمدة علي النزاوي.
كان يسير بخطوات واثقة، كما لو أن كل حجر في الطريق يعرفه ويحني رأسه له. لم يكن يرتدي عباءته المعتادة، بل كان في جلباب أسود بسيط، لكن ذلك لم يغير شيئًا في حضوره الطاغي.
زهرة ضيقت عينيها، ثم تمتمت بسخرية:
"ها هو ذا العمدة المبجل..."
لم تتلق ردًا.
أدارت رأسها نحو ميمي، لكنها وجدت القطة جالسة في وضع متوتر، عيناها متسعتان بشكل غريب، وكأنها رأت شبحًا بدلًا من رجل يعبر الشارع.
"ميمي؟"
لم تتحرك القطة.
"إيه يا بنتي؟ في إيه؟"
لكن ميمي لم تلتفت إليها، بل ظلت تحدق إلى العمدة بنظرة ثابتة، كأنها تحاول التأكد من شيء، كأن عقلها ينبش في ذاكرة بعيدة جدًا.
ثم فجأة، دون سابق إنذار، شهقت القطة بصوت خافت جدًا، صوت بالكاد سُمع، قبل أن تدير رأسها بسرعة، تغلق عينيها وتدفن وجهها في ذيلها.
زهرة عقدت حاجبيها، إحساس غامض بالتوجس بدأ يتسلل إلى قلبها.
"ميمي؟ إنتِ شفتيه قبل كده؟"
لم تتحرك القطة.
"ميمي، إيه اللي حصل؟"
لكن ميمي لم تجب. لم تصدر أي صوت.
وكأنها قررت في تلك اللحظة... أن تلتزم الصمت التام.
ما إن أدارت ميمي وجهها بعيدًا عن العمدة حتى انتفض جسدها الصغير فجأة، وانطلقت من الشرفة كالسهم، قافزة إلى الداخل بسرعة أربكت زهرة.
نادت عليها بقلق:
— ميمي إيه مالك!
لكن القطة لم تتوقف، ركضت مباشرة نحو السرير وانزلقت تحته بلمح البصر، كأنها تحاول الاختفاء من شيء لم يكن مرئيًا لغيرها.
نهضت زهرة بسرعة، اقتربت من السرير وانحنت لتنظر إلى الأسفل، لكن الظلمة التي خلفتها الستائر الثقيلة لم تسمح لها برؤية شيء سوى عينين خائفتين تتوهجان في العتمة.
— ميمي، فيه إيه؟
لكن ميمي لم تتحرك، لم تصدر حتى خرخرة أو مواء، كانت ملتفة حول نفسها، جسدها متصلب، أنفاسها سريعة ومتوترة.
حاولت زهرة أن تمد يدها، لكن القطة ضغطت جسدها أكثر على الأرضية، كأنها تريد أن تذوب في العدم.
تنهدت زهرة، ثم تراجعت، مدركة أن ميمي لن تخرج حتى تهدأ بنفسها.
***
في الأيام التالية، لم تكن ميمي كما كانت من قبل.
ظلت تحت السرير لساعات طويلة، بالكاد تخرج إلا لتأكل قليلاً أو تشرب الماء، لم تعد تقفز على السرير بجوار زهرة، ولم تعد تتمدد في الشمس كما اعتادت.
كانت أكثر من مجرد خائفة... كانت صامتة.
وكان صمتها ذلك أكثر إزعاجًا من أي مواء حزين.
زهرة كانت تراقبها بقلق متزايد، تحاول أن تفهم، لكنها لم تكن تملك أي دليل سوى تلك النظرة التي رأتها في عيني القطة عندما رأت العمدة.
لم تكن نظرة دهشة... بل كانت نظرة شخص تذكر شيئًا كان يجب ألا يتذكره.
***
لم يكن صمت ميمي هو الشيء الوحيد الذي أرق زهرة، منذ أن عادت تلك الذكريات المقطوعة إلى ذهنها، لم تستطع أن تتجاهلها.
كانت تعرف أن عقلها يخفي عنها شيئًا، حاجزًا غير مرئي يمنعها من الوصول إلى ما حدث بعد سقوطها تحت السرير في تلك الليلة المشؤومة.
فقررت أن تواجه الأمر كما تفعل دائمًا... علميًا.
أخرجت دفاترها، بدأت تكتب ملاحظات حول ما تتذكره، تحاول إعادة ترتيب المشاهد المبعثرة، تقارنها مع النظريات العلمية عن الذكريات المكبوتة، عن كيفية استرجاعها.
جربت تقنيات الاسترخاء، التأمل العميق، حتى التنويم المغناطيسي الذاتي، لكنها كلما اقتربت من تلك النقطة المفقودة—تلك اليد التي أمسكت بقدمها تحت السرير—شعرت وكأن هناك قوة خفية تدفعها بعيدًا، وكأن عقلها يرفض تمامًا السماح لها بالعبور إلى الضفة الأخرى من الذكرى.
كانت تكتب في دفترها ذات ليلة:
"إذا كان العقل يدفن الذكريات المؤلمة لحمايتنا، فماذا يعني أنني أشعر بأنني أحتاج إلى تذكرها؟ هل تجاوزت مرحلة الحماية؟ أم أنني فقط... لم أعد أخشى الألم؟"
لكن الأسئلة بقيت بلا إجابة.
***
في إحدى الليالي، بينما كانت زهرة تجلس في غرفتها، سمعت طرقًا خفيفًا على نافذتها.
نظرت باستغراب… كان الوقت متأخرًا، ولم تكن تتوقع أحدًا.
نهضت ببطء، فتحت النافذة، فوجدت امرأة واقفة في الظلام، كانت ترتدي ملاءة سوداء تغطيها بالكامل، لكن يديها كانتا ترتجفان بشدة.
— دكتورة زهرة؟
كان الصوت ضعيفًا، متوسلًا، وكأن المتحدثة تخشى حتى أن يسمعها الهواء.
— مين؟
— أنا… أنا زوجة سالم اللي اتقتل.
شهقت زهرة بصمت، فقد عرفت فورًا من تكون.
زوجة الرجل الذي قُتل على يد رجال العمدة، والذي ادعوا أنه قُتل في شجار، بينما كان الجميع يعرفون أنه أُعدم بدم بارد.
— إنت لازم تساعديني… العمدة… مش سايبني في حالي!
كان صوتها يزداد اضطرابًا، وعندما تحركت قليلاً نحو الضوء، استطاعت زهرة أن ترى وجهها أخيرًا.
وجه امرأة كانت على وشك الانهيار.
— عايز إيه منك؟
اغرورقت عينا المرأة بالدموع، ثم شهقت كأنها تختنق بكلماتها.
— عايزني… ليه… ليه مش عايز يسيبني؟! أنا ما ليش حد، ما عنديش قوة، بس مش هقدر… مش هقدر أكون كده!
قبضت زهرة يديها بقوة، شعرت بغضب لا يمكن تفسيره يتصاعد في داخلها.
لم تكن مجرد استغاثة امرأة ضعيفة… بل كانت صرخة ضد الظلم.
"العمدة علي النزاوي لم يكتفِ بقتل زوجها… بل يريد أن يمتلكها أيضًا."
***
نظرت زهرة إلى المرأة التي كانت تكاد تسقط على الأرض من شدة الانهيار، ثم مدت يدها وأمسكت بمعصمها، أصابعها باردة، لكنها كانت تحمل شيئًا أقوى من مجرد تعاطف.
— تعالي معايا.
***
كانت زهرة تعرف جيدًا أن التدخل في شؤون العمدة هو لعب بالنار.
لكنها لم تكن يومًا تخشى الاحتراق، فقد احترقت من قبل أن تبدأ.
رواية فراشة المقبرة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الخطوات الثقيلة لزهرة تدق الأرض الصلبة، عينها مشتعلة بغضب لم يهدأ رغم تحذيرات زوجة سالم التي سارت خلفها، خائفة، مترددة، تحاول أن تثنيها عن هذه المواجهة الجنونية.
"دكتورة زهرة، بالله عليك... دي نار! نار مش هتعرفي تطفيها!"
لكن زهرة لم تلتفت، لم يكن بوسعها أن تصمت، أن ترى هذه المرأة تُسحق تحت سلطة رجل لا يعرف الرحمة، رجل ظن أن كل شيء وأي شيء مباح له.
وقفت أمام بيت العمدة، كانت الأضواء لا تزال مضاءة، والصمت المخيف يحيط بالمكان.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت يدها ودفعت الباب بقوة حتى كاد ينخلع من مكانه.
اقتحمت الدار دون تردد، صوت صرختها الحادة اخترق الجدران:
"علي النزاوي! اطلعلي حالا!"
تحرك رجال العمدة بسرعة، بعضهم نهض من مقاعده في فناء الدار، وآخرون تقدموا نحوها بحذر، غير معتادين على رؤية امرأة تقتحم المكان بهذه الطريقة، إنها حتى لو كانت طبيبة أو عالمة فإنها امرأة في نهاية الأمر.
"العمدة فين؟" ارتفع صراخ زهرة وسط نظرات رجال النزاوى الغاضبة.
خرج العمدة من داخل المجلس، يربت على عباءته السوداء، عيناه كانتا هادئتين، لكنه ابتسم ابتسامة بطيئة وهو يراها واقفة هناك، غاضبة كالعاصفة.
"يا سلام... الدكتورة زهرة بنفسها مشرفانا في البيت."
كان صوته ناعمًا، متلاعبًا، لكن زهرة لم تهتم بذلك، تقدمت نحوه بخطوات ثابتة، حتى كادت تصل إليه، وقالت بحدة:
"إنت عارف أنا جاية ليه، فبلاش لف ودوران!"
رفع العمدة حاجبيه وكأنها أدهشته، ثم ضحك بخفوت وهو يقول:
"من شايف إنك داخلة بعنف أكتر من اللازم."
ثم ألقى نظرة بطرف عينه على زوجة سالم جعلتها ترتعش.
صاحت زهرة: "سبها في حالها، بصلي أنا اللي بكلمك."
لمعت عينا العمدة بلون داكن، وكأنه استمتع بالتحدي الذي أمامه، لكنه لم يُظهر غضبًا، فقط اقترب منها ببطء وقال بنبرة خافتة:
"إنت فاكرة نفسك مين يا مرة؟ فاكرة إنك تقدري تدخلي بيتي، وتتكلمي بالطريقة دي من غير عقاب؟"
لم تتراجع زهرة، بل رفعت رأسها وقالت بوضوح:
"مش هسيبك تستغلها! مش هسيبك تظلمها أكتر من كده!"
وقف الرجال في المكان مشدوهين، لم يكن أحد قد رأى امرأة تتحدث مع العمدة بهذه الطريقة من قبل، وكأنهم لم يصدقوا أنها ما زالت واقفة على قدميها.
العمدة ابتسم ببطء، ثم استدار وأشار بيده إشارة خفيفة، فجأة، أحاط بها الحراس من كل الجهات.
"كتفوها."
صرخت زهرة: "متقدرش تعمل كده، البلد فيها قانون فيها شرطة، إنت مش الحاكم بأمره."
رفع العمده علي النزاوى حاجبه: "الحاكم بأمره ده مش هو اللي أجبر الشعب المصري ياكل الملوخية."
لم يتلقى علي النزاوى رد من رجاله.
شعرت زهرة بالقبضات الخشنة تمسك بذراعيها، حركتها العنيفة لم تفدها، كانوا أقوى منها بكثير، صرخت:
"إبعدوا عني! إبعدوا!"
لكن صوتها ضاع بين ضحكة العمدة، الذي استدار نحو زوجة سالم المرتجفة، أشار إليها بأصابعه وكأنه يستدعيها كحيوان أليف.
صرخت المرأة برعب، جثت على الأرض ممسكة بأطراف عباءته، تبكي بحرقة، تتوسل:
لكنه لم يكن يستمع، لم يكن يرى أمامه سوى ما يريد.
أما زهرة، فقد كانت تكافح بين أيدي الرجال الذين قيدوها بقوة، ضغطوا ذراعيها للخلف، شعرت بألم شديد في مفاصلها، صرخت بكل ما أوتيت من قوة:
"يا جبان! إنت جبان! لو راجل بجد، سبني وواجهني بنفسك!"
لكن العمدة لم يلتفت إليها، فقط التفت إلى رجاله وقال ببرود:
"خلوا الدكتورة تتفرج... يمكن تتعلم."
ثم أمسك بيد المرأة بعنف، جذبها بقوة حتى كادت تقع، وبدأ يسحبها إلى الداخل، رغم صراخها، رغم استغاثاتها التي ملأت المكان.
أما زهرة، فقد ظلت تصرخ... لكن أحدًا لم يستمع إليها.
"ورحمة أمي يا علي النزاوى لدفعك الثمن." أغمضت زهرة عينيها لم تقو على تحمل ما يحدث، كانت المرآة التي جلست أمامها زهرة تعرض كل شيء بالبطيء.
تقيأت زهرة أكثر من مرة كادت روحها أن تزهق وهي تسمع صرخات المرأة واستغاثتها.
"خدوها على القبو وأدبوها." أمرهم علي النزاوى بعدما انتهى من المرأة.
"البت دي لازم تتعلم تحترم العمده."
جر الرجال زهرة نحو القبو وقيدت في سقف الغرفة. رفع أحد الرجال سوطه أمام عيني زهرة المرتعبة.
ومع أول جلدة عاد الألم إلى جسد زهرة، عادت الذكريات التي حاولت دفنها.
يد الحارس التي جذبتها من تحت السرير.
الأقدام التي تسير بين جثث عائلتها ثم وجه علي النزاوى.
وهو يعتدي عليها، يعتدي على طفلة لم تكمل عامها الحادي عشر.
توقفت زهرة عن الصراخ، أعصابها لم تعد تنقل الألم إلى جسدها، كانت تشم رائحة جسدها المحترق.
تلك الليلة في ذلك البيت كان علي النزاوى الذي قتل كل عائلتها.
واصل الرجال جلدها حتى تقطع قميصها. عندما توقفت عن الصراخ ظنوا أنها ماتت.
توقفوا عن الضرب وركضوا على العمده الذي أمرهم ينقلوها بسرعة دون أن يراهم أحد إلى الوحدة الصحية.
ثم بعد ذلك غير أوامره، ألقوها في حديقة الوحدة الصحية الخلفية، واحترسوا أن لا يراكم أحد.
"طيب وهند يا سعادة العمده زوجة حامد؟ دا هي اللي استنجدت بيها وشافت كل حاجة."
"خلوها تحصل جوزها يمكن توحشته بنت تفيدة." أمرهم العمده بلا اهتمام.
همس أحد الحراس: "والدكتورة يا كبير؟ اديها طلقتين في نفوخها، إحنا مش محتاجين وش ووجع دماغ."
أومأ العمده علي النزاوى برأسه للحارس الذي ابتسم وانطلق خلف الرجال.
رواية فراشة المقبرة الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
كانت زهرة ملقاة في الحديقة الخلفية للوحدة الصحية، جسدها مغطى بالكدمات والدماء، والبرد ينهش عظامها كوحش جائع.
على الجانب الآخر، تحرك الحارس المكلف بقتلها عبر الحقول المظلمة، بندقيته تتأرجح على كتفه وفي فمه سيجاره كليوباترا، استخسر أن يتخلص منها قبل آخر نفس.
عندما اقترب من الحديقة الخلفية، أخرج بندقيته ومشى ببطء كأنه يسير داخل لوحة، وضع ماسورة البندقية على نفوخ زهرة وتنهد: "استعانة على الشقى بالله".
في لحظة، تحرك ظل من بين الأشجار، شيء داكن، سريع، كأن الليل نفسه انقض على الحارس.
قبل أن يدرك ما حدث، شعر بشيء حاد يغرس في رقبته، لم يكن لديه وقت للصراخ، فقط شهق وهو يسقط أرضًا، الدماء تتدفق منه بصمت.
زهرة، التي بالكاد كانت قادرة على رفع جفنها، رأت شبحًا يقترب، ظلاله تندمج مع العتمة.
لم تستطع أن ترى ملامحه، لكن صوته كان خافتًا، حادًا كحد السكين:
"لسه فيكي الروح؟"
حاولت أن ترد، لكن حلقها كان جافًا، بالكاد استطاعت تحريك شفتيها.
ثم شعرت بذراعه القوية ترفعها عن الأرض بسهولة، وكأنها لا تزن شيئًا.
كانت هناك أصوات في البعيد، رجال يتحركون، يبحثون، تأخر الحارس في قتل زهرة.
عندما وصلوا المكان الذي تركت فيه زهرة، وجدوا الحارس مذبوحًا ملقى على الأرض.
لكن الرجل المجهول لم يكن قلقًا، سار بها عبر الأشجار وكأنه يعرف كل زاوية في هذا المكان.
قبل أن تفقد وعيها تمامًا، لمحت وشمًا على يده، رمزًا قديمًا محفورًا في الجلد، كأنه ندبة أكثر من كونه رسمًا.
ثم عم الظلام.
حين فتحت زهرة عينيها، كان الضوء خافتًا، يتراقص على الجدران الحجرية من وهج نار موقدة.
الهواء كان باردًا لكنه مشبع برائحة التراب والرطوبة، وكأنها في مكان دفين تحت الأرض.
حاولت تحريك يديها، لكنها شعرت بوهن رهيب، وكأن جسدها قد تحطم بالكامل.
"أخيرًا فوقت."
كان الصوت قادمًا من مكان قريب، صوت رجولي منخفض، خشن بعض الشيء.
التفتت بصعوبة، فوجدت رجلاً يجلس عند النار، ظهره منحني قليلاً، يشحذ سكينًا طويلة بحركات بطيئة متكررة.
كان يرتدي ملابس داكنة، وشعره مبعثر كأنه لم ير مشطًا منذ زمن.
"مين انت؟" همست بصوت بالكاد سمعته هي نفسها.
لم يرفع عينيه عن السكين وهو يجيب:
"واحد… مش مهم اسمه."
حاولت زهرة أن تدفع نفسها لتجلس، لكن الألم انفجر في جسدها، شهقت وارتجف جسدها بالكامل. نظر إليها الرجل أخيرًا، وكأن محاولتها أثارت اهتمامه.
ثم عاد إلى سكينه، كأنها لم تقل شيئًا، استأنف شحذها بهدوء.
حاولت زهرة أن ترى وجهه، لكن الرجل كان يغطي وجهه بوشاح، وعندما مد لها كوب ماء، لاحظت زهرة الندوب على يديه.
بقايا جرح أو حرق، لم تكن متأكدة لأنها كانت تفقد وعيها باستمرار.
"أنا عايزة دكتور." نطقت زهرة عندما استطاعت أن تفتح فمها.
"خدني على الوحدة الصحية."
"لا." همس الرجل بنبرة حيادية، "رجالة العمدة في كل مكان."
"أنا دهنت جسمك بخليط أعشاب هيخليكي تشعري بالراحة."
"أعشاب إيه يا جدع انت؟"
"إحنا في العصور الحجرية؟ خدني على الوحدة الصحية."
ولما لاحظت صمته، همست زهرة: "أنا عارفة إنك ساعدتني، لكن أنا محتاجة دكتور ضروري."
نهض الرجل، أسقط جسده داخل معطفه، وضع سكينه في جيب بنطاله، ثم همس: "انتي مش هتتحركي من هنا غير على بيتك يا دكتورة، خليكي هنا، أنا هجيبلك الدكتور لحد هنا."
ثم اختفى بعيدًا عن نظرها.
بعد مدة، حضر دكتور الوحدة الصحية يحمل حقيبته، يلهث من التعب، وعلى عينيه وشاح يمنعه من الرؤية.
عندما وصل، أزال الشاب وشاح الدكتور، الذي شهق من المفاجأة.
"زهرة؟" همس الدكتور بقلق.
"أنا آسف يا دكتور، كان لازم أعمل كده لأن العمدة ورجالته ممكن يستدعوك أو يعذبوك لحد ما تقر بمكان زهرة."
همس الشاب قبل أن ينزل قرب نبع ماء قريب، وقد غطى كل وجهه وجسده: "أول ما تخلص نادى عليه."
عالج الدكتور جروح زهرة وتحدث معها بهمس عن ضرورة إبلاغ الشرطة لأنه لا يثق في ذلك الشاب الذي يحجب وجهه.
"لو كان عايز يعمل حاجة وحشة يا دكتور، مكنش كلف نفسه وجابك تعالجني، اتفضل امشي، انت مش لازم العمدة ورجاله يلاحظوا حاجة."
"أنا خلصت." صرخ الدكتور وهو يحمل حقيبته.
"آسف مرة تانية." همس الشاب وهو يغطي وجه الدكتور بوشاح.
ثم قاده في طرق ملتوية قبل أن يجد الطبيب نفسه في الطريق العام.