تحميل رواية «فطنة القلب» PDF
بقلم سلمى خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الحاج محمد العطار: أب لبنتين، مراته متوفية، عنده أجناس عربيات ومرتاح مادياً. بيحب الحياة العادية وعايش في بيت ديكوره هادي. قطوف محمد العطار: عندها 24 سنة، بتحب الميكانيكا أوي. خريجة آداب علم نفس، مش بتشتغل بمهنتها. من صغرها بتحب العربيات وبتحب تصلح فيها. بترد على طول ومش بتصبر أي حد يضايقها. ياسمين محمد العطار: عندها 22 سنة، خريجة تجارة جديد. بتحب أي حاجة فيها أرقام. كانت عادية جداً لحد وفاة مامتها واتحولت وبقت تخاف من كل حاجة. مرفت العطار: أخت محمد، بتحب المظاهر ومش بتحب أخوها. مازن العطار: ابن...
رواية فطنة القلب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سلمى خالد
توتر.. خوف يقبض قلوب الجميع، قطوف.. مازن.. مريم.. ياسين.. جميعهم يخشى حدوث شيء لياسمين، فيكفي ما حدث لها.
تقدم مازن نحو قطوف متمتمًا بصوتٍ حزين:
_ أنا عارف أنك قلقانة على ياسمين.. بس هي بإذن الله هتقوم بالسلامة.. وهترجع معانا القاهرة.
ابتسامة ساخرة علت شفتيها، تعجب على أثرها مازن، فأسرعت قطوف تتمتم بصوتٍ حاد عنيف:
_ والله! حقيقي مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه... أنت أكتر بني آدم كل ما أديله الثقة يضيعها، قولتلي سيب موضوع اختك وأنا هتصرف فيه.. وقولت هثق فيك كفاية اللي عملته بس الظاهر أن كل كلمة قولته عليك كان صح.. أمك قالت هسيبلك قطوف.. وهي هتركز مع ياسمين.. واهوه اختي في المستشفى وأكيد أمك هي السبب وبعتت حد يخلص عليها عشان تاخد ورثها.. فاكر دي اختي اللي سبتهالك أمانة يا مازن.. اختي اللي اتكسرت بسببك يوم حفلة شهادتها.. أنت لو في ذرة احترام لنفسك سيبني في حالي أنا واختي وأحنا هندبر نفسنا.
تلون وجهه بحُمرة الغضب، عيناه المنفعلتان بشدة، ملامحه المخيفة التي أرعبت مريم وتجنبت رؤيتها قطوف، هتف مازن بنبرة باردة حاول اخفاء آلامه:
_ معاكي حق... دخول حد في حدود متخصهوش بتقلل منه.. وانا غلطت بس خليكي فاكرة الكلمتين دول.
تركها وغادر المشفى بأكملها، لم يرغب بتواجده أكثر من هذا، وقرر العودة للقاهرة، ولكن وهو يدلف للسيارة، أشار لأحد رجاله مرددًا له بحدة:
_ تأمنهم لحد ما يخرجوا وتفضل معاهم مش عايز مخلوق يقرب منهم فاهم!
حرك هذا الرجل رأسه وبقي مكانه يراقب كل شيء، في حين انطلق مازن عائدًا للقاهرة دون أن يصدر كلمة، فهو يعلم أن والدته لم ترسل أحد.
****
_ يا مصيبتك يا جمال.. أنا مش قولتلك متقربش منها دي مش مراتك!
قالتها والدة جمال بحدة، في حين تغيرت ملامح جمال بشكلٍ مخيف، يشعر برغبة شديدة في طعنها بالمزيد، هتف جمال بصوتٍ مخيف:
_ لو مخلوق فكر يبعدني عنها مش هرحمه فاهمة.. ياسمين بتاعتي..
لطمت والدته على صدرها بعنفٍ، تشعر بفاجعة ما سيحدث لهذه الفتاة، في حين حمل جمال حقيبته متوجهًا نحو الخارج قائلًا:
_ أنا هختفي شوية.. بس لو شوفتيها قوليلها إنها مِلك جمال.
تركها واختفى سريعًا، في حين جلست والدته تبكي على حال ابنها وما يفعله بها.. فهو سوف يدمر الجميع أن بقى هكذا!
***
خرج الطبيب من غرفة فركضت نحوه قطوف تتسأل بتلهف:
_ طمني يا دكتور اختي كويسة؟!
اجابها بشكلٍ عملي:
_ الحمدلله العملية عدت.. واضطرينا نستأصل جزء من الكبد لأنه اضرر جدًا.. وحاليا بخير وبكرة هتتنقل اوضة عادية.
انهى حديثه ثم غادر المكان، في حين بقيت قطوف تشعر بتعبٍ شديد.
تقدمت منها مريم قائلة بصوتٍ مواسي:
_ حمدلله على سلامتها.. وأن شاء الله تقوم بالسلامة.. هستأذن أنا يا قلبي عشان الحق اسافر واروح لماما.
حركت قطوف رأسها مرددة ببسمة باهتة:
_ معلش يا مريم تعبتك معايا.. لما توصلي كلميني ماشي.
حركت مريم رأسها في ايجابية، وغادرت سريعًا قبل أن يلحق بها ياسين، في حين هتفت قطوف دون أن تنظر نحوه:
_ تقدر تمشي.. اختي هقدر ادبر أمرها.. مش محتاج تقف وتتعب نفسك.
شعر ياسين بغيظٍ من قطوف، ثم ردد بنبرة باردة:
_ لولا اختك هي اللي تعبانة مكنتش حتى شوفتك ولا اتقابلنا.. ثم قبل ما تفتحي بوقك دا ولسانك ماسك الكل غسله.. فكري شوية بعقلك ولا أنتِ مودتهوش صيانة.
حدجته بنظراتٍ حادة، بينما ابتسم ياسين ببرودٍ ثم تركها وغادر المشفى كي يأخذ أقرب فندق من هنا ويجلس به فهو بالنهاية لا يستطيع تركهم.
*****
طرقات خفيفة وصلت لمسمعه، فسمح للطارق بالدلوف فما كانت سوى زوجته، جلست على أحد المقاعد بتوترٍ، بينما رمقها مهران بنظرةٍ متعجبة يردد:
_ ماذا بكِ؟!
ازدردت حلقها بصعوبةٍ، تردد متسائلة:
_ هو يعني يا سي مهران مينفعشي تأجل مروحك لهنيك هبابة!
حرك مهران رأسه بنفيٍ، يغمغم بضيق:
_ قمت بتأجيله يومين لأجلك.. ولكن لن أقوم بالتأجيل ثانيةٍ.. هيا احضري لي الشاي.
نهضت تحمل الخيبات، في حين نظر لها مهران يحرك رأسه بيأسٍ من زوجته يردد بين نفسه:
_ ستفسدين الولد بحنانك الزائد!
*****
_ ايوة يا استاذ مازن الآنسة ياسمين بخير واللي اضرر جزء من الكبد فقط، متقلقش عليها هي هتتنقل اوضة عادية كمان ساعات.
قالها الطبيب بهدوءٍ عبر الهاتف، في حين تنهد مازن براحة شاكرًا إياه بلطفٍ:
_ طب بشكرك يا دكتور وحقيقي ممتن لحضرتك وعلى اتصالك.
ابتسم الطبيب بهدوء:
_ العفو، أنا شوفت الخوف في عينيك وعشان كده رنيت وحسيت انك مهتم.. متقلقش لو في جديد هبلغك.
أغلق معه مازن، وبقي جالسًا مكانه، يفكر ما الذي عليه فعله، فقام بإغلاق هاتفه وإخراج شريحة منه ثم وضع الشريحة الجديدة يرسل إلى ياسين رسالة كي يعلم أن هذا هو رقمه الجديد.
******
صباحًا..
انتقلت ياسمين إلى غرفة عادية، وبقيت قطوف جوارها تمسك بيدها في خوفٍ، الدموع تملأ حدقتيها، وكأنها أم تهاب خدش صغير يمكن أن يؤذي صغيرها.
بدأت ياسمين بتحريك يدها، تفتح عينيها بألم بات يتشكل على معالمها، نهضت قطوف من مقعدها تقترب أكثر بلهفةٍ قائلة:
_ ياسمين حبيبتي سمعاني؟!
بدأت تتأوه بعض الشيء تجيب:
_ آآه.. قـ..قطوف.. أنتِ معايا!
هبطت دموع قطوف بشدة، تردد بصوتٍ مرتجف:
_ معاكي.. معاكي يا نور وعيون قلبي.
زحفت ابتسامة صغيرة مجهدة على فاه ياسمين، تردد بصوتٍ بدأ يتعافى:
_ وحشتني أوي.
نظرت لها قطوف بحنان يحمل بطياته العتاب مرددة:
_ طالما وحشتك ليه بعدتي عني وسبتني لوحدي!
نظرت لها بحزنٍ، تجيبها بألمٍ ظاهر:
_ عشان كل حاجة اتغيرت.. ولما كله اتغير خوفت.. بابا اختفى.. مازن اختفى كله بدأ يروح.. خوفت تروحي زيهم وعشان.. عشان كده قولت اسيب أنا الأول.
حركت قطوف رأسها بنفيٍ تهمس بصعوبة بسبب دموعها:
_ يا بت أنتِ أهم حد بحياتي.. ازاي هبعد عنك.. وازاي تفكري بكده! متخفيش من حاجة يا ياسمين وحقك هجيبه من مازن وأمه!
تطلعت لها ياسمين بتعجبٍ متسائلة:
_ مازن وعمتو مرڤت! هما مالهم؟!
بدأت قطوف بسرد ما حدث معها فيما كان خاص بقدوم مرفت وخطتها في البحث عن شقيقتها، انتهت قطوف من سردها حتى شجارها معه بالمشفى، لتردف ياسمين بعتابٍ:
_ ليه يا قطوف عملتي كده؟! مازن دا اطيب حد ممكن تقابليه!
نظرت لها بسخرية قائلة:
_ دا أنتِ اللي طيبة.. أكيد أمه هي اللي بعتت حد عشان يعمل فيكي كده.
حركت ياسمين رأسها بنفيٍ، ثم قالت بتأكيد:
_ لاء مش هي ولا مازن.. قطوف اللي عمل كده واحد جاري بالبيت اللي سكنت فيه.. ودا مكنش طبيعي.. كان بيتحكم فيا وكأني مراته ولما مسمعش كلامه كان يشدني من الطرحة بتاعتي... ويبهدلني.
حدقت بها قطوف قليلًا بشكٍ، ثم تمتمت بصوتٍ متوتر:
_ هو لسه موجود بالعمارة؟!
حركت ياسمين رأسها بعدم معرفتها، في حين نهضت قطوف من مكانها وهي تحاول استيعاب أن هناك كارثة فعلتها مع مازن، نظرت إلى ياسمين وقررت أخذ عنوان منزلها يجب أن تسأل بهذا الموضوع.
*****
وصلت قطوف لمبنى الذي تقطن به شقيقتها، وصعدت نحو الأعلى، ولكنها وجدت سيدة مسنة امام باب الشقة، ضيقت حدقتيها قليلًا، ثم حركت فمها متسائلة:
_ هو دا البيت اللي فيه شقة ياسمين العطار؟!
نظرت لها زينب قليلًا ببعض التعجب، ثم اجابتها:
_ آه.. وأنا صاحبة البيت.
اتسعت عين قطوف بصدمةٍ، ثم أسرعت تندفع بكلماتٍ عنيفة كي تتأكد من شكوكها:
_ دا أنتِ وابنك هتروح في ستين داهية بعد اللي عمله فيها.. ومش هسيبكم إلا لما يتجازى والبيت كله يتقفل!
ارتجفت تلك السيدة بخوفٍ، تردد بنبرة مرتعدة:
_ لا ابوس ايدك أنا مش حِمل بهدلة.. وابني أنا هرجعه تاني للمستشفى أنا غلط أصلًا لما هربته.
_ هربتيه!!
قالتها قطوف بصدمةٍ، في حين نظرت زينب للأسفل بخزى تسرد الحكاية:
_ آه، ابني كان متعلق بمراته جدًا وهي توفت في حادثة ومن بعدها بقى تعبان وبقى يتخيلها كتير.. راح مستشفى امراض نفسية وعقلية.. وللأسف طلع مريض وحجزوه بالمستشفى.. صعب عليا إني اسيبه هناك وفضلت مدة كبيرة بحاول اشوف طريقة اخرجه بيها واعالج.. وكلمت حد من الممرضين وساعدني اخرجه.. خليته بعيد عني شوية عشان محدش يعرف مكانه.. ووقتها اختك جت هنا تأجر.. صحيح هي مش شبه مراته اوي بس هي كان في شبه بينهم.. ابني جه وشافها وكنت خايفة يفتكرها مراته... وهو عارف أنها مش هي بس الشبه اللي بينهم خلاه عايزها اكتر.. ولما حد يقرب منها أو هي تعمل تصرف ميعجبهوش بيتعصب ويتحول لوحش.. وياسمين وقفت في وشه وهو..
صمتت زينب عن الحديث، في حين بقيت قطوف تحاول إدراك ما تتفوه به هذه السيدة، هذا يعني أنه مريض.. هل بقيت شقيقتها مع مريض تم تهربيه، نظرت لها قطوف بحدة تتمتم بصوتٍ غاضب:
_ وابنك دا فين؟!
ازدردت حلقها بصعوبةٍ تتمتم:
_ هرب.. وقالي اقولها أنها يعني..
_ أنها ايه أنتِ بتنقطني بالكلام!
حدة ظاهرة بنبرات قطوف، في حين اكملت زينب وهي تشعر بأنها يجب أن تنقذ هذه الفتاة يكفي ما فعلته بها:
_ أنها من املاكه ولو حد قرب ليها هيموته أو هي قربت من حد!
ترجعت عدة خطوات في صدمة، كيف ستنقذ شقيقتها من هذا المأزق الضخم، مازن! نعم هو ولكن كيف.. كيف ستحدثه وقد وبختها بقسوةٍ على شيء لم يفعله.
*****
بدأ التحقيق مع ياسمين التي اوضحت كامل البيانات التي تخص جمال، في حين عادت قطوف جوار شقيقتها، ولكن تضاعف الخوف لديها أكثر عليها، وصراع عنيف يدور بداخلها كيف ستصلح ما حدث!
****
تقطع حبة التفاح لشقيقتها التي تعافت بشكلٍ كبير، تشعر بشرودٍ حتى كادت أن تجرح يدها، فأسرعت ياسمين مرددة:
_ قطوف.. خلي بالك!
انتبهت قطوف لما بين يديها ولكن ملامحها باهتة للغاية، في حين نظرت لها ياسمين بتفحص ثم قالت:
_ على فكرة المفروض تتكلموا وتتصالحوا!
انتبهت قطوف لحديثها ونظرت لها بصمتٍ، في حين ابتسمت لها ياسمين في حنو قائلة:
_ كلميه يا قطوف.. واكسبي مازن.. أنتم اتكتبتوا لبعض ليه بقى متصلحش حياتكم.
شعرت قطوف بحرجٍ شديد من حديثها، في حين ضحكت ياسمين على تورد وجنتي قطوف ثم تمتمت بهدوءٍ دافئ:
_ بصي أنا حاسه كده إن مازن بقى واخد مكان كبير بحياتك وأنتِ بتقوحي ومش عايزة.. عشان محدش يتريق ويقول أن دا اللي بتقولي عليه مستحيل اهو بقى من نصيبك وبتحبيه.. هسألك سؤال ماشي!
حركت قطوف رأسها في ايجابية، في حين اكملت ياسمين ببسمة قائلة:
_ أنهي أحلى وامتع انك تلصحي عربية باظت من حد ولا إنك تبوظ حاجة مهمة بتعمليها وتصلحيها بنفسك وتتصلح فعلًا!
رمشت بعينيها عدت مرات، ثم اجابت بصوتٍ تائه:
_ مش عارفة بس أن حد يجبلي عربية واصلحها ليها مُتعتها بس روتيني أوي.. على عكس لما بعمل حاجة وتبوظ وأقدر اصلحها دا هيبقى احلى وكمان هيحمسني.
اتسعت ابتسامة ياسمين عندما وصلت لمبتغاها، تردد بانتصار:
_ فهمتي!
قطبت قطوف جبينها بعدم فهم، في حين حركت ياسمين رأسها بيأسٍ تفسر مبتغاها:
_ قصدي أن حياتك أنتِ شايفة أنها ممكن تبوظ مع مازن لو اتجوزت.. وأنتم اتجوزتوا وحياتك باظت خلاص بعد ما كانت أكتر حاجة بتهتمي بيها وبتحاولي تنجحيها.. حاولي تصلحي علاقتك بيه.
نظرت لها قطوف بدهشة، شقيقتها التي كانت ستصبح زوجة له هي الآن من تنصحها كي تستقيم حياتها، ربتت ياسمين على يدها تردد:
_ على فكرة أنا مش زعلانة من أنك اتجوزتي مازن.. أنا خوفي انكم تبعدوا عني وتسبوني خلاني مش عارفة اتصرف بعدت عنكم.
ابتسمت قطوف براحة شديدة من كون شقيقتها لا تفكر به وأنها لم تكن هي الشخص الذي أخذ منها حبيبها، في حين تأملت ياسمين بسمتها وتنهدت بتعبٍ من محاولة اقناع شقيقتها.
****
حاولت قطوف الاتصال بمازن، ولكن وجدت خطه مغلق، لم تفهم ما السبب ولكن شعرت بالقلق عليه، بينما بقى ياسين يعد ذاته كي يذهب إلى مريم ويتقدم للزواج بها، في حين بقى مازن بشقته الخاص والتي لا يعلم عنها أحد لا يريد رؤية قطوف يكفي حديثها المسيء له.
*****
_ أمشي براحة يا ياسمين.
قالتها قطوف بخوفٍ عليها، في حين تمتمت ياسمين بضجرٍ:
_ يا قطوف خلاص والله الجرح لَم خالص وأنا كويسة يمكن لو اتحركت جامد اتوجع بس أنا بخير.
نظرت لها في حدة، في حين اشاحت ياسمين بوجهها بعيدًا، نظرت قطوف للزهور الخاصة بها فوجدتها لا تزال مزهرة، زحفت بسمة صغيرة على شفتيها فقد غابت كثيرًا عنها وظنت أنها ستجدهم قد ذبلوا ولكن كان يوجد عاشق لهم.
ضيقت ياسمين عينيها، ثم تسألت بشكٍ:
_ أنتِ بتبتسمي ليه هاه!
اختفت ابتسامة قطوف فجأة، تنظر لشقيقتها بتوترٍ، ثم قالت بعصبية تخفي توترها:
_ بقولك إيه.. هو أنتِ كمان مش عايزاني ابتسم!
ضمت ياسمين ذراعها لصدرها، تنظر لها بسخطٍ، في حين ازداد توتر قطوف مما جعلها تردف بغيظٍ:
_ خلاص متبصيش كده.. عشان الورد والزرع بتاعي كنت مفكراه بيموت ولما جيت لقيته زي ما هو وفي حد بيسقيه.. ارتاحتي.
رفعت ياسمين حاجبها ببسمة متشفية، تردد ببعض الخبث:
_ وهو مين الحد دا؟!
حدجتها بنظراتٍ نارية، في حين تعالت ضحكت ياسمين تردد:
_ خلاص خلاص.. عرفت مين... بس أنا بدأت أشوف حبة حب كده مخلين عيونك بيلمعوا.
توردت وجنتي قطوف بحرجٍ، في حين ضحكت ياسمين عليها وقررت السير للداخل، وما أن دلوفا لم يجد احد فراغ كبير يملأ المنزل، حركت قطوف عينيها بقلقٍ مرددة:
_ هو مازن فين أنا فكرت أنه في البيت؟!
ابتسمت ياسمين بمكرٍ، ثم اردفت وهي تبتعد عن شقيقتها:
_ خلاص روحي الشغل ليه هناك وأنا هروح الأوضة أنام.
تركته كي تتيح لها مساحة، وبالفعل حملت قطوف حقيبتها تتوجه نحو الأجانس لترى مازن.
****
وصلت إلى الأجانس وصعدت نحو الأعلى، وما أن دلفت للمكتب، فلم تجد أحد، بقيت دقائق تحاول فهم ما يدور ولكن توقف عقلها، حتى اتي صوت محمود يردد:
_ الاستاذ مازن مجاش هنا من ساعة حادثة الانسة ياسمين.. بيبعتلي الشغل ولو في حاجة مهمة بيجي غير كده محدش يعرف طريقه.
نظرت له قطوف باختناق، لم تتوقع هذا رد الفعل منه، تسألت بتوترٍ:
_ طب يا محمود أنت ممكن تعرف هو فين! قولي عشان خاطري لأن أنا مش عارفة أوصله.
حرك محمود رأسه بنفيٍ، فوجد عينيها تلتمعان بحزنٍ شديد، تنهد قليلًا ثم قال:
_ ياسين العطار بس اللي يعرف طريقه.
تجمدت قطوف قليلًا، ثم همست دون أن تستدير:
_ ماشي شكرًا.
هبطت من أعلى الدرج مغادرة المعرض، ترفع هاتفه بترددٍ، بقيت دقائق تفكر بحيرةٍ من الاتصال، ثم فجأة ضغطت على الاتصال تنتظر الإجابة، وبالفعل اجاب ياسين بدهشة:
_ خير يا قطوف؟!
ابتلعت لعابها بتوترٍ، مرددة بصوتٍ متحشرج:
_ هو مازن فين؟!
صمت ياسين قليلًا ثم اجابها بصوتٍ هادئ:
_ للأسف مش هقدر أقولك لأن حلفت مقولش مكانه ولا أي حاجة.. اعذريني يا قطوف.
حركت قطوف رأسها بترددٍ، ثم قالت:
_ ماشي شكرًا.
ظنت أنها اغلقت ولم تعلم بأن ياسين لا يزال يستمع لها، فوقفت بالجوار حتى لا يراها أحد تهتف بصوتٍ باكي تخبئ وجهها بين راحتي يدها:
_ مكنش قصدي ازعلك كده.. ارجع عشان خاطري يا مازن.. أنا مش بعرف اقعد من غيرك.. أنا.. أنا بحبك.
ابتسم ياسين ما أن استمع لكلماتها، ثم اغلق الهاتف ينهض من مكانه يستعد للذهاب إلى مريم وأخيرًا قد أتت هديتها وسيذهب اليوم، نظر للساعة فوجدها لاتزال باكرة فقرر أن يتحدث مع مازن ويخبره بما سمعه.
وصل للرقم مازن الجديد وقام بالاتصال به، وما أن اجاب حتى تمتم بصوتٍ مبهج:
_ ايوة يا عم النمس!
تعجب مازن من طريقته، يغمغم بدهشة:
_ في إيه يا عم.. نمس إيه اللي بتقول عليه!
اتسعت ابتسامة ياسين يردد:
_ قطوف قالت أنها بتحبك!:
_ هي قالت كده ليك؟!
تساءل مازن في ترقب، في حين نفى ياسين ذلك يجيب:
_ لاء.. هي رنت تسأل عليك فين! تقريبًا كده شكلها بيدور عليك بقالها كتير، المهم هي فكرت انها قفلت الخط وكان لسه شغال وقعدت تعيط واعترفت بحبها بينها وبين نفسها.
عبست ملامح مازن قليلًا، يهمس بضيق:
_ أنت ليه سبت المكالمة شغالة.. أنت مش عارف أن دا غلط ويعتبر تجسس.
_ بقولك ايه متفكرنيش بابويا... أنا لما صدقت هربت منه وجيت مصر.. بص اقفل بدل ما ألقيه جاي هنا مع أن متوقعهاش في ابويا لأنه بطة في نفسه مش بيحب السفر خالص.
ضحك مازن على حديث، يردد بصوتٍ يأس:
_ ربنا يهديك يا ياسين، مش عارف ليه حاسس أنه هيعملها معاك وهيجي فجأة.
حرك راسه بفزعٍ، يردد:
_ يا أخي أرحمني من لسانك دا.. طب اتقدم للبنت البومة دي وبعدها يجي.. أنا نفسي اتقدم يا جدع.
ضحك مازن عليه بشدة، في حين أردف ياسين بسعادة وهو يتطلع للساعة:
_ أنا هقفل عشان ألحق ألبس واروح اتقدم لمريم.. واخيرًا مفيش حاجة هتعكر صفو اللحظة دي.
حرك مازن رأسه بيأسٍ، يردد بتنهيدة:
_ ربنا ييسرلك أمورك.
أغلق معه مازن وبقي يفكر بقطوف، في حين كاد ياسين أن يرتدي ملابسه ولكن وجد الصوت الجرس يعلو، ظن أنه أحد يريد شيء، فذهب نحو الباب وما ان فتحه حتى جحظت عينيه من رؤية والده، نعم أنه مهران العطار ولكن كيف!
يتبع!
رواية فطنة القلب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سلمى خالد
نظرة حادة يحدق بها ياسين، يردد بصوتٍ حاد:
_ هل ستبقيني كثيرًا على الباب!
حرك ياسين رأسه بنفيٍ، يجيب ببعض التوتر:
_ لا بطبع يا ابي.. قصدي لا طبعًا يا بابا اتفضل.
دلف مهران إلى الداخل بهدوء، يجلس على الاريكة، في حين جلس ياسين ينظر له بتوترٍ ثم قال ببعض التعجب الخفي:
_ هو حضرتك ايه اللي جابك.. قصدي جيت ليه.. لا نيتي يعني حضرتك مبتحبش السفر إزاي يعني جيت؟!
نظرة ساخرة ملأت عينيه، يجيبه بصوتٍ يملأه السخط والجمود:
_ ربما لأن ابني لم يقوم بواجبه معي ولم ينفذ ما اقوله!
حك ياسين انفه بحرجٍ، يردد بصوتٍ خافت:
_ يا بابا صدقني كلمتهم وقولتلهم.. بس لسه من قريب مصدقين وياسمين بنت عمي محمد حد ضربها بمفك وعملت عملية عشان كده معرفتش اكلمك.
نهض مهران في خوفٍ، يندفع بالحديث:
_ إذا هيا!
_ هيا ايه لامؤاخذة؟!
قالها ياسين بعدم فهم، فضرب والده العكاز بالأرض يغمغم بصوتٍ كالرعد:
_ انتبه قليلًا وإلا ستُعاقب، سنذهب إليهم كي يطمئن قلبي عليها.. يكفي أنني لم ألحق بشقيقي لأجل كسل أحد هنا.
نهض ياسين على مضاضة، يهمس بصوتٍ مختنق:
_ أنتِ اكتر انسانة بومة عرفتها يا مريم!
انتبه له والده يردد:
_ ماذا تقول؟!
حرك ياسين رأسه بنفيٍ، يتمتم:
_ لا شيء يا ابي لا شيء.
****
وصل كلًا من ياسين ومهران إلى منزل محمد العطار، وضغط على زر الجرس، دقائق وكان الباب يفتح من قطوف، التي كان يمتلأ وجهها بالشحم، علت بسمة ساخرة وجه ياسين، في حين تطلع لها مهران بدهشة قائلًا:
_ ما الذي على وجهك!!
سقط فم قطوف من حديث مهران، في حين لحق ياسين اندهش قطوف مرددًا من بين اسنانه يعلم ان والده شخص لا يحب المندهشين بهذه البلاهة:
_ ايه اللي في وشك دا!
فاقت من صدمتها، تجيب وعيناها متعلقتان بمهران:
_ كـ..كنت بصلح العربية وايدي متبهدلة وبهدلت وشي من غير قصد.
ابتسم مهران لها في حنو، ثم قال بنبرة حنونة:
_ دعيني ندلف كي نتحدث.
افسحت لهما المجال، ولكن نظرات الصدمة لا تزال عالقة بها، وبالفعل دلف مهران ومن خلفه ياسين الذي أردف سريعًا كي يزيل صدمتها:
_ اقفلي بوقك دا.. ولدي اللي هو عمك مهران بيحب اللغة العربية وبيعتز بيها لأنها لغة القرآن الكريم.. وعشان كده مش بيتكلم غير بيها.
ازداد ذهولها أكثر، في حين مسح ياسين على وجهه بغيظٍ، يردف بصوتٍ مغتاظ:
_ يا بت هو أنا بقولك افتحيه أكتر... أقفلي بوقك دا وخلينا نخلص.. أنتِ بومة زي صحبتك.
تركها وركض خلف والده، في حين تقدمت منهما قطوف بدهشة، تتطلع نحو عمها بتعجب، أردف مهران بصوتٍ هادئ:
_ انظري يا عزيزتي... سأروي لكِ القصة كاملة بدلًا من أحد لم يكلف ذاته أن يقوم بعمله على أكمل وجه ويعرفكم بيّ .. عندما كنت صغيرًا كان لدي أخ يدعى محمد ولكن لم يحمل من الأعوام سوى عام واحد.. اخذته جدتك وسافرت، ولكنها كانت تحمل بأحشائها طفل اخر..
علقت قطوف بصدمة قائلة:
_ أحشائها!!
حرك رأسه في جدية، يكمل حديثه بتأكيد:
_ نعم! هي عمتك الآن.. لم ترغب جدتك في أن تخبر لمحمد ومرفت أن لهما أب لايزال على قيد الحياة.. وعندما توفى ابي اوصاني أن ابحث عن اشقائي واحضرهم كي يأخذوا نصيبهم ويقيمون معانا... لذا اتيت اليوم كي أخذكم إلى منزلكم الأصلي.
ازدردت لعابها بصعوبة، في حين أكمل مهران ببسمة سعيدة:
_ أين ياسمين أريد رؤيتها.. علمت أنها تمر بوعكة صحية!
_ وعكة! وصحية!
حدقت به في ذهول لا يزال يعتريها، في حين حرك مهران رأسه بإيجابية، تحركت قطوف كي تنادي شقيقتها، ولكن حالة الذهول لا تزال تسيطر عليها.
في حين نظر مهران نحو ياسين الذي يحرك قدمه بغيظٍ بعدما فشلت خطته في التقدم لمريم، حدثه مهران بحدة:
_ توقف عن الاهتزاز هكذا.. وضع بحسبانك أنك ستأتي للبلدة.. ولا تحاول الرفض كي لا أرغمك بأن تبقى هناك.
وضع ياسين يده على فمه قائلًا بغيظٍ:
_ اهوه يابا.. اهوه.
هبطت ياسمين للأسفل بتعجبٍ، فهي لا تعلم أي شيء عن حديثه، وقفت ياسمين أمام مهران الذي ابتسم لها بحنو يتقدم نحو محتضن اياها بدفءٍ يردد:
_ عزيزتي ياسمين.. حمد لله على سلامتك يا ابنتي.. واخيرًا رأيتك أمام عيني أنتِ وشقيقتك.
أشار نحو قطوف بأن تأتي، وبالفعل استجابة له فادخلها بحضنٍ دافئ حنون، شعرت كلتا الفتاتان بشعورٍ كان قد فقداه منذ وقت، تشبثا كلًا منهما به بشدة، فلعل بعض الدفء يزيل برودة هذه الغربة.
نظر لهما مهران بعد أن ابعدهما بحنو يردد:
_ حسنًا سأبقى معكما الليلة وبعد الغد سنسافر للبلدة... يجب أن تروا اقاربكم.
تعجبت ياسمين من طريقته ونظرت نحو قطوف التي اشارت لها بانها ستخبرها بكل شيء لاحقًا، عادت تنظر إلى مهران وإلى طريقته الغريبة التي احبتها بشدة، في حين حركت قطوف رأسها بإيجابية تشعر بوجود فرصة كي تغير هذا الجو المُربك.
****
صباحًا..
هبطت قطوف للأسفل كي ترى زرعتها، ولكن أثناء خروجها وجدت مازن يقف مع ياسين يتحدثان، تفاجأت بها ولكنها لم تنتظر لحظة واحدة وانطلقت نحوه متناسية ياسين تردد:
_ أنت أزاي تختفي كده! وتسبني لوحدي!
نظر لها مازن بصمتٍ، فقط يتطلع لانفعالاتها الزائدة، في حين اختفى ياسين من امامهما فهي لحظة خاصة بينهما، كاد مازن أن يستدير ولكن اوقفته قطوف تهدر بغيظٍ:
_ مـــــازن!
استدار نحوه ببرودٍ يتمتم:
_ نعم.
كادت قطوف أن تنفجر، ولكنها حاولت التماسك تردف من بين اسنانها:
_ أنت اختفيت فين!
رفع حاجبه باستنكار، ثم اجابها بسخريةٍ:
_ مش أنتِ برضو نفس الشخص اللي قال ابعد ولا إيه؟!
ازدردت لعابها بحرجٍ، ثم قالت بنبرة هادئة:
_ مكنتش أقصد!
ابتسامة ساخرة تعلو ثغره، يردف بصوتٍ جليديّ:
_ تقصدي أو لاء مش هتفرق.. ياريت المرة الجاية متتخطيش حدودك معايا.. واعرفي المربع اللي أنتِ فيه.. سلام.
كاد أن يدلف للمنزل ولكن أوقفته قطوف تردد:
_ ولما كل واحد في حدوده بتهتم بالزرع بتاعي ليه؟!
تجمد مازن قليلًا ثم قال بنبرة هادئ تحمل بين طياتها عتاب:
_ عشان بقى زي بظبط وحيد وكله سابه.. وأنتِ أول واحدة المفروض تراعيه سبتيه.
تركها ودلف للمنزل كي يقابل عمه بعدما اتصل به ياسين وأخبره، في حين بقيت قطوف تشعر بألم يعتصر قلبها، هي لم تقصد ما فعلته به! شعرت بأنها يجب أن تنظر لحياتها معه بشكلٍ آخر! دلفت للداخل كي تتصل بصديقتها، تأتي لها كي تودعها.
*****
_ يا بجاحتك يا شيخة.. يعني واخده الواد غسيل ومكوة وكمان عايزة لما تقولي أنا آسفة يسامحك ويقولك محصلش حاجة.. هيدوس على زرار وانسى اللي هببتيه!
قالتها مريم بغيظٍ منها، في حين تطلعت لها قطوف باختناق قائلة:
_ ماشي انا غلطانة مش هنكر.. بس اعتذارت المفروض يسامحني!
قذفتها مريم بأحدى الكتب، تصرخ بها غاضبة:
_ أنتِ معندكيش دم يابت أنتِ... كمان عملتيه المفروض.. قطوف مازن سامحك كتير وعدى كتير معاكي.. وأنتِ مش بتتعلمي من غلطك وحقه أنه يعمل أكتر من كده.. واللي المفروض يحصل أنك تفضلي وراه شوية لحد ما يسامحك.
_ بس..
قاطعتها مريم تردد بحدة:
_ متخلنيش احلف مية يمين لو زودتي حرف اخليكي تروحي تعتذري ليه وقدام الكل وهو لو مسامحكيش يطلقك وياخد ورثك ونرميكي في الشارع.
رمقتها قطوف نظرة حاقنة، تغمغم بغيظٍ:
_ أنتِ جاية عليا بزيادة!
رفعت مريم حاجبها تجيب:
_ وأنتِ جاية عليه بزيادة!
نفخت بضيقٍ ثم نظرت من النافذة الخاصة بغرفتها، في حين اردفت مريم متسائلة:
_ هو أنتم هتطول هناك؟!
حركت قطوف رأسها بعدم علمها، في حين تشكل الحزن بملامح مريم، رأت قطوف الحزن ظاهرًا بملامح صديقتها فأردفت باقتراح:
_ طب روحي قولي لمامتك تيجي معانا.. واهو تزوروا اهلكم هناك.. مش أنتِ جدك عايش هناك!
حركت مريم رأسها بإيجابية، ثم نهضت بحماسٍ:
_ ايوة.. صح خلاص هروح اقنعها ونسافر سوا.
ابتسمت قطوف ببعض الراحة من وجود شقيقتها، لاحظت مريم شرود قطوف فأردفت بهدوءٍ:
_ خايفة؟!
حدقت بها قليلًا، ثم قالت:
_ مش عارفة.. بس لما عمو مهران حضني حسيت احساس غريب كده.. بس كان جميل.. حسيت أن ضهري متكسرش كله.. أن ليا حد هستخبى بحضنه وقت ما اقع... بس لما قال هنروح هناك خوفت وفي نفس الوقت اتحمست عايزة اعرف ليا إيه هناك.. هحب هناك ولا لاء كده!
حركت مريم رأسها بتفهمٍ، ثم حملت حقيبتها كي تخبر والدتها، سارت بطرقة كي تهبط الدرج، ولكنها اشتمت رائحة العطر الخاصة بياسين، ابتسمت في الخفاء ثم قالت:
_ هتفضل مراقبني! على فكرة كده غلط!
دُهش ياسين من معرفتها لمكانه، فهو خفيف كالظل لا يشعر به أحد، تسأل بدهشة:
_ عرفتي ازاي إني براقبك!
_ من البرفيوم بتاعك.
قالتها بدهاء، في حين ذُهل ياسين منها وأردف ببلاهة:
_ ما شاء الله بومة وكمان كلبة بوليسية.
اشتعلت عين مريم من الغيظ، تردد بضيق:
_ اتصدق إني غلطانة اني بقولك السبب كنت سبتك كده لفضولك.. ثم بترقبني ليه ولا بتبص عليا ليه يا استاذ يا محترم.. ياريت تخلي بالك على مناخيرك!
وضع ياسين يده على نفه، ثم قال بتعجبٍ:
_ ليه مالها!
ابتسمت مريم ببرودٍ تجيب:
_ حشره نفسها بحياتي والمرة الجاية هكسرها.
تركته مغادرة المكان في حين شعر ياسين بغضبٍ من طريقتها، فأسرع يردد:
_ بكرة هتيجي تحت ايدي وساعتها مش هحلك يا مريم اصبري عليا النحس بس يتفك واعرف اتقدملك.
****
أخبرت مريم والدتها بما حدث ووافقت للذهاب إلى البلدة فقد كانت فرصة سانحة لهما كي يجددوا الوصال ويعملوا بصلة الرحم، أتت مرفت بعد دعوة مهران لها واندهشت من اللغة العربية التي يتحدث بها ولكنها تجاهلت الأمر فكل ما يهمها ان تعلم مدى الثروة الموجودة هناك، في حين أعجب مازن بطريقة مهران وشعر بأنه ليس عاديًا كما ظن.
اتى موعد السفر واعد الجميع نفسهم للسفر وبالفعل انطلقوا سويًا ( مازن، ياسين، مهران، مرفت، قطوف، ياسمين، مريم، نهاد) ولكن الجميع يحمل مشاعر متضاربة!
****
ترجل عائلة العطار من السيارة، يقفوا أمام منزل كبير يحمل طبقان، تقدم مهران يسير بهيبته من الحديقة المرفقة للمنزل، حتى استقبلته زينة زوجته، تردف بصوتٍ سعيد:
_ حمدلله على السلامة.. نورتوا البلد.
تقدمت نحو قطوف تحتضنها بحبٍ، ثم ياسمين واخيرًا ابنها الذي اشتاقت له وبشدة، ومرفت التي شعرت أنها ستموت من طريقة زينة، واشارت بالسلام لمازن، اردف مهران بصوتٍ هادئ:
_ أين طعام!
أشارت له زينة ببهجة ظاهرة مردفة:
_ چوا.. تعالى الغدا چاهز.
دلف الجميع، قطوف وياسمين يشعران بالسعادة من طريقة تلك السيدة، في حين أرد مازن أن يستريح بعيدًا عن الضجيج.
توقف مهران يشير لأحد ابنه يحمل بعض من ملامحه ولكنها هادئة للغاية، بشرة خمرية وعينان بنيتان، جسد متناسق رياضي، اردف:
_ زين العطار ابني البكري.. ولديه ابنة صغيرة للغاية تسمى ورد حفيدتي الأولى.. وهذه تدعى ملك ابنتي الثانية وهذا زوجها جمال.
ارتعشت ياسمين بشدة من ذكر هذا الاسم أمامها ليست نفس الشخصية ولكن مجرد ذكر اسمه جعلتها ترتعش بشدة تشعر بأنه سينقض عليها بأي لحظة، لاحظ الجميع خوفها حتى اقتربت منها قطوف تردد:
_ أهدي يا حبيبتي محدش هيقرب منك وكلنا اهوه حوليكي مازن وأنا وعمو وياسين محدش هيعرف يأذيكي.
هدأت ياسمين بعض الشيء، في حين شعر زين بوجود خطبًا ما بها ولكنه لم يرغب بالسؤال، تحدث مهران سريعًا:
_ لنذهب إلى الطعام هيا.
تقدم الجميع من السفرة وبدأوا بتناول الطعام وسط حديث زينة المسرور بوجودهم.
****
نهض الجميع من الطعام، وبدأوا بتناول الشاي، ولكن تحدث مهران بصوتٍ جاد:
_ زينة.. أذهبي مع ياسمين إلى غرفتها.. ثم مازن وقطوف إلى غرفتهما.. ومرفت بغرفة لها.
شرقت قطوف ما أن استمعت لحديث مهران، ونهضت زينة سريعًا تتمتم بفزعٍ:
_ اسم عليكي يا بِتي.. أنت بخير!
حركت قطوف رأسها في ايجابية، ولكن تعلق نظرها بمازن الذي لم يظهر أي ردة فعل، ابتلعت حلقها بصعوبة، وبعد وقت نهضوا جميعًا إلى غرفهم، وما أن وصل كل شخص غرفته حتى غفى على الفراش فيما عدا قطوف ومازن..
***
_ أنا مش بعرف أنام وحد معايا في الأوضة!
قالتها قطوف بتوترٍ شديد، في حين حرك مازن كتفه بلامبالاة يجيب ببرودٍ:
_ دي مشكلتك مش مشكلتي.
رمقته بنظرة مغتاظة ثم نظرت للسرير تتساءل بتعجب:
_ هو مين فينا هينام على السرير؟!
ابتسم مازن بخبثٍ، يتقدم نحو الفراش كي يستريح عليه:
_ والله أنا مش هنام على الأرض عشانك.. وكمان معنديش مشاكل تنامي جنبي أنتِ اللي عندك المشكلة حليها مع نفسك.
عضت قطوف على شفتيها بغضبٍ، تريد أن تصفع مازن بقوة، ولكنها لن تقدر، أخذت ملابسها ودلفت للحمام كي تبدلها فما كانت سوى منامة مكونة من سروال واسع وتي- شيرت باللون البنكي مرسوم عليها بعض الفراشات، ثم رفعت شعرها على هيئة كعكة، نظرت لذاتها بالمرآة بضيقٍ فالجو حار ولن تستطيع البقاء بملابس كثيرة، وبالوقت ذاته لا تريد أن يراها مازن هكذا.. تنهدت قليلًا وقررت البقاء بالحمام قليلًا حتى يغفو.
مر وقت فتحت فيه قطوف الباب، ثم اخرجت رأسها تتأكد من نوم مازن، وما أن وجدته مغمض العينان حتى زفرت براحةٍ تردف بسعادة:
_ كويس أنه نام.
خرجت من الغرفة، وقررت أن تضع الوسادة على الأرض وتنام هذه الليلة، وبالفعل ما أن وضعتها حتى غفت من التعب.
نهض مازن من السرير، يتقدم بهدوءٍ نحو قطوف التي ولأول مرة يراها بهذا الشكل، دائمًا ترتدي ملابس رجالية، تبقى بغالب الوقت بالحجاب، لا يرى وجهها سوى بشحمٍ، زحفت بسمة صغيرة نحو شفتيه، يمد يده نحو تلك الخصلة المتمردة على وجهها يرجعها للخلف، كاد أن يرفع يده، ولكن استدارت قطوف بجانبها حتى بقت يده أسفل وجنتها، حدق بها مازن قليلًا، ولكن تحولت تلك النظرة إلى حبٍ ما أن وجدها تبتسم دون أن تشعر.
سحب يديه ثم وضعها أسفل قدمها والأخر أسفل ظهرها وحملها بهدوءٍ حتى وضعها على الفراش، يردد بنبرة هامسة:
_ حبيتك إزاي مش عارف.. بس بقيت بحب أشوفك كتير... وبحب كلامك رغم الغبوة اللي فيه.. ياريت تعرفي إن لو الدنيا كلها جت عليكي مستحيل أنا أ أذيكي.
نهض من مكانه يقف أمام النافذة يتأمل السماء، ولكن بلحظةٍ استمع لصوت صراخ عالي يأتي من الأسفل!
يتبع.
رواية فطنة القلب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سلمى خالد
هرول مازن نحو الأسفل بسرعة. ما أن وصل للردهة بالأسفل وجد ياسين يقف أعلى السفرة يصرخ. جحظت عين مازن بشدة، لأول مرة يرى ياسين هكذا.
"بتصوت ليه كده؟!" هدر بصوتٍ عالٍ لعله يغطي صوته.
نظر ياسين نحو مازن وكأنه وجد طوق نجاة، ثم قال بصوتٍ يحمل الهلع: "ألحقني يا مازن، في فار في الأوضة بتاعتي!"
"نعم! فار!" قالها بصدمةٍ من ياسين.
أومأ ياسين برأسه بإيجابية. حدجه مازن بنظرة حادة يردف بغيظٍ: "أنت ياض مش في الشرطة.. مشوفتش فيران بحياتك!"
حرك ياسين رأسه ببلاهة يجيبه بصوتٍ يحمل فخر: "لا، عشان عندي صديق من هوايته يصطاد الفيران، فأنا كنت بمشي معاه عشان يصطادهم ويتخلص منهم."
رمقه مازن بنظرة حادة، ثم بدأ بإمساك المكنسة اليدوية يحاول معرفة أين هذا الفأر.
"شوفته فين؟!"
أجابه ياسين بتركيز يصوب نظره نحو المكان الذي رأى به الفأر: "هناك، ورا البوفيه."
بدأ مازن يزيح بعض الأثاث الخاص بالمنزل، حتى ظهر هذا الفأر. فصرخ ياسين قائلًا: "ألحق، أهوه.. بص، أهوه."
ركض مازن خلفه يحاول ضربه ولكنه تفاجأ بحجم هذا الفأر فقد كان ضخمًا. ليردد بفزع: "أنت متأكد أن دا فار!"
حرك ياسين رأسه يجيبه بتأكيد: "أيوة.. ما دا الفار الأصلي.. انما فار كوتو موتو اللي عندنا دا مش فار.. دا أنا كنت بفكر اجيب فار من هنا وأوديه لهناك بالقاهرة يمكن يموت من الخضة."
علق مازن ساخرًا: "وبعدها تموت أنت من هبلك صح! ما الفار هيفضل معاك وياريت فار صغير، دا زي البغل."
نظر له ببعض التفكير ثم قال ببلاهة: "معاك حق."
بدأ مازن بمحاولة البحث عن هذا الفأر مرة أخرى، وبالفعل ما أن وجده حتى ركض خلفه. ولكن أثناء ركضه انزلقت قدمه ووقع على الأرض يتأوه بعنفٍ.
أتى زين على صوت صراخ مازن وضحك ياسين عليه يتساءل بدهشة: "هو في إيه!"
أجابه ياسين وهو لا يزال يضحك: "مازن كان بيحاول يجيب الفار في شوال... بس الفار هو اللي جابه في شوال."
علقت بسمة ساخرة عليه يردد: "وأنت يا فالح منزلتش تساعده ليه!"
اختفت ابتسامة ياسين وتحول لتوتر يردف بصوتٍ خافت سريع كي لا يسمعه: "أنت عايزه يجبني في شوال."
قطب زين جبينه بتعجب لعدم سماعه له. في حين ارتفع صوت مازن المتألم بعدما نهض متوجهًا نحو ياسين: "مكسوف تقول لاخوك إنك بتخاف من الفيران.. اخوك حضرة الظابط بيخاف من الفيران.. وخلاني أدور على الفار ولما جريت وراه وقعت."
ضحك زين عليهما، يشعر وكأنهما طفلان وليس راشدين. رمقه مازن بنظرة حاقنة يردف بغيظٍ: "أنت بتضحك على إيه!"
حاول زين كتم ضحكته يجيبه ببعض السخرية: "أصل اللي يشوفكم كده بتجروا ورا حتة فار يقول بتجروا ورا جاموسة."
نظر له ياسين يجيبه ببعض الفزع: "لا يا زين، دا الفار مش الحجم الطبيعي، دا الحجم العائلي، دا أنتم لو عاملين عرض على الفيران مش هيبقى بالحجم دا."
حرك زين رأسه بيأسٍ من شقيقه. في حين تسأل مازن وهو لا يزال يضع يده فوق ظهره: "امال فين عمي؟!"
أجابه زين بهدوءٍ: "بيفتح الجامع قبل الفجر بساعة عشان لو حد حابب يصلي قيام الليل.. ودا من حسن حظكم لو غير كده وشاف منظركم كان بهدل الدنيا."
نظر زين نحو ياسين يشير له بسخطٍ: "انزل وانجز بلاش فضايح، ابوك جاي خلاص!"
حرك ياسين رأسه في نفي يردد: "لاء مش نازل، هاتوا الفار دا واتخلصوا منه، انزل غير كده مش نازل."
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." قالها مهران وهو يدلف للمنزل.
في حين حاول ياسين النزول سريعًا من السفرة، ولكنه وقع أرضًا يتأوه من ألم ظهره. فضحك مازن بشدة ما أن رأه يردف بشماته: "أحسن، تستاهل.. عشان تضحك عليا تاني."
تعجب مهران مما يحدث فتمتم ببعض الدهشة: "ما الذي يحدث هنا؟!"
وقف ثلاثتهم احترامًا لمهران، يجيب زين أكبرهم بهدوء: "مفيش حاجة.. دا في فار ظهر وياسين ومازن بيحاولوا يجبوه عشان البنات متخفش."
حرك مهران رأسه في إيجابية، متفهمًا حديثه. ثم تسأل مرة اخرى: "وهل امسكتموه؟!"
حرك زين رأسه في نفي. في حين تحرك مهران نحو مكتبه يردد بصوتٍ جاد: "حسنًا، افتحوا النوافذ وضع السم كي يغادر سريعًا، ثم أعدوا أنفسكم كي نجتمع."
دلف مهران لمكتبه، في حين قام زين بإحضار السم وتوزيعه بأرجاء المنزل كي يغادر هذا الفأر.
قطب مازن جبينه بحيرة، يردف بعدم فهم: "نجتمع في إيه!!"
أجابه ياسين وهو يتطلع حوله كالمجنون خاشية من الفأر: "لا دا الحاج مهران بيحب يجمعنا كده بعد الفطار نقعد كلنا نشرب الشاي ويحكيلنا حكاية عن سلسلة الأنبياء من أول سيدنا آدم لحد سيدنا محمد صل الله عليه وسلم.. او موعظة كده يعني عشان نغذي روحنا ونتخذ الأنبياء والرسل قدوة لينا."
أحب مازن الفكرة وشعر ببعض الفضول لأجل معرفة ما الذي سيرويه اليوم مهران.
***
استيقظت قطوف بانزعاج، تستمع لصوت الديوك مع شروق الشمس. فلا تزال الشمس تشرق وبدأ صوت الديوك. تردد بنبرة منزعجة: "أنا آه بصحى بدري بس مش كده!"
كادت أن تنهض من أعلى الفراش، ولكنها تجمدت مكانها لبضع دقائق تردف بصدمة: "أنا مين جبني هنا!"
تطلعت حولها بتوترٍ، ولم تجد أحد فنهضت من مكانها سريعًا تدلف للحمام كي تبدل ملابسها بأخرى فضفاضة تلف حجابها بأحكام. تتلون ملامحها بخجلٍ كلما تخيلت أن مازن يحملها ويضعها على الفراش. غادرت الحمام، ولكن وجدت مازن يدلف للغرفة بنفس اللحظة وتلقت عينيها بخاصته. قررت تجاهله، تزيح عينيها بحرجٍ، ثم كادت أن تغادر ولكن أوقفها مازن الذي يقف أمام الخزانة يردد بهدوءٍ: "اصبري ننزل سوا.. مينفعش تنزلي هنا من غير جوزك وكمان خالي مهران عامل اجتماع بعد الفطار اعملي حسابك فيه."
رجفة سارت بجسدها ما أن استمعت لكلمة جوزك، وقررت ألا تحدثه، واتخذت حاجز الصمت. تعجب مازن من صمتها الغريب، ثم أوقع نظره نحوها جالسة على الأريكة تنظر ليدها اللتان ترتجفا. ألقى سؤاله بدهشة: "أنتِ كويسة؟!"
نظرت له بهدوءٍ، ثم اجابته ببسمة صغيرة: "آه كويسة."
حرك كتفه بلامبالاة ثم دلف للحمام كي يأخذ حمامًا لعله يزيل ألم ظهره. وما كان سوى دقائق حتى خرج يستعد للهبوط. ولكن تأوه بشدة عندما حاول أن يربط رباط حذائه.
قطبت قطوف جبينها بتعجب مرددة: "مالك!"
حرك رأسه نافيًا، يرد: "مفيش."
تقدمت منه قطوف تضع يدها على ظهره ليتأوه مرة اخرى قائلًا بصوتٍ متعب: "شيلي ايدك!"
ضيقت عينيها قليلًا، فقد تأكدت من وجود خطبًا ما به. رفعت التي-شيرت الخاص به قليلًا دون تفكير، حتى وجدت بقعة باللون الأزرق بظهره. شهقت بصدمة تردد وقد ادمعت عينيها تظن أنها السبب: "هو ضهرك ماله! دا بسبب الأرض! أنت نمت على الأرض!"
أنزل مازن التي-شيرت سريعًا، يحرك رأسه بنفي سريعًا، يحاول تهدئتها: "لا لا لا، دا أنا وقعت على ضهري وعمل كده.. اهدي، محصلش حاجة."
سيطرت قطوف على دموعها المنهمرة. في حين دُهش مازن من طريقتها وأردف ببعض الدهشة: "أنتِ غريبة أوي.. يعني من يومين مش طيقاني.. ودلوقتي هتعيطي عشان ضهري وجعني.. أنتِ طبيعية يا قطوف!"
ازدردت حلقها بتوترٍ ثم قالت كي تغير الموضوع: "يلا عشان ننزل اتأخرنا."
بقي يتطلع لها، أصبحت مسألة صعبة لا يستطيع فهمها. في حين ابعدت قطوف نظرها عنه، لا تفكر سوى بِـ اصلاح ما افسدته معه، ولكنها ستجعله يُجن منها دون قصد. فهي فقط تريد أن يعود كما كان يتمسك بها حتى لو أردت هي البُعد.
وصلا أخيرًا لردهة حيث يتجمع الرجال. تقدمت قطوف من مهران تقبل يده، في حين ابتسم برضا لها يردد بنبرة دافئة: "اللهم أرحم محمد أخي.. قد أحسن تربيتك."
ابتسمت قطوف ببعض الراحة من تلك الكلمات، ثم أكمل بنبرة جادة: "أذهبي مع باقي نساء المنزل في المطبخ كي تعدوا الفطور."
حركت قطوف رأسها وغادرت للداخل تشعر ببعض التوتر لا تعلم ماذا تفعل! تريد البقاء مع مازن، أصبح هو أمانها الآن هو الدرع الذي ستحتمي به. توقف عقلها قليلًا. نعم، أنه من قالت له مستحيل الآن تختبئ بداخله. وضعت يدها على صدرها تشعر بنبضات قلبها التي تسارعت كلما تذكرته. هل هي تحبه هذا الحب الموجود بالروايات! أم تتعلق به فقط وكلمة أحبك هي كلمة عابرة؟!
وصلت أخيرًا للمطبخ تدلف بهدوءٍ قائلة بصوتٍ هادئ: "صباح الخير."
ابتسمت زينة بسعادة لها، تردف بنبرة مبهجة: "يسعد صباحك يا زينة البنات.. تعالي، كنت مستنياكي تصحي تجوليلي چوزك بيفطر أكل معين!"
صمتت قطوف ولم تستطع الاجابة. هي لا تعلم ما الذي يحبه مازن، تجهل كل شيء عنه. مر شريط صغير لمحاولته بالحديث معها بهدوء، ولكن هي لم تدع له فرصة، فقط تتشاجر معه.
فاقت من شرودها على صوت زينة تعيد سؤالها، فأجابتها قطوف ببسمة باهتة: "بياكل أي حاجة يا عمتو."
ابتسمت زينة باتساع شديد، تردف بنبرة متحمسة: "عمتو طالعة منيكِ حلو خالص."
ضحكت قطوف بخفة، ثم تقدمت منها ترى ماذا تفعل! في حين لاحظت زينة فضولها لتردف بصوتٍ هادئ: "دا فرن اللي بنسوى فيه الفطير وعيش والخبيز كله."
حركت قطوف رأسها ثم قالت بحماس: "هو احنا هنفطر فطير!"
حركت رأسها بإيجابية، تجيبها وهي تضع إحدى الفطائر داخل الفرن: "أيوة وبالسمنة البلدي كمان."
صفقت قطوف بحماس، ولكنها اضافت متسائلة: "هو ليه محدش بيساعدك أو مش جايبين حد يساعدك مؤقتًا ليه؟!"
ابتسمت زينة برضا، تردد بصوتٍ فخور: "چوزي ميحبش ستات غريبة تدخل البيت.. وأنا قولتله أنا هشيل البيت بس وقت ما اتعب هچيب حد عشان مقدرش عليه لوحدي.. وهو بصراحة وافق وبقيت لما ابقى كويس اشتغل فيه ولما اتعب اچيب حد.. اقولك على حاچة كده احسن لحسن تيجي واحدة تلف الراجل واكون أنا ادتهولها على الجاهز."
ضحكت قطوف على حديثها، في حين اكملت زينة باقي عملها، ولكن دلفت ياسمين وملك سويًا يضحكان. ابتسمت لهما زينة تردد: "اهوه البتين چم وچابوا اللبن."
نظرت قطوف نحو ياسمين التي اردفت بسعادة: "روحت وشوفتها وهي بتحلب الجاموسة يا قطوف.. الموضوع فيه شوية Suspense حبيته أوي."
ضحكت قطوف ببعض السخط قائلة: "كل دا عشان شوفتي جاموسة بتتحلب!"
اجابتها ملك بصوتٍ حماسي: "ايه رأيك تيچي معاي ونحلبوا الجاموسة سوا!"
جحظت عينيها بصدمة تردد وهي تنفي برأسها: "لا لا لا لا، مش هعرف ومقدرش."
نظرت لها ملك بخيبة امل، في حين عضت ياسمين على شفتيها ببعض الغيظ تردد ببعض العند: "ليه بقى؟ أنا لولا الجرح اللي عندي كنت حلبت الجاموسة عادي! وأنتِ هتحلبي لما أخف."
حركت قطوف رأسها بنفيٍ، تجيبها بشكل قاطع: "أنا مش بعرف أتعامل مع حيوانات ولا هقدر أحلب نهائي.. فـ شيلي الفكرة دي من دماغك بقى.. لأنك مش هتقدر تخليني أحلب جاموسة أو غيرها."
قالت قطوف جملتها ببسمة مستفزة، في حين تطلعت لها ياسمين بقليلًا من العند، ولكن سرعان ما تحول الأمر لبسمة صغيرة ماكرة!
***
جلسوا جميعًا على السفرة كي يتناولوا الفطور. تطلع مازن نحو الفطير ببعض التوتر، يخشى أن يجبره أحد على تناوله فهو لن يستطيع اخفاء الأمر تلك المرة.
دقائق وحدث ما يخشاه، ووضعت زينة فطيرة، تردد بحماس: "كلي دي يا بني.. أنا اللي عملاه بالسمنة البلدي."
ابتلع حلقه في صعوبة، وكاد أن يرفض، ولكن أكملت زينة قائلة: "قطوف قالتلي أنك بتحبه!"
ابتسم بتوتر يجيبها بصوتٍ هادئ يخفي توتره: "الحمدلله.. الفطير بيبقى أحلى فطار."
لم يرغب بالكذب، ولكن بذات الوقت لن يرضى أن تصبح قطوف بمظهرٍ سيء أمامهم. أخذ قطعة من الفطير وتناولها، ثم أسرع لكوب الحليب وتناوله سريعًا ونهض من مكانه مبكرًا. تعجب الجميع من نهوضه، ولم تفكر مرڤت للحظة بأن ترى هل ابنها بخير أم لا! فقط تريد أن تعلم كم الثروة الموجودة هنا. أسرع مازن يردد بصوتٍ متوتر: "معلش، محتاج أعمل مكالمة شغل نسيتها إمبارح."
أكمل الجميع تناول طعامه بهدوءٍ، ولكن حمل الشك بأعين مهران الذي فهمته زينة على الفور. أسرع مازن نحو الغرفة وأخذ حقنة الأنسولين الخاصة به كي لا يحدث كما حدث قبل سابق.
نهض الجميع وبقيت الفتيات تساعد زينة في تنظيف المكان فما عدا ياسمين لأنها لا تزال تحتاج الى الراحة. اردفت زينة ببعض التعجب: "هو جوزك عيان بالسكر!"
دُهشت قطوف مما تتفوه به زينة، واجابتها بصوتٍ متعجب: "لاء دا بابا الله يرحمه هو الوحيد اللي كان عيان بالسكر، ليه السؤال؟!"
حركت زينة كتفاها بحيرة، تجيبها: "اصل يا بنتي مأكلش غير نص فطيرة لوحدها، لا كل عسل ولا أي حاجة مسكرة وكوباية اللبن شربها من غير سكر.. دا حتى امبارح لما عملت العشا بعد عن الرز وكل الملوخية والطبيخ بس.. بيبعد عن أي أكل فيه نشويات أو سكر."
لم تلاحظ قطوف الأمر، وبقت صامتة شاردة، ثم قالت ببسمة متوترة: "لا يا طنط هو بخير معندهوش حاجة."
منحتها زينة ابتسامة طفيفة ثم أكملت زينة التنظيف مع ابنتها. وبدأ يعدوا ذاتهم للاجتماع مع مهران.
***
بالردهة.
جلس مهران بمقعده المخصص، والجميع يجلس على مقاعدهم. زين وورد ابنته، مازن وقطوف التي لم تنزل بصرها عن مازن، ياسمين وملك اللتان يتحدثان بمتعة شديدة، وجمال بجوار مهران. جميعهم يحتسون الشاي.
حمحم مهران قبل حديث، ثم قال بصوتٍ هادئ محبب للأذن: "بسم الله.. الصلاة والسلام على أشرف خلق الله.. اليوم يا أولادي سأروي لكم قصة صغيرة ولكنها لمست قلبي وجعلت من مقلتي أن يدمعان.. القصة الأولى تروى عن رجل كل يعمل موظفًا ولكن ما يأخذه مقابل عمله لا يكفي اطفاله وبيته لباقية الشهر. قرر أن يبحث بالقمامة لعله يعود بطعام. وبالفعل كان يجد بواقي من الخبز أو من طعامٍ جاهز يأخذها. وبإحدى المرات رأى مديره يمر من أمامه نظر له وألقى عليه السلام ولكنه لم يجيب، فشعر هذا الرجل بالبغضاء والضيق من مديره المتعجرف هذا وقرر تجاهله. مرت أيام كان يجد حقيبة يملؤها الطعام وبعض الأغراض المنزلية جديدة. سعد جدًا بها وظل بحال ميسور حتى استمع بيومٍ بوفاة مديره. ومنذ وفاته انقطعت تلك الحقائب وانعقدت أمور بيته وأصبح بضيقٍ أشد، لذا قرر أن يذهب لزوجة مديره المتوفي يطالبها بزيادة مرتبه. وعندما ذهب تعجبت هي من عدم كفاية الراتب وسألته ماذا يفعل سابقًا، فقرر اخبارها بكل شيء وأخبرها بأمر بحثه عن طعام بالقمامة وأمر الحقيبة. تسألت متى انقطع هذا الحقائب، فأخبره منذ وفاة مديره. هنا ادمعت عين تلك السيدة وبشدة واخبرته أنها ستحل الأمر. ومرت الأيام وبقي ابن مديره هو من يرسل له هذه الحقائق. ولكن كلما عاد الرجل يحدثه أو يخبره كيف الحال لا يرد ولا يحدثه، يعطيه الحقيبة ويمشي. غضب هذا الرجل وقال أن هذا الطفل يشبه ابيه المتعجرف. وبإحدى المرات صرخ الرجل بابن المدير. فنظر له يبتسم بحسن نية قائلًا (عذرًا لم أستطع سماعك فأنا ضعيف السمع كـ والدي). هنا شحب وجه هذا الرجل وأدرك فاجعة ظنه."
توقف مهران دقيقتين يتطلع لهم جميعًا فمنهم من شحب وجهه، ومنهم من أدمعت عينيه. ابتسم يكمل بنبرة ودودة: "احبائي لا عليكم اليوم من سوء ظنكم ولكن يجب عليكم الحذر منه بعد أن علمتم سوءته، فقد أشار الله تعالى بآيته الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم (إن بعد الظن إثم)، وأيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني”. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ”أن حسن الظن بالله من حسن العبادة”. أحمد وأبو داود. أحسنوا الظن بالله يا أحبائي ثم أحسنوا الظن بالناس حتى لا يأخذكم الشيطان لطريقٍ مؤلم يجعلك تقف أمام ضميرك مُهلك وأمام الله ألمًا من ظنك... فإذا بدأ عقلك بتفكير وظن السوء استغفر الله وضع عذرًا له وابتعد عن الأمر."
هبطت دمعة من عين قطوف، فهي لم تفعل شيء مع مازن سوى ظن السوء به. وجدت الجميع ينهض فهربت الأخرى إلى غرفتها تبكي بشدة على ما فعلته! كيف كانت تدمر مازن بسوء ظنها هذا!
***
غادر ياسين إلى منزل عائلة العياط، حيث هي عائلة مريم. انطلق لهناك كي يراها يريد أن يملأ قلبه ويروي عشقه بها.
وصل أخيرًا للمنزل وظل يدور حوله كمن ضاع منه شيء وبحث عنه. عبست ملامحه عندما لم يستطع رؤيتها، ثم توقفت انفاسه ما أن استمع لصوتٍ غليظ: "بتعمل ايه!"
ازدرد لعابه بصعوبة، يردف بهمس: "سلامًا قول من رب الرحيم."
استدار ياسين للرجل الذي ما أن رآه حتى تهلل سريره يردف بنبرة سعيدة: "ايه دا الباشا الظابط ياسين!"
تماشى ياسين مع حديث هذا الرجل، مردفًا بجهل عن شخصية هذا الرجل: "ايه دا، واحد من عيلة العياط."
عبست ملامح هذا الرجل يردف: "ايه دا يا ياسين، معرفنيش!"
بقي ينظر له دون كلمة، في حين تحدث هذا الرجل بنبرة متعجبة: "أنا مهاب ابن الحج حسين العياط."
"أيوة أيوة.. ما ابوي بعتني ليكم عشان ابعت السلام وتنورونا بالدار." قالها ياسين كي يهرب من هذا المأزق. فتعالى صوت مهاب بسعادة يردد وهو يصافح يده: "ان شاء الله هنجلكم قريب.. وهبقى اتحدث وياك عشان اليوم اللي نيجي فيه.. نورت يا ياسين.. معلش معرفش ادخلك عشان في حريم بالدار جاين من مصر ومش واخدين على طبعنا."
حرك ياسين رأسه متفهمًا، ثم غادر سريعًا قبل أن يقع بمأزق أخر، يفكر كثيرًا كيف سيخبر والده بأن يحضروا عائلة العياط.
***
بالمساء.
تعجب كلًا من مازن وقطوف وياسين وزين وملك في طلب مهران لهم بالمكتب، يسيران بدهشة نحو مكتبه. طرق مازن الباب وعندما سمع إذن الدخول دلف ومن خلفه قطوف والباقية ثم جلسوا على المقاعد ينظروا نحو مهران الساكن مكانه، وبعدها أردف بنبرة جادة غريبة: "من اليوم سوف ترعوا أرضكم والحيوانات والتي هي ورث من جدكم رحمة الله عليه ويجب أن تعملوا معيّ بها."
جحظت عين كلا من ياسين ومازن وقطوف، في حين كانت ملك معتادة على هذا العمل وزين يعلم جيدًا سر طلب والده لهذا الأمر. نظر مازن نحو مهران الذي تتميز ملامحه بهدوءٍ شديد، ثم حاول أن يعلم سبب ما يقول يردد: "طب يا عمي، احنا منعرفش حاجة في الأرض ولا بنعرف نزرع ولا بنعرف حتى نقطف وردة.. جيب ناس يعملوا الأرض!"
رمقه مهران بنظرة غريبة، يتمتم بصوتٍ جاد: "لم يرضخ العاملون لي، بل كلًا منهم وجد أرض له وتركوني بهذا الوقت الهام بالزرع ولن أستطيع ترك الأرض كل هذا الوقت دون فلاح يراعيها، أو جعل ابنتي تعمل بها بمفردها فأنا لن أقبل بهذا."
وكأن مازن وجد قشة نجاته، يتمتم بصوتٍ متلهف: "طب ليه ليه.. هياخد وقت ليه ما ممكن نجيب الفلاحين علطول!"
قطب مهران جبينه، يجيبه بتصميم: "لن أختار أناس لا أعلم هل هم أهل للثقة أم لا!، ويجب أن تعلموا أن جميعكم سوف يعمل بالأرض ولكن ياسمين هي الوحيدة التي ستبقى دون عمل لأنها لا تزال مريضة."
رمش ياسين بعينيه عدة مرات، يتمتم بنبرة متحسرة: "دا أحنا هنشرب المُر بشاليموووه... مش أنا حاولت اشوفك يا مريم.. أكيد البومة اللي أنتِ مأجراها جت تعمل شغلها."
حاول مازن الحديث وسط صمت الكل، ولكن ضرب مهران على الأرض بعنف يردد بنبرة صارمة: "انتهى هذا الأمر، جميعكم سيعمل بالأرض غدًا."
رواية فطنة القلب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سلمى خالد
صياح الديوك جعل ملامحهم تنكمش بضيق. مسحت قطوف على وجهها بحنق. نهضت من على الفراش وهي تتطلع حولها لتجد مازن ينام على الأريكة بعمق. نهضت سريعًا كي تبدل ملابسها بأخرى مناسبة للهبوط.
كانت دقائق استيقظ بها مازن يعد ملابسه التي كانت تي-شيرت أبيض وبنطالًا من اللون الرمادي. خرجت قطوف تشعر بالراحة بعد حمام منعش. في حين تحرك مازن بصمت دون أن يحدث قطوف بكلمة نحو المرحاض المرفق بالغرفة.
نظرت قطوف باختناق له. تشعر بغيظ من طريقته. تتمتم بغضب:
"أنا هطق منك.. أنا أصلًا إيه اللي مخليني أفكر فيه.. كلها سنة وهنطلق وهنساه بسهولة."
تحكم بها غضب يعتريه كبرياء متين. تجلس على الأريكة تحاول تصنع عدم الاهتمام، ولكن بالنهاية هي تتألم من عدم حديثه معها. يقسو عليها في جهلها بكيفية مصالحته.
خرج مازن من الحمام، ينطلق أمام المرأة كي يصفف شعره. وما أن انتهى حتى أردف بهدوء:
"يلا بينا."
هبط الاثنان سويًا للأسفل بصمت. لكن تفاجأ كلاهما بوقوف ياسين أمام مهران وهو يوبخه بعنف. تقدم مازن يردد ببعض التعجب:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رد مهران السلام. وقبل أن يتحدث ياسين، ارتفع صوت مهران ينادي زينة زوجته. هرولت زينة نحوهم تحمل بعض الملابس تردد بصوت هادئ متبسمة:
"الهدوم جاهزة اهيه."
أشار مهران بالعصا نحو الملابس، يردد بصوت جاد حازم:
"ارتدوا هذا الجلباب، سيساعدكم في زراعة الأرض."
جحظت عين كل من ياسين ومازن ومعهما قطوف. يتطلعون لهذا الجلباب الواسع. ضرب مهران الأرض كي يفيقوا. وبالفعل انتفض ثلاثتهم وأخذ كل واحد منهم الجلباب الخاص به وانطلقوا إلى غرفهم كي يبدلوا ملابسهم.
***
نظرت قطوف بحسرة على شكلها. فهو جلباب أزرق يحمل زهورًا غريبة الشكل باللون الأحمر مع حجاب به زينة متدلية. كادت أن تبكي على شكلها الذي ظنت أنه تدمر. أردفت بحسرة:
"دا ذنب حد وأكيد بيخلص مني!"
علت طرقات خفيفة على الباب، يرفقها صوت مازن:
"يلا يا قطوف عمي تحت مستنينا."
تقدمت قطوف بخطوات بطيئة، تخشى ما سيحدث أن خرجت. ولكن طرقات مازن المستمرة جعلتها تمسك مقبض الباب لتفتحه. تظهر من خلفه أمام مازن الذي نظر لها بذهول. ثم انفجر ضاحكًا عليها. ذمت قطوف شفتيها بضيق، ثم قالت بحنق:
"متضحكش عليا."
حاول السيطرة على ضحكه، يردف بصعوبة:
"متخيلتش شكلك كده أبدًا."
وضعت قطوف يدها بخصرها، تردد بضيق:
"نعم! وماله شكلي إن شاء الله؟!"
لاحظ مازن ضيقها، ليردف ببسمة قبل أن تختنق أكثر:
"شكلك زي قمر بعيد وبحاول أوصله."
رمشت بأهدابها عدة مرات، تتورد وجنتيها بخجل شديد. ثم استدارت توليه ظهرها مرددة بنبرة متوترة:
"طب يلا.. عمي مستني تحت."
ضحك مازن بخفة ثم تقدم منها يمسك يدها كي يهبطوا سويًا. ولكن ارتجفت يديها بشدة، لتبعد يدها عنه قائلة بخوف دون أن تحذر ما ستقول:
"متنساش أننا هنطلق."
تجمد مازن مكانه قليلًا، يتطلع لعينيها اللتان هربت منه سريعًا. ولها ظهره يردف بجمود وكأنه أخذ صاعقة:
"يلا."
حاولت الحديث ولكنها فشلت. تريد أن تعتذر عما قالته ولكن تركها مازن مغادرًا الغرفة بأكملها. شعرت قطوف بندم مما قالته لتردف بنبرة شبه باكية:
"أنا بعكها ليه!"
مدت سبابتها تزيل تلك الدمعة، تسير بخطوات متألمة. الآن تعلن استسلامها أمام جهلها عما تشعر به.
***
أخذ مهران كلًا من جمال وزين ومازن وياسين الذين ارتدوا جلباب بنفس اللون نحو أرضهم الخاصة. وقف مهران فجأة وسط أرضًا ليس بها أي زرع. ثم أردف بنبرة جادة صارمة:
"هذه هي الأرض التي يجب زراعتها.. سأترك زين كي يساعدكم وسأخذ جمال كي يراعي شؤون معي."
نظر مازن وياسين بقهر لتلك الأرض. في حين أجاب زين بنبرة هادئة:
"حاضر يا بابا هنحاول ننجز بالزرع."
تحرك مهران مغادرًا. في حين استدار زين لياسين ومازن الذين يقفان بشرود. ارتفع صوت زين قائلًا:
"ركزوا معايا."
نظر كلاهما له. في حين استرسل زين حديثه بهدوء موضحًا ما الذي سيفعلانه:
"الأول هنلم كل الجذور الميتة وأي حاجة هتأثر على التربة وبعدها هنعزأ الأرض و..."
قاطعه ياسين بتساؤل بدهشة:
"نحزأ إزاي يعني!"
حدق به زين بصدمة، ثم قال بغيظ:
"يابني نحزأ إيه.. نعزأ نعزأ بالعين."
زفر زين بنفذ صبر ثم استطرد حديثه بنبرة حاول إعادتها هادئة ممسكًا بالفأس:
"وبعد كده هنج... أنت بتعمل إيه يا مازن؟!"
قالها زين عندما وجد مازن يمسك الهاتف محركًا إياه يمينًا ويسارًا. أجابه مازن ببلاهة:
"بحاول ألقط شبكة عشان أشغل نت وأشوف هنحزأ إزاي الأرض!"
بقى زين دقيقتين يحاول استيعاب ما يتفوه به. في حين صفق ياسين بيده يردد بانبهار:
"صح يا ابن اللذينة.. فاتت عليا.. طب لقيت شبكة ولا لسه!"
أجاب مازن ببعض اليأس:
"لأ لسه بس إحنا ورا جوجل لحد ما يعرفنا هنحزأ إزاي."
كاد ياسين أن يرد ولكن صرخ بهما زين بعدما فقد آخر ذرة صبر:
"اخرسوا انتوا الاتنين بدل ما والله أعملكم سماد للأرض."
ابتلع كلًا من مازن وياسين لعابهما. فأشار زين بحدة على الهاتف مرددًا:
"أنت بتستعبط صح.. هتكتب على جوجل كيف أحزأ الأرض.. عارف محرك البحث هيجيبلك نتايج إيه!"
انتبه له مازن وياسين. في حين أكمل زين بغيظ منهما:
"هديك سبه محترمة.. وبعدها هيجيبلك دكتور أذن عشان تعالج ودانك الطرشة."
عبست ملامح كلاهما، يرددان بتذمر:
"ما خلاص يا زين في إيه!"
دفع زين الفأس بانفعال، يزمجرهم بعنف:
"انتوا عايزين تشلوني.. اسمه نعزأ الأرض نعــــــــزأ الأرض يعني هنحفر في الأرض بالفاس دا فهمت ولا نفتح اليوتيوب نجيب فيديو يشرحلك."
":_ خلاص عرفنا."
قالها ياسين بضجر. في حين أعطى زين الفأس لمازن وواحد آخر لياسين مرددًا وهو يحمل الفأس ثم يهبط بها على الأرض:
"أعملوا زي كده."
حاول مازن حمل الفأس، ولكنها مصنوعة من حديد فهي ثقيلة للغاية. أخذ نفسًا طويلًا ثم بقوة حملها فجأة لترتفع الفأس بقوة فتراجع مازن بعدها ولكن سحبته نحو الخلف فسقطت منه ووقع هو الآخر على الأرض. في حين كان ياسين يحاول حملها وبالفعل نجح ولكن عندما رأى مازن يقع على الأرض، انفجر ضاحكًا عليه وانفلتت منه الفأس لتسقط على قدمه، ليصرخ بشدة، تتساقط الدموع من عينيها من شدة الألم.
نظر زين لكلاهما، ومسح وجهه بيأس. يردد بكلمات مختنقة:
"دا إحنا ليلتنا مش فايته معاكم."
***
تقدمت كلًا من قطوف وملك نحو الحظيرة. فتحت ملك الباب بهدوء. لتشم قطوف رائحة كريهة للغاية. وضعت يدها على أنفها سريعًا تحاول منع تلك الرائحة من النفاذ لها. أردفت ملك بصوت مبتهج:
"تعالي يا قطوف.. هنحلبوا الجاموس كله الأول وبعد كده هنشيلوا جالوس البقر."
قطبت قطوف جبينها بدهشة. تردد بحيرة محاولة تقبل تلك الرائحة:
"يعني إيه جالوس.. دا شبه رقم الجلوس كده؟!"
ضحكت ملك عليها وعلى سذاجتها. لتردف ملك وهي تشير نحو فضلات الجاموس قائلة:
"قصدي الخـ..."
قاطعتها قطوف سريعًا تردد بصراخ:
"خلاص عرفته.. هو اسمه جالوس."
حركت ملك رأسها بإيجابية. ثم تقدمت ملك من إحدى الجواميس تردد بحب:
"دي زبيبة.. جاموستي من ساعة ما اتولدت لحد ما بقت حامل وأنا بربيها ومعشراها."
تعجبت قطوف من حبها الشديد لجاموسة. في حين أكملت ملك وهي تشير نحو جاموسة:
"تعالي يا قطوف دي الجاموسة اللي هتحلبيها."
تقدمت معها قطوف وهي تشعر باشمئزاز مما هي فيه. ثم وقفت مع ملك التي وضعت دلو مخصص للحليب. تردف بهدوء:
"بصي هتمسكي كده وتضغطي براحة فاهمة!"
حركت قطوف رأسها وهبطت نحو الأسفل كي تحلب الجاموس. ولكنها تفاجأت بماء دافئ ذو رائحة كريهة يسير على يدها ويقع على الأرض. اتسعت عينيها بصدمة تحاول أن تكذب ما تراه. في حين وقعت ملك على الأرض من شدة الضحك على ما فعلته الجاموسة بها. فقد تبولت عليها.
صرخت قطوف ببكاء قائلة بنبرة تحمل قهرًا:
"أنا محدش عمل فيا كده.. هي ملقتش غير إيدي وتروح تعملها فوقيها..."
ازداد بكاء قطوف بشدة. ثم فجأة صفعت الجاموسة بذيلها على وجه قطوف لتترك لها علامة حمراء تميل للزرقة. وقعت قطوف على الأرض تصرخ ألمًا تهبط الدموع بغزارة دون أن تشعر. في حين أشْفَقَت عليها ملك مما هي فيه. لتردف بصوت حنون بعض الشيء:
"خلاص يا حبيبتي تعالي اقفي هنا وأنا هحلبها وشوفيني وأنا بحلب فيها.. بس كده."
امتثلت قطوف لما تقوله بشهقات مستمرة. في حين جلست ملك مكانها تبدأ بحلب الجاموس.
***
سارت ياسمين بالردهة تتوجه نحو غرفتها. ولكن بمنتصف الطريق استمعت لصوت شهقات صغيرة. قطبت جبينها بتعجب. ثم بدأت بالبحث عن مصدر الصوت لتجد جسمًا ضئيل للغاية يجلس بالزاوية. يحتضن نفسه. اقتربت ياسمين بهدوء منها تجثو على ركبتيها مرددة بتعجب:
"ورد انتِ بتعيطي؟!"
نظرت لها ورد بأعين حمراء، تجيبها بنبرة طفولية:
"لأ."
ابتسمت لها ياسمين. ثم مدت سبابتها تحمل تلك الدمعة التي هبطت عنها، تسألها:
"طب ودي إيه؟!"
نظرت تلك الصغيرة نحو دمعة، ثم عادت تنفجر بالبكاء، ترتمي بأحضان ياسمين فجأة. في حين صُدمت ياسمين مما فعلته ورد. ولكنها ما أن وجدتها تنتفض ببكاء. حتى لفت ياسمين ذراعيها حولها تضمها بحنان. قائلة:
"هششش.. خلاص يا قلبي متعيطيش."
رددت الصغيرة بشهقات. بما سمعته من مرفت:
"تيتة.. تيتة مرفت.. سألتني عن ماما وأنا قولتلها عند ربنا.. من ساعة ما اتولدت.. قالتلي يعني أنتِ اللي قتلتيها عشان تيجي لدنيا.."
ابتعدت الصغيرة عنها تنظر نحو ياسمين ببراءة مجروحة، تهمس متسائلة:
"هو أنا قتلت ماما بجد!"
جحظت عين ياسمين بصدمة مما تفعله عمتها. ثم تداركت الموقف سريعًا تردف بحنو وهي تمسح على وجهها بطرف إصبعها:
"أوعي تقولي كده.. تيتة مرفت بتهزر معاكِ بس هي هزارها شديد شوية.. هقولك على حاجة أنا ماما برضو راحت عند ربنا."
تفاجأت الطفلة بحديثها، تركز انتباهها على ما تقوله ياسمين. في حين ابتسمت ياسمين عند نجاحها في إيقاف دموع تلك الصغيرة. تسترسل حديثها وهي تزيل باقي دموعها:
"بس ماما راحت بالوقت اللي ربنا محدده ليها.. زي مامتك بالظبط ربنا حدد ليها معاد عشان تروح ليه."
بدأت ورد بالابتسام تهمس بتردد:
"يعني مش أنا اللي قتلت ماما!"
حركت ياسمين رأسها في نفي، تجيبها وهي تضع طرف أنفها على أنف ورد:
"لأ طبعًا.. كل واحد ليه معاد محدد بيروح فيها عند ربنا.. بس محدش يعرف المعاد دا.. فهمتي يا قلب ياسمين."
اتسعت ابتسامة الصغيرة وهي تقبل إحدى وجنتي ياسمين. في حين شعرت ياسمين بسعادة غريبة من احتضان تلك الصغيرة لها. فهتفت ياسمين بحب لها تمسك يدها:
"إيه رأيك نشتري حاجة حلوة أنا وأنتِ وناكلها سوا."
حركت ورد رأسها بحماس. في حين حملتها ياسمين على ذراعيها كي تصبح بأحضانها. تهبط بها للأسفل. وما أن هبطت حتى وجدت السيد مهران أمامها لتردف ببسمة خلوقة:
"ينفع يا عمو أروح مع ورد نشتري حاجات حلوة."
منحته نظرة صغيرة وكأنها تخبره بأن يوفق. وبالفعل فهم مهران نظراتها وحرك رأسه بإيجابية. لتنطلق ياسمين مع ورد نحو الخارج كي يشتروا بعض الحلوى.
نظر مهران نحوهما. ثم زحفت بسمة صغيرة وهو يتطلع نحو ياسمين. تلك الجميلة بقلب مثل اللؤلؤ. يتذكر ما الذي حدث قبل ليلتين.
***
انطلقت خلفه تتلفت يمينًا ويسارًا. تخشى أن يراها أحد. تردف بهمس:
"عمو مهران.. عمو."
التفت إليها مهران يعقد حاجبيه بدهشة. في حين همست ياسمين بنبرة لاهثة:
"عايزة أكلم حضرتك بموضوع."
حرك رأسه بإيجابية. مرددًا:
"حسنًا، تحدثي إذًا."
حركت ياسمين رأسها في نفي. تردد بهمس:
"مش هينفع هنا.. ممكن ندخل المكتب."
زاد تعجب مهران من طريقتها، وسار نحو مكتبه وهي خلفه. وما أن أغلق الباب حتى رمقها بنظرة استفهام. لتجيب عليه سريعًا:
"أنا عايزة خدمة من حضرتك كبيرة!"
":_ تحدثي إذًا أنا لا أفهم منكِ شيء."
قالها مهران بحيرة. في حين أكملت ياسمين بتوضيح:
"أنا عايزة حضرتك تقول لمازن وقطوف إن ليهم أرض ورث ليهم وإن الفلاحين عصوا عن أنهم يزرعوا الأرض وإن حضرتك قررت تثبت نفسك وإنك مش محتاج فلاحين وحضرتك هتزرع الأرض دي.. وهتجمع قطوف ومازن فيها عشان يشتغلوا ويتأدبوا شوية.. ومنها نعلمهم حاجة مفيدة."
قطب مهران جبينه بدهشة من طلبها. في حين ابتسمت ياسمين بألم مرددة:
"هفهم حضرتك سر طلبي إيه.. أنا اتخرجت من الجامعة وبابا الله يرحمه عملي حفلة بمناسبة استلام الشهادة.. وفي اليوم دا عملوا ليا مفاجأة إن هتكتب كتابي على مازن."
علت الدهشة ملامح مهران. في حين أكملت ياسمين بصوت مبحوح:
"وأنا صغيرة فقدت أمي ومازن وقف معايا ووعدني إنه هيفضل معايا لآخر العمر وعشان كده بابا فهم إن أنا وهو بنحب بعض لأن مازن شايل مسؤوليتي من واحنا صغيرين."
باغتها مهران بسؤال مقاطعًا لها:
"ولم تحبيه؟!"
حركت رأسها في نفي. تجيبه بمرارة:
"لأ.. كنت محتاجة اهتمام أكتر من حب.. خايفة يسيبني وبابا يسيبني واختي تسيبني وساعتها مش هلاقي حد يهتم بيا.. وعشان كده بابا قرر يجوزنا لبعض وأنا كنت موافقة ومازن جه اتقدم بوقت وبابا وافق علطول.. المهم إن باليوم دا اتخطفت وكانت هتحصل فضيحة للعيلة لو مازن قال إني اتخطفت وسُمعت بابا هتبوظ في السوق ولأنه مريض سكر خوفنا يدخل بغيبوبة سكر.. وعشان كده قطوف اتجوزت مازن.."
":_ وما المشكلة إذا؟!"
قالها مهران بحيرة. في حين أجابته ياسمين بهدوء:
"قطوف مش بطيق مازن.. كل ما تشوفه بتقوله كلام وحش.. دايما بتحطه في وضع اتهام وإنه أوحش إنسان بالكون وممكن يأذي.. رغم إن مازن دا أكتر حد بيخاف يأذي نملة.. فكنت عايزة أقربهم من بعض.. سبحان الله ربنا جمعهم ببعض رغم اللي يشوفهم يقول مش لايقين على بعض.. فعايزة أخلي قطوف تشوف مازن كويس ومازن يستحمل قطوف."
حرك مهران رأسه بإيجابية. يردد بصوت يحمل بعض المكر:
"حسنًا.. ونأخذ معه ياسين فهذا الولد قد دللته والدته ويجب أن يشتد عظمه."
ضحكت ياسمين على غيظ مهران الظاهر. في حين ربت مهران على كتفها بحب. يردف بصوت حنون:
"رضا الله عنكِ يا ابنتي."
***
عاد مهران من واحة ذكرياته. على وقوف مرڤت أمامه. تردد بصوت ماكر:
"ازيك يا مهران."
نظر لها مهران بغموض. يشعر بوجود خطب ما بها. ولكنه أجاب بهدوء:
"بخير."
حركت مرڤت رأسها بإيجابية. تردد بمكر خفي:
"هو صحيح مازن شغال في أرض وسعها قد إيه.. أصل خايفة على ضهره ولاسيما الشغل دا مش بتاعه ولا بيعرف فيها."
نظر لها مهران قليلًا. ثم أردف بنبرة ماكرة:
"لا تقلقي فابنك مثل ابني تمامًا.. ومازن يعمل مع ياسين وزين وأنا لن أضر بهم أبدًا.. هل تريدين شيئًا آخر؟!"
تلجم لسانها عن الحديث. فقد توقعت منه أن يخبرها بعدد الفدادين التي يملكها. لتردف بغيظ تحاول أن تخفيه:
"لأ شكرًا."
تركها مهران مغادرًا المكان. في حين امتلأت عين مرڤت بغيظ وقررت أن تسير بالبلدة قليلًا لعلها تسأل توقع أحدهم وتسأله عن أملاك مهران.
***
اسدل الليل ستائره على الأرض. كانت ياسمين تجلس إلى جوار ورد تلاعبها. في حين عاد كلًا من مازن وياسين كلاهما يستند على الآخر. وسارت قطوف وهي تشمئز من نفسها بشدة تشعر برغبتها في البكاء مجددًا مما حدث معها. تتأوه من ألم وجهها.
دلف جميعهم للردهة. ليستقبلهم مهران بصدمة ظاهرة. تطلع نحو ياسين يردد مشيرًا نحو قدمه:
"ما الذي حدث؟!"
ابتلع لعابه بتوتر. ثم أجاب بحرج:
"كنت برفع الفأس وفلت من إيدي ووقع على رجلي.. روحت لدكتور لفها وقالي يومين وهتخف."
رمقه بنظرة ساخطة. ثم نقل بصره نحو مازن يشير نحو الضمادة التي برأسه. عينيه تتسأل بجدية. فأجابه مازن دون أن يتحدث مهران:
"كنت برفع الفأس وحمله خدني لورا ووقع مني ووقعت فوقيه ودماغي اتفتحت من ورا."
شعر مهران ببوادر جلطة ستصيبه. في حين تقدم من قطوف يشير نحو وجهها الأزرق من بعض العلامات التي تركتها الجاموسة. يردف بسخرية:
"لا تخبريني بأن أحد قذف الفأس بوجهك!"
ابتلعت لعابها بتوتر. تجيبه بحرج شديد وقد أدمعت عينيها:
"لا دا ديل الجاموسة ضربته في وشي وعمل العلامة من أوله لآخره كده."
ضحكة صاخبة من ياسين ومازن على ما قالته قطوف. في حين نظر لهما مهران بحدة جعلتهم يصمتون سريعًا. تراجع مهران يتطلع لهم بسخط. يردف من بين أسنانه:
"سيصبح اسمي على كل لسان لمن بالبلدة.. ألا تستطيعون أن تزرعوا أرض واحدة.. هل أنتم شباب المستقبل.. يا حسرتي عليكم."
استدار كي يغادر. ولكن أوقفه زين يردد برجاء:
"ثواني يا بابا.. هما هيعرفوا بس اديهم وقت.. دول أول مرة يجوا البلد."
نظر لهم مهران بصمت. في حين تحدث مازن بهدوء:
"يا عمي ادينا فرصة إحنا أول مرة نشوف ونتعرف على الكلام دا."
كان لا يزال صامتًا. ليسرع ياسين بالحديث فهو يعلم غضب مهران. بالرغم من هيبته إلا إذا حزن ينتهي العالم بنسبة له:
"يا بابا ادينا فرصة.. إحنا بنحاول أهو."
تنهد مهران بيأس. ثم قال بقلة حيلة:
"حسنًا اذهبوا كي تبدلوا ملابسكم.. قد اقترب موعد الغداء.. ولا تنسوا لدينا اجتماع اليوم."
***
أغلق مازن الباب بهدوء. يردف بصوت جاد:
"ادخلي الحمام.. وأنا هدخل وراكِ."
نظرت له قطوف لتجده يوليها ظهره يحاول أن يخرج ملابسه. في حين تحركت قطوف بحزن نحو الحمام فهو لم ينس ما قالته صباحًا.
***
مر وقت انتهوا جميعًا من تناول الغداء. وجلسوا بالردهة كي يستمعوا لما سيرويه مهران. وبالفعل كانت دقائق حتى انتقى مهران ما سيتحدث به اليوم:
"اليوم سنتحدث بشكلٍ عشوائي عن حواء وآدم.. هل تعلمون كيف خُلقت حواء؟!"
أجاب زين بهدوء:
"اتخلقت من ضلع سيدنا آدم."
ابتسم مهران لإجابته الصحيحة. ثم استطرد حديثه بهدوء:
"كما قال زين خُلقت حواء من ضلع أعوج من سيدنا آدم.. فقد كان آدم قبل أن تخلق حواء يعيش بالجنة وحيدًا.. وبيومٍ استيقظ ووجد إلى جواره حواء.. تأمل جملها وشعر بانس إلى جوارها. فسألها من أنتِ؟ هل تعلمون بما أجابته حواء!"
انتظر الجميع إجابة مهران. الذي استرسل حديثه كي يشبع فضولهم:
"أجابته بإمرأة.. فسألها آدم لِمَ خُلقتي؟"
أجابته حواء بـ (لتسكن إليّ)، ثم منحها اسم حواء لأنها خُلقت من شيءٍ حي وهو ضلع أعوج ... وهناك حديث هام لرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، قال (استَوْصُوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ، وإن أعوَجَ ما في الضِّلَع أعلاه، فإن ذهَبتَ تُقيمُه كسَرتَه وإنْ ترَكتَه لم يزَلْ أعوَجَ، فاستَوصوا بالنساء)."
نظر لهم مهران يترك لهم دقيقة لاستيعاب الحديث. ثم قال بصوت هادئ:
"أن الضلع يا أولادي أعوج.. إذا حاولت أن تقيمه حتى يستقيم انكسر وإن تركته سيظل أعوج كما هو.. أن المرأة يتحكم بها الاختناق.. تريد بأوقات أن تشعر بحب من زوجها، وأن يتفنن بإظهاره. وإن حاولت الرفض وجعلها ألا تطالب بمثل هذا الطلب كسرتها بقوة.. هذا مثل صغير لما أحاول توضيحه.. المرأة لا يمكن لك أن تصلحها.. يجب أن تحتويها.. لا يجب لك أن تقيمها لتستقيم.. بل عليك بأخذها بين ذراعيك تمنحها الحنان.. هي قارورة أوصانا بها الرسول."
شعر مهران بوصول رسالته. ليردف ببسمة صغيرة:
"يكفي اليوم.. وغدًا سنكمل بهذا الحديث."
نهضوا جميعًا بمشاعر متضاربة. كلًا منهم ينطلق لغرفته. دلف مازن وقطوف لغرفتهما. ثم جلست قطوف على الفراش. تنتظر فرصة سانحة كي تتكلم. في حين خرج مازن من الحمام يرتدي ملابس آخر مناسبة للخروج. أوقفته قطوف مرددة بدهشة:
"أنت هتخرج!"
ظل مازن صامتًا يوليها ظهره. ثم فتح الباب وغادر بصمت. في حين رمشت قطوف بعينيها عدة مرات. ثم شعرت بضيق من تركه لها. عادت تنام على الفراش. تحضن وسادة صغيرة وهي تشعر باختناق شديد لما تمر به من قبل. ولا أحد يشعر بها.
***
سار مازن شاردًا بحديث مهران. يشعر بتعجب من علاقته بقطوف. فكلما حاول الابتعاد تظهر له رسائل تجعله يتراجع. تنهد بيأس. ثم وجد عيادة صغيرة دلف لها يوصف له الحالة. ثم حمل دواء مغادرًا المكان.
***
دلف مازن للغرفة. ينظر نحو قطوف التي غفت من التعب. في حين أبدل ملابسه. ثم حمل حقيبة الدواء وانطلق بها نحو قطوف يخرج منها مرهمًا يضع منه القليل على يده. ثم بدأ يدلك على موضع الألم الذي تشعر به برفق شديد. تأوهت قطوف قليلًا. ثم همست بنعاس دون أن تشعر:
"أنا مقصدش.. سامحني.. متسبنيش."
توقف مازن قليلًا عما يفعله. ثم زحفت بسمة صغيرة على شفتيه. يرفع يده بعدما انتهى من وضع هذا المرهم. وسار نحو الخزانة كي يأخذ حقنة الأنسولين. وما أن أمسك بالحقنة حتى ارتفع صوت قطوف:
"مازن أنت جيت!"
تجمد مكانه يتطلع نحو الحقنة بتوتر. لا يعلم كيف سيخفيها!
رواية فطنة القلب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سلمى خالد
تعجب من صمتها الغريب، في حين فركت قطوف يديها بتوترٍ شديد، تتطلع لعينيه بصمتٍ.
ترك مازن ما بيده ثم قال بحيرةٍ:
_ مالك يا قطوف! في حاجة حصلت؟!
أخذت نفسًا طويلًا ثم قالت بصوتٍ مندفع:
_ آه كنت عايزة فستان احضر بيه لأن مش عندي فستان.
رمش مازن بعينيه عدة دقائق يحاول استيعاب ما قالته، ليردف بغيظٍ:
_ كل دا عشان فستان ما تقولي من الأول بدل ما أنا قاعد نص ساعة بخرج من بوقك الكلام وأنتِ متنحة.
رفعت قطوف حاجبيها بغيظٍ، تردف بحنقٍ:
_ أنتِ بتزعقلي ليه.. أنا اتكسفت اطلب منك من بعد ما بعدت عني وأنا محتاجاك.
صمت مازن قليلًا، يحدق بها بدهشةٍ، في حين توردت وجنتي قطوف خجلًا، أشاحت بوجهها بعيدًا تردف باقتضاب تخفي خلفه خجلها الذي كشفه مازن:
_ روح الحمام خلاص مش عايزة حاجة.
ابتسم مازن بمكرٍ، يتقدم نحوها بهدوءٍ، في حين حاولت قطوف اظهار الثبات، ولكن انقطعت انفاسها كلما اقترب منها، وقف مازن أمامها مباشرةً ثم قال بهمسٍ:
_ اتنفسي يا قطوف.
أخذت انفاسها بصعوبةٍ، تتحاشى النظر له، في حين تمتم مازن ببسمة علت ثغره:
_ ليه لما احتجتني مجتيش علطول!
نظرت قطوف إلى الأسفل بحرجٍ، تجيبه بخفوتٍ:
_ خوفت تكسفني ومترضاش.
أمسك كفها بحنوٍ، يردف وهو يربت عليها بدفءٍ:
_ عمري ما فكرت اكسف حد غريب، هكسفك حد من عيلتي وخاصة أنتِ يا قطوف.
تلون وجهها بحمرة الخجل، ترتجف يدها بين كفه، تحاول سحبها، ولكنه أمسك برفقٍ كي لا تنزعها، نظرت له بتعجبٍ لتجده يتطلع لها بحبٍ، ترك مازن كفها ثم اقترب يهمس جوار اذنها:
_ بعد كده تيجي تطلبي اللي عايزاه مهما حصل بينا فاهمة.
:_ فاهمة.
قالتها بخضوعٍ لأول مرة، ابتسم مازن برضا، يرى قطوف خاضعة لأول مرةً بحياتهما، نظر لها قليلًا ثم قبل جبينها برقةٍ وابتعد عنها، ولكن لم يبق دقيقة بعدها حتى وجدها مغشيًا عليها، اتسعت عين مازن فجأة وهو يراها على الأرض، هبط يضرب وجنتيها بخفةٍ قائلًا بصدمةٍ:
_ قطوف.. قطوف.. يا دي النيلة أنتِ عاملة فيها توم كروز وفي الأخر طلعتي فار مبلول.
حملها بين يديه ليضعها على الفراش، ثم امسك بزجاجة ماء وقام برش بعض الماء على وجهها لتفق وهي تنظر حولها وما أن رأت مازن حتى بكت بقوةٍ، تراجع مازن يردف بصدمةٍ:
_ في إيه أنا مازن!!
ازداد بكاؤها بشدة، ليردف مازن بصوتٍ حنون وكأنه يداعب طفلة:
_ أهدي يا حبيبتي احلف على المصحف إني معملتش حاجة دي بوسة بريئة وراحت لحالها ومش هتتكرر.
نظرت له قطوف بأعينٍ مدمعة، تردف بصوتٍ مبحوح:
_ بجد!
حرك رأسه بايجابيةٍ، يردف بتأكيد:
_ عيب أنا قولتلك حاجة وطلعت كدب.
رمشت بأهدابها قليلًا تفكر، في حين أسرع مازن يردد ببسمة متسعة:
_ مش أنا اتفقت مع ياسين ننزل نجيب فستانك!
:_ لا خلاص هلبس أي حاجة مليش نفس.
قالتها قطوف وهي تنهض من أعلى الفراش، في حين زفر مازن براحةٍ ما أن رأها استعادت وعيها من جديد، يتطلع لها وهي تحضر ملابسها، الآن يعترف ان قطوف تحمل جانب طفولي صغير لم يراه من قبل وهي لم تدع أحد يراه! فقط هو من يراه.
**********
دلت مريم لغرفتها بتعبٍ، تمسك بساقيها متمتمة بألمٍ وهي تجلس على الفراش:
_ آآه يا رجلي، الله يسامحك يا جدو هو أنا ناقصة مشي.
نزعت حذاؤها ثم كادت أن ترفع قدمها، ولكن رأت وردة حمراء وإلى جوارها ورقة صغيرة، تعجبت من تلك الأشياء ثم مدت يدها تتفحصها تلك الورقة، وبالفعل ما أن فتحتها حتى وجدت..
»ازيك يا بومة عاملة إيه، جتلك النهاردة مخصوص وحطيت الوردة دي عشان خاطر آخر مرة زعقت فيكِ جامد، متزعليش مني يا بومتي.«
ابتسمت مريم بسعادةٍ من هذه الكلمات، ونظرت للوردة بحبٍ تضمها لصدرها بسعادة، مرددة بصوتٍ هامس:
_ مين قال إني زعلت يا ياسين.
**************
حاول أن يغفو ولكن هذا الشعور المرهق لايزال يلازمه، يتذكر دموعها التي انسابت على وجنتيها ما أن ألقى بكلماته القاسية، اعتدال من أعلى الفراش ينظر إلى الأمام بضيقٍ، يردد بصوتٍ مختنق:
_ يوووه كان لزمًا ازعق فيها يعني!
صمت قليلًا يحاول فهم سبب لما فعله معها، فهي لم تفعل شيء يجعله يصيح بها بهذا الشكل، تنهد قليلًا يردف بيأسٍ:
_ شكلك يا زين عايز ترجع لوجع القلب تاني.
نهض من على الفراش، يرتدي جلبابه، ثم انطلق نحو غرفة ياسمين وقبل أن يطرق الباب استمع لضحكت ابنته، زحفت بسمة صغيرة على شفتيه ما أن استمع لصوت صغيرته التي اختفت ضحكتها منذ أن رأت والدتها غارقة بدمائها، استمع لصوتها الصغير يردف:
_ أنا بحبك أوي يا ماما ياسمين.. أنتِ اكتر حد حنين عليا وبيحبني أوي.
:_ عارفة مين كمان بيحبك؟
:_ مين؟
:_ بابا بيحبك أوي.
:_ بس أنا زعلانة منه عشان زعقلك!
:_ لا يا قلبي بابا كان خايف عليكِ وأنا غلطت عشان اخدتك بدون ما حد يعرف والمفروض إني اقول لبابا الأول وبعد كده نخرج... لما بابا يزعق معايا تاني أوعي تزعلي منه.. مش هتلاقي يا ورد أحن من الأب عليكي.
حوار صغير دار بينهما استمع له زين دون قصد، طرق الباب بخفةٍ، لتنهض ياسمين من فراشها تتسأل عن هوية الطارق:
_ مين!
:_ أنا زين.
اجابها بهدوءٍ ينتظر خلف الباب، في حين ارتدت ياسمين حجابها ثم فتحت الباب تردف بتعجب:
_ في حاجة حصلت!
حمحم زين بتوترٍ لا يعلم كيف أصيب به، يضع يده بمؤخرة رأسه متمتمًا:
_ أحم لاء بس يعني كنت جاي عشان أعتذر عن اللي حصل مني الصبح.
ابتسمت ياسمين بهدوءٍ، ثم قالت بحزنٍ:
_ ولا يهمك حصل خير، ثم اللي قولته مفهوش غلط.
دُهش زين من طريقتها وكلماتها وعلم بوجود خطبًا ما، ولكن قاطع تفكيره ركض وردة له وهي تحتضنه بسعادة مرددة:
_ بابا اخيرًا صحيت.
احتضنها زين حاملًا إياها بحبٍ، ثم كاد أن يتحدث، ولكن اوقفه صوت هاتف ياسمين، ابتسمت ياسمين بتهذب قائلة:
_ عن أذنك.
شعر زين بالضيق من كونه لم يجد فرصة سانحة له كي يتحدث معها، ولكنه قال بهدوءٍ اخفى خلفه ضيقه:
_ اتفضلي.
تراجع للخلف كي تغلق الباب وبالفعل اغلقته تمسك بالهاتف كي تجيب على المتصل غير معروف الهواية، وما أن اجابت حتى وجدت صوت تعلمه جيدًا:
_ وحشتني يا ياسمين.
ارتجف جسدها بقوةٍ، تعلم هذا الصوت! ولكن من أين أتى برقمها، قاطع وصال تفكيرها صوته مرددًا بفحيح:
_ موحشكيش جمال ولا ايه! كلها أيام وارجع تاني ونتجوز وساعتها مفيش قوة في الأرض هتبعدني عنك يا ياسمنتي.
أغلقت الهاتف تضع يدها على أذنها تمنع صوته المشمئز من النفاذ الى اذنها، تردف ببكاءٍ يزداد:
_ عايز مني إيه! سبني في حالي! سبوني في حالي!
*************
جلست تحتضن نفسها بخوفٍ، تضم ركبتيها لصدرها، تنساب دموعها دون توقف، استمعت لصوت طرقات غرفتها مجددًا، نظرت نحو الباب بخوفٍ ولكنه اختفى ما أن استمعت لصوت قطوف وهي تردف:
_ إيه يا ياسمين افتحي دي أنا قطوف.
نهضت ياسمين سريعًا تزيل دموعها، تفتح الباب بعدما أغلقت عليها بمفتاحٍ، ثم دلفت قطوف تنظر لها بتعجب قائلة:
_ مالك قافلة على نفسك كده ليه؟!
اجابتها ياسمين بتوتر:
_ مفيش بس قاعدة هنا لوحدي وخوفت شوية، فقولت اقفل على نفسي.
اقتنعت قطوف قليلًا لاسيما أن ياسمين منذ وفاة والدتهما وهي تعاني من الجلوس بمفردها، دلفت تردد بدهشة من عدم اعداد ذاتها:
_ انتِ كل دا مجهزتيش!!
:_ مش عارفة ألبس إيه!
قالتها ياسمين بضيقٍ، في حين ابتسمت لها قطوف تذهب نحو الخزانة مرددة بحنوٍ:
_ خلاص أنا هقولك تلبسي إيه.
وبدأت بمساعدتها في اختيار الملابس، وبالفعل انتهى الاختيار على فستان هادئ باللون السماوي، به حزام بدرجة أغمق من لون الفستان، بدأت ياسمين بارتداء الملابس، في حين جلست قطوف على الفراش، تشعر بتردد من رغبتها بالإلقاء السؤال، تحدثت ياسمين وهي تنظر للحزام قائلة:
_ قطوف اربطه من الجنب ولا ورا؟!
لم تستجب لها، في حين نظرت لها ياسمين بدهشةٍ قائلة وهي تتقدم منها:
_ مالك يا قطوف؟!
وضعت يدها على كتفها لتنتبه لها قطوف تنظر لها بوهنٍ، ابتسمت ياسمين مرددة بمكرٍ:
_ اللي واخد عقلك!
عبست ملامح قطوف تردف بحنقٍ:
_ اسكتي يا بت أنتِ.. لا بفكر ولا بنيل أنا بس مش عارفة هنقضي الفرح دا إزاي؟!
نظرت لها ياسمين دون اقتناع، ثم نهضت تردد بيأسٍ من شقيقتها وكبريائها:
_ طب اربطي الحزام.
بدأت قطوف بربط الحزام، ولكنها كانت بالفعل تفكر بمازن، لم تتحمل الصمت طويلًا وهي تنظر لشقيقتها من الحين للأخر حتى اردفت فجأة:
_ هو مازن بيحب إيه؟!
نظرت لها ياسمين فجأةً، ثم ارتفع صوتها بالضحك تردد:
_ واضح أنه فعلًا مش عارفة هنقضي الفرح إزاي!
احتقن وجه قطوف بغضبٍ، في حين توترت ياسمين تردف سريعًا قبل أن تنفجر بها قطوف:
_ معرفش أوي عن مازن، يمكن لما بيطلب الحاجة بعرف أنه بيحبها غير كده معرفش.
هدأت ملامحها ولكن ظهر عليها الاحباط، في حين شعرت ياسمين بإحباط شقيقتها، بقت لبعض الوقت تفكر حتى قالت بتذكر:
_ آه افتكرت، مازن قالي زمان أنه بيحب الطيارة الورق وأنه يطيرها في السما، كانت لعبته المفضلة بس طايرته كسرها بعد ما باباه سافر وسابه لأن هو اللي جابه ليه، وبطل يلعبها.
ابتسمت قطوف بسعادةٍ، تتمتم بامتنان وهي تحتضن شقيقتها:
_ شكرًا يا ياسمين شكرًا بجد.
ابتسمت ياسمين من سعادة شقيقتها وضمتها بحبٍ هامسة لها:
_ أوعي تنكري حبك يا قطوف، مازن يستحق أنه يتحب وأنتِ تستحقي أنك تتحبي وربنا اختاركم لبعض.. اوعى تكابري وحاولي تقربي من مازن يا حبيبتي.
توردت وجنتي قطوف بخجلٍ، فهي لم تتخيل بيومٍ إنها يمكن أن تقع بحب احد وبالأخص مازن، ضحكت ياسمين على خجل شقيقتها، في حين ضربتها قطوف على كتفها قائلة:
_ بس يا بت بقى.
**************
هبط الجميع إلى الأسفل بعدما استعدوا، نظر لهم مهران بفخرٍ وهو يراهم جميعًا يد بيد، أردف بحبٍ لهم وعينيه تشع سعادة:
_ الآن أنا فخورٌ بكم يا أحبابي وأنتم يد بيد واحدة، سنذهب إلى هناك سيرًا.
اترفع صوت ياسين وهو يردد بحنقٍ:
_ ليه يا حاج ما توكتوك يخلصنا تلاتة ورا واتنين يحشروا السواق ونركب ورد فوق التوكتوك تسقف.
ركضت ورد نحو عمها، تردف بسعادة:
_ هركب فوق التوكتوك يا عمو.
نظر لها ياسين ببسمة بلهاء، ثم حملها بين يديه يردف:
_ عايزة تسقفي فوق التوكتوك يا وردتي؟
:_ آه.
قالتها ورد بإيجابية، في حين ارتفع صوت مهران الصارم يردف بحزم:
_ انتهى هذا الحديث، هيا سنذهب سيرًا، هيا.
عبست ملامح ياسين ثم وضع ورد أرضًا، لينطلق الشباب إلى الخارج، تسير زينة وملك وجمال معًا، ومازن وقطوف خلفهم، وياسمين وورد ورائهم، وزين مع والده يمنع نفسه من النظر إلى ياسمين، في حين كاد ياسين أن يسير معهم ولكن اوقفهم قائلًا:
_ ثانية نسيت حاجة هجيبها واجي.
حرك مهران رأسه بيأسٍ، يردف بضيقٍ:
_ هيا نذهب نحن.
انطلق مهران والجميع، في حين عاد ياسين إلى البيت ثم دلف للمطبخ كي يحضر مبتغاه وما أن رأه حتى أردف وهو يخبئه في جلبابه:
_ واخيرًا لقيت للجلابية دي نفع.
اخفى ما يبحث عنه، ثم سار للخارج، ولكنه وجد مكتب والده مفتوح ويوجد صوت به، قطب جبينه وانطلق نحو المكتب ليتفاجأ بميرفت تعبث بالأوراق، احتقن وجه ياسين الذي أردف بحدةٍ:
_ بتعملي إيه عندك!
تركت مرفت الأوراق فجأة، تتطلع له بصدمةٍ فهي لم تشعر به بتاتًا، تمتمت بتلعثم وهي تشير للخارج:
_ أنت مش كنت معاهم.
تقدم ياسين بوجهٍ متهجم، يجيبه بصوتٍ ساخر:
_ وحظك رجعت عشان اشوف عمايلك! بتعملي إيه في مكتب أبويا ومتألفيش حوار عليا عشان عارف أنتِ هنا ليه!
نظرت مرفت للأوراق الموضوعة أمامها، ثم جلست على مقعد والده بأريحية، تبتسم بمكرٍ متمتمة:
_ ويا ترى جيت هنا ليه!
رفع ياسين حاجبه، يردف بسخطٍ:
_ عشان تطمني على ورث اللي جدي سابه هنا وتعرفي تخديه كله مننا وإزاي!
نظرت له قليلًا تضيق عينيها، كيف علم بمخططها؟، في حين استرسل ياسين بنظرةٍ مشمئزة:
_ هو أنتِ فاكرة اني مش عارف كل عمايلك وأنك السبب في جواز قطوف ومازن، وانك خطفتي ياسمين وحاولتي تضيعي مستقبلها وتشوه سمعة اخوكي عشان ورث وطمعك.
اتسعت عين مرفت بصدمةٍ من علمه بكل ما فعلت، في حين احتدت نبرات ياسين يردف بلهجةٍ تحمل التهديد:
_ قسمًا بالله لو عرفت أنك قربتي من حد في العيلة وحاولتي تقربي من مكتب ابويا عشان جشعك دا أنا هفضحك في كل حتة واقول على كل حاجة عملتيه.. فاهمة.
هدر بأخر كلمة في عنف، في حين تلون وجه مرفت بحُمرة الغضب، عينيها تمتلأن بالحقد، تهمس بصوتٍ فحيح وهي تراه يترك الغرفة:
_ أنا هدوقك سم مرڤت العطار عامل إزاي يابن عيلة العطار.
دفعت الأوراق أرضًا ثم تركت إلى غرفتها تفكر كيف ستنتقم منه.
**************
وصل الجميع إلى الزفاف، فكان عُرس بالشارع مقسوم إلى نصفين نص إلى النساء والنص الآخر إلى الرجال، لا يستطيعا رؤية أحد، دلفت زينة ومعها الفتيات، في حين دلف مهران ومعه الفتيان.
وقف مهران يسلم على والد العروس، في حين جلس كلًا من مازن وياسين وزين وجمال على مقاعد، شعر ياسين بمللٍ، يردف بصوتٍ عالي:
_ جعان أكلوني.
اتسعت عين زين بصدمةٍ، في حين نظر مهران لمصدر الصوت ليشير ياسين على مازن بخوفٍ، اتسعت عين مازن بصدمة يحرك رأسه بنفيٍ وأنه لم يفعل ذلك، صك مهران على أسنانه، ثم أكمل حديثه مع الرجل، في حين نهض جمال بيأسٍ من افعال ياسين وغادر إلى الحمام، عاد مهران بنظره نحو ياسين ومازن قائلًا بجدية يعتريها التحذير:
_ سأذهب مع السيد وهدان كي ألقي التحية على أقاربه، إياكم أن أجد مصيبة جديدة من مصائبكم... هيا يا زين.
حرك كلامها رأسه، ليغادر مهران من المكان مع زين، في حين امسك مازن ذراع ياسين يردف بغيظٍ:
_ أنت بتلبسني يالا.. هقولهم أنهم اتحرشوا بيك في بيت حبيبة القلب.
رمقه ياسين بنظرةٍ حانقة، يردف وهو يشيح بيده بضيقٍ:
_ هتذلني بقى عشان لحقتني من الراجل قبل ما يتحرش بيا.
ضرب مازن يد ياسين يتمتم بنبرة حازمة:
_ أنا ربيتك على كده بتشوح بايدك!
اغتاظ ياسين منه وخاصة من ابتسامة مازن الشامتة، لتطرق برأسه فكرة، نظر إلى مازن قليلًا ثم دفعه من أعلى المقعد، شهق مازن والموجودين من وقوع مازن، ليرفع ياسين يده قائلًا:
_ اسفين يا رجالة الواد بس كل حاجة وكان هيزور وضربته بضهره عشان ألحقه بس طلع خفيف.
عاد الجميع للفرح مجددًا، في حين حدج مازن ياسين بنظراتٍ مشتعلة يزمجر بعنفٍ:
_ أنت ياض بتستهبل! ماشي أنا هوريك.
نهض مازن من مكانه يصعد على المسرح، يمسك بالمايك يردف بصوتٍ عالي ماكر:
_ أحلى سلام على أهلى البلد، ومبارك للعرسان، وعشان الليلة حلوة زي دي ياسين العطار قرر يرقص معاكم بالحصان هدية للعرسان يارب تعجبكم.
ترك مازن المايك، في حين اتسعت عين ياسين بصدمةٍ من جنون مازن، وجد أحد الرجال يحضر حصانًا له يردف بسعادة:
_ خد يا استاذ ياسين الحصان أهوه.
نظر له ياسين بغيظٍ يردف بحنقٍ دون أن يستمع له أحد:
_ فرحان أوي يا خويا وكأنه بتسلمني الدرع الجمهورية.. دي هتبقى جنازة مش جوازة.
أمسك ياسين بلجام، ثم نظر إلى مازن بغيظٍ بعدما اقترب منه يهمس بأذنه:
_ ألبس يا معلم.
نظر ياسين له بحنقٍ شديد، ثم قال بصوتٍ عالي وهو يتطلع نحو مازن بمكرٍ:
_ ابن عمي وصحبي لسه أول مرة يجي البلد، وعشان كده هنركب الخيل سوا أنا هتحرك بالخيل وهو هيقف يرقص عليه بالعصاية.
صفق الرجال جميعًا وحيوا مازن، في حين جحظت عين مازن بصدمة، دفعه أحد الرجال إلى ياسين الذي همس لمازن أيضًا:
_ هتلبسني في الحياط.. هلبسك معايا في نفس الحيط.
صك مازن على أسنانه بغيظٍ، ثم قال وهو يرى تطلع الناس لهم:
_ بتركبوه إزاي دا؟!
نظر له ياسين بغرورٍ ثم قال وهو يستعد للركوب الخيل:
_ بص واتعلم.
أمسك ياسين باللجام ثم وضع قدمه وكاد أن يصعد ولكن افلتت قدمه وسقط على الأرض يصرخ بألمٍ، في حين ضحك مازن بشدة يردف من بين ضحكه:
_ ياسين أنت متأكد أنك ظابط يالا!
:_ ظابط غصب عن عينك.
قالها ياسين بغيظٍ يتأوه من الألم، في حين علق مازن ساخر:
_ ظابط نص كم.
تعجب الرجال من سقوط ياسين ليردف أحدهم:
_ أنت مبتعرفش تركب الحصان يا استاذ ياسين!!
ابتلع ياسين لعابه وهو يحاول تذكر كيف يصعد على الحصان، ليردف بجدية:
_ لا طبعًا بعرف بس الجزمة اتقطعت وعشان كده وقعت.. بتحصل بتحصل عادي.
حرك الرجل رأسه ثم قال ببسمة متسعة:
_ طب يلا اطلع بقى حمستونا نشوفكم بترقصوا بالحصان.
:_ أنا عايز أفهم سر السعادة اللي في وشك دي إيه! عشان أنت خنقني من ساعة ما دخلت!!
قالها ياسين بغضبٍ، في حين امسكه مازن يردف بصوتٍ هامس:
_ أخلص خلينا نخلص من التلبيسة السودا دي قبل ما أبوك وزين يجي ويشوف البهدلة دي.. واحمد ربنا أنه راحوا مع ابو العروسة يستقبلوا الناس برة.
تراجع ياسين وأيقن من حديث مازن، وعاد ينظر للحصان مجددًا ليحاول الصعود عليه، وبصعوبة نجح بها، ابتسم بسعادة يردد بحماسٍ:
_ yes
مد مازن يمسك بكفه، يردد بحنقٍ:
_ اخلص هي مش ناقصة.
وصعد مازن معه يجلس خلف الحصان، اشتعلت الموسيقى وبدأ الحصان يتراقص على نغمة هذه الموسيقى، ابتسم كلًا من ياسين ومازن على حركات الحصان، ولكن لم تكتمل البسمة، عندما قام أحد الأطفال بضرب الحصان بهذا السوط الخفيف عليه، علا صهير الحصان ورفع قدمه الأمامية، ليسقط مازن من عليه يصرخ بألمٍ، في حين انطلق الحصان بين الناس الذي هربوا من الحصان بصعوبة، صرخ ياسين برعبٍ وهو يمسك باللجام:
_ مش عارف أوجفه ... مش عارف اوجفه.
صعد الحصان على المسرح الخاص بالعرسان، ليركض العريس بعيدًا تاركًا العروس التي صرخت من الرعب وهي ترى ياسين قدم نحوها بالحصان يصرخ قائلًا:
_ ألحقــــــــــــــوني.
سقطت العروس خلف المقعد المخصص لها، ولم تستطع النهوض، في حين أكمل الحصان ركض دون توقف، ليردف ياسين بأعينٍ تكاد تدمع:
_ أبوس ديلك اوقف.. اوقــــــــــــــف.
صرخ بها وهو يرى إحدى السيارات أتية باتجاهه، ولكن افلت منها الحصان وأكمل ركض، لم يجد ياسين حلًا سوى أن يلقي نفسه من فوق الحصان كي لا يبتعد عن الزفاف، وبالفعل ألقى نفسه من فوق الحصان ليسقط أرضًا صارخًا بألم.
أمسك بذراعه الذي انتشر به الألم، ثم نهض عائدًا للزفاف، وما ان دلف حتى وجد العروس تقع بين المسرح والأرض، والناس يحاولون إخراجها، في حين يلتف الناس حول المصابين كي يساعدوهم على النهوض، لم يعلم ما الذي يفعله ولكنه يجب أن يحل الأمر قبل أن ينتشر، ويقع بأزمة أكثر صعوبة مع والده، انطلق نحو العروس كي يرى لِم لم تنهض وبالفعل ساعدوها على النهوض والجلوس بمقعدها، واحضروا العريس كي يجلس مكانه، في حين جلس الناس على مقاعدهم ولكن جميعهم يحاول استيعاب ما حدث.
ابتلع ياسين لعابه، ثم تقدم نحو المايك يردف بتوترٍ:
_ ألف سلامة على المصابين رجالة والله، ومن هنا وجبي كظابط مكافح إني اشكركم على قوتكم دي و يلا على البوفيه يا جماعة بعد الفرهدة دي خلينا ناكل ونكمل عادي..
نظر ياسين للعروس التي بحالة صدمة وإلى جوارها زوجها بنفس حالته، تمتم بتوترٍ:
_ العرسان قومي شهيصوا كده.. شغل يابني اغنية اختيارتي مدمرة حياتي.
هبط ياسين من أعلى المسرح وانطلق نحو البوفيه كي يتناول الناس الطعام، ثم قام بالاتصال على أحد اصدقاؤه بالبلدة كي يحضر طعام وعصير لمن بالزفاف، وبالفعل أحضر لهم الطعام.
_ما الذي حدث! لما العروس بهذه الحالة!
قالها مهران بصدمةٍ وهو يرى فستان العروس بحالة يرثى لها، في حين تقدم والد العروس للداخل يرى حالة ابنته ولكنها لم ترد، ابتلع ياسين حلقه بصعوبة، في حين أتى مازن من خلف يردف بحنقٍ:
_ مش تطمن عليا تشوفني حصل إيه ولا الحصـ...!
صمت فجأة وهو يرى مهران يتطلع لهما مضيقًا عينيه، ثم سأل بشكٍ:
_ ماذا حدث؟!
ابتلع مازن لعابه بصعوبةٍ هو الأخر، ولم يجيب، ليرد الرجل الذي احضر الحصان:
_ استاذ ياسين المفروض يرقص على الحصان ويشعلل الفرح.. بس الحصان حد ضربه وجري مننا وبهدل الدنيا زي ما أنت شايف يا شيخ مهران.
احتدمت نظرات مهران يتطلع نحو ياسين ومازن اللذان تراجعا بخوفٍ، همس ياسين بغيظٍ:
_ اتصدق إن السجن أسلم حل للراجل دا عشان يلم لسانه اللي عايز حشه.
عاد مهران بنظره إلى الرجل وقال بصوتٍ صارم:
_ نعتذر عاما حدث.. سوف نستأذن الآن.
ثم نظر إلى مازن وقال بصوتٍ متوعد:
_ هيا سنغادر الآن.
توتر كلًا من مازن وياسين، في حين شعر جمال وزين بأن ما فعله ياسين لن يمر مرور الكرام.
**************
_ أنا لا أفهم ماذا تريد مني!
قالها مهران بصوتٍ حاد مخيف، يضرب بالعصا على الأرض، في حين نكس كلًا من ياسين ومازن رأسهما إلى الأرض، كاد ياسين أن يتحدث، ولكن احتدت نظرات مهران القاتلة يردد:
_ أصمت.. أن تحدثت فسوف اقتلع رأسك من مكانها و أضعها عبرة لمن يفعل مثلك!
صمت ياسين سريعًا، في حين أكمل مهران وهو ينظر إلى كلاهما:
_ لا يوجد راحة لكم بعد الآن سوف تعملون بالأرض طوال الأسبوع وإن لم أجد حصد خلال شهرين فسوف أقضي عليكم.
:_ طب وبنسبة للجمعة هنتشغل برضو!
قالها ياسين بنبرةٍ متسائلة، في حين ضرب مهران بعصاه الأرض، ثم قال بحدة:
_ لا تجعلني اخبرك أنك ستعمل 18 ساعة باليوم.
جحظت عين ياسين بصدمة، ثم وضع يده على فمه مثل الأطفال، في حين نظر مهران إلى زينة يردد:
_ احضري طعام العشاء ثم الشاي هيا.
هرولت زينة سريعًا فزوجها ستنشط غضبًا، في حين صعد الجميع إلى غرافهم، ولكن يحمل الفتيات حالة ذهول.
***********
_ هو إيه اللي حصل يا مازن؟!
قالتها قطوف بقلقٍ، في حين نظر لها مازن قليلًا ثم سرد لها ما حدث، لترتفع ضحكة قطوف بقوة داخل الغرفة، تأمل مازن ملامحها وهي تضحك بشدة، بشرتها الخمرية التي تلونت بحُمرة الضحك، عينيها اللتان تدمعان من كلماتٍ قالها فأضحكتها، همس مازن دون أن يشعر:
_ ضحكتك حلوة أوي.
توقفت قطوف عن الضحك، تنظر له بخجلٍ، في حين ابتسم مازن وهو يرى خجلها، هتف بصوتٍ رجولي جذاب يتأمل ملامحها الهادئة:
_ اقولك على حاجة يا قطوف.. أنا بحب أشوف كسوفك دا أوي.. بيبقى شكلك حلو فيه.
توردت وجنتيها خجلًا، لتردف باقتضاب محاولة اخراج نفسها من هذا الموقف:
_ والله عشان بتحبوا تشوف الست ضعيفة إنما لما لساني يطول تبقى الست وحشة صح.
تعجب مازن من تحولها المفاجئ، ولكنه ابتسم بهدوءٍ يردف بصوتٍ يحمل حنينًا:
_ خالي قالي مرة قبل كده.. مفيش ست قوية.. ربنا خلقك ضعيفة مهما قويتي على الدنيا كلها هتيجي قدام شخص واحد وتضعفي.. قدام ربنا.. قدام ابوكِ.. اخوكي.. جوزك.. المهم إنك هتضعفي.. وغير كده مفيش ست وحشة.
اتسعت عين قطوف بصدمةٍ، تنتفض من مكانها مرددة بحدةٍ:
_ وعرفت منين أن مفيش ست وحشة يا سي مازن!
:_ حلوة اسي مازن دي.
قالها مازن بغرورٍ، لتنقض قطوف عليه تمسكه من تلابيب جلبابه متمتمة بصوتٍ غاضب يحمل غيرة نسائية:
_ عارف يا مازن يا بن مرفت لو اتكلمت عن ست حتى لو بشكل عام هعمل فيك إيه!
ابتسم بإعجاب لغيرتها، وأردف وهو يتطلع ليدها التي تمسك بتلابيب ملابسه :
_ اعتقد مفيش اسوأ من قلة الأدب دي!
امتلأت عينيها بالغضب، تجيبه بصوتٍ فحيح:
_ لاء في.. متخلنيش اعملك سماد للأرض. وتبقى الغدا بتاعها.
ابتلع مازن لعابه يردف بتوترٍ:
_ سلامًا قولًا من رب الرحيم.. أنتِ هتتحولي ولا إيه؟
:_ مش عايزني اتحول كده تاني.. يبقى تحافظ على لسانك ماشي يا بابا.
قالتها قطوف وهي تبتعد عنه، تضرب على كتفه بجدية، في حين نظر لها مازن بغيظٍ متمتمًا:
_ ربنا على المفتري.
:_ بتقول حاجة!
قالتها تمسك بسكينٍ جوار طبق الفاكهة، اتسعت عين مازن بذعرٍ يردد:
_ بقول ربنا يحفظك ليا يا مراتي يا حبيبتي.
تركت قطوف السكين، تردف برضا:
_ طب يلا ياسطا فسحني!
:_ ياسطا.. وافسحك.. أنتِ متأكد يا قطوف أنك بنت!
قالها بمازن بذهولٍ، في حين رفعت قطوف حاجبها تردد:
_ إيه متأكدة إني بنت دي! ما كل البنات بتعمل كده مع اجوزهم.
اتسعت عين مازن بصدمةٍ متمتمًا:
_ نعم! بيعملوا كده! أمال فيلم تيتانك دا كان إيه!
اجابته قطوف ببسمة ساخرة:
_ كدب طبعًا.. دا نسبة ضرب الزوجة لزوجها في مصر بقت 28٪.. وأنت بتقول تيتانك.. هو لو في تيتانك دا بجد كان هيبقى دا حال الرجالة ولا الستات.
نظر لها باقتناع، ثم قال:
_ معاكِ حق.
استمع كلاهما لصوت طرقات على الباب يعلن عن النزول لتناوله الطعام، كاد مازن أن يتحرك ولكن شعر بيد قطوف تمسك بكفه، نظر لها بدهشةٍ، لتردف بحرجٍ:
_ ممكن متسبش ايدي أبدًا!
امسك بكفها بحنوٍ، يردف بصوتٍ حنون:
_ عمري ما فكرت اسيبها.. ولا عمري هسيبك.
زحفت بسمة مطمئنة لشفتيها وهي ترى تمسكه به، وشعرت بتلك اللحظة أنها بحاجة له، وأن زواجها به ليس إلا لنعيم لها.
**********
وُضع الشاي للجميع، ليمسك جميعهم بقدحه الخاص، دقيقتين وبدأ مهران بالحديث، يردف بهدوءٍ:
_ اليوم قصتنا صغيرة للغاية، فهي عن الغيرة يا احبائي، وكانت ستنا عائشة زوجة سيدنا محمد تغار بشدة، بإحدى المرات كانت ستنا عائشة تحمل طاجن به الطعام، واتت به إلى الرسول ولكن سمعته يتحدث بثناءٍ على ستنا خديجة رضى الله عنها، فغارت بشدة وألقت الطاجن على الأرض لينشق نصفين، نظر الرسول لما فعلته عائشة وضحك يمسك بالطاجن المقسوم ووضع به الطعام مجددًا ولكنه قال:
- غارت أمكم.
نظر مهران ببسمة نحو مازن الذي سلط بصره على قطوف يبادلان البسمة، ثم استرسل حديثه بهدوءٍ:
_ أن الغيرة شيئًا طبيعي بين الزوجين... ولك الافراط به سوء... لذا عندما ترى زوجتك تغار فأعلم أنك سكنت قلبها، وأن رأيتي زوجك يغار أعلمي أن ما حمل بقلبه اثنى سواكِ.. ولكن يجب أن نتعلم أن كيف نحتوى تلك الغيرة حتى لا يتفاقم الأمر بين الزوجين.. فالغيرة شعور من الغضب يجب احتواؤه بشكلٍ صحيح..
ثم أضاف بنبرةٍ مرحة:
_ اتعلمون أنني لا أستطيع أن احضر احد يساعد عمتكم زينة لأنها تغار بشدة عليّ ويمكن ان تقلعني من المنزل.
ضحك الجميع على حديث مهران، في حين اشار لهم بالنهوض، ولكن وقف مازن يردف ببسمةٍ مهذبة:
_ لو ينفع يا خالي اخد قطوف واخرج اشتري حاجة ونرجع علطول.
حرك مهران رأسه بإيجابيه، ليغادر الأثنان وينهض الجميع عائدين إلى غرافهم.
**********
_ مالك ساكتة ليه؟!
نظر لها مازن بتعجب يردف بتلك الكلمات، في حين اجابته قطوف بحرجٍ:
_ اصل دي أول مر نخرج سوا فيها!
نظر لها قليلًا ثم قال بضحكٍ:
_ اتصدقي صح!
ضحكت قطوف على تعليقه، ثم سار سويًا، حتى ظهر القمر، لتردف قطوف بحبٍ لملامح السماء النقية:
_ القمر جميل أوي.
أكد مازن حديثها، يردد بخفوتٍ:
_ فعلًا من حق المنفلوطي يناجي القمر.
نظرت له قطوف بتعجبٍ، متسائلة:
_ أنت بتقرأ للمنفلوطي؟!
حرك راسه بايجابية، يردد بهمسٍ يتناسب مع نسمات الهواء الباردة:
_ آه.. بحب القراءة.. تحبي تسمعي مناجاة القمر.
حركت رأسها بإيجابية، ليردف مازن قائلًا:
_ أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروسٌ حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمانٍ، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه؟ وهذه النيرات حورٌ وولدان أم فصٌّ من ماسٍ يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتمٌ من الأنوار أم مرآة صافية؟ وهذه الهالة الدائرة بك إطارٌ أم عينٌ ثرَّةٌ ثجَّاجةٌ وهذه الأشعة جداول تتدفق أم تنُّور مسجورٌ؟ وهذه الكواكب أشررٌ يتألق؟
أيها القمر المنير
إنك أنرت الأرض وهادها ونجادها، وسهلها ووعرها، وعامرها وغامرها، فهل لك أن تشرق في نفسي فتنير ظلمتها، وتبدد ما أظلها من سُحُبِ الهموم والأحزان؟!
أيها القمر المنير
إنَّ بيني وبينك شبهًا واتصالًا، أنت وحيد في سمائك، وأنا وحيد في أرضي، كلانا يقطع شوطه صامتًا هادئًا، منكسرًا حزينًا، لا يلوي على أحد ولا يلوي عليه أحد، وكلانا يبرز لصاحبه في ظلمة الليل فيسايره ويناجيه، يراني الرائي فيحسبني سعيدًا؛ لأنه يغترُّ بابتسامةٍ في ثغري وطلاقةٍ في وجهي، ولو كُشف له عن نفسي ورأى ما تنطوي عليه من الهموم والأحزان، لبكى لي بكاء الحزين إثر الحزين، ويراك الرائي فيحسبك مغتبطًا مسرورًا؛ لأنه يغترُّ بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف له عن عالمك لرآه عالمًا خرابًا، وكونًا يبابًا، لا تهبُّ فيه ريحٌ، ولا يتحرَّك شجرٌ، ولا ينطق إنسانٌ، ولا يَبْغَمُ حيوانٌ.
أيها القمر المنير
كان لي حبيبٌ يملأ نفسي نورًا، وقلبي لذةً وسرورًا، وطالما كنت أناجيه ويناجيني بين سمعك وبصرك، وقد فرق الدهر بيني وبينه، فهل لك أنْ تحدثني عنه وتكشف لي عن مكان وجوده؟ فربما كان ينظر إليك نظري، ويناجيك مناجاتي، ويرجوك رجائي. وهأنذا كأني أرى صورته في مرآتك، وكأني أراه يبكي من أجلي كما أبكي من أجله، فأزداد شوقًا إليه وحزنًا عليه.
أيها القمر المنير
ما لي أراك تنحدر قليلًا قليلًا إلى الغروب كأنك تريد أن تفارقني، وما لي أرى نورك الساطع قد أخذ في الانقباض شيئًا فشيئًا، وما هذا السيف المسلول الذي يلمع من جانب الأفق على رأسك؟
قف قليلًا لا تغب عني، لا تفارقني، لا تتركني وحيدًا، فإني لا أعرف غيرك، ولا آنَسُ بمخلوقٍ سواك.
آهٍ! لقد طلع الفجر ففارقني مؤنسي، وارتحل عني صديقي! فمتى تنقضي وحشة النهار ويُقْبِلُ إليَّ أنس الظلام؟
استمعت قطوف لمازن، وإلى مناجاة القمر، نظرت له بعدما انتهى، لتردد ببسمةٍ:
_ الله جميلة أوي مناجاة القمر.
ابتسم مازن لها، يردف وهو يتطلع للسماء:
_ محدش يعرف بموضوع القراءة دا.. أو بمعنى أصح مفكرتش اشارك حد غيرك بيه.
ابتسمت له قطوف ثم قالت بتساؤلٍ:
_ بس اشمعنى مناجاة القمر اللي حاسه كده بتحبها وبتقولها بطريقة غريبة بس مريحة؟!
بادلها الابتسامة ولكن انحدرت تلك الابتسامة وهو يرى ملامحها الملتاع، في حين كانت تنظر إلى تلك الدراجة النارية التي تقود بسرعةٍ عليهما، ولكن قبل أن تصرخ بالابتعاد سقطت أرضًا بعدما اصطدمت بتلك الدراجة النارية!!
يتبع.
رواية فطنة القلب الفصل السادس عشر 16 - بقلم سلمى خالد
نظرت لما بين يديها بصدمة، تحاول استيعاب ما فهمته، هل مازن مريض سكر؟ هل ورث هذا المرض من أبيها؟ استدارت بعينيها لتجده يغفو مكانه بعمق.
عادت تتذكر شريط حياتها معه ومن قبل، عندما كان يطالب بالشاي دون سكر وكانت تسخر منه، عندما صنعت طعامًا لهما واضطر لأن يتناوله دون أن يخبرها بمرضه.
اغرورقت الدموع عينيها فجأة وهي تتذكر اتهامها له بالخيانة، لم تكن خيانة، بل كان مريضًا بالمشفى إذًا. ابتلعت لعابها بصعوبة، ثم وضعت الأوراق مجددًا. يجب أن تتأكد مما رأت. نظرت له قليلًا، تتقدم بخطواتها له حتى أصبحت جواره، تنظر لملامحه الساكنة، ثم قالت بندم:
_ أنا آسفة.. حقيقي آسفة على اللي عملته واللي هعمله!
***
_ آآه ياني ياما.
رددها ياسين وهو يجلس على الفراش، يرفع قدمه كي ينظف جرحها. يحدث نفسه كالأبله:
_ آه على اللي بيحصلي، هي إجازة باينة من أولها، ده الشغل عندي مش بتمرمط فيه كده.. حقيقي شابو لكل فلاح مصري أصيل.. أنا عرفت معنى تشققات وكساح من المرمطة دي.
أنهى ياسين تطهير الجرح، ثم انطلق يغلق النور كي يغفو، ولكن تذكر مريم وعينيها اللتين لمعتا بالدموع عندما صرخ بها. عض على شفتيه بندم، ثم قال بتصميم داخله:
_ لازم أروح أصالحها.
أغمض عينيه يغفو، ولكن بداخله عقد العزم على الذهاب لها.
***
صباحًا..
أشعة الشمس الساقطة على عينيه أفاقته. فتح عينيه ببطء ينظر حوله، فهو لم يشعر بشيء ما أن وضع رأسه على الوسادة. انتفض من مكانه فجأة وهو يرى قطوف تنام على المقعد بشكل سيسبب حتمًا ضررًا لها.
_ قطوف.. قطوف اصحي.
قالها مازن وهو يحرك يدها بخفة، في حين انتفضت قطوف بخوف، تنظر إلى مازن بقلق متمتمة:
_ أنت كويس!! فيك حاجة!!
قطب مازن جبينه بدهشة، ثم أجاب وهو يزيح الغطاء:
_ الحمدلله كويس... إيه اللي نيمك كده!!
نظرت له بقليل من التوتر، ثم أجابت:
_ مفيش.. أصل أنا قولت أقعد شوية على التليفون وتقريبًا نمت من غير ما أحس.
حرك رأسه متفهمًا ثم نهض بتعب من الفراش، في حين نظرت له قطوف ثم نهضت هي الأخرى كي تبدل ملابسها وتنفذ خططها.
***
انتهى مازن من حمامه، وشعر أنه بحاجة له. خرج من الحمام ليجد قطوف تدلف إلى الغرفة حاملة صينية. رفع مازن حاجبيه بدهشة، يردف بتساؤل:
_ إيه ده!!
أجابته قطوف ببسمة هادئة:
_ الفطار.. قولت لعمي مهران إنك تعبان أوي ومش هتقدر تقوم واستأذنت تفطر النهاردة هنا.
ضيق عينيه لها، في حين توترت قطوف من نظراته، ثم قالت:
_ إيه.. بتبص كده ليه!
_: هقولك ومتزعليش.. أنتِ مش وش حنية خالص يا قطوف.. متعود الصبح أقوم على خناقة سخنة كده تفوقني.. إنما الحنية دي بتخوف.
قالها مازن بجدية، في حين رفعت قطوف حاجبها بغيظ ثم رددت من بين أسنانها تشير نحو الطعام بعينيه:
_ كُل يا مازن بدل ما تبقى الغدا بتاع النهاردة.
اتسعت عين مازن بسعادة، يردف بارتياح:
_ إيوة كده اتظبطي أنا بقول برضو إيه اللي جرالك!
جلس مازن على الأريكة، يزيح القماشة من على الصينية، ولكن اتسعت عينيه بصدمة، فجميع المأكولات التي لا تصح له وضعيتها. نظر لها بتوتر، في حين رددت قطوف ببسمة فرحة تحمل التزييف:
_ أنا اللي حضرته بنفسي!
نظر لها باندهاش، يردف بتعجب حقيقي:
_ بجد!
حركت رأسها بإيجابية، تردف بسعادة حقيقية:
_ آه.. الصراحة عمتو زينة وقفت معايا لحد ما جهزت الصينية لوحدي.
حرك رأسه بتفهم، يردف بفخر:
_ طب اتصالحي إنك شاطرة.. أنا فخور بيكي مستسلمتيش.
زحفت بسمة حقيقية لشفتي قطوف، تتطلع لمازن بنظرة غريبة، في حين تعجب مازن من نظرة قطوف فهي لم تنظر له هكذا من قبل.. يعلم هذه النظرة هي نظرة حب!! هل أحبته!
حرك رأسه نافيًا، ونظر للطعام بتنهيدة، ثم بدأ بأكل القليل منه كي لا تحزن. وما إن انتهى حتى سمع صوت قطوف تتمتم:
_ أنت مكملتش أكل ليه؟!
أجابه مازن وهو يحتسي الشاي:
_ تسلم ايدك يا قطوف.. أنا الحمدلله شبعت ولاسيما الأكل كله معمول بالسمنة البلدي وهي بتشبعني بسرعة.
نالت إجابته رضاها، لتنهض حاملة الصينية، متمتمة:
_ طب هنزلها وأجي.
وبالفعل غادرت الغرفة، ولكن تركت به فتحة صغيرة لترى مازن الذي نهض سريعًا يفتح الخزانة حاملًا حقنة الأنسولين يحقن بها ذاته. أغمضت عينيها بألم إذا كل ما فهمته صحيح!، نظرت للطعام بندم ثم تحركت نحو الأسفل كي تضع الطعام مكانه، تقرر مواجهته.
***
وضعت قطوف الصينية على الطاولة الموجودة بالمطبخ، شاردة بما علمته، حتى قاطع شرودها صوت زينة قائلة:
_ بقولك يا قطوف بكرة هنصلي الفجر وهنبدأ خبيز ماشي يا حبيبتي.
نظرت لها قطوف بوهن، ثم قالت ببسمة باهتة:
_ حاضر.
شعرت زينة بوجود خطب ما، لتردف وهي تمسك كفها قبل رحيلها إلى الحظيرة:
_ أنتِ كويسة يا قطوف!!
شعرت قطوف بحاجتها بالحديث، لتردف ببعض الغموض:
_ هو ممكن واحدة تتجوز وهي مش عارفة جوزها خالص!!
ابتسمت زينة وفطنت ما ترمي له قطوف، لتربت على كفها بحنو، تردف ببسمة حنونة:
_ آه كتير كمان، تعرفي إن اتجوزت عمك مهران وأنا مشوفتش شكله حتى، جه اتقدم وبابا وافق واتجوزتله علطول، لكن أعرف بيحب إيه ولا أعرف بيكره إيه.. بالعشرة اللي ما بينا وأننا كنا عايزين نبني بيت عرفته وعرفني.. صحيح حصل مشاكل بينا، بس عمر ما مشكلتنا خرجت برة عتبة أوضتنا.. مفهاش حاجة يا حبيبتي أن الواحدة تعرف جوزها من الأول وجديد.
ألقت حديثها ثم غادرت مهرولة إلى الخارج بعدما سمعت نداء زوجها، في حين بقيت قطوف تفكر بحديثها، وعزمت على الذهاب إلى الأرض كي ترى مازن وتحدثه.
***
_ ماما ياسمين عايزة نشتري غزل بنات بسرعة عمو هيمشي!
قالتها ورد بحماس طفولي ما أن استمعت لصوت مزمار بائع غزل البنات. ابتسمت لها ياسمين ثم قالت وهي تنهض كي تدلف إلى المنزل، ولكن أوقفتها ورد وهي تحاول أن تسحب يدها للخارج:
_ يا ماما ياسمين عمو هيمشي!
توترت ياسمين قليلًا، ولكنها قررت أن تثق بقرارها. حملت ورد على ذراعها، تردف ببسمة صغيرة وهي تلامس أرنبة أنفها:
_ يلا يا وردتي.
انطلقت ياسمين مع ورد كي يلاحقا بالرجل، ولكنه ابتعد لمسافة بعيدة. كسا الحزن ملامح ورد، شعرت ياسمين بالذنب اتجاهها فأردفت ببسمة وهما يتجهان إلى بائع حلوى:
_ تعالي ندور على غزل البنات في أي محل يلا.
صفقت ورد بيدها، تقبل وجنتي ياسمين بحب، مرددة بصوت صادق:
_ أنا بحبك أوي يا ماما.. وهقولك ماما علطول.
ضمتها ياسمين بحب، تردف بأعين مدمعة بسعادة:
_ وأنتِ أحلى بنوتة وبنوتي اللي بعشقها.
***
هبط زين من أعلى الدرج يبحث عن ابنته، يريد أن يلاعبها قليلًا قبل أن يغادر إلى الأرض. بقي يبحث عنها حتى قابل والدته فسألها بتعجب:
_ ماما مشوفتيش ورد؟!
حركت رأسها نافية، تردف بما تعلمه:
_ لا يا حبيبي آخر حاجة كانت مع ياسمين بيلعبوا برة في الجنينة.
زفر زين بقلق، ثم انطلق نحو الحديقة باحثًا عن ابنته، ولكنه لم يجدها، فانطلق إلى خارج المنزل يشعر بخوف من فقدانها يكفي زوجته الراحلة!!
***
_ ملك هروح أكلم مازن بحاجة ضرورية أوي وهرجع ماشي!
قالتها قطوف تنهض من مقعدها. حركت ملك رأسها بإيجابية تردد ببسمة رقيقة:
_ ماشي يا حبيبتي.
انطلقت قطوف نحو الأرض كي تحدث مازن تشعر بتوتر شديد. وقفت خلف الشجر تأخذ نفسًا قبل أن تتقدم نحوه لتقوم بتلك المواجهة، ولكن استمعت لسؤال ياسين مرددًا:
_ صحيح يا مازن أنت اتجوزت قطوف إزاي؟ ده أنتم بتاكلوا في بعض أكتر ما بتحترموا بعض!
حدجه مازن بنظرة حادة، يزمجره بغيظ:
_ ما تحترم نفسك يالا.
_: خلاص يا عم مقصدش.. قولي قصة الحب المعاقة بتاعتكم!
قالها ياسين بتهكم، في حين ألقى مازن بحجر على ياسين. ركض ياسين بعيدًا يضحك بخفة متمتمًا:
_ خلاص خلاص قول بجد اتجوزتوا إزاي؟!
زفر مازن بحنق، ثم قال بصوت متنهد:
_ مفيش... أصلًا طريقة جوازنا ببعض غريبة!
قطب ياسين جبينه، يردف باقتناع:
_ الصراحة معاك حق.. مش مقتنع خالص إنك تقول لعمي أنا طالب إيد بنتك قطوف اللي كل يوم بنمسك في بعض وبناكل بعض علقة موت أتجوزها.. لا والأسوأ إنها تتكسف وتقول متكسفنيش يا بابا بقى.
ركض مازن خلف ياسين الذي أسرع بالركض بضحك يردد بصوت عال:
_ يا عم بهزر.. بهزر.
_: ما أنت مش هتتلم غير لما أنفخك.
قالها مازن وهو يمسك ياسين من تلابيب ملابسه يكاد يلكمه، في حين صرخ ياسين برعب متمتمًا:
_ ابوس إيدك بلاش طب خد حقك بكرة بلاش النهاردة عشان عايزك بحوار.
نظر له قليلًا يضيق بعينيه، في حين حرك ياسين رأسه بإيجابية متمتمًا:
_ يا عم احلف على المصحف خلاص بقى.
تركه مازن يعود إلى فأسه، في حين عاد أيضًا ياسين لفأسه يردف بمزاح:
_ ما تحكي بقى!!
لم ينظر له، صمت وهو يتذكر طريقة زواجهم، ثم أجابه بهدوء:
_ ياسمين كانت هتستلم الشهادة بتاعتها، وأنا كنت براعيها من كل جانب، لحد ما عمي محمد الله يرحمه قرر يعمل حفلة ليها، ولأننا كنا سوا علطول قررنا نعمل كتب كتاب أنا وعمي ليها بيوم استلامها الشهادة وتبقى مفاجأة ليها، بس يومها..
أغمض مازن حدقتيه بألم، يردف بحزن:
_ بس يومها أمي بعتت ناس يخطفوا ياسمين عشان تسبب فضيحة لعمي.. خوفت على عمي لأنه مريض سكر وآخر فترة تعب الدكتور قال مينفعش يتعرض لصدمة وأي صدمة ليها هتبقى خطر على حياته ووقتها روحت أجيبها من الكوافير وملقتهاش ولو اتأخرنا هتحصل مشكلة، وعرضت على قطوف الجواز عشان السمعة العيلة والشغل، وكتبنا الكتاب يومها.
صمت ياسين يستمع لحديثه الغريب، ثم سأل بهدوء:
_ طب حبيت قطوف امتى؟!
ابتسم مازن يتذكر اهتمامها به، فأردف مازن بصدق:
_ مكدبش عليك وجودي مع ياسمين عشان أرعاها لأني وعدتها.. بس قطوف مكنتش بشوف غير إنها واحدة أنانية، بس في الحقيقة هي أحن إنسانة شوفتها.. كانت بتخلي بالها مني رغم أوقات كنت أضايقها، عمر ما إنسان بيكرهك بجد وبيساعدك.. وقطوف عمرها ما كرهتني يا ياسين.. قطوف شخصية قوية دموع ضعفها منزلتش غير في وشي أنا..
نظر إلى ياسين يجيبه بحب يتذكر ملامح قطوف:
_ حبيتها لأن كنت أمانها من غير ما تحس... والبنت اللي يبقى أمانها هتكون حبيبها.
ابتسم ياسين لحديثه، وتمنى بالفعل أن يصبح أمان لمريم، تذكر ياسين شيئًا ليردف:
_ طب أنت مقولتش ليه إنك مريض سكر.. على الأقل ليها!!
امتعض وجه مازن، يجيبه بحزن:
_ عايز قطوف تحبني تحب مازن.. ميكونش الحب بتاعها شفقة لأني مريض سكر وانسب حل إنها متعرفش!
_: طب ما تقولها يا مازن.. مش ضروري تكون شفقة.. ممكن تفهم إنها مشاركة.
قالها ياسين بمحاولة إقناعه. نفى مازن حديثه نفيًا قاطعًا، يردد بتحذير:
_ ياسين أوعى قطوف تعرف أنا عرفتك عشان أنت ابن عمي وصاحبي.
تنهد ياسين بيأس، ثم قال:
_ خلاص يا مازن مش هقول لحد أصلًا.
استرسل ياسين حديثه ولم يلاحظ كلاهما قطوف التي عادت إلى الحظيرة شاردة بقرارها:
_ مازن.. عايز منك خدمة العمر.
نظر له بتعجب، ليكمل ياسين بتوتر:
_ عايز أروح بيت مريم أعتذر لها.
_: طب ما تروح!
قالها مازن بتعجب، في حين ردد ياسين بحرج:
_ ما مش هينفع حد يشوفني هناك.. وكمان هقولهم إيه هعتذر من بنتكم اللي شخط فيها!!
اقتنع مازن من حديثه، ليردف بحيرة:
_ طب هندخل إزاي؟!
نظر له ياسين ببراءة مزيفة، ثم قال بكلمات سريعة:
_ البيت هناك عايز ستات يخدموا فيه!
اتسعت عين مازن بصدمة من حديثه، ليردف بشك:
_ أنت قصدك نلبس زي الحريم!!
حرك ياسين رأسه بإيجابية، زمجر مازن بعنف يردد برفض:
_ أنا استحالة أعمل كده أنت فاهم يالا.
***
_: اتأخرنا يا ورد وزمانهم قلقوا بالبيت وهيزعقوا لماما ياسمين!
قالتها ياسمين وهي تسير مع ورد نحو المنزل بعدما نظرت بالساعة، في حين رددت ورد بطفولة:
_ لا مش هيزعقوا لماما ياسمين عشان ماما ياسمين بتفرح ورد.
ابتسمت ياسمين بحنو، ثم دلفت إلى المنزل، وقبل أن تخطو لداخل البيت، تراجعت بخطواتها إلى الخلف بعدما رأت زين يأتي لهما بأعين نارية يزمجر بحدة:
_ أنتِ مين اداكي حق إنك تخرجي ببنتي!
ابتلعت لعابها، تنظر لها بعدما اختطف منها ورد، ثم قالت بتلعثم:
_ أنا مكنتش أقصد!
احتدت عينيه بشدة، يردف بصوت قاس:
_ لو فكرتي تقربي من البنت تاني صدقيني مش هسكتلك أنت فاهم.. افرضي حصلكم حاجة هدافعي عن بنتي إزاي وأنتِ ضعيفة كده ومهزوزة علطول!
امتلأت عينيها بالدموع، تتراجع إلى الخلف بخوف، تعلم جيدًا بضعفها وأنها كانت عرض لأي خطر، دائمًا تشعر بأنها عائق لوالدها وهي من تسبب له المشكلات. همست ياسمين بصوت محشرج:
_ أنا آسفة.
سارت نحو الداخل تتسرب الدموع من عينيها، ترتجف شفتيها مما يحدث، في حين ابتعدت ورد عن والدها، تردد بتذمر:
_ ليه عملت كده!!
نظر لها زين بضيق من نفسه، لطالما كان هادئًا لما فعل هكذا معها. أكملت ورد بنبرة حزينة:
_ ماما ياسمين بتحبني.. كانت بتخلي بالها مني لما تيتة وعمتو ميكونوش فاضيين، وحضرتك بتيجي بالليل تعبان ومش بشوفك وهي كانت بتنيمني على السرير في حضنها عشان مخفش.. حتى لما تيتة مرفت زعقتلي هي وقفت معايا وخدت الزعيق مكاني.. وأنا كنت عايزة آكل غزل بنات والرجل مشي وهي خدتني ندور على غزل بنات عشان ما ازعلش.. أنا زعلانة منك.. لما ماما ياسمين تصالحك أنا كمان هصالحك.
تركت يده واندفعت إلى الداخل نحو ياسمين في حين نظر لها زين بذهول، لم يدري كل هذا! بدأ يتطلع لسرابهما، ثم غادر إلى الأرض وهو يفكر بحديث ابنته وما فعله مع ياسمين ولم يلاحظ اختفاء مازن وياسين!!
***
_: ما تخلص يا مازن أنت هتعمل فيها ست بجد!
قالها ياسين بضجر من تأخر مازن. في حين خرج مازن من خلف الشجر ينظر إلى ياسين بحنق مرددًا بغيظ:
_ بقولك إيه سبني في حالي.. مش كفاية ملبسني نقاب ونفسي قرب يتقطع.
أشاح ياسين بيده يردد بتذمر:
_ طب يلا خلينا نخلص.
سار الأثنان بجانب بعضهما حتى يصلا إلى المنزل، ولكن تفاجأ كلاهما بصوت رجل خلفهما يردد:
_ هما المزتين راحين فين!
اتسعت عين كلاهما بصدمة، وقرر أن يتقدما بالسير كي لا يلفتوا الانتباه، ولكن تقدم خلفهم ذاك الرجل يردد:
_ ما توريني القمر دا!
صك مازن على أسنانه، في حين توقف ياسين عن السير يستدير رافعًا نقابه يردد بعنف:
_ القمر دا عند أمك يالا عارفها.
تراجع الرجل بذعر من ملامح ياسين ثم ركض بعيدًا، في حين أنزل ياسين النقاب وعاد إلى مازن الذي ضحك بشدة على فعلت ياسين. تمتم ياسين بحنق:
_ راجل مشفش تربية.. سبناك ومشينا مكمل في قلة الأدب.
_: متزعليش نفسك ياختي!
قالها مازن بضحك، في حين لكزه ياسين بغضب يردف بغيظ:
_ يلا خلينا نخلص.
سار كلاهما إلى المنزل حتى وصلا، وقف الاثنان أمام البوابة، فسأل الحارس قائلًا:
_ انتم مين؟!
اشعل ياسين التسجيل بصوت فتاة قد صنعه، يردد فيه:
_ أنا سمية الشغالة الجديدة ودي هيام صحبتي.
حرك الحارس رأسه وافسح لهما المجال، يردف بجدية:
_ البهوات خرجوا برة وجايين بعد شوية خليكم بالمطبخ.
حرك كلاهما رأسه ثم همس مازن بأذن ياسين بعدما ابتعدا عن الحارس:
_ آه يا بن اللذينة.. مظبطها.
رد ياسين بفخر:
_ عيب أنت بتكلم ظابط.
دلف الأثنان سويًا نحو المطبخ، ثم ردد ياسين بهمس:
_ خليك هنا لحد ما أروح وأجي فاهم.
_: فاهم غور.
قالها مازن بحنق، في حين غادر ياسين المكان باحثًا عن مريم كي يصالحها. صعد الدرج كي يضع لها جوابًا كتبه لها، وبالفعل استطاع أن يصل لغرفتها. دلف ووضع الجواب ولكن أثار فضوله رؤية غرفتها... رأى مازن طبق من اللحم مُعد، اتسعت عينيه بسعادة ثم لينطلق نحو الطبق يلتهم منه بنهم، حتى يعود ياسين فقد تأخر بشدة، ولكن أنزل نقابه سريعًا ما أن شعر بأقدام أحدهم. دلف أحد الحرس للداخل ينظر إلى مازن بتعجب، يردد بتساؤل:
_ أنتِ مين؟!
اتسعت عين مازن بصدمة، فهو لا يستطيع أن يجيب بصوته الرجولي، فاستدار يولي ظهره لهذا الرجل، في حين اقترب من مازن ثم وضع يده على كتفه بطريقة مقززة شعر بها مازن لينتفض من مكانه بخوف يهمس بداخله:
_ إله ينتقم من الظالم يا ياسين.. على آخر الزمن هيتحرشوا بيا.
استمع مازن لصوت هذا الرجل يقترب منه قائلًا برغبة:
_ أنتِ خايفة مني ليه؟ تعالي بس هقولك على حاجة مهمة.
انقض عليه الرجل، ليفزع مازن بشدة، يحاول الإفلات منه. لم يجد طريقة سوى قول بنبرته الخشنة:
_ ابعد عني.
ترك الرجل مازن فجأة، يردد بذعر:
_ بسم الله الرحمن الرحيم أنتِ إيه بالظبط!!
خشي مازن من أن يكشف أمرهما، فإن علم أحد بهما سوف يفضح بالبلدة. نطق مازن بدلال مزيف، ولكن يكاد يقسم داخله أنه سيقتل ياسين:
_ عندي التهابات في الأحبال الصوتية عشان كده صوتي حصل له كده.
زفر الرجل براحة، ثم عاد يتقدم من مازن كي يتحسس كتفه مجددًا، ولكن دفعه مازن بقوة وركض نحو الحديقة هاربًا من هذا المتحرش!!
هبط ياسين على الدرج سريعًا يردد:
_ ده مازن هيكلني علقة!
دلف يسيران إلى المطبخ كي يحضر مازن، ولكنه تفاجأ بأحد الحرس ذو جلباب. اتسعت عينيه بصدمة، يخشى منه، ليتقدم إلى الخارج ولكن وجد يد تقبض على ذراعه بقوة تدفعه إلى الداخل، يردد بغيظ:
_ أنتِ بتوقعيني أنا يا بت!!
حرك ياسين رأسه بنفي، وقد علم أن مازن من فعل ذلك، ليردف الرجل بدهشة:
_ أنتِ مين اللي فاتت كانت أقصر من كده!!
أشعل ياسين التسجيل:
_ أنا سمية!
ابتسم الحارس باتساع وهو يستمع لهذا الصوت الأنثوي، لتزحف يده على ذراع ياسين بذات الطريقة المقززة، يردف بخبث:
_ شكلك أرق من صحبتك.. أنتم جداد هنا!
اتسعت عين ياسين بصدمة، يبتعد عن هذا الرجل، يهمس بداخله:
_ يا فضيحتي يا فضيحتي لو حد عرف إن بيتحرش بيا في القسم.
انتفض من مكانه وهو يرى هذا الرجل يضمه من الخلف، ليصرخ ياسين بذعر، انتفض الرجل فجأة ينظر له قائلًا:
_ صوتك إيه اللي جرا ليه؟!:
_: بيجيلي التهابات من الحاجات دي!!
قالها ياسين بصوته الخشن، ظن إنه سيبتعد عنه، ولكن اقترب منه الرجل بشدة يردف:
_ مش مهم أنا هعالج الالتهابات دي.
جحظت عين ياسين بخوف من نظراته الخبيثة، يتراجع إلى الخلف متمتمًا:
_ مش عايز أعالجها!
اقترب منه الحارس قائلًا:
_ هكسبك مناعة!:
_: مناعة إيه ابوس إيدك سبني أروح.
قالها ياسين بعدما وجد الحائط خلفه، في حين حاصره الرجل بين ذراعيه يردد برغبة:
_ تروحي إيه بس تعال...آآآه.
صرخ الرجل بألم ما أن لقى ضربة قوية على رأسه، نظر ياسين المنكمش على نفسه إلى الرجل الملقى أرضًا ثم إلى مازن الذي يمسك بالعصا. هتف مازن باشمئزاز ممزوج بحنق:
_ اتفو عليك.. اتحسبت راجل على الفاضي.. تعالى ياخويا وأنت بتترعش كده تعالى.
انطلق الأثنان سويًا، وغادرا المنزل، ليصرخ مازن بياسين قائلًا:
_ أنا على آخر الزمن يتحرش بيا.
نظر له ياسين، ثم قال بتهكم:
_ احمد ربنا أنا دخلت في محاولة اغتصاب.
حدجه مازن بنظرات حادة، ثم قال بعصبية:
_ بقى مازن العطار اللي يتعمله ألف حساب كان بيترعش بسبب راجل ابن **.
سار معه ياسين يتذكر فعلته، ليردف وهو يبصق جواره:
_ اللي ينشك ببطنه أقوله الحاجات دي بتجيبلي التهابات يقولي هكسبك مناعة.. مناعة تكسر رقبتك يا بعيد.
رمقه مازن بنظرة ساخرة، ثم قال:
_ ياض ده أنت كنت هتنهار جوا.
رفع ياسين سبابته، يردف بغيظ:
_ بقولك إيه أنا كنت هوقفه.
نظر مازن إليه بسخط، ثم قال بسخرية:
_ توقفه اسكت.. الله يكون في عون البنات ده إحنا وجلنا انهيار عصبي من التحرش أمال لو كان اغتصاب كان إيه اللي حصل!
تنهد ياسين بحمد، يردف:
_ الحمدلله ربنا يسترنا يا أخي.
رمقه مازن بحدة، ثم قال بتحذير:
_ دي أول وآخر مرة أسمع كلامك فيها.. المرادي جت في تحرش المرة الجاية مش ضامن هيتعمل فيا إيه!
عاد كلًا من ياسين ومازن إلى الأرض كي يعملان بها، ولكن أرسل مهران لهما كي يعودا مبكرًا فالساعة الواحدة ظهرًا وأخبرهم أن يأتوا.
وصل الجميع إلى الردهة، ينتظران مهران الذي خرج من المكتب يتطلع لهما ثم قال وهو يجلس على مقعده:
_ لدينا زفاف بالليل لذا أخبرتكم أن تأتوا مبكرًا كي تتناولوا الغداء ونروي قصتنا ثم تصعدوا كي تغفوا قليلًا بالساعة السادسة جميعكم تصبحون مستعد.
امتثل الجميع حديث مهران وتناولوا الغداء وسط محاولة ياسمين للهروب من زين، ونظرات قطوف إلى مازن واهتمامها به.
اجتمع الشباب والجميع بالردهة يحتسون الشاي، ثم بدأ مهران بالحديث عن قصته يردف بهدوء:
_ اليوم يا أحبائي سوف نتحدث عن أبي العاص بن الربيع وزوجته ابنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام زينب. ذهب أبي العاص كي يطلب بيد زينب من الرسول ولكن الرسول أخبره بأن يسألها أولًا وبالفعل سألها الرسول وتزوجت من أبي العاص بعد موافقتها، فأحبها أبي العاص حبًا كبيرًا، ولكن بهذا الوقت كانت قريش تحارب الرسول لذا أمروا بأن ترد بنات الرسول ويتطلقن. فعادت رقية وأم كلثوم ولكن لم تعد زينب فحاول أهل قريش مع أبي العاص ولكنه قال: لا وربِ هذه البنية أي الكعبة، لا أفارق صاحبتي، فليس بيني وبينها ما يدعو لذلك، ولم أر من محمد إلا خيرًا، أنا لست على دينه، ولكني لا أفارق ابنته.
حاولوا معه وأخبروه سوف يزوجه بأي امرأة يشير عليها ولكن رفض عرضهم يعلن أن زينب هي بنت نساء قريش جميعًا. عادوا يحملون خيبات وعاد أبو العاص لزوجته يحمل طفليه، يردد بحب لزوجته: لا عليكِ، لن ينالوا مما بيننا يا زينب، أنت على دين أبيك، وأنا على ديني.
وعندما هاجر أهل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – ، منع أبو العاص زينب من الهجرة محبة بها، فهو لا يستطيع فراقها، بقيت معه في مكة. ولما كانت غزوة بدر؛ خرج مع قومه مكرهًا، فوقع في الأسر.
علمت زينب بأخبار الغزو وحمدت ربها بانتصار أبيها ولكن عندما علمت بأسر زوجها، أرسلت لفدائه بقلادة منحتها لها السيدة خديجة رضي الله عنها. رأى النبي قلادة ابنته ورق قلبه لها، فهذه قلادة خديجة زوجته وحبيبته. وعلم مدى حبها لأبي العاص فشاورا الصحابة بينهم ووافق الجميع على فداء أبي العاص وإعادة القلادة إلى زينب، ولكن تقابل مع الرسول وأخبره أن الله فرق بين المسلمين والكافرين بسم الله الرحمن الرحيم (وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).
وأن زينب لا تحل له ويجب أن يرسلها. رد أبو العاص: لبيك.
عاد ولا يدري كيف له العيش بدون زينب! ولما وصل جهز لها زادها وراحلتها، وأخبرها بأنه سيرسلها إلى أبيها. ومن شدة حبه لها، لم يتمالك نفسه بأن يوصلها إلى أطراف البادية ويودعها، فطلب من أخيه عمرو أن يرافقها ويسلمها في أطراف البادية لرسول أبيها. وكان أبو سفيان قد طلب من عمرو أن لا يخرج بزينب علانية على رؤوس الناس، فنزل عمرو عند رغبة أبي سفيان، وخرج بها ليلًا بعد أيام معدودات، وسلمها إلى أبيها يدًا بيد.
ظلت زينب ترفض الخطاب لمدة ست سنوات، على أمل أن يعود إليها زوجها وأبو ولديها مسلمًا.
وكان أبو العاص يومًا في تجارة لقريش إلى الشام، وعند عودته التقته سرية من المسلمين، فأصابوا كل ما معهم وهرب هو منهم، وتسلل ليلًا حتى وصل إلى بيت زينب، فقال لها: جئت هاربًا مستجيرًا. ولما خرج المسلمون لصلاة الفجر، صرخت زينب وقالت: أيها الناس أنا زينب بنت محمد، وقد أجرت أبا العاص فأجيروه. فلما سلم النبي وانتهى من الصلاة، التفت إلى الناس وقال: هل سمعتم ما سمعت؟! ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، وإن هذا الرجل ما ذممته صهرًا، وإن هذا الرجل حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله، وأن تتركوه يعود إلى بلده، وإن أبيتم فالأمر إليكم.
فقال الناس: بل نعطيه ماله يا رسول الله.
فقال النبي: قد أجرنا من أجرتِ يا زينب.
فلما رجع أبو العاص إلى مكة، وقف أمام الكعبة يوزع أموال التجارة الرابحة على أصحابها، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ فقالوا: لا. فرفع صوته قائلًا: إذن فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحَمدًا رسول الله.
ثم عاد إلى النبي، وأخبره بإسلامه، واستأذن زينب أن ترجع إليه، فوافقت.
لم تعش زينب – رضي الله عنها – طويلًا بعد إسلام زوجها والتقائها به، إذ توفيت في العام الثامن من الهجرة النبوية، وبكى زوجها بكاء شديدًا، والذي توفاه الله في العام الثاني عشر من الهجرة، رضي الله عنهما وأرضاهما.
صمت مهران قليلًا، ثم استرسل حديث متمتمًا:
_ أردت يا أحبائي أن أخبركم أن من يحب بصدق سيبقى وفيًا لآخر العمر... يمكنكم النهوض.
نهضوا جميعًا عائدين لغرفهم.
***
_ مازن عايزة أتكلم معاك بحاجة!!
قالتها قطوف بتوتر بعدما أغلقت الباب ترى مازن يستعد كي يأخذ حمامًا ويغفو. نظر لها مازن باهتمام ليرى ما الذي تريده!!
رواية فطنة القلب الفصل السابع عشر 17 - بقلم سلمى خالد
تعجب من صمتها الغريب، في حين فركت قطوف يديها بتوترٍ شديد، تتطلع لعينيه بصمتٍ.
ترك مازن ما بيده ثم قال بحيرةٍ:
_ مالك يا قطوف! في حاجة حصلت؟!
أخذت نفسًا طويلًا ثم قالت بصوتٍ مندفع:
_ آه كنت عايزة فستان أحضر بيه لأن مش عندي فستان.
رمش مازن بعينيه عدة دقائق يحاول استيعاب ما قالته، ليردف بغيظٍ:
_ كل دا عشان فستان ما تقولي من الأول بدل ما أنا قاعد نص ساعة بخرج من بوقك الكلام وأنتِ متنحة.
رفعت قطوف حاجبيها بغيظٍ، تردف بحنقٍ:
_ أنتِ بتزعقلي ليه.. أنا اتكسفت أطلب منك من بعد ما بعدت عني وأنا محتاجاك.
صمت مازن قليلًا، يحدق بها بدهشةٍ، في حين توردت وجنتي قطوف خجلًا، أشاحت بوجهها بعيدًا تردف باقتضاب تخفي خلفه خجلها الذي كشفه مازن:
_ روح الحمام خلاص مش عايزة حاجة.
ابتسم مازن بمكرٍ، يتقدم نحوها بهدوءٍ، في حين حاولت قطوف اظهار الثبات، ولكن انقطعت انفاسها كلما اقترب منها، وقف مازن أمامها مباشرةً ثم قال بهمسٍ:
_ اتنفسي يا قطوف.
أخذت انفاسها بصعوبةٍ، تتحاشى النظر له، في حين تمتم مازن ببسمة علت ثغره:
_ ليه لما احتجتني مجتيش علطول!
نظرت قطوف إلى الأسفل بحرجٍ، تجيبه بخفوت:
_ خوفت تكسفني ومترضاش.
أمسك كفها بحنوٍ، يردف وهو يربت عليها بدفءٍ:
_ عمري ما فكرت اكسف حد غريب، هكسفك حد من عيلتي وخاصة أنتِ يا قطوف.
تلون وجهها بحمرة الخجل، ترتجف يدها بين كفه، تحاول سحبها، ولكنه أمسك برفقٍ كي لا تنزعها، نظرت له بتعجبٍ لتجده يتطلع لها بحبٍ.
ترك مازن كفها ثم اقترب يهمس جوار اذنها:
_ بعد كده تيجي تطلبي اللي عايزاه مهما حصل بينا فاهمة.
:_ فاهمة.
قالتها بخضوعٍ لأول مرة، ابتسم مازن برضا، يرى قطوف خاضعة لأول مرةً بحياتهما، نظر لها قليلًا ثم قبل جبينها برقةٍ وابتعد عنها، ولكن لم يبق دقيقة بعدها حتى وجدها مغشيًا عليها.
اتسعت عين مازن فجأة وهو يراها على الأرض، هبط يضرب وجنتيها بخفةٍ قائلًا بصدمةٍ:
_ قطوف.. قطوف.. يا دي النيلة أنتِ عاملة فيها توم كروز وفي الأخر طلعتي فار مبلول.
حملها بين يديه ليضعها على الفراش، ثم امسك بزجاجة ماء وقام برش بعض الماء على وجهها لتفق وهي تنظر حولها وما أن رأت مازن حتى بكت بقوةٍ، تراجع مازن يردف بصدمةٍ:
_ في إيه أنا مازن!!
ازداد بكاؤها بشدة، ليردف مازن بصوتٍ حنون وكأنه يداعب طفلة:
_ أهدي يا حبيبتي احلف على المصحف إني معملتش حاجة دي بوسة بريئة وراحت لحالها ومش هتتكرر.
نظرت له قطوف بأعينٍ مدمعة، تردف بصوتٍ مبحوح:
_ بجد!
حرك رأسه بايجابيةٍ، يردف بتأكيد:
_ عيب أنا قولتلك حاجة وطلعت كدب.
رمشت بأهدابها قليلًا تفكر، في حين أسرع مازن يردد ببسمة متسعة:
_ مش أنا اتفقت مع ياسين ننزل نجيب فستانك!
:_ لا خلاص هلبس أي حاجة مليش نفس.
قالتها قطوف وهي تنهض من أعلى الفراش، في حين زفر مازن براحةٍ ما أن رأها استعادت وعيها من جديد، يتطلع لها وهي تحضر ملابسها، الآن يعترف ان قطوف تحمل جانب طفولي صغير لم يراه من قبل وهي لم تدع أحد يراه! فقط هو من يراه.
***
دلت مريم لغرفتها بتعبٍ، تمسك بساقيها متمتمة بألمٍ وهي تجلس على الفراش:
_ آآه يا رجلي، الله يسامحك يا جدو هو أنا ناقصة مشي.
نزعت حذاؤها ثم كادت أن ترفع قدمها، ولكن رأت وردة حمراء وإلى جوارها ورقة صغيرة، تعجبت من تلك الأشياء ثم مدت يدها تتفحصها تلك الورقة، وبالفعل ما أن فتحتها حتى وجدت..
»ازيك يا بومة عاملة إيه، جتلك النهاردة مخصوص وحطيت الوردة دي عشان خاطر آخر مرة زعقت فيكِ جامد، متزعليش مني يا بومتي.«
ابتسمت مريم بسعادةٍ من هذه الكلمات، ونظرت للوردة بحبٍ تضمها لصدرها بسعادة، مرددة بصوتٍ هامس:
_ مين قال إني زعلت يا ياسين.
***
حاول أن يغفو ولكن هذا الشعور المرهق لايزال يلازمه، يتذكر دموعها التي انسابت على وجنتيها ما أن ألقى بكلماته القاسية، اعتدال من أعلى الفراش ينظر إلى الأمام بضيقٍ، يردد بصوتٍ مختنق:
_ يوووه كان لزمًا ازعق فيها يعني!
صمت قليلًا يحاول فهم سبب لما فعله معها، فهي لم تفعل شيء يجعله يصيح بها بهذا الشكل، تنهد قليلًا يردف بيأسٍ:
_ شكلك يا زين عايز ترجع لوجع القلب تاني.
نهض من على الفراش، يرتدي جلبابه، ثم انطلق نحو غرفة ياسمين وقبل أن يطرق الباب استمع لضحكت ابنته، زحفت بسمة صغيرة على شفتيه ما أن استمع لصوت صغيرته التي اختفت ضحكتها منذ أن رأت والدتها غارقة بدمائها.
استمع لصوتها الصغير يردف:
_ أنا بحبك أوي يا ماما ياسمين.. أنتِ اكتر حد حنين عليا وبيحبني أوي.
:_ عارفة مين كمان بيحبك؟
:_ مين؟
:_ بابا بيحبك أوي.
:_ بس أنا زعلانة منه عشان زعقلك!
:_ لا يا قلبي بابا كان خايف عليكِ وأنا غلطت عشان اخدتك بدون ما حد يعرف والمفروض إني اقول لبابا الأول وبعد كده نخرج... لما بابا يزعق معايا تاني أوعي تزعلي منه.. مش هتلاقي يا ورد أحن من الأب عليكي.
حوار صغير دار بينهما استمع له زين دون قصد، طرق الباب بخفةٍ، لتنهض ياسمين من فراشها تتسأل عن هوية الطارق:
_ مين!
:_ أنا زين.
اجابها بهدوءٍ ينتظر خلف الباب، في حين ارتدت ياسمين حجابها ثم فتحت الباب تردف بتعجب:
_ في حاجة حصلت!
حمحم زين بتوترٍ لا يعلم كيف أصيب به، يضع يده بمؤخرة رأسه متمتمًا:
_ أحم لاء بس يعني كنت جاي عشان أعتذر عن اللي حصل مني الصبح.
ابتسمت ياسمين بهدوءٍ، ثم قالت بحزنٍ:
_ ولا يهمك حصل خير، ثم اللي قولته مفهوش غلط.
دُهش زين من طريقتها وكلماتها وعلم بوجود خطبًا ما، ولكن قاطع تفكيره ركض وردة له وهي تحتضنه بسعادة مرددة:
_ بابا اخيرًا صحيت.
احتضنها زين حاملًا إياها بحبٍ، ثم كاد أن يتحدث، ولكن اوقفه صوت هاتف ياسمين، ابتسمت ياسمين بتهذب قائلة:
_ عن أذنك.
شعر زين بالضيق من كونه لم يجد فرصة سانحة له كي يتحدث معها، ولكنه قال بهدوءٍ اخفى خلفه ضيقه:
_ اتفضلي.
تراجع للخلف كي تغلق الباب وبالفعل اغلقته تمسك بالهاتف كي تجيب على المتصل غير معروف الهواية، وما أن اجابت حتى وجدت صوت تعلمه جيدًا:
_ وحشتني يا ياسمين.
ارتجف جسدها بقوةٍ، تعلم هذا الصوت! ولكن من أين أتى برقمها، قاطع وصال تفكيرها صوته مرددًا بفحيح:
_ موحشكيش جمال ولا ايه! كلها أيام وارجع تاني ونتجوز وساعتها مفيش قوة في الأرض هتبعدني عنك يا ياسمنتي.
أغلقت الهاتف تضع يدها على أذنها تمنع صوته المشمئز من النفاذ الى اذنها، تردف ببكاءٍ يزداد:
_ عايز مني إيه! سبني في حالي! سبوني في حالي!
***
جلست تحتضن نفسها بخوفٍ، تضم ركبتيها لصدرها، تنساب دموعها دون توقف، استمعت لصوت طرقات غرفتها مجددًا، نظرت نحو الباب بخوفٍ ولكنه اختفى ما أن استمعت لصوت قطوف وهي تردف:
_ إيه يا ياسمين افتحي دي أنا قطوف.
نهضت ياسمين سريعًا تزيل دموعها، تفتح الباب بعدما أغلقت عليها بمفتاحٍ، ثم دلفت قطوف تنظر لها بتعجب قائلة:
_ مالك قافلة على نفسك كده ليه؟!
اجابتها ياسمين بتوتر:
_ مفيش بس قاعدة هنا لوحدي وخوفت شوية، فقولت اقفل على نفسي.
اقتنعت قطوف قليلًا لاسيما أن ياسمين منذ وفاة والدتهما وهي تعاني من الجلوس بمفردها، دلفت تردد بدهشة من عدم اعداد ذاتها:
_ انتِ كل دا مجهزتيش!!
:_ مش عارفة ألبس إيه!
قالتها ياسمين بضيقٍ، في حين ابتسمت لها قطوف تذهب نحو الخزانة مرددة بحنوٍ:
_ خلاص أنا هقولك تلبسي إيه.
وبدأت بمساعدتها في اختيار الملابس، وبالفعل انتهى الاختيار على فستان هادئ باللون السماوي، به حزام بدرجة أغمق من لون الفستان، بدأت ياسمين بارتداء الملابس، في حين جلست قطوف على الفراش، تشعر بتردد من رغبتها بالإلقاء السؤال.
تحدثت ياسمين وهي تنظر للحزام قائلة:
_ قطوف اربطه من الجنب ولا ورا؟!
لم تستجب لها، في حين نظرت لها ياسمين بدهشةٍ قائلة وهي تتقدم منها:
_ مالك يا قطوف؟!
وضعت يدها على كتفها لتنتبه لها قطوف تنظر لها بوهنٍ، ابتسمت ياسمين مرددة بمكرٍ:
_ اللي واخد عقلك!
عبست ملامح قطوف تردف بحنقٍ:
_ اسكتي يا بت أنتِ.. لا بفكر ولا بنيل أنا بس مش عارفة هنقضي الفرح دا إزاي؟!
نظرت لها ياسمين دون اقتناع، ثم نهضت تردد بيأسٍ من شقيقتها وكبريائها:
_ طب اربطي الحزام.
بدأت قطوف بربط الحزام، ولكنها كانت بالفعل تفكر بمازن، لم تتحمل الصمت طويلًا وهي تنظر لشقيقتها من الحين للأخر حتى اردفت فجأة:
_ هو مازن بيحب إيه؟!
نظرت لها ياسمين فجأةً، ثم ارتفع صوتها بالضحك تردد:
_ واضح أنه فعلًا مش عارفة هنقضي الفرح إزاي!
احتقن وجه قطوف بغضبٍ، في حين توترت ياسمين تردف سريعًا قبل أن تنفجر بها قطوف:
_ معرفش أوي عن مازن، يمكن لما بيطلب الحاجة بعرف أنه بيحبها غير كده معرفش.
هدأت ملامحها ولكن ظهر عليها الاحباط، في حين شعرت ياسمين بإحباط شقيقتها، بقت لبعض الوقت تفكر حتى قالت بتذكر:
_ آه افتكرت، مازن قالي زمان أنه بيحب الطيارة الورق وأنه يطيرها في السما، كانت لعبته المفضلة بس طايرته كسرها بعد ما باباه سافر وسابه لأن هو اللي جابه ليه، وبطل يلعبها.
ابتسمت قطوف بسعادةٍ، تتمتم بامتنان وهي تحتضن شقيقتها:
_ شكرًا يا ياسمين شكرًا بجد.
ابتسمت ياسمين من سعادة شقيقتها وضمتها بحبٍ هامسة لها:
_ أوعي تنكري حبك يا قطوف، مازن يستحق أنه يتحب وأنتِ تستحقي أنك تتحبي وربنا اختاركم لبعض.. اوعى تكابري وحاولي تقربي من مازن يا حبيبتي.
توردت وجنتي قطوف بخجلٍ، فهي لم تتخيل بيومٍ إنها يمكن أن تقع بحب احد وبالأخص مازن، ضحكت ياسمين على خجل شقيقتها، في حين ضربتها قطوف على كتفها قائلة:
_ بس يا بت بقى.
***
هبط الجميع إلى الأسفل بعدما استعدوا، نظر لهم مهران بفخرٍ وهو يراهم جميعًا يد بيد، أردف بحبٍ لهم وعينيه تشع سعادة:
_ الآن أنا فخورٌ بكم يا أحبابي وأنتم يد بيد واحدة، سنذهب إلى هناك سيرًا.
اترفع صوت ياسين وهو يردد بحنقٍ:
_ ليه يا حاج ما توكتوك يخلصنا تلاتة ورا واتنين يحشروا السواق ونركب ورد فوق التوكتوك تسقف.
ركضت ورد نحو عمها، تردف بسعادة:
_ هركب فوق التوكتوك يا عمو.
نظر لها ياسين ببسمة بلهاء، ثم حملها بين يديه يردف:
_ عايزة تسقفي فوق التوكتوك يا وردتي؟
:_ آه.
قالتها ورد بإيجابية، في حين ارتفع صوت مهران الصارم يردف بحزم:
_ انتهى هذا الحديث، هيا سنذهب سيرًا، هيا.
عبست ملامح ياسين ثم وضع ورد أرضًا، لينطلق الشباب إلى الخارج، تسير زينة وملك وجمال معًا، ومازن وقطوف خلفهم، وياسمين وورد ورائهم، وزين مع والده يمنع نفسه من النظر إلى ياسمين.
في حين كاد ياسين أن يسير معهم ولكن اوقفهم قائلًا:
_ ثانية نسيت حاجة هجيبها واجي.
حرك مهران رأسه بيأسٍ، يردف بضيقٍ:
_ هيا نذهب نحن.
انطلق مهران والجميع، في حين عاد ياسين إلى البيت ثم دلف للمطبخ كي يحضر مبتغاه وما أن رأه حتى أردف وهو يخبئه في جلبابه:
_ واخيرًا لقيت للجلابية دي نفع.
اخفى ما يبحث عنه، ثم سار للخارج، ولكنه وجد مكتب والده مفتوح ويوجد صوت به، قطب جبينه وانطلق نحو المكتب ليتفاجأ بميرفت تعبث بالأوراق، احتقن وجه ياسين الذي أردف بحدةٍ:
_ بتعملي إيه عندك!
تركت مرفت الأوراق فجأة، تتطلع له بصدمةٍ فهي لم تشعر به بتاتًا، تمتمت بتلعثم وهي تشير للخارج:
_ أنت مش كنت معاهم.
تقدم ياسين بوجهٍ متهجم، يجيبه بصوتٍ ساخر:
_ وحظك رجعت عشان اشوف عمايلك! بتعملي إيه في مكتب أبويا ومتألفيش حوار عليا عشان عارف أنتِ هنا ليه!
نظرت مرفت للأوراق الموضوعة أمامها، ثم جلست على مقعد والده بأريحية، تبتسم بمكرٍ متمتمة:
_ ويا ترى جيت هنا ليه!
رفع ياسين حاجبه، يردف بسخطٍ:
_ عشان تطمني على ورث اللي جدي سابه هنا وتعرفي تخديه كله مننا وإزاي!
نظرت له قليلًا تضيق عينيها، كيف علم بمخططها؟، في حين استرسل ياسين بنظرةٍ مشمئزة:
_ هو أنتِ فاكرة اني مش عارف كل عمايلك وأنك السبب في جواز قطوف ومازن، وانك خطفتي ياسمين وحاولتي تضيعي مستقبلها وتشوه سمعة اخوكي عشان ورث وطمعك.
اتسعت عين مرفت بصدمةٍ من علمه بكل ما فعلت، في حين احتدت نبرات ياسين يردف بلهجةٍ تحمل التهديد:
_ قسمًا بالله لو عرفت أنك قربتي من حد في العيلة وحاولتي تقربي من مكتب ابويا عشان جشعك دا أنا هفضحك في كل حتة واقول على كل حاجة عملتيه.. فاهمة.
هدر بأخر كلمة في عنف، في حين تلون وجه مرفت بحُمرة الغضب، عينيها تمتلأن بالحقد، تهمس بصوتٍ فحيح وهي تراه يترك الغرفة:
_ أنا هدوقك سم مرڤت العطار عامل إزاي يابن عيلة العطار.
دفعت الأوراق أرضًا ثم تركت إلى غرفتها تفكر كيف ستنتقم منه.
***
وصل الجميع إلى الزفاف، فكان عُرس بالشارع مقسوم إلى نصفين نص إلى النساء والنص الآخر إلى الرجال، لا يستطيعا رؤية أحد، دلفت زينة ومعها الفتيات، في حين دلف مهران ومعه الفتيان.
وقف مهران يسلم على والد العروس، في حين جلس كلًا من مازن وياسين وزين وجمال على مقاعد، شعر ياسين بمللٍ، يردف بصوتٍ عالي:
_ جعان أكلوني.
اتسعت عين زين بصدمةٍ، في حين نظر مهران لمصدر الصوت ليشير ياسين على مازن بخوفٍ، اتسعت عين مازن بصدمة يحرك رأسه بنفيٍ وأنه لم يفعل ذلك، صك مهران على أسنانه، ثم أكمل حديثه مع الرجل.
في حين نهض جمال بيأسٍ من افعال ياسين وغادر إلى الحمام، عاد مهران بنظره نحو ياسين ومازن قائلًا بجدية يعتريها التحذير:
_ سأذهب مع السيد وهدان كي ألقي التحية على أقاربه، إياكم أن أجد مصيبة جديدة من مصائبكم... هيا يا زين.
حرك كلامها رأسه، ليغادر مهران من المكان مع زين، في حين امسك مازن ذراع ياسين يردف بغيظٍ:
_ أنت بتلبسني يالا.. هقولهم أنهم اتحرشوا بيك في بيت حبيبة القلب.
رمقه ياسين بنظرةٍ حانقة، يردف وهو يشيح بيده بضيقٍ:
_ هتذلني بقى عشان لحقتني من الراجل قبل ما يتحرش بيا.
ضرب مازن يد ياسين يتمتم بنبرة حازمة:
_ أنا ربيتك على كده بتشوح بايدك!
اغتاظ ياسين منه وخاصة من ابتسامة مازن الشامتة، لتطرق برأسه فكرة، نظر إلى مازن قليلًا ثم دفعه من أعلى المقعد، شهق مازن والموجودين من وقوع مازن، ليرفع ياسين يده قائلًا:
_ اسفين يا رجالة الواد بس كل حاجة وكان هيزور وضربته بضهره عشان ألحقه بس طلع خفيف.
عاد الجميع للفرح مجددًا، في حين حدج مازن ياسين بنظراتٍ مشتعلة يزمجر بعنفٍ:
_ أنت ياض بتستهبل! ماشي أنا هوريك.
نهض مازن من مكانه يصعد على المسرح، يمسك بالمايك يردف بصوتٍ عالي ماكر:
_ أحلى سلام على أهلى البلد، ومبارك للعرسان، وعشان الليلة حلوة زي دي ياسين العطار قرر يرقص معاكم بالحصان هدية للعرسان يارب تعجبكم.
ترك مازن المايك، في حين اتسعت عين ياسين بصدمةٍ من جنون مازن، وجد أحد الرجال يحضر حصانًا له يردف بسعادة:
_ خد يا استاذ ياسين الحصان أهوه.
نظر له ياسين بغيظٍ يردف بحنقٍ دون أن يستمع له أحد:
_ فرحان أوي يا خويا وكأنه بتسلمني الدرع الجمهورية.. دي هتبقى جنازة مش جوازة.
أمسك ياسين بلجام، ثم نظر إلى مازن بغيظٍ بعدما اقترب منه يهمس بأذنه:
_ ألبس يا معلم.
نظر ياسين له بحنقٍ شديد، ثم قال بصوتٍ عالي وهو يتطلع نحو مازن بمكرٍ:
_ ابن عمي وصحبي لسه أول مرة يجي البلد، وعشان كده هنركب الخيل سوا أنا هتحرك بالخيل وهو هيقف يرقص عليه بالعصاية.
صفق الرجال جميعًا وحيوا مازن، في حين جحظت عين مازن بصدمة، دفعه أحد الرجال إلى ياسين الذي همس لمازن أيضًا:
_ هتلبسني في الحياط.. هلبسك معايا في نفس الحيط.
صك مازن على أسنانه بغيظٍ، ثم قال وهو يرى تطلع الناس لهم:
_ بتركبوه إزاي دا؟!
نظر له ياسين بغرورٍ ثم قال وهو يستعد للركوب الخيل:
_ بص واتعلم.
أمسك ياسين باللجام ثم وضع قدمه وكاد أن يصعد ولكن افلتت قدمه وسقط على الأرض يصرخ بألمٍ، في حين ضحك مازن بشدة يردف من بين ضحكه:
_ ياسين أنت متأكد أنك ظابط يالا!
:_ ظابط غصب عن عينك.
قالها ياسين بغيظٍ يتأوه من الألم، في حين علق مازن ساخر:
_ ظابط نص كم.
تعجب الرجال من سقوط ياسين ليردف أحدهم:
_ أنت مبتعرفش تركب الحصان يا استاذ ياسين!!
ابتلع ياسين لعابه وهو يحاول تذكر كيف يصعد على الحصان، ليردف بجدية:
_ لا طبعًا بعرف بس الجزمة اتقطعت وعشان كده وقعت.. بتحصل بتحصل عادي.
حرك الرجل رأسه ثم قال ببسمة متسعة:
_ طب يلا اطلع بقى حمستونا نشوفكم بترقصوا بالحصان.
:_ أنا عايز أفهم سر السعادة اللي في وشك دي إيه! عشان أنت خنقني من ساعة ما دخلت!!
قالها ياسين بغضبٍ، في حين امسكه مازن يردف بصوتٍ هامس:
_ أخلص خلينا نخلص من التلبيسة السودا دي قبل ما أبوك وزين يجي ويشوف البهدلة دي.. واحمد ربنا أنه راحوا مع ابو العروسة يستقبلوا الناس برة.
تراجع ياسين وأيقن من حديث مازن، وعاد ينظر للحصان مجددًا ليحاول الصعود عليه، وبصعوبة نجح بها، ابتسم بسعادة يردد بحماسٍ:
_ yes
مد مازن يمسك بكفه، يردد بحنقٍ:
_ اخلص هي مش ناقصة.
وصعد مازن معه يجلس خلف الحصان، اشتعلت الموسيقى وبدأ الحصان يتراقص على نغمة هذه الموسيقى، ابتسم كلًا من ياسين ومازن على حركات الحصان، ولكن لم تكتمل البسمة، عندما قام أحد الأطفال بضرب الحصان بهذا السوط الخفيف عليه، علا صهير الحصان ورفع قدمه الأمامية، ليسقط مازن من عليه يصرخ بألمٍ، في حين انطلق الحصان بين الناس الذي هربوا من الحصان بصعوبة، صرخ ياسين برعبٍ وهو يمسك باللجام:
_ مش عارف أوجفه ... مش عارف اوجفه.
صعد الحصان على المسرح الخاص بالعرسان، ليركض العريس بعيدًا تاركًا العروس التي صرخت من الرعب وهي ترى ياسين قدم نحوها بالحصان يصرخ قائلًا:
_ ألحقــــــــــــــوني.
سقطت العروس خلف المقعد المخصص لها، ولم تستطع النهوض، في حين أكمل الحصان ركض دون توقف، ليردف ياسين بأعينٍ تكاد تدمع:
_ أبوس ديلك اوقف.. اوقــــــــــــــف.
صرخ بها وهو يرى إحدى السيارات أتية باتجاهه، ولكن افلت منها الحصان وأكمل ركض، لم يجد ياسين حلًا سوى أن يلقي نفسه من فوق الحصان كي لا يبتعد عن الزفاف، وبالفعل ألقى نفسه من فوق الحصان ليسقط أرضًا صارخًا بألم.
أمسك بذراعه الذي انتشر به الألم، ثم نهض عائدًا للزفاف، وما ان دلف حتى وجد العروس تقع بين المسرح والأرض، والناس يحاولون إخراجها، في حين يلتف الناس حول المصابين كي يساعدوهم على النهوض، لم يعلم ما الذي يفعله ولكنه يجب أن يحل الأمر قبل أن ينتشر، ويقع بأزمة أكثر صعوبة مع والده، انطلق نحو العروس كي يرى لِم لم تنهض وبالفعل ساعدوها على النهوض والجلوس بمقعدها، واحضروا العريس كي يجلس مكانه، في حين جلس الناس على مقاعدهم ولكن جميعهم يحاول استيعاب ما حدث.
ابتلع ياسين لعابه، ثم تقدم نحو المايك يردف بتوترٍ:
_ ألف سلامة على المصابين رجالة والله، ومن هنا وجبي كظابط مكافح إني اشكركم على قوتكم دي و يلا على البوفيه يا جماعة بعد الفرهدة دي خلينا ناكل ونكمل عادي..
نظر ياسين للعروس التي بحالة صدمة وإلى جوارها زوجها بنفس حالته، تمتم بتوترٍ:
_ العرسان قومي شهيصوا كده.. شغل يابني اغنية اختيارتي مدمرة حياتي.
هبط ياسين من أعلى المسرح وانطلق نحو البوفيه كي يتناول الناس الطعام، ثم قام بالاتصال على أحد اصدقاؤه بالبلدة كي يحضر طعام وعصير لمن بالزفاف، وبالفعل أحضر لهم الطعام.
_ما الذي حدث! لما العروس بهذه الحالة!
قالها مهران بصدمةٍ وهو يرى فستان العروس بحالة يرثى لها، في حين تقدم والد العروس للداخل يرى حالة ابنته ولكنها لم ترد، ابتلع ياسين حلقه بصعوبة، في حين أتى مازن من خلف يردف بحنقٍ:
_ مش تطمن عليا تشوفني حصل إيه ولا الحصـ...!
صمت فجأة وهو يرى مهران يتطلع لهما مضيقًا عينيه، ثم سأل بشكٍ:
_ ماذا حدث؟!
ابتلع مازن لعابه بصعوبةٍ هو الأخر، ولم يجيب، ليرد الرجل الذي احضر الحصان:
_ استاذ ياسين المفروض يرقص على الحصان ويشعلل الفرح.. بس الحصان حد ضربه وجري مننا وبهدل الدنيا زي ما أنت شايف يا شيخ مهران.
احتدت نظرات مهران يتطلع نحو ياسين ومازن اللذان تراجعا بخوفٍ، همس ياسين بغيظٍ:
_ اتصدق إن السجن أسلم حل للراجل دا عشان يلم لسانه اللي عايز حشه.
عاد مهران بنظره إلى الرجل وقال بصوتٍ صارم:
_ نعتذر عاما حدث.. سوف نستأذن الآن.
ثم نظر إلى مازن وقال بصوتٍ متوعد:
_ هيا سنغادر الآن.
توتر كلًا من مازن وياسين، في حين شعر جمال وزين بأن ما فعله ياسين لن يمر مرور الكرام.
***
:_ أنا لا أفهم ماذا تريد مني!
قالها مهران بصوتٍ حاد مخيف، يضرب بالعصا على الأرض، في حين نكس كلًا من ياسين ومازن رأسهما إلى الأرض، كاد ياسين أن يتحدث، ولكن احتدت نظرات مهران القاتلة يردد:
_ أصمت.. أن تحدثت فسوف اقتلع رأسك من مكانها و أضعها عبرة لمن يفعل مثلك!
صمت ياسين سريعًا، في حين أكمل مهران وهو ينظر إلى كلاهما:
_ لا يوجد راحة لكم بعد الآن سوف تعملون بالأرض طوال الأسبوع وإن لم أجد حصد خلال شهرين فسوف أقضي عليكم.
:_ طب وبنسبة للجمعة هنتشغل برضو!
قالها ياسين بنبرةٍ متسائلة، في حين ضرب مهران بعصاه الأرض، ثم قال بحدة:
_ لا تجعلني اخبرك أنك ستعمل 18 ساعة باليوم.
جحظت عين ياسين بصدمة، ثم وضع يده على فمه مثل الأطفال، في حين نظر مهران إلى زينة يردد:
_ احضري طعام العشاء ثم الشاي هيا.
هرولت زينة سريعًا فزوجها ستنشط غضبًا، في حين صعد الجميع إلى غرافهم، ولكن يحمل الفتيات حالة ذهول.
***
:_ هو إيه اللي حصل يا مازن؟!
قالتها قطوف بقلقٍ، في حين نظر لها مازن قليلًا ثم سرد لها ما حدث، لترتفع ضحكة قطوف بقوة داخل الغرفة، تأمل مازن ملامحها وهي تضحك بشدة، بشرتها الخمرية التي تلونت بحُمرة الضحك، عينيها اللتان تدمعان من كلماتٍ قالها فأضحكتها، همس مازن دون أن يشعر:
_ ضحكتك حلوة أوي.
توقفت قطوف عن الضحك، تنظر له بخجلٍ، في حين ابتسم مازن وهو يرى خجلها، هتف بصوتٍ رجولي جذاب يتأمل ملامحها الهادئة:
_ اقولك على حاجة يا قطوف.. أنا بحب أشوف كسوفك دا أوي.. بيبقى شكلك حلو فيه.
توردت وجنتيها خجلًا، لتردف باقتضاب محاولة اخراج نفسها من هذا الموقف:
_ والله عشان بتحبوا تشوف الست ضعيفة إنما لما لساني يطول تبقى الست وحشة صح.
تعجب مازن من تحولها المفاجئ، ولكنه ابتسم بهدوءٍ يردف بصوتٍ يحمل حنينًا:
_ خالي قالي مرة قبل كده.. مفيش ست قوية.. ربنا خلقك ضعيفة مهما قويتي على الدنيا كلها هتيجي قدام شخص واحد وتضعفي.. قدام ربنا.. قدام ابوكِ.. اخوكي.. جوزك.. المهم إنك هتضعفي.. وغير كده مفيش ست وحشة.
اتسعت عين قطوف بصدمةٍ، تنتفض من مكانها مرددة بحدةٍ:
_ وعرفت منين أن مفيش ست وحشة يا سي مازن!
:_ حلوة اسي مازن دي.
قالها مازن بغرورٍ، لتنقض قطوف عليه تمسكه من تلابيب جلبابه متمتمة بصوتٍ غاضب يحمل غيرة نسائية:
_ عارف يا مازن يا بن مرفت لو اتكلمت عن ست حتى لو بشكل عام هعمل فيك إيه!
ابتسم بإعجاب لغيرتها، وأردف وهو يتطلع ليدها التي تمسك بتلابيب ملابسه :
_ اعتقد مفيش اسوأ من قلة الأدب دي!
امتلأت عينيها بالغضب، تجيبه بصوتٍ فحيح:
_ لاء في.. متخلنيش اعملك سماد للأرض. وتبقى الغدا بتاعها.
ابتلع مازن لعابه يردف بتوترٍ:
_ سلامًا قولًا من رب الرحيم.. أنتِ هتتحولي ولا إيه؟!
:_ مش عايزني اتحول كده تاني.. يبقى تحافظ على لسانك ماشي يا بابا.
قالتها قطوف وهي تبتعد عنه، تضرب على كتفه بجدية، في حين نظر لها مازن بغيظٍ متمتمًا:
_ ربنا على المفتري.
:_ بتقول حاجة!
قالتها تمسك بسكينٍ جوار طبق الفاكهة، اتسعت عين مازن بذعرٍ يردد:
_ بقول ربنا يحفظك ليا يا مراتي يا حبيبتي.
تركت قطوف السكين، تردف برضا:
_ طب يلا ياسطا فسحني!
:_ ياسطا.. وافسحك.. أنتِ متأكد يا قطوف أنك بنت!
قالها بمازن بذهولٍ، في حين رفعت قطوف حاجبها تردد:
_ إيه متأكدة إني بنت دي! ما كل البنات بتعمل كده مع اجوزهم.
اتسعت عين مازن بصدمةٍ متمتمًا:
_ نعم! بيعملوا كده! أمال فيلم تيتانك دا كان إيه!
اجابته قطوف ببسمة ساخرة:
_ كدب طبعًا.. دا نسبة ضرب الزوجة لزوجها في مصر بقت 28٪.. وأنت بتقول تيتانك.. هو لو في تيتانك دا بجد كان هيبقى دا حال الرجالة ولا الستات.
نظر لها باقتناع، ثم قال:
_ معاكِ حق.
استمع كلاهما لصوت طرقات على الباب يعلن عن النزول لتناوله الطعام، كاد مازن أن يتحرك ولكن شعر بيد قطوف تمسك بكفه، نظر لها بدهشةٍ، لتردف بحرجٍ:
_ ممكن متسبش ايدي أبدًا!
امسك بكفها بحنوٍ، يردف بصوتٍ حنون:
_ عمري ما فكرت اسيبها.. ولا عمري هسيبك.
زحفت بسمة مطمئنة لشفتيها وهي ترى تمسكه به، وشعرت بتلك اللحظة أنها بحاجة له، وأن زواجها به ليس إلا لنعيم لها.
***
وُضع الشاي للجميع، ليمسك جميعهم بقدحه الخاص، دقيقتين وبدأ مهران بالحديث، يردف بهدوءٍ:
_ اليوم قصتنا صغيرة للغاية، فهي عن الغيرة يا احبائي، وكانت ستنا عائشة زوجة سيدنا محمد تغار بشدة، بإحدى المرات كانت ستنا عائشة تحمل طاجن به الطعام، واتت به إلى الرسول ولكن سمعته يتحدث بثناءٍ على ستنا خديجة رضى الله عنها، فغارت بشدة وألقت الطاجن على الأرض لينشق نصفين، نظر الرسول لما فعلته عائشة وضحك يمسك بالطاجن المقسوم ووضع به الطعام مجددًا ولكنه قال:
- غارت أمكم.
نظر مهران ببسمة نحو مازن الذي سلط بصره على قطوف يبادلان البسمة، ثم استرسل حديثه بهدوءٍ:
_ أن الغيرة شيئًا طبيعي بين الزوجين... ولك الافراط به سوء... لذا عندما ترى زوجتك تغار فأعلم أنك سكنت قلبها، وأن رأيتي زوجك يغار أعلمي أن ما حمل بقلبه اثنى سواكِ.. ولكن يجب أن نتعلم أن كيف نحتوى تلك الغيرة حتى لا يتفاقم الأمر بين الزوجين.. فالغيرة شعور من الغضب يجب احتواؤه بشكلٍ صحيح.
ثم أضاف بنبرةٍ مرحة:
_ اتعلمون أنني لا أستطيع أن احضر احد يساعد عمتكم زينة لأنها تغار بشدة عليّ ويمكن ان تقلعني من المنزل.
ضحك الجميع على حديث مهران، في حين اشار لهم بالنهوض، ولكن وقف مازن يردف ببسمةٍ مهذبة:
_ لو ينفع يا خالي اخد قطوف واخرج اشتري حاجة ونرجع علطول.
حرك مهران رأسه بإيجابيه، ليغادر الأثنان وينهض الجميع عائدين إلى غرافهم.
***
_ مالك ساكتة ليه؟!
نظر لها مازن بتعجب يردف بتلك الكلمات، في حين اجابته قطوف بحرجٍ:
_ اصل دي أول مر نخرج سوا فيها!
نظر لها قليلًا ثم قال بضحكٍ:
_ اتصدقي صح!
ضحكت قطوف على تعليقه، ثم سار سويًا، حتى ظهر القمر، لتردف قطوف بحبٍ لملامح السماء النقية:
_ القمر جميل أوي.
أكد مازن حديثها، يردد بخفوتٍ:
_ فعلًا من حق المنفلوطي يناجي القمر.
نظرت له قطوف بتعجبٍ، متسائلة:
_ أنت بتقرأ للمنفلوطي؟!
حرك راسه بايجابية، يردد بهمسٍ يتناسب مع نسمات الهواء الباردة:
_ آه.. بحب القراءة.. تحبي تسمعي مناجاة القمر.
حركت رأسها بإيجابية، ليردف مازن قائلًا:
_ أيها الكوكب المطل من علياء سمائه، أأنت عروسٌ حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمانٍ، أم ملك عظيم جالس فوق عرشه؟ وهذه النيرات حورٌ وولدان أم فصٌّ من ماسٍ يتلألأ، وهذا الأفق المحيط بك خاتمٌ من الأنوار أم مرآة صافية؟ وهذه الهالة الدائرة بك إطارٌ أم عينٌ ثرَّةٌ ثجَّاجةٌ وهذه الأشعة جداول تتدفق أم تنُّور مسجورٌ؟ وهذه الكواكب أشررٌ يتألق؟
أيها القمر المنير
إنك أنرت الأرض وهادها ونجادها، وسهلها ووعرها، وعامرها وغامرها، فهل لك أن تشرق في نفسي فتنير ظلمتها، وتبدد ما أظلها من سُحُبِ الهموم والأحزان؟!
أيها القمر المنير
إنَّ بيني وبينك شبهًا واتصالًا، أنت وحيد في سمائك، وأنا وحيد في أرضي، كلانا يقطع شوطه صامتًا هادئًا، منكسرًا حزينًا، لا يلوي على أحد ولا يلوي عليه أحد، وكلانا يبرز لصاحبه في ظلمة الليل فيسايره ويناجيه، يراني الرائي فيحسبني سعيدًا؛ لأنه يغترُّ بابتسامةٍ في ثغري وطلاقةٍ في وجهي، ولو كُشف له عن نفسي ورأى ما تنطوي عليه من الهموم والأحزان، لبكى لي بكاء الحزين إثر الحزين، ويراك الرائي فيحسبك مغتبطًا مسرورًا؛ لأنه يغترُّ بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف له عن عالمك لرآه عالمًا خرابًا، وكونًا يبابًا، لا تهبُّ فيه ريحٌ، ولا يتحرَّك شجرٌ، ولا ينطق إنسانٌ، ولا يَبْغَمُ حيوانٌ.
أيها القمر المنير
كان لي حبيبٌ يملأ نفسي نورًا، وقلبي لذةً وسرورًا، وطالما كنت أناجيه ويناجيني بين سمعك وبصرك، وقد فرق الدهر بيني وبينه، فهل لك أنْ تحدثني عنه وتكشف لي عن مكان وجوده؟ فربما كان ينظر إليك نظري، ويناجيك مناجاتي، ويرجوك رجائي. وهأنذا كأني أرى صورته في مرآتك، وكأني أراه يبكي من أجلي كما أبكي من أجله، فأزداد شوقًا إليه وحزنًا عليه.
أيها القمر المنير
ما لي أراك تنحدر قليلًا قليلًا إلى الغروب كأنك تريد أن تفارقني، وما لي أرى نورك الساطع قد أخذ في الانقباض شيئًا فشيئًا، وما هذا السيف المسلول الذي يلمع من جانب الأفق على رأسك؟
قف قليلًا لا تغب عني، لا تفارقني، لا تتركني وحيدًا، فإني لا أعرف غيرك، ولا آنَسُ بمخلوقٍ سواك.
آهٍ! لقد طلع الفجر ففارقني مؤنسي، وارتحل عني صديقي! فمتى تنقضي وحشة النهار ويُقْبِلُ إليَّ أنس الظلام؟
استمعت قطوف لمازن، وإلى مناجاة القمر، نظرت له بعدما انتهى، لتردد ببسمةٍ:
_ الله جميلة أوي مناجاة القمر.
ابتسم مازن لها، يردف وهو يتطلع للسماء:
_ محدش يعرف بموضوع القراءة دا.. أو بمعنى أصح مفكرتش اشارك حد غيرك بيه.
ابتسمت له قطوف ثم قالت بتساؤلٍ:
_ بس اشمعنى مناجاة القمر اللي حاسه كده بتحبها وبتقولها بطريقة غريبة بس مريحة؟!
بادلها الابتسامة ولكن انحدرت تلك الابتسامة وهو يرى ملامحها الملتاع، في حين كانت تنظر إلى تلك الدراجة النارية التي تقود بسرعةٍ عليهما، ولكن قبل أن تصرخ بالابتعاد سقطت أرضًا بعدما اصطدمت بتلك الدراجة النارية!!
رواية فطنة القلب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سلمى خالد
سار بخطواتٍ مهرولة داخل المشفى، يبحث بعينيه اللتان تآكلتا من الخوف على مازن. رأى مازن يقف جوار غرفة يتحدث إلى الطبيب، ليسرع نحوه يردف بقلقٍ:
_ ماذا حل بقطوف؟!
استدار مازن لصوت خاله القلق، في حين أجابه الطبيب بصوتٍ هادئ:
_ اهدي يا شيخ مهران، المدام كويسة ومفهاش حاجة. هو جرح بس براسها والتواء بسيط برجليها هيروح علطول، وأنا بلغت الأستاذ مازن على دوا وإيه اللي يعمله عشان تخف علطول.
تدخل مازن كي يهدئ من خوف خاله:
_ اهدي يا خالي، قطوف كويسة، وهخدها دلوقتي ونروح.
نظر إلى مازن يردف بصوتٍ حاد:
_ ماذا حدث كي تصاب هكذا؟!
_ في موتوسيكل جه بسرعة علينا وتقريبا كان قاصد، لأنه خبط قطوف وسبنا وجري علطول.
أجابه مازن بهدوءٍ، في حين ضيق مهران عينيه بتفكيرٍ، ثم قال بنبرةٍ غامضة:
_ حسنًا، أذهب واحضر زوجتك.
كاد مازن أن يغادر، ولكن أوقفه مهران متمتمًا بكلماتٍ عجيبة:
_ يجب عليك الحذر يا بني.. فالأيام القادمة ليست سوى عاصفة لا نعلم ماذا سيحدث بها!
نظر له مازن بدهشةٍ، يتردد حديثه بأذنه مجددًا، ولكنه تحرك نحو الغرفة كي يحضر قطوف ويغادر سريعًا للمنزل.
*****
سار مازن بخطواتٍ هادئة نحو قطوف، يجلس جوارها بهدوءٍ، ثم مد يده يلامس هذا الجرح الموجود بجبينها، يشعر بندمٍ مما حدث لها. فتحت قطوف عينيها بعدما شعرت به، تنظر للندم داخله، ثم قالت ربما تزيل حزنه:
_ مش هتقولي برضو ليه بتحب مناجاة القمر؟
نظر لها مازن ثم أجابها بهدوءٍ:
_ عشان هي الوحيدة اللي وصفتني صح.
قطبت قطوف جبينها تتساءل مجددًا:
_ وصفتك صح إزاي؟!
تنهد مازن بأنفاسٍ مضطربة، ثم قال:
_ عشان كنت كل يوم استنى والدي يرجع وميرجعش.. سابني بوقت كنت محتاجة فيه.. وقت أي ابن بيستمد طاقته من أبوه.. فأنا كنت طول الوقت بكلم القمر بليل وأسأله هو والدي بيكلمك وبيسألك عني زي ما أنا بسأل عنه... ولما القمر يختفي افتكر شكل أبويا وهو بيمشي وبيسبني.
شعرت قطوف بأنها بحاجة لمعرفة مازن، ليس هو الشخص الذي يضحك ويمارس حنانه على الجميع، بل يوجد شيءٌ منكسر داخله لم يراه أحد. قاطع تفكيره يده التي حملتها بخفةٍ، شهقت بصدمةٍ، تردف بتوترٍ ممزوج بحرجٍ:
_ أنت بتعمل إيه، نزلني دلوقتي!
رفع مازن حاجبه، يردف بسخريةٍ:
_ وهتمشي إزاي؟!
نظرت له بحنقٍ، تجيبه بصوتٍ مغتاظ:
_ ملكش دعوة، نزلني.
_: لاء.
قالها ببرودٍ يسير بها نحو الباب، في حين صرخت قطوف تدفعه بيدها كي ينزلها، ولكن أمسك مازن بها جيدًا يردف بهمسٍ جوار أذنيها:
_ اثبتي عشان مش هنزلك يا قطوف، ومتخلنيش أمشي بيكي لحد البيت كده.
توقفت قطوف عن الحركة، تنظر له بأعينٍ مغتاظة، يتلون وجهها بخجلٍ ممزوج بغضب، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا، في حين علت بسمة ماكرة على وجه مازن، فتح الباب بخفةٍ وما أن خرج من الغرفة حتى شعرت قطوف بحرجٍ شديد من رؤية الممرضات لها، دفنت وجهها بكتفه، مرددة بصوتٍ حانق:
_ أمشي بسرعة يا مازن.
ضحك على طريقتها، وقال ببرودٍ:
_ لما أبقى سواق معاليكِ ابقى أزود السرعة.
ضغطت قطوف بيدها على كتفه، تعلن عن غضبها الحاد منه، ولكن لم تستطع الحديث بسبب هذا الوضع الموجودة به، بينما ابتسم مازن بتسليةٍ ثم سار بها حتى وصل لسيارة مهران ووضعها بها ثم انطلق عائدين إلى المنزل.
*****
_ ايه اللي حصل للبت!
قالها ياسين يرى مازن حاملًا قطوف على ذراعيه. طرقت قطوف على كتف مازن قائلة بحنقٍ:
_ اوقف كده دقيقتين ياسطا.
رفع مازن حاجبيه بغيظٍ، في حين نظرت قطوف إلى ياسين قائلة:
_ ايه بت دي شايفني بلعب معاك.. أنت بتكلم أخصائية نفسية؟!
_: بملحقين ياختي.. أخصائية نفسية بملحقين، دا أنتِ مبتفهمش في البني آدمين.. أنا مش عارف مين حمار ادالكِ الشهادة دي؟!
قالها ياسين بسخطٍ، لتشهق قطوف بغيظٍ، مرددة وهي تطلع لمازن:
_ ما ترد عليه ولا مش هتجيب حق مراتك!!
رفع حاجبه باستنكار، ثم قال وهو يسلط بصره نحو ياسين:
_ بعد إذنك يا ياسين هنطلع.
سار بها نحو الأعلى، في حين صرخت قطوف بحنقٍ متمتمة:
_ مش هتجبلي حقي، هجيبه أنا.
_: طب ما تسكتي بدل ما أقوله إنك ناجحة بتلت ملاحق بجد!
قالها مازن ببرودٍ، في حين جحظت عين قطوف بصدمة تنظر له بتوترٍ متمتمة:
_ عرفت منين؟!
علت بسمة ساخرة ثغره، ثم قال:
_ مصاريفك أنا اللي كنت بروح وأدفعها وعرفت إنك ساقطة.
تلون وجهها بحرجٍ، متمتمة:
_ طب استر عليا بقى.
رد ساخطٍ:
_ اتنيلي تعرفي تتنيلي.
عبست ملامحها بحنقٍ، بينما أغلق مازن باب غرفته ووضعها على الفراش بلطفٍ كي لا تتأذى، فتح مازن حقيبة الدواء واخرج منها بعض حبة دواء صغيرة واحضر لها الماء كي تتناولها، وبالفعل تناولتها بهدوءٍ، ثم أحضر المرهم الخاص بقدمها، وكاد أن يضع القليل ولكنها أوقفته بحرجٍ:
_ لاء استنى، أنا هعملها.
تعجب مازن من رفضها، ثم قال:
_ أنتِ خايفة؟!
أشارت بالنفي، ثم أجابته بنبرة تحمل الحرج:
_ لاء.. بس مينفعش يعني تحط رجلي على رجلك كده!
ابتسم مازن لها بحنوٍ، ثم جلس على الجانب الآخر، يضع قدمها على قدمه برفقٍ، يردف وهو يضع القليل من المرهم:
_ وإيه اللي خلاه مينفعش.. لما أنتِ تعملي قصد وتحطيها في وشي ممكن نقول قلة ذوق آه.. انما أنا اللي واخدها وحطتها عشان علاج ليكِ.
بقت صامتة وهي تراه يلف قدمها برفقٍ، لم تشعر بألمٍ، ربما كان دفء يديه منعها من التألم. انتهى مازن من لف قدمها، ثم نظر لها قائلًا بهمسٍ حنون:
_ أنا عاهدت إني أعاملك معاملة يرضاه الله ورسوله.. وأنا بجتهد حتى لو جوازنا دا لسه على ورق... في النهاية أنتِ مراتي..
ثم اقترب بوجهه لها حتى أصبح همسه صغير للغاية يصل لأذنها فقط:
_ وحبيبتي.
أغمضت قطوف عينيها، يتلون وجهها بخجلٍ واضح، في حين ابتسم مازن وهو يتراجع إلى الخلف يردف بحنوٍ:
_ جعانة!
فتحت عينيها تتطلع له، ثم أجابته بصوتٍ خافت:
_ آه.
تحرك نحو الأسفل كي يحضر لها الطعام، في حين وضعت قطوف يدها على صدرها ما أن شعرت بدقات قلبها تزداد بطريقةٍ عجيبة كلما اقترب منها.
مر وقت بقت هي شاردة به، وشعرت برغبتها في صنع شيئًا له، وطرقت برأسها فكرة استحسنتها، ليقطع هذا الوصال دلوف مازن مرددًا:
_ بصي مرات خالي عملت الصينية دي... لما عرفت إنك تعبانة.
نظرت قطوف لما على الصينية لتتسع عينيها وهي ترى دجاجة كاملة مسلوقة فقط، وإلى جوارها بعض من اللسان عصفور، هتفت قطوف بصدمة:
_ دا التواء.. امال لو نزيف كان إيه اللي حصل!
ضحك مازن على طريقتها يضع الصينية إلى جوارها ثم بدأ قطع الدجاجة واعطاء قطوف منها، أمسكت قطوف بقطعة اللحم منه قائلة بحرجٍ:
_ أنا هاكل.. دي رجلي اللي فيها التواء مش ايدي.
_: ياستي سبيني آكل مرة من نفسي.
قالها مازن بمرحٍ، في حين تركت قطوف يده وبدأ مازن بإطعامها بحنانٍ، انتهى من اطعامها ثم كاد أن يحمل الصينية ولكن هتفت قطوف بأعينٍ مدمعة:
_ أنا بقالي مدة كبيرة أوي نفسي أشوف بابا.. وحشني أوي.. كان بيأكلني زيك كده.. وكانت دايمًا بحس بحبه برضو زيـ..
صمتت فجأة ولم تكمل حديثها، في حين ابتسم لها مازن يكمل الحديث بدلًا منها:
_ زي كده.
تمتمت بصوتٍ متوتر:
_ مقصدش الصر..
قاطعها يردف بدفءٍ:
_ متقصديش إيه! إني دايمًا بحاول أحسسك بحبي ليكِ.. طب ما أنا بحبك يا قطوف.
اتسعت عينيها فجأة تنظر نحوه، في حين استرسل حديثه قائلًا بصوتٍ هادئ:
_ معرفش إزاي متعرفيش إني حبيتك.. بس دي الحقيقة حبيت البنت اللي مهما حصل بينا مسبتنيش وقاومت خوفها مني في وقت غضبي عشان تطمن عليا.. حبيت البنت اللي اختارتني أكون أمانها وقوتها.
بقت صامتة ولم تعلق، في حين شعر مازن بخجلها الظاهر، وأن تلك هي المرة الأولى التي تستمع لهذا الحديث، وبالأخص منه. نهض من مكانه وحمل الصينية، يردف ببعض التعب:
_ أنا هشيل الصينية وأجي أنام.
حركت رأسها ولم ترد بكلمة، في حين غادر مازن الغرفة وهو يشعر بالسعادة من اعترافه أخيرًا بحبه لقطوف.
*****
صعد ياسين نحو غرفته، ولكن تقابل مع ميرفت التي بقت تتطلع له بحقدٍ دافين، منحها ياسين نظراتٍ مشمئزة مما تفعله، وتخطاها سيرًا لغرفته، ولكن تقابل مع مازن الذي يحمل الصينية. تمتم ياسين بتعجب:
_ ايه يابني كل دا منمتش، دا إحنا هنصحى من نجمة بكرة عشان نشوف الأرض.. المفروض بكرة الزرع يكون كبر شوية.
نظر مازن لما بيده ثم قال:
_ هودي الصينية دي وأجي.
حرك رأسه بايجابية، ثم نظر يمناه ويساره وهمس بخفوتٍ:
_ ولا بقولك أنا عندي مشروع دهب.. شيل اللي بايدك دا وتعالى معايا.
تعجب مازن من همسه وطريقته، ولكن أومأ برأسه وتحرك كي يضع ما بيده ثم عاد إلى ياسين وما أن فتح الغرفة حتى وجد ميزان بيده، تمتم مازن بدهشةٍ:
_ أنت بتعمل إيه؟ وجايب ميزان ليه؟ اوعى تكون دبحت جاموسة ابوك!
_: جاموسة ايه اللي هنكسب منها دهب.. ما تفتح مخك شوية وبطل قاعدة مع مراتك!
انقض مازن عليه يمسكه من تلابيب ملابسه مردفًا:
_ مالها مراتي ياض!
اتسعت عين ياسين بفزعٍ، متمتمًا:
_ أميرة بنت أُمرا أنا قولت حاجة!
تركه مازن ينظر له بجانب عينيه يردد:
_ بحسب.
_: بس برضو بطل تقعد مع مراتك بقيت خشيم أوي.
قالها ياسين وهو يركض من أمامه، في حين ركض مازن خلفه يردف بغيظٍ:
_ أنت يالا مش هترتاح غير لما أفتحلك دماغك.
توقف ياسين يرفع يديه باستسلام، يردد:
_ خلاص ياعم.. مش عايز أشوف المشروع اللي هيكسبنا دهب.
نظر له مازن قليلًا وترك زجاجة البرفيوم يردف بزمجرةٍ:
_ اخلص.
ذهب ياسين يفتح خزانة ثم أخرج حقيبة بلاستيكية كبيرة للغاية، تصدر ضجيجًا عالي، قطب مازن جبينه بتعجبٍ، ثم جحظت عينيه بصدمةٍ وهو يرى محتواها، ليردف:
_ هو دا مشروعك علب كنز فاضية وزعلان أوي إني بقول على جاموسة ابوك.
نظر له بحنقٍ، يردف بغيظٍ:
_ أنت عارف الكيلو بكام دلوقتي!
رفع مازن حاجبه باستنكار، ثم سأل بسخطٍ:
_ وجبتهم منين ان شاء الله!
ابتسم ياسين بفخرٍ قائلًا:
_ من الفرح.. أي فرح أشوفه أدخل ومعايا الكيس الأسود.. أدخل أبارك وألم الكنز وأمشي.
منحه نظرة ساخطة، يردف بسخريةٍ:
_ الناس تحط جاتوه وحلويات.. ودا يحط علب فاضية ومتفعصة كمان.
_: غور ياض من هنا جايبك عشان نبيع الشنط دي وأنت تقولي جاتوه.. أنا معايا اللي يجيب ايتوال نفسها.
ردد بها ياسين بفخرٍ ممزوج بسخطٍ، في حين حرك مازن رأسه يردف:
_ بقولك إيه أنا رايح أنام بدل ما أتجنن عليك.
أشاح ياسين بيده، متمتمًا باستهزاءٍ:
_ اتوكس مش عارف قيمة الحاجة.
****
عاد مازن إلى غرفته، فوجد قطوف قد غفت مكانها، ابتسم بهدوءٍ، وانطلق يزيح حجابها كي لا تختنق، ثم وضع هذا الغطاء الخفيف عليها، وانطلق يبدل ملابسه، وما أن انتهى حتى عاد إلى الفراش ينام جوارها، ينظر للأعلى بشرودٍ، يردد ببسمةٍ سعيدة:
_ وأخيرًا حياتك هتتغير.. وكله هيبطل يرفض وجودك.
دقائق ونظر على صدره ليجد قطوف تضع رأسها عليه، زحفت بسمة صغيرة لثغره، ثم أحاطها بذراعه ليغفو سويًا بنعيم الهدوء.
******
استمع لصوت طرقات خفيفة على الباب، سمح للطارق بالدلوف، ليجده زين يردف بتهذب:
_ فاضي يا بابا محتاج أتكلم معاك.
حرك مهران رأسه يشير له بأن يجلس أمامه، بالفعل تقدم زين بتوترٍ نحوه، جلس بصمتٍ، في حين تعجب مهران من صمته ليتسأل بدهشةٍ:
_ ماذا بك يا بني؟!
ابتلع زين حلقه، يردف بتوترٍ:
_ هو ممكن الإنسان يرجع يوجع قلبه تاني بنفس الغلطة اللي عملها زمان!
ضيق مهران عينيه، يردد بشكٍ:
_ وما نوع الألم الذي تتحدث عنه؟!
أجابه زين بصوتٍ متحشرج:
_ أنه يحب تاني!
تيقن مهران مما يعاني منه ابنه، واجابه بهدوءٍ:
_ ولِمَ ظننت أن الحب سيسبب لك ألم من جديد!
_: تجربتي فيه هي اللي قالت!
أجابه بمرارةٍ مما حدث له، في حين أردف بتنهيدة:
_ وأنت لم تتعلم من تجربتك يا بني.
سلط زين بصره على والده، في حين نظرت مهران له يردد بحنوٍ:
_ استمع لي يا عزيزي.. تجربتك السابق ليست سوى اختبار من الله عز وجل لك.. وحسن تصرفك ستؤجر عليه.. ولكن لربما أرسل لك تلك الفتاة من القاهرة كي تصبح لك عوضًا عن مرارة ما تذوقت.. ليس بالضرورة أن تعيد تلك الذكرى مجددًا.
اتسعت عين زين بصدمةٍ، في ابتسم مهران بمكرٍ، يردد:
_ أتظن أنني لا أعلم!
_: إزاي أنا معملتش حاجة تظهر إني معجب بيها!
قالها زين بدهشةٍ، في حين ضحك مهران، يشير عليه مرددًا:
_ أيها الطبيب ألم تدرس لغة الجسد عند الإعجاب.
عقد زين حاجبيه بتعجبٍ، في حين أسترسل مهران حديثه:
_ منذ أن رأيتها وظهر بريق بعينيك لها.. أخفيت ذلك وتجنبت رؤيتها، ولكن ليس من طباعك أن تصرخ على فتاة.. فلِم صرخت عليها وهي لم تفعل شيء!
اتسعت عين زين بصدمةٍ، يردد:
_ حضرتك شوفت دي!
حرك مهران رأسه بإيجابية، ليردف زين بعدما فاق من صدمته:
_ مش عارف يا بابا.. أنا فجأة لقيتني بهجم عليها بالشكل دا.
ابتسم مهران لحيرة ابنه وكأنه شاب بالعشرين من عمره، ثم اجابه بحنوٍ:
_ لأنك احببتها.. نبت بداخلك شيئًا لها لذا هجمتها، انظر يا بني رفضك لتكرار تجربة زوجتك جعل بداخلك رفض لهذا الحب الذي نبت دون أن تشعر، لذا مع وجود فرصة سانحة لك ستهجم عليها لرفضك هذا الحب كي تثبت لذاتك أنك بالفعل لا تحبها وأن ما بداخلك ليس له أساس من الصحة.. فهمت.
نظر زين لوالده بإعجاب، يردف بنبرةٍ تحمل قليلًا من الذهول:
_ حضرتك جبت الكلام دا منين!
تعالت ضحكت مهران على حديث ابنه، يجيب بضحكٍ:
_ وهل هذا الشيب أتى علي بالفراغ.. بالطبع تعلمت مما مر بي ومن مشكلات الناس التي أحلها.
حرك زين رأسه بإيجابية، في حين تمتم مهران بسؤالٍ قاطع:
_ ماذا ستفعل!
استمع لسؤاله، ثم زحفت بسمة صغيرة لشفتيه، يردف بنبرةٍ تحمل القليل من السعادة:
_ هصلي استخارة وأكلمها بشكل ودي كده عشان أتقدم.
حرك مهران رأسه برضاٍ، ليتقدم زين منه يقبل يده مرددًا:
_ ربنا ما يحرمني منك يا ولدي.
ربت مهران على كتف يردف بحنوٍ:
_ بارك الله فيك يا بني.
******
صباحًا..
استيقظت قطوف تشعر بحرارة أسفل رأسها، فتحت عينيها ببطءٍ تنظر لما هي عليه، لتجد رأسها تتوسط صدر مازن، لم تنتفض بكل مرة، بل بقيت مكانها، تدفن رأسها بداخله قائلة:
_ اوعى تسبني يا مازن.
_: عمري ما هسيبك يا اوركيدا مازن.
قالها وهو يبتسم بمكرٍ، اتسعت عين قطوف بصدمةٍ، تنتفض من مكانها بوجهٍ يشع بحمرةٍ، تردد:
_ أنت صاحي!
ضحك مازن على طريقتها يردف بمكرٍ وهو ينهض:
_ ما أنتِ لو حطيتي حاجة أصفره في الأكل مش كان زمانك عاملة اللي نفسك فيه من غير ما أحس.
أشاحت بوجهها بعيدًا، في حين استدار حول الفراش ينظر إلى جبينها بفحصٍ، ثم عاد بنظره إلى قدمها يحركها بلطفٍ متسائلًا:
_ حاسه بوجع ولا قل شوية؟!
أجابته بخفوتٍ:
_ فيها وجع بسيط.
حرك مازن رأسه بتفهمٍ، ثم قال بصوتٍ حنون به حزم:
_ أنا رايح الأرض على الله أرجع ألقيكي اتحركتي من مكانك.
_: نعم! طب أنا عايزة أنزل تحت.
قالتها قطوف بحنقٍ، رد بصوتٍ يحمل برودٍ:
_ لاء.. مفيش نزول.. رجلك تخف تنزلي غير كده يبقى مفيش حركة.
_: هقول لعمو مهران.
رددت بها في غيظٍ، ليبتسم مازن بمكرٍ، يهبط بجزعه العلوي كي يصل لمستواها قائلًا:
_ عمو مهران عارف إن طالما أنا قولت كده يبقى مش هيقولي حاجة.. لأني جوزك.
علقت نظرها بخاصته، تشعر بتوترٍ من نظراته لها ولكن لم ترغب بأن تبعد بصرها عنه وكأن عينيه بها طاقة تبعث الدفيء لها، اعتدل مازن من مكانه وانطلق نحو الخزانة يحضر ملابسه كي يغادر إلى الأرض.
****
غادر مازن مع ياسين وزين إلى الأرض ليباشروا عملهم، في حين فتحت قطوف الباب تعرج بقدمها نحو الخارج، إلى أن وجدت ملك أمامها، ابتسمت بسعادة تتمتم بحماسٍ:
_ ملك.. يا ملك.
استدارت لها ملك تنظر لها بقلقٍ مرددة وهي تقترب منها تساندها:
_ أنتِ بخير.. عايزة حاجة!
ربتت قطوف على يدها، تجيبها بصوتٍ خافت:
_ أنا بخير يا حبيبتي.. بس محتاجة خدمة صغيرة.
انتبهت لها ملك بجدية، في حين استرسلت قطوف حديثها ببعض الخجل:
_ عايزة عصيان صغيرة وورق ملون وشريطة ولزق وورق وصمغ.
قطبت ملك جبينها بتعجبٍ، متسائلة:
_ ليه الحاجات دي!
بللت شفتيها تجيب بتوترٍ:
_ اصل أنا عايزة أعمل هدية لحد.
نظرت لها قليلًا ثم ضحكت على خجلها، لتردف بمكرٍ:
_ خجلانة تقولي أنك عايزة تعملي هدية لجوزك.
تلون وجهها بخجلٍ، في حين ربتت ملك على كتفها تردف:
_ حاضر هجيبلك الحاجة وابعتلك ورد كمان تقعد معاكِ هي بتحب تعمل الحاجات دي.
ابتسمت قطوف بحماسٍ، ثم ساعدتها ملك على العودة إلى غرفتها وبالفعل انطلقت تحضر لها ما ترغب به، ثم أرسلت لها ورد وياسمين كي يساعدوها.
*****
_ هو أنتِ اعترفتي لمازن بحبك ليه!
قالتها ياسمين وهي تقطع اللصق، في حين توقفت قطوف عن ضبط العصي الصغيرة ونظرت بشرودٍ:
_ أنا اعترفت لنفسي إني بدأت أحبه.. بس لسه مش عارفة هل أنا وصلت للدرجة اللي تخليني أفضل مع مازن ومفكرش ببعده عني تاني ولا لاء! خايفة يكون حبي ليه مجرد بس إني اتعودت عليه بحياتي وأنه حنين عليا!
امسكت ياسمين بيد شقيقتها، ترفع العصي كي تلصق ببعض، تجيبها بصوتٍ حزين:
_ افهمي مشاعرك يا قطوف لو خسرتي اللي بتحبيه عمرك ما هتقدري ترجعيه تاني.
ثم استرسلت حديثها بمرحٍ:
_ بس مازن هيفرح بالطيارة أوي.
_: تفتكري؟!
قالتها قطوف بقلقٍ، لتحرك ياسمين رأسها بإيجابية، صدع صوت ورد تردف بسعادة:
_ رسمت قلب يا ماما.. وحطيت اسمك جواه.
نظرت لها ياسمين بحبٍ قائلة:
_ وردتي خطفة قلبي.
ابتسمت قطوف لهذا المشهد وشردت بحياتها مع مازن هل يمكن أن تصنع عائلة لها معه!
******
أتت الساعة الخامسة عصرًا، وعاد ثلاثتهم من الأرض، ولكن قبل أن يدلف ياسين رأى مريم تسير مع والدتها وجدها وعمها يقتربون من هنا، اتسعت عينيه بصدمةٍ يردد:
_ ياواقعة مطينة بطين.
_: في إيه؟!
قالها زين بتعجبٍ، في حين نظر له ياسين واتسعت عينيه بفجأة ثم قال:
_ زين أنت الوحيد اللي هتنقذني!
قطب جبينه بدهشةٍ متمتمًا:
_ من إيه؟!
أشار ياسين على القادمين من بُعد نهاية الشارع، ليردف بتوترٍ:
_ هفهمك بعدين.. بس أنا عزمت الناس دي لما وقعت في مشكلة معاهم وهما جم.. ميعرفوش إني مهزق بتاع كلام وبس.
أغمض زين عينيه، يردف بحنقٍ:
_ هو أنت ميعديش يوم غير بمصيبة، أنت اتخرجت إزاي من كلية الشرطة!
ابتسم ياسين بفخرٍ، يجيبه:
_ بالمصايب برضو.. المثل بيقول اعمل المصايب يا صايع يكش تفلح معاك يا ضايع.
علق مازن ساخرًا:
_ ومين اللي قال المثل دا!!
ابتسم ياسين بثقة مرددًا:
_ أعوذ بالله من كلمة أنا.. أنا.
_: أنا مليش دعوة بالحوارات دي أنا ماشي.
قالها مازن وهو يسير للداخل، في حين اغتاظ ياسين منه لينحني على الأرض يحمل حجر متوسط الحجم يلقيه على مازن الذي تأوه بشدة، ابتسم ياسين بتشفي مرددًا:
_ نشان بصحيح يا سونا.
ركض مازن خلفه يزمجر بعنفٍ:
_ سونا.. اتصدق لأقولهم إنهم كانوا بيتحر..
قاطع حديثه يده ياسين الموضوعة على فم مازن، ليهمس ياسين بتوترٍ:
_ عايز ايه وتخرس!
ابتسم مازن بتشفي مجيبًا:
_ سبني أفكر.
_: هو أنا هتجوزك ما تخلص!
زمجر بها ياسين، في حين ارتفع صوت مازن لزين الذي كاد أن يدلف ولكن أوقفه ياسين قائلًا:
_ فكر براحتك أن شالله سنة.. أنا يهمني راحتك برضو.
ابتسم مازن بانتقامٍ، ثم سار للداخل، في حين تمتم ياسين بغيظٍ:
_ اتفو على دا ذل يا اخي.
رأى اقتربهم منه، ليركض إلى الداخل مرددًا:
_ مازن.. استنى يالا الحقني.
*****
خرج مهران يستقبل الحاضرون، ولكن يريد أن يعلم من أخبرهم بالقدوم، ابتسم وهو يتقدم إلى جد مريم يردف بنبرةٍ مرحبة:
_ مرحبًا بكم.
مد جد مريم يده يسلم برفقٍ، قائلًا:
_ تسلم يا شيخ مهران.
تقدم عم مريم وهو يردف بسعادة:
_ والله إحنا مبسوطين بالعزومة دي يا شيخ مهران.. يا زين ما خلفت ابنك ياسين عزمنا هنا وقال لزما يعمل الواجب طالما هو هنا.
نظر له مهران ثم سلط بصره على ياسين الذي نظر سريعًا بجهةٍ أخرى كي لا يرى غضب والده، ابتسم مهران لعم مريم يردد:
_ تشرفت بيكم.. هيا نكمل حديثنا بالداخل.
وبالفعل دلف الجميع، في حين همس ياسين بغيظٍ وهو يكاد يرغب بضرب بعمها:
_ اتصدق إن لو حشيت لسانك دا هكسب ثواب.. دا أنت راجل فتان.
سار إلى الداخل معهم ثم جلسوا سويًا بغرفة الصالون، بقي يختطف النظر إلى مريم من حين لآخر، يتمنى أن يتزوجها، لا يريد قيده هكذا، نظر إلى والده ثم اقترب منه هامسًا:
_ بابا جوزني بنتهم.
اتسعت عين مهران خشية من أن يستمع له أحد، ليردف من بين أسنانه:
_ لو لم تصمت سوف أزوجك بفتاة ستتمنى الموت بعدها.
ابتلع ياسين لعابه، ثم تراجع في حين أشارت لهما زينة بأن الطعام أصبح جاهزًا ويمكنهم الجلوس.
نست مريم حقيبتها واستأذنت بأنها ستحضرها وتأتي وبالفعل نهضت كي تحضرها، ولكن قبل أن تغادر غرفة الصالون وجدت ياسين أمامها، يردف بحبٍ:
_ عاملة ايه يا بومتي!
شهقت برعبٍ من أن يراها أحد، في حين استرسل ياسين قائلًا:
_ قرأتي الجواب.
توترت مريم منه، ونظرت للأسفل تردد بتلعثم:
_ جواب إيه!
_: نعم! مشوفتيش الجواب.. يعني اتحرشوا بيا على الفاضي!
قالها ياسين بزمجرةٍ، في حين اتسعت عين مريم قائلة:
_ اتحرشوا بيك!
_: مين اللي اتحرشوا بيه.
_: أنت!
_: أنا امتى!
_: أنت لسه قايل كده!
_ لا أنتِ أكيد سمعتي غلط.. أمشي روحي على الأكل.. مغلطش لما سميتك بومة.
قالها وهو يسير عائدًا ملامحه عابسة بشدة، في حين وضعت مريم يدها على فمها تمنع ضحكتها بصعوبةٍ بالغة، ثم سارت عائدة إلى الطاولة.
*****
_ اخيرًا رجعت!
قالتها قطوف بسعادة ما أن رأته يدلف، في حين بادله مازن الابتسامة يشعر بقبولها الشديد له بحياتها، اردف وهو يجلس جوارها على الأريكة:
_ أخيرا جيت.. محتاجة حاجة!
حركت رأسها بنفيٍ، تتسع ابتسامتها، ثم أردفت بنبرةٍ متحمسة:
_ غمض عينيك يا مازن.
رفع حاجبه بتعجبٍ، في حين امسكت بيده ووضعتها على عينيه قائلة بهمسٍ جوار أذنه:
_ أوعى تفتح.
ابتسم مازن لطريقتها الطفولية، وأردف بحنوٍ:
_ مش هفتح.
حملت قطوف بين يديها الطائرة الورقية ثم قالت:
_ فتح عينيك.
أزاح مازن يديه وتطلع لما بين يديها بصدمةٍ، ثم قال بدهشةٍ:
_ أنتِ عرفتي منين إني بحب الطيارة الورق!
ابتسمت قطوف بسعادةٍ من ردة فعله، ثم قالت مجيبة:
_ ياسمين قالتلي أنك كان عندك طيارة ورق بتاعت والدك واتكسرت وأنا عملتلك غيرها.
لحّت بسمة حزينة على شفتيه، في حين حركت قطوف رأسها تنظر له بقلقٍ قائلة:
_ هي الطيارة مش حلوة؟!
حرك رأسه نافيًا، ثم أجابها بشرودٍ:
_ أنا اللي كسرت الطيارة.. بابا زمان جابلي الطيارة الورق دي.. وأنا كنت بحبها أوي.. ولما شال شنطته فضلت أتحايل عليه يرجع بس مرضيش.. ورفض كل حاجة بقولها... وسبني ومشي.. وقتها استنيت كتير وهو مرجعش.. فكسرتها زي ما كسرني وأنا صغير واللي اتكسر مش هيرجع وأنا اخدت قرار إني عمري ما هرجع لأبويا تاني.
تأملت ملامحه الحزينة، لأول مرة ترى هذا الجانب منه، تمتمت بصوتٍ خافت:
_ طب هو محدش يعرف بالكلام دا؟!
ابتسم بحزنٍ على حاله، ثم أجاب:
_ أنا مليش صحاب أصلًا.
دُهشت من اجابته، لتسترسل حديثه بسؤالٍ آخر:
_ أزاي أنت..
قاطعها يجيب بنبرة نادمة:
_ زيّ زي أي شاب بيشوف اللي حواليه بيصاحبوا بيضحكوا.. فحبيت أجرب زيهم.. بس هل بنت منهم حكتلها تفاصيل الصغيرة دي.. الإجابة لاء.. وندمت على كل دا.
حركت قطوف رأسها بتفهمٍ، في حين أمسك مازن بالطائرة الورقية حتى رأى عليها ورقة مكتوب بها « أيها القمر المنير أنت الآن وحيدًا ولكن بسمائي أنت فقط الموجود»، قرأ مازن تلك الكلمات ثم ابتسم يرفع بصره نحو قطوف التي مدت يديها تداعب خصلات شعره بحنوٍ، همس مازن بصوتٍ خافت:
_ السما حضنت القمر.
ابتسمت قطوف بخجلٍ ولكنها فتحت ذراعيها، فوضع مازن رأسه على صدرها ينام وكأنه طفل صغير تداعب خصلات شعره بحنو حتى غفى مكانه، نظرت له قطوف بحزنٍ لِمَ مر به تردد:
_ ربنا يقدرني وأبقى عوض ليك.
*****
غادر الجميع بعد أن أتموا الزيارة، كاد ياسين أن يهرب إلى الأعلى، ولكنه تفاجأ بيد تمسكه من ملابسه من الخلف، أغمض عينيه وتجمد جسده، في حين تمتم مهران بصوتٍ حاد:
_ ألن تتوقف عما تفعله من مصائب!
استدار ياسين ينظر لعينيه المشتعلتان، ثم قال بتوترٍ:
_ اصل... أنا معجب بمريم!
قطب مهران جبينه بتعجبٍ، يتساءل:
_ من هذه!
أجابه بتوترٍ:
_ مريم بتكون بنت الحاجة نهاد القعيدة، وأنا معجب بيها وعايز اتجوزها من بدري.
كادت أن تزحف بسمة لثغر مهران، ولكن اوقفها يردف بحزم:
_ ليس مبررًا لكي تحضرهم لهنا دون علمي!
ابتلع ياسين لعابه، ثم قال برجاءٍ:
_ عشان خاطري يا بابا.. بص هقعد في الأرض الـ18ساعة اللي قولت عليهم بس جوزني مريم.
تعجب مهران من رجاء ابنه، ونظر لعينيه بتدقيق ليرى بهما حبًا لها، ابتسم له ولم يستطع كبح ابتسامته، ليردف بحنوٍ:
_ حسنًا سأتكلم مع جدها كي نتقدم لها في طلب يدها.
اندفع ياسين إلى حضن والده، يردف بسعادةٍ:
_ ربنا يحفظك ليا يا احلى أب في الدنيا.
قهقه مهران بصوتٍ عالي، ثم ضم ابنه بحبٍ قائلًا:
_ حفظك الله يا بني، ولعل الله يجعل بهذه الفتاة هداية لك.. اصعد وأخبر مازن أن يأتي بزوجته.
حرك ياسين رأسه، ثم صعد الدرج يردد:
_ آه لو تعرف اللي هيحصل لينا من بومتي.
****
صعد ياسين واخبر مازن بالنزول وبالفعل هبط مازن يساعد قطوف على النزول برفقٍ، حتى تجمعوا سويًا بالردهة، ردد مهران بصوتٍ هادئ:
_ اليوم لا يوجد قصة بس سنلعب قليلًا.. سأسألكم سؤال وأنتم تجيبوا وإن كانت اجابتكم صحيحة سوف تطلبوا ما تشاؤون مني.
تحمس الجميع للعبة، ليردف ياسين بسعادة:
_ اشطا يا حاج قول بسرعة.
ابتسم مهران لهم بثقةٍ، ثم قال:
_ هل يعرف احدكم كلمة سندوتش ولكن باللغة العربية!
عقد ياسين حاجبيه، يردف بتعجب:
_ سندوتش.. سندوتش هي هي.
حرك مهران رأسه بنفيٍ، في حين بقى الجميع يحاول أن يبحث عن الإجابة ولكن لم يستطيعوا، فكانت اجابتهم غير مقنعة تمامًا، ليردف مهران ببسمةٍ:
_ أخبركم أم ستحاولوا؟!:
_: نحاول إيه بس دا إحنا بقالنا ساعة إلا ربع بنفكر في السؤال الأول بس.. امال بقيت اللعبة هنعمل إيه.. قول يا أبا.
قالها ياسين بيأسٍ، ليضحك مهران مجيبًا:
_ سندوتش باللغة العربية تعني شاطر ومشطور وبينهما كامخ.
جحظت عين الجميع، ليردف ياسين بسخطٍ:
_ يعني أنا أروح لواحد على عربية فول وأقوله لو سمحت عايز اتنين شاطر ومشطور وكترلي الكامخ بقى.. دا هيفتكرني بشتمه بأهله.
منحه مهران نظرة غاضبة، يردف بحدةٍ:
_ امثالك لا يعرف قيمة اللغة العربية.
_: يا بابا أنا بحب اللغة العربية بس مش لدرجة كامخ.. دا كده أوڤر في الحب.
ردد بها في محاولة لتبرير في حين حرك مهران رأسه بيأسٍ من ابنه، نظر مازن إلى ياسين ثم قال بعد هذا الصمت:
_ ابقى اعزمني يا ياسين على حتتين كامخ كده.
ضحك الجميع على حديثه، في حين نهض مهران يردف باستياء:
_ أنتم لن تقدروا العلم أبدًا.
تركهم يصعد لغرفته، في حين تركهم يلهون سويًا بالأسفل.
*****
ساعد مازن قطوف على دلوف الغرفة، ثم اخبرها أنه سيحضر بعض الفاكهة كي يتناولان سويًا بالشرفة، وبالفعل هبط كي يحضر بعض الفاكهة، ولكن تفاجأ بوجود والدته خلفه تنظر له باعين ثاقبة، قطب مازن جبينه بتعجب متمتمًا:
_ مالك يا امي عايزة حاجة؟
_: هطلق قطوف أمتى؟!
قالتها بجمودٍ تنتظر الإجابة، في حين نظر له مازن يجيب ببرودٍ:
_ مش دلوقتي.
رفعت ميرڤت حاجبها، تردد بصوتٍ تفوح منه رائحة الشر:
_ دا أكتر وقت تكسرها فيه... ارمي عليها اليمين.
أغمض مازن عينيه يردف بصوتٍ مختنق:
_ مش هطلقها.. ارتحتي مش هطلق قطوف إلا لما هي تطلب الطلاق مني.. غير كده مش هسيبها.. وعن إذنك عشان مش فاضي.
تركها وصعد للأعلى في حين بقت ميرفت تشتعل عينيها بغضبٍ جامح، تهمس بفحيحٍ:
_ أنت اللي طلبت تشوف وشي التاني!
رواية فطنة القلب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سلمى خالد
أغلق الباب بملامحٍ عابسة، يتقدم نحو قطوف التي تتطلع بتعجبٍ من نظراته.
تسألت بحيرة:
_ مالك يا مازن!
وضع الطبق على الطاولة، يجلس جوارها على الأريكة الموجودة بالشرفة، يجيب ببسمةٍ بارعة أخفى اختناقه من والدته:
_ مفيش يا حبيبتي.
زحفت بسمة صغيرة لشفتيها ما أن استمعت لكلمة "حبيبتي"، مدت يدها تأخذ حبة المانجا، ثم بدأت بقطع القشرة وأكلها بطريقةٍ عشوائية أضحكت مازن.
عبست بملامحها تردد:
_ بقولك إيه المانجا مهما حصل متتكلش غير كده.
_: ما شكلي هحب المانجا أكتر... هاتي أكل معاكِ.
قالها مبتسمًا، في حين ابتسمت قطوف باتساع وهي تقطع من حبتها له.
ردد مازن ببعض التعجب:
_: هاتي واحدة تانية وكُلي أنتِ دي.
منحته تلك القطعة الكبيرة تردف بسعادةٍ:
_ لاء ما أنا قررت إني اشاركك كل حاجة بعملها.. حتى أكتر حاجة بحبها.
شعورٌ لذيذ داعب قلبها من حديثها، أمسك تلك القطعة، ثم بدأ بتناولها حتى أصبح مثلها بملامح ملطخة بالمانجا.
قاطع هذا الاندماج صوت قطوف تردد:
_ هو ليه يا مازن مش بتشرب الشاي بسكر ولا حتى بتاكل حلويات.. يعني بلاحظ إنك بعيد عن كل دا؟!
نظر لها قليلًا، ثم قال وهو يعيد قطعة المانجا إلى الطبق ينهض من مكانه:
_ مفيش بس مليش في الأكل اللي فيه سكر والسكر مش صحي للجسم.
تركها ودلف للمرحاض المرفق بالغرفة، في حين وضعت قطوف تلك القطعة من يدها وبقت تتطلع له بحزنٍ.
نهضت من مكانها تعرج بشكلٍ طفيف، وما أن خرج مازن حتى تلقت نظراتهما طويلًا، ثم سار تاركًا إياها، في حين دلفت قطوف كي تغتسل جيدًا.
*****
_: زوزو عاملة ايه يا حبيبتي!
قالها ياسين بمرحٍ لوالدته، في حين استدارت له زينة تضحك على طريقته قائلة:
_ أنت مش ناوي تعقل خالص.
حرك رأسه بنفيٍ يجيب بجدية:
_ مش هتقدروا تعشوا من غير ضحكي وهزاري.
حركت رأسها بإيجابية مبتسمة، في حين اقترب منها يهمس:
_ بقولك يا زوزو.. هو الواد زين ماله هيمان كده ليه ملاحظ انه متجمع مع الحاج كتير!
نظرت له زينة ببعض التوتر، ثم قالت بتحذير:
_ هقولك بس متقولش لحد!
_: عيب يا زوزو أنا مش عيل للدرجادي.
تنهدت زينة بخوفٍ منه، ولكن لا تستطيع اخفاء شيئًا عنه، لتردف بهمس:
_ زين عايز يخطب ياسمين بنت عمك.
اتسعت عين ياسين بصدمةٍ، يردف بصوتٍ مغتاظ:
_ آه يا لئيم ماشي.
استدار يصرخ باسم شقيقه مرددًا:
_ زيـــــــن أنت يالا بتخبي عليا أنا.. ماشي دا أنا هفضحك دلوقتي.
حركت زينة رأسها بيأسٍ تتمتم:
_ مفيش فايدة لا فيه ولا فيا.
*****
دلف ياسين إلى غرفة شقيقه فوجده نائمًا، اقترب بحذرٍ يصرخ بأذنه بقوةٍ جعلت زين ينهض بفزعٍ يتطلع حوله.
وما أن رأى ياسين حتى ألقى بالوسادة عليه مرددًا:
_ أنت ياض مش هتعقل أبدًا.. أنت مين المختل عقليًا اللي قبلك في كلية الشرطة.
ابتسم ياسين بثقةٍ متمتمًا:
_ عيب هو أنا أي حد.
مسح زين على وجهه بنفذ صبر يردف:
_ عايز إيه أخلص!
_: سمعت إنك عايز تتجوز!
قالها ياسين بمكرٍ يجلس جواره على الفراش، في حين اتسعت عين زين قائلًا:
_ مين اللي قالك؟
_: العصفورة.
رددها بغرورٍ، في حين دفعه زين ليقع على الأرض قائلًا:
_ أنت هتستهبلني.. اكيد امك اللي قالتلك!
صرخ ياسين بألمٍ، يردد بحنقٍ:
_ أما أنت عارف بتسأل ليه دا أنت طلعت أعيل مني بصحيح.
رفع زين حاجبه يردف بتحذير:
_ هقوملك لم نفسك أحسنلك.
نهض ياسين من الأرض يردف بحنقٍ:
_ بقولك إيه متهربش من السؤال.
_ مبهربش بس الفكرة إني لسه بصلي استخارة عشان اتقدم ليها.
قالها بتنهيدةٍ، في حين نظر له ياسين بتعجبٍ، يردف بتهكمٍ:
_ يأخي أنا عمري ما شوفتك بتكلمها أو بتحاول.. دا حتى البصة معملتهاش.
ابتسم زين بهدوءٍ، يردف بهدوءٍ:
_ اللي بيحب بصدق يا ياسين بيحافظ على اللي بيحبها حتى من نظرة واحدة.. وأنا من أول مرة شوفتها فيه لقتني بخاف عليها من نظراتي.
نظر له ياسين ثم وضع يده أسفل ذقنه يتخيل مريم، يردف بهيامٍ:
_ وهو في حد برضو يقدر يمنع نفسه عن بومته.
اتسعت عين زين من حديث ياسين، ليلقى صفعة على مؤخرة رأسه، صرخ ياسين متألمًا يردف:
_ إيه يا عم مش كده فصلتني.
ابتسم له ببرودٍ يردف:
_ ابقى لم نفسك ودماغك شوية.
احتقن وجه ياسين يردف وهو يشيح بيده:
_ اوعى يا عم أنا رايح اوضتي أتخيل واتشقلب براحتي.
*****
وبصباح اليوم التالي، انتهى الشباب من العمل بالأرض، وعاد جميعهم إلى المنزل.
صعد مازن إلى غرفته، وما أن دلف حتى قال بصوتٍ هادئ:
_ قومي يا قطوف البسي بسرعة.
قطبت جبينها بتعجب، تغلق الهاتف واضعة اياه جواره، تردد:
_ ليه؟!
اجابها وهو يسحب يدها:
_ يلا بس بسرعة لأن مش هقولك دلوقتي.
تعجبت من اصراره، ونهضت ترتدي ملابس مناسبة للخروج، وبالفعل ما أن انتهت حتى أخذها مازن بعدما أخبر مهران بخروجهما لساعتين ثم العودة.
اوقف مازن قطوف بالطريق قليلًا يردف بنبرة دافئة، يخرج شريط اسود:
_ البسي دي.
رفعت قطوف حاجبها، ترفق بسمة صغيرة قائلة:
_ دي مفاجأة من العيار تقيلة بقى.
بادلها الابتسامة بضحكة عالية، يردف بإيجابية وهو يغطي عينيها:
_ حاجة زي كده.
*****
_: هاتي اللعبة من جوا يا ورد نلعب بيها شوية.
قالتها ياسمين بحماسٍ، في حين ركضت ورد للداخل كي تحضر اللعبة التي طلبتها ياسمين.
دقائق ليأتي طفل بالعشرة من عمره يحضر ورقة صغيرة بيده قائلًا:
_ اتفضلي يا طنط عمو برة قالي اديكِ الورقة دي.
نظرت له ياسمين بدهشة، ثم سلطت بصرها للخارج فلم تجد أحد، شكرت ياسمين الطفل وأمسكت بالورقة وما أن فتحتها حتى وجدت مكتوب:
..(العد التنازلي بدأ يا حبيبتي، وفاضل وقت بسيط وتبقي مراتي.. حبيبك جمال)
اتسعت عين ياسمين بفزعٍ، تنظر حولها برعبٍ شديد، نهضت من مكانها تهرول إلى الداخل، عينيها اغرورقت بالدموع.
ولكن ما أن دلفت حتى اصطدمت بزين دون قصد، تعجب زين من ركضها، ليهتف بقلقٍ ما أن رأى دموعها:
_ أنتِ كويسة؟!
حركت رأسها بإيجابية، تستعيد وعيها ما أن رأته، تردف بصوتٍ مبحوح:
_ آه.
_: أمال بتعيطي ليه؟!
قالها مشيرًا على دموعها، رفعت اناملها تزيل تلك الدموع متمتمة:
_ مفيش بس شوفت فار برة واتخضيت منه.
حرك رأسه متفهمًا لخوف الفتيات من الفئران، في حين تركته ياسمين ثم غادرت لأعلى قبل أن يرى انفجرها بالبكاء.
استدار زين كي يدلف لمكتب والده ولكن وجد ورد تركض نحوه متمتمة بحيرة:
_ بابا هي ماما فين؟!
قطب زين جبينها بتعجبٍ، ليردف متسائلًا:
_ ماما مين؟!
_ ماما ياسمين.. هي قالتلي اجيب اللعبة من جوا وبعد كده هي اختفت.
_ لا هي طلعت فوق اوضتها شافت فار وخافت منه.
اجابها زين بهدوءٍ، حركت ورد رأسها ثم قالت بتهذب:
_ طب أنا هطلع أشوفها يا بابا!
نظر لها رافعًا أحد حاجبيها، متمتمًا بتهكمٍ:
_ من أمتى الأدب دا؟!
نظرت له ببراءة تجيب:
_ أنا مؤدبة طول عمري!
علت بسمة ساخرة على ثغره، مردفًا:
_ لا واضح الأدب... اطلعي ياختي اطلعي.
منحته نظرة بريئة ثم قالت:
_ شكرًا.
ركضت إلى الأعلى سريعًا في حين حرك زين رأسه بيأسٍ من ابنته فهي دائمًا تفعل ما يحلو لها لِمَ السؤال الآن.
*****
انتهى مازن من حجب عيني قطوف، ثم امسك يدها يسير بها ببطءٍ، ولكن كادت أن تتعثر بأحد الصخور لتردف بتوترٍ:
_ يا مازن أنا خايفة أقع.
همس لها بحنوٍ:
_ ومازن موجود عشان يسندك.
امسكت يده بقوةٍ، في حين سار بها مازن حتى وصل للمكان المنشود، هتف واقفًا أمامها، يلف ذراعه كي يزيل تلك الشريطة:
_ هشيل الشريطة بس خليكِ مغمضة.
_: حاضر بس انجز بقى الادرنالين اترفع من الفضول.
قالتها قطوف مغمضة العينان، في حين تبدلت ملامح مازن بامتعاض قائلا:
_ ابوس دماغك قصي لسانك دا النهاردة و متبوظيش اللحظة.
كادت أن تنطق ولكن قاطعها وهو يقف خلفها هامسًا جوار اذنها:
_ فتحي.
فتحت عينيها تنظر ببعض الضباب، ولكن ما أن اختفت تلك الضباب حتى وجدت عدد من الزهور التي تحبها مزروعة بالأرض.
ظلت تتطلع لهما بصدمةٍ علت وجهها، تسير بين تلك الزهور ببسمةٍ زحفت لشفتيها، تمتمت بكلماتٍ متقطعة تحمل السعادة:
_ الله الورد جميلة أوي دا شكله يجنن ويخطف القلب.
_: عجبك!
قالها مازن ببسمةٍ راضية، في حين نظرت له قطوف عائدة له متمتمة:
_ أنا بعشق الورد يا مازن.. مجرد بس ما بشوف ورد في جنينة حد برتاح.. فأكيد عجبني أوي أوي كمان.
منحها نظرةً دافئة ثم قال بحنوٍ:
_ الورد دا بتاعك.
حدقت به في صدمة ممزوجة بسعادة، مرددة بعدم تصديق:
_ بجد!
حرك رأسه بإيجابية، يردف بهمسٍ بعدما قطع المسافة الموجودة بينهما بخطواتٍ صغيرة:
_ زرعته عشانك... عشان ضحكتك تفضل موجودة.
اغرورقت عينيها بالدموع، في حين استرسل مازن حديثه بحبٍ صريح:
_ عارف إنك بتحبي الورد وبتهتمي بيه.. وحبيت اعوضك عن الورد بتاعك اللي سبتيه بالقاهرة وزرعت الورد هنا واحنا بنزع الطماطم عشان ضحكتك تفضل منورة يا قطوف.
دفنت وجهها بصدره، بعدما تلون وجهها بخجلٍ، في حين همس لها مازن بحبٍ:
_ اسمحيلي أقولك بكل حب
(أنتِ كموجٌ عالي أغرق به..وان ضاع سبيلي فقد عاد بكِ..ففي حياتي لا أجد ملاذ إلا بضمكِ..فأغرق مجددًا ببحار حُبكِ
فليت كل الموج موجكِ والبحار حُبك.)
انتهى من غزله، ليجد عينيها تلتمعان بالسعادة، تردف بصوتٍ خجول:
_ أنا أول مرة أسمع كلام رقيق زي كده.
ابتسم مازن يمسك بكفها بين يديه يسير بها إلى حجر كبير يسعهما للجلوس، ثم جلس عليه مرددًا:
_ لأن كل كلمة قبل ما عيني تشوفه فيكِ قلبي حس بيه.
لا تزال بسمتها الخجولة على ثغرها، تنظر للشمس في مغيبها، في حين أردف مازن وهو يتطلع معها لغروب الشمس:
_ مكنتش بحب غروب الشمس بسبب أن الوقت دا هو اللي والدي سبني فيه.. بس قررت اخليه أحلى وقت.. وخليته خلاص أحلى وقت.
_: خليته احلى وقت إزاي؟!
قالتها قطوف بتساؤلٍ فضولي، في حين نظر مازن لعينيها بدفيءٍ مجيبًا:
_ مفيش ذكرى ليا وحشة إلا وأنتِ مسحتي الوحش اللي فيها بوجودك.
ضحكت قطوف بسعادة، ثم بقيت صامتة قليلًا لتردف بسؤالٍ:
_ مازن هو ممكن يجي يوم وتسامح باباك؟!
نظر لها قليلًا، ثم قال بشرودٍ متطلعًا لأخر لحظة لمغيب الشمس:
_ لو قالوا للزمن أرجع عشان نصلح اللي حصل.. مش هيرجع.. فهل اللي عمله فيا ممكن يتصلح.. الإجابة هتكون لاء!
كان الأثنان صامتًا، إلى أن لحظت قطوف ملامح فتاة تقف على بُعد منهما، تنظر لمازن بإعجاب واضح، ولكن لاحظت اقترابها منهما، اشتعلت عين قطوف بغيظٍ منها، تردف بحنقٍ:
_ يلا بينا من هنا.
تعجب مازن من تحولها المفاجئ، ليردف بدهشةٍ:
_ مالك يا بنتي ما إحنا كنا كويسين!
رفعت حاجبها بحنقٍ، تردف بصوتٍ مغتاظ:
_ يلا يا مازن دلوقتى.
_: حضرتك اسمك مازن!
قالتها تلك الفتاة بهمسٍ رقيق، في حين استدار مازن ليعلم مصدر هذا الصوت وفهم سر غضب قطوف، ردد مازن بهدوءٍ:
_ أيوة اسمي مازن في حاجة؟!
نظرت له بجراءةٍ، تردف بكلماتٍ أشعلت نيران الغيرة:
_ لاء خالص.. بس مشوفتش حضرتك في البلد قبل كده.. إلا من شهر تقريبًا بتعزأ (بتعزق) الأرض ووقتها الجو كان حر وقلعت الجلابية.
_: وياترى بقى خلع حاجة تانية.. طمنيني يا حبيبتي!
نظرت الفتاة إلى قطوف وعينيها اللتان لا تنذر بالخير، لتجيبها ببرودٍ:
_ لاء.. وبعد اذنك أنا بتكلم معاه يبقـ...
صرخت الفتاة بألمٍ ما أن أمسكتها قطوف من حاجبها بشرسةٍ، تزمجر بعنفٍ:
_ كملي بقى عشان مكنتش سمعاكِ كويس!
_: ابعدي آآه ألحقني يا مازن.
قالتها الفتاة بتألم، في حين لكمتها قطوف بقوةٍ في وجهها تردف بحدةٍ:
_ مازن دا يا جوزي.. يعني فكري تناديه تاني شوفي هعمل فيكي وفيه إيه!
_: وأنا مالي!
دفعت قطوف تلك الفتاة لتسقط ارضًا تبكي من شدة الألم، ارتفع صوت قطوف الحاد تبسط كفها أمامها قائلة بشرسة مخيفة:
_ قدامك لحد خمسة لو مخفتش من وشي لأكون عاملة منك لحمة وموزعها على كلاب السكك مع أنه خسارة ياكلوا لحم رخيص كده.
نهضت الفتاة راكضة بعيدًا، تشعر بالذعر من قطوف، في حين استدارت قطوف تعيد كلمات تلك الفتاة بنبرتها الشرسة:
_ بتقلع الجلابية صح.. مين قالك تخلع هدومك برة الأوضة بتاعتنا.
رفع مازن حاجبه مرددًا:
_ نعم! الجو حر وهي أصلًا خنقاني فخلعتها.. ثم هبص بقى إن كان في حد شايفني ولا لاء!
_: أنت أصلًا المفروض تستر نفسك.
قالتها بحنقٍ، ليرتفع صوت مازن بصدمة:
_ استر نفسي إيه! اهدي يا قطوف.. اهدي يا ماما.
اشاحت بيده تسير مبتعدة عنه قائلة بحنق:
_ بلا اهدي بلا بتاع.. جاي تزرع الأرض ولا تتشقط مني.
ضحك مازن على طريقتها وسار خلفها يردف بمرحٍ ممسكًا يدها بقوةٍ كي لا تفلتها:
_ أكيد مش بتشقط..
نظرت له بضيقٍ، ليكمل حديثه بجدية:
_ مش لما تعرفي أنتِ تشقطني ابقى اتشقط برة... نمشي بالدور.
_: بالــــــــــــــدور.
صرخت به في غيظٍ، ليضحك مازن متمتمًا:
_ بهزر معاكِ..
ثم استرسل حديثه بحنوٍ:
_ قلبي لو شاف غيرك يموت.. لأنك أنتِ نبضه.
هدأت من كلماته، ثم سارت ممسكة بكفه بتملك وكأنها تلعن أنه زوجها وليس لأحد حق به سواها، وصلا للمنزل ولكن وجد الجميع بالردهة، معالمهم مليئة بالخوف، تقدم للداخل ينظر لوجههم بدهشةٍ، ليرتفع صوت قطوف المتعجب:
_ مالكم في إيه؟!
اجابتها ملك بحزنٍ:
_ عمتي ميرڤت سابت البيت.
اتسعت عين مازن بصدمةٍ، يردف بعدم تصديق:
_ يعني ايه مشيت؟! مشيت راحت فين؟!
مد ياسين يده بورقةٍ متمتمًا:
_ سابت الورقة دي في اوضتها.
تلقف منه مازن الورقة، يقرأ محتواها:
..( بما إني وجودي زي عدمه فأنا آسفة جد للوقت اللي ضيعته معاكم، أنا راجعة القاهرة ولحياتي عادي.. وخلي ابني يشوف حياته اللي حتى مش ملاحظ وجودي معاهم)
قرأ مازن محتوى هذه الرسالة وقبض على تلك الورقة بضيقٍ، ثم نظر نحو قطوف متمتمًا:
_ يلا.
لم تتحدث قطوف بكلمة وصعدت بخطواتٍ سريعة معه، في حين تمتم ياسين بعدم ارتياح:
_ هي عمتي آه.. بس قلبي مش مطمن.
*****
_: مالك يا مازن؟!
قالتها قطوف بقلقٍ بعدما رأت ملامحه، في حين ردد مازن باختناقٍ:
_ مفيش بس أنا عارف أمي وهي بتضغط عليا.
جلست جواره تضع يدها على كتفه تربت عليه بحنو قائلة:
_ طب هتعمل إيه؟!
نظر لعينيها بعمقٍ، ثم قال بهدوء:
_ هسافر ليها.
_: إيه ليه!
تمتمت بها في صدمة، في حين نهض مازن يستعد للسفر:
_ مضطر يا قطوف.. صدقيني اللي بعمله كله مضطر ليه.. عارف أنك مش بتحبي أمي بسبب اللي بتعمله، بس لو معملتش كده يبقى وقتها هتخافي مني!
نظرت له بتعجبٍ متسائلة:
_ أخاف منك! بالعكس أنا مطمنة ليك أكتر من الأول.
استدار وهو يحمل ملابسه قائلًا ببسمة حزينة:
_ اللي ملهوش خير في اهله يبقى ملهوش خير في حد.. وفي النهاية هي أمي لو مبقاش ليا خير فيها بعد كل اللي عملته يبقى عمر ما هيبقى ليا خير في حد.. فهمتني يا قطوف.
حركت رأسها بإيجابية على مضضٍ تشعر باختناقٍ من كونه سيتركها، بقت تنتظر انتهائه من تبديل ملابسه حتى خرج لتردف باندفاع:
_ متبتش هناك.. روح وتعالى علطول.
نظر لها بتعجبٍ من طريقتها الحادة، ثم قال بهدوءٍ:
_ وهتفرق في إيه؟
_: هتفرق إني مش بعرف اقعد في مكان أنت مش فيه!
قالتها باندفاعٍ من مشاعر ملأتها الغيرة، في حين ابتسم مازن لحديثها الذي راق له، يردد بحنوٍ:
_ متقلقيش هروح اتكلم معاها وهحاول أخلص كلام واجي علطول.
هدأ من غضبها، ولكن لا يزال وجهها عابس، في حين انتهى مازن من ارتداء حذاؤها مرددًا:
_ قطوف.. هطلب منك لأول مرة إنك تبقي في ضهري مهما حصل.
نظرت له قليلًا، ثم قالت بهدوء:
_ هفضل في ضهرك طالما محولتش في مرة تكسرني.
ابتسم يقبل جبينها بحبٍ قائلًا:
_ عمري ما فكرت في كده.. مازن هيفضل طول الوقت سند لقطوف خلي الجملة دي براسك علطول.
بادلته الابتسامة، ليتحرك سريعًا كي يلحق بالقطار في حين اندثرت ابتسامتها سريعًا، تنظر للفرغ الموجود بالغرفة، بقيت مكانها تجلس بخوفٍ من حدوث شيءٍ، تعلم جيدًا رغبة والدته بطلاقه منها ولكن هل سيخضع لها!!
*****
نظر مهران من شرفة مكتبه على دُلوف مازن للسيارة ومغادرته إلى محطة القطار، تنهد باختناقٍ، يردف بهمسٍ:
_ لم استطع أن أساعدك على عدم الذهاب وإلا سأساعدك على عقوق والدتك.. ارجو من الله أن يحميك من شر والدتك.
عاد يجلس مكانه، يشعر بإتيان موجة مخيفة على عائلة العطار.
******
ألغى مهران قصته لهذا اليوم وصعد لغرفته، وغفى الجميع باكرًا، ولكن بقيت قطوف تنتظر بغرفتها، حتى استمعت لصوت الباب يفتح وما أن دلف مازن حتى زحفت البسمة لشفتيها، نهضت تتقدم بخطواتها نحوه، تنظر لعينيه اللتان تشعان ألمًا قائلة:
_ مالك يا مازن؟! حصل حاجة! عمتو زعلتك!
_: هو أنتِ ممكن في يوم تسبيني يا قطوف وترفضي تعيشي معايا!
قالها مازن بنبرةٍ غريبة، في حين تعجبت قطوف من سؤاله، لتردف بصوتٍ يحمل قليلًا من الحيرة:
_ ليه يا مازن بتسأل السؤال دا!
جلس على الفراش بتعبٍ، يسند رأسه بين راحتي يده، قائلًا:
_ جوبيني الأول.
عادت تجلس جواره تهمس بحبٍ:
_ في الأول آه كنت عايز ابعد.. بس دلوقتي خايفة!
رفع مازن رأسه ينظر لها قليلًا، ثم قال بتعجبٍ:
_ خايفة مني!
حركت رأسها بإيجابية، ثم أردفت بنبرةٍ خافتة:
_ خايفة أقولك بحبك تسبني.. أو تستغل ضعفي.
مد يده يرفع وجهها يتطلع لوجهها بحبٍ قائلًا بحنوٍ:
_ قطوف أنا عارف امتى بتبقي ضعيفة.. مهما مثلتي القوة عارف وقت ضعفك إيه.. وعمري ما فكرت استغله.. هستغله وأنت بتحبيني.. وهسيبك إزاي دا أنا لما صدقت إننا بقينا سوا وبطلتي تقولي طلقني.
زحفت بسمة صغيرة لشفتيها وهي تتذكر طلبها المستمر للطلاق، لتردف بخوفٍ:
_ اوعى يا مازن بعد ما بقيت سندي تسبني!
حرك رأسه نافيًا، يردف بهمسٍ:
_ لسه خايفة برضو مني؟!
ابتسمت له بسعادةٍ، قائلة بخجلٍ:
_ لاء.
زحفت بسمة حبًا له، الآن أعلن قلبها عن حبه الذي نبُت بداخلها، في حين بادلها هو ذاك الحب بحنانٍ ملك قلبها، وأخيرًا هي الآن أصبحت زوجته أمام الله.
*****
صباحًا..
استيقظت قطوف من نومها، تعتدل بجلستها بعدما رأت اختفاء مازن، بحثت بعينيها عنه ولكن لم تجده.
دقائق كان صوت الماء يتدفق بالمرحاض، تنهدت قليلًا لتنهض من مكانها تعد ملابسها كي يهبطان سويًا، وبالفعل ما أن انتهت حتى وجدت مازن قد خرج يجفف رأسه، نظرت له بخجلٍ، في حين ابتسم لها مازن يردف بحنوٍ:
_ صحيتي بدري أنا قولت هتفضلي نايمة!
اجابته بتوترٍ:
_ جسمي خد على الصحيان بالوقت دا.. عشان كده صحيت.
حرك رأسه بتفهمٍ، ولكنه قال بهدوء:
_ أنا هسافر تاني النهاردة عشان أنهي موضوع أمي.
استدارت نحوه بصدمةٍ، تردد بخوفٍ:
_ ليه هو مش المفروض خلصته إمبارح؟!
حرك رأسه بنفيٍ، يجيبها بكلماتٍ دافئة:
_ متقلقيش هروح واجي علطول.. ادعي بس يخلص على خير.
ابتسمت بهدوءٍ تخفي قلبها الذي يرتجف خوفًا، تدلف إلى المرحاض، في حين ارتدى مازن ملابسه كي يسافر مجددًا ينهي ما فعلته والدته.
****
اجتمع الشباب على طاولة الطعام بعدما غادر مازن، رفع مهران بصره لهم، ثم قال وهو يسلط بصره على قطوف وياسمين قائلًا بهدوءٍ:
_ لا يوجد قصة اليوم أيضًا ولكن سوف أسألكم سؤال واحد، صفوا ليّ الألم بنسبة لكم! اريد اجابتكم بالغد.
تعجب الجميع من طلب مهران واختصاره للحديث هكذا ولكن حرك جميعهم رؤوسهم، ثم نهضوا إلى عملهم المُكلفين به.
****
_: طنط قطوف تلفون بتاعك بيرن كتير.
قالتها ورد وهي تعطي الهاتف إلى قطوف، تناولته قطوف منها بحماسٍ ظنًا أنه مازن، ولكنها وجدت رسالة بها:
(جوزك دا مخلص أوي)
ارتجف قلب قطوف بخوفٍ، وما هي إلا دقائق حتى وجدت صورة تجمعه مع فتاة بشكلٍ غير لائق، تطلعت بصدمةٍ تحاول استيعاب ما تراه، ولكن لم تعطِ لذاتها فرصة وهي ترى العنوان الموجود به والذي أُرسل أسفل الصورة.
ملأت عينيها بالدموع تسير عائدة للمنزل سريعًا.
أبدلت ملابسها سريعًا ثم حملت الهاتف تنظر للصورة بقلبٍ منفطر، تشعر بجرحٍ غائر يكاد يقتلها، مسحت دموعها تسير إلى الخارج مغادرة سريعًا يجب أن تتأكد مما تراه وإلا لن يعلم أحد ما الذي يمكن أن تفعله إن أصبح هذا المشهد صدقًا!!
رواية فطنة القلب الفصل العشرون 20 - بقلم سلمى خالد
شعورٌ ما بين الألم والخوف، شعرت بتردد بعدما توقف السائق أمام العنوان المطلوب.
ترجلت من السيارة تسير بخطواتٍ مترددة، حتى وقفت أمام مبنى قديم.
تأملت تلك العمارة القديمة بقلقٍ، تتطلع نحو المكان باشمئزاز.
شعرت بوجود خطبٍ ما، وأن مازن لن يأتي لهنا.
استدارت كي تغادر، ولكنها تفاجأت برجلٍ يتقدم نحوها ببسمة خبيثة.
تراجعت بتوترٍ قائلة:
_ أنت مين؟!
ازدادت بسمته الخبيثة دون رد عليها.
في حين وصلت قطوف لمدخل العمارة تتراجع برعبٍ من ملامحه.
استدارت سريعًا كي تركض بعيدًا، ولكنها صرخت بألمٍ شديد بعدما قام بضربها بقوةٍ على رأسها، لتسقط مغشيًا عليها.
أمسك الرجل بهاتفه ثم أرسل رسالة صغيرة نصها:
(البت في ايدي)
*****
دلف للشقة، ولكن نفورٌ غريب يسيطر عليه.
سار إلى الردهة حتى توقفت قدماه أمام والدته التي تجلس بأريحية شديدة على مقعدها.
تمتم بنبرةٍ مختنقة:
_ عايزة ايه وتسبيه!
ضحكت بشدة على حديثه، ثم قالت بنبرة خبيثة:
_ عايزة إيه! قولتلك قبل كده يا تطلق مراتك وتعملي توكيل عشان احول بيه الفلوس بتاعتك، يا أما تمضي مراتك على تنازل بكل ممتلكاتها ليا.. وأنا عن نفسي بختار الخيار الأول وبفكر اديك هدية عليه.
نظر لها بعدم تصديق لما تتفوه به، ليردف بعدم تصديق:
_ أنا مش فاهم أنتِ بتعملي ليه كده! دا حتى مشاعر الامومة ناحيتي مشوفتهاش!
نظرت له بأعينٍ مظلمة، تجيبه بصوتٍ شرس:
_ عشان طلعت شبه ابوك.. سبتك زي ما ابوك سبني زمان.. أنت نسخة منه.. دا حتى لما قلبي ضعف وقولت ارجعلك لقيتك روحت لخالك وسبتني فأخدت قراري من وقتها إني مش هسمح بعد ما أحبك زي ابوك تسبني وسبتك الأول.
صرخ بها مازن في ألمٍ:
_ أنا أبنــــــك مش جوزك.. أنا ليا حق مهما حصل معاكِ تديني الاهتمام والرعاية.. تعوضيني عن اللي ابويا عمله فيا.. سابك وسبني برضو.. يعني مش أنتِ لوحدك اللي تعبتي.
ضحكت ميرڤت بسخطٍ على حديثه، تردف بصوتٍ متهكم:
_ لاء أنا لوحدي اللي تعبت.. أنا اللي سمعت منه كلام زي السم.. أنا اللي ضيعت خمس سنين من عمري مستنياه عشان نتجوز.. واستحملت فقره وقلة حيلته عشان نبقى سوا.. ولما بقى معاه فلوس واتجوزنا سبني مع أول مشكلة بينا.. أنت مشوفتش اللي شوفته.. واللي عملته معاك تستاهله لأنك كنت بتحبه وبتجري وراه.. فخلاص اشبع بيه.
حاول استيعاب ما تتفوه به، ليردف باستنكار:
_ أنتِ متأكدة إنك أمي! بدأت احس إني مش ابنك!
علقت ساخرة:
_ مش فارقة كتير.. سواء كنت امك ولا لاء فهي مش فارقة.. ولو هتفضل تتكلم كتير كده هلغي اتفقنا.
_ تلغي اتفاق إيه.. أنتِ مستوعبة اللي بتعمليه.. وكمان عايزة اسيب البني أدمة الوحيدة اللي حبيتها و اطلقها!
قالها بجنونٍ مما تريده، في حين نهضت من مكانها تتطلع لعينيه بحقدٍ، تردف بنبرة حاقدة سوداء:
_ هتتكسر زي ما اتكسرت.. وتتطلق في أكتر وقت حبيتك فيه.. وهتتساب بأهم وقت بحياتها زي ما أنا اتسبت كده.
تراجع للخلف بذهولٍ مما فيه والدته، لتسترسل حديثها بهمسٍ فحيح:
_ وأنت هتترفض علطول.. ابوك رفضك زمان.. وأنا قرفت اربيك.. ومراتك بعد ما تتكسر منك هتسيبك وهتبقى لوحدك زي ابوك.
حدق بها بصمتٍ، ليست أم بل فاقدة لعقلها.
استدار كي يغادر يردف بصوتٍ جامد:
_ اتفقنا ملغي.. وأنا هعرف ازاي ارجعه منك ومش هتطولي مليم.
كاد أن يفتح الباب، ولكن ارتفع صوت ميرڤت الماكر وهي تجلس على المقعد تضع قدم فوق الأخرى تنظر لهاتفها بخبثٍ:
_ خلاص براحتك.. بس كده أنت بتديني جواب صريح أن مراتك بدل ما تطلقها عادي.. هطلقها وهي مغتصبة.
اتسعت عين مازن بصدمةٍ، ثم استدار يتطلع لها بذهولٍ.
في حين ادارت ميرڤت الهاتف لهذا البث المباشر يرى ملامح قطوف المغشي عليها، وجهها الملطخ بالدماء، يد تمددت لحجابها تنزعه ببطءٍ.
زمجر مازن بعصبيةٍ:
_ ابعد ايدك ال**** عنها.
اعدت الهاتف لها، تردف بجدية تفوح منها رائحة الشر:
_ اممم متعملش حاجة.. أما نشوف رأي جوزها إيه؟!
نظرت لمازن الذي شعر لأول مرة بعجزٍ قاسٍ، هتف باختناقٍ شديد:
_ موافق.
ابتسمت ميرڤت تردد ببرودٍ:
_ موافق على أنك تطلقها وتستلم اللي عايزه مقابل توكيل منك ليا.
نظر لها بنفورٍ.
في حين تمتمت ميرڤت بضحكٍ:
_ وآه اوعى تنسى أن بلحظة ممكن اجيب طليقتك مقدمًا من بيتها متفتكرش أن مهران هيحميها.. لو عايزة أقلب الدنيا على دماغك هقلبها.
ابعد نظراته عنها.
في حين استرسلت ميرڤت ببرودٍ:
_ اطلع على مستشفى ال*** هتلاقي مراتك هناك.. واي محاولة ليك في أنك تبوظ الاتفاق حياة كل اللي بتحبهم هتبقى في خطر.
استدار مازن كي يغادر.
وقبل أن يغادر الشقة نظر لها ثم ردد بألمٍ:
_ أنتِ استحالة تكوني أم.
عوجت فمها تردف ببرودٍ:
_ وأنتِ عمرك ما هتتحب بعد اللي هتعمله.. هتترفض من كل اللي بتحبهم.. زيّ بظبط.
نصل قاسٍ انغرس بصدره، يشعر بفجوةٍ حارقة تبتلعه دون رحمة.
سار مغادرًا الشقة نحو المشفى، يعلم جيدًا أن والدته هي العدو الوحيد له ولكن لم يعد يعلم امكانية ما يمكن أن تفعله.
هي نجحت بزرع الخوف بداخله وسار يفكر بشيءٍ واحد هل من الممكن ان يرفض الجميع وجوده!
*****
وصل مازن إلى المشفى وصعد للغرفة الموجودة بها.
تقدم نحوها ليجد رأسها ملفوفة بشريطٍ ابيض.
جلس على مقعد قريبًا منها ثم ظل يتأمل شكلها.
اسند جبينه على يديه، يحاول التفكير بحلٍ آخر غير الطلاق بها.
_ مازن.
قالتها قطوف بتعبٍ بعدما فتحت عينيها ببطءٍ.
في حين نظر لها مازن ببسمةٍ باهتة مرددًا:
_ حمدلله على السلامة.
نظرت لعينيه قليلًا، ثم أردفت ببعض التعجب محاولة الاعتدال:
_ انت عرفت مكاني إزاي!
حدق بها في هدوءٍ، ثم بادلها الحديث بسؤالٍ:
_ إيه اللي جابك هنا؟!
ابتلعت لعابها، تنظر للجهة الأخرى، تتمتم بتوترٍ:
_ متجوبش السؤال بسؤال.
ابتسم بسخريةٍ، ثم قال:
_ هجاوب أنا على السؤالين.. قلة الثقة بيني وبينك هي اللي وصلتك لهنا.
نظرت له بندمٍ، تعلم جيدًا خطأها، ثم قالت بألمٍ:
_ مش قلة ثقة أد ما هي خوف.. أنا اتجننت لما شوفت الصور والمسدج.. وقولت إنك بتخوني بس صدقني رجعت في كلامي لما وصلت العمارة بس في واحد ضربني على دماغي جامد وملحقتش امشي ولا اهرب.
أغمض مازن عينيه، فقد علم الطريقة التي احضرتها بها والدته.
في حين مدت قطوف يدها تمسك بكفه قائلة بصوتٍ مختنق من دموعها:
_ مازن صدقني أنا واثقة فيك.. ورجعت عن اللي بعمله ومكنتش اقصد خالص إني افقد الثقة فيك.. خوفي هو اللي خلاني اتصرف كده.
هبطت دموعها دون أن تشعر، فـ فقدان الحبيب مُر وخيانته أشد مُرًّا.
نظر مازن لدموعها بقلبٍ يتلوى من الألم، لينهض من مكانه يجلس جوارها، يردف بحنوٍ قائلًا:
_ مش بحب أشوف دموعك.
نظرت لعينيه، ولكن لا تزال عينيها تذرف الدموع، تردف بألمٍ:
_ أنا خوفت أوي وأنا لوحدي.. كنت ضعيفة أوي يا مازن.
ضمها لصدره في حنانٍ، يهمس بنبرةٍ قوية:
_ أوعي تتضعفي تاني.. خليكِ قطوف القوية.. ومتظهرش ضعفك دا لحد أبدًا.
دفنت وجهها بصدره مرددة بحبٍ:
_ ماعدا أنت.
ضحك مازن على طريقتها، يهمس بخبثٍ:
_ طب يلا نمشي عشان منتمسكش في المستشفى بفعل فاضح.
اشتعل وجهها بخجلٍ، تضرب على ذراعه بغيظٍ قائلة:
_ أنتِ مش مؤدب.
_ بتكلمي عيل في ابتدائي.. ايه مش مؤدب دي!
قالها مازن بسخطٍ وهو يساعدها على النهوض، في حين تمتمت قطوف بإيجابية:
_ ايوة.. لما أي انسانة بتحب.. بتحس مع اللي بتحب أنه ابوها واخوها وابنها وحبيبها.. بيبقى دنيتها..
توقفت قليلًا عن الحديث، ثم أضافت بحزنٍ:
_ وخاصةً لو ملهاش حد زي.
امسك بيدها ليبعث بها الدفء، يزيل برودة الوحدة التي ضربت قلبها، مرددًا:
_ طول ما أنا معاكِ مش هتبقى لوحدك.
نظرت له بقليلٍ من القلق، ولكن بادلها الحب، ابتسمت قليلًا تردد:
_ اوعدني.
تذكر حديث والدته، وشعر بغصةٍ أليمة عالقة بقلبه.
نظر لملامحها المتعطشة للدفء، ثم قال:
_ بوعدك إني أعمل كل جهدي عشان مسبكيش وافضل أمانك.
سارت معه براحةٍ بعثها لها، ثم دلف الأثنان إلى السيارة بعد الانتهاء من الاجراءات الخاصة بالمشفى.
وقبل ان يتحرك مازن أخرج ورقة من حقيبة موجودة بالخلف يردف بصوتٍ جاد:
_ بتثقي فيا؟!
تعجبت قطوف من سؤاله، لتجيب:
_ أكيد يا مازن.
_ أمضي على الورقة دي.
قالها وهو يعطيها القلم، في حين قطبت قطوف جبينها ولكنها لم تجادل أمسكت بالقلم وخطت بالقلم على تلك الورقة.
زفر مازن ببعض الراحة، مرددًا:
_ يلا بينا على البلد زمانهم قلقانين.
****
أمام المسجد..
وقف السيد مهران مع العزيزي جد مريم، يتحدثان سويًا بشتي المواضيع حتى حمحم مهران يردف بوقارٍ:
_ سأتصل بك الليل حتى أحدد معك موعد كي تناول الشاي.. ونزيد صلة القرب بيننا.
ابتسم العزيزي بسعادةٍ يجيبه:
_ أكيد يا حاچ مهران.. دا إحنا يبقى يوم عيد لما تيچي.
ابتسم له مهران، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_ خيرًا بإذن الله.
☆****☆
ضمت قدمها لصدرها، تشعر بخوفٍ من جمال، لا يتردد بعقله سوى سؤال واحد..كيف علم بمكانها؟!
انكمشت على نفسها أكثر، تتذكر قبضته على حجابها بقسوةٍ، ذاك المفك الذي طعنها بها.
بقيت دقائق تحاول مقاومة تلك الذكرى، ولكنها لم تستطع.
وضعت يدها على أذنها تمنع ذاتها من سمع صوته الذي بدأ يتردد بأذنها، ولكنها لم تستطع.
نهضت من مكانها كي تغادر الغرفة ولكن دوار حاد اصابها جعلها تسقط على الأرض تصطدم رأسها بحافة السرير، لتقع مغشيًا عليها، يغرق جبينها بالدماء.
*****
توقفت السيارة أمام محطة القطار، يترجل منها مع قطوف ولكن اوقفته قطوف متمتمة:
_ استنى يا مازن.
توقف عن السير ينظر لها باهتمامٍ، في حين أخرجت قطوف هاتفها لتلتقط صورة لهما.
نظر لها مازن بغيظٍ مرددًا:
_ دا وقته!
رفعت حاجبها بغيظٍ مماثل متمتمة بتبجح:
_ آه عندك اعتراض!
_ ربنا على المفتري.
قالها مازن بحنقٍ، في حين ضحكت قطوف بخفةٍ، متمتمة:
_ متصورناش خالص سوا.. وقولت احتمال منعوضش المكان تاني فنتصور سوا.
تنهد مازن قليلًا، ثم امسك بهاتفها ورفعه بوضع الكاميرا الأمامية وبدأ بأخذ العديد من الصور.
وما أن انتهوا حتى دلف لمحطة القطار ثم جلسة داخله، انتظر كي يتحرك بهما، ولكن غفت قطوف على كتف مازن.
رفع مازن ذراعه ثم حاوطها بحبٍ كي تغفو، وابتسم من ملامحها الهادئة وهي غافية، فأخرج هاتفه وأخذ بعض الصور لهما وهي نائمة، ثم أغلق الهاتف ووضعه بجيبه، يفكر بحديث والدته وهل يمكن أن يرفضه الجميع بعد ما سيعلمه الجميع!
****
_ استعد الغد سوف نذهب سويًا إلى منزل العزيزي كي نطلب يد حفيدته لياسين.
قالها مهران بهدوءٍ، في حين ابتسم زين بسعادةٍ لشقيقه الذي صرخ بسعادة وهو يركض نحو والده:
_ روح ربنا يحفظك للغلابة اللي زي.. وتجوزهم كلهم.
لم يستطع مهران أن يفرض حزمه، بل ضحك على طريقته، ولكنه قال:
_ اتمنى أن تصبح راشدًا وأن تتوقف عن عمل المصائب.
نظر له ياسين بضيقٍ، ثم قال بتبرير:
_ يا بابا المصايب هي اللي بتجيلي مش أنا اللي بعملها.. ثم أمي أصلًا في شهور الحمل بتاعتي كانت بتاكل حديد كتير مش ذنبي.
حرك مهران رأسه بيأسٍ بعدما شعر بحماقة ياسين، في حين سأل زين بتعجبٍ:
_ وإيه علاقة الحديد بالمصايب؟!
اجابه ياسين بجدية وكأن ما يقوله حقيقة:
_ هقولك الحديد العادي بتاعنا دا اللي بنبني بيه دا لو جبت مغناطيس هتلاقيه لزق فيه الحديد.. اهو حديد الأكل لما باكله كتير تلاقيني بنجذب للمصايب لوحدي.
نظر له زين بذهولٍ، في حين بقى مهران صامتًا يحاول استيعاب ما تفوه به ياسين للتو.
كاد أن يوبخه، ولكن ارتفع صوت ورد الصارخ قائلة ببكاءٍ:
_ ماما اصحي يا ماما.
ركض زين إلى الأعلى، في حين أسرع مهران وياسين معه، حتى وصلا لغرفة ياسمين.
كاد أن يدلف، ولكن صوت مهران الحازم يردد:
_ زين.. أنها غرفة ياسمين لا يجوز لك الدلوف بها.
توقف زين عن التحرك، ولكن شعر بعجزٍ شديد من تلك القيود، تمنى لو إنها زوجته لأصبح أول من يقف بجانبها.
دلف مهران إلى الغرفة فوجد ياسمين مغشيًا عليها حملها برفقٍ ووضعها على الفراش، ثم أخبر ورد بأن تذهب إلى جدتها زينة كي تحضر الأدوات الطبية لتعالج ياسمين.
أتت زينة تهرول ما أن سمعت بهذا الخبر، ولكن قبل أن تدلف تمتم زين بقلقٍ:
_ طمنيني يا امي عليها متسبنيش كده!
كبحت بسمتها وهي ترى ابنها يحب من جديد، لتردف بحنوٍ:
_ متقلقش ياضنايا.
دلفت للداخل ورأت هذا الجرح الموجود بجبينها، بدأت بتطهيره فلم يكن كبيرًا، ثم قامت بوضع ضمادة عليه، ونهضت من مكانها تغادر الغرفة كي تخبر ابنها بحالتها.
فقد غادر مهران وياسين وبقي هو على اعتاب الغرفة ينتظر خروج والدته.
نظرت له بحنوٍ قائلة:
_ هي كويسة.. دا جرح صغير فوق حاجبها وهبات معاها الليلة عشان تطمن.
زفر براحةٍ شديدة، ثم أمسك بكفها يقبل يده قائلًا بحبٍ:
_ ربنا يحفظك ليا يا ست الكل.
******
_ شوفت قولت إني هحتاجك واحتاجتك.
قالتها ميرڤت للجالس أمامها.
جلست على مقرب منه، تتمتم بنبرة ماكرة:
_ عارف يا محمد كان نفسي حقيقي أفضل مكملة معاكم.. واشوفك وانت بتتعالج بس للأسف مش هقدر بقى في فلوس لزمًا اصرفها.
نظر لها باشمئزاز، حاول التحرك ولكن منعته تلك الاعاقة من الانقضاض عليها.
ضحكت ميرڤت عليه تردف بضحكٍ:
_ مش عارف تتحرك ليه..
نظرت له بشفقةٍ مزيفة قائلة:
_ آه صح نسيت إنك اتشليت بسببي برضو.
ازداد تشنجات محمد أمامها على هذا المقعد، في حين ضربت ميرڤت على الطاولة قائلة:
_ بس صوت صدعتني...
لم يتوقف محمد، بل ازدادت تشنجاته وهمهمات الضعيفة.
في حين ضيقت ميرڤت عينيها تردف بخبثٍ:
_ مش عايز تعرف أنا عملت إيه!
هدأت تشنجات محمد قليلًا، في حين أكملت ميرڤت بمكرٍ:
_ استغليتك أحسن استغلال.. الأول بوظت جرعت الانسولين والنوبة السكر اتسببت بشلل ليك.. مع اتفاق بسيط من الدكتور اعلنت عن موتك.. واتفاق تاني منه عملتلك شلل كلي.. كنت ناوية أسيبك كده لحد ما تموت بس حظك إني احتاجتك لأن ابني مش عايز يساعدني ناخد فلوس بناتك.. فاضطريت إني استعملك ككارت صغير.. يطلق بنتك في مقابل أنه ياخدك.
نهضت من مكانها تقترب من محمد حتى أصبحت في مواجهته، تردف بصوتٍ فحيح:
_ هعيش بنتك نفس اللي عيشتوا.. هطلق بأكتر وقت حبيت ابني فيه.. وهتتكسر أكتر لما ابني يمضيها على توكيل عام لكل ممتلكاتها... وللأسف يا حرام محدش هيقدر يرجع ولا مليم عشان أنت قدام الحكومة ميت والشهادة الوفاة طلعت خلاص.
تشنج جسد محمد بشدة، يحاول أن يمسك بها ولكن لا يستطيع، شعر بألمٍ شديد، عينيه تلتمعان بالدموع مما فعلته به شقيقته، أصبح بأقصى درجات العجز، والآن أصبحت حياته وحياة بناته بخطرٍ لا محالة.
استرسلت ميرڤت حديثها بصوتٍ مصدوم:
_ ايه دا أنت بتعيط يا محمد.. لا أجمد كده دا اللي جاي لسه أحلى.. وهدية مني ليك هوصلك لحد باب البيت وأخليك تشوف مازن وهو بيطلق قطوف.
عقدت حاجبيها قليلًا، ثم اقتربت تهمس جوار اذنه قائلة:
_ أو الأحسن وهو بيكسر بنتك قطوف.
اعتدلت بوقفتها تنظر لعينيه اللتان تذرفان الدموع دون توقف، جسده المتشنج بشدة، الآن شعر بالمعنى الحقيقي للانكسار.
ابتسمت بتشفي وهي تشعر بلذة الانتقام ثم سارت إلى الخارج تنتظر الوقت المناسب كي تنفذ الباقي من خطتها.
*****
فتحت عينيها ببطءٍ، تشعر بصداعٍ يكاد يفتك برأسها.
نظرت حولها لتجد الغرفة فارغة، ولكن دقائق ووجدت زينة تدلف ومعها صينية بها بعض الطعام.
ابتسمت زينة باتساع ما أن رأتها تحاول النهوض، تردف بسعادة:
_ أخيرًا جومتي (قومتي).
وضعت ياسمين يدها على رأسها، تردف بتعبٍ:
_ هو حصل إيه؟!
جلست جوارها بعدما وضعت الصينية جانبًا، تقطع اللحم بداخل الحساء، تجيبها ببسمةٍ علت ثغرها:
_ مفيش يا حبة عيني بس.. البت ورد لجيتك واجعة على الأرض وسايحة في دمك.. وجه عمك مهران شالك وحطك على السرير وأنا عملتلك جرحك.. بس عارفة مين كان هيموت من القلق عليكي!!
قطبت ياسمين جبينها بتعجبٍ، في حين رفعت زينة الملعقة تقربها من فمها كي تتناول، تسترسل حديثها بمكرٍ:
_ زين.. كان قلقان خالص ودخلني مخصوص كل شوية عشان اطمنه عنك.
رمشت ياسمين بعينيها في ذهولٍ، هل تقصد زين ابنها الذي صرخ بها.
فتحت فمها تتناول الطعام ولم تعلق.
في حين استرسلت زينة حديثها:
_ كلي يا حبيبتي واتقوي كده.. أنتِ صفيتي دم كتير أوي.
ابتسمت ياسمين لحنان تلك السيدة، ودّت لو أن والدتها لاتزال على قيد الحياة لفعلت كما تفعل زينة.
في حين بقيت زينة تتحدث بعدةٍ مواضيع حتى اندمجت معها ياسمين وشاركتها الحديث.
******
استدل الليل ستائره لتتوقف السيارة أمام منزل مهران، ترجل الأثنان من السيارة، ولكن قبل أن تدلف قطوف إلى الداخل امسكت بيد مازن، ثم نظرت لعينيه اللتان حدقتها بتعجبٍ، ثم قالت بحيرةٍ:
_ أنت كويس! من الصبح وعينك فيها زعل مشوفتهوش قبل كده!
ابتسم مازن بحزنٍ أخفاه ببراعةٍ، ثم قال لها بحنوٍ مربتًا على يدها:
_ مفيش حاجة يا قطوف.. أنا كويس طول ما أنتِ جنبي!
زحفت بسمة صغيرة على شفتيها، ثم قالت بسعادةٍ يكملان سير للداخل:
_ عارف أنا اوقات بنسى الوحدة اللي أنا فيها لما بتونس بيك.
ابتسم لها مازن بحبٍ، ولكن ازدادت غصته ألمًا، حتى دلفا الأثنان للداخل، استقبلهما مهران ولكن تلك المرة نظر لعيني مازن بتدقيق وشعر بوجود خطبًا ما.
لم يحدثه بشيءٍ في حين صعد الأثنان سويًا، ليدلف مازن إلى الحمام.
بقيت قطوف جالسة تفكر بشيءٍ ما، وما أن لمعت الفكرة برأسها حتى أمسكت الهاتف وقامت بإرسال بعض الصور لها ولمازن وطلبت من صديقتها صنع شيئًا خاص.
ثم بقت تفكر ببعض الكلمات لتزحف بسمة صغيرة إلى شفتيها وهي تحرك اصبعها على الشاشة تسجل بها تلك الخاطرة التي تريدها..
( أنت الروح والفؤاد..أنتَ الهوى والحياة..خضع قلبي لك أيها الأمان..لحبك فقط أنت المختار..فنسيت وحدة الماضي بك..ولم يبقِ سوى ونس الحاضر معك.)
أغلقت الهاتف وهي تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر كي تعطي مازن تلك الهدية وهذه الخاطرة.
في حين وقف مازن يشعر بألمٍ شديد، يرسل إلى والدته رسالة صغيرة محتواها..
(هاتي خالي بكرة)
أغلق الهاتف، ثم حاول جمع شتات نفسه وغادر من الحمام يدلف إلى الفراش، مرددًا بصوتٍ مختنق:
_ أنا تعبان النهاردة، خديني في حضنك.
تعجبت قطوف من حديثه، وشعرت بالقلق لتتسأل بخوفٍ:
_ أنت كويس؟!
حرك رأسه بإيجابية، في حين جلست قطوف جواره ليسند رأسه داخل احضانها، حاوطته بذراعيها بحنانٍ، ففي بعض الأحيان تكن الضمة هي دافع لإكمال الحياة.
يغفو الأثنان دون أن يشعران، فلعل هذا الدفء بينهما يزيل ما صنعته الأيام بهما.
*****
صباحًا..
كان الجميع يتناول الفطور، حتى استمع الجميع لصوت عجلات، استدار لينظروا من القادم فوجود ميرفت تسير أمامهم وهي تجر هذا الكرسي المتحرك الذي يحمل محمد.
انتفض الجميع من مكانه.
في حين نظرت ياسمين نحو والدها بأعينٍ غير مصدقة، صرخت قطوف باسم والدها تركض نحوه ببكاءٍ، تردد بعدم تصديق:
_بابا أنت عايش! ايه اللي حصلك يا حبيبي! مين اللي عمل فيك كده!
لم يستطع النطق.
في حين ابتسمت ميرڤت بمكرٍ تردد:
_ ايه يا مازن مش ناوي تشوف خالك ولا أنت عشان خلاص شوفته قبل كده!
نظرت قطوف بصدمةٍ إلى ميرڤت، ثم نهضت تنظر نحو مازن الذي كان جامدًا مكانه.
تقدمت نحوه بخطواتٍ مرتجفة قائلة:
_ أنت كنت تعرف أن بابا عايش ومقولتش!
لم يجيبها، بل ظل يتأمل حدقتيها بألمٍ، يريد أن يتفوه بهاتان الكلمتان و كيف!
رددت قطوف وهي تمسك بيده تحرك ه برفقٍ قائلة:
_ مازن أنت مش بترد عليا ليه؟!
نظر لها بانهزام، ثم قال:
_ آه كنت عارف.
رمشت بأهدابها في عدم تصديق، ثم تذكرت اندفعها الدائم نحوه، اتقرر ألا تقع بهذا الخطأ مرتين.
ابتلعت لعابها، تنظر له بأعين أغرقتها الدموع، تتمتم:
_ طب قولي السبب اللي خلاك متقوليش أنه عايش؟
_ سامحيني يا قطوف.
قالها مازن بألمٍ، في حين قطبت جبينها بتعجب، ولكن سرعان ما افلتت يده، تسيل دموعها دون توقف بعدما كانت متحجرة، تنظر له ما أن ردد مازن بألمٍ:
_ أنتِ طالق!
يتبع.