تحميل رواية «فطنة القلب» PDF
بقلم سلمى خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الحاج محمد العطار: أب لبنتين، مراته متوفية، عنده أجناس عربيات ومرتاح مادياً. بيحب الحياة العادية وعايش في بيت ديكوره هادي. قطوف محمد العطار: عندها 24 سنة، بتحب الميكانيكا أوي. خريجة آداب علم نفس، مش بتشتغل بمهنتها. من صغرها بتحب العربيات وبتحب تصلح فيها. بترد على طول ومش بتصبر أي حد يضايقها. ياسمين محمد العطار: عندها 22 سنة، خريجة تجارة جديد. بتحب أي حاجة فيها أرقام. كانت عادية جداً لحد وفاة مامتها واتحولت وبقت تخاف من كل حاجة. مرفت العطار: أخت محمد، بتحب المظاهر ومش بتحب أخوها. مازن العطار: ابن...
رواية فطنة القلب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سلمى خالد
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين. اللهم اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
***
لعل هذا الألم الذي تخلل جسدها الآن، ليس سوى قطرة من بحار ما يشعر به قلبها. لم تبك أمام أحد، ولكن الآن بكت أمام الجميع. نظرت له بأعينٍ حمراء. شفتاها اللتان ترتعش من قسوة ما سمعت، تردف وهي تحاول النظر لعينيه اللتان تهربان منها:
"أنت قلت إيه! أنت طلقتني بجد!"
نظرت لعمها مهران سريعًا، تتمتم بنبرةٍ مرتجفة:
"هو طلقني يا عمو!"
أغمض مهران عينيه، فلم يتخيل يومًا أنه سيرى مشهدًا يهلك قلبه من الحزن. عادت بنظرها إلى مازن تكمل بدموعٍ لا تزال تغرق وجهها:
"أنت مش بتبصلي ليه؟ بصلي وقولي إنك قتلتني بأكتر وقت أنت مهم فيه في حياتي! قولي أنك كسرت بوعدك ليا.. فاكر قولتلي إيه؟ قولت أوعدك إني مش هسيبك.. وأنت دلوقتي سبتني.."
حاولت مسح دموعها ولكن لم تتوقف، تزداد كلما رنت كلماته بأذنها. عادت تردف بألمٍ غائر أبكى والدها:
"أنت كسرت قلبي كسرة عمري في حياتي ما هنساها.. أنا عمري في حياتي ما عيطت قدام حد.. خليتني النهاردة بعيط قدام الكل.. أنت اللي المفروض تخفي دموعي.. بس دلوقتي عملت العكس ووجعتني قدام الكل.. وخلتني مش عارفة دموعي دي هيبقى ليها نهاية ولا لأ!!"
نظر لها بأعينٍ راجية ألا تفكر بهذه الطريقة، ليردف بنبرةٍ مهزوزة:
"قطوف أنا ا..."
قاطعته بصراخٍ حاد أفزع الفتيات اللواتي يبكين مما فيه قطوف:
"أســــكــت مش عايزة أسمع منك حاجة.. كفاية اللي سمعته.. أنا قولتلك أني نسيت وحدتي بونسك.. بس ونسك قتلني.. ونسك بقى شوك بينغرز فيا كل لما افتكره.. أنت قتلت كل حاجة حلوة جوايا.."
حاولت أخذ أنفاسها التي ضاعت بين متاهة آلامها، تتمتم بنبرةٍ اهتزت من الألم:
"أنا كان جوايا حلو صغير زمان بس مسحت كل الحلو ده بحلوك ليا.. ودلوقتي قتلت كل اللحظات الحلوة... بتاع زمان... وبتاعك."
أغمض مازن عينيه، يشعر بعذابٍ قاسٍ من حديثها، ولكن لن يستطيع أن يتفوه بكلمة. هذه هي الفتاة القوية التي تزوجها، الآن هي منهزمة.. ضعيفة.. أو بذروة ضعفها. شعرت بألمٍ عنيف يضرب رأسها، ولكن لا لن تسقط أمامه، يكفي ما بها. ابتسمت بألمٍ ولا تزال دموعها تنسدل على وجنتيها الحمرتين، تستمع لصوت شهقات زينة.. ملك.. ياسمين. تنظر للألم الموجود بعيني مهران.. وزين.. وياسين.. جمال. ثم تمتمت دون أن تشعر بتلك الدماء التي تسيل من أنفها:
"عارف كان بيقولي إني مش بحس.. بس النهاردة رجعتلي إحساسي تاني يا مازن.. حقيقي شكرًا إنك هتخليني كل دقيقة بتنفس.. بس بتنفس وجع.. وجع وبس."
ادمعت عين ياسين مما يراه، لم يرغب أبدًا برؤيتها هكذا، يريدها تلك الفتاة القوية التي رآها بأول مرة. آه من حواءٍ فإن بكت أضعفت آدم. فزعت ياسمين وهي ترى تلك الدماء تسيل منها، حاولت الاقتراب ولكن تراجعت قطوف وهي تصرخ بهم جميعًا محاولين الاقتراب منها:
"ابعدوا عني أنا مش عايزة أشوف حد.. أنا بقيت بكره نفسي وبكرهكم ومش عايزة أشوف حد.. ابعدوا عنـ..."
لم تكمل حديثها المنكسر، بضع كلماتٍ أخرجتها جعلت الجميع بحالة من الألم لا يتمنون أن يراوها. كاد مازن أن يركض لها بعدما سقطت أمامه مغشيًا عليها، ولكن هدر مهران بصوتٍ حاد:
"مــازن توقف."
نظر له مازن بغضبٍ، لن يفكر بشيءٍ الآن، يرى من سكنت فؤاده مغشيًا عليها، فكيف لقلبه أن يبقى ساكنًا وقد غاب عنه نور عينيها. رد بعصبيةٍ، يتقدم نحوها دون أن يعير لحديثه اهتمام:
"محدش يدخل بيني وبين مراتي!"
علق بسخرية وهو يتقدم نحو قطوف يتجاوز مازن الذي تجمد جسده ما أن نطق بكلماته:
"بل تقصد طليقتك.. لقد تفوهت باليمين الآن."
عجز جسده عن التحرك، هل سيقف مكتوف الأيدي هكذا! نظر لعمه الذي صعد بقطوف إلى غرفتها، ومعه بقيت أفراد العائلة، ولم يبق بالردهة سوى ميرفت التي تبتسم بسعادة، ومحمد الذي تشنج جسده بشدة يريد أن يطمئن على ابنته ولكن عجزه عن الحركة منعه. نظر لها مازن ثم قال بصوتٍ غاضب:
"صدقيني هيجي يوم وهتقفي فيه عاجزة ومش عارفة حتى تنادي عشان حد يلحقك."
تعالت ضحكة ميرفت بشدة وهي ترى عينيه اللتان تلتمعان بالغضب، تردف ببسمةٍ باردة:
"مستنية التوكيل بتاعي عشان أنقل الفلوس من حسابك لحسابي."
رفعت كفها تلوح بيدها، ثم غادرت في حين تقدم مازن نحو محمد الذي يحاول التحرك دون فائدة. هبط لمستواه ينظر لعينيه اللتان تشعان حزنًا، ثم امسك بكفه قائلًا بألمٍ:
"صدقني هرجعلك حقك وقطوف هترجع أقوى من الأول.."
صمت قليلًا قبل أن تهوى دمعة من عذابٍ يقسو على فؤاده، يسترسل باختناقٍ:
"بس صدقني عمري ما فكرت أكسرها.. أحيانًا الظروف بتجبرنا أننا نوجع اللي بنحبهم عشان ننقذ حياة اللي بيحبوهم."
نهض من مكانه يمسك بمقعده يسير بهِ إلى نهاية الردهة، ثم قال ببسمةٍ حزينة:
"مضطر أمشي يا خالي.. لأن الوضع حاليًا مش هيسمحلي أفضل في البيت."
قبل جبين محمد الذي شعر بمدى معاناته، ثم سار إلى الخارج، ولكن يسير حاملًا أشواك زرعتها والدته، وحصدها هو.. ينشق قلبه كلما تذكر ملامح حبيبته المنكسرة، تضربه برودة قاسية بعدما اختفى دفء بسمتها، والآن تكسره دموعها المنسدلة.
***
غادر الطبيب من منزل مهران وأخبرهم أن هذا النزيف نتيجة لضغط نفسي كبير. جلس مهران جوار قطوف يتطلع لها بحزنٍ، ثم قال بنبرةٍ حازمة للواقفين:
"أخرجوا جميعكم.. اتركوها وحدها فهي بوقتٍ ستحتاج الانفراد بنفسها كي تتفهم ما حدث."
أنصت الجميع له وغادروا الغرفة، في حين مد يده يمسح على خصلات شعرها بحنوٍ، يتألم قلبه من تلك الغصة العالقة به. تجمدت يديه وهو يستمع لصوتها هامسًا:
"مازن."
نظر لوجهها جيدًا ليجد تلك الدمعة تهبط من حدقتها، مد يده يزيلها، ولكنه هتف بحزنٍ دافين:
"سامحيني يا صغيرتي لم أستطع منع هذه العاصفة.. ولكني أثق بأن كل هذا سيمر.. لابد من أن يفطن عقلك ما يحدث.. وأن يفطن قلبك أيضًا مشاعرك ومشاعر مازن."
نهض من جوارها بأحمالٍ ثقُلت على قلبه، يتكأ على عصاه بتعبٍ، ألقى نظرة أخيرة عليها ثم غادر، في حين بقيت قطوف على وضعيتها، دموعها تنسدل دون أن تشعر. ما أقسى المشاعر المتهيجة بداخلك، فإن هربت منها إلى النوم، ازدادت قسوتها حتى بمنامك!
***
نظر للزهور التي زرعها لها، تذكر بسمتها عندما رآها، أناملها التي لامستها بحبٍ، أغمض عينيه بألمٍ. الآن يعترف بفشله الكبير في تغير مسار حياتهما، فشل بتحقيق حُلم تمناه منذ الطفولة ولكنه تدمر.
دمعةٌ ساخنة هبطت من إحدى حدقتيه، ذاق العديد من الآلام فارق الأب.. فارق الأم.. فارق أقرب الناس له.. ولكن أشدهم ألمًا فارق الحبيبة. فتح عينيه ينظر إلى زهرة الأوركيدا، رمز حبهما، ليجد إحدى أوراقها تتساقط دون عودة. تأمل سقوطها بصمتٍ.. حتى الزهور تنهار معه. سقط إلى الأرض بركبتيه يرفع رأسه إلى السماء ثم صرخ بصوتٍ عالٍ، لعل كلمة (آآآه) هي السبيل الوحيد لإنهاء تلك الحالة.
استند بيديه على الأرض بعدما أفرغ طاقته، يهمس بأنينٍ:
"خلتني أدمر أحسن حاجة بحياتي.. ومش قادر أأذيكي لأنك أمي.. أنا تعبان أوي يارب أوي.."
عاد بنظره إلى السماء، يردف بألمٍ يتخلل كلماته:
"أقرب الناس ليا هي أكتر واحدة أذتني.. أنا بحاول أكون بار بيها بس حياتي بتدمر قدام عيني ومش قادر أعمل حاجة.. أنا واقف قدامك يارب عاجز ساعدني."
ظل دقائق يتأمل السماء، ثم نهض من مكانه، أخرج هاتفه من سرواله ليتصل على أحدهم، وما أن أجاب حتى قال بصوتٍ متعب:
"لو سمحت يا مريم روحي لقطوف.. هي دلوقتي محتاجاكِ."
قطبت مريم جبينها بدهشة من طريقته، لتردف بتعجبٍ:
"مش المفروض أنك أنت اللي تبقى جنبها!"
نصل آخر ينغرس به دون أن يعلم صاحبه بأنه يقسو عليه، أجابها ببسمةٍ ذاقت معاني الألم:
"لما تروحي هتعرفي ليه أنا بذات مينفعش.. سلام."
أغلق هاتفه نهائيًا ولكن تذكر رغبته بالاطمئنان على قطوف فعاد يفتح الهاتف من جديد ثم انطلق من مكانه كي يغادر البلدة بأكملها.
***
"أنتِ طالق!!"
انتفضت من فراشها ما أن ترددت تلك الكلمة بأذنها، تنظر حولها في محاولة استيعاب ما حدث. بقيت عدة دقائق تتأكد أن ما حدث صحيح، فهول الصدمة أصعب من أن يصدقها عقلًا بريئة لم يذق المرار بعد. اغرورقت عينيها بالدموع فجأة، تنظر جوارها هذا هو مكانه ولكنه فارغ لأول مرة. ستنهار بمفردها دون أن يبقى جوارها.
هبطت دموعها دون توقف تضم ركبتيها لصدرها بألمٍ، ربما لحظة التي أعلن فيها عن وفاة أبيها كان معها يساندها.. ولكن الآن بتلك اللحظة الذي أعلن طلاقه بها لا يوجد أحد جوارها.. فقط تنهار وتبكي بمفردها!
جفت الدموع.. تتردد هاتان الكلمتين بعقلها، حتى استمعت لصوت خطوات قريبة منها، ليُفتح الباب وتدلف صديقتها. نظرت لها وعلى ثغرها ابتسامة، تنهض لها سريعًا قائلة:
"مريم وحشتني أوي."
تعجبت مريم من شكل قطوف، ملامحها المتألمة بشدة، بسمتها الأغرب. احتضنتها مريم تردف بدهشةٍ:
"مالك يا قطوف؟!"
تراجعت قطوف إلى الخلف تجيبها ببسمة لا تزال على ثغرها، تعيد خصلات شعرها للخلف:
"مفيش.. أنا كويسة أهوه.. مش أنا شكلي كويس.. صح مش أنا عادية!"
شعرت مريم بالقلق عليها، وضعت حقيبتها جانبًا تردف بخوفٍ:
"قطوف انطقي في إيه! حصل إيه مخليكي كده! وليه البيت كله شكله زعلان!"
ضحكت قطوف بشدة جعلت مريم تخشى ما ستقوله، تعلم ماذا حدث ولكن لم تتخيل تلك الحالة من الانهيار. اجابتها قطوف وهي لا تزال تضحك بشدة حتى أصبحت الدموع تسيل من عينيها:
"مازن طلقني بعد ما حبيته!"
لأول مرة تشعر مريم بالخوف، هي أخصائية نفسية ولكن نست خبرتها أمام انهيار صديقتها المقربة. ازدادت ضحك قطوف ودموعها بطريقة مخيفة، في حين نظرت لها مريم بقلقٍ فصديقتها لا تحب البكاء أمام أحد ولكن أن لم تبكي سوف تدلف بانهيارٍ حاد نتائجه وخيمة. أمسكت كتفيها بيديه تردف بصوتٍ عالٍ:
"فوقي.. خلاص بقى."
أمسكت مريم بوجهها تتطلع لعينيها بقوةٍ، قائلة بجدية:
"عيطي.. عيطي يا قطوف ومتكتميش تاني يلا.. عيطي."
توقف ضحكها وظلت تنظر لصديقتها، ثم قالت بصوتٍ مبحوح:
"هو أنا وحشة!"
حركت مريم رأسها بنفيٍ، تحاول أن تحبس دموعها، في حين هبطت دموع قطوف واحدة تلو الأخرى سريعًا، ثم تمتمت بألمٍ ظاهر يتخلل صوتها شهقات دليلًا على دخولها نوبة بكاء:
"طب ليه طلقني.. ليه أنا حبيته بجد.. كل حتة مني حبيته... ليه يوجعني كده!"
تسربت دموع مريم، فلم تعد تستطيع التحمل، في حين انهارت قوة قطوف لتسقط أرضًا تبكي بصوتٍ عالٍ، ضمتها مريم لصدرها وهي تجلس جوارها على الأرض، فخبأت قطوف وجهها بأحضان صديقتها تتمتم بانهيارٍ:
"روحي بتوجعني لما بفتكر كلامه.. كل نفس بيخرج ويرجع بيزيد وجعي معه.. أنا موجوعة أوي يا مريم اوي."
حاولت مريم تهدئة صديقتها تردف بصوتٍ متماسك:
"أهدي يا حبيبتي.. هي فترة وهتعدي."
لم تجب قطوف عليها، فليست كلمة هي من تطفئ نيرن أحرقت روحها، بل ظلت تبكي بداخل أحضانها، تتشبث بها وكأنها والدتها، حتى مضى وقت غفت فيه مجددًا. نهضت مريم تسند قطوف على الفراش ثم غادرت الغرفة تنظر لمهران الذي يقف بالخارج، لتردف بألمٍ:
"ممكن حضرتك تشلها.. نامت على الأرض."
حرك مهران رأسه ثم دلف دثرها جيدًا بالفراش، وأغلق الباب، ليجد مريم أمامه تذرف الدموع دون توقف. سألها بحزنٍ جالي:
"هل ارتاحت قليلًا؟!"
حركت مريم رأسه بنفيٍ، تجيبه بصوتٍ مختنق من دموعها:
"قطوف صعب عليها تنكسر وتعيط كده.. أنا أول مرة بحياتي أشوف صحبتي بتعيط قدامي وبالشكل دا.. فمعنى كده أنها محتاجة وقت لحد ما تستوعب فيه اللي عملوا فيها مازن.. وممكن تنهار تاني ولزمًا يبقى في حد يحتويها.."
مسحت دموعها بمنديلٍ، ثم قالت بحزنٍ:
"اللي زي شخصية قطوف وقت ما بينهار ويكون قدام الكل بيبقى رجوعه صعب وبياخد وقت."
سارت مريم مغادرة المكان مع عمها الذي أتى بها كي ترى صديقتها بحُجة الاشتياق لها وأنها لم تراها منذ وقت، في حين ذهب مهران إلى شقيقه محمد كي يجلس معه ليهون عليه حدة ما حدث أمامه.
***
دلفت مريم إلى غرفتها ثم قامت بمحاولة الاتصال على مازن وما أن أجاب حتى قالت بصوتٍ منفعل:
"أنت إزاي تعمل في قطوف كده.. أنت مش بني آدم عشان تجرحها بالشكل دا.. يا أخي دي حبيتك من قلبها تسبب لها الانهيار بشكل يخلي اللي قلبه حجر يحس.. ليه!"
صوت انفاسه المتسارعة جعلتها تصمت تنتظر الاجابة. أغمض مازن عينيه محاولًا استعادة ثباته ليردف بصوتٍ هادئ:
"هي عاملة إيه!"
اشتعلت عين مريم بغضبٍ، تردف بعصبيةٍ مفرطة:
"إيه البرود ده.. أتصدق إنك خسارة قطوف تبقى مراتك حتى.. هي أنضف من إنها تحب واحد زيك.. مش بيعمل حاجة غير أنه بيأذي اللي حوليه."
لم يجادلها بكلمة، الصمت يسوده، يستمع لصوت إنهاء المكالمة بينهما. وضع الهاتف جانبًا، ثم نظر بنقطةٍ من فراغ، أصبحت حياته كزهرةً سامة يملأها الشوك، من يحاول قطفها يُقتل.. وها هي قطوف حاولت الاقتراب، ولكنها وقعت ضحية أمام هذا السم الموجود حوله!
في حين بقيت مريم تشعر بالحزن على صديقتها تردف بقلبٍ يحمل الأنين:
"يارب ساعدها وخرجها من الفترة دي على خير."
ما أن انهت كلماتها حتى وجدت جدها يطرق الباب، نهضت لتفتح الباب لتبتسم سريعًا احترامًا له، تردف بحبٍ:
"اتفضل يا جدو."
ابتسم برضا لها، ثم دلف يجلس على الفراش يردف بنبرة ودودة:
"عاملة إيه يا بنتي؟!"
جلست جواره تردف بقليلٍ من الريبة:
"الحمدلله يا جدو."
حرك رأسه بإيجابية، ثم قال بسعادةٍ:
"الحج مهران عايز يشرب الشاي معانا.. جاي هو وابنه عشان يطلبوا ايدك."
تلون وجه مريم بخجلٍ تنظر إلى الأسفل، ولكن تذكرت صديقتها فكيف سيأتون إلى هنا. في حين استرسل العزيزي حديثه متمتمًا:
"شايف في قبول يا حبيبتي؟!"
ابتسمت بخجلٍ تتمتم بنبرةٍ يكسوها الحياء:
"خلاص يا جدو بقى."
ضحك جدها ثم ضمها لصدره متمتمًا:
"ربنا يفرحك يا حبيبتي."
ابتسمت مريم داخل أحضان جدها، ولكن عقلها يكاد يجن كيف سيأتي وحدث ما حدث بمنزلهم!
***
"كيف حالك يا شقيقي؟"
قالها مهران جالسًا جوار شقيقه، في حين نظر محمد له بعينيه ولكن عينان يتملأهما الحزن. ربت مهران على كتفه يردف بنبرةٍ مشجعة:
"لا تقلق يا شقيقي سوف أعمل بكل جهدي كي تستعيد فتياتك حياتهما من جديد.."
ثم أضاف بتوجسٍ:
"وسأجعل مازن يندم على ما فعله بابنتك."
تشنج جسد محمد بقوةٍ، يحاول الرفض ما يقوله، في حين فطن مهران أن مازن يخفي شيئًا يعلمه محمد وهو. ربت مهران على كتفه محاولًا تهدئة تشنجاته قائلًا:
"لا تقلق لن أفعل شيء.. فهمت أن مازن قال الطلاق دون رغبة منه صحيح!"
صوت همهمته الضعيفة ولكن بها لهفةً لحديثه. ابتسم مهران لفهمه أخيه، ثم قال برزانة:
"لا أعلم ما حدث ولكن الآن أستطيع أن أعلم أن هناك شيء حدث جعل مازن يفعل هذا.. لا تقلق سأفهم كل شيء وأحل الأمر.. فقط عليك أن تفكر بعلاجك كي تعود لصحتك وتساند بناتك من جديد."
أدمعت عين محمد وهو يتذكر علته، في حين مد مهران يده يزيل دمعة أخيه، يبتسم له بحبٍ قائلًا بدفء:
"أتعلم كنت أبحث عنك من أعوام كثيرة، تمنيت لحظة لأراك بها، أردت أن أشعر بدفء الأخوة كما أرى.. أوصني والدي أن أبحث عنك كثيرًا.. والحمدلله أنك لا تزال على قيد الحياة كي أتم وصية والدي."
اهتز رأس محمد ببعض الصعوبة، عيناه تنطقان فرحة، في حين استرسل مهران حديثه بتشجيعٍ:
"سأحضر لك طبيبًا كي يساعدك على العلاج بتوفيق الله أولًا.. ثم تعود من جديد محمد القوي.. ولا تقلق أبدًا من شيء.. أنا بجانبك يا أخي."
ازدادت سعادة محمد لتزداد اهتزاز جسده، قاطع تلك اللحظة صوت ياسين مرددًا بصوتٍ عالٍ:
"بــــابــــــا!"
انتفض مهران من مكانه، في حين فزع محمد أيضًا من صوته. نظر له مهران بحدةٍ مرددًا:
"ألن تتوقف عما تفعله! ستعاقب بشدة."
عبست ملامح ياسين يردد أسفل ذهول محمد:
"يابا عايز أقولك معلومة مهمة جدًا عني.. أنا عديت سن 21 سنة يعني مش قاصر عشان تهددني بالعقاب."
تهجمت ملامح مهران بشدة، في حين استرسل ياسين بفزعٍ:
"أوعى تقول إني مش هتجوز.. لا أوعى إحنا هنروح بكرة نقرأ فاتحة.. ما أنا هتجوز البومة دي."
نهض مهران من جوار شقيقه بعصبيةٍ، يردف بصوتٍ غاضب:
"هل بدلوا دمائك بالماء.. أين إحساسك أيها العقيم!"
"إحساسي حطيته في الفريزر يا حاج.. وبكرة نروح ياما هخطفها وأغتصبها وأجبلكوا العار."
قالها ياسين وهو يحتمي خلف كرسي، في حين استدار مهران كي يمسكه ولكن هرب ياسين خلف عمه محمد. نظر له مهران وكاد أن يزمجره ولكنه رأى شفتي محمد تظهر شبه ابتسامة عليه ليست بكاملة ولكنها تظهر. تعجب ياسين من ابتسامة والده، ثم تقدم بجزعه للأمام يرى ما الذي يركز عليه ليجد محمد يحاول الضحك ولكن لا يستطيع. ابتسم ياسين بسعادةٍ ثم قال:
"طب عشان خاطر الراجل السكرة اللي قاعد ده تعالى نروح.. أبوس رجلك صابع صابع وافق."
حرك مهران رأسه بيأسٍ، يردف بصوتٍ مقتضب فقد هدأ ما أن رأى بسمة محمد:
"لا ألا ترى ما نمر به."
عاد عبوس محمد مجددًا، يحاول تحرك جسده إلى مهران، في حين انتبه له ياسين ليردف بعدم فهم:
"عايز إيه! عايز تاكل.. في ورك فرخة لسه سارقة أجيبه ليك."
ازداد عبوس محمد في حين حك ياسين رأسه يستطرد بحماقة:
"طب عايز عصير.. معايا عصير فراولة ومانجا برضو سارقهم من الواد زين أجبهملك!"
"هل سرقت المنزل بأكمله!!"
قالها مهران بذهولٍ، في حين ازداد عبوس محمد أكثر ينظر لمهران كي يفهمه، وبالفعل استجاب مهران له يردف بهدوءٍ:
"هل تقصد أن نذهب إلى منزل الفتاة التي يريد الزواج بها بالغد!"
عادت ملامحه تهدأ من جديد، في حين اتسعت بسمة ياسين، يردف بسعادة وهو يقبل جبين عمه ووجنتيه:
"يا حبيبي يا عمي تعال خد بوسة."
اهتز جسد محمد قليلًا، في حين نظر له ياسين ليرى ملامحه ليجده هادئة. نظر ياسين إلى والده متمتمًا:
"ها يا بابا موافق.. عمي اهو موافق وفرحان وكان فاضل تاكه ويقوم يرقص بالكرسي!"
تنهد مهران بحنقٍ، ثم قال:
"حسنًا سأتحدث لجدها في صباح الغد."
"روح ربنا يحفظك للغلابة.. لو بعرف أزغرط كنت رقعت زغروط في البيت بس مش مشكلة هتعلم وأبقى أزغرط."
قالها ياسين بسعادةٍ بالغة، ثم غادر قبل أن يفقد أباه ما تبقى منه من صبر، في حين عادت تلك البسمة الصغيرة للغاية والتي لا يلاحظها أحد سوى متعلم لغة الجسد إلى محمد مجددًا.
***
مرت تلك الليلة بصعوبةٍ على الجميع، حتى حل مساء اليوم التالي تجلس قطوف بمفردها بالغرفة لا ترغب برؤية أحد، في حين بقت ورد مع ياسمين.. ويستعد كلًا من ياسين وزين ومهران للذهاب إلى منزل العزيزي كي يتقدم إلى مريم.
"إياك أن تفعل شيء هناك.. سوف أنهي زواجك بها في أي لحظة!"
قالها مهران بتحذيرٍ، في حين حرك ياسين رأسه بإيجابية ثم همس بداخله:
"بكرة أكتب كتابي عليه وابقوا قابلوني بقى هتذلوني إزاي."
وصل ثلاثتهم إلى المنزل هناك، وبدأ مهران بالحديث معه قائلًا بجدية:
"نحن أتينا اليوم لطلب يد ابنتكم مريم إلى ابننا ياسين."
ابتسم العزيزي برضا، يردف بسعادة:
"ده شرف لينا يا شيخ مهران أننا نناسب ناس كُبرة كده زيكم."
بادله مهران الابتسامة، ليردف بصوتٍ هادئ:
"بارك الله فيك... ما هي طلباتكم؟!"
اجابه العزيزي بهدوءٍ:
"مسألة الفلوس مش هنهتم بيها هنعمل الأصول اللي بتتعمل.. بس وفي النهاية رأي العروسة اللي هيمشي."
حرك مهران رأسه بموافقةٍ، في حين انطلق عم مريم كي يحضرها وبالفعل احضرها فمشت باستحياء شديد. كاد ياسين أن يرفع بصره ولكن تذكر حديث زين فجاهد نفسه كي لا يراه. سأل العزيزي مريم قائلًا:
"موافقة يا بنتي على ياسين ابن الشيخ مهران؟!"
لم تستطع الإجابة، ولكن كان العزيزي يعلم اجابتها من قبل وفقد أخبرها ووجد لديها القبول بقولٍ منها. ضحك العزيزي يردف بسعادة:
"العروسة موافقة أهوه."
نظر عم مريم نحو ياسين ليردف بتعجبٍ:
"هو أنت ليه يا ياسين باصص في الأرض!"
حمحم ياسين بحرجٍ يجيبه وهو لا يزال ينظر بالأسفل:
"مفيش بس سمعت أن اللي بيحب حد بيحميه من نظراته."
نظر له العزيزي بترقب له، في حين صحح له زين حديثه قائلًا:
"قصده يعني أي شاب بيختار البنت اللي هيكمل معاه بيحافظ عليها حتى من أقل حاجة وهي النظرة لحد ما تبقى حلاله."
حرك العزيزي رأسه بتفهم، في حين ردد عم مريم بدهشةٍ:
"بس دي رؤية شرعية يعني من حقه يشوفها!"
رفع ياسين بصره، ثم قال ببلاهة:
"قول والله.. طب ينفع أحضـ..."
قاطعه زين يردف وهو يرمق ياسين بنظرةٍ حادة:
"اصبر يا ياسين اصبر يا حبيبي... قصده ينفع يعني يروح معاها عادي فرح واحد زميله."
نظر له العزيزي قليلًا، ثم قال بهدوءٍ:
"لما تعملوا كتب الكتاب ابقى اعمل اللي أنت عايزه."
حرك ياسين رأسه ثم ألقى نظرة خاطفة على مريم ليجدها بأبهى صورها، تمنى لو انها تحِل له لأخذها بحضنٍ طويل. تمتم العزيزي بصوتٍ هادئ:
"العروسة عايزة خطوبتها في القاهرة في البيت.. فنجهزوا كل حاجة بإذن الله كمان أسبوعين فإيه رأيكم تبقى بعد أسبوعين؟!"
أجاب مهران سريعًا كي ينهض قبل أن يقوم ياسين بكارثة:
"حسنًا.. كما تشاء العروس سنفعل.. فهي ستصبح زهرة جديدة تضاف لمنزلنا."
ابتسم العزيزي لحديث مهران، وبقى يتحدثان سويًا ثم غادروا إلى المنزل.
***
"آآآه يا بابا بتوجع!"
صرخ بها ياسين يحاول الفرار من ابيه وهذا الحزام الجلدي. تمتم مهران بعصبيةٍ وهو يتقدم منه يحاول أن يصيبه:
"لقد سئمت منك.. كنت أخبر نفسي أنه عيب ضربك كبيرًا هكذا ولكنك تستحق السحق وليس الضرب فقط."
ردد ياسين بعبوسٍ:
"في إيه يا حاج.. كل ده عشان أسأل على حضن؟!"
هدر مهران بصوتٍ عالٍ:
"سأجــــــن منك.. هل أنت معاق ذهنيًا... تذهب لبيت الفتاة لتسأل جدها وعمها هل يمكنك أن تضم فتاتهم.. أين عقلك! أشُك أنك أخذت عقل البقر ووضعته برأسك."
زحف ياسين أسفل الطاولة يردف بصوتٍ متذمر:
"لاحظ يا حاج إنك بتغلط فيا وأنا لحد دلوقتي ساكت."
أتى زين في محاولة تهدئة والده، في حين زمجر مهران بعصبيةٍ مفرطة:
"لا تصمت.. هيا أريدك أن تخرج من هذا الجحر وتريني ما الذي ستفعله!"
"ولما تخرج تضربني! عيب يا بابا الحركات دي كبرنا عليها."
قالها ياسين بدهاءٍ، في حين أمسك مهران رأسه بألمٍ يردف بصوتٍ مجهد:
"زين.. تعامل مع هذا الشبه بني آدم وأنا سأذهب إلى مكتبي لا أريد رؤيته مجددًا."
غادر مهران من الردهة ودلف سريعًا إلى مكتبه، في حين أخرج ياسين رأسه مثل الفئران يردد:
"مشي؟!"
اجابه زين ساخرًا:
"آه.. أخرج.. اخرج وأنت شبه الفيران كده."
خرج ياسين من أسفل الطاولة يردد بفخرٍ:
"لا يالا دي استراتيجية اسمها الجري نص الجدعنة.. جربها أنت وهتلاقيها بتنفع."
أشاح زين بيده له ثم تركه وصعد إلى غرفته، في حين ابتسم ياسين بسعادة يردد وهو يصعد لغرفته:
"وأخيرًا هتجوزك يا بومتي."
***
انهت هذا الاتصال واضعة الهاتف بجانبها، تبتسم بخبثٍ شديد وهي تفكر بخطةٍ جديدة كي تنتقم من ياسـين مهران العطار، لتردف بسعادةٍ تفوح منها رائحة الشر:
"جه دورك يا ياسين.. عشان حياتك اللي كلها سعادة تبقى سودا زي قطوف بظبط!"
رواية فطنة القلب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سلمى خالد
جلس على مقعده بتعبٍ جالي، سيُجن مما يفعله ياسين به، أمسك بأحد اوراقه الهام التي تأكد من مراجعتها ثم نهض يضعها بالخزنة الخاص به، وما أن أغلق بابها حتى استمع لصوت طرقات على الباب، نظر نحو الباب يسمح للطارق بالدلوف فما كانت سوى قطوف التي سارت بخطواتٍ ضعيفة تنظر نحوه بألمٍ، ليردف مهران بقلقٍ:
_ هل أنتِ بخير؟!
علت شفتيها بسمة صغيرة متألمة، ثم رددت بأعينٍ تريد البكاء، ولكن لا تستطيع:
_ حضرتك تعرف ليه مازن طلقني!
صمت مهران قليلًا ثم أخذ نفسًا يخرج معه تلك الكلمات:
_ لقد تفاجأت كما تفاجأتي!
حركت رأسها بإيجابية، ثم كادت أن تستدير كي تغادر ولكنها توقفت تعود مجددًا له قائلة ببسمة غريبة ولكن هي نابعة من جرحٍ لا تعلم كيف سيبرأ:
_ حضرتك من يومين سألت يعني إيه وجع.. واللي انا كنت فاهماه أن الوجع دا إني ابقى عايزة اعيط ومعرفش عايزة اتكلم ومش قادرة.. أو اصرخ وللأسف صرختي مكتومة..
صمتت قليلًا قبل أن تكمل وهي تتطلع لعينيه بشعورٍ بات قلبها بنفره من شدة تعذيبه له:
_ بس طلع الوجع أصعب حاجة تتوصف.. وإن كانت اللغة العربية أصعب لغات العالم فهي قدام الشعور دا هتعجز عن وصفه.. الوجع احساس لا يمكن وصفه هو بيتحس وبيوجع وبيقتل كل دا من غير ما حد يعرف.
تأمل مهران حديثها وعلم أنها لاتزال أسفل تأثير تلك الصدمة، اشار لها بأن تأتي إلى جانبه وبالفعل جلست قطوف جواره تنظر له باستسلام لما يحدث معاها، مشاعرها المنهزمة بقوةٍ، تمتم مهران بحبورٍ:
_ هل تعلمين ماذا قال جلال الدين ابن الرومي؟!
نظرت له بقليلٍ من الاستفهام، في حين استرسل مهران حديث ببسمةٍ هادئة:
_ قال لا تجزع من جُرحك وإلا كيف للنور أن يتسلل إلى باطنك!
اراد ابن الرومي أن يخبرنا أن ربما لكي يدلف النور لداخلنا علينا أن نُجرَح ثم يدلف هذا النور فنرى رحمة الله علينا وحكمته من هذا الجرح والمكانة التي وُضعنا بها.. عليك بالصبر يا عزيزتي أعلم أن جرحك ضخم ولا تعلمي كيف ستعالجيه ولكن عليكي أن تستعيدي وعيك.
نظرت له بألمٍ ثم قالت:
_ لسه مخنوقة.. لسه مخرجتش اللي جوايا وحاسه إني عايزة..
أغمضت عينيها بألمٍ قبل أن تكمل:
_ أشوفه.
تنهد مهران قليلًا، ثم قال وهو يمسك بكفها بهدوءٍ:
_ هيا بنا.
لم تجادل أو تسأل، فـ فقدان الشغف بالحياة قتل الحديث، وأصبحت تسير دون مبالاة للحياة!
*****
طرقت الباب بخفةٍ، ثم دلفت إلى الداخل تبتسم بحبورٍ إلى والدها، رمقها محمد بنظرةٍ تحمل السعادة، في حين تقدمت منه ياسمين تقف أمامه، تتأمل ملامحه المرهقة، لتدمع عينيها مرددة بصوتٍ محشرج:
_ وحشتني أوي يا بابا.. مش مصدقة إنك هنا.
تقدمت نحوه تلف ذراعيها حوله كي تحتضنه بدفءٍ، تردف بصوتٍ باكي:
_ وجودك جنبي كان أكتر حاجة مطمنة قلبي إني لسه في أمان وان محدش ممكن يأذيني بوجودك.. بس لما روحت اتوجعت أوي وكل حاجة بقت وحشة أوي.. حتى الناس..
ثم اضافت بصوتٍ مشتاق:
_ بس أنت رجعت والأمان رجع تاني.
ادمعت عين محمد بشدة، بينما نظرت له ياسمين تمد اناملها كي تزيل دموعه قائلة بحنوٍ:
_ أنت أحلى حاجة في حياتي.
جلست على الأرض جواره تضع رأسها على قدمه متمتمة بحنينٍ لطفولتها:
_ فاكر يا بابا كنت بتقعد كده في الجنينة وأنا اجري عليك اقعد على رجلك أو جنبك وتملس على شعري... دلوقتي رجعت تاني عشان أنام على رجلك وتدفي قلبي من تاني.
أغمضت عينيها تشعر بدفء هذه اللحظة، في حين ابتسم محمد لها ولملامحها الساكنة، وكأنها طفلة بالخامسة من عمرها.
****
توقف مهران بالأرض التي زرع فيها مازن وياسين وزين محصول الطماطم، ولكنه لم يعلم بأمر الزهور، ليردف بهدوءٍ يتطلع لوجه قطوف المختنق:
_ اعتقد أن هذا هو انسب مكان كي تفرغي فيه طاقتك.. ولكن أعلمي بعد تلك اللحظة لن تبكي مجددًا... والآن سأتركك واقف بعيدًا.
تركها مهران كي تفعل ما تشاء، في حين نظرت قطوف حولها لترى شجر الطماطم ينمو، ابتسمت بألمٍ ثم تقدمت بخطواتها نحو زهورهما، لتجد أن زهرة الاوركيدا بدأت بأن تذبل، امسكت بـ ( جردل خاص بسقي الزرع) ثم بدأت بأن تمنحها بعض الماء كي تنضر مجددًا، تسربت دموعها فجأة، تتذكر كلماته عندما قال ( الورد دا بتاعك، زرعته عشانك عشان ضحكتك تفضل موجودة)، هي الآن في أسوأ حالتها، ارتفع صوت بكاؤها، حتى تركت هذا الجردل ثم وقعت على الأرض تبكي بشدة، تستند بيديها على الأرض، دموعها المنهمر تتساقط على اوراق الزرع.
لم تتخيل بيومٍ أن يمكن لشخصيتها أن تصبح هشة هكذا، أطلقت صرخة قوية تحاول أن تفرغ من ألم قلبها قليلًا، حتى اختفى صوتها، بقت على وضعها عدة دقائق ثم حاولت النهوض مجددًا، وقفت أمام تلك الزهور بانهزام، ثم رددت ببسمةٍ حزينة:
_ أول مرة أشوف ورد واعيط قدامه.. وخاصة إنك من حد اخدت منه أكبر خذلان بحياتي.
جرت قدميها بصعوبةٍ نحو مهران، ثم نظرت له بأعينٍ منطفئة قائلة:
_ شكرًا يا عمو.
ربت على كتفها بحنوٍ، ثم سار سويًا عائدين إلى المنزل، ولكن توقف مهران قليلًا يردف بهدوءٍ:
_ صغيرتي أتمنى أن يصبح مظهرك أقوى أمام والدك على الأقل لأن حالته الصحية لا تتحمل.
حركت قطوف رأسها بإيجابية، تبتسم بألمٍ وهي تتذكر دلوف والدها وانتهاء حياتها، تتذكر كيف تلقت صدمة وجود والدها على قيد الحياة، ثم اعاقته ثم طلاقها!
وضعت يدها على قلبها تتذكر هذا الخذلان القاسي الذي تخلل اوصالها، لتهمس بداخلها:
_ عمر ما هنسى وجعك ليا يا مازن.
*****
قفز ياسين على الفراش يلاعب قدمه بالهواء، يمسك بهاتفه في سعادة يرسل رسالة إلى مريم عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي قائلًا فيها:
_ عاملة ايه يا بومتي؟!
انتظر قليلًا وشعر بيأسٍ من عدم رؤيتها للرسالة، بقى دقائق ثم كاد أن يغلق ولكن قرر عدم الاستسلام وبدأ بارسال عدد ضخم من الرسائل والرنين عليها بمكالمة صوتية وفيديو حتى ظهر له رؤيتها للرسائل، ابتسم بسعادة وهو يكتب:
_ اخيرًا رديتي!
انتظر حتى تنتهي من الكتابة وبالفعل ارسلت له رسالة قصيرة للغاية:
_ مين؟!
_ نعم ياختي مين إيه.. هو حد بيقولك بومة غيري!
أرسل بها ياسين في غيظٍ، في حين اجابته مريم التي تضحك بشدة:
_ جبت رقمي منين يا ياسين؟!
زحفت بسمة إلى شفتيه يكتب بهيامٍ وهو يحرك قدمه:
_ سيبك أنتِ من جبت الرقم منين واكتبلي يا ياسين تاني أو يا سونا.
تعالت ضحكت مريم من حديثه لتكتب ببعض السخط:
_ هي بقت تتكتب مش هتتقال!
نظر ياسين إلى الرسالة ثم كتب:
_ بت متبوظيش اللحظة وقوليلي يا ياسين يلا.
حاولت مريم السيطرة على ضحكها لتكتب له:
_ يا ياسين.
ابتسم ياسين ببلاهة، في حين أرسلت مريم رسالة أخرى:
_ جبت الرقم منين!
قرأ ياسين الرسالة، ثم كتب لها بفخرٍ:
_ أنا ظابط يا بنتي ومش أي حد دا أنا ياسين العطار.
_ ظابط نص كُم.
كتبتها مريم بسخطٍ منه، في حين قرأ ياسين الرسالة ثم قال في دهشة:
_ هي بتقعد مع مازن ولا إيه؟!
اسرع في ارسل الرسالة يكتب:
_ أنتِ قعدتي مع مازن ولا ايه!
عبست ملامح مريم تكتب باقتضاب:
_ متجبش سيرة البني آدم دا.
قرأ ياسين رسالتها، وشعر باختناق من طريقتها بالحديث عنه، ولكنه لا يعلم ما الذي دفع مازن لفعل ذلك، كتب رسالة بها فطنة:
_ بصي مازن قبل ما يبقى ابن عمي فهو صحبي، وبعيدًا عن الهزار والضحك مازن صاحب جدع وعمره ما بيخون.. وأكبر دليل على كده إنه مطلقش صحبتك من أول يوم وخد فلوسها.. ولا كان زرع ليها ورد ولا كان يقعد يفكر بهدية ليها عشان تفرح.. أنا كده كده هسافر ليه عشان افهم السبب.. بس قبل ما تفكري إنه أذى صحبتك فكري بعقلك يا دكتورة.
ارسل لها تلك الرسالة ثم اغلق هاتفه، في حين قرأت مريم رسالته وهي تعلم أن مازن ليس بسيء ولكن شعورها نحو صديقتها وخذلناها جعلها تشعر بهذا الحزن، ارسلت له:
_ أنا عارفة أن مازن كويس بس شكل قطوف وجعني أوي.. صحبتي عمرها ما كانت كده.. دا حتى يوم وفاة عمو محمد ربنا يحفظه دلوقتي معيطتش وكانت قوية.. صعب عليا إني اشوفها كده.
ارسلت له تلك الرسالة ولكن لم يجيب، فشعرت بالخوف من عدم اتصاله، عادت ترسل:
_ أنت زعلت مني؟!
لم يجيب فأرسلت بقلقٍ:
_ ياسين أنت قفلت ليه؟!
كان ياسين يتناول بعض الدجاج الذي احضره ثم نهض يغسل يده وعاد يفتح الهاتف ليجد عدد من الرسائل تدل على قلق مريم، ليكتب:
_ أد كده خايفة على زعلي؟!
اشتعلت عين مريم التي كانت تعض أظافرها بتوتر، تكتب بحنقٍ:
_ أنت كنت فين ومردتش؟
_ باكل ورك فرخة سرقته الصبح.
كتبها ياسين ببلاهة، لتتسع عين مريم تكتب وهي تغلق الهاتف بعدها:
_ اتصدق إني غلطانة إني اهتميت بزعلك!
كادت أن تغلق ولكنها وجدت رسالة منه قائلًا:
_ ليه قولتي كده! أنا مبسوط إنك اهتميتي يا بومتي.
عبست ملامحها وهي تكتب:
_ بطل طفاسه يا ياسين.
ابتسم ياسين برضا ثم كتب:
_ عيون وقلب ياسين.
خجلت مريم من رسالته ثم كتبت بحدة:
_ ياسيـــــن لما نكتب كتابنا تقول كده.. قبلها لاء فاهم.
ابتسم بسعادة وهو على يقين من خجلها، ليكتب بحبٍ:
_ فاهم.
أغلق هاتفه ولكن تذكر مازن وقرر أن يسافر له بصباح الغد كي يفهم ما الذي حدث فهو على يقين بأن والدته وراء هذه المصائب.
*****
صباحًا..
استيقظ الجميع ولكن منهم من يحمل بقلبه ألمًا، ومنهم من يشعر بالسعادة، وقفت قطوف أمام المرآة تلف حجابها ولكن عينيها لا تزالا منطفئتان، أنتهت من ارتداء حجابها ثم سارت إلى غرفة والدها ترسم بسمة صغيرة على شفتيها، تسير نحوه وهي تحاول اظهار القوة التي لطالما ظهرت بها أمامه، دلفت لغرفته تنظر له بحنوٍ، فقد كانت ورد تريه بعض الرسومات التي رسمتها وتروي له ماذا فعلت بهذا الوقت!
دلفت إلى الداخل حتى انتبه لها، ثم حاول التحرك نحوها، ولكن عجز عن ذلك، لتهتف وهي تقترب منه تحتضنه:
_ وحشتني يا أحلى أب.
اهتز جسد محمد يشعر بالسعادة من رؤيتها، في حين بقيت قطوف بداخل احضانه لوقتٍ ليس بقليلٍ، تحاول الصمود أمامه، ابتعدت عنه تنظر لعينيه بحبٍ، في حين لاحظ محمد ذاك الحزن المخزون بحدقتيها، جلست جواره على المقعد ثم قالت بحبٍ:
_ الحمدلله أنك وسطنا يا بابا.. أنت نعمة كبيرة أوي بحياتي ربنا يحفظك ليا.
قاطع تلك اللحظة دلوف مهران لهم، يبتسم برضا عما فعلته قطوف، ولكن لم يرغب بتركها أكثر من هذا حتى لا تقع بحديثها معه، ليردف بحبورٍ:
_ صباح الخير يا أحبائي.
نهضت قطوف من مكانها تتقدم نحو مهران تقبل يده، في حين ربت مهران على كتفها برضا، ثم قال بحبٍ:
_ هيا بنا كي نتناول الفطور.
حركت قطوف رأسها بإيجابية، ثم تقدمت من مقعد والدها وقامت بتحريكه نحو الخارج، حيث يجتمع الجميع، وُضع مقعد محمد جوار مهران، في حين جلست قطوف وياسمين بجانب بعضهما جواره، لتبدأ كلًا من قطوف وياسمين بإحضار الحساء ومساعدة محمد على تناوله برفقٍ حتى يشبع، وبالفعل انتهى من تناول فطوره، ليتمتم ياسين بسعادةٍ:
_ هحكيلك يا عمي اللي حصل بيني وبينك، بس اخلص اللي ورايا بسرعة.
اهتز جسد محمد برضا، في حين ابتسم ياسين بحبٍ له، لينهض ياسين من مكانه قائلًا:
_ عن اذنكم بقى.
تركهم مغادرًا المنزل يسافر إلى مازن، في حين بقى الجميع يتحدث بسعادة لتواجد محمد محاولين تنفيذ حديث مهران وعدم اظهار الحزن أمام محمد وقطوف كي لا يتألما مجددًا.
*****
_: عملت إيه في الفلوس!
قالتها ميرڤت وهي تدلف إلى المكتب بالأجانس، في حين ابتسم مازن بسخرية ثم قال:
_ طب قولي حتى صباح الخير دا أنا زي ابنك.
ابتسمت له ببرودٍ، ثم قالت وهي تجلس تضع ساق فوق الاخرى:
_ طالما ملهاش لزمة يبقى هقولها ليه!
حرك مازن رأسه بإيجابية، يردف بصوتٍ مختنق:
_ معاكِ حق.. فلوسك لما تبقى تتحول هتاخديها بما انك خلتني اعملك توكيل وأنا وصيت المحامي لما الفلوس تتحول وتكون عندي يبقى يحولها ليكِ.
حركت رأسها بإيجابية، تنهض من مكانها، تردف بصيغة تهديد:
_ فكر تلعب بدماغك يمين ولا شمال.. هتلاقيني علطول بلعب معاك.. بس بأرواح اللي بتحبهم.
شعر باشمئزاز مما تقوله، في حين غادرت ميرڤت المكتب تشعر بالسعادة مما ستجنيه.
أمسك مازن هاتفه ثم فتح على معرض الصور، يفتح صورة خاصة بقطوف، ظل يتأمل تفاصيلها ببسمةٍ قتلها الحزن، يتأمل ملامحها الساكنة بداخل أحضانه عندما ركبا القطار، همس بصوتٍ يعتريه الألم:
_ كان معاك حق أنها أخر صورة هنتصورها سوا.
ذهب لصفحتها الشخصية على احد تطبيقات التواصل الاجتماعي ثم نظر على أحدث ما انزلته ولكنها كانت غير نشطة منذ اليوم الذي طلقها به، أغمض عينيه يهمس باشتياق:
_ وحشني وقت ما بهرب من الدنيا كلها عشان أرتاح في حضنك.
استمع لصوت طرقات خفيفة على الباب، كاد أن يغلق هاتفه ولكن تفاجأ باقتحام ياسين يردد:
_ أبو المزميز.
ابتسم مازن تاركًا هاتفه، يتقدم نحو ياسين كي يحتضنه ببعض السعادة قائلًا:
_ ياسين.. حمدلله على سلامتك.
احتضنه ياسين بعدما تقدم منه ولكنه لاحظ شاشة الهاتف وهي مكبرة على صورة قطوف، عاد بنظره إلى مازن بعدما ابتعد عنه يردف بهدوءٍ:
_ ليه طلقتها مدام بتحبها أوي كده وبتشوف صورها!
نظر مازن لهاتفه المشتعل، ليذهب إليه يغلق الهاتف، ثم نظر لياسين الذي ينتظر اجابة، ابتسم بألمٍ يجيب:
_ لأن بكل بساطة أنا كنت في أسوأ موقف في حياتي.
_: موقف إيه! وإيه اللي يجبرك على إنك تطلق مراتك مادام بتحبها.. وهي بتعشقك!
قالها ياسين باستنكار، في حين اجابة مازن بمرارةٍ:
_ هقولك بس محدش يعرف يا ياسين.. لأن ببساطة يا أما أنقذ خالي محمد من ايد أمي واطلق قطوف.. يا خالي يموت وأفضل مع قطوف وساعتها كنت برضو هطلقها لأني سبت خالي اللي هو ابوها يموت محاولتش انقذه.. فـ يا أما اضحى بحد بحبه وننفصل يا أضحي بحد بحبه بس هيفارق الحياة كلها وبرضو هننفصل.
نظر ياسين بصدمةٍ لما قاله، لا يعلم مدى معاناة مازن ولكن ما يقوله صعب التصديق، تمتم ياسين بنبرة لا تزال تحمل شوائب الصدمة:
_ أنت متأكد أن دي أمك!!
ابتسم بسخرية على حاله، يجيبه وهو يجلس على مقعد:
_ والله أنا شخصيًا بدأت اشك.. بس للأسف أمي واستغلت مكانتها وأنها أم في إني مقدرش أأذيها ولا اخد حقي منها.
شعر ياسين بغضبٍ شديد منها، ليردف بغيظٍ:
_ هي لا أمي ولا اعرفها سبني أخد حقك منها.
حرك رأسه بيأسٍ، ثم قال بحزنٍ:
_ سيبك من كل دا وقولي قطوف عاملة إيه!
اختفى غضب ياسين وحلت سحابة حزينة عليه، يردف بحزنٍ متبادل:
_ للأسف مش هقدر اكدب.. من ساعة ما مشيت وهي حالتها تصعب على الكافر.. قطوف العطار بجلالة قدرها عيطت قدمنا.. وعينيها اللي كان فيهم قوة بقوا منطفين.
أغمض مازن عينيه يشعر بضيقٍ مما حدث، في حين نهض ياسين يربت على كتف مازن الذي فتح عينيه يردد بصوتٍ مُعذب:
_ قتلتها وأنا مجبر على كده..
حاول ياسين التهوين عليه متمتمًا:
_ بإذن الله هترجعلك.
شعر مازن ببصيص من الأمل، ليردف:
_ تفتكر في يوم ممكن ترجع ليا!
حرك رأسه بإيجابية يبتسم بهدوءٍ قائلًا:
_ بص مش هقولك اللي بيحب بيسامح.. بس اللي بيحب بجد لزمًا يتجرح عشان يوصل لمرحلة العشق ازاي معرفش بس هي فترة بيبدأ القلب يفهم فيها المشاعر وينضج.
تأمل مازن حديثه، في حين أضاف ياسين متسائلًا بعدما لح برأسه:
_ طب هي أمك عملت كل دا ليه أكيد مش انتقام وبس؟!
ابتسم مازن بسخرية ثم قال:
_ أكيد لاء.. عمي كتب وصية أن لو معداش سنة على جوازي أنا وقطوف واتطلقنا ورثها هيتنقل ليا.. وبالتالي أمي عملت المستحيل عشان تطلقنا قبل السنة وبالفعل طلقتنا.
اتسعت عين ياسين بصدمةٍ، ثم ردد بسرعةٍ:
_ أنت كده سلمتها الفلوس!
حرك مازن رأسه بنفيٍ، ثم قال ببسمةٍ حزينة:
_ كتبت كل حاجة بيع وشرا لقطوف وعملت توكيل ليها أنها تتصرف بكل فلوسي.. وخليت المحامي يوثق الأوراق عشان الفلوس بتاعتها تفضل موجودة معها تاني وبالتالي مش هيبقى معايا فلوس عشان امي تاخدها.
رفع ياسين حاجبيه بدهشةٍ، ثم قال بحيرةٍ:
_ مش خايف لتستغل دا وتنتقم منك لما تعرف؟!
حرك رأسه بنفيٍ، يجيب عن ثقة:
_ قطوف من قبل ما اتجوزها وأنا واثق إنها عمرها ما تغدر بيا ولا يمكن إنها تاخد فلوسي عشان تنتقم مني.
حرك ياسين رأسه بإيجابيةٍ،ِ في حين أخرج مازن كتاب صغير مغلف، ليعطيه إلى ياسين قائلًا ببسمةٍ:
_ ابقى خلي ملك تحط الكتاب دا على سرير قطوف من غير ما حد يقولها.
أمسك ياسين الكتاب بتعجبٍ متمتمًا بحيرة:
_ هتعمل إيه بالكتاب!
ابتسم مازن يتخيل شكل قطوف وهي تقرأ ثم قال مجيبًا:
_ في شعر رجع اتنين لبعض.. وفي قصة رجعت اتنين لبعض.. مش يمكن كتاب صغير يرجعنا أنا وقطوف لبعض.
ابتسم ياسين له ثم تذكر مريم، ليردف بسعادةٍ:
_ مش روحت اتكلمت على مريم وقرأنا فاتحة والخطوبة بعد أسبوعين.
اتسعت عين مازن فرحةً، ثم قال وهو يحتضنه:
_ مبارك يا صاحبي مبارك.
ابتسم ياسين بسعادة يردد:
_ اعمل حسابك بقى تحضر الليلة اللي هتتعمل في البلد.. والخطوبة بقى هتكون في مصر هنا.
تبدلت ملامح مازن قليلًا، في حين ردد ياسين بتصميم:
_ هتيجي يا مازن.. أنت ابن عمي وصاحبي يعني لزمًا تبقى في ضهري.
علت بسمة باهتة على شفتيه، يردف بهدوءٍ:
_ ان شاء الله يا صاحبي.
*****
عاد ياسين إلى البلدة ولكنه غفى بنومٍ طويل بعد ارهاق السفر، في حين بدأ محمد بطريق علاجه مع أحد الاطباء الذي احضره له مهران، و بقيت قطوف تجلس بشرودٍ دائمًا وحيدة لا تتحدث كثيرًا، في حين بقيت ياسمين تتلاقى العديد من الرسائل الخاصة بجمال تحمل تهديدًا لها.
*****
بردهة منزل مهران..
_: صحيح يا قطوف كده هنقعد عندك ساعة خطوبة ياسين؟
قالتها ملك بسعادة، في حين ردت قطوف بألمٍ:
_ للأسف كلنا هنقعد تحت سلطة مازن.. أنا ومازن اطلقنا قبل سنة وبالتالي كل فلوسنا هتتنقل ليه.. لأن دي وصاية بابا حطها.. وللأسف بابا قدام الحكومة مش موجود فبالتالي كل فلوسنا هتتنقل لمازن لحد ما نثبت إن بابا عايش.
_: مين قال كده.. كلنا لما نروح بيت عمي محمد هيبقى كل الفلوس ملكك يا قطوف.. حتى مازن بقى شغال عندك حاليًا ودا بتوكيل منه ليكِ ومازن حول كل حاجة بأسمك حاليًا!
قالها ياسين وهو يجلس وسطهم، في حين نظرت له قطوف بصدمةٍ تحاول استيعاب ما تفوه به! هل بالفعل كتب مازن كل شيء باسمها!!
رواية فطنة القلب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سلمى خالد
بقت للحظات تحاول استيعاب ما فعله مازن، تتطلع للناظرين حولها، لم طلقها اذًا؟ تحدثت بصوت متحشرج:
_ ليه طلقني مادام كتب كل حاجة باسمي!
نهض ياسين يردف بصوتٍ هادئ مبتسمًا:
_ لأن مازن بيحبك وعمل كل حاجة عشان يحميكي!
_ من ايه! دا أذني!
قالتها قطوف بصوتٍ ينم على البكاء، في حين تماسك ياسين قبل أن يتمتم بهدوءٍ:
_ الإجابة دي عنده يا قطوف مش عندي للأسف.
بقت دقائق تحاول استيعاب حديثه، ثم حركت رأسها بإيجابية تبتسم بألمٍ قائلة:
_ وأنا مش عايزة الإجابة.
سارت نحو غرفتها تحاول مقاومة دموعها، تلف ذراعيها حولها لعلها تشعر بالأمان الذي فقدته، في حين بقي ياسين مكانه يشعر بحزنٍ على حالهما، لتقطع هذه اللحظة صوت ملك قائلة:
_ مالك يا ياسين؟!
نظر لها ياسين بحزنٍ، ثم قال:
_ لما روحت لمازن لقيته بيتفرج على صور قطوف.. وهي هنا بتعاني من بُعده عنها.. والاتنين اتجرحوا بسبب ظروف أجبرتهم على كده.. وفي النهاية محدش عارف هيرجعوا لبعض ازاي والاتنين فأسوأ حالتهم.
حركت ملك رأسها بحزنٍ، تتمتم بنبرةٍ حزينة:
_ أنا لما بشوفهم بينكشوا في بعض بفرح.. بحس علاقتهم فيها روح.. أول مرة أشوف علاقة ممكن تدمر بالشكل دا وبالطريقة دي.
سار ياسين كي يغادر، يردف بنبرةٍ هادئة:
_ ادعلهم يا ملك.. الاتنين محتاجين لدعوة.
******
_ هاتي يا ورد الكشكول دا!
قالتها ياسمين وهي تجلس على المقعد موجود بالحديقة، لتركض ورد كي تحضر الكشكول، ولكنها وجدته ممتلأ بالكلمات لتردف بعبوس:
_ دا مليان.
ابتسمت ياسين لها بحبٍ، ثم نهضت تقبل جبينها قائلة:
_ خلاص أنا هدخل اجيب كشكول واجي.. كملي رسم على ما اجي.
حركت ورد رأسها بإيجابية، في حين غادرت ياسمين إلى الداخل كي تحضر كشكولًا جديد، بقت تبحث عنه كثيرًا فلم تجد لتردف بحيرة:
_ كان في كشكول فاضل هنا!
_ قصدك دا!
انتفضت ياسمين من مكانها تتطلع للواقف خلفها لتجد زين هو من يحمل هذا الكشكول، رددت ياسمين بتوترٍ:
_ آه هو.
أمسكت بالكشكول ثم كادت أن تغادر، ولكن اوقفها زين قائلًا بهدوءٍ:
_ لحظة يا ياسمين عايز اتكلم معاكِ!
تجمدت أقدام ياسمين مكانها، في حين حاول زين الحديث بتوترٍ:
_ هو إيه رأيك فيا!
عقدت حاجبيها بصدمةٍ من سؤاله، لتعلق بذهول:
_ مش فاهمة رأي إزاي!
ازداد توتر زين أكثر، فلم يشعر بمثل هذا التوتر من قبل، حاول الحديث مجددًا قائلًا:
_ رأيك فيا.. أنا بنسبة ليك إيه!
لم تفهم ما يرمي له، لتجيب بشيءٍ من الدهشة:
_ ابن عمي.
_ يوووه بقولك ايه تتجوزيني يا ياسمين!
قالها زين فجأة عندما شعر بصعوبة توصيل ما يريد لها، في حين تجمد جسد ياسمين مكانه، تتذكر رسائل التهديد الخاصة بجمال، طريقته معها وتهديده المستمر لها، وبالأخص تهديده أنها إذا تزوجت بغيره سوف يقتله، ماضيه مع مازن ومحاولة كتب كتابهما التي باتت بالفشل، هي لا تزال تعاني منها وحتى وإن لم تحبه، فقد جُرح شيء بداخلها، ابتلعت لعابها وهي ترى لهفة الانتظار بعينيه، ولكن أغمضت عينيه بألمٍ هي سئمت من وجود أحد بحياتها فمن رأت به الأمان تزوج بشقيقتها، ومن عشقها حد جنون لا تريده، والآن يقف أمامها ايضًا أخر يريد الزواج بها، شعرت باختناق شديد لتجيب بصوتٍ مختنق:
_ أنا آسفة بس مش هقدر أقبل طلبك.
استدارت كي تغادر، ولكن اوقفها زين مرددًا بصدمة:
_ ليه! مش موافقة بيا ليه!
حاولت التماسك أمامه قائلة:
_ لوسمحت أنا عايزة امشي.. اعتقد اسبابي لنفسي.
كادت أن تغادر ولكن حدثها زين بلطفٍ محاولًا فهم اسبابها:
_ ومن حقي أعرف رفضاني ليه! أنت مشوفتيش مني حاجة وحشة.. ويوم ما اتعصبت عليكي اعتذرت.. قوليلي الأسباب مش يمكن أقدر احلها.. وتوافقي.
تسربت الدموع من عينيها، تردف بصوتٍ متحشرج:
_ أنا همشي دلوقتي!
شعر زين بغضبٍ من طريقتها، ليهدر بعصبيةٍ:
_ مش هتمشي غير لما تقولي سبب!
صرخت به ياسمين تردد بألمٍ:
_ عشان بكرهكم كلكم.. أنا بكرهكم.. أنتم كلكم اذتوني.. ولسه بتأذوا فيا.. سبوني في حالي بقى.
استدارت كي تغادر من الردهة، في حين بقى زين يشعر بذهولٍ من طريقتها، من تقصد بـ ( بكرهكم كلكم)!، لا يزال جسده جامدًا بينما هي غادرت لغرفتها لتبكي، فاق من شروده على يد مهران الذي اردف بنبرةٍ هادئة:
_ لا تحزن يا بُني.
نظر لوالده بحزنٍ، يشعر بغصةٍ أليمة بصدره، يردف باختناقٍ:
_ مزعلش إزاي وهي رفضتني!
ربت على ظهره بحنوٍ، يردف بتشجيع:
_ أن كان بقلبك شيءٍ لها فلا تستلم أبدًا.
تأمل حديث والده وشعر بأنه يخفي شيء، ليردف بنبرةٍ تحمل الشك:
_ حضرتك تعرف حاجة عنها!
صمت مهران قليلًا، في حين تيقن زين من مشاعره، ليردف بتلهفٍ:
_ طب قولي يمكن أقدر احلها.. هي قصدها ايه ببكرهكم!
تنهد مهران قليلًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_ إذا اردت أن تعلم فعليك أن تفوز بثقتها كي تخبرك.
علم زين أن والده لن يخبره بشيءٍ، فحرك رأسه بإيجابية يفكر بحديث والده وياسمين معًا، في حين ترك مهران زين وانطلق لغرفة محمد كي يرى الطبيب.
******
دلتفت قطوف إلى غرفتها، وما أن أغلقت الباب حتى انساب دموعها بألمٍ، رنت كلمة طلاقه بأذنها مجددًا، يكاد يجن عقلها لِمَ طلقها اذا لم يحصل على اموالها!تقدمت نحو الفراش ولكنها وجدت شيئًا مربع مغلف ببتلات الورد، توقفت دموعها قليلًا، وبدأت بالنظر لها في تدقيق، شعرت بزيادة دقات قلبها شيئًا فشيء، وضعت يدها على صدرها تهدئ من دقات قلبها وعلمت أن من أرسله هو مازن ولكن كيف، أمسكت الكتاب تزيل بتلات الورد قطع وراء أخرى، حتى ظهر عنوان ما تمسك فكان كتاب لكاتب يدعى أدهم الشرقاوي بعنوان وليطمئن قلبي، نظرت للكتاب قليلًا فقد كان قديمًا يبدو أنه كان يقرأ به، فتحت أول صفحة منه لتجد أنه كتب خاطرة لها:
...( بالأمس كنتِ وطني الجميل، فكنت أخشى احتلالهواليوم هو مُحتل فأصبحت عاجزًا عن الاقتراب منه.
ولكن بالغد سيعود وطني مجددًا كي يسكن روحي بداخله من جديد.. فتعود عيني تزهر بالسعادة من شمس فؤادكِ المحبوب، و تهدأ نبضاتي من ضمك ليّ يا وطني)
لا تعلم هل تبتسم أم تتألم!، تنظر لأسمه وأسمها الموقع أسفل تلك الخاطرة الصغيرة، مدت أناملها تلامس اسمه، ثم هتفت بألم:
_ وحشتني يا مازن... أنا لجد دلوقتي مش قادرة أتخطى وجودك بحياتي.
جمعت بتلات الورد الجافة ثم وضعتها بعلبة صغيرة جانبًا، ومن ثم جلست على الفراش لتبدأ بأخذ نظرة عامة بداخله ولكنها وجدت أنه بعض الجُمل بالكتاب مخطط عليها بقلم فسفوري، و أول ما وقع بصره عليه:
..(من خلالكِ آمنت أن الابتسامة هي أفتك مستحضرات التجميل)
زحفت بسمة أخرى على شفتيها، ولكنها ناقصة للسعادة، بسمة حزينة ألمت قلبها، بدأت بقرأت الكتاب، ولكن تلك المرة هي من بدأت تخطط به بقلمٍ فسفوري ولكن بلونٍ آخر.
****
معالم الحزن أغرقت وجهه بها، فما اصاب اولاده يجعله عاجزًا أمامهم عن الحركة، بقي شاردًا هكذا حتى خرج الطبيب من غرفة محمد، نهض مهران من مكانه يردف بقلقٍ:
_ هل يتحسن معاك؟!
اجابه الطبيب بعملية:
_ مش هكدب عليك يا شيخ مهران.. بس عم محمد تعبان ومحتاج تحاليل واشعة كتير صعب تلاقوها في البلد، لزمًا يسافر القاهرة ويكمل بقيت علاچ هناك.
قطب مهران جبينه بدهشة، يردف بشكٍ:
_ لماذا يحتاج لكل هذا! ألا يستجيب؟
حرك الطبيب رأسه نافيًا ثم قال:
_ لا يا شيخ.. مش حكاية استجابة، بس هو مريض سكر ولزمًا نتعامل معاه بحذر شديد، وكمان لو جتله ازمة ومتلحقش بيحصل حل من الاتنين أما غيبوبة أو اعتلال السكري.. وهو اتصاب باعتلال سكري في الأعصاب وحصل تلف في أعصاب الرجل واحتمال تكون الايدين... لكن بقيت الشلل معرفش إزاي عشان كده هو محتاج راعية بدرجة عالية من الحرص لأن أي سلوك غلط معاه ممكن يأذيه.
حرك مهران رأسه يحاول مقاومة تلك الصدمة، تمتم ببسمة هادئة:
_ اشكرك على هذا المجهود.
_ العفو.
قالها الطبيب مبتسمًا له قبل أن يغادر، في حين جلس مهران على مقعد قريبًا منه يشعر بحزنٍ يمزقه من الداخل على ما يمر به، رفع بصره للسماء ثم قال:
_ يا الله تراني ضعيف.. عاجز أمام أبنائي.. لا أقدر على مساعدتهم.. ساعدهم يارب.
نهض من مكانه يدلف إلى غرفته فهو يعلم أن محمد ينام بهذا الوقت، أغلق الباب فوجد زوجته جالسة تخيط أحد الملابس، جلس على الفراش بأعينٍ ذابلة، في حين نظرت زينة نحو مهران ولكن تعجبت من ملامحه الشاردة، تركت ما بيدها ثم نهضت تجلس جواره تردد بقلق واضعة يدها على كتفه:
_ مهران مالك شارد ليه!
نظر لها مهران بألمٍ لم يخجل من خفائه عنها، يجيبه بصوتٍ تملكه الحزن:
_ اتألم من حال الأولاد.. لم نعد نجتمع كما كنا.. تفرقوا جميعًا.. أصبح كلًا منهم يعاني من ألم غريب ولكنه قاسي عليهم.. ولا أعلم كيف سيتخطون تلك المرحلة.
حركت رأسها بإيجابية هي ترى ذلك ولكن ما باليد حيلة، ربتت على كتفه قائلة بحنوٍ محاولة التخفيف عنه:
_ متقلقش يا مهران.. اللي خلقهم مش هيسبهم.. ادعلهم بس... العيال عايزين دعوة حلوة كده منك هي اللي تصلح حالهم.
نظر لعينيها ليجد بهما أمل، ابتسم لوجودها جواره، ثم وضع يده على كفها يردف برضا:
_ ادعو الله أن يرزقهم السعادة ويصرف عنهم الحزن.. ويحفظك ليّ يا عزيزتي.
ابتسمت له زينة، ثم نهضت تعود لما كانت تفعله، في حين بقى مهران يفكر بما يحدث حوله، فعليه أن يفعل شيء لهم.
*****
اندمجت بالكتاب بشدة، ولم تشعر بمرور الوقت وأن الليل قد حل أخيرًا، شتت انتباهها صوت هاتفها، امتعض وجهها قليلًا بالضيق، ووضعت الكتاب جانبًا لتنظر إلى المتصل فلم تكن سوى صديقتها، ابتسمت قليلًا تجيب بهدوءٍ:
_ ألو.
_ قطوف وحشتني.. عاملة إيه!
قالتها مريم بلهفةٍ، في حين اجابتها قطوف بصوتٍ هادئ غريب:
_ الحمدلله يا مريم.. أنتِ عاملة إيه؟!
شعرت مريم بتوترٍ من هدوئها، لتردف ببعض الخوف:
_ الحمدلله.
صمتت مريم ولم تكمل رغبتها بتلك المكالمة، في حين تعجبت قطوف من صمتها لتردف بصوتٍ متعجب:
_ أنتِ رنيتي عشان تسكتي؟!
ابتلعت مريم لعابها، تتمتم بتوتر:
_ لاء.. الصراحة عايزة اقولك بس مكسوفة منك!
قطبت قطوف جبينها بتعجب تشعر بحيرةٍ من طريقة مريم، لتتسأل بتعجبٍ:
_ مكسوفة مني أنا! مكسوفة من إيه؟!.
_ ياسين جه طلب ايدي!
قالتها بخجلٍ شديد، في حين ابتسمت قطوف تردد بحبٍ لها:
_ بجد! مبارك يا حبيبتي ربنا يتمم على خير ويفرح قلبك أنتِ تستاهلي كل الخير.
ابتسمت مريم قليلًا من حديثه تتمتم بصوتٍ يحمل السعادة:
_ يعني مش زعلانة!
أغمضت قطوف عينيها، فبالرغم من محاولتها لمقاومة تلك الفترة ولكن لا تستطع، اجابة صديقتها بنبرة هادئة لم تتغير:
_ لا يا حبيبتي مش زعلانة.. أزعل من إيه بس دا خبر يفرحني ويخليني أبدأ افوق شوية.
ابتسمت مريم براحةٍ، ثم قالت بسعادةٍ:
_ طب خلاص تعالي بكرة بقى عشان عايزة اسأل على كام حاجة ونقعد سوا.
_ حاضر يا قلبي جاية بكرة.
قالتها بهدوءٍ، لتغلق مريم معها وهي تشعر بالسعادة من ردة فعل صديقتها، في حين اغمضت قطوف عينيها تقاوم تلك الدموع من الهطول، تتذكر تلك اللحظة التي تركها بها فقد كانت تفكر بكيفية القضاء وقت ممتع معه، في حين كان يفكر بطلاقها.
******
تعلم جيدًا أنها ليست بخير، وأن ما تفعله ليس سوى حالة مؤقتة وسوف تنفجر بالجميع، نظرت امامها بأعينٍ باكية، تتذكر عرضه للزواج، تعلم ما بمشاعره اتجاهها عندما لحظت وجود ما تحب بغرفتها وكان يتخفى خلف ابنته، استمعت لصوت طرقات الباب لتزيل دموعها سريعًا تنهض من مكانها لتجد ورد هي صاحبة تلك الطرقات، هبطت للأسفل تستند على ركبتيها، تردد بحنوٍ:
_ ايوة يا حبيبتي.
نظرت لها ورد بحزنٍ، ثم قالت:
_ بتعيطي ليه؟!
تأملت ملامحها قليلًا، ثم نهضت من مكانها تمسك بكف الصغيرة كي تدلف إلى داخل غرفتها، ثم جلست بها على الفراش قائلة بهدوءٍ:
_ بابا اللي بعتك صح!
حدقت بها ورد قليلًا، ثم حركت رأسها بإيجابية، لم تعلم ياسمين اتبتسم أم ماذا تفعل، ولكن لانَّ هذا الاهتمام إلى قلبها، اجابتها ياسمين بجدية قائلة:
_ زعلانة شوية يا قلبي.. تعبت من الناس.. وخايفة حد يزعلني تاني.
ربتت الصغيرة على يدها، تردف بحبٍ:
_ متزعليش يا ماما محدش هيقرب منك.. هقول لبابا يبعد كله عنك عشان متزعليش.
ابتسم ياسمين بحزنٍ، ثم قالت:
_ ياريت ينفع يا حبيبتي.
نظرت لها ورد بعدم فهم، ثم قالت بعفوية:
_ ليه يا ماما! أنا عايزة تعشي مع بابا علطول ونفضل كلنا سوا.
شعر ياسمين بخجلٍ شديد من حديث الصغيرة، في حين كان هناك من يستمع لحديثهما من خلف الباب، يصفق لابنته بسعادة، ولكن اختفت ابتسامته ما أن رأى ياسين قادم يصرخ باسمه، ركض نحوه كي يكمم فمه بيديه، ودلف بهِ إلى غرفته قائلًا:
_ اخرس خالص هتوديني في داهية.
حاول ياسين الحديث، ولكن لم يزيح زين يديه، ليردف بعدها بتأكيد:
_ هشيل ايدي بس متعملش صوت فاهم.
حرك رأسه بإيجابية سريعًا، في حين ازاح زين يديه ولكن ارتفع صوت ياسين قائلًا:
_ بتتجسس على بنات الناس.. هقول لأبوك.
عاد زين يضع يده على فم ياسين ما أن استمع لتلك الجملة، في حين شعر ياسين بالاختناق من يده الموضوعة، ردد زين بغيظٍ:
_ ولا أنا مش قولتلك متعملش صوت!
حرك راسه بإيجابية له، ليردف زين بغيظٍ اكثر:
_ بتفضحني يابن العطار.. اصبر عليا هوريك.
حرك ياسين رأسه بنفيٍ، يشعر بخوفٍ مما سيفعله، في حين نظر له زين بحنقٍ، ثم قال بتوعدٍ:
_ هشيل ايدي ولو فكرت بس تفتح بوقك بحرف صدقني مش هخليك تلحق حتى تقرأ فاتحة جوازك... وهخليهم يقرأوا فتحت جنازتك فاهم.
حرك ياسين رأسه بإيجابية مجددًا ليزيح زين يده بحذرٍ، في حين أخذ ياسين انفاسه يزيح زين من طريقه مرددًا:
_ يا عم اوعى عملي فيها هتلر وأنت مش عارف حتى تكلم بت.
ثم أضاف بمكرٍ:
_ وبتتجسس عليها.
مسح زين على وجهه بغيظٍ، يردف بضيق:
_ أنا عارف إنك مش هتخرس.. أكيد أنت عقاب عن الحركة اللي عملتها.
حرك ياسين رأسه ببرود، يردف بصوتٍ مستفز:
_ تستاهل.. حد قالك تتجسس... بابا رباك على كده!
شعر زين بخجلٍ من فعلته، ليردف بتبرير:
_ يا عم مش قصدي اتجسس.. هو يمكن اتصرفت غلط بس صدقني مش نية خالص اتجسس أنا عايز اطمن عليها.
ربت ياسين على كتفه، يردف بجدية مزيفة:
_ خلاص يابني اللي اتكسر يتصلح والفضيحة ممكن تتلم.
دفعه زين بيديه في غيظٍ، يردف بحدة:
_ ايه اللي اتكسر يتصلح دا.. هو أنت قفشني في شقة مفروشة.
ضرب ياسين على كفيه كفتاة الشعبية، يردد بعدما عوج فمه:
_ لا قفشتك بتتجسس يا خويا.
_ استغفر الله العظيم... هبقى اتوب يا عم اخرس بقى.
قالها زين بنفذ صبر، في حين حرك ياسين راسه بنفيٍ، يردف بتصميم:
_ ولو ولو لزمًا ابوك يعرف الجريمة الشنيعة دي.
نظر له زين بغيظٍ من طريقته، ليردف بعصبيةٍ:
_ روح قوله واجيب تاريخك الاسود كله قدام ابوك.
توتر ياسين من حديثه ليردف بتوترٍ:
_ ايه يا زين يا حبيبي مالك خدت الموضوع جد كده ليه! ما أنت عارف إني مهزق وبتاع كلام.
رفع زين حاجبه ثم قال:
_ ايوة كده اتظبط.
نهض ياسين من مكانه كي يغادر الغرفة يردد بـ تبرطم:
_ أنا كل شوية حد يظبطني.. هو أنا بدلة بتاخدوا مقاسه.. أنا رايح لبومتي هي الوحيدة اللي بعرف امسك عليها ذِلة وأذلها برحتي.
*****
صباحًا..وصلت قطوف أخيرًا إلى منزل العزيزي، وصعدت إلى غرفة صديقتها وما أن طرقت الباب حتى انطلقت لها مريم تضمها بحبٍ قائلة:
_ وحشتني يا قطوف أوي.
ضمتها قطوف بحبٍ، تتمتم:
_ وأنتِ أكتر يا قلبي.
امسكت مريم بكفها ليدلفا إلى غرفتها، ثم أمسكت بهاتفه قائلة بنبرة سعيدة:
_ تعالي بقى عشان أنا بقالي يومين محتارة في الفستان اللي هلبسه هنا في قراية الفاتحة.
نظرت لها قطوف بتعجب قائلة:
_ أنتِ هتعملي الخطوبة هنا ولا في القاهرة؟!
اجابتها مريم موضحة:
_ لاء قراية الفاتحة بس هنا ليلة هادية وبسيطة بس عشان نعمل اشهار.. وهناك بالقاهرة هنجيب الدهب ونعمل خطوبة عشان حياتي أنا كانت هناك وحياة ياسين برضو فهمتني.
حركت قطوف رأسها بتفهم، لتجلس جوار صديقتها يختارا سويًا ما ستحضر به كلتهما، ووقع اختيارها على فستان هادئ للغاية بلون السماوي، يحمل حزام مطرز باللؤلؤ الأبيض اللمع، في حين سترتدي قطوف بلوزة من اللون الأبيض مع جيب من اللون الأسود وحجاب باللون النبيتي.
نهضت مريم تحضر شيئًا ليتناولاه، في حين بقت قطوف بالغرفة شاردة بحياتها التي انتهت فجأة، قررت أن تبعد شرودها لتسير بالغرفة تكتشف معالمها، وبالفعل سارت بها حتى دلفت إلى الشرفة ولكن وقعت عينيها على بعض الزهور التي زرع منها مازن لها، تأملتها بحزنٍ دافين ولكن قاطع تفكيرها صوت مريم وهي تحمل كوب من الحليب بالشوكولا:
_ لسه بتفكري فيه!
استدارت تنظر نحو صديقتها التي طلعها بهدوءٍ، امسكت كوب الخاص بها، ثم اجابتها بألمٍ:
_ أنا مش قادرة اتخطى مازن.. مازن وصل لمرحلة أنه بقى أهم حد بحياتي..ثم اضافت بنبرة تحمل الحنين:
_ عارفة كل لما تلاقي نفسك لوحدك بس هو ميسمحش بكده ويفضل يونسك.. بيبقى شعور جميل أوي.
عادت نبراتها تأن بألمٍ من جديد، تتمتم بصوتٍ مختنق:
_ بس بيبقى صعب عليكي الفراق.. أصعب حاجة يا مريم إنك تشتاقي لشخص صعب الظروف تجمعكم تاني.
شعرت مريم بمدى معاناة صديقتها، لتربت على كتفها بحنوٍ، هي على دراية كاملة بأن هذا هو الوقت المناسب للاستماع لحديثها فقط.
******
غادرت قطوف منزل العزيزي، وعادت إلى المنزل تجلس بغرفتها، فأصبحت منطوية منذ ما حدث، في حين أكد ياسين على قدوم مازن إلى الحفلة التي ستقام، وبقى الجميع يستعد للذهاب.
****
آتى مساء اليوم التالي واستعدت عائلة مهران للذهاب إلى منزل العزيزي لقرأت الفاتحة واتمم الحفل، وانطلقوا جميعًا، وما أن وصل حتى لقوا استقبال حافل من العزيزي، جلس الرجال سويًا، والنساء جلسوا بداخل المنزل.
بقيت قطوف جالسة بشرودٍ، تشعر بالاختناق من تلك الأجواء، تريد العزلة، اصبحت تكره كل ما يدور حوله، نظرت للجميع بتعبٍ واضح، ثم نهضت تتحدث إلى مريم تخبرها برغبتها في الخروج إلى الحديقة الخلفية للمنزل كي تتنفس قليلًا، لتوافق مريم سريعًا تعلم جيدًا حالة قطوف، وبالفعل غادرت قطوف تقف بالحديقة تستنشق بعض الهواء.
وصل مازن إلى البلدة، وانطلق نحو منزل العزيزي كي يقابل ياسين، فلم يرغب بمقابلة أحد، ولكن خشى من حزن ياسين، وبالفعل ما أن رأه حتى قال له ببسمةٍ:
_ مبارك يا كبير.
ابتسم ياسين يحتضنه بسعادة، مرددًا:
_ كنت متأكد إنك مش هتكسر بخاطري وهتيجي.
بادله مازن الابتسامة ثم انطلق يسلم على خاله مهران ومحمد الذي سعد بالأجواء حوله، ثم انطلق نحو زين يسلم عليه ولكن همس باذنه:
_ أنا هقف بعيد يا زين.. مش قادر استحمل الصوت العالي دا.. لما تيجوا تمشوا رن عليا
حرك زين رأسه بإيجابية، في حين انطلق مازن نحو الحديقة الخلفية، ولكنه صُدم من رؤية قطوف واقفة على بعض خطوات منه تحتضن نفسها، تأمل ملامحها الذابلة وشعر بمدى معاناتها، في حين فتحت قطوف عينيها وهي تشعر بوجود أحد جواره وما أن رأته حتى تجمد جسدها تمامًا.
ظل الأثنان يتأملان بعضهما، حتى قاطع هذا الصمت صوت مازن يردف بحنوٍ:
_ عاملة إيه؟!
بقت تنظر له بألمٍ، ليست بخير ولكن لن تستطيع أن تتفوه بهذا، سارت بخطواتٍ ضعيف تجيب بصوتٍ متحشرج:
_ عايشة.
لم يرغب بان تتركه، ليردف سريعًا بنبرةٍ تحمل اللهفة:
_ أنتِ كويسة!
توقفت اقدامها عن الحركة، تشعر برغبتها في البكاء مجددًا، لا تجد وسيلة كي تخرج ما تكنه نفسها، استدارت تنظر له بأعينٍ أغرقتها الدموع تردف بألمٍ:
_ كويسة! وأنت شايف أن بعد اللي حصل ممكن ابقى كويسة!
الآن يعترف أنه عجز عن الرد، نظر لعينيها بندمٍ، يحاول أن يعبر عما تكنه نفسه لها بعينيه، في حين بادلته نظرات من الخذلان، شعر مازن بتأزم الموقف بينهما، ليردف بهدوءٍ:
_ عيشي يا قطوف حياتك بلاش توقفيها.
ابتسمت بسخرية على حالها، تتساقط منها الدموع، تنهزم أمامه فقط، علقت على حديث بكلماتٍ ما كانت سوى جمرات من لهيب أحرقت قلب مازن:
_ أعيش! هو مين قال اني عايشة.. أنا موت من جوا من وقت لما طلقتني..
صمتت قليلًا تحاول التماسك، ولكن لم تستطع، لتنفلت كلماتها الممزوجة ببكاءٍ جعل مازن يكاد يصرخ مما يشعر به:
_ أنا موت من جوايا يا مازن.. في جرح تكتمه عشان النزيف يقف والانسان ميمتش.. بس أنا جرحي فضل ينزف لحد ما موت من جوا وبقيت مش بحس بحاجة غير وجع.
حاول التقدم منها، ولكنها ترجعت إلى الخلف، تحرك رأسها بنفيٍ قائلة:
_ بتقرب ليه! مفيش حاجة بيني وبينك تخليك تقرب.. أنت بكلمة منك بعدت المسافات اللي بينا يا مازن.
_ عمري في حياتي ما فكرت اوجعك ولا أأذيك.
ابتسمت بألمٍ ترمقه بنظرةٍ تمنى أن يدثر نفسه أسفل حبات الترب، لتردف بكلماتٍ تحمل القهر:
_ وفي النهاية وجعتني.. وأذتني..
استدارت كي تغادر، ولكنها أضافت بصوتٍ يحمل عذابًا، يصرخ قلبها من شظايا ألمٍ قاتلة:
_ أنت مش أول قلم أخده في حياتي... بس أنت كنت اوجع قلم فيهم.
تركته مغادرة إلى الداخل، في حين بقي مازن يشعر بتمزق روحه، كلماتها ليست كجمرة بل براكين انفجرت بداخله تحرق كل شيء، شعر بنفورٍ شديد نحو والدته، يتمنى لو لم تكن والدته لانتقم منها أشد انتقام.
*****
_ ها الفلوس ممكن تتحول على بكرة!
قالتها ميرڤت للجالس أمامها يحاول التقاط انفاسه من الطريق، ليجيبها بصوتٍ متوتر:
_ هو للأسف مفيش حاجة هتتحول.
نظرت له ميرڤت بشرسة متمتمة:
_ أنت بتقول إيه فلوس إيه اللي مش هتتحول!
ابتلع الأخر لعابه قبل أن يقول بكلماته الصادمة لها:
_ كل حاجة مكتوبة باسم المدام قطوف محمد العطار.
رواية فطنة القلب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سلمى خالد
تعلم جيدًا نظراته المتعلقة بها، تحاول أن تتماسك قليلًا كي لا تخبره عن شوق قلبها.
سارت داخل المنزل تدلف إلى الحمام، وما أن أغلقت الباب حتى تسربت الدموع من عينيها.
تحاول التماسك، ولكنها فشلت، فلم يخبرها عن سبب طلاقه بها ولم يعطها أي كلمة تهدأ من تلك النيران الموجودة بداخلها.
مر وقت، استمعت لطرقات على الباب، لتزيل دموعها سريعًا قائلة:
_ أيوه لحظة.
نظرت بالمرآة، ثم أزالت دموعها، وغسلت وجهها جيدًا وبدأت بتجفيفه.
مغادرة الحمام ما أن انتهت، سارت نحو صديقتها التي أخذت يدها ليرقصن سويًا.
رسمت بسمة صغيرة على شفتيها لتبدأ من جديد في إخفاء أطنان من عذاب وقع قلبها به.
*****
تأمل رحيلها بقلبٍ منفطر، تمنى لو يخبرها أنه يريد العودة.
ولكن إن عاد مجددًا سوف ينتهي كل شيء.
حاول استنشاق بعض الهواء يهدئ من نيران قلبه المشتعلة، ثم عاد إلى ياسين، لعل جلوسه معه يوقف عقله عن التفكير.
****
صوت الزجاج المنكسر يزداد شيئًا فشيء، تتأمل هذا البرواز الذي يحمل صورته، لتردف بحقدٍ:
_ قسمًا بالله لندمك على اليوم اللي فكرت تقف فيه في وشي.
وأعرفك إزاي تضحك على ميرفت العطار وتاخد كل فلوسها وتديها لحبيبة القلب.
هخليك تندم في يوم إنك حبيتها وهتقولها بلسانك أنا ندمان.
قذفت الصورة بعيدًا ليتهشم الزجاج إلى شظايا صغيرة.
تتأمل نقطة فارغة بالهواء، ثم أمسكت بهاتفه تردد بشرٍ:
_ لما أقولك تنفذ يبقى تنفذ، وقتها متتأخرش ثانية.
عايزك تروق عليه أوي، عايزة قلوبهم كلهم تتحرق.
أغلقت الهاتف مع هذا الشخص وهي تبتسم بسعادة تتخيل نظرات الألم الموجودة بأعين الجميع.
****
_ أبقى هنا يا مازن، فنحن سنسافر بالغد إلى القاهرة.
قالها مهران بجدية عندما علم بأن مازن يرغب بالسفر.
في حين شعر مازن بتأزم الموقف ليردف بحرجٍ:
_ معلش يا خالي.
حضرتك عارف إني مش هقدر أكسر لحضرتك كلمة، بس صدقني مش هينفع.
ابتسم مهران برضا، ثم قال مربتًا على كتفه:
_ استمع ليّ وابقى معي.
نظر له باضطراب.
في حين منحه مهران نظرة مطمئنة أثارت تعجبه.
ليبغته بسؤالٍ:
_ هو حضرتك مش زعلان من اللي حصل!
ابتسم مهران بهدوءٍ، ثم قال كلمات لم يفهمها مازن:
_ ربما عليك أن تبقى معي قليلًا كي تعلم من هو خالك مهران.
نهض مهران كي يسلم على العزيزي ليغادروا المنزل.
وبالفعل انتهى الحفل بترحيب كبير من العائلة وساروا جميعًا عائدين للمنزل.
ولكن كان مازن يختطف بعض النظرات إلى قطوف التي تحدثها بملك باستمرار وكأنها لا تدع فرصة لعقلها أن يفكر كثيرًا.
وصلوا إلى المنزل ودلفوا جميعًا وسط سعادة ياسين الذي بدأ بخطوةٍ لم يتخيل أنها ستقام، وإرهاق الجميع.
تمتم مهران بنبرةٍ هادئة:
_ سيبيت مازن الليلة مع خاله محمد.
رفعت قطوف بصرها بصدمةٍ، تتطلع نحو مهران الذي ابتسم بحنوٍ لها، لتعود بنظراتها إلى مازن الذي بادلها نظرات اشتياق.
أشاحت بوجهها بعيدًا، تشعر بألمٍ لا يزال عالقًا بقلبها.
ثم رددت باقتضاب:
_ أنا طالعة أنام عن إذنكم.
سارت نحو غرفتها.
في حين تحرك الجميع من خلفها كي يذهبوا إلى غرفهم ما عدا مازن.
نظر إلى عمه ثم قال:
_ أنا هروح يا خالي أشم هوا برة وأجي تاني.
حرك مهران رأسه بإيجابية.
في حين غادر مازن المنزل وسار إلى الأرض حيث زرع لقطوف الزهور.
وما أن وصل حتى لاحظ أن الأزهار لا تزال نضرة، ولم تمت.
زحفت بسمة صغيرة على شفتيه وعلم أن قطوف تأتي إلى هنا.
جلس مكانه يتأمل السماء، يتطلع نحو القمر، ثم تذكر ما كتبته له، وتمنى لو عاد الزمن للخلف لحظة واحدة يختبئ بأحضانها مجددًا.
*****
انتفضت من الفراش باختناق، تنظر حولها بحنقٍ مرددة:
_ أنا مش عارفة أنام ليه!
أخذت نفسًا عميق.
ثم نهضت من الفراش تمسك بالكتاب الذي أحضره لها هدية.
ثم ارتدت ملابس جيدة للخروج وحجابها وانطلقت إلى الأسفل بالحديقة.
تسير بحذرٍ تخشى رؤية وجهه فيعود قلبها يتألم.
جلست بالحديقة أسفل ضوء القمر تعود لتقرأ آخر صفحات هذا الكتاب.
وبعد وقت انتهت تردد نهاية هذا الكتاب قائلة:
_ هي الطريقة التي تمنيت أن أضمكِ فيها عندما نوقع على أوراق زواجنا، ولكننا شفاهًا وقعنا على أوراق طلاق لزواج لم نعقده!
أغلقت صفحة الكتاب، وهي تهمس بحزنٍ:
_ مفيش أصعب من الفراق.
:_ معاكِ حق!
قالها مازن وهو يستند على الشجر الموجودة خلف مقعدها، يضع يده بجيب سرواله.
في حين تجمد جسد قطوف قليلًا.
ليسترسل مازن حديثه وهو لا يزال يستند على الشجر:
_ الفراق صعب، وخاصةً لو مش بإيدك تحمي العلاقة دي من الفراق.
استدارت قطوف تحدجه بنظرةٍ غاضبة متألمة، تردف بسخرية:
_ شوف مين اللي بيتكلم!
ويا ترى بقى مين جبرك على الفراق!
اعتدل مازن بجسده يسير نحوها وهو لا يزال واضعًا يده بجيب سرواله، يردف بهدوءٍ:
_ مش كل حاجة لازمًا تعرفيها.
اشتعلت عين قطوف بغضب، تنهض من مكانها تقف أمامه مرددة ببرود:
_ مش عايزة أعرف يا مازن.
أنت صفحة هقطعها من حياتي ومش عايزة في يوم افتكرها تاني.
ابتسم قليلًا يهمس بحبٍ:
_ وحشني اسمي منك.
أشاحت بوجهها بعيدًا.
في حين تمتم مازن مسترسلًا:
_ وحشتني يا قطوف.
اللمعت عينيها بدموعٍ.
كانت تريد أن تبادله ذلك الشعور ولكنها شعرت بألمٍ.
لتردف بنبرةٍ قوية محاولة الثبات:
_ وأنت لاء.
استدارت كي تحمل الكتاب.
في حين ابتسم مازن لطريقتها وفهم أنها تشعر بالاشتياق له.
ليردف ببسمةٍ ثابتة:
_ عارف عجبك الكتاب.
ابتسمت قطوف بسخريةٍ، ثم قالت بنبرةٍ مختنقة تدفع الكتاب لصدره:
_ مش عايزة منك حاجة.
وياريت تبطل حركاتك دي.
أنا اتخدعت فيها مرة مش هتخدع فيها تاني.
كاد مازن أن يقع من دفعتها القوية.
في حين استدارت قطوف كي تغادر، ولكن أوقفها مازن يردد بصوتٍ هادئ:
_ أنتِ عارفة أن دي مش حركات وإن كل اللي بعمله دا لحد اللحظة دي عشان بحبك ولسه بحبك!
توقفت قطوف عن الحركة، تشعر بألمٍ من طريقته.
لتردف بهمسٍ:
_ طب ليه عملت كده فيا.
إيه اللي مخبيه عني وخلى حياتنا تدمر كده!
وإيه اللي حصل لبابا وخلاك عارف إن بابا عايش ومتقوليش!
أغمض مازن عينيه يجيب:
_ في أوقات لازمًا الحقيقة تبقى غايبة عشان نعيش.
استدارت قطوف له ترمقه بنظرة خذلان مرددة:
_ لتاني مرة بسألك عشان نعدي اللي راح وأنت بتضيع كل حاجة.
:_ صدقيني حبي ليكِ هو اللي وصلنا لكده.
قالها مازن بحزنٍ.
لتتجمد الدموع في حدقتيها، تردف ببسمةٍ متألمة تهبط أحد دموعها:
_ يبقى تبطل تحبني!
نظر لها بحنينٍ، يردف بحبٍ:
_ مقدرش.
أموت لو بطلت أحبك أنا.
نبضات قلبي موجودة عشان بحبك.
تأملت عينيه قليلًا قبل أن تردف بألمٍ:
_ يبقى موت يا مازن وبطل تحبني.
استدارت كي تغادر للداخل تسير بخطواتٍ بها صعوبةٍ بالغة.
في حين نظر لها مازن بصدمةٍ من حديثها.
لم يتخيل بيومٍ أنها ستستطيع الابتعاد عنه.
هل تحقق حديث والدته والآن سيبقى مرفوض من حبيبته!
****
صباحًا سافرت العائلة إلى القاهرة، ولكن الجميع معبأ بمشاعر كثيرة.
فمنهم من يحمل آلام لا يعرف لها نهاية.
ومنهم من يشعر بالسعادة لإتمام أولى خطوات عقده للزواج.
دفع مازن محمد إلى داخل الردهة الخاصة بمنزله.
في حين دلف الباقية إلى الداخل بسعادة.
أشارت ياسمين لهم بهدوءٍ تتحاشى النظر إلى زين:
_ اتفضلوا اقعدوا.
وبالفعل دلفوا للجلوس.
لتذهب قطوف لإعداد المشروبات التي أحضرتها معها من الخارج.
ووضعها بكؤوس، ثم خرجت تعطي للجميع أكوابهم حتى وصلت إلى مازن.
مدت يدها بالكأس دون النظر له.
أمسك مازن بالكأس وما أن تذوقه حتى لاحظ أنه بدون سكر.
ضيق عينيه قليلًا يتطلع نحوها بتدقيق.
ولكنه قرر أن يتأكد بطريقته مرة أخرى.
استأذنت قطوف لتصدع إلى غرفتها وتضع أغراضها بها.
وبالفعل صعدت مع الفتيات إلى الأعلى وللجلوس بغرفتها.
في حين أخذ ياسين وزين غرفة مازن.
وأخذ مهران وزينة غرفة ياسمين.
وبقي محمد بغرفته.
ولم يحضر جمال بسبب عمل مكثف له وقرر أن يأتي بوقت الخطبة فقط.
****
:_ معلش يا قطوف نسيت الشنطة بتاعتي تحت وفيها الدوا بتاعي.
قالتها ملك بحرجٍ منها.
في حين نهضت قطوف قائلة ببسمةٍ هادئة:
_ حاضر يا قلبي.
سارت إلى الأسفل تبحث عن الحقيبة.
ولكنها لم تجدها.
قطبت جبينها بتعجب لعدم وجودها.
ظلت تبحث عنها كثيرًا فلم تجدها لتردف وهي تنفخ بضيق:
_ هو في بلاعة في البيت.
راحت فين دي!
:_ إيه اللي خلاكي تنفخي كده!
قالها ياسين بتعجب شديد.
في حين استدارت قطوف تجيب بحنقٍ:
_ شنطة ملك قالتلي أجيبها وأنا مش لاقياها.
نظر ياسين بعينيه في الردهة باحثًا عنها.
ولكنه لم يجدها.
ليبدأ بالبحث عن مع قطوف في الردهة كلها.
لينفخ الاثنان بغضبٍ من عدم إيجادها.
حتى ظهر مازن الذي كاد أن يغادر ولكنه تفاجأ بملامح ياسين وقطوف الغاضبة وطريقتهما بالبحث.
قطب جبينه يسأل بدهشة:
_ في إيه مالكم!
نظر له ياسين بحنقٍ يجيب:
_ بندور على شنطة ملك من يجي ساعة ومش لقينها.
بحث هو الآخر بعينيه عنها فلم يجد شيء.
فقال بحيرة:
_ هي متأكدة أنها جت بيها!
نظر له ياسين قليلًا.
ثم قال بعصبية يتجه نحو السلم:
_ دا أنا هديها بالجزمة لو طلعت مضيعاها.
تركهما ياسين بالأسفل.
في حين كادت قطوف أن تتحرك.
ولكن اوقفها مازن بسؤالٍ جعلها تتجمد:
_ قطوف أنتِ ممكن في يوم ترجعيلي!
بقت دقائق توليه ظهرها حتى قالت بصوتٍ يحمل الجمود:
_ لو اللي بينا في نسبة واحد في المية سليم أنا هكسره بإيدي.
تركته تغادر نحو الحديقة.
في حين تحرك مازن يحمل جرحًا يزيد عذاب قلبه.
ترك المنزل بأكمله، لم يعد يتحمل ما يحدث معه!
ليس له ذنب ليعاقب بتلك الطريقة.
ولكن توقف عقله عندما تذكر حديث خاله أنه سيدفع ثمن ما أذنب عليه ليتطهر من هذا الذنب.
تذكر ما فعله بنور وشعر بأن ماضيه سيرهق حاضره.
ألتمعت عينيه بالدموع، ينظر للسماء بهذا الطريق الفارغ، يردف بألمٍ:
_ يارب أنا راضي بحكمك.
بس متحملنيش فوق طاقتي.
أنا تعبان يارب وطالب تعاملني برحمتك وعفوك.
****
توقفت قطوف أمام الجراج الخاصة بها، تزحف بسمة صغيرة إلى شفتيها وهي تتذكر هوايتها المفضلة.
بقت تتأمل شكله من الخارج.
ثم دلفت إليه كي ترى السيارة.
ولكنها وجدت تلك القطعة التي أخذها مازن ملفوفة بشريط أحمر ومعها ورقة.
تقدمت نحوها بدهشةٍ.
ثم امسكتها بالورقة تقرأ ما بداخلها.
( أكيد اتفاجئتِ بيها.
أخدتها منك ووقتها اتهجمتي عليا بالمكتب فاكرة.
وشلتها معايا، طول الوقت ببص عليها وافتكرك.
مكنتش عايز أضايقك خالص يا قطوف.
بس أنتِ عارفة كنا إزاي سوا.
أنا هحط الهدية دي هنا واستنى اليوم اللي تشوفيها فيها وتقوليلي ( كان بيننا الحرب حتى سُلبت الراء).
بحبك يا أجمل حرب دخلتها وخضعت ليها.)
أغلقت قطوف هذه الورقة، ووضعتها بجيب الموجود بفستانها.
نظرت لهذه القطعة وابتسمت بقليلٍ من الحب.
ثم غادرت الجراج بعدما خبأتها بمكانٍ خاص بها.
صعدت إلى الأعلى ولكن رأت ياسين يردد بغيظٍ:
_ يعني الشنطة معاكِ ونزلت البنت تدور سبيلها وادور معاها على الفاضي.
:_ أنا مقولتلكش تدور عليها.
قالتها ملك ببرودٍ، تعقد ذراعيها إلى صدرها.
في حين أمسكها ياسين من تلابيب ملابسها قائلًا بغضب:
_ أنتِ شكلك نسيت العلقة بتاعت زمان فاكرة.
:_ أعتقد أنك أيضًا نسيت كيف أعاقبك.
قالها مهران وهو قادم نحوه، يراه يمسك بملابس شقيقته بهذا الشكل.
تركها ياسين شقيقته بتوترٍ.
في حين انطلقت ملك تحضن والدها بسعادة قائلة:
_ ربنا يحفظك ليا يا بابا يا حبيبي.
ربت مهران على ضهرها.
في حين انطلق ياسين بملامح غاضبة يرى دفاع والدها عنها.
تأملت قطوف ذاك المشهد وشعرت بابتعادها عن والدها.
قررت أن تذهب لها.
وبالفعل عادت من الدرج تدلف لغرفته ولكنها وجدته نائمًا.
تقدمت نحوه تمسك بكفه تقبله بحبٍ قائلة:
_ ربنا يحفظك ليا.
أنا فرحانة إنك موجود معايا.
بكرة تخف وهتتكلم معايا وتقولي إيه اللي حصلك عشان حقك يرجعلك يا بابا.
******
صباحًا.
انطلق الجميع إلى أحد المحلات التجارية الخاصة ببيع الذهب.
بالاتفاق مع عائلة مريم.
وبالفعل ذهبت قطوف ومهران وزينة وياسين إلى المحل.
وتقابلوا مع عائلة العزيزي هناك.
ولكن تفاجأت قطوف بوجود مازن.
أزاحت نظرها عنه.
في حين تأملها مازن بألمٍ صامت.
دلفوا جميعًا إلى المحل وبدأ البائع بإخراج أشكال كثيرة كي يختار ياسين ومريم منها.
بدأت مريم تشعر بالحيرة بين اثنين ونظرت إلى ياسين لتسأله ليردف بسخطٍ:
_ لا يا حبيبتي الاتنين نفس السعر وهتعور فيهم فاختاري أنتِ واخلصي.
نظرت له بحنقٍ قائلة:
_ أتصدق إني مهزقة عشان بسألك.
:_ أيوه أنتِ كده فعلًا.
قالها بتأكيد.
لتتسع عين مريم بصدمةٍ.
وما كادت أن تتحدث حتى قالت قطوف كي توقف شجارهم قبل أن يزداد:
_ أنا شايفة أن دا أحلى يا مريم.
أنتِ بتحبي الهادي.
نظرت لها مريم وبالفعل اندمجت معاها سريعًا.
ولكنها أشارت لياسين بأن يصبر فسوف تلقنه درسًا.
أنهوا من الاختيار وقام البائع بوضع شبكتهما بعلبة صغيرة.
ولكن صمم البائع بأن يأخذ لهما صورة فابتعد الجميع عن مرمى الصورة.
ابتعدت قطوف تتأمل الخواتم الموجودة ليقع بصرها على أحدهم هادئ يسمى تونز.
ابتسمت بحزنٍ وهي تتأمله.
ولكن لاحظها المساعد الخاص بالبائع وقام بأعطائها إياه كي تقيسه.
وبالفعل أخذته تمنت للحظة أن ترتدي خاتم كباقي الفتيات.
آتى على يدها وكأنه صنع لها.
ولكن قاطع تأملها للخاتم الذي بيدها صوت مهران مرددًا:
_ هيا نتناول الطعام سويًا بالخارج.
نزعت قطوف الخاتم تعطيه للمساعد مجددًا ثم انطلقت معهم تستمع لصوت زغاريد من زينة ووالدة مريم.
لاحظ مازن نظرات قطوف للخاتم وانطلق نحوه ليرى شكله ثم ابتسم له بحبٍ لاختيارها وقال للمساعد:
_ معلش اديني الخاتم اللي هي قاسه وشوف حسابه كام.
****
:_ خدي يا ورد ادي دول لماما ياسمين.
قالها زين وهو يعطيها الحقيبة.
في حين نظرت ورد للحقيبة ثم قالت وهي تحملها:
_ حاضر يا بابا.
انطلقت الصغيرة ركضة نحو الحديقة.
ثم قالت بسعادةٍ:
_ ماما ياسمين.. يا ماما.
التفتت لها ياسمين بعدما كانت تقف تتأمل السماء.
لتبتسم لها بحبٍ قائلة:
_ أيوة يا حبيبتي.
مدت الصغيرة يدها بالحقيبة تردف بسعادة بالغة:
_ بابا اداني دي أدهالك.
ضرب زين على جبينه، يشعر بمدى دهاء ابنته.
ليردف بغيظٍ:
_ شكلك ورثتي الغباء من عمك.
امسكت ياسمين الهدية.
ثم قالت:
_ شطورة يا وردتي قولي الصراحة على طول واوعي تكدبي مهما حصل فاهمة.
حركت الصغيرة رأسها.
في حين امسكت ياسمين الحقيبة وما أن فتحتها حتى وجدت أدوات للكروشيه.
اتسعت ابتسامتها تتأمل الأشياء بسعادةٍ.
ثم قالت بفرحةٍ ظاهرة:
_ أنا كان نفسي أشتري الأدوات من زمان.
وحشني أوي أشتغل بيه.
سعدت ورد لسعادة ياسمين التي بدأت بفك الخيط والحياكة.
في حين ابتسم زين برضا لردة فعلها.
ثم تذكر شقيقته التي ساعدته وأخبرته بما تحبه ياسمين.
****
بدأ الجميع بالاستعداد لمراسم الخطبة التي قرروا أن يقيموها بالمنزل.
وبدأ جميعهم بشراء ما سيحضرون به.
وبالفعل انتهوا من تلك المراسم وآتى اليوم الموعود.
انطلقت عائلة العطار إلى منزل مريم ما عدا ياسين الذي قال سيذهب إلى محل الورد كي يأخذ منه البوكيه الخاص بمريم.
بقى الجميع بانتظاره بفارغ الصبر حتى بدأ الناس بالرحيل.
وبدأ القلق أن يصيب مريم.
تجلس بغرفتها تنتظر ياسين.
ثم نظرت إلى قطوف بخوفٍ تكاد تدمع عينيها قائلة:
_ ياسين بقاله تلات ساعات ولحد دلوقتي مجاش والناس بدأت تمشي.
أنا خايفة ميجيش يا قطوف.
أنا هدمر كده.
ربتت قطوف على ظهرها بحنوٍ قائلة:
_ متخفيش يا حبيبتي ياسين جدع ولا يمكن يعمل حاجة وحشة فيكي.
الغايب حجته معاه.
لم تهدأ مريم بل بقيت تتآكل من الخوف.
في حين بقى مازن ومهران يحاولان الوصول له ولكن لم يستطع.
حتى آتى أحد الموصلين (دليفري) وأعطى بوكيه ورد إلى مازن يخبره بأن يعطيه للعروس.
خرجت مريم من غرفتها بعدما استمعت لصوت الناس بخارج المنزل.
تبحث عن ياسين بعينيها.
ولكنها لم تجده لتردف بقلقٍ:
_ هو فين!
تقدم مازن يعطيها هذا البوكيه قائلًا:
_ لسه مجاش.
البوكيه دا جه من واحد بتاع دليفري.
امسكت مريم البوكيه.
ثم نظرت للورقة الموجودة فما كانت يوجد بداخلها سوى تلك الكلمات.
( أنا آسف يا مريم.
بس النهاردة قررت إني مش هقدر أكمل معاكي).
سقطت الورقة من يديها.
تنظر أمامها بصدمةٍ كست ملامحها.
ثم بدأت تنظر للجميع من حولها بدموعٍ تتساقط.
تستمع لصوت همهمات.
ولكن ما جعلها تريد الصراخ صوت إحداهن تردف:
_ شكل عريسها طفش منها والله أعلم سابها ليه!
لم تشعر سوى بوجود فجوة سوداء تبتلعها دون رحمة.
يغرق قلبها بتلك الهالة السوداء، حتى سقطت على الأرض مغشيًا عليها.
أصبحت بتلك اللحظة تتمنى أن تندثر بعالمٍ آخر.
صرخ الجميع من حولها بقلقٍ تركض قطوف نحوها بخوفٍ.
في حين امسك مازن الورقة واتسعت عينيه بصدمةٍ ما أن رأى المكتوب.
وعلم أن هذه ليست سوى خطة وقع بها ياسين.
تأمل عمه الذي يحاول الصمود أمام تلك الموجة القاسية التي حلت عليه وعلى عائلة العطار بأكملها!
رواية فطنة القلب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سلمى خالد
صاحب التلفون دا في المستشفى (...) ومنتظركم تاخدوا.
قالها أحدهم عبر الهاتف إلى مازن الذي اتسعت عينيه ما أن استمع لحديثه. لم يستطع أن يأخذ استفساره بعدما أغلق الآخر الهاتف. سار مازن سريعًا تاركًا الباقية أمام غرفة مريم ينتظرون الطبيب كي يخرج.
لحق به مهران يردف بهدوءٍ:
هل علمت مكان ياسين!
حرك مازن رأسه يندفع نحو السيارة، قائلًا:
أيوة في المستشفى ورايح أشوفه.
تجمدت الدماء بعروق مهران، وشعر بانخلاع قلبه، ولكنه تماسك. يدلف إلى السيارة مع مازن ثم غادر الاثنان بقلقٍ على ياسين. فلم يعلم أحدهم تلك الصدمة التي وقع بها!
غادر الطبيب من غرفة مريم يخبرهم بأن ما بها من صدمة وأنها ستصبح بخير. بقيت قطوف ونهاد جوار مريم في حين غادرت زينة وملك والباقية إلى منزلهم.
قالت قطوف:
روحي ارتاحي يا طنط أنا هفضل مع مريم.
لاحظت الاجهاد الظاهر على ملامح والدة مريم. حركت نهاد رأسها تمسك بكف مريم، تتسرب الدموع من عينيها قلقًا عليها، تردف بحزنٍ:
مقدرش أسيب بنتي.. أنا عايزة أطمن.
نهضت قطوف تحضنها قائلة بحزنٍ على حالها:
متقلقيش أنا هكون قاعدة ولما تفوق هجيبك علطول.. حضرتك لازم تاخدي الدوا.
نظرت إلى قطوف بأعينٍ مدمعة، تردف بصوتٍ محشرج:
الدوا بينيم وأنا مش عايزة أنام.. خايفة تصحى متلقنيش جنبها.
ربتت قطوف على كفها بحنوٍ، تردف بصوتٍ حنون:
متقلقيش يا طنط.. أول لما تفوق هجيلك علطول.. بس مريم مش هتسامح نفسها لو أهملتي في نفسك عشانها.. وأحنا حاليًا عايزين نريحها مش نضغط عليها.
بعد عدة محاولات استطاعت قطوف إقناع نهاد التي تناولت دوائها ثم غفت سريعًا. عادت قطوف إلى غرفة مريم تجلس جوارها على الفراش. زحفت بسمة حزينة إلى شفتيها وهي ترى تلك الدمعة تهبط من عينيها. مدت يدها ثم قالت بصوتٍ هادئ:
عيطي يا مريم.. قومي وعيطي أنا عارفة أنك صاحية.
فتحت مريم حدقتيها تنظر إلى صديقتها بأعينٍ تفيض بالدموع، ثم قالت بأنين:
أنا أول مرة أتوجع أوي كده بعد موت بابا.. ليه ياسين عمل معايا كده!
لم تجد قطوف جوابًا. وضعت مريم وجهها بين راحتي يدها تبكي بشدة. ضمتها قطوف سريعًا تحاول التماسك أمامها، ولكن لم تستطع فقد ذكرتها بتلك اللحظة التي أدركت بها طلاقها من مازن. دفنت مريم وجهها بأحضان صديقتها يرتفع صوت بكاؤها حتى أصبح صراخًا عاليًا متألمًا. حاولت الحديث بعد صراخها العالي، تردف بآلام قاسية:
سمعتهم طفش منها والله أعلم ليه.. أنا اتكسرت أوي يا قطوف.
ضمتها قطوف بقوةٍ، تردف بصوتٍ ثابت:
محدش يقدر يكسرك.
ابتعدت مريم عنها، تنظر لها بأعينٍ سحقها الألم، ثم قالت:
بس في الحقيقة جه اللي كسرني يا قطوف..
أغمضت قطوف عينيها بألمٍ، في حين استرسلت مريم حدثها بصوتٍ يحمل شهقات البكاء:
يوم موت بابا انهرت وكانت أول صدمة بحياتي.. وبعدها صدمة أمي لما عملت حادثة وبقت قعيدة.. والنهاردة ياسين اللي كنت فاهمة إنه عوضي بس ظاهر هو صدمة جديدة مكنتش متوقعاها..
ابتسمت من بين دموعها، ثم قالت بصوتٍ لم تسمعه قطوف من قبل، ولكن أيقنت أن صديقتها تتألم بشدة:
ممكن موت بابا وحادثة أمي يبقوا متوقعين شوية لأن الإنسان معروف نهايته.. بس اللي مش متوقع أن اللي بيحبك يوجعك ويصدمك فيه بأسوأ الطرق.. دي بذات بتوجع أوي.
انفجرت بالبكاء مرة أخرى، تشعر بألمٍ يتخلل صدرها. وضعت يدها على صدرها تردف ببكاءٍ:
قلبي بيوجعني أوي يا قطوف.
ضمتها قطوف مجددًا ولكن تلك المرة تنخرط بالبكاء معها، فهي أيضًا لا تزال تعاني من هروب مازن منها.
قال مازن بقلقٍ بعدما وصل مع مهران إلى المشفى:
ياسين العطار في أوضة كام؟!
لتجيب موظفة الاستقبال:
في أوضة 207.. الدور التالت.
دلف كلًا من مهران ومازن إلى المصعد للوصول إلى الغرفة. وبالفعل توقف المصعد للطابق المنشود، دلف مهران سريعًا قبل مازن الذي كاد أن يدلف ولكن صوتًا أوقفه متجمدًا.
قال أحدهم:
متقلقش معملتش فيه حاجة.. دا كسر في دراعه وشوية كدمات لزوم الواجب يعني.
استدار مازن يتطلع نحو ميرفت بصدمةٍ، في حين ضحكت ميرفت بسخرية تردف بنبرة خبيثة:
هو أنت فاكر أن ممكن حد يبص لابن خالك ويعمل فيه كده.. دا تافه محدش هيبصله..
قبض مازن على يديه بقوةٍ، يردد من بين أسنانه:
ولما هو تافه بتعملي فيه كده ليه!
منحته بسمة متشفية، تردف بصوتٍ يحمل الشر:
مفيش بس محتاجة أكسر غروره دا شوية.. فقررت أكسره في حالتين.. الأولى أكسر حاجة في جسمه وملقتش أنسب من دراعه اللي يتكسر عشان يقف عند حده.. والتاني أكسر نفسه قدام حبيبة قلبه.. وعملت الاتنين وكسرته من كل الجوانب.
لم يتخيل مازن أن شر والدته يمكن أن يصل لهذه الدرجة. نظر لها قليلًا ثم قال بصوتٍ ساخر:
وسبتيه ليه! ما كنت تقتليه بالمرة!
حركت رأسها بنفيٍ، تجيب بتلك البسمة المنتقمة:
تؤ تؤ تؤ أنا أقتل.. بس اللي أحلى من الموت إنك تعذب اللي قدامك.. وخاصةً بأكتر حاجات بيحبها.. سواء بقى بني آدمين أو شغله أي حاجة المهم إنك تكسر فرحته بأكتر حاجة بيعشقها عشان ميقومش بعدها تاني.
اشمئز مازن من تفكيرها، ليردف بصوتٍ مختنق:
أنتِ عايزة تتعالجي.. أنتِ مش طبيعية.
منحته بسمة ساخرة، ثم غادرت من المشفى بأكملها، تهمس وهي ترسم بسمة متشفية لما ستفعله:
أنا مش طبيعية وأنت هتندم.
جلس مهران بالقرب من ابنه يتأمل شكله، يشعر بانفطار قلبه لأجل ابنه. نظر لذراعه المكسور وشعر أن هذا الكسر لم يصل لجسده فقط بل فاق تلك المرحلة.
فتح ياسين عينيه بصعوبةٍ بالغة، يتنظر حوله بوهنٍ، حتى وقع بصره على والده. نظر له بأعينٍ متألم ثم قال:
مريم.. مريم فين!
حاول مهران الحديث بصوتٍ متزن:
بخير يا بني.. اهدأ أولًا وأخبرني ما الذي حدث لك!
حاول ياسين النهوض من مكانه بيدٍ واحدة، يردف بصوتٍ مترجي:
عشان خاطري يا بابا وديني عندها أطمن إنها كويسة وبعدها نحكي في أي حاجة!
قاطع تلك اللحظة دخول مازن الذي صُدم من شكل ياسين، وجهه الملئ بالكدمات، ذراعه المكسور بالفعل، عينيه اللتان تشعان حمرة. نظر ياسين إلى مازن الذي دخل ليردف له برجاءٍ:
وديني أنت يا مازن لمريم أطمن عليها!
ابتلع مازن لعابه، يعلم جيدًا أن حالة مريم لن تسمح لها بأن تتحدث مع ياسين. حاول الرفض ولكن نهض ياسين من الفراش مرددًا:
يلا بينا.
أمسك مهران ذراع ابنه يردف بصوتٍ هادئ:
عليك بالتأني يا بني.
نظر له ياسين بشكٍ، ثم قال وهو يحاول الاستدارة له فما لم يروه أن هناك كدمات بجسده أيضًا:
ليه بتقول كده! مريم مالها!
قال مازن بتوترٍ:
أغمى عليها لما مجتش!
لينظر ياسين بغضبٍ نحو مازن يهدر بعصبيةٍ:
ما تقولولي فيه إيه!
حاول مازن التماسك قبل أن يردف بصوتٍ مختنق:
بوكيه الورد اللي اخترته سوا اتبعت امبارح معاه رسالة بتقول إنك مش هتقدر تكمل معاها تاني.
نظر له ياسين بصدمةٍ، في حين استرسل مازن حديثه مرددًا:
ووقتها الناس اتكلموا إنك طفشت من عروستك والله أعلم السبب وهي أغمى عليها لما سمعت الكلام دا.
شُل عقل ياسين من الصدمة، يحاول استيعاب ما يحدث له، فجأة انقلبت حياته رأسًا على عقب. نظر نحو والده يردد بنفيٍ:
أنتم مش مصدقين اللي حصل.. أنا اتخطفت وخدوني شقة وضربوني فيها جامد لحد ما أغمى عليا.. أنا ملحقتش أقول لحد يلحقني حتى.. الورد وقع مني ومخدتهوش أصلًا.
ربت مهران على كتف ابنه، يردد بصوتٍ حزين:
أهدأ يا بُني.
نظر له ياسين بألمٍ ثم قال:
طب ودوني عندها يمكن لما تشوف شكلي تعرف أن اللي حصل كان مدبر لينا.
حاول مازن الرفض ولكن تمتم ياسين برجاءٍ متألم:
عشان خاطري ريحوني.
تنهد كلاهما ثم غادروا إلى منزل مريم يشعران بتوترٍ لما يحدث.
وصل مهران وياسين ومازن لمنزل مريم، صعد كلاهما إلى الشقة. وما أن فتح العزيزي الباب حتى صُدم من شكل ياسين، ليردف بصدمة:
إيه اللي حصلك!
نظر له ياسين برجاءٍ متمتمًا:
اروجك وديني أشوف مريم.. أنا مبعتش حاجة.. حضرتك شايف شكلي عامل إزاي!
عجز لسان العزيزي عن الحديث، فشكل ياسين ليس بسهل تقبله. في حين تحدث مهران بصوتٍ هادئ:
أتمنى أن تقبل طلب ابني.
بقى العزيزي يتطلع لهما حتى أفسح المجال لهما كي يدلفوا. وبالفعل دلفوا سويًا حتى بقى في الردهة. تحدث العزيزي بضيقٍ:
هو إيه اللي حصلك خلاك كده!
ابتلع ياسين لعابه، يجيبه بصوتٍ مختنق:
ناس اتكتروا عليا عملوا فيا كده.
قال العزيزي:
والرسالة بتاعت..
قاطع ياسين حديث العزيزي يردد بصوتٍ متألم:
والله ما بعتها ولا أعرف أن في رسالة اتبعتت.. أنا اتفاجأت بيها لما مازن حكى ليا.
صمت العزيزي قليلًا، في حين استكمل ياسين حديث قائلًا:
أنا عمري في حياتي ما اتمنيت واحدة غير زي مريم.. وجيت النهاردة عشان أشوفها وأطمن عليها رغم أن حالتي الصحية وحشة.. أنا لو مش عايز أجي الخطوبة فعلًا مش هاجي دلوقتي أطمن عليها.
تنهد العزيزي قليلًا، ثم كاد أن يتحدث ولكن رأى ياسين ينهض بصعوبة ينظر خلفه، استدار ليرى من ليجدها مريم تقف بأعين أغرقتها الدموع تردف بألمٍ:
أنت إيه اللي جابك! أنا مش عايزة أشوفك تاني!
حاول ياسين الحديث متمتمًا بحزنٍ:
صدقيني أنا عمري ما أذيتك.. اللي حصل امبارح غصب عني وعنك.. أنتِ شايفة شكلي عامل إزاي.
ازدادت دموع مريم، تردف بألمٍ:
أنتَ أكبر قرار غلط خدته في حياتي.. سبني في حالي يا ياسين.
نظر لها بصدمةٍ مما تتفوه به، ليحاول مازن تبرير ما حدث قائلًا:
يا مريم ياسين ملهوش ذنب في اللي حصل!
صرخت به قائلة بألمٍ:
وأنا مليش ذنب.. أنا واحدة يوم خطوبتها اللي هو أهم يوم في حياة أي بنت خطيبها سابها واتبعتت رسالة بيقول فيها أنه مش قادر يكمل.. عايزين مني إيه... أنا سمعتهم بوداني بيقولوا طفش مني.. أكتر يوم مهم في حياتي خليتهم أكبر صدمة في حياتي.
صمت الجميع ولم يستطيعوا التحدث، ليستند ياسين على مازن بيده السليمة، يردف بألمٍ:
أنتِ كده بتخسري يا مريم.. واللي بيخسر بيندم.
نظرت له بأعينٍ لاتزال تتسرب الدموع منها، ثم قالت:
أنا ندمانة من البداية.
تألم ياسين من حديثها، ليردف باختناق:
يلا يا مازن.
سار مازن ومهران الذي اتخذ حاجز الصمت، إلى خارج المنزل، في حين نظر العزيزي بعتابٍ إلى مريم التي رأت نظراته لها لتنطلق إلى غرفتها مع صديقتها.
وقف أمام والدته التي تذرف الدموع، تجلس بالردهة مع البقية. تقدم نحوها يجثو على ركبتيه يردد بحنوٍ:
بتبكي ليه يا أمي كلهم بخير وياسين زمانه جاي.
نظرت له بحزنٍ، ثم قالت محاولة إزالة دموعها:
غصب عني يابني زعلانة على حال ابني اللي في يوم وليلة اتغير وبدل ما كنت هفرح بيه ببكي من اللي حصله.
ربت زين على يديها بحنوٍ، يردف بصوتٍ حنون:
ياسين قوي ومش هيسمح لحاجة تانية تحصل.. تعالي يلا اطلعك تغيري هدومك عشان تستقبلي ياسين.. لو شافك كده مش هيستحمل وأحنا اللي المفروض ندعمه.
نظرت لعيني زين وهي تعلم صحة حديثه، لتصعد إلى الأعلى برفقة ملك، في حين تبقت ياسمين إلى جوار ورد التي غفت بأحضانها. تقدم منها زين يردد بهدوءٍ:
هاتيها عشان متتعبيش.
ابتسمت ياسمين متطلعة نحوها، تردف وهي تمسح على خصلات شعرها:
عمرها ما تعبتني.. سيبها دا هي أحلى حاجة في حياتي.
صمت زين قليلًا ثم قال بصوتٍ حزين، يتأمل صغيرته بألمٍ:
مامتها توفت بسبب شغلي.. كانت جاية تزورني في المكتب بتاعي.. وكان عندي عميل بس للأسف العميل دا كان شايل سلاح وأنا معرفش ومحطتش حساب إني أأمن نفسي، وحصل غلطة في الكلام بيني وبينه وضغط عليه فرفع المسدس عليا ومراتي اتخضت من الصوت ودخلت عليا المكتب ووقتها هو شافها وراح ضرب عليها نار.. ماتت قبل ما بنتنا تكمل سنة ومن وقتها سبت شغلي وقررت أرجع القاهرة اشتغل مع والدي في الأرض وأربي بنتي.
شعرت ياسمين بالآسى نحوه، تتأمل ورد فهي بسن يحتاج إلى الأم بشدة، ولكن داهمها شعور غريب، رغبة في السؤال، لم تستطع التحكم برغبتها لتردف بسؤال:
هو أنت اتجوزتها عن حب!
تفاجأ زين بالسؤال، في حين تلون وجه ياسمين بخجلٍ. ابتسم زين وعلم أن بداخلها شيئًا له، فأجاب بهدوءٍ:
كنا متفاهمين جدًا.. وكانت بتفهمني بدون ما أتكلم.. عارفة لما بكون مخنوق امتى وازاي تخرجني من خنقتي.. كانت ونعمة الزوجة... اتجوزتها لأن لازم بعد ما أخلص جامعة اتجوز وهي كانت محترمة جدًا اتعرفت عليها ولما لقينا نفسنا متفاهمين أخدنا قرار الجواز.
لم يعلم بأن حديثه عنها يؤلمها. عادت بنظرها لورد، ولكن أكمل زين حديثه بحنوٍ:
بس حاليًا عايز أتزوج عن حب.. لكن الباب مقفول وقاعد مستني يفتح.
ابتلعت ياسمين لعابها، في حين ابتسم زين لها ثم استرسل:
عجبتك الهدية.
حاولت كبح بسمتها ولكن لم تستطع، لتجيبه بصوتٍ خجول:
آه.. شكرًا.. بس جبتها ليه!
أجابها بحبٍ:
اللي بيحب حد مش هيستنى مناسبة عشان يجيب هدية.
توردت وجنتيها بخجلٍ، في حين قرر زين تركها كي لا يزداد خجلها أكثر مرددًا:
هخرج أشوف ياسين ومازن هيجوا امتى.
وصل ياسين إلى المنزل بصحبة والده ومازن استقبلهم زين بقلقٍ ما أن رأى ملامح ياسين المختفية من الكدمات. صعد ياسين إلى غرفته بعدما تلقى السلامات من والدته وياسمين وملك، ثم أغلق على ذاته دون أن يتحدث بكلمة.
عادت قطوف إلى المنزل، ثم عادت تجلس إلى جوار والدها لعلها تشعر بالأمان، تتذكر تلك الليلة بألم. نظرت إلى والدها ثم عزمت على أن تسير بطريق علاجه وبالفعل اتصلت بأحد الأطباء وأخبرها بأن تأتي به بعد خمسة أيام كي يراه ويبدأ معه بالفحوصات.
جلس مهران بالحديقة يتأمل القمر، يشعر باختناق شديد مما يحدث مع ابنه ولكن يعلم أنه اختبار من الله. ظل يردد بصوتٍ هادئ (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا). شعر بوجود أحد خلفه، استدار لينظر إلى من يقف خلفه فوجده ياسين. تأمل شكله الحزين، لأول مرة يرى ابنه بهذا الشكل، انفطر قلبه بشدة، تمنى أن يعود كما كان سابقًا يفعل ما يحلو له ولكن لا ينطفئ بهذا الشكل.
نظر ياسين بضعف إلى والده ثم قال بنبرةٍ مهتزة:
ممكن تحضني.. محتاج حضنك أوي.
حاول مهران التماسك أمام، الآن يعترف أنه يريد الصراخ، لا يستطيع رؤية صغيره هكذا. تقدم نحوه يفتح ذراعيه يضمه بحنوٍ، في حين اختبأ ياسين بداخل والده، يشعر برغبته في البكاء، وبالفعل تسربت الدموع من عينيه، يهتف بصوتٍ مختنق:
أنا تعبان أوي ومكسور من جوا ومن برة.
أغمض عينيه بألمٍ، ثم قال بصوتٍ حنون يحاول تخفيف ما به:
أنت باختبار يا بني.. ولكن لا تظن إنك بالفعل مكسور.. هل تظن والدك سيسمح بذلك.. أنت أخر ابنائي وصغيري.. لا تحزن سوف يعوضك الله بعدها.
هتف ياسين بتعبٍ جالي وهو يتطلع لعيني والده:
ادعيلي يا بابا.. محتاج تدعيلي أوي.
دعا له مهران يربت على ظهره بحنوٍ:
اللهم أروي قلبك بحلاوة العوض.. وسعادة النفس.. وراحة العقل والبال.
أمن خلفه ياسين ثم مسح وجهه من تلك الدموع وبقى صامتًا، يحاول الصمود ولكن ما حدث معه لابد من أن يعالج وإلا سيتدمر تمامًا.
صباحًا.. انطلق مازن إلى منزل مريم، بعدما بقى ثلاثة ليالٍ بعيدًا يعطيها فرصة كي تهدأ. وقف أسفل العمارة يأخذ نفسًا عميقًا، فأيضًا سيرى محبوبته. صعد الدرج حتى وصل إلى الشقة ثم طرق الباب ووجد العزيزي يقف أمامه. حمحم مازن يردد:
معلش إني جيت بدون ما أقول.. بس محتاج أتكلم مع حضرتك ومع مريم.
نظر له العزيزي قليلًا ثم أفسح له المجال، في حين دلف مازن إلى الشقة يجلس بالردهة. تحدث مازن قائلًا بجدية:
أنا مقدر الحالة اللي كل فيها.. بس قبل أي شيء تخيل يا عمي لو في يوم صحيت عشان بنتك تتجوز وتتخطف في يوم جوازها ويتبعت رسالة إنها هربت من الفرح ومش هتكمل وتطلع بالنهاية مخطوفة وقتها حضرتك هتحس بأيه.
صمت العزيزي ولم يجيب، بالفعل الوضع صعب ولا يستطيع التصرف. علم مازن أنه أصاب في حديثه ليردف بعدها بتريث:
الإحساس دا هو نفسه اللي عمي مهران عايشه.. وياسين ابن خالي عايشه.. ياسين تعب جدًا عشان يتقدم ليها.. وحاليًا بقى منعزل عن الكل سبب اللي حصل.
تنهد العزيزي قليلًا ثم قال بهدوءٍ:
للأسف يابني القرار في إيدي.. كله في إيد مريم وهي حالتها حاليًا مش هتسمح بكده.. الأفضل تسبها مدة ترتاح وتقدر تخرج من الشقة.
تأمل مازن حديثه، ثم حرك رأسه بإيجابية نهض كي يغادر ولكن أوقفه العزيزي مرددًا بإصرار:
خليك قاعد تاخد واجب وتشرب شاي.
حاول مازن الرفض ولكن أوقفه العزيزي بإصرار، ثم نهض كي يرى من سيعده. في حين خرجت قطوف من غرفة مريم ولكنها تفاجأت بوجود مازن. تأملها مازن بحبٍ، في حين أبعدت قطوف نظراتها عنه. أتى العزيزي بالشاي، ولكن ارتفع صوت قطوف مرددة:
هستأذن أنا عشان أروح.
كادت أن تسير ولكن أوقفها صوت مازن يردد بمكرٍ:
استنى شوية عشان أوصلك معايا.
نظرت له بحدةٍ، في حين أكد العزيزي حديثه قائلًا:
خليكي يا بنتي يوصلك طالما هتروحوا.
حاولت قطوف أن تفلت منه، لتردف بصوتٍ يحمل تحدي:
أصل هروح أشتري شوية حاجات وهلف كتير.
قال مازن ببرودٍ يحتسي الشاي:
وماله أنا كمان محتاج أخرج وأشتري حاجات هاجي معاكي.
نظر له قطوف بغيظٍ، تتمتم بصوتٍ يحمل الغيظ:
هشتري حاجات خاصة مش عايزة حد يعرفها أو يشوفها.
ابتسم مازن باستفزاز، يحتسى آخر ما في القدح ثم قال وهو ينهض:
متقلقيش أنا مش هروح أختار معاكي هوصلك بس.
نظر مازن للعزيزي الذي يتابع حديثهما بتعجبٍ، مرددًا بامتنان:
شكرًا على الشاي كان جميل.. يلا يا قطوف.
وبالفعل انطلق الأثنان إلى السيارة بالأسفل واتجه مازن نحو طريق المنزل، لتردف قطوف بغيظٍ:
هو أنا مش قولت هروح أتسوق.
أجابها بهدوءٍ يركز بصره على القيادة:
قولتي كده عشان متجيش معايا في العربية.
رفعت قطوف حاجبها تردد بغضب:
يعني عارف إني مش عايزة أجي معاك!
أجابه بهدوءٍ استفزّه:
آه عارف.
اتسعت عين قطوف بغيظٍ منه، ثم قالت بصوتٍ متهكم تشيح بوجهها بعيدًا:
ما دا المتوقع منك.
ساد الصمت بينهما حتى أردف مازن بذات النبرة التي بدأ بها الحديث:
صاحبتك عاملة إيه!
ابتسمت بسخرية قبل أن تجيب:
هتكون إزاي غير واحدة منهارة.. ظاهر أن رجالة العطار بقوا زي الصبار اللي بيقرب منهم بيتجرح أوي ويتأذى.
علم مازن ما ترمي له، وكاد أن يدافع عن نفسه ولكن لم يرغب بالحديث حتى يتأكد من حمايتها أولًا ثم حديثه معها، فمن لا يزال يتألم لا يزال يعشق.
وقفت ياسمين بالحديقة تتأمل الزرع، تفكر بحديث زين عن ورد، وصراحته معاها. ثم تذكرت حديث ملك.
قالت ملك بهدوءٍ:
زين مش بيحب يجيب سيرة مراته الله يرحمها خالص.. يعني من ساعة موتها محدش يقدر يفتح الموضوع واللي بيفتح الموضوع معاه بيتعصب جامد وبيسيب البيت.
حركت ياسمين رأسها بإيجابية بعدما نالت على إجابة لسؤالها عن عدم ذكر اسم زوجة زين المتوفية.
تنهدت قليلًا وشعرت بمدى صدق زين في مشاعره اتجاهه، ولكن تجمد جسدها فجأة وهي تشعر بوجود أحد خلفها أنفاسه قريبة للغاية. استدارت ببطءٍ لترى من ثم جحظت عينيها بصدمةٍ ما أن رأت أن جمال هو من يقف خلفها. تقدم منها جمال كي يلامس وجهها بكفه قائلًا باشتياق:
وحشتني أوي.
تراجعت ياسمين برعبٍ منه، في حين ردد جمال بصوتٍ حنون غريب:
أنتِ خايفة ليه.. متخفيش مني أنا بحبك يا ياسمين بحبك بجنون وعمري ما هفكر أأذيكِ بس وافقي نتجوز.
تجمعت الدموع بحدقتيها، تشعر برعبٍ شديد، تفكر في كيفية الهرب منه، في حين عاد جمال يردد:
أنتِ مش بتردي ليه!
وصلت ياسمين لنهاية الحديقة، لتصطدم بهذا الحائط الخشبي، تردف محركة رأسها بنفيٍ:
ابعد عني ارجوك.
تحولت عيناه لشرسة قاسية، يردف بنبرة مخيفة:
لو آخر نفس فيا مش هسيبك.. حتى لو وصل الموضوع إني أقتل كل أهلك مقابل إنك تفضلي معايا.
تحولت عيني ياسمين لصدمة، تتجمد الدموع بعينيها، تحاول استيعاب ما يتفوه به، في حين وصلت سيارة مازن إلى المنزل، فأسرع جمال بالهرب يلقي كلمته الأخيرة:
المرة الجاية يا جوازك.. يا جنازة حد من عيلتك.
اختفى جمال سريعًا، في حين دلفت قطوف دون أن تلاحظ شقيقتها التي كانت تختبئ خلف شجرة، ثم دلف مازن أيضًا وبقيت ياسمين ترتجف بشدة من كلمات جمال، لم يشعر أحدهم بوجود ميرفت التي ابتسمت بمكرٍ تردد:
أهلًا بيك معايا.. وكده هخلي حبيبة القلب يا مازن مريضة نفسيًا.. ومعاد انتقامي خلاص قرب.
ألقت نظرة أخيرة ثم غادرت تفكر بخطةٍ ما تستعد لتنفيذها اليوم، تعلم أن قطوف ستغادر مع والدها كي يبدأ العلاج له.
وصلت قطوف إلى المشفى مع والدها ومازن الذي أصر على توصيلها، ثم صعد سويًا إلى الطابق المطلوب وما أن وصلا حتى ارتفع صوت رنين هاتف مازن، رفع هاتفه يجيب بهدوءٍ:
أيوه يا محمود.. ضروري اجي.. تمام اديني ساعة أكون عندك.
أغلق الهاتف ثم نظر إلى قطوف التي رددت بسخطٍ:
روح لشغلك أنا هخلص معاه وأجي.
لم يحبذا تلك الطريقة ولكنه اضطر للمغادرة بعدما أخبره محمود بأهمية العميل القادم له.
وقفت قطوف بالقسم الخاص بمخ وأعصاب وجلست إلى جوار والدها تنتظر دورها، ثم انطلقت إلى الممرضة الموجودة تسألها عن دورها ولكنها تفاجأت بوجود بعض الأوراق لابد ملأ بياناتها. بدأت بملأ الاستمارة ثم أعطتها للفتاة تردف بصوتٍ هادئ:
كده خلاص في أوراق تانية؟!
حركت الفتاة رأسها بإيجابية قائلة:
هتمضي معلش هنا إقرار منك إنك مسؤولة عن حالة والدك.
حركت قطوف رأسها ثم قامت بإمضاء على الورقة سريعًا، وما أن انتهت حتى أخبرتها الممرضة بإمكانيتها للدلوف. وبالفعل دلفت قطوف مع والدها إلى الطبيب.
طلب الطبيب من قطوف الخروج بشكلٍ مؤقت كي يكمل فحوصاته، وبالفعل خرجت قطوف ولكنها وجدت هذا القسم فارغ ولا توجد به ممرضة بالخارج. دقائق وشعرت بأحد يضع منديل به مخدر على فمها يمنعها من الصراخ. حاولت أن تبعد يده ولكن لم تستطع فما كانت سوى دقائق حتى سقطت مغشيًا عليها.
رواية فطنة القلب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سلمى خالد
زحف ألم صغير إلى رقبتها، فأزعج منامها. فتحت عينيها ببطءٍ من هذا الضوء المسلط على بصرها، تنظر حولها بتعجبٍ. ثم انتفضت فجأة وهي ترى نفسها بالمشفى. نظرت حولها لتجد الممرضة مكانها تجلس ولا يوجد أحد. تقدمت منها تسألها ببعض الصدمة:
_ هو أنا نمت؟
نظرت لها الممرضة بتعجب، ثم أجابتها:
_ نمتي من نص ساعة كده أو ساعة مش فاكرة، وباباكي جوا بيكمل العلاج والأشعة بتاعته.
حركت قطوف رأسها بإيجابية، ولكن تشعر بوجود خطبًا ما. هي تتذكر أنها ما أن غادرت كان هناك أحد خلفها ووضع المنديل على أنفها. ولكن هي الآن بالمشفى مع والدها. هل كانت تحلم بهذا؟
انتهى والدها من الفحوصات، وعادت قطوف إلى الطبيب مجددًا تتسأل عن حالته، ليجيبها بهدوءٍ:
_ هو بشكل مبدئي في مادة دخلت لجسم الأستاذ محمد سببت الشلل في جسمه كله ما عدا رجليه، لأن رجليه من أثر السكر. بس التحاليل هتطلع ونتأكد بنسبة 100% أنه فعلًا شلل السكر موصلش للإيدين.. ونعرف نوع المادة اللي سببت الشلل ونبدأ علاج معاه، وبإذن الله هيرجع زي أحسن.
علت الصدمة وجه قطوف، تتطلع نحو والدها الذي يتمنى التحدث ليخبرهم بالحقيقة. نهضت قطوف تسير بوالدها إلى الخارج، مرددة بهدوءٍ:
_ شكرًا يا دكتور.
سارت مع والدها لخارج المشفى، تشعر بتلقي صدمات كثيرة. تنهدت باختناق وهي تحرك المقعد تسير به بالشارع. ترددت باختناق:
_ مخنوقة أوي يا بابا وعايزة أحكي معاك.
اهتز جسد محمد على المقعد دليلًا على موافقته. لتتوقف قطوف عن الحركة، تجلس على مقعد قريب من المشفى، وإلى جوارها والدها. ترددت بحيرة تضرب رأسها:
_ أنا حلمت أو حصل معايا مش عارفة، أن بعد ما خرجت من عندك في واحد كتم نفسي بمنديل وأغمى عليا، بس مش عارفة هل أن فعلًا حصل كده ولا لأ.. أنا صحيت لقيتني نايمة على الكرسي عادي والممرضة قاعدة وسألتها قالتلي إني غفلت مكاني.
نظر لها محمد بتعجبٍ، في حين وضعت قطوف رأسها بين راحتي يدها تتمتم باختناق أشد:
_ ودلوقتي الدكتور بيقول أن في حد حقن جسمك بمادة سببت الشلل الكلي دا! نفسي أعرف مين عمل فيك كده عشان آكله بسناني.
تحرك جسد محمد بتشنجات شديدة، أثارت خوف قطوف لتسرع بتهدأته بمسح على وجهه ويديه قائلة:
_ اهدى يا بابا أنا آسفة.. اهدى خلاص أنت معانا دلوقتي ووسطنا ودي أهم حاجة.
هدأت تشنجاته شيئًا فشيئًا، في حين شعرت قطوف بمدى معاناة والدها بتلك الفترة التي ابتعد عنهم بها. وقررت العودة إلى المنزل، ولكن لا يزال عقلها مشغول بما حلمت به!
وصل مازن إلى معرض السيارات، وصعد سريعًا إلى مكتبه ليجد محمود بانتظاره، يردد بأسف:
_ للأسف العميل متحملش الانتظار ومشي يا أستاذ مازن.
نظر مازن بغضب، يردد بصوتٍ حانق:
_ هو مش قادر يصبر.. العربية عطلت بيا في الشارع واضطريت آجي بالتاكسي.
شعر محمود بالأسف عليه، ليردف محاولًا امتصاص غضبه:
_ اهدى يا أستاذ مازن.. حضرتك عارف العملا بتوعنا بيبقى في منهم اللي واخد في وشه وعايز يمشي.
_ استغفر الله العظيم.. اطلبلي قهوة يا محمود خلي دماغ الواحد تروق.
قالها مازن باقتضاب وهو يدلف لمكتبه، في حين طلب محمود القهوة ثم دلف إلى المكتب ليجد مازن يتطلع للهاتف بأعينٍ يملأها الحزن. ردد ببسمة:
_ طب ردها وارجعوا لبعض مادام بتحبوا بعض كده!
لم يرفع مازن بصره عن الصورة، بل أجابه وهو يكبر الصورة عليها:
_ لو في إيدي أرجع كل حاجة زي ما كانت كنت عملتها يا محمود.. بس للأسف نصيبنا نعدي بالمحنة دي.. يا أما نخرج منها سوا يا أما كل واحد لوحده.
شعر محمود بمدى معاناته، ليردف بحزنٍ:
_ هي والدتك السبب!
نظر له مازن مضيقًا عينيه، في حين برر محمود سريعًا:
_ أنا عارف إنها مش بتحب قطوف وعشان كده..
_ مدام قطوف يا محمود.
قاطعه مازن بنبرة تحمل الغيرة، في حين كبح محمود بسمته يردف بهدوءٍ:
_ مدام قطوف.
نظر مازن للهاتف مجددًا، يجيب بغصة:
_ آه هي السبب في كل حياتي اللي اتدمرت.. بتستغل إني مش هقدر آذيها.. وفي نفس الوقت مش قادر أقول لقطوف عشان عارف رد فعلها وإن أنا لو مخدتش رد فعل ناحية ميرفت هانم هي هتزعل.. أنا زي بالظبط اللي اتخبط على دماغه وبياخد قرارات غلط في وقت غلط.
أتى العامل بالقهوة ووضعها على المكتب، وما أن غادر حتى قال محمود:
_ متقلقش يا أستاذ مازن، كله هيعدي صدقني وحياتكم هترجع أحسن من الأول.
طرقت باب الغرفة تنتظر أن يخرج ابنها، وبعد دقائق وجدته يخرج يتطلع لها بقلقٍ من ملامحها الغريبة، متمتمًا:
_ في إيه يا أمي! أنتِ كويسة؟!
حركت رأسها بإيجابية، تجيبه بأعين تغرقها الدموع:
_ عشان خاطري يا زين ادخل لياسين، دا بقاله كام يوم مش بيشوف الشمس ولا حتى عايز ياكل.. روح قوله كلمتين يبردوا ناره.
تأملها زين قليلًا وشعر بالذنب من تقصيره نحو شقيقه. حرك رأسه يغلق الباب خلفه ثم انطلق نحو غرفة نومهم التي يجتمعون بها. طرق الباب ولم يجد جواب كما توقع، لذا نظر لوالدته ثم قال:
_ اللي هقول عليه حاولي تتماشي معايا فيه، وكمان ملك هاتيها وياسمين وورد وخليهم يجاروني في الكلام، فاهمني.
أومأت زينة بإيجابية متلهفة، في حين دلف زين إلى غرفة ياسين، فكانت مظلمة بشدة. يجلس على الفراش بيأسٍ لم يراه من قبل به. سار نحو النافذة كي يفتحها ثم أشعل الضوء ونظر لشقيقه الذي لم يتحرك حتى، ليردف ببسمةٍ صغيرة:
_ بقالك كام يوم مش بتسأل، قولت آجي أنا وأشوف حرامي الفراخ بتاعنا عامل إيه!
ابتسم ياسين بحزنٍ ثم قال:
_ الحمدلله.
تنهد زين من رد ياسين وعلم أنه بمرحلة الكآبة ولا بد من اللاحق به كي لا يصل إلى الاكتئاب. نظر له بجدية ثم قال بصوتٍ مشجع:
_ ياسين اللي أنت فيه هيعدي.. وهتتجوز اللي بتحبها متقلقش.
نظر له بأعين تتألم، يردف بصوتٍ مختنق:
_ هتتجوزني وهي ندمانة أنها عرفتني.
ربت زين على كتفه يردف بحنوٍ:
_ يا ياسين قدر موقفها.. دي كانت بتحلم باليوم أوي وفجأة كل أحلامها اتدمرت.. هو مش بإيدك بس هي كمان مش بإيدها، فلزمًا نديها وقتها عشان تقدر ترجعها.
نظر له بيأسٍ، يشعر بأن ما يقوله شقيقه مستحيل، ليردف بيأس:
_ وافرض قفلت الصفحة بتاعتي وقررت تبدأ حياتي بعيد عني أرجعها إزاي؟!
ابتسم زين قليلًا ثم قال برضا عما يفكر به:
_ لو بتحبك بجد صدقني صعب تحط نفسها مع حد غيرك.. وأنا بقولك أهو مريم مش الشخصية اللي تحط نفسها في حاجة تضيعها.
أمسك زين كفه يردف بتشجيع:
_ تعالى.
أخذه زين إلى خارج الغرفة يهبطان إلى الردهة، فوجد ياسمين وملك وزينة يتحدثان معًا. تمتم زين بكلماتٍ كانت نسمة هواء عليلة تحضن قلبه بحب:
_ كلهم قاعدين ومسافروش ورجعوا البلد عشان مستنين رجوعك لمريم وتتجوزوا.. كلنا عارفين إنك مش هتستسلم وتضيع حياة جديدة من إيدك بسبب لحظة واحدة صعبة هتعدي..
نظر زين إلى والدته التي تمتمت بحبٍ له:
_ يا حبيبي لو نصيبك فيها هتاخدها، اسعى بس وأحنا كلنا في ضهرك.
تدخلت ملك تأكد حديثها بقول:
_ ومش هنسيبك وهنساعدك عشان كمان ترجع علاقتكم أحسن من الأول.
أكدت ياسمين حديثهم متمتمة:
_ متقلقش يا ياسين، أنا عارفة مريم على قد كده هي قلبها أبيض وهتنسى، بس اتمسك بيها وأوعى تسيبها.. كل ما هتحسسها إنك فعلًا عايزها ومش هتستلم، كل ما هتخليها ترجعلك، هي مسألة وقت.
شعر ياسين بقوة دعمهم، وأن جميعهم يريدون هذا الزيج. ركضت ورد نحو ياسين تردف وهي ترفع رأسها لفرق الطول:
_ عمو أنا هقول لطنط مريم أنت بتحبها قد إيه واخليها تيجي تطلب إيدك.
ضحك ياسين بشدة على حديثها، ثم انحنى يحملها بحبٍ مقبلًا إياها، ثم قال:
_ هتخليها تطلب إيدي إزاي يا وردتي.
نظرت له الصغيرة بتفكير ثم قالت:
_ هقولها إنك بتحبها كتير قد البحر كله وإنك بتعيط وعايز تيجي تتجوزك.
علق ياسين بضحك انخرط مع ضحك الجميع عليها:
_ كده هتفضحي عمك يا حبيبتي مش هتجوزيه.
ابتسمت الصغيرة بعدم فهم، في حين نظر لهم ياسين بامتنان يردف بصوتٍ عاد له الدفء:
_ ربنا ما يحرمني منكم أبدًا.
وصلت قطوف إلى المنزل وأدخلت والدها إلى غرفته كي ينام من إرهاق هذا الطريق. في حين كادت قطوف أن تصعد إلى غرفتها ولكن وجدت الباب يدق. تنهدت بتعبٍ ثم سارت إلى الباب حتى فتحته لتجد أحد يمسك بحقيبة مرددًا:
_ الأوردر دا حضرتك طلبتيه من 3 أسابيع وحسابه مدفوع، اتفضلي.
قطبت قطوف جبينها بتعجب وأمسكت بالحقيبة ثم أغلقت الباب وسارت إلى غرفتها تنظر ما موجود بالحقيبة حتى تذكرت هذا الألبوم الذي صنعته لتوثق تلك اللحظات السعيدة مع مازن به. ابتسمت بألمٍ ثم نظرت له ولتلك الكلمات التي كتبتها. شعرت بأنين يرتفع صوته بداخلها. جلست على الفراش تتطلع لما بداخل الألبوم ببسمة تحولت لاشتياق، تتأمل ملامح مازن بقلبٍ مكلوم من الألم. أغلقت الألبوم ووضعته بالحقيبة مجددًا تتطلع للسماء واضعة يدها على صدرها قائلة:
_ يارب ريح قلبي من التعب اللي هو فيه.
قررت أن تهبط إلى الحديقة كي تداعب زهورها، وبالفعل هبطت من الغرفة تسير نحو الحديقة. أوقفتها ملك مرددة:
_ أنتِ خارجة تاني يا قطوف؟
استدارت قطوف تجيبها ببسمة باهته وهي تراها تتحدث مع شقيقتها وزينة:
_ لا مش خارجة، أنا بس هشوف الورد بتاعي.
حركت ملك رأسها بإيجابية، في حين غادرت قطوف نحو الحديقة تتطلع إلى زهورها بحزنٍ، حتى أتاها صوت تبغضه:
_ دا كان أكتر مشهد نفسي أشوفه... إنك تكوني مكسورة.
استدارت قطوف تنظر إلى ميرفت التي تبتسم بتشفي، ثم قالت بغيظٍ:
_ أنا محدش كسرني.
ضحكت ميرفت بصوتٍ جعل ثقة قطوف تهتز. نهضت ميرفت تقترب منها ثم قالت وهي تقرب أذنها لقلبها:
_ بجد أمال صوت الكسر والوجع دا بسمعه من قلبك ليه؟!
لأول مرة تصمت قطوف بألمٍ حقيقي أمام ميرفت، في حين أكملت ميرفت وهي ترفع يدها تدفع قطوف إلى الخلف بخفة قائلة بنبرة قاسية لا تحمل معنى الرحمة:
_ أحلى حاجة مازن عملها فيكي أنه كسرك وبقيتي ضعيفة.. بس أقولك على حاجة هو كسرك أحلى كسرة عارفة ليه عشان استنى لما اتعلقتي بيه وبقى أهم حد في حياتك وبعدها رماكي على طول.. بس يا ترى بقى كنت نزوة في حياته ورماكي زي ما رمى بنات كتير في حياته... أنا بقول كان بيجرب نوع جديد في حياته..
امتلت عين قطوف بدموع، أصبحت غير قادرة على الرد. نعم تشعر بجرحها الذي لم يبرأ، روحها التي تحترق من الألم، ولكن لم يضغط أحدهم عليها بهذا الحديث من قبل. ابتسمت ميرفت وهي ترى دموعها تهبط ثم مدت أناملها لتسقط أحد دموعها على إبهامها. أغمضت عينيها بتلذذ قائلة:
_ دي أحلى حاجة شوفتها.. دموع.. لأ ومش أي دموع دي دموع كسرة قلبك.. ياااه كنت بحلم أكسر مناخيرك دي وحققت أمنيتي و...
صرخت قطوف بها واضعة يدها على أذنها قائلة:
_ بس كفاية.. ارحميني بقى من كلامك.
ابتسمت ميرفت بتشفي ثم مدت ذراعيها تدفع قطوف حتى سقطت أرضًا تتأوه بشدة وسط بكاؤها. هي في أكثر لحظات هشاشة، والآن انتصرت عليها. أردفت بنبرة منتقمة:
_ بس إيه.. مش عايزة تسمعي حقيقة إنك مطلقة.. إن حبيبك رماكي وسابك.. إنه طلقك بأهم وقت بحياتك... مش عايزة تتأكدي من حقيقة إنك كنت نزوة رخيصة في حياته...
اقتربت من أذنها تهمس بصوتٍ فحيح:
_ مش عايزة تعترفي إنك بقيتي مريضة نفسيًا بسببه وبقيتي أضعف مخلوق في الكون.. وإن مازن حبيب القلب قتل كل الحلو اللي جواكي.. وإن لو جتلك فرصة ترجعوا لبعض هترجعي بدون كرامتك عشان بس تخففي وجع قلبك ومش هيخف...
تراجعت تنظر لجسدها المرتجف، عينيه اللتان تتآكلا من الألم، وجهها المشع بالحمرة من أثر بكاؤها الذي يزداد من حديثها. أكملت وهي تتطلع لعينيه بقوة وكأنها تخبره بكلا اللغتين الجسد والكلام:
_ أنتِ دلوقتي ضعيفة وهتبقي منبوذة عارفة ليه لأن اللي بتحبيه مش طايق وجودك بحياته والأكيد أن مفيش مخلوق هيقبل بوجودك زيه.. ولو قبل هيكسرك زي ما مازن عمل.
نهضت ميرفت وهي تشعر بلذة الانتقام، في حين نهضت قطوف بصعوبةٍ بالغة، تحاول الاستقامة مما سمعته، تسير بعيدًا عن ميرفت، تلف ذراعيها حولها، صعدت لغرفتها سريعًا قبل أن يراها أحد ثم أمسكت بإحدى الوسادات تدفن بها وجهها، ثم أطلقت صرخة قوية لعل هذا الألم الذي ينتشر بداخلها أن يتوقف. انتهت الصرخة واختفى صوته. رفعت وجهها من الوسادة لترى مازن يقف أمامها اتسعت عينيها تتطلع له بقوة تتأكد من وجوده، ثم أغمضت عينيها وعادت تفتحهما لتجده اختفى من أمامها.
أمسكت رأسها بقوةٍ تشعر بألمٍ يداهمها، بدأت ترى أشياء غريبة حولها، أهلك ذلك أعصابها لتغفو مكانها تحاول الهروب مما سمعته، ومما تراه. ولكن ما هو أمر إنها لا تعلم ما الحقيقة.. بل صدقت إنها بالفعل مريضة.
بقى جمال خلف أحد الأشجار ينتظر أي لحظة لخروج ياسمين، يتمنى لو استطاع اختطافها ولكن لابد من أن يصبر كي يحصل عليها. انتفض من مكانه على صوت يردد:
_ مش هتخرج من البيت لوحدها.. الأحسن تدور على طريقة تانية تجيبها بيها.
استدار جمال يتطلع لمن يتحدث فما كانت سوى ميرفت التي تبتسم بخبث. نظر لها جمال بشكٍ ثم قال:
_ أنتِ مين؟ وليه بتقوليلي كده!
جلست ميرفت على المقعد الموجود بالحديقة تردف ببرودٍ:
_ أنا مين فمش هتفيدك بحاجة غير فضولك يرتاح ودا ملهوش لزمة... أما بقولك ليه كده فعشان مصلحتنا واحدة وأنت عايز ياسمين وأنا مش عايزها في البيت.
ضيق عينيه قليلًا، لتكمل ميرفت حديثها بخبثٍ:
_ أنت جربت أكيد كل الطرق عشان توصل لياسمين ومعرفتش وهي مخضعتش ليك... جرب توصلها عن طريق حد.
قطب جبينه بتعجبٍ، ثم ردد متسائلًا:
_ قصدك إيه!
مدت يدها بصورة صغيرة تحمل وجه قطوف تجيبه بشرٍ ظاهر:
_ ياسمين بتخاف على عيلتها أوي وبالأخص أختها، أنت بقى هتخطف أختها وتكلم ياسمين وتخلي قطوف تقولها إنها اتخطفت وإنها لزم تيجي لوحدها وساعتها ياسمين هتجيلك بتركع.
نظر لها جمال ببعض السعادة أنه سيحصل على ياسمين، لا تهم الطريقة ولكن الآن سيحصل عليها. أخفى الصورة بجيبه ثم قال:
_ خلاص تمام كده.
نهضت ميرفت تردف بكلماتٍ جامدة:
_ هبلغك بالمعاد اللي تاخدها فيه على الرقم اللي ورا الصورة.
تركته مغادرة المكان، في حين نظر جمال بعدما أخرج الصورة من جيبه إلى الرقم وغادر هو الآخر ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر.
عاد مازن إلى المنزل يشعر بتعبٍ شديد من الأعمال المتراكمة عليه، وخاصةً بعدما صنع عمل خاص به بعيدًا عن عمل خاله. دلف إلى المنزل كي يحمل متعلقاته ويغادر إلى شقته الخاصة. وبالفعل انتهى من حمل كل شيء وما كاد أن يخرج حتى وجد ياسين أمامه يعقد حاجبيه بتعجبٍ مرددًا:
_ أنت مسافر؟!
حرك مازن رأسه بنفي، يجيبه:
_ لأ.. بس هروح شقتي أقعد فيها.. وكمان عشان الكل ياخد راحته أكتر.
نظر له ياسين بضيقٍ من حديثه، ثم قال:
_ بقولك إيه خليك قاعد معايا أنا مخنوق ومكتئب من اللي حصلي ومش ناقصة أنت كمان تمشي.
رفع مازن حاجبه يردف بسخرية:
_ كنت الدادة اللي جبتهلك عمتك.
_ بس يا أخي افتكرلنا سيرة عدلة.
قالها ياسين باشمئزاز، في حين قوس مازن فمه بسخطٍ، يهمس بداخله:
_ أمال لو عرفت إنها هي السبب في اللي حصلك!
عاد مازن يرفع صوته قائلًا:
_ ابعد يا عم خليني أمشي من هنا.
_ خدني معاك.
قالها ياسين سريعًا، ليدفعه مازن بغيظٍ مرددًا:
_ هو أنا أمك وشبطاني فيا.. غور ياض من وشي.
تمسك ياسين بذراع مازن مرددًا باستفزاز:
_ آه شبطان فيك يلا بقى خدني معاك.
مسح مازن على وجهه يردف بعصبية:
_ دا أنت لو جوز أمي ما هترازي فيا المرازية دي.
ابتسم ببرودٍ له ولا يزال يمسك بيده، في حين نظر مازن له ثم قال بهدوءٍ غريب شعر ياسين بقلقٍ نحوه:
_ عارف يا ياسين كان في واحدة بتيجي من البلد تبيع جبنة وبيض و لما تشوف حد معدي من جنبها.. متحلش أمه غير ومشيلاه بيض وجبنة وممكن يشيلها هي شخصيًا لو فضلت على دماغه.. كانت ولية زنانة زن يكفر سيئات شعب كامل.
نظر له ياسين بتعجب لحكايته، ليردف بتساؤل:
_ هي اسمها إيه!
أجابه بهدوءٍ:
_ اسمها أم أحمد.
قطب ياسين جبينه بدهشة ثم قال:
_ طب وأنا مالي بيها!
_ لا ما أنت طلعت أنيل منها.
قالها مازن بتأكيد، في حين احتقن وجه ياسين بغضبٍ يردف بصوتٍ مغتاظ:
_ اتصدق إني غلطان إني بعبرك وأنت متستهلش.
نفض مازن ذراعه، يجيب حاملًا حقيبته:
_ ما أنا عارف.
_ بطل برود يلا.
قالها ياسين بغيظٍ، في حين ابتسم مازن ببرودٍ مرددًا:
_ شوف أنا عادي مع كل الناس.. بس لما بشوفك القطبين الجنوبي والشمالي بيمسكوا فيا... سلام يا أم أحمد.
غادر مازن من المنزل، في حين سار ياسين إلى غرفته بوجهٍ عابس محتقن، يفكر في كيفية الانتقام من مازن.
اختتمت تلك الليلة باتصال من ميرفت تردد فيه بصوتٍ جامد:
_ هتنفذ بكرة.. هي هتخرج من البيت وهتروح المستشفى وهناك أنت هتنفذ.
_ تمام.
قالها جمال يغلق معها، يستعد لمهمته بالغد.
صباحًا..
انطلقت قطوف إلى المشفى مع والدها، ولكن تذكرت تلك العلامة الموجود بذراعها وكأن أحد غرز بها حقنة. بدأت تشعر بحيرة مما يحدث معها، تتألم بصمت، ترى أشياء غير موجود، يختلف معها الوقت من حين لآخر ولا تشعر به. تنهدت بتعب ثم صعدت للقسم الخاص بوالدها ولكنها وجدت أناس تلك المرة. جلست تنتظر دورها حتى صعد أحدهم لها يرتدي قبعة تخفي وجهه، يردد نحو قطوف قائلًا:
_ يا مدام في حد محتاجك تحت.
ظنت قطوف أنه أحد من أفراد أمن المشفى، وقررت الذهاب معه لترى من الذي يريدها. وما أن هبطت معه إلى الأسفل تنظر حولها بتعجب من عدم وجود أحد. استدارت لفرد الأمن مرددة:
_ هو فين الشخص اللي عايزني؟
_ في الحديقة الخلفية.
قالها وهو يسير إلى هناك. شعرت قطوف بقلقٍ منه ثم قالت وهي تتراجع:
_ لا خلاص مش مشكلة مش عايزة أشوفه.
كادت أن تتراجع ولكن يد جمال التي أمسكت بها يكتم أنفاسها بقوةٍ بمنديل به مخدر جعلتها لا تشعر بشيء بعد دقائق. حاولت الصراخ بها.
وصل مازن إلى منزل خاله، يدلف إلى المنزل بعدما فتحت له ورد. سار إلى الداخل ليجد ياسمين تجلس إلى جوار ورد يلعبا بالألوان المائية. ابتسم لطفولتهما، ثم قال:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نظرت له ورد تردد:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ثم أضافت متطلعة نحو ياسمين:
_ كده أخدت عشر حسنات يا ماما.
ابتسمت لها ياسمين تحرك رأسها بإيجابية. صفقت ورد بسعادة ولكنها أوقعت علبة الماء على ملابسها لتتسخ جميعها. نهضت ياسمين سريعًا كي تبدل ملابسها ولكن أتى رنين هاتفها الذي كان جوار مازن. هتفت بصوتٍ عالي وهي أعلى الدرج:
_ مين يا مازن!
أجابها مازن بعدما أمسك بالهاتف ليرى المتصل:
_ رقم غريب.
_ طب ممكن ترد مكاني ولو حد أعرفه تجبلي الفون.
قالتها ياسمين سريعًا كي تغادر، في حين أجابه مازن بالموافقة ثم أجاب على الهاتف سريعًا ينتظر رد من على الهاتف ولكن استمع لصوت أنفاس مضطربة.
بدأت تذرف الدموع وهي ترى يديه مربوطتان بقوة. تنظر لهذا المجنون الذي يمسك بسكينٍ صغيرة بيده. ضرب جمال كتف قطوف كي تتحدث ولكنها رفضت الحديث، ليهمس بأذنها قائلًا:
_ لو منطقتش... السكينة دي هتتغرس فيكي!
ظلت قطوف صامتة فقط تسيل دموعها دون توقف، لتنفجر عصبية جمال منها، فأسرع بوضع الهاتف جانبًا ولا تزال المكالمة قيد التشغيل، ثم قام بغرس السكين بيد قطوف المربوطة بشرسة لتخضع له. صدر أنين متألم منها، ليبدأ جمال بتشريح يدها بهذه السكين يسير بها وكأنها قطعة جبن. هنا لم تتحمل قطوف ما يفعله بها، لتبدأ بالصراخ بقوة، تردف بألم:
_ آآآآه أيــــــــــــــــدي.
انتفض مازن من مكانه يهمس باسم قطوف، بينما لم يتوقف جمال لهذا حد بل ظل يكمل وكأنه يرسم خريطة، ينزع السكين ثم يعيدها مرة أخرى كي يزداد تألمها. لم تعد تحتمل هذا القدر ليهتز جسدها بألمٍ قاسٍ، يعلو صراخها دون توقف، تنزف الدماء بغزارة منها وكأنها شلال. أبعد جمال السكين بشكلٍ مؤقت ثم قال بنبرة شرسة:
_ لو عايزة أختك قبل ما أكمل تشريح فيها تجيلي بنفسك في شقة اللي بعتلك عنوانها في رسالة دلوقتي.
همست قطوف بتعبٍ يميل رأسها إلى جانبها، محاولة مقاومة ما فعله خوفًا على شقيقتها:
_ أوعى تيجي!!
اختتم هذه المكالمة بعلو صراخ قطوف مجددًا ولكن تلك المرة أشد عن ذي قبل!!!
رواية فطنة القلب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سلمى خالد
انقطع الاتصال بينهما، بينما هدر مازن بصوتٍ جهوري:
_ قطـــــوف.
حاول الاتصال بها ولكن لم يدع له فرصة بل أغلق الهاتف بعدما أرسل له العنوان برسالة نصية. مسح مازن على شعره بغضبٍ من عدم قدرته على حمايتها، ثم اندفع للخارج سريعًا.
:_ مازن.. يا مازن.
قالتها ياسمين وهي ترى مازن يركض نحو الخارج مهرولًا. بينما انخلع قلب مازن من مكانه، يدلف إلى سيارته باندفاع قوي، يقود بسرعة فائقة. يتردد صوت صراخها مجددًا بعقله، همسها بعدم قدوم شقيقتها، ممن تحاول حماية شقيقتها! وما الذي حدث كي تصدر قطوف تلك الصرخة!!!
***
بدأ وجهها يشحب بشدة، نزيف يدها لم يتوقف بل أصبح بمرحلة الخطر. لا تستطيع النطق بعد ما فعله بها. نظرت حولها بتعبٍ، تشعر بدوارٍ حاد يقتحم رأسها حتى أصبحت الرؤية ضعيفة للغاية ثم أُغشي عليها. نظر جمال لتلك الدماء الغزيرة الموجودة أسفل قطوف، تلك نقاط الدماء التي لا تزال تتساقط، ثم قال بأسفٍ:
_ سامحيني مكنتش أقصد، أنا بس نفسي أختك ترضى تيجي ونتجوز.
تركها يسير نحو الخارج ينتظر ياسمين أن تأتي.
***
وصل مازن للمكان المنشود. صف سيارته بإهمال ثم ركض نحو العمارة ما أن علم رقمها، فهي بمنطقة مقطعة، تحمل علامات مرور الزمن. صعد للأعلى سريعًا حتى وصل للشقة المنشود. ولحسن حظه وجد الباب مفتوحًا. دلف للداخل ولكن جحظت عيناه من الصدمة، قطوف تجلس على مقعد مقيدة اليدين والقدمين، يديها تذرفان الدماء، رأسها يتدلى إلى جانبها بعدما أُغشي عليها. تجمد جسده لدقائق لم يتخيل للحظة أن يمكن لقطوف أن تصبح بهذا الشكل. تقدم نحوها بخطواتٍ دالت على صدمته، بدأ بفك وثقها ولكن تذكر حديث مهران عن طلاقه منها وأنه لا يستطيع حملها.
ضرب بقدمه الطاولة الصغيرة الموجودة جواره، ثم اندفع دون تفكير أكثر وحملها بين يديه يسير بها إلى الأسفل يهمس بحزنٍ:
_ سامحيني يا قطوف.
***
اختفى جمال خلف العمارة، يتطلع إلى مازن وهو يضع قطوف بسيارته. ثم عقد حاجبيه بتعجبٍ من عدم حضور ياسمين. تيقن أن من أجاب عليه هو هذا الشاب وليست ياسمين، فصك على أسنانه بغضبٍ ثم همس بغضبٍ:
_ هجيبك يا ياسمين يعني هجيبك.. حتى لو في آخر بلد هوصلك.
***
وقف أمام العيادة يشعر بتوترٍ لم يعهده. أخذ نفسًا عميقًا ثم صعد إلى الأعلى بخطواتٍ حملت ربكته. وصل أخيرًا للطابق ثم جلس مكان يفكر بردة فعلها عندما تعلم بوجوده. ظل جالسًا حتى انتهت من جميع الحالات، ثم أخبر السكرتيرة برغبته في الدخول دون علمها. وبالفعل ساعدته بالدلوف فهي تعلم أن ياسين كان خطيب مريم. وقف ياسين على أعتاب الباب يردف بهدوءٍ:
_ عاملة إيه يا مريم.
توقفت يدها على تدوين ملاحظات وعمل خطة علاج لبعض العملاء. لم ترغب برفع بصرها، تشعر بانسحاب أنفسها شيئًا فشيء. في حين أكمل ياسين حديثه بحزنٍ:
_ مش عايزة تردي ليه؟!
أغمضت عينيها تحاول كبح دموعها بألمٍ تتذكر ما حدث بيوم خطبتها، لتردف بنبرة مهزوزة:
_ الحمدلله.
استرسل ياسين حديثه بحزنٍ:
_ لسه شايفة إني غلطان!
ازدردت لعابها، ثم قالت دون النظر له تكمل ما تكتبه:
_ غلطك أو لأ في النهاية النتيجة واحدة يا ياسين وأنا ادمرت.
:_ لا النتيجة مش واحدة وأنتِ عارفة كويس أن اللي حصل مش بايدي.. لأن لو بايدي مش هتقدري تتكلمي معايا حتى.
قالها بانفعالٍ من حديثها، في حين تسربت الدموع من عينيها تتمتم بصوتٍ مختنق من الدموع:
_ وفي النهاية إيه.. أنا ببص على النهاية يا ياسين في النهاية أنا اللي ادمرت.. واللي عملته فيا عمري ما هقدر أنساه.
قبض على يديه بغضبٍ، يشعر بانفلات أعصابه، يردف من بين أسنانه:
_ مريم النهاية كانت احنا الاتنين مش أنتِ لوحدك.. مش أنتِ الضحية الوحيدة.. فبلاش تشوفي إنك ضحية وأني أنا الجاني.
صمتت ولم تجب، في حين استدار ياسين يردف بنبرة ساخرة:
_ محتاجة تذكري من تاني يا دكتورة شكلك عدتي بملحقين زي صحبتك.
رفعت مريم رأسها بصدمةٍ من حديثه، في حين غادر ياسين يوليها ظهره دون أن يدع لها فرصة لكي تتحدث.
***
بقي ينتظر بالخارج بعدما دلفوا بها إلى غرفة العمليات، يشعر بقلقٍ عليها، ملامحها الباهتة التي رآها من أثر نزيفٍ حاد. خرج الطبيب من الغرفة بملامحٍ متهجمة، يتطلع له بأعينٍ مشتعلة بالغضب، يتمتم بنبرة متعصبة:
_ مين اللي عمل فيها كده! دا مختل عقليًا اللي عمل فيها كده!
نظر له مازن بقلقٍ من ملامحه، يردد بخوفٍ:
_ هي كويسة؟!
زفر بغضبٍ يجيبه:
_ حاليًا حالتها لسه! النزيف كان كبير عندها أوي وحد فضل يشرح في دراعتها لحد ما اتشوهوا تمامًا ومحتاجين عمليات تجميل عشان ترجع بشكل جزئي وهيفضل أثر كبير في دراعها.. دا غير حالتها النفسية المدمرة تمامًا.
شعر بصدمةٍ تُلقى عليه كصخور حادة، في حين أشفق الطبيب على حالة مازن، وتمتم بهدوءٍ:
_ هي حاليًا في العناية وبإذن الله بكرة هننقلها أوضة عادية لو لقينا استقرار.. عن إذنك.
تركه الطبيب يكمل باقي عمله، في حين جلس مازن بإهمال على المقعد، لا يفكر سوى بمن فعل بها كل هذا!
اخرج مازن هاتفه سريعًا كي يتصل بياسين، وما أن أجاب فأسرع يتمتم بجدية:
_ ياسين لما تروح قول أن أنا وقطوف خرجنا سوا عشان نحل أمورنا.. واحتمال نتأخر.
قطب ياسين جبينه بدهشةٍ، ثم قال بحيرة:
_ هو أنتم خرجتوا؟!
:_ قطوف في المستشفى عملت حادثة وأنا معاها بس مش عايز حد يعرف دلوقتي لحد ما تقوم بالسلامة وأعرف سبب الحادثة... وابعت حد ياخد خالي محمد.
أجابه بنبرةٍ مختنقة، في حين تمتم ياسين بصدمةٍ علت كلماته:
_ نعم! حادثة ومستشفى إيه!
أغمض مازن عينيه يعيد رأسه إلى الخلف، متمتمًا بتعب:
_ ياسين.. مش وقته دلوقتي لما أفوق كده وقطوف تخرج من العناية نبقى نتكلم لأني هحتاجك معايا.
:_ خلاص ماشي.
قالها ياسين بإيجاز بعدما أدرك حالة مازن، في حين أغلق مازن ينتظر مرور تلك الساعات بصعوبة كي يرى حبيبته!
***
مرت تلك الساعات بصعوبة على مازن لم تخلو من اتصالات ياسين المتكررة كي يطمئن عليه. انتقلت قطوف في غرفة عادية، موضوعة على فراش نائمة بتعبٍ ظاهر، يديها الملفوفتان بأكملهما. تقدم منها بقلبٍ منفطر، لم يتحمل ملامحها هكذا، انحنى بجزعه العلوي يقبل جبينها بحزنٍ يهمس بنبرة تحمل الغضب:
_ كل صرخة طلعت منك هطلعها من اللي عمل فيكي كده أضعاف.. بس تقومي بالسلامة.
جلس جوارها يمسح على خصلات شعرها بحنوٍ، حتى بدأت تحرك جفونها بأنين صادر منها متألم. وضع مازن يده على وجنتها كي تسند وجهها عليه يهمس بتلهف:
_ سمعاني يا قطوف.
فتحت عينيها ببطءٍ، ثم نظرت حولها بخوفٍ شديد، أصبح هذا العالم هو كابوس مرعب لها. شعرت بيديه الدافئة على وجهها، لتنظر نحوه ثم بدأت تذرف الدموع بألمٍ، قائلة:
_ مازن.. متسبنيش.. أنا خايفة أوي!!
تمنى لو وقع من فعل بها هذا أن يقع بين يديها. مسح على وجهها يزيل دموعها التي لا تزال تهبط بغزارة، يجاوبها بحنوٍ:
_ عمري ما هسيبك أبدًا.. أنا موجود يا قطوف.
أغمضت عينيها تتذكر ما فعله جمال بها، تزداد شهقاتها شيئًا فشيء، حتى تفاجأت بنسمة هواء تأتي نحوها. فتحت عينيها لتجد مازن ينفخ بوجهها في رفقٍ وما أن فتحت عينيها حتى قال هامسًا جوار أذنها:
_ انسي اللي حصل يا قطوف.. أنا من هنا ورايح موجود.
نظرت لعينيه الدافئ، تتأملهما عن كسب، في حين علق نظراته بها حتى قال بهمسٍ:
_ وحشوني جمال عيونك.
زحفت بسمةً صغيرة إلى شفتيها، في حين استرسل مازن مغازلًا إياها:
_ لو كنت عايش زمان فدا كدب.. أنا دلوقتي عايش جوا عيونك.
ارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها تزداد كلما بقت نظراتها معلقة به. همست قطوف بنبرةٍ تحمل قليل من الخجل:
_ اوعى تسبني تاني يا مازن.. أنا تعبت من فراقك.. أنا لأول مرة هقولك إني ضعيفة دلوقتي أوي وأنت اللي هتقويني.. اوعى تستغل ضعفي دا في إنك تكسرني.
اقترب من وجهها حتى تعلقت بنظراته أكثر، يجيبها بذات الهمس:
_ فراقك دا موت بنسبة ليا.. أنتِ زي نسمة اللي بتيجي فترجعني أعيش.. أوعي أنتِ تسبيني يا قطوف أنا حياتي كانت خراب قبل وجودك.
زحفت بسمة صغيرة تتمتم بهمسٍ:
_ ودلوقتي؟!
اجابه ببسمة صغيرة حنونة عاشقة، يمسح على وجهها بحنوٍ:
_ دلوقتي بقت بستان مليان ورد بوجودك.. ثم استرسل بصوتٍ عاشق: وبقت أحلى وأحلى بعيونك اللي هيودوا اللي جابوني ورا الشمس.
علت ضحكة قطوف من حديثه، في حين شعر مازن ببعض الراحة من ضحكتها الهادئة التي رآها. عاد يجلس إلى مقعده يردف بحنانٍ:
_ هجيب الدكتور يشوف إيدك!
اختفت بسمتها سريعًا، وظهر طيف جمال بخيلها، في حين شعر مازن بها، فأسرع متمتمًا بحنوٍ:
_ احكي اللي حصل يا قطوف خليكي ترتاحي!
تسارعت وتيرة انفاسها، تردف بنبرة متألمة:
_ حد من الأمن قالي إن في حد مستنيني تحت نزلت معاه ملقتش حد وقالي إنه في المستشفى من ورا، خوفت وقررت أرجع بس حط منديل على وشي لحد ما أغمى عليا ووقتها صحيت لقيتني مربوطة بكرسي إيدي ورجلي وطلب مني أتكلم فمرضتش أتكلم وهو اتعصب ومسك السكينة و..
قطعت حديثها تشهق بألمٍ، في حين مسح على شعرها يقبل جبينها بحنوٍ مرددًا:
_ خلاص عدى كله عدى.
هدأت قطوف قليلًا، في حين تحرك مازن نحو الخارج ولكن أوقفه صوت قطوف مرتعد:
_ أنت هتسبني لوحدي.. لا متسبنيش.
اغرورقت عينيها بالدموع، في حين استدار مازن يقطب جبينها بدهشة من ردة فعلها، تقدم نحوها سريعًا ما أن رأها تصرخ من ألم يديها اللتان حاولتا الاستناد عليهما كي تنهض نحوه:
:_ بتعملي إيه يا قطوف؟!
قالها مازن بقلقٍ، يحملها برفقٍ كي تسند ظهرها على السرير، اجابته قطوف وهي تتشبث بيديه حتى عادت تنزف من جديد:
_ متسبنيش لوحدي.. مش هقدر أقعد لوحدي تاني.
شعر بتأزم الموقف، لم يرى قطوف بهذا الضعف من قبل. نظر لها بحنانٍ، محاولًا نزع يديها برفقٍ عن ذراعه، مرددًا:
_ مش هسيبك أنا بس هنادي الدكتور عشان نروح سوا ومسبكيش خالص.
حركت رأسها بنفيٍ، تردف بنبرة مرتجفة:
_ لاء هيكسروني لو سبتني.
لم يفهم سر حديثها وظن أنها بنوبة فزع. لم يعلم بأن والدته وراء تلك الحالة السيئة التي وقعت بها قطوف. جلس جوارها على الفراش يضع رأسها على صدره قائلًا بنبرة حنونة:
_ أنا جنبك أهوه.. متخفيش من حاجة.
أغمضت قطوف عينيها ببعض الراحة، تستكن داخله، في حين مسح مازن على شعرها برفقٍ، ظل جوارها حتى غفت مكانها، تأمل يدها التي عادت تنزف، وشعر بألمٍ مما فعله بها. الآن أيقن أن دلوفه بحياتها سيدمرها أكثر.
أبعدها عنه برفقٍ ثم انطلق كي يتحدث مع الطبيب في حالتها وأتت إحدى الممرضات كي تغير ضمادتها ثم عاد مازن لها من جديد يحملها إلى السيارة بعدما منحه الطبيب موافقة بخروجها، وبالفعل غادر بها إلى شقته الخاصة.
***
وقف زين جوار ابنته يخيرها بين لونين من الحقائب، يردد بجدية:
_ عايزة إنهي يا ورد.. البمبى ولا الموڤ؟!
يعلم أن ابنته ستختار اللون الوردي ولكن تفاجأ بها. تردد بخوفٍ:
_ مش عارفة.
قطب جبينه بتعجبٍ ثم ترك الحقائب، يهبط لمستوى ابنته قائلًا بدهشة:
_ أنتِ مش بتحبي اللون البمبى؟!
حركت رأسها بإيجابية، تردف بكلماتٍ لا تعلم أنها ستغير حياة بأكملها:
_ بحبه.. بس بشوف ماما ياسمين خايفة من اختيار أي حاجة.. ولما سألتها لقيته بتقولي إنها علطول مش بتثق في أي حاجة وان عمو مازن وعمتو قطوف اللي كانوا أوقات يبقوا شجعان وأوقات يبقوا خايفين من كل حاجة.
ضيق زين عينيه قليلًا، وتيقن من وجود خطبٍ ما بياسمين، ولكنه أسرع بالحديث مرددًا ببسمةٍ حنونة:
_ بصي يا حبيبتي ماما ياسمين اللي بتعملوه غلط وأنا هقولها الصح إيه عشان تعمله.. بس بعد كده اختاري اللي بتحبيه وخليكي واثقة من نفسك أوعى تهزي ثقتك لأي سبب.
حركت ورد رأسها بإيجابية، تردد بسعادة:
_ حاضر يا بابا.
ابتسم برضا ثم قال وهو يمسك الحقائب مجددًا:
_ بمبى ولا موڤ؟!
اختطفت ورد الحقيبة بلون الوردي وانطلقت تركض بسعادة، في حين تنهد زين قليلًا ثم قرر الحديث مع ياسين لحل تلك المشكلة.
***
:_ خلاص ارفعي وشك وصلنا الشقة.
قالها بضحكٍ على وجهها المدفون بصدره، في حين أبعدت قطوف وجهها تردد بخجلٍ ممزوج بغيظ:
_ نزلني بقى... مش كفاية خليت أهل العمارة كلها يشوفوني كده.
رفع حاجبه بمكرٍ، ثم قال بهمسٍ:
_ شافوكي إزاي.. واحد شايل مراته عشان تعبانة.
اشاحت بوجهها بعيدًا في خجلٍ، في حين وضعها مازن برفقٍ على الأرض ثم فتح الباب ودلف بها إلى الشقة. نظرت للشقة ببعض الذهول ثم قالت بحيرة:
_ هي دي لسه مأجرها؟!
حرك رأسه نافيًا يجيب:
_ لاء دي شقتي.. اشتريتها لما عملت ليا شغل خاص بعيد عن شغل خالي كل لما أتخنق أروح أقعد فيها.. محدش يعرف مكانها غيرك حاليًا.
ابتسمت قطوف بسعادة، تتأمل شكل تلك الشقة بإعجاب، في حين وضع مازن حقائق الطعام التي أحضرها بطريقه على الطاولة، يعدها كي يتناولا، وبالفعل انتهى سريعًا من إعدادها ليردد بهدوءٍ:
_ تعالي يلا يا قطوف عشان نتغدى.
تقدمت قطوف إلى الطاولة تجلس على مقعد الموجود جوار مازن، بدأ مازن بتقطيع الدجاج واطعام قطوف واحدة تلو الأخرى حتى رددت:
_ كفاية يا مازن أنت بتأكلني أنا وأنت مكلتش.
ابتسم بحنوٍ يجيبها بحب واضعًا باقي الطعام جانبًا:
_ مين قال كده أنا شبعت من ساعة ما ملكتي قلبي.
لم تستطع الرد، بل تلون وجهها بخجلٍ، في حين استرسل مازن حديثه قائلًا بعشقٍ:
_ أنا شبعت عن كل حاجة إلا أنتِ.. أنتِ الوحيدة اللي مقدرتش أشبع منها.
تسارعت وتيرة انفاسها بشدة، تهمس بنبرة متوترة:
_ هو.. هو أنت ردتني؟!
نظر لها قليلًا ثم قال بهدوءٍ:
_ بتسألي ليه؟!
رمقته بنظرةٍ غاضبة تشعر بغيظٍ من طريقته تسرع بالحديث قائلة:
_ نعم إيه اللي بسأل ليه! أنا من حقي أعرف أنت ردتني ولا لاء!
نهض مازن يحمل الأكياس بين يديه يجيب بهدوئها الغريب:
_ أنتِ لسه في العدة يعني ممكن بأي لحظة أردك عادي!
:_ هو أنا لعبة في إيدك.. إيه اللي في أي لحظة ممكن أردك.. أنت ردتني ولا لاء يا مازن!
قالتها قطوف بنبرة مشتعلة، في حين استدار مازن لها يرد بسؤالٍ آخر:
_ وأنتِ عرفتي امتى أني مريض سكر؟!
صُدمت من حديثه، في حين استرسل مازن حديثه بسخطٍ:
_ فكرتني عبيط لما وزعتي الكوبيات علينا كلنا وأنا الوحيد اللي خدت عصير مفهوش سكر.. وكمان في البلد لاحظت إنك بتعملي أكل خاص بيا عشان أكل التاني مش مناسب لمريض سكر.
ابتلعت لعابها بصعوبة، تردد بتوترٍ:
_ أنت بتهرب من السؤال!
:_ زي ما أنتِ هربتي دلوقتي!
قالها ببرودٍ شديد، في حين رددت قطوف بعصبية:
_ أنا مهربتش.. ثم بتقارن إيه بإيه أنا مش فاهمة.. دي حياتي اللي أنت مش عايز تتكلم فيها.. إنما سكر اللي بتتكلم فيه دا مش هيحدد مصير حياة.
ابتسم مازن بألمٍ، يردد بنبرة متألمة:
_ لا هيحدد إذا كان حبك دا شفقة ولا حبك كان من قلبك!
:_ وهو لو شفقة إيه اللي هيخليني أزعل لما تطلقني وتوجعني بالشكل دا.. إيه اللي يخليني كل يوم بتمنى لحظة واحدة نرجع لبعض فيها.. مازن ارجوك متهربش من سؤالي ورد عليا.
قالتها قطوف بصوتٍ متعب، في حين لاحظ مازن إجهادها فأسرع بالحديث قائلًا:
_ طب ريحي النهاردة وبكرة نتكلم.
نظرت له بإرهاق شديد، هي بالفعل ترغب بالراحة، تمتمت بنبرةٍ أهلكها التعب:
_ طب ريح قلبي وقولي أنت ردتني صح! ولا ممكن تسبني تاني!
نظر لها ثم تقدم منها يحملها برفقٍ، يردد بحنوٍ كي يتنام:
_ أنا قولتلك إني مش ممكن أسيبك يا قطوف.. نامي وبكرة نتكلم ماشي.
لم يكمل حديثه بل غطت بسباتٍ عميق بعد مفعول هذا الدواء الذي تناولته منذ وقت، في حين تأملها مازن ثم قال بحزنٍ:
_ بتمنى تسامحيني على الخطوة دي.
***
وضعت هاتفها على أذنها تنتظر الجهة الأخرى كي تتحدث وبالفعل ردت الجهة الأخرى لتردد بنبرة خبيثة:
_ نفذ وأمشي في الإجراءات عايزة بكرة أو بعده بكتير ألقيه في السجن.
أغلقت الهاتف تبتسم بسعادة شديدة، تنتظر تلك اللحظة في القدوم، ولكن رغبة بوضع القليل من رحيقها المسموم، فأسرعت بإرسال رسالة له.
***
امسك مازن هاتفه يتطلع للرسالة التي أتته، فما كان مجملها سوى..
( لو فاكر أن طليقتك هتحبك يبقى غلطان.. هيفضل في بينكم حاجز.. وهتنتقم منك بأي شكل عشان خاطر تكسرها كده.. افتكر شخصيتها زمان عمرها ما قبلت تتكسر هتيجي دلوقتي وتقع.)
وضع الهاتف جانبًا ينفخ بحنقٍ من والدته التي دائمًا تحاول أن تزرع الشك بداخله.
***
تحدث مازن إلى ياسين واخبره بأنه سيبقى مع قطوف يومين آخران، كي لا يقلق أحد، ثم بدأ بإعداد مفاجأة لهما وبالفعل أعد مفاجأتهما.
***
:_ يا مازن افتح الباب بقى!
قالتها قطوف بضجرٍ بعدما أغلق عليها باب الغرفة، تشعر بغيظٍ منه، في حين ضحك مازن بخفة وهو يضع هذا البوكيه من الورد على الطاولة والى جواره هدية صغيرة، مع وجود بعض الشموع وبتلات الورد المنثورة حولهما وطعام العشاء الخاص بهما. تقدم من الباب وفتحه فجأة لتظهر قطوف بملامحها الغضب التي اختفت فجأة وهي ترى هذا المشهد الجذاب للعين والقلب. تأملت المكان بذهولٍ، في حين ردد مازن بحبٍ:
_ اتأخرت عشان أجهز الترابيزة.
استدارت نحوه تبتسم بسعادة، تشع عينيها ببهجة اختفت الأيام السابقة. تردد بحبٍ:
_ أنا بحبك أوي يا مازن أوي.
ابتسم بحبٍ ثم تقدم منها يمسك بتلك العلبة الصغيرة، يفتحها ويخرج منها خاتم نظر لها يردد بحبٍ:
_ اشتريته عشان يبقى الشيء اللي بيربطنا سوا واعلان للكل أننا لبعض.
وضع الخاتم برفقٍ بعيد عن الضمادة، في حين ابتسمت قطوف بسعادة من تفكيره بتلك الفكرة البسيطة التي تمنت تحقيقها. جلس بها على الطاولة، ثم قال بحبٍ:
_ خلينا النهاردة نقضيها سوا وننسى أي حاجة حصلت.
حركت رأسها بإيجابية، وبالفعل جلسوا سويًا يتناولان طعام العشاء وسط مساعدة مازن لها، وحديثهما الذي لم ينتهي سوا بغفو قطوف من أثر الدواء الذي تناولته.
***
:_ مازن ألحق الأسهم بتاعت شغلك كلها وقعت وفي خسائر كبيرة حصلت بسبب وقعوا الأسهم دي.
قالها محمود بقلقٍ مما يحدث، في حين انتفض مازن من الفراش يردد بصدمة:
_ أنت بتقول إيه! ازاي دا حصل!
اجابه محمود بتوترٍ:
_ الأحسن تيجي عشان تشوف بنفسك.
أغلق مازن سريعًا ينطلق نحو خزانة الملابس يرتدي ملابسه على عجلة، يحمد ربه أن مفعول الدواء لم يوقظ قطوف حتى الآن. انطلق نحو المعرض الخاص بخاله كي يرى المشكلة وما هي إلا دقائق حتى وصل سريعًا، صعد إلى مكتبه بسرعةٍ وما أن رأى محمود حتى قال:
_ ايه اللي حصل؟!
اجابه محمود بخوفٍ مما سيسمعه:
_ مدام قطوف نقلت كل املاكك باسمها ووقعت الأسهم بتاعتك.
اتسعت عين مازن بصدمةٍ، في حين أكمل محمود بتوترٍ:
_ وفي عملاء طلبوا بفلوسهم اللي سهموا بيها معاك.
استمع مازن لحديثه بصدمة، يشعر بوجود خطبٍ ما، فأسرع بسؤاله قائلًا:
_ أنت متأكد؟!
حرك محمود رأسه بإيجابية، في حين تذكر مازن حديث والدته عما يمكن أن تفعله قطوف، هل من الممكن أن تصبح مثل والدته وستنتقم منه. نظر إلى الشاشة التي بها الأسهم الحمراء تشير للأسفل، ثم عاد بنظر إلى الطائرة الخاصة بها وتذكر ملامحها، هل يعقل أن تخونه بهذا الشكل، وضع بين يديها كل شيء والآن تستغله للانتقام. ضرب بيده في الطائر حتى تدمرت تمامًا ثم جلس مكانه يحاول إيجاد حل.. مر وقت طويل حتى انتفض محمود من مكانه يرى رجال الشرطة يأخذون مازن معه بعدما رفع بعض العملاء قضية عليه بسبب خسارة أموالهم.
***
شعرت بانزعاج من رنين الهاتف، نهضت بضيقٍ من الفراش تجهل تأخر الساعة، ظنًا أن مازن سيوقظها. مدت يديها إلى الهاتف كي تجيب ولكنها أجابت بنبرة متعصبة:
_ أيوة؟
:_ مدام قطوف البوليس جه قبض على مازن دلوقتي.
انتفضت قطوف من سماع تلك الكلمات، تدرك عدم وجوده جوارها. نظرت للهاتف لتجد أن محمود هو المتصل. عادت تردد بصدمةٍ ظاهرة:
_ أنت بتقول إيه! مازن إيه اللي البوليس قبض عليه؟!
أكد محمود حديثه مرددًا:
_ للأسف دا اللي حصل وهو دلوقتي في القسم.
لم تدع قطوف فرصة لأي شيء وأسرعت ترتدي ملابسها كي ترى ما الذي حدث!!
***
وصلت قطوف إلى القسم ودلفت إلى الضابط تخبره برغبتها في مقابلة مازن وبالفعل بصعوبةٍ سمح لها بمقابلة مازن الذي أتى يتطلع لها بجمودٍ. رددت قطوف سريعًا في قلق:
_ ايه اللي حصل! وليه اخدوك بالوقت دا؟!
ابتسم بسخرية قائلًا:
_ وأنتِ مش عارفة؟!
تعجبت من طريقته ثم قالت بدهشةٍ:
_ هعرف منين؟
ضحك مازن على حديثها بسخرية ثم قال بنبرة قاسية:
_ مفيش أصل زوجتي حرمي المصون اللي عملتلها توكيل عام بكل شيء بملكه نقلت كل أملكي ليها ووقعت أسهم الشغل بتاعي كله وخلت العملا يرفعوا قضية عليا.. لأجل بس تنتقم مني!
اتسعت عين قطوف بصدمةٍ من حديث، تحرك رأسها بنفيٍ مرددة:
_ لا لا لا لا مش أنا أكيد في حاجة غلط يا مازن!
:_ أنت عاملة توكيل لحد؟!
قالها مازن بتوجس يتمنى أن تجيبه بنعم وتزيل شكوكه بها، في حين اجابة قطوف بصوتٍ محشرجٍ:
_ لاء.
أغمض عينيه بألمٍ، ثم علق على اجابتها بتهكم:
_ لاء!!! .. تقدري تقوليلي مين غيرك نقل أملاكي كلها ليكي ووقع أسهم شركتي! مين غيرك قدر يعمل كده بتوكيل مني لواحدة كنت فاهم إنها مراتي بس طلعت غدارة وحبة تنتقم مني بسبب طلاقنا... أنا معملتش توكيل لمحامي واشتغلت أنا على الأوراق بنفسي وفي النهاية أنتِ تعملي فيا كده وتدمري حياتي كلها.
صرخت به بقوةٍ مرددة:
_ مش أنا مــــــش أنا.
هدر مازن بعصبية:
_ مفيش غيرك عمل كده.. أنتِ معندكيش تفسير للي حصل غير إنك الوحيدة اللي عملتي كده... أنا مش فاهم لما أنتِ عايزة تنتقمي مني كده مثلتي الحب ليه من الأول!
نهض من مكانه دون النظر لها، يريد الخروج من غرفة الضابط كي يعود للقضبان مجددًا، يقنع عقله بأنها لم تحبه أبدًا وأن ما فعلته انتقام لزواجهما القاسر. اوقفته قطوف تتطلع له بأعينٍ ملأتها الدموع تردد بصوتٍ مختنق:
_ متظلمنيش أنا معملتش حاجة ولا كنت أعرف أصلًا.
لم يستدير بل قال بصوتٍ يحمل الجمود:
_ زمان كسرت طيارة أبويا عشان سبني ومشي... والنهاردة كسرت طيارتك عشان غدرتي بيا... أنا مش عايزك ولا عايز أشوفك.
:_ أنت كده بتخسرني!
قالتها بقلبٍ مكلوم، تشعر بألمٍ حاد يغزو قلبها، عينيها تذرفان الدموع دون توقف، في حين استدار لها مازن ينظر لعينيها بجمودٍ لا يزال ثابتًا لديه، يتمتم بقسوة:
_ وأنتِ تستاهلي الخسارة يا قطوف!
رواية فطنة القلب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سلمى خالد
«قطوف الياسمين»
الفصل الثامن والعشرون
(ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مِنْ مَعِي وَلَيْسَ ضِدِّي! )
أنا مستحقش منك كده يا مازن؟
قالتها بأعينٍ أغرقتها الدموع، تمسك كفه قبل أن يغادر بيديها اللتان ترتعش من الألم، في حين تجمد جسد مازن قليلًا، ولكنه دفعه بقوة يتذكر حديث والدته وتلك الرسالة الأخيرة التي بعثتها له.
تراجعت قطوف إلى الخلف واصطدمت يدها بالحائط ليتحول هذا الشاش الأبيض إلى اللون الأحمر من الدماء.
تأن بألمٍ لم تعهده، تنظر ليدها تارة ثم له تارة في صدمة، تتحجر الدموع بحدقتيها.
ليرتفع صوت مازن في قسوة:
معتقدش يا قطوف.. معتقدش خالص إنك متستحقيش.
قالها ثم غادر مع آمين الشرطي، في حين تلون وجهه بحُمرة مؤلمة، تعلو شهقاتها حتى أشفق عليها من يراها وهي تسير متجها نحو الخارج.
وقفت أمام القسم ثم أخرجت الهاتف تتصل على مهران الذي ما أن اجاب حتى قالت قطوف بشهقات متتالية:
تعالى يا عمو ألحق مازن!!
انتفض مهران من مكانه، تتسع مقلتيه يتسأل بصدمة:
ما الذي حدث؟!
اجابته قطوف ولا تزال شهقاتها تقطع الكلمات:
في القسم عشان.. عشان..
انهارت قطوف بقوة تبكي وتتشنج معالمها في حين اوقفها مهران يردد بصوتٍ قلق:
أهدئ سأأتي لكي الآن انتظريني.
********
وقف ينتظر الباب أن يفتح بعدما دق عليه، فُتح الباب وظهرت ميرڤت يعلو ثغرها بسمة خبيثة.
تردد بصوتٍ يحمل ترحيب مزيف:
محمود الصديق العزيز لمازن اخيرًا جيت.. كنت منتظرة وجودك.
اشمئز من طريقتها وتصرفاتها، يتطلع لها بحنقٍ مما فعلته به، ليردف بصوتٍ مختنق:
هاتي مراتي وبنتي وسبينا في حالنا... أنا نفذت اللي أنتِ عايزاه.
رفعت حاجبها، يردد ببرودٍ:
مقدرش اسيبك في حالك يا محمود.. دا أنت الانسان الوحيد اللي مش هيشك فيك.. خليته يشك في مراته بسهولة.. والصراحة أنه يشك فيك دي كارت محروق إنما في مراته ويكون صاحبه دا كارت جديد وبصراحة كان نفسي اجربه اوي.
هدر محمود بعصبية من حديثها:
أنتِ ايه يا شيخة جبروتك دا جبتيه منين! أنا مش فاهم إزاي مازن سايبك عايشة بعد اللي عملتيه في حياته؟!
اطلقت ضحكة قوية مما قاله، تجيبه بخبثٍ وهي تجلس على مقعد موجود بالردهة:
مش قادر يأذيني عشان أنا أمه.. هو فاهم لو أذى أمه مش بار بيا. وأنا الصراحة مستغلية الحتة دي أوي..
بصق محمود على الأرض يردف بنبرة مشمئزة من كونها أم:
أنتِ أحقر من أنك تكوني أم.
أمشي اطلع برة ومراتك وبنتك هتاخدهم بليل.. غور من هنا.
قالتها وهي تغلق الباب، فلم يدلف محمود إلى تلك الشقة الخاصة بها، سار محمود من العمارة عائدًا لشقته، يتخلله شعور بالندم مما حدث معه، يعلم أنه من قام بعمل توكيل إلى المحامي الخاص بميرڤت من قطوف دون علمها.
نظر لساعته بحزنٍ ثم قرر المغادرة لعل هذا يصبح سبيل لنجاة صديقه.
********
ظل يبحث بالمنزل عن أخيه لعله يجده، ولكن لم يجده بالمنزل بأكمله.
زفر بحنقٍ من طريقة شقيقه وبقى دقائق يفكر أين ذهب حتى تذكر أنه لم يبحث عنه بالمطبخ.
انطلق نحو المطبخ سريعًا فوجده يتناول الطعام من الثلاجة وهي مفتوحة بنهمٍ.
تقدم زين يمسكه من مؤخرة رأسه قائلًا بغيظ:
أنت مش هتبطل العادة الزفت دي وتبطل تفتح التلاجة وتاكل وبابها مفتوح!!
انتفض ياسين من مكانه، يتطلع لشقيقه بحنقٍ من افزاعه، يردد بفمه الممتلئ بالطعام:
ما أنت لو تجرب هتدمن العادة دي.. ثم لما تبقى تلاجتك ابقى اتكلم دي تلاجة عمي محمد.
تركه زين ولكن يشعر بعصبية من شقيقه، في حين ابتلع ياسين باقي الطعام ثم سحب علبة عصير وبدأ بفتحها يشرب العصير بسعادة مرددًا:
ايوة بقى الواحد يحبس بشوية العصير دول وبعدها بقى أحلي.
اتسعت عين زين بصدمةٍ، يردد بنبرة تحمل الذهول:
هو أنت لسه هتحلي؟!
حرك ياسين رأسه بإيجابية، في حين أمسكه زين من تلابيب ملابسه يردف بغيظٍ:
لا بقولك إيه اخلص أنا كده هخلل جنبك وأنت مش هتخلص طفح.
تحرك معه ياسين يهرول كي لا ينزلق بالأرض، يردد بحنقٍ:
براحة يا عم بتجر جاموسة.
بجر بقرة من تلاجة كل ما احب اجيبك القيك في التلاجة.
قالها زين وهو يدفع ياسين على أحد المقاعد، استرسل حديثه قبل أن يرد ياسين:
بقولك ايه أنا عايزك تكلم مريم محتاج اتكلم معاها.
صمت ياسين فجأة وشعر بتعجب، ليردف بدهشة:
ليه يعني؟!
صمت زين ولم يرغب بالإجابة، في حين ردد ياسين بنبرة جادة:
زين أنا مش هقدر اخليك تقابلها غير لما تقولي سبب مقنع لدى.
تنهد زين بضيق، ثم اجابه بقليلٍ من الحزن:
عشان عايزاها تتابع حالة ياسمين.. ياسمين مش سوية نفسيًا.
نظر له ياسين بذهول، في حين استرسل زين حديثه مرددًا:
ياسمين مترددة في قررتها يعني ورد بنتي بتقدر تاخد أي قرار لكن ياسمين بتخاف تاخد أي قرار لنفسها حتى لو الحاجة اللي بتحبها قدامها بتخاف تختارها فعشان كده عايز مريم اقعد معاها اشرح ليها حالة ياسمين وهي تتكلم معاها وتتعالج، فهمت؟!
حرك ياسين رأسه بإيجابية، يردد بصوتٍ مازح:
ياخي قول من الصبح.. بس اهي فرصة اغتت عليها شوية واحاول ارجعها ليا.
ابتسم زين بامتنان لشقيقه يردف:
شكرًا يا ياسين.
اتسعت عين ياسين بذهول، يردف بدهشةٍ:
ايه دا أنت بتشكرني زي البني آدمين.. أنت سخن ولا إيه؟!
رفع زين حاجبه بغيظٍ، ثم نهض يردف بنبرة متعصبة:
دا اخرة اللي يطلب من واحد تافه زيك.
التافه دا احتاجته يا خويا.. وبكرة أن محتاجتش لوشي هتحتاج قفايا.
قالها ياسين ببرودٍ، في حين تحولت عين زين لغضب، يردف بصوتٍ ساخر:
أنت عارف الحالة الوحيدة اللي هحتاج فيها قفاك إيه؟!
نظر له ياسين باهتمام، مرددًا:
إيه؟!
أكمل زين بسخرية:
أكلك قفا الحكومة يالا عارفه ولا تحب افكرك بالذي مضى.
وضع ياسين يده على مؤخرة رأسه يتذكر عندما كان يجلس بالردهة ويأتي شقيقه زين يقوم بضربه فيها فيسقط أرضًا من قوة ضربته ولضآلة حجمه في صغره.
ابتلع لعابه يردد بحنقٍ:
ياخي كشفت شعري ودعيت عليك.. دا أنا دخلت كلية الشرطة بسبب قفايا دا وأنت لسه عايز تدهوني وأنا شحط كده.
ابتسم زين بسخرية يردف:
احترم انك شحط عشان مدهولكش.
اشاح ياسين بيده ناهضًا، في حين تركه زين يحرك رأسه بيأسٍ على حال شقيقه.
********
وصل مهران للقسم الذي يقبع به مازن، علامات القلق ظاهرة عليه، كاد أن يدلف ولكن صوت بكاؤها يزداد شيئًا فشيء.
انفطر قلبه ما أن أدار وجهه ورأها تجلس على أحد الأرصفة تبكي بشدة، تقدم نحوها يردد بقلقٍ:
قطوف عزيزتي ماذا حدث؟!
رفعت قطوف رأسها تتطلع لمهران بوجهٍ يشع حُمرة ثم ألقت بذاتها نحوه وهي تشهق بقوة مرددة:
مازن بيقولي إني استاهل الخسارة.. أنا معملتش حاجة يا عمو.. والله العظيم ما عملت حاجة.
تعجب مهران من حديثها، ضمها بحنوٍ مربتًا على ظهرها، يردف بصوتٍ حنون:
أهدئ يا عزيزتي.. لا يوجد مشكلة إلا وخلق الله لها حلًا.
ارتعش جسدها من التعب، في حين سار بها نحو سيارته يردف بصوتٍ هادئ:
هيا نذهب إلى المنزل.
انتفضت قطوف من مكانها تنظر نحو مهران بألمٍ قائلة:
لاء مش عايزة أروح يا عمو.. عشان خاطري أنا عايزة ابعد عن الكل.. مش عايزة أشوف حد تاني..
ثم اضافت بدموعٍ:
مفيش بني آدم حلو كلهم أذوني ودمروني.. أنا بكره البني آدمين وبكره نفسي لأني منهم.
شعر مهران بوجود أزمة ضخمة، ربت على كتفاها ثم قال بهدوءٍ:
حسنًا سأذهب بكِ إلى مكانٍ ما ثم سأعود كي أرى ما الذي حدث مع مازن.
حركت قطوف رأسها ولكن تتشبث به وكأنه طوق نجاة، أصبح الخوف هو ما تتغذى عليه روحها.
أردت أن أكون بجانبك ولكنك دفعتني حتى أصبحت بقايا أتناثر حولك.
فأصعب الخذلان هو عندما أحاول تبرير موقفًا ظننت أنك أول من مع وليس عليّ.
********
اوصل مهران قطوف لمكانٍ بعيد عن الجميع، ثم عاد إلى قسم الشرطة ولكنه تفاجأ بوجود محمود الذي ما أن رأه حتى انتفض من مكانه يندفع نحوه قائلًا:
حج مهران!
تقدم نحو مهران بثباتٍ، يردف بسؤالٍ قاطع:
ماذا حدث؟!
ابتلع محمود لعابه، توترت ملامح من نظراته المثبتة، كاد أن يجيب ولكن اوقفه مهران مرددًا بأعين حادة:
وإياك والكذب عليّ.. أعلم أنك تخفي سر كبير.
أغمض محمود عينيه ثم قال بصوتٍ مختنق:
مدام ميرڤت هي السبب.
نظر له مهران باهتمام يردف بنبرة جادة:
ميرڤت إذًا! شككت في الأمر.. حسنًا أروي لي ما حدث!
تنهد محمود يجيبه بألمٍ:
مدام ميرڤت خطفت بنتي ومراتي وخلتهم عندها في مقابل هتاخد كام ملف من شغل مازن الخاص عشان تدمر شغله.. وتتفق مع العملاء وأنهم يرفعوا قضية على مازن بأسرع وقت.. وفعلًا مشيوا بالإجراءات.
قطب مهران جبينه بتعجبٍ، ثم تذكر حديث قطوف ليضيف بشكٍ:
وما سبب الذي دفع هؤلاء العملاء لرفع قضية على مازن!
أغمض محمود عينيه ثم قال بصوتٍ مختنق:
مضيت قطوف على توكيل منها للمحامي بتاع ميرڤت اللي نقل كل املاك مازن لقطوف وسحبت السيولة كلها وشغل مازن ادمر.. بتخطيط أمه.
اتسعت عين مهران بصدمةٍ، ثم ردد بصوتٍ يحمل ذهول:
ماذا! وكيف فعلتها؟!
اجابه محمود بخزى عاما بدر منه:
كانت في المستشفى عشان علاج والدها وأنا روحت وراها اتفقت مع الممرضة وادنها مخدر وأغمى عليها.. خدتها وخلتها تمضي.
رفع مهران حاجبه يردد باستنكار:
وكيف فعلتها وهي نائمة؟!
نظر له محمود ثم قال بجدية:
هو دا دليل براءة مازن.. بس محتاج اقابل مدام قطوف.. محتاج عينة دم منها.
نظر له قليلًا ثم قال وهو يغادر:
مدام قطوف اختفت... بعد أخر مناقشة بينها وبين مازن قررت الاختفاء عن الجميع.
انتفض محمود من مكانه يردف بصوتٍ يحمل الصدمة:
لاء مش هينفع تختفي دليل براءة مازن فيها هي... قطوف خدت حقنة هلوسة ودا خلاها مش واعية للي بتعمله.. ولما شافتني قولتلها امضي مازن محتاجة الامضا دي وهي مضت..
مسح محمود على شعره يردد باختناق:
لو مخدتش العينة منها وحللنها كده ميرڤت هتاخد فلوس مازن كلها وفلوس قطوف.. لزمًا نثبت إن توكيل المحامي دا اتعمل تحت تأثير الهلوسة.
تطلع له مهران قليلًا يردف بهدوءٍ مخيف:
ماذا فعلت بضبط يا محمود؟!
تنهد محمود ثم قال بضيق:
ادييت قطوف حقنة هلوسة عشان تمضي على التوكيل.. وفي نفس الوقت يبقى دليل براءة مازن في القضية!
استدار مهران كي يغادر في صمت، في حين ردد محمود بلهفة:
حضرتك رايح فين مش هتساعدني.. كده حياتهم هتدمر!
علق مهران ساخرًا:
وهل تظن أنها سليمة.. هي بالفعل مُدمرة!
تركه مغادرًا القسم في حين استند محمود على الحائط يردد بصدمة:
كده مازن هيفضل في السجن لو قطوف مظهرتش!!
********
نظرت لذراعيها اللذين تلطخ بالدماء من أثر دفعة مازن لها، تذرف الدموع على ما فعله، لم ترى هذا الشكل العدائي منه من قبل.
حاولت إزالة هذا الشاش ولكن صرخت بألمٍ من تحريك ذراعيها، لم تشعر بمهران الذي أتى يهرول بسيره نحوها مرددًا في قلق:
ماذا حدث ومن فعل بيكِ هكذا؟! هل مازن!!
حركت رأسها في نفي، تردد بشهقاتٍ متتالية:
لاء.. بس.. بس في واحد خطفني وعمل كده.. ومازن لحقني منه ووداني لدكتور..
نظرت له قطوف بأعين تملأها الدموع تهمس بكلماتٍ تشعر بعذابٍ تمنت لو تندثر بتلك اللحظة:
مش عارفة أعمل ايدي.. بتوجعني أوي.
أشفق عليها مهران بشدة، وردد بنبرة حنونة:
هيا بنا سنذهب إلى طبيب كي يبدل لكِ على هذا الجرح.
نهضت قطوف معه بانهزام، في حين حاوطها مهران ليشعرها بالدفيء ولكن كانت بأشد لحظاتٍ انهزام.
قام الطبيب بتبديل على جرحها ثم عاد به مهران للمكان الذي تختبئ به، دلفت لغرفة خاصة بها تبكي بشدة على ما فعله معها.
وظننت أنك الأمان فما كنت سوى أشواك!
********
عاد مهران إلى منزل محمد بعدما اتفق مع أحد الشباب بأن يقوم برعايته في غياب الفتيات، في حين صمت مهران ولم يخبر من بالمنزل عما حدث مع مازن.
********
انتهت مريم من عمله، وهبطت من الدرج إلى سيارتها ولكنها تفاجأت بورد عليها وبجانبها علبة هدية.
قطبت جبينها وسرعان ما زحفت بسمة سعيدة إليها وهي تعلم هوية من أرسلها، أمسكت بالصندوق ترى ما به لتجد عدد كبير من الشبسي ولكن ليس من نوعها المفضل، أمسكت بالورقة الموجودة جواره لتجدها تنص على:
( الشبسي اللي بتحبيه من المقاطعة وأنا عارف انك بملحقين ومش من اليهود فجبت النوع دا.. من ياسين العطار)
ضحكت مريم على حديثه، ثم أمسكت بأحد الأكياس وبدأت بتناولها في نهم، حملته مع الورد ووضعهما بالسيارة ولكنها تفاجأت برسالة منه على تطبيق التواصل الاجتماعي (WhatsApp) تنص على:
« عجبتك الهدية؟!»
تطلعت مريم للرسالة ثم أرسلت ببسمة متسلية:
لاء.
يا كدابة دا أنتِ فاضل تزغرطي بعد ما حد عبرك دا أنتِ قربتي تقشفي.
جحظت عيني مريم مما قرأته، في حين استمعت لطرقات على شباك السيارة، نظرت للطارق عليها فما كان سوى ياسين العطار.
رفعت حاجبها تغلق هاتفه بهدوءٍ، ثم انزلت الزجاج تردد:
حضرتك بترقبني؟!
أشاح ياسين بيده يردف بسخرية:
يا شيخة اتلهي هو أنتِ في حد بيعبرك أصلا.. أخويا عايز يكلمك في موضوع مهم وقولت تتكلموا في عيادة الشغل أحسن.
قطبت جبينها بدهشة، في حين ردد زين من خلف ياسين:
لو امكن يا آنسة مريم تساعديني!
علق ياسين قبل أن تنطق مريم:
مدام ياسين العطار مقدمًا أن شاء الله.
احتدت عيني مريم تحاول تجاهل حديثه تجيب على زين:
لو هقدر مش هتأخر.
رفعت هاتفه كي تتصل بالسكرتيرة التي لاتزال بالمكتب، فأخبرت زين بأنهم سيصعدوا ثم دفعت باب السيارة بقوة حتى اصطدم بياسين الذي أمسك بطنه في ألم، يردد بصوتٍ مغتاظ يحمل أنين الألم:
آآه يا بنت ال.. ماشي لينا حساب اصبري عليا.
تحرك مريم في غنج تصعد إلى عيادتها مجددًا، في حين صعد زين خلفها حتى وصلوا إلى المكتب اخبرت السكرتيرة أن تحضر لهم عصير كي يتناوله.
تعرفي إيه عن حياة ياسمين؟!
قالها زين ما أن جلس، في حين قطبت مريم جبينها بتعجب مرددة:
مش فاهمة.. أنا أعرف ياسمين من لما كانت لسه صغيرة قبل ما طنط تتوفى.
ركز زين على حديثها، يردف بشك:
طب هي اتصدمت ولا حصلها إيه؟!
حركت مريم رأسها نافية تجيب:
لا بالعكس قطوف ومازن فضلوا جنبها لحد ما اتحسنت وبقوا هما اللي بيساعدوها.. لما تحتار في حاجة هما يختاروا.. بس المشكلة إن ياسمين بقت مترددة حتى في ابسط القرارات.
ضيق زين عينيه، ثم أضاف متسائلًا:
هو مين اللي ربى ياسمين؟!
اجابته مريم محاولة تذكر تلك التفاصيل:
بص هو عمو محمد كان بيسافر كتير وقتها.. ساعتها قطوف ومازن تقريبا كان عندهم 12 أو 13 سنة فضلوا معاها وبياخدوا قرارتها وبيساعدوها لحد ما عمو جه وساعتها هي برضو مقدرتش تاخد قرار وبقى عمو محمد ياخد قرارتها.
صمت زين قليلًا، في حين تسألت مريم بتعجب:
ليه الأسئلة دي؟!
صمت زين قليلًا ثم اجاب بزفيرٍ:
عشان ورد بنتي بقت مترددة في قرارتها بعد ما كانت بتاخد قرارتها بنفسها ولما سألتها لقيتها بتقولي إن هي بتشوف ياسمين بتعمل كده.. فكنت عايز أعرف قصة ياسمين ولو أمكن تعالجيها.. ياسمين محتاجة تثق في نفسها شوية.
حركت مريم رأسها بنفي، تردد بنبرة متنهدة:
مش هتقبل مني... ياسمين شخصية منطوية شوية.. وأنا وهي مع بعض من زمان لو قبلتني كان هيبقى من زمان.. لو أنت ليك تأثير عليها حاول معاها.
حرك زين رأسه بشرودٍ ثم نهض من مكانه يردف بامتنان:
شكرًا يا دكتور أو مدام ياسين العطار مقدمًا.
قالها زين بمغزى فهمته مريم جيدًا، غادر زين وياسين في هدوء تعجبت له مريم ولكنه تحركت هي الأخرى عائدة إلى منزلها.
********
اقتحم ياسين وزين المكتب الذي يجلس به والدهم، يردد بصدمة:
بابا مازن في السجن!!
نظر لهما بهدوءٍ ثم قال:
أعلم.
قطب ياسين جبينه يردف بصدمة:
عارف!! ولما حضرتك عارف مقولتش ليه؟!
نهض مهران من مكانه يسير نحو الخارج مرددًا بسخرية:
ستعلم عندما تقابله.
تركهم مغادرًا المنزل، في حين انطلق كلًا من زين وياسين إلى القسم كي يروا ما الذي حدث مع مازن، بينما اتي الراعي الخاص بمحمد كي يبدأ ببعض الجلسات التي أمر بها الطبيب.
********
دلف كلًا من زين وياسين إلى غرفة الضابط كي يقابلا مازن، وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى أتى العسكري ومع مازن مقتضب الملامح.
هرول له ياسين يردد بلهفة:
مازن إيه اللي حصل؟!
نظر له مازن باقتضاب ولم يجيب، في حين تعجب ياسين من عدم رده ليسترسل بحيرة:
يابني ما ترد حصل إيه عشان تتسجن.. أنت اتنشر عنك إنك نصبت على رجال الأعمال.. الكلام دا صح؟!
رمقه بنظرة خاوية من المشاعر ثم قال بصوتٍ مقتضب:
جاي ليه يا ياسين! هتخرجني مثلا!! سبني في حالي وروح من هنا هي مش ناقصة!
دُهش ياسين من طريقته العدائية، ونظر له بعدم فهم متمتمًا:
بتتكلم كده ليه! ثم هفضل ورا القضية لحد ما اطلعك متنساش إني كنت ظابط.
راقب زين ردود أفعال مازن العدائية، وسار الشك بداخله، ليردف بهدوءٍ:
هي قطوف عرفت؟!
احتدت نظرات مازن، يتطلع نحو زين بعدائية، يردف بهجومٍ:
مش عايز اسمع سيرتها هنا.. أنتم جايين عشان تزروني ولا تسألوا عن واحدة غدارة.
اتسعت عين ياسين من حديث مازن، في حين تيقن زين من شكه وأن مازن صُدم من شيء فعلته قطوف، نظر له بقوة يردف بصوتٍ جاد:
ايه اللي يخلي واحد محتاج مراته معاه في اللحظة دي يقول عليها غدارة.. معتقدش أن قطوف فيها الصفة دي!
نطق بجملته الأخيرة في محاولة استفزازه، وبالفعل نجح ليهدر مازن بأعينٍ هجومية حادة، لأول مرة يراها كلًا من ياسين وزين:
لاء فيـــــها.. بتنتـــــقم مــــني بعد ما طلقتها.. دا إنسانة الوحيدة اللي ندمت على دخولها حياتي ومش عايز أشوفها تاني وبمجرد ما هخرج من هنا همشي في اجراءات الطلاق.. هخلي طلاقنا رسمي.
عجز ياسين عن الرد، في حين ردد زين بهدوءٍ وهو ينظر لعيني مازن بقوة:
خلي بالك اللي أنت فيه دلوقتي هيندمك جامد فكر كويس يا مازن قبل ما تاخد أي خطوة ترجع بعدها تقول ياريت اللي جرا ما كان.. ولينا قعدة سوا بعد خروجك.. يلا يا ياسين.
بالفعل غادر الأثنان من المكتب، في حين جلس مازن على أحد المقاعد يشعر بألمٍ يتخلل قلبه، عينيه تغرقاها الدموع، يردف بصوتٍ محشرج:
ليه محدش حاسس بيا.. محدش اترفض من كل اللي بيحبهم زي.. ولا شاف بعينيه أمه بتنتقم منه ومراته حب عمره بتنتقم منه.. كلهم دمروني وفي النهاية أنا اللي بتلام على اللي أنا فيه.
مسح دموعه سريعًا، مشاعر مبعثرة بعدما تم تكسيرها، تناثر كل شيء جميل بداخله، يراه الجميع مخطئ ولم يروا السر وراء هذا الخطأ.
تعتقدون أنكم ملائكة وأنا الشيطان ولكن بالواقع أنتم من سينحني لكم ابليس بعد ما فعلته بيّ... فأنتظروا ما سأفعله بكم!
********
خرج كلًا من زين وياسين الذي يحمل الذهول، يردف لشقيقه بصدمةٍ:
دا مازن.. العاشق لقطوف ومبيقبلش عليها كلمة بقى هو دا؟!
تنهد زين بحزنٍ على حال ابن عمه، ثم قال:
للأسف مازن اتعرض لضغوط كتير في حياته وأولهم أبوه وأمه اللي نكروه في حياتهم.. وتقريبا حياته مع قطوف مكنتش سهلة وأخر فترة بقت حساسة أوي بينهم وأكيد حصل حاجة خلت الأمر يوصل كده بينهم.. لما نروح هنشوفها ونتكلم عشان نحل الموضوع.
قطوف مختفية من امبارح يا ياسين.
قالها محمود بعدما ظهر من خلفهم، في حين نظر له زين بتعجب، ليسرع ياسين بتعريف محمود:
دا محمود صديق ومساعد مازن.
ثم أضاف بقلقٍ:
يعني إيه قطوف مختفية؟! راحت فين!!
حرك محمود رأسه بنفيٍ، يردف بنبرة حزينة:
معرفش.. والدك قال أنها اختفت ومحدش يعرف هي راحت فين.. ياسين قطوف الوحيدة اللي هيبقى معاها دليل براءة مازن.. لو مظهرتش مازن ممكن يتحكم عليه ومستقبله يضيع!
تعجب ياسين من حديثه، في حين ردد زين بتساؤل:
اشمعنا قطوف!!
سرد محمود كل ما حدث لتدفق الدماء بعروق ياسين يتطلع لمحمود بغضبٍ يمسكه من تلابيب ملابسه مرددًا:
أنت يا محمود تعمل كده.. وفي مين مازن!!
ادمعت عين محمود يردد بألمٍ:
حط نفسك مكاني يا اخي.. لو مراتك وحب عمرك اتخطفت ومرفوع عليها السلاح هي وابنك هتعمل إيه!! أنا مبعتش مازن أنا حاولت انفذ اللي بتقوله واطلع دليل لمازن يخرجه وانقذ ابني ومراتي في نفس الوقت.
زفر ياسين باختناق يتذكر مريم وما حدث معه، وتخيل للحظة أنه مكانه، دفعه بعيدًا عنه، يردد بعصبية:
المطلوب إيه؟!
اجابه محمود بحزنٍ:
لزمًا مدام قطوف تظهر وناخد منها عينة الدم او خصلة من شعرها المهم عينة منها عشان نحللها وإلا كده الدليل هيختفي والعينة مش هتنفع!!
صمت ياسين قليلًا ونظر إلى زين الذي ردد بغموضٍ:
يلا يا ياسين.
تحرك ياسين مع زين إلى منزل السيد محمد، وما أن وصلا حتى دلفا إلى مكتب الذي يقبع به والده وبالفعل وجده، هتف زين بجدية:
مازن هيتحبس لو قطوف مظهرتش يا شيخ مهران!
نظر مهران لابنه وعلم أنه غاضب عندما نطق بـ شيخ مهران، نهض مهران بشموخٍ مرددًا:
وماذا تريد؟!
أجابه زين بذات الثبات:
تجيب قطوف عشان نطلع دليل براءة مازن وألا كده هيكمل عمره في السجن!
ابتسم مهران بسخرية ثم قال بكلماتٍ علت الصدمة وجوه الجميع:
إذًا فليكمل الباقي من عمره بهذا السجن!!
يتبع.
رواية فطنة القلب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سلمى خالد
حالة من الذهول احتلت كيانهم، يتطلعان لوالدهما بنظرةٍ صادمة، قاطع هذا الصمت صوت ياسين يردد بذهول:
_ يعني ايه يفضل في السجن!!
منحه نظرة باردة، ثم أمسك بالعصا كي يغادر مجيبًا بثبات:
_ كما سمعت لن أكرر حديثي.
كاد أن يغادر مهران ولكن اوقفه زين مرددًا بهدوءٍ:
_ اتمنى فعلًا حديثك دا ميضيعش واحد من عيلة العطار للأبد.. خلي بالك يا شيخ مهران.
استدار مهران ينظر نحو زين بقوة، ثم منحه بسمة تحمل ثقة يردف بنبرة ثابته:
_ بكل مرة سأخبرك أنك لم تعرف الشيخ مهران.
تركهما تضارب افكارهما بشدة، في حين نظر ياسين بصدمة إلى زين يردد بقلق:
_ زين هنعمل ايه! متخيلتش إن بابا هيرفض يساعد مازن!!
تنهد زين قليلًا يتطلع لطيف والده المختفي، ثم قال:
_ ابوك بيفكر في حاجة مش عارفينها.. بس خايفة الأمور تفلت من ايده.
منحه نظرة تحمل القلق، ثم قال بصوتٍ مختنق:
_ طب بنسبة لمازن اللي بقى واحد تاني خالص.
اجاب زين بضيق:
_ مازن وصل لذروة تعبه.. ومش هيرجع غير لما يواجه نفسه وقطوف والحقيقة توضح قدامه.
قطب ياسين جبينه بدهشة، ثم تمتم:
_ مش فاهم!
بدأ زين بتوضيح حالة مازن متمتمًا:
_ مازن اتعرض للرفض من عيلته وهو صغير سواء من مقدم الراعية أو من غيره.. والده لما اتحايل عليه عشان يفضل ومقعدش ورفض وجود مازن بحياته، والتاني أمه اللي رفضت تعيش معاه وسايبة عمك محمد يربي مازن ولما كبر وبقى يقعد معاها بقت ترفضه وتزرع افكار جواه أن عمره ما هيتحب وإن أمه رفضته فأكيد الكل هيرفضه.. ودا كان واضح جدًا من طريقتها معاه..
ذهل ياسين من تحليل زين للأمور، ليسترسل زين بشرود:
_ بس الحاجة الوحيدة اللي معرفتهاش قطوف رفضت مازن إزاي عشان هو ينفجر ويبقى عدائي بالشكل دا!
_: لحظة واحدة وأنت عرفت كل دا إزاي؟!
تسأل ياسين بتعجب منه، في حين ابتسم زين بمكرٍ مرددًا:
_ عيب عليك.. اعتزالت المهنة آه بس لسه في امجادي بكبرها.
اغتاظ ياسين من غروره، ليردف بغيظ:
_ ياعم اخلص أنت محسسني انك السادات.. قولي عرفت إزاي؟!
ضحك زين بخفة ثم اجاب بهدوءٍ بعدما تخلص من ضحكه:
_ سمعت مازن وهو بيحكي كذا مرة عن والدته بنفور.. وكمان خوفه أن يتعرف أنه مريض سكر.. زائد شكيت في طريقة مازن وتعامله مع الكل.. دا غير لما بيتعصب بيضرب ايده ودا من العلامات اللي فيها.
كاد ياسين أن يسأل ولكن قاطعه زين مرددًا:
_وعرفت منين عشان متسألش .. منه لما سألته قبل كده .. الباقي من ماضيه عرفته من قطوف وياسمين لما سألتهم بشكل غير مباشر عن والد مازن وليه متعلق بخاله أوي كده .
انهى زين حديثه مع ياسين الذي جلس على أحد المقاعد، يتطلع نحوه بحيرة، ثم أردف بقلق:
_ طب ومازن هيتعالج ازاي؟!
اجابه زين بهدوءٍ:
_ لزمًا يخرج الأول ونعرف حياة مازن وقطوف كانت عاملة إزاي وبعدها نعرف هل قطوف عملت كده ولا لاء واعتقد لاء لأن قطوف حبة مازن ولو قطوف بريئة نثبت دا لمازن.. وبعدها نرجع نزرع جوا مازن أنه مقبول مننا وأنه مش مرفوض زي ما أمه فهمته.
*************
_: متحولش الفلوس دلوقتي استنى شوية وبعدها حولها على حسابي.
أغلقت الهاتف تلقيه بعيدًا، تبتسم بسعادة وهي تتطلع للأعلى، بهمس بجنون وكأنها ترى الجميع:
_ انتقمت منكم كلكم وخلتكم زي كلكم مرضى... أنا مش هبقى لوحدي اللي مريضة وبعاني سنين.
بدأت بضحك هستيري لا يوجد له سبب، أُصيبت بالجنون وأصبح جميع من حولها يسير بطريقها!!
**********
اغلق الباب بهدوءٍ يسير نحو الداخل كي يرى ابنة شقيقه، يحمحم بصوته كي تعلم بوجوده ولكن اتسعت مقلتيه ما أن رأها ملقاه أرضًا، لا حول لها ولا قوة، أسرع نحوها يحملها سريعًا واضعًا ايها على الفراش، ثم حاول الاتصال على طبيب فلم يكن متاحًا، ليسرع إلى الخارج يهرول نحو الصيدلية كي يسأل على الطبيب وبالفعل وجد احدهم صعد معاه كي يرى ما بها قطوف فما كان سوى هبوط بالدورة الدموية لسوء الغذاء، غادر الطبيب وبقى مهران جوار قطوف يمسح على خصلات شعرها بحنونٍ، يردف بحزنٍ انفطر قلبه منه:
_ آه يا صغيرتي لم اتمنى يوم أن أرى به وجهك يذبل مثل القطف الزهور.
سالت دمعة من عين قطوف نعم يعلم أنها مستيقظة ولكن لا ترغب بالتحدث، زحفت بسمة مهترئ على شفتي مهران ثم قال بنبرة دافئة:
_ أتعلمين أن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام حاربه أهله! وأنه كان يقف دائمًا بمواجهتهم أثناء الدعوة الاسلامية، تخيلي يا صغيرتي أن هناك شيء تريدين أن تخبرينا به وأن ترشدينا للصواب ونحن ليس منا سوى اهانتكِ وإلقاء القسوة عليكي مثل الجمرات الحارقة، ما أنتِ به مثل قطرة صغيرة مقارنة بما مر به الرسول..
فتحت قطوف عينيها تنظر نحو مهران الذي اتسعت ابتسامته يكمل بحبٍ:
_ ولكن أعلم أيضًا أنه ضاق صدرك مما يحدث، جددي ثقتك بالله وأعلمي أن ما أنتِ به ليس سوى اختبار ستُبنى حياة بعده.. انهضي وجددي حياتك بصفحة جديدة مع الله عز وجل.
نظرت له بألمٍ أغرق وجهها، ثم همست بصوتٍ مبحوح:
_ طب ممكن حضرتك تساعدني اتوضا.
حرك رأسه بإيجابية يساعدها على النهوض، اتكأت قطوف على ذراع مهران حتى وصلت إلى الحمام دلفت إليه تتوضأ ببطءٍ، ثم غادرت الحمام وعادت إلى غرفتها بمساعدة مهران ارتدت ملابسها وقبل أن تقف أمام الله كي تناجيه استمعت لمهران يردف:
_ سأتركك كي تكوني في راحة ولكن أعلمي بعد خروج من تلك الغرفة يجب أن تعود طاقتك من جديد كي تواجهي الجميع.
نظرت له بأعينٍ زائغة، ثم تركها مهران لتبدأ قطوف بقول:
_ الله أكبر..
بدأت بقرأت سورة الفاتحة تسيل دموعها تدريجيًا، حتى سجدت على الأرض لتبدأ بالبكاء بقوة، تردد بألمٍ:
_ اللهم أنتَ أعلم بما تكنه نفسي.. وتعلم ضعفي وقلة حيلتي.. يارب اللهم أنقلني من حولي وقوتي لحولك وقوتك.
تناجي الله وتروي له ما حدث.. ما تشعر.. تخرج ما لم تستطع أن تخبر به الجميع، انتهت من الصلاة ولكن شعرت برغبة قوية في النوم، ذهبت إلى السرير كي تغفو لعلها تستيقظ بشكلٍ أخر.
*************
بدأ كلًا من زين وياسين ومحمود بالبحث عن قطوف، يحاولون أن يجدوها، ولكن لم يدع لهم مهران فرصة كي يجدوها، في حين بدأت ياسمين تشعر بالقلق من اختفاء شقيقتها واعتقل مازن بالسجن، وعادت رسائل جمال مجددًا لها، ولكن ازداد خوفها بعد سفر زينة وملك إلى البلدة مجددًا لقضاء بعض الأغراض ثم العودة بعد عدة أيام، في حين بقت ميرڤت تتابع تلك الأخبار ببسمة تحمل السعادة نعم تشعر بالقلق من اختفاء قطوف ولكن ليس مهم بالنهاية هي الآن تتحكم بها.
**********
عاد زين إلى المنزل فوجد ياسمين تجلس على مقعد وإلى جوارها ورد التي تنام على قدمها، تقدم منهما يهمس بهدوء:
_ هاتيها انيمها في الأوضة.
حركت ياسمين رأسها وبالفعل حملها زين بهدوءٍ يسير نحو الداخل ولكن اوقفته ياسمين مرددة:
_ ممكن بعد ما تحطها تيجي اتكلم معاك في موضوع.
تجمد جسده لدقائق يستدير لها بصدمة، في حين تلون وجهها بحرجٍ تفرك يديها بتوترٍ، ابتسم زين بسعادة يردد بحبٍ:
_ ممكن طبعًا.
صعد زين إلى المنزل، في حين بقت ياسمين تتطلع للأمام بشرود تتذكر كلمة زينة لها..
****
( بصي يا بنتي كلمة حطيها حلقة في ودنك ولو والدتك الله يرحمها موجودة كانت قالتهم.. محدش هيشيلك غير نفسك.. زعلك جرحك خنقتك كل حاجة محدش هيعرف يعالجها غير نفسك)
نظرت لها ياسمين باختناق، تحبس دموعها بصعوبةٍ، تردد بصوتٍ مختنق:
_ واللي مش عارف يساعد نفسه يعمل إيه؟!
ابتسمت زينة لها، تجيبها بنبرة ذات مغزى:
_ وقتها بتروحي للي قادر يساعد.. حد بيحبك وخايف عليكي.. حد بيعرف يساعد.. في الأخر ربنا خلقنا سوا عشان نساعد بعض ويبقى بينا خير بس منعتمدش على بعض يا ياسمين دا قصدي من الكلام... فكري كده واختاري شخص يساعدك صح.
*****
عادت من تلك الذكرى على صوت زين، ينادي اسمها، انتفضت من مكانها تردد بتوترٍ:
_ آسفة كنت سرحانة.
ابتسم زين بهدوءٍ ثم قال:
_ ولا يهمك.. قوليلي بقى ايه اللي عايزة تتكلمي فيه!
تنهدت بتوترٍ تنظر إلى يديها اللتان تفركهما سريعًا، في حين ردد زين بحنوٍ:
_ اتكلمي يا ياسمين متخافيش لا حد يعرف باللي هتقوليه.. ولا اللي هتقوليه هيغير من نظرتي ليكِ.. هتفضلي زي القمر اللي مميز السماء بوجوده.
تلون وجهها بخجلٍ، ثم قالت بصوتٍ أصبح مختنق تدريجيًا:
_ مخنوقة أوي.. مخنوقة من كل حاجة حوليا.. من بعد قطوف واللي حصل لمازن وحياتي اللي مش بعرف اخد فيها قرار.. نفسي اقدر اتكلم واعيش.. اخد قرار ومندمش عليه.. مبقاش مستنية زي العيلة الصغيرة حد يجي يجبلي حاجتي.
:_ متأكدة أن دا خنقك ولا مخنوقة من أنك بقيتي لوحدك وحياتك وقفت لما قطوف ومازن اختفوا؟!
قالها زين بهدوءٍ، في حين شعر ياسمين بغصة أليمة بصدرها، تردد بصوتٍ مبحوح:
_ آه.. عشان حياتي وقفت بسبب بُعد قطوف.. خايفة في يوم يحصل حاجة تخليني أكره أختي.. عايزة اعتمد على نفسي أشوف حياتي وابقى سند للكل مبقاش حمل عليهم.
تمتم زين بعملية عالية:
_ طب إيه اللي مش مخليكي تاخدي قرار.. بمعنى إيه اللي مخوفك من إنك تاخدي قرار!
نظرت ياسمين بشرودٍ، تردف بصوتٍ وهن:
_ معرفش بس اتعودت على التردد وإن حد ياخد القرار مكاني.. ولما الموضوع اتغير بقت بتخنق.. حاسه إن حياتي بتدمر..
هوت دمعة من حدقتها تردف باختناق:
_ نفسي ابقى قوية ومحدش يدوس عليا ويستغل ضعفي زي عمتي ما استغلته ودمرت حياتي.
قطب زين جبينه بتعجب يردف بتوجس:
_ دمرت حياتك إزاي؟!
بدأت تسيل الدموع من حدقتيها، تتشنج عضلات جسدها، تجيب بألمٍ:
_ كانت كل ما تشوفني تعايرني اني ضعيفة ومبقدرش أعمل حاجة.. علطول تستغل إني مش برد أو أن قطوف مش موجودة وتفضل تهين فيا.. أوقات كانت توقعني على الأرض عشان تقلل من ثقتي بنفسي..
أخذت نفسًا تشهق بألمٍ من تلك الذكريات التي تهاجمها، تردف باختناق:
_ هي اللي خطفتني يوم كتب الكتاب عشان تدمر حياتي... مهمهاش أنا هعيش إزاي! كل اللي همها إنها تدمر حياة أخوها.. ولما قررت أبعد ظهر في حياتي واحد حاول يقتلني لما رفضت دخوله حياتي.. ولما بعدت بدأ يهددني كل يوم رسايل تهديد كل يوم عذاب وتفكير هو ممكن يعمل فيا إيه.. أنا تعبت من كل الناس.. كل اللي في حياتي أذوني!
وضعت وجهها بين راحتي يدها، تجهش بالبكاء، في حين اخرج زين منديل ورقي من جيبه واعطاه اياها، ثم قال بنبرة حنونة:
_ أنا عارف أن حياتك مكنتش ألطف حاجة.. ويمكن مريتي بصدمات كتير.. بس أنت بايدك تغير دا.. أنتِ مش ضعيفة يا ياسمين.. بالعكس جواكي قوة كبيرة.. كونك بتتعاملي بحب مع الكل على الرغم من اللي حصل دا يخليني أقولك إنك بس محتاجة وقت وأنك تبدأي تشتغلي على نفسك.. انزلي اشتغلي.. جربي ومتخفيش من حاجة.. ايه يعني اخدت قرار غلط مش مهم المهم انك اتعلمتي.. من بكرة دوري على شغل وابدأي يا ياسمين.. وبنسبة لموضوع الشخص اللي بيهددك سبيه عليا وأنا هعرف احله.. ثقي فيا.
مسحت وجهها بذاك المنديل، تردد من وسط شهقاتها:
_ يعني مخفش!
زحفت بسمة حنونة له، يجيب بحبٍ:
_ متخفيش.. أنتِ مش محتاجة غير إنك بس تثقي في نفسك شوية وشوفي حياتك هتتغير إزاي.
:_ طب لو قررت غلطت ؟!
قالتها وهي تمسح دموعها بظهر يدها، أجاب زين ببسمةٍ:
_ اتخلقنا عشان نغلط يا ياسمين ونتعلم من الغلط دا.
لا تزال تشعر بخوفٍ، تتذكر الماضي بأكمله، ترى هذا الشريط الأسود بحياتها، لا تعلم لِمَ فجوة الماضي لا تنتهي، كيف ستستطيع أن تتأخذ قرار فعلته من قبل وكانت حياتها ستُفنى، عادت مجددًا إلى تشنجاتها، تحرك رأسها بنفيٍ مرددة:
_ لا لا أنا حياتي كلها سودا وعمري ما شوفت غير الأسود فيها .
ردد زين بحنوٍ ممزوج بصبر:
_ الأسود موجود عشان الأبيض يبان.
لم تتوقف تشنجات ياسمين، في حين أسترسل زين بذات النبرة:
_ عمرنا ما كنا هنعرف قيمة الحلو إلا لو شوفنا وحش.. دي معادلة الدنيا.. خليها دايمًا براسك شوفت أسود والابيض هيبان بعده.. مش يمكن خلاص محطة اللون الاسود قربت تخلص وجه الدور على الأبيض.. افتكري إن المرة دي أنا هكون معاكي يا ياسمين.
بدأت هذه التشنجات بتوقف تدريجيًا، في حين أردف زين وهو ينهض كي يترك لها مساحة للتفكير:
_ اوعى تيأسي بسرعة.. فكري براحتك وبكرة هستنى تقوليلي هشتغل واغير مستقبلي وحياتي.
تركها مغادرًا الحديقة، في حين جلست ياسمين تفكر بحديثه ولكن تشتت عقلها في اتخاذ القرار!!
********
صعد ياسين إلى عيادة مريم، يحمل بعض الأكياس المليئة بالمأكولات الساخنة، دلف إلى السكرتيرة التي اخبرته برغبة مريم في الطعام، وردد بامتنان:
_ شكرًا على مساعدتك.
ابتسمت مساعدة مريم تردد بودٍ:
_ العفو.. دكتورة مريم قبل ما تكون صاحبة الشغل هي صديقتي واختي وأنا عايزة سعادتها... هروح ابلغها إن الاوردر وصل.
حرك رأسه بإيجابية ينتظر السكرتيرة بأن تخبره بالدلوف، وبالفعل أشارت له بأن يأتي ودلف ياسين إلى المكتب بسعادة قائلًا:
_ جبتلك شوية كباب وكفته هتبوسيني بعدها.
اتسعت عين مريم بصدمة، ثم ردد بغيظ:
_ احترم نفسك.
عوج فمه بحنقٍ، يردد واضعًا الأكيس على الطاولة:
_ اتنيلي دا حتى ما عارف ألبسك دبلة.
رمقته بنظرة نارية، تردد بغيظ:
_ أنت ايه اللي جابك؟!:_ بس غبوة شوية ما جاي عشان اجبلك الأكل ونتطفح لقمة سوا ويبقى بينا طفح قصدي كباب وكفته.
قالها ياسين ببلاهة، في حين أغمضت مريم عينيها بنفذ صبر تردد بعصبية:
_ أنت كده يعني بتصالحني!:_ لاء.. ويلا عشان أنا جعان.
قالها وهو يجلس أمام الطعام، في حين اشاحت مريم بوجهها بعيدًا مرددة باقتضاب:
_ مش عايزة منك حاجة.
رفع كتفيه في لامبالاة ثم قال وهو يهم بتناول الطعام:
_ براحتك.
عضت مريم على شفتيها، تنهر نفسها بسبب شعورها بالجوع الشديد ولم تتوقع رده البارد هكذا، بدأ ياسين يصدر بعض الأصوات التي ازداد جوع مريم بسببها، نظرت نحوه لتجده يأكل بنهم، في حين لم يتطلع لها ياسين بل اكمل تناول الطعام ببرودٍ، لتردف مريم بحنقٍ:
_ اطلع برة أنت جاي تاكل هنا.
رفع ياسين حاجبه، يردف ببرودٍ:
_ ما قولتلك كلي.. عملتي فيها ان اندبندت ومان ومرضتيش اشربي بقى.
امسكت مريم بالقلم ثم ألقته عليه، تردد بحنق:
_ وانت لو عندك بربع جنيه ذوق كنت عزمت تاني إنما أقول ايه عوض عليا عوض الصابرين.
مد ياسين يده بسندوتش صغير، ثم قال بهدوء:
_ خدي كلي طيب.
نظرت ليده الممدودة، ثم امسكت السندوتش ولم تستطع الرفض لجوعها، بدأت تتناوله بنهم شديد، ابتسم ياسين لها ونهض من مكانه بعدما أعد سندوتش أخر يردد بحبٍ:
_ أنا مش عايز أكتر من انك تفتحي قلبك زي ما فتحت بوقك للأكل كده وسبيني اوصل لقلبك تاني.
:_ ايه التشبيه دا! امشي يا ياسين من هنا.
قالتها مريم وهي تكمل باقي تناول طعامها، ابتسم وهو يستدير مغادرًا ولكن ألقى كلمته الأخيرة:
_ هتعبر انك وافقتي تديني الفرصة دي.
نظرت مريم لظله ثم ضحكت على طريقته، وعادت تتناول بنهم مرة أخرى.
***********
مر شهر لم يستطع أحد ايجاد قطوف، في حين تم تحديد موعد الحُكم على مازن أن لم تظهر قطوف، في حين بدأت ياسمين بالعمل وانشغل زين بمساعدتها واعطائها بعض التعليمات الخاصة بالإرشاد والتي بدأت تتحسن عليها، ولكن ما زاد تعجب ياسمين اختفاء جمال ورسائله عنها، في حين لم تخلو تلك الفترة من مشاكسة ياسين مع مريم.
*********
داخل المحكمة..
اقترب مهران نحو القفص الخاص بالمتهمين، يتطلع إلى مازن بأعينٍ ثابته، يردد بجدية:
_ أتمنى اليوم أن تتعلم درسًا على ما ستراه.
نظر له مازن بسخطٍ، ثم قال بعدائية:
_ ليه هو أنا مشوفتش ومتعلمتش.. أنا اللي شوفته محدش شافه ومش عايز حد معايا وياريت تمشوا لأن مش محتاج حد معايا تاني.. كفاية اللي كانوا في حياتي وضيعوها.
:_ محكمة.
قالها ذاك الرجل الذي يقف بالجوار، في حين أتى القُضاة يجلسون بأماكنهم، بدأ القضية الأولى بمازن العطار، الذي لم يتطلع نحو مهران بعدما عاد مكانه إلى جوار زين وياسين وياسمين ومحمود وبقى مازن يتطلع بجمودٍ إلى القاضي الذي كان يستمع للمحامي الخاص بمازن والذي اختتم حديثه قائلًا:
_ وهنا يا حضرة القاضي في المستند دا يثبت أن مدام قطوف العطار مضت على توكيل للمحامي تحت تأثير مادة مهلوسة ودا ثبت في التحاليل والتقرير اللي موجود في المستند مع حضرتك... وبكده يا حضرة القاضي نثبت أن التوكيل اللي معمول دا يحمل التزوير ولا يثبت صحته و في طرف تالت مختفي عمل كده عشان يوقع مازن العطار.
تطلع القاضي للأوراق الموجودة، ثم نهض مع الباقية كي يصدروا الحكم على مازن، استدار زين إلى والده يردف مضيقًا عينيه:
_ قطوف فين يا بابا؟ وليه مظهرتش الدليل مدام معاك من بدري؟!
تنهد مهران قليلًا، ثم قال بهدوء يتطلع لياسين وزين:
_ كي أُأكد إلى مازن أن قطوف لم تفعل شيء.. وأنها بالرغم مما فعله معاها لم تتخل عنه وتتركه كما تركها.. فقط أردت أن أُعيد مازن لطريق العودة.. وان يصبح سوي نفسيًا.
ابتسم زين إلى والده، في حين شعر ياسين أن والده بالرغم من مظهره القاسي إلا أنه يحمل قلبًا رحيم، عاد القضاة مجددًا يردد احدهم بالحكم:
_ حكمت المحكمة على المتهم مازن العطار في القضية *** بعد رؤية الادلة ببراءة المتهم من التهمة المنسوبة إليه.
طرق القاضي بالمطرقة وتهلل سرير الجميع، وغادر الجميع من قاعة الحُكم ينتظرون ان يمر الوقت بفارغ الصبر كي ينتهوا من اجراءات الحكم.
مر وقت وتعاقبت عقارب الساعة، وقف مازن على باب محكمة يهبط من السُلم بهدوءٍ، يتذكر ما قاله المحامي وأن قطوف كانت تحمل دليل براءته، إذًا لِمَ لم تعطيه له منذ البداية إلا إذا اردت الانتقام منه!!
توقف عن الحركة ما أن رأها تقف أمامه بكامل قوتها، نظر لحدقتيه اللتان تلتمعان بقوة غريبة، ملامحها التي اشتاق لها، قبض على يديه بقوة، يسُب قلبه الذي لا يزال ينبض لأجلها، في حين تقدمت قطوف منه حتى أصبحت بمواجهته لتنطق بنبرتها الساخرة:
_ تحب أقولك حمدلله على السلامة ولا كفارة..
ثم همست بصوتٍ يحمل السخط وهي تقترب من أذنه:
_ كفارة يا ابن العطار ولا يا ابن ميرڤت أحسن!
رواية فطنة القلب الفصل الثلاثون 30 - بقلم سلمى خالد
نظرات الغضب تملأ عينيه، يديه اللتان يبسطهما ثم يقبض عليها بقوة كي يهدئ من ذاته المتهيجة، في حين نظرت له قطوف بسخطٍ منه ثم قالت بنبرة ساخرة تسترسل بها الحديث:
_ كنت فاكر إني هاجي جري وأقولك إني مش عارفة أعيش من غيرك الأيام اللي فاتت.. وإن حياتي وقفت بعد ما اتهمتني بأبشع الاتهامات.. لا فوق أنا قطوف محمد العطار اللي محدش قدر يكسرها.
لحّت بسمة مماثلة لبسمتها في بداية الحديث لديه، يردد بأعينٍ تحمل القسوة:
_ وأنا مازن العطار اللي جه كسر قاعدة قطوف وكسرها. وأكبر دليل إنك جيتي هنا عندي.. عشان تقنعي نفسك إنك فعلًا متكسرتيش وترضي غرورك اللي كسرته...
اقترب منها حتى أصبح جوار أذنها يكمل بهمس قاسٍ جعلها تتألم:
_ تحب أقولك أنا سامع إيه دلوقتي.. سامع صوت نبضات قلبك وهي خايفة تواجهني.. خايفة تسمعي كلام يدمرك.. أنتِ مهما عملتي يا قطوف هفضل العقبة الوحيدة اللي مش هتقدري تتخطيها.. ولو فاكرة إني هرجع لواحدة غدارة بتبيع أي حد زيك فده في أحلامك.
كبحت دموعها بصعوبة، ولكن وجهها تلوّن بحُمرة، دفعته بقوة كي يبتعد عنها، تشعر بألمٍ يعتصر قلبها مما يتفوه به، فهي حاولت أن تثبت لذاتها أنه لن يفرق معها ولكن أخطأت.. نظرت له بألمٍ ممزوج بغضب مرددة:
_ أنا فعلًا جاية أثبت إنّي متكسرتش.. مش جاية عشان أرجعلك يا مازن..
ثم استرسلت بصوتٍ مبحوح:
_ ولو في يوم جه عشان نرجع لبعض.. مش هرجعلك وأنا عندي استعداد أقتل نفسي ولا إن قلبي يوجعني لحظة عشان أرجعلك... أنت قفلت كل الطرق يا مازن.
استدارت سريعًا قبل أن يرى دموعها التي انسابت على وجهها، تسير بعيدًا عنه، تشعر بغصة أليمة تقتلها، اقتربت من سيارة مهران ثم دلفت من الباب الخلفي كي تجلس جوار مهران، تأملها مهران بصمتٍ ثم فتح ذراعيه في حين بدالته نظراتٍ تحمل الألم ثم قالت وهي تلقي بذاتها داخل أحضانه:
_ وجعني يا عمو.. وجعني أوي.. كل مرة بشوفه فيها ببقى نفسي أصرخ وأقول لقلبي كفاية بقى دا اللي أذاك وبيوجع فيكي عايزة ترجعيله ليه!
ربّت مهران على ظهرها يحاول أن يهدئ من شهقاتها التي تزداد شيئًا فشيئًا، في حين دفنت قطوف وجهها بأحضان عمها بقوة قائلة بألم:
_ هو ليه قلبي اختار اللي بيأذيه.. ليه اختار اللي بيوجعه ويدوس عليه بالشكل ده.
_ أهدئي صغيرتي.. كله سيمر.. عليكي فقط أن تتحلي بالقوة.. وأنا إلى جوارك.
قالها مهران مربتًا عليها في حنو، في حين تمتمت قطوف بإرهاق ظاهر:
_ يمكن دي الحاجة اللي خلتني عايشة لحد دلوقتي.. وجود عم زيك.
غادرت سيارة مهران للشقة الخاصة به، في الجانب الآخر وقف مازن يتطلع لظلها، يتذكر ملامحها الباهتة، عينيه اللتان تصرخ شوقًا له، نعم يعشق النظر لها، ولكن يكفي ما حدث معه، لن يتعرض للرفض مجددًا، سيسحق من يحاول أن يقترب منه ثم يلقيه كالقمامة.
كاد أن يغادر ولكن أوقفه زين يردد بجدية:
_ ليه أذيتها كده وأنت لسه بتحبها؟!
استدار مازن يتطلع له ثم قال بغضب:
_ أنت مش شايف إنها هي اللي أذت مش أنا.. أنا مجرد بس بدوقها من نفس الكاس اللي أنا دوقته منها.
نظر له زين بهدوء ثم قال:
_ مش هي اللي رفضتك يا مازن ولا أذتك.
انفعل مازن بقوة، يردد بعصبية:
_ لا هي.. هي اللي لما اتكتب كتابنا كانت عايزة تطلق.. هي اللي كانت بتكره وجودي من زمان.. حاولت معاها كتير لحد ما افتكرت إنها حبتني.. وعشان أحميها من ميرفت روحت عملت المستحيل ليها.. وفي النهاية تاخد فلوسي وتضيعني وتسجني!!
تقدم زين منه ثم قال بنبرة تحمل الرزانة:
_ تعالى معايا يا مازن في حاجات لازمًا تعرفها.. يلا بينا على شقتك.
ضيق مازن عينيه من معرفته لمكان الشقة، ليكمل زين بفطنة من نظراته:
_ قولتلك في حاجات كتير محتاج تعرفها.
تحرك معه مازن وهو يشعر بوجود خطبٍ ما، في حين تحرك زين نحو شقته التي أخبره بها ياسين، يزعم على بدأ في علاج مازن.
***
دلف مهران مع قطوف إلى الشقة التي تختبئ بها، ثم ساعدها على الجلوس ووضع هذه الحقيبة التي تحوي طعامًا، يردف بهدوء:
_ هيا تناولي شيئًا قبل أن يأتي الطبيب.
نظرت له قطوف بأعينٍ مرهقة، متورمة من البكاء، ثم قالت:
_ مليش نفس يا عمو.
أمسك بشطيرة وبدأ بتقطيعها ثم مد يده بها يردد بجدية:
_ أول شيء يجب أن تفعله بتلك المعركة هو أن تمدي جسدك بالطاقة كي لا تقعي بالمنتصف.
نظرت له بتعبٍ ممزوج بتعجب، في حين ابتسم مهران يردف بصوت حنون:
_ مازن مريض يا قطوف.. يظن أنكِ السبب فيما هو فيه.. هو مشتت الآن وزين سيبدأ العلاج معه.. وأنا هنا كي تعودي كما كنت.. ثم تقرري وقتها أن كنتي تريدين البقاء معه أم لا.
بهتت ملامحها، وشعرت بألم يمسك قلبها يقبض عليه بعنفٍ، ثم همست وهي تمسك الشطيرة:
_ مش هتفرق.. سواء مريض ولا لأ.. أنا اللي دفعت تمن أي حاجة حصلتله من ماضيه.. وأنا اللي دلوقتي عايزة أتعالج من الخوف والضعف اللي أنا بقيت فيه.
بدأت تتناول الشطيرة بهدوء، في حين ابتسم مهران بمكرٍ وهو يرى طريق خطته يسير بنجاحٍ كما توقع، أنهت قطوف تناول الطعام ونهضت تعد ذاتها كي يأتي جارها الطبيب هاني طبيب صحة وإرشاد نفسي.
***
_ دي كل القصة.. قطوف معملتش حاجة يا مازن وأنا اضطريت لكده.
قالها محمود ينكس رأسه للأسفل في خذلان، في حين علت الصدمة وجه مازن، يحرك رأسه نافيًا، يردف بعدم تصديق:
_ لا لا أكيد بتقول كده عشان تنقذ قطوف.
أغمض محمود عينيه ثم أخرج هاتفه وقام بفتح تسجيل بينه وبين ميرفت أثناء الاتفاق، لتتسع عين مازن بصدمة، يشعر أن ما يحدث ليس سوى قصة درامية قاسية تدور من حوله، انتفض مازن يهجم على محمود بقوة يردد بصوتٍ مختنق:
_ أنت تعمل فيا كده.. خلتني أدمر حياتي ومراتي عشان اتفاق قذر بينك وبينها.
أدمعت عين محمود بألمٍ، يردف بصوتٍ شرس مدافعًا عن نفسه:
_ عشان بحب مراتي عملت المستحيل عشانها.. مفكرتش لحظة أأذيها.. أنت لو حبيت مراتك ربع الحب اللي حبيته لمراتي عمرك ما هتفكر تأذيها.. ممكن تأذي أي حد بس هي لاء.
لكمه مازن بقوة، تشتعل عينيه بغضبٍ جامح، في حين حاول زين أن يقف بينهما، ليهدر مازن بنبرة مخيفة:
_ أنت مين أنت عشان تقول بحبها ولا لاء.. أنت مش أنا عشان تتكلم ولا أنت في ظروفي.. وملكش أي حق تتكلم في حياتي الشخصية... كفاية دمرتها.. وابقى قول لمراتك افرحي جوزك بقى خراب بيوت.
كاد محمود أن يتحدث ولكن ارتفع صوت زين يردد بحدة:
_ أنتم اللي اتنين أغبية لدرجة دي.. في إيه!! دا مفهومكم عن الحب.. واحد يأذي مراته عشان ينقذها.. والتاني يدمر حياة ناس تانية عشان ينقذها.. اللي أنتم فيه دا اعتقدكم أنتم.. أما لو على الحب فهو لا تأذي ولا تتأذي..
نظر زين نحو مازن يردد بسخطٍ:
_ دلوقتي حياتك عاملة إزاي بمفهوم الحب بتاعك.. مراتك سبتك ومش عايزة ترجع.
ثم نظر إلى محمود يكمل بذات السخط:
_ وأنت تخيل لما مراتك تعرف إنها السبب في خراب بيت حد تاني.. وتفضل عايشة في ذنب إنها دمرت حياة ناس تانية.
عاد يتحدث بنبرة هادئة يزيل منها شوائب السخط:
_ انتم الاتنين غلطانين.. مازن كان المفروض تقول لمراتك وتتشاركوا سوا.. مهما كانت المشكلة تحلوها سوا.. لأن الجواز قايم على المشاركة سواء في الحلوة أو في الوحشة.. مش تتصرف من دماغك تحت مسمى إنك بتحميها.. والاستاذ محمود كان المفروض يروح لمازن صاحب المشكلة ويحلها.. مش يدمر حياته تحت مسمى إنه بيحمي مراته..
زفر محمود بضيق مما يحدث، في حين أكمل زين متطلعًا له:
_ روح أنت يا محمود وهرن عليك نتقابل.
حرك رأسه ثم غادر الشقة، في حين نظر زين إلى مازن يكمل بهدوءٍ:
_ الحب يا مازن مش إنك تتحمل كل حاجة لوحدك.. الحب إنك تدي وتاخد.. إنك تشارك.. إنك تسمع اللي قدامك بشغف.. إنك تحب لحظات وجوده.. إنك مهما لفيت عارف إن حضن الشخص دا هيعالج كتير فيك.. وإنك تتلهف لما تشوفها علطول وكأنك لسه بتتعرف عليه.. عمره ما كان بالأذى زي ما أنت فاهم.
أدمعت عين مازن يجلس على الاريكة بإهمال يردد بصوتٍ مبحوح:
_ بس أنا اتأذيت جامد من كل اللي بحبهم.. أمي قتلتني بدم بارد ومش عارف إزاي هقدر أبص في وشها.. أبويا رماني ونسي أنه مخلف طفل محتاجه.. حتى قطوف رفضتني وكانت بتعمل المستحيل عشان تطردني من حياتها.
جلس زين بمواجهته، يردد بنبرة ذات مغزى:
_ وفي النهاية قطوف الوحيدة اللي دفعت تمن كل حاجة حصلت في حياتك.. قطوف مش السبب في رفض والدك ولا كره والدتك ليك.. قطوف ظروف جوازها منك خلتها رافضة فكرة إنها تبقى مجبرة بالشكل دا.
أغمض مازن عينيه يضع يده على وجهه بحزنٍ، قد كشف له زين كل شيء، الآن يجب أن يعترف بحقيقة كان يخفيها عن نفسه، حاول كبح دموعه من الهبوط، ثم قال بصوتٍ متألم:
_ مكنتش عايز أدفعها التمن.. عملت المستحيل عشان نبقى سوى وأنجح علاقة واحدة من كل العلاقات اللي في حياتي وباظت.. بس دمرتها.
_ محدش يقدر يبني عمارة من غير ما يحط أساس سليم.. لو الأساس في العمارة غلطة العمارة كلها هتتهد.. وأنت مكنتش في حالة تسمح ليك تبني علاقة وحياة.. كنت لازم تتعالج يا مازن وتتأكد أنك مش مرفوض من الكل ولا تخاف من أن حد يرفضك ويسيبك.
تسارعت وتيرة انفاسه بقوة، كلمات زين أثارت بداخله هذا الهاجس، نظر إلى زين بأعين حمراء، ثم قال:
_ مخافش إزاي من الرفض وأمي اللي هي أكتر إنسانة المفروض تحبني رفضت وجودي في حياتها.. دا حتى بابا رفض وجودي في حياته وسبني.. عايزني بعد دول مخافش.
ابتسم زين بهدوء ثم قال:
_ آه متخفش.. أنت ركزت وعملت focus على والدتك ووالدك.. ومعملتش focus على خالك محمد ولا ياسين ولا خالك مهران.. ولا ياسمين ولا أمي ولا جمال.. كل دول ناس متقبلينك.. ياسين فضل معاك وبيدور على قطوف عشان يجيب دليل براءتك.. أنا فضلت متابع القضية.. ياسمين كل يوم بتدعي ليك هي وورد بنتي.. كل دول متقبلين وجودك وعارفين أنك قد إيه مهم في حياتهم زي ما إحنا مهمين في حياتك.
نظر له مازن بغصة تقبض على قلبه، يردد بحزنٍ:
_ بس قطوف رفضت وجودي.
حرك زين رأسه نافيًا يكمل حديثه بتأكيد:
_ لو رفضتك كانت منعت دليل براءتك بعد ما وجعتها.. لو هي مبحتكش مكنتش جت عشان تشوفك.. قطوف مرفضتكش.. قطوف موجوعة منك يا مازن.. وأعتقد من حقها إنك تعمل المستحيل عشان ترجع.
_ أنا حاسس إني مش جاهز لأني أشوفها وأتكلم.
قالها بتردد شديد، لينهض زين متمتمًا:
_ أول خطوة تيجي البيت وتشوف بعينك كده هل كل اللي هناك رافضين وجودك ولا لاء! هل دا هيكون نفس استقبال والدتك ليك ولا لاء! وبعدها هترجع حياتك واحدة واحدة وتقف على رجلك تاني.
شعر مازن بتردد غريب، يريد أن يتأكد من صحة حديثه، ولكن يخشى أن يجد رفض من أحدهم، هل ما يعتقد به خاطئ!!
تحرك مازن مع زين كي يذهبان إلى منزل محمد العطار حيث تجتمع الأسرة كما أخبرهم مهران.
***
_ أنا آسف يا مدام ميرفت بس التوكيل بتاع مدام قطوف اتلغى بسبب المحكمة ولو روحت اعمل أي إجراء هيتهمني باني بحاول أسرقهم وأنا في غنى عن كده.. وبنسبة ليا هلغي توكيلك وممكن تشوفي محامي تاني لكن أنا سمعتي مش هتبوظ بسبب قضية خسرانة حاليًا.
قالها المحامي قبل أن يغلق معاها دون انتظار ردها، في حين نظرت ميرفت إلى الهاتف، وفي دقيقة كانت قد تهشمت من إلقائها إياه، تصرخ بقوة في غيظ، تنظر للفراغ الموجود حولها بحقدٍ دافين، تردد بنبرة تفح منها رائحة الشر:
_ مش هسيبكم تتهنوا لوحدكم.. لازم آخد حقي منكم.
نهضت تتجه نحو غرفتها، تستعد لتنفيذ خطتها التالية!!
***
وصل مازن إلى المنزل ولكن وقف على أعتابه، يشعر بتوترٍ من أن يرى نظرات الاتهام بالجميع بعدما فعله مع قطوف، ولكن تفاجأ بياسين يصرخ بسعادة:
_ مازن وصل يا ماما.. تعالوا يلا.
اندفع ياسين نحو مازن يحتضنه بحب أخوي، يردد بسعادة:
_ أخيرًا يا مازن.. الواحد مشتاق للحظات اللي بنعمل فيها مصايب سوا.. ومجهز خطة نعوض فيها اللي فات.
ضحك مازن على حديثه وطريقته التي جعلته صديقه المفضل، ابتعد عنه ياسين ليتطلع له مازن بتدقيق فلم يجد سوى سعادة لوجوده، تقدمت زينة منه ورددت بحبٍ:
_ حمدلله على السلامة يا ضنايا.
ابتسم لها مازن ولمس قلبه هذا الخيط الحريري من الحنان، ليردد بسعادة بدأت تنبت بداخل:
_ الله يسلمك.
ركضت ورد نحو مازن تندفع نحو أحضانه، حتى تراجع مازن عدة خطوات للخلف من شدة اندفاعها، تصرخ بسعادة:
_ عمو مازن جه أخيرًا.. وحشتني أوي يا عمو.
تجمد جسد مازن قليلًا، يملأ قلبه سعادة غريبة لم يلمسها من قبل، ضمه مازن بحبٍ، ثم قال بنبرة هادئة:
_ طب قوليلي بتحبي عمو مازن ليه!!
ابتعدت عنه ورد، تنظر له بسعادة مرددة:
_ عشان ماما ياسمين وبابا وعمو ياسين وجدو وتيتة وعمتو قطوف شوفتهم بيحبوك أوي.. فأنا بحبك زيهم..
استدارت الصغيرة يمينًا ويسارًا ثم تقدمت منه تهمس بأذنه:
_ وكمان حضرتك عمو جميل وشكلك قمور وأنا بحب اللي شكلهم قمور... بس متقولش لعمتو قطوف لحسن بتزعل لما حد يعاكسك.
ضحك مازن بخفة على تعليقها الأخير، وشعر أنه بحاجة لتلك الصغيرة فهي من ستساعده كي يعيد الود بينه وبين زوجته، حمل مازن ورد على كتفه ثم قال بنبرة تحمل السعادة:
_ طب يلا ندخل جوا.
ابتسم الجميع ودلفوا سويًا وسط حديثهم الذي لم ينته، وسعادة مازن من كونه مقبولًا منهم وأن ما أخبرته به والدته ليس إلا أوهام بداخله، ولكن لا يزال هاجس الخوف بداخله.
***
جلس مهران بالردهة ينتظر الطبيب أن ينتهي مع قطوف، فقد بدأت بجلسة من الصحة النفسية معه وهاهي تحاول أن تعود كما كانت، ثم تذكر ما الذي حدث بعد مقابلته لمحمود بأول مرة..
_ هل من الممكن أن أطلب منك شيء!
قالها مهران بحنوٍ، في حين نظرت له قطوف بأعين متورمة من البكاء، ثم قالت بصوتٍ مبحوح:
_ اتفضل يا عمو طبعًا.
ابتسم لها بودٍ، ثم قال بصوتٍ رخيم:
_ أريد منك أن تأتي معي كي تأخذ عينة منكِ لأنها تحمل دليل براءة مازن وبراءتك.
قطّبت قطوف جبينها بتعجب، تنظر لمهران بدهشة، مرددة:
_ إزاي عينة مني دليل براءة مازن وأنا!!
تنهد مهران بهدوءٍ ثم سرد لها ما قاله محمود، لتتسع عين قطوف بصدمة، تشعر بأن هناك من ألقى بصخرة حادة عليها، نظرت نحو مهران ثم رفعت لترى ذراعها لتجد تلك العلامة بعد الحقن، تجمعت الدموع في حدقتيها تشعر بألمٍ يزداد بقوة، تردف بصوتٍ يكسوه الانكسار:
_ هما بيعملوا فيا كده ليه! أنا حتى ما أذيتهمش ولا أعرفهم!
شعر بحزنٍ لها، ثم قال برزانة:
_ في بعض الأوقات لا يفعل الإنسان شيء سوى أن يلقى من الأذى النصيب الأكبر.. حتى يعلو مكانته بالجنة.. احتسبي هذا عند الله يا صغيرتي لعل سعادتك تصبح قريبة.
مدت أناملها تزيل دموعها، ثم نهضت كي تقوم بما قاله مهران ويأخذوا العينة كي يعطيها إلى المحامي لتصبح براءة مازن مضمونة أكثر.
***
فاق من شروده، يتطلع نحو الغرفة، يردد ببسمة حنونة:
_ سأساعدك كي تتخطي ما أنتِ به.. وستعودين لزوجك هذا وعد مني.
***
_ تحبي تحكي إيه؟!
قالها الطبيب بهدوءٍ بعدما رأى رجفة يدها، سمعت قطوف جملته وأتى بذهنها مئات الأفكار، تسربت الدموع من عينيها وهي تتذكر كلمته لها أنه لن يعود لها مجددًا لتردف بصوتٍ مبحوح:
_ هو أنا وحشة أوي كده لدرجة أن جوزي رافض وجودي.. وأن كل الناس تأذيني!
استمع لها الطبيب، ثم رد بإجابة صغيرة:
_ بالعكس أنت شخصية فيكي قبول كبير.
ازدادت رعشة يدها تردد بصوتٍ مختنق:
_ طب ليه طلقني وسبني.. ليه لما بيقرب بيدوس عليا.. ليه صدق إني ممكن أخون ثقته وأخد فلوسه وأنا معملتش كده ليه!
صمتت تشعر بحاجة للتنفس، في حين انتظر الطبيب أن تكمل باهتمام وبالفعل أكملت بصوتٍ اختنق من الدموع:
_ أنا عمري ما عيطت بالشكل دا قدام حد.. أنا ادمرت بسببه وحياتي وقفت بسببه.. نفسي أرجع قطوف بتاعت زمان اللي مش بيهمها حد.
_ أنت شفته قريب؟!
قالها الطبيب بهدوءٍ، لتجيب قطوف باختناق لاحظه:
_ آه النهاردة الصبح.
تأكد الطبيب من تحدثه له، وأن ما دار بينهما لم يكن بصالحها، ليردف بهدوءٍ:
_ طيب.. واتكلمتوا ولا اكتفيتي بنظرات؟
أغمضت عينيها تتمنى أن تُفنِي تلك الذكرى من رأسها، تحدثت بألمٍ:
_ آه اتكلمنا ووجعني بكلامه.. حسيت إني ضعيفة قدامه أوي.
_ ضعيفة لأن شخصيتك ضعفت ولا ضعيفة قدام حبك ليه؟!
تجمد جسد قطوف من سؤال الطبيب، تشعر ببرودة تسير في جسدها، تعلم الإجابة، ولكن عجز لسانها عن الجواب، طال الصمت بينهما حتى قالت بألمٍ:
_ ضعيفة قدام حبي ليه.
أكمل الطبيب بسؤالٍ آخر جعل قطوف تبكي بصمتٍ:
_ أنتِ عايزة تتعالجي من حبك ليه وتشيليه خالص.. عايزة تلغي وجود جوزك بحياتك!
_ آ..آ..آه.
قالتها بصعوبة بالغة من أثر دموعها، في حين أكمل الطبيب بهدوءٍ يوضح لها بعض الأسباب:
_ أنتِ شايفة أن حُبك لجوزك دا خلى شخصيتك ضعيفة.. وأنه السبب الرئيسي لحالتك دي.. طب ليه مقولتيش أن مفهومك عن الحب غلط.. وأن الحب دا أخذتي منه الأسباب السلبية وسبتي الإيجابي!
تشنج وجهها من كثرة الضغط عليها، تردد بكلماتٍ متألمة:
_ أنا من أول يوم حبيته فيه وأنا بقيت ضعيفة.. حياتي ضاعت وبقى الكل بيدوس عليا بسبب حبه دا.. أنا عمري ما تخيلت إني أكون كده بسبب حبه.. وإن كان الحب فيه إيجابيات فأنا مشوفتش غير الوحش بس واكتفيت لحد كده.
توقفت عن التحدث بنبرة تهالكت من الألم، في حين رد الطبيب بنبرة جعلتها تركز بحواسها:
_ أنتِ من جواكي بتقولي عكس كده.. أنتِ عايزة تثبتي لنفسك إنك لسه بتحبيه وأنك عايزة تشيلي حبه عشان ترضي معتقدات غلط في دماغك.. الحب سلاح ذو حدين.. وأنتِ فهمتي الحب غلط.. وترجمتي أن هو السبب في ضعف شخصيتك.. مش شخصيتك اللي تعبت من القوة المزيفة اللي بتظهريها ولما لقيتي حد ممكن تستخبي وراه.. القوة المزيفة دي راحت ومفضلش غير الضعف ولما الشخص دا اختفى والقوة المزيفة مرجعتش فهمتي إن حبك ليه هو السبب في ضعفك دلوقتي.. فهمتي صح؟
_ صح.
قالتها وهي تشعر بدموعها الساخنة تسيل على وجنتها، تسترسل حديثها بألمٍ:
_ وأنا صغيرة أمي توفت وبابا كان بيسافر وكنت الأم والأب واخت لأختي الصغيرة.. كنت لازم أبقى قوية عشان عمتي متكلناش وتدوس علينا.. مكنش عندي فرصة واحدة أرجع طفلة وأعيش حياتي.. كان لازم أقتل الطفلة اللي جوايا عشان أقدر أحمي أختي الصغيرة.. تعبت من حياتي.. وظهر مازن والظروف جمعتنا مع بعض على الرغم من إني أنا وهو مش بنطيق بعض.. بس حبيت حنيته عليا وقت ما بتعب.. ضحكه وهزاره.. حتى لما كان مريض سكر ومقلش ليا إنه مريض وعملت أكل غلط عليه أكل منه عشان يفرحني.. حبيته غصب عني ومن جوايا نفسي أرمي كل حاجة عشان لما أتعب هو اللي يقفلي.. لما حد يحاول يأذيني ياخد حقي مبقاش قاعدة متحفزة لأي شخص إنه ممكن يأذيني.. كان نفسي أعيش حياتي بس للأسف ادمرت قبل ما تبدأ.
انتهت من سرد حقيقة لم تخبر بها أحد، تضع يدها على وجهها تحاول ضبط انفعالاتها، في حين تحدث الطبيب بنبرة هادئة لمستها:
_ حياتك لسه مدمرتش.. طالما لسه بتتنفسي يبقى لسه في أمل.. كون حصل حاجات غيرت حياتك وجبرتك على حاجات مش صح دا مش معناه أن أنتِ كده خلاص حياتك ادمرت.. بالعكس قدامك فرصة تغيرها.. تعيشي اللي معشتيهوش وأنتِ طفلة.. متستسلميش تاني يا قطوف.. وقومي فكري بأكتر حاجة بتحبيها وارجعي ليها تاني.. بس الأول خدي قرار إنك فعلًا عايزة ترجعي لحياتك.. ولما تاخدي القرار وتنفذيه هتيجي وتحكيلي اللي عملتيه ودا هيكون معاد جلستنا الجاية تابعي معايا بس بالتلفون في أي وقت وأنا موجود.
استمعت لحديثه وشعرت بمدى أهميته، نعم تريد أن تعود.. تعود لحياتها، فليس مازن السبب ولكنه جزء من تلك الشبكة المعقدة، ويجب أن تواجهه.
***
_ مازن حبيبي حمدلله على سلامتك.
قالتها ميرفت وهي تدلف للردهة بمنزل محمد بعدما وضعت حقيبتها جانبًا، تتقدم نحو مازن بلهفة كاذبة، في حين ضيق زين عينيه يشعر بوجود خطبٍ ما بتلك السيدة.
تجمد جسد مازن قليلًا من وجودها، وشعر لأول مرة بنفورٍ منها، لتجلس إلى جواره مرددة بحنان كاذب:
_ قلبي كان هيقع من الخوف عليك يا حبيبي.. الحمدلله أنك رجعت بالسلامة.
أجابها مازن بهدوء:
_ الله يسلمك.
ابتسم زين بمكرٍ ثم نهض يردد بهدوءٍ:
_ عن إذنكم بس في مكالمة شغل هعملها.
حرك مازن رأسه، في حين نظر لها ياسين باشمئزاز، يريد أن ينقض عليها ويكيلها من الضرب ما تيسر له، في حين أخذت ياسمين ورد وزينة وانطلقت بهما إلى غرفتهم.
***
_ أيوه يا بابا دا الوقت المناسب عشان نجمع قطوف ومازن.. الاتنين حصلهم تأهيل وأنا كلمت دكتور قطوف وعرفت حالة قطوف.. هيكون مناسب إنها ترجع بعد يومين.
قالها زين وهو يقف بعيدًا عن المنزل، في حين حدثه مهران بصوتٍ رزين:
_ حسنًا بعد يومين سأحاول مع قطوف كي تعود مجددًا.. وأخيرًا سأأخذ حق محمد والباقي منها.
حرك زين رأسه يحدث والده باشمئزاز منها:
_ أنا مش عارف دي إزاي قدرت تمثل الحنان واللهفة كده.. لولا عارف تاريخها الأسود كله كنت قولت إنها كده فعلًا واحنا ظلمناها.. دا حتى ياسين مرحمتهوش وخطفته يوم خطوبته.
_ نـــــــــعم.. بنت ال*** هي اللي عملت فيا كده.
قالها ياسين بعدما جحظت عينيه، في حين أغلق زين مع والده يندفع نحو ياسين الذي تلون وجهه بغضبٍ جامح، يردف بصوتٍ مهدئ:
_ اهدى يلا وإحنا هناخد حقك.
_ حق مين يا أبو حق.. دا أنا اتشلفط بسببها ومذلول زي الكلب الأجرب في الشوارع عشان البت توافق ترجعلي.. دا أنا هنهيها علقة حق كل اللي جرالي منها.
قالها ياسين بغضبٍ يحاول نزع يد زين منه، ليضع زين يده على فمه سريعًا مرددًا:
_ ياسين أنت كده هتدمر اللي أنا وأبوك بنعمله.. اصبر وإحنا هناخد حقك بس اصبر عشان مازن وقطوف حياتهم على شعرة لو حصل حاجة ممكن تدمرهم.
هدأ جسد ياسين قليلًا، في حين أزال زين يديه مرددًا:
_ خلاص اهدى بقى.
_ هديت يا عم خلاص.. بس لما خلاص الدنيا تتصلح سبوني أضربها أوقع لها طقم أسنانها ده.
قالها ياسين بغضبٍ منها، في حين هاوده زين مرددًا:
_ حاضر يا ياسين المهم دلوقتي جهز نفسك عشان قطوف هتيجي بعد يومين عشان هنعلن أهم خبر ميرفت ممكن تتجلط بعده.
اتسعت عين ياسين بسعادة وصفق بيده، يشعر بالحماس لأجل تلك اللحظة.
***
مر يومين أسفل حماس ياسين واستعداد مهران وزين له.
سارت بخطواتٍ ثابتة، حتى وقفت على أعتاب الباب، تتطلع لمهران الذي شجعها بعينيه، لتدلف إلى المنزل حتى وقفت بالردهة التي تجمع ياسمين وورد وزينة وميرفت، صرخت ورد بسعادة قائلة:
_ عمتو قطوف.
ركضت لها تحضنها وبالفعل بادلتها الحضن، في حين اقتربت منها ياسمين بأعين مدمعة، ثم اندفعت لها قائلة:
_ وحشتيني يا أختي.. وحشتيني يا أحلى أخت.
ضمتها قطوف بحبٍ، تشعر بحاجة لهذا الحضن، تردد:
_ وأنتِ أوي يا ياسو.
تقدمت قطوف من زينة ثم قبلت جبينها تردد بحبٍ:
_ عاملة إيه يا ست الكل؟
ابتسمت زينة بسعادة مرددة:
_ الحمدلله يا نور عيني.
جلست قطوف معهم دون النظر إلى ميرفت التي اشتعلت عينيها بحقدٍ، لتردف من بين أسنانها ببرودٍ:
_ مش هتسلمي على حماتك قصدي مامة طليقك.
شعرت زينة بقلقٍ على قطوف في حين كان ذلك نفس شعور ياسمين، ولكن ابتسامة قطوف الباردة جعلتهم يشعرون بتعجب، لتردف قطوف بهمس بارد:
_ لا أنتِ حماتي لسه.
ضيقت ميرفت حدقتيها بشكٍ مما تقوله، في حين أدارت قطوف وجهها لترى مازن يدلف ثم تقدمت منه حتى أصبحت جواره تشبك أصابع يدها بيده، تضع رأسها على صدره مرددة بنبرة تحمل الرقة تسببت باحتراق ميرفت:
_ معلش يا حبيبي مامتك طلعت مش بتسمع كويس.. ممكن تقولها إحنا حالتنا الاجتماعية إيه!
_ متجوزين.
قالها مازن بهدوءٍ، لتنتفض ميرفت من مكانها تنظر نحو مازن بصدمة مرددة:
_ أنت بتقول إيه؟!!
ابتسمت قطوف بانتصار وسط سعادة الجميع بها، فحضر الجميع بتلك المواجهة النارية، لتتقدم بخطواتها نحو ميرفت وهي لا تزال تشبك يدها بيد مازن، حتى أصبحت بمواجهتها، ثم همست ببسمة تحمل الانتصار:
_ ما تسمعي كويس يا عمتي.. قوليها يا حبيبي معلش تاني واعلنها قدام الكل!
نظر مازن لوالدته يردد بنبرة باردة:
_ أنا رديتك يا قطوف!
يتبع.