الفصل 5 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
23
كلمة
2,539
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 16%
حجم الخط: 18

أشرقت شمس نهار يوم جديد، استيقظ الجميع منذ بكرة الصباح يجمعون أغراضهم استعدادًا للسفر برفقة "عبد الجبار" إلى مصر. بينما "سلسبيل" لم تأخذ شيئًا معها مطلقًا، حتى إنها قامت بخلع ثيابها البيتية بأكملها، وألقتهم بالقمامة، وارتدت عباية سوداء كبيرة للغاية على جسدها الصغير وحجاب من نفس اللون أخذتهم من "خضرا".

لا تريد أخذ شيء من هذا المنزل يذكرها بما عانته، وقد حسمت قرارها فور خروجها منه لن تعود إليه مرة أخرى، بل لن تعود إلى البلد ثانيةً. كان قلبها يرفرف بفرحة غامرة بين ضلوعها، كالطير الحبيس لسنوات داخل غرفة مظلمة، وأخيرًا رأت شعاع نور الحرية عندما صعدت برفقتهم سيارة "عبد الجبار" المجهزة لسفر المسافات الطويلة.

لسوء حظها جلست بجوارها "بخيتة"، بينما جلست "خضرا" خلفهما بجانب ابنتيها، وجلس "عبد الجبار" كعادته بجانب السائق، يتابعهم عبر المرآة بأعين كعيون الصقر. لم تبالي "سلسبيل" لنظرات "بخيتة" الحارقة وكلماتها السامة التي تلقيها على أذنها من حين لآخر، حتى وصل بها الأمر أن تلكمها بعنف بكوعها مرات متتالية ببطنها من شدة غيظها منها. ولكن بنفس الوقت كانت سعيدة بقدومها معهم، وبداخلها تنوي أن تزوجها لابنها رغمًا عن أنف "خضرا".

كانت "سلسبيل" مستندة برأسها على نافذة السيارة التي تحركت بهم للتو، نظرت للطريق بشرود تتذكر عندما أخذها والدها من عائلة والدتها بعد وفاتها وهي لم تتم عامها السابع بعد، وأتى بها إلى زوجته التي أذاقتها معه كل أنواع العذاب، وكانت وراء زيجتها السيئة وهي طفلة بعمر الرابعة عشر. وبالرغم لكل ما حدث لها على يد والدها، إلا أنها تريد أن تودعه قبل أن تغادر البلد. أطلقت زفرة نزقة من صدرها، ونظرت تجاه "عبد الجبار"

وتنحنحت بحرج وهي تقول: "لو سمحت يا أبو فاطمة!! زمجرت "بخيتة" بشراسة، ولكمتها بكوعها بقوة مرددة: "كك خابط اسمه سيدك عبد الچبار" "وبعدهالك عاد يا أمه.. مش أكده أمال" قالها "عبد الجبار" وهو ينظر لهما من فوق كتفه، وتابع موجهًا حديثه لـ "سلسبيل" التي ترقرق بعينيها العبرات: "كملي حديتك" ابتلعت لعابها بصعوبة، وقد ظهر الخوف على ملامحها الحزينة، وهمست بصوت مرتجف: "عايزة أسلم على أبوي قبل ما نطلع من البلد" "أصيلة يا خيتي"

نطقت بها "خضرا" وهي تمد يدها وتربت على كتفها بحنو، لتشهق "بخيتة" بقوة وترمقها بنظرة حادة مدمدمة: "اممم أصيلة.. دي كهينة و مية من تحت تبن يا عبد الچبار أسألني أني" ساد الصمت لدقائق قطعه عبد الجبار بصوته الصارم قائلاً: "قناوي بيكون فى غيطه دلوجيت مش أكده؟ حركت "سلسبيل" رأسها له بالإيجاب سريعًا رغم أنه لم يكن ينظر لها.

لمحها في المرآة وقد رسمت ابتسامة باهتة على محياها المرتعدة، وعينيها تنظر له بامتنان وانبهار بشخصيته القوية. "فوت على أرض قناوي فى طرقنا يا حسان" "حسان" بطاعة: "أمرك يا كَبير" مرت دقائق قليلة وتوقفت السيارة على جانب الطريق الخارجي المؤدي للأراضي الزراعية. "سلمي عليه و ترچعي طوالي.. متعوجيش" قالها "عبد الجبار" دون أن ينظر لها. "حاضر.. أنا مش هتأخر والله.. بس متسبونيش و تمشوا ونبي"

أردفت بها "سلسبيل" بصوت تحشرج بالبكاء، وهي تتنقل بنظرها بين "خضرا" وزوجها. "خضرا" بابتسامة حنونة: "اطمني يا بتي هترچعي تلاقينا مستنيك أهنة" فتحت "سلسبيل" الباب بيد مرتعشة، وخرجت من السيارة على مضض، وهي تستجديهم بنظرتها المذعورة أن لا يتركوها. نظرتها هذه جعلت "عبد الجبار" ينفخ بضيق، وتحدث بنفاذ صبر قائلاً: "روح معاها يا حسان و عاود بيها، و أوعاك قناوي يمسها بسوء.. هو خابر زين أنها في حمايتي"

انصاع "حسان" لحديثه على الفور، وغادر السيارة، وسار برفقة "سلسبيل" التي تخطو بخطي غير ثابتة بسبب ارتجاف بدنها الملحوظ أثر خوفها. ساروا مسافة ليست بقليلة حتى رأت والدها ممسكًا بالفأس ومنشغلًا بعمله في الزراعة. أخذت نفسًا عميقًا تملأ رئتيها بالهواء بعدما شعرت بأنفاسها تتلاشى، ونبضات قلبها تتباطأ. "أبوي" قالتها وهي تقترب منه بحذر، وتفرك يديها ببعضهما بتوتر.

توقف "قناوي" عما يفعله عندما وصل صوتها لأذنه، استدار ينظر تجاه مصدر الصوت بوجهه مكفهرًا اشتعل بالغضب فور رؤيتها برفقة الغفير الخاص بـ "عبد الجبار"، وقد ظن أنها أخطأت بحقهم فأرسلها له مرة أخرى. "هببتي أيه تاني يا بت المركوب" نطق بها وهو يهجم عليها دون سابق إنذار، وأمسكها من حجابها وبدأ يكيل لها الصفعات مرددًا: "غلطتي في الحاچة المرادي و لا في البيه الكبير نفسه.. انطقي لأدفنك مكانك" هرول تجاهه "حسان" وحاول

دفعه عنها وهو يقول بذهول: "وه وه وه أيه اللي بتهاببه ده يا راچل يا مخبول أنت.. بعد عنِها دي في حماية عبد الچبار بيه" كان "قناوي" قابضًا على شعرها من فوق الحجاب بقبضة من حديد جعلت "حسان" يفشل في إبعاده عنها، ويده الأخرى تهبط على وجنتيها الناعمة بصفعات أدمت شفتيها وأنفها. ومع كل هذا كانت "سلسبيل" لا تبكي، ولا حتى تدافع عن نفسها، تركته يصب جم غضبه عليها كعادته. ركض "حسان" عائدًا تجاه سيارة رب عمله، وهو يصرخ بصوت جوهري:

"ألحق يا عبد الچبار بيه.. قناوي هيموت بته في يده" "يا مُري.. الحقها يا أخوي من يد الراچل المفتري دهأحب على يدك" صرخت بها "خضرا" وهي تضرب على صدرها حين وصل سمعها صرخات "حسان" المستغيثة من بعيد. صك "عبد الجبار" على أسنانه بقوة كاد أن يهشمه، وغادر السيارة بثبات وهدوء رغم الضجيج الثائر بداخله، رفع عباءته على كتفه وسار بخطوات واسعة، وملامح غاضبة لا تبشر بالخير أبدًا. "بعد يدك عنِها!!!

قالها بصوت جوهري قبل أن يصل لهما، ولكن لم ينتبه له "قناوي" بعد، مما دفع هذا الغاضب لمد يده داخل جيب جلبابه، وأشهر سلاحه المرخص، وأطلق عيارًا بالهواء يصم الأذان. انتفض "قناوي" قفزًا بمكانه حين رأى "عبد الجبار" يقترب عليه مهرولاً، كان القلق واضحًا عليه لمرأى تعابير وجهه الغضوب، وتحول القلق إلى خوف حين وجده يستعد للهجوم عليه فدفع ابنته من يده بعنف أسقطها على الأرض الغارقة بمياه الري.

هنا صرخت "سلسبيل" عندما انحصرت العباية وكشفت عن ساقيها أمام أعين "عبد الجبار" الذي لجمته الصدمة وتقطعت نياط قلبه حين لمح آثار حروق متناثرة بطول قدميها منهم القديم، ومنهم الحديث، وأيضًا أصبح مذهولاً لعدم ارتدائها شيئًا أسفل ملابسها، لكنه انتبه حين أسرعت هي بستر نفسها أن هذه العباية تكن لزوجته، وأدرك حينها بعقله الواعي أنها بالتأكيد تركت جميع ثيابها عن قصد.

حينها قام بخلع عباءته من حول كتفيه، وألقاها عليها بغمضة عين كساها بها. "يا مُرحب يا كبير" قالها "قناوي" وهو يبتعد عنه للخلف بخوف ظاهر على ملامحه القاسية مكملاً: "خير يا كبير عملت أيه تاني بت الفرطوس!! قطع حديثه حين قبض "عبد الجبار" على عنقه بعنف، وتحدث بغضب عارم قائلاً: "أنت صنفك اييييه يا ابن ال *** علشان تعمل في بتك اللي من لحمك ودمك أكده!!!!! أنتهى جملته وسدد له ضربة عنيفة بجبهته جعلت "قناوي" يصرخ متألمًا. "أبوي"

صرخت بها "سلسبيل" وهي تنهض من مكانها بصعوبة، وهرولت تجاه "عبد الجبار" تمسكت بذراعه بكلتا يديها تحاول إبعاده عن "قناوي" وهي تقول بتوسل: "خلاص يا سي عبد الجبار سيبه الله يخليك" لم تتزحزح يد "عبد الجبار" عنه، وظل قابضًا على عنقه، ومن ثم مال على وجهه ونظر بعينيه وهو يقول بصوت أجش: "بتك چاية لحد عندِك تسلم عليك قبل ما تسافر بعد كل عمايلك المقندلة فيها.. تقوم تُضربها تاني حتي بعد ما قولتلك أنها بقت في حمايتي!!!!

فور انتهاء حديثه سدد له ضربة أقوى جعلت أنفه تنفجر منها الدماء. "أبوس أيدك سيبه يا عبد الجبار" همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، وهي تقف على أطراف أصابعها وتمسك كف يده الضخمة بيدها الصغيرة، وتبعد أصابعه عن عنق والدها حتى خلصته من بين قبضته الفولاذية. "يله مشي قدامي من أهنة قبل ما أرتكب چناية انهاردة" قالها "عبد الجبار" وهو يلقي عباءته على كتفه مرة ثانية بعدما سقطت من "سلسبيل" فلقطها "حسان". أعطاها له.

أنصاعت "سلسبيل" لحديثه على الفور وسارت أمامه بخطوات متعبه، وعينيها تطلع لوالدها بنظرات وداع، فهي على يقين أنها لن تعود له ثانيةً مهما حدث. "مع السلامة يا أبوي" قالتها بغصة يملؤها الأسى، وكم تمنت أن تستمع منه ولو كلمة واحدة تطيب خاطرها بها إلا أنه خيب ظنها به كالعادة حين قال بنبرة محذرة: "إياكِ يوصلني شكوة واحدة منِك.. يوصلني خبرك و لا يقولولي كلمة بتك قليلة الترباية دي مرة تانية يا سلسبيل.. فاهمة يا واكلة ناسك"

"أتمنى يا أبوي.. أتمنى يجيلك خبري ساعتها أنا اللي هرتاح" غمغمت بها وهي تسير بجوار "عبد الجبار" الذي أطبق عينيه بقوة بعد جملتها هذه الذي اعتصرت قلبه. "جبر يلم العفش" قالها "عبد الجبار" وهو يلقي نظرة اشمئزاز أخيرة على "قناوي". بينما "سلسبيل" شهقت بصوت خافت حين شعرت بيد "عبد الجبار" تضع حولها عباءته، ويتحدث بصوته الصلب بنبرة أمره: "متقلعهاش واصل"

أمسكت طرفيها تضمهم عليها بيدها بصمت، فعباءتها كانت ملطخة بالوحل والمياه التي جعلتها لاصقة بجسدها. ظلت خافضة رأسها لم تستطع النظر له من شدة خجلها، حتى وصلوا للسيارة مرة أخرى وهمت هي بالصعود لكنه أوقفها حين قال: "فاطمة هاتي خيتك و اقعدي چار چدتك" عملت من جملته هذه أنه كان يرى ما تفعله والدته بها منذ صعودهم السيارة.

ضيقت "بخيتة" عينيها ورمقته بنظرة مغتاظة، بينما تراقص قلب "سلسبيل" بفرحة غامرة من اهتمامه هذا الجديد عليها كليًا، والأكثر من عبق رائحته التي تملأ عباءته، حاوطتها وداعبت حواسها. "تعالي يا خيتي جلبي عليكي" قالتها "خضرا" وهي تفتح ذراعيها لها. ارتمت "سلسبيل" داخل حضنها عالقة عينيها بتعب، فهي والنوم على وفاق حينما يأتي توقيت الهرب. لأول مرة منذ سنوات طويلة تغرق بنوم آمن بعدما انطلقت بهم السيارة أخيرًا مغادرة البلد.

مرت ساعات ظلت "سلسبيل" نائمة خلالهم تصارع كوابيسها الدائمة التي جعلتها تصرخ بفزع فجأة أكثر من مرة، حتى شعرت بيد حنونة تربت على وجنتيها الظاهر عليهما آثار صفعات والدها. "أصحى يا حبيبتي" رمشت بأهدابها أكثر من مرة، ونظرت حولها لم تجد سوى "خضرا"، والسيارة فارغة، بينما "عبد الجبار" يقف خارج السيارة ينتظر خروجهما. "إحنا وصلنا مصر يا أبلة خضرا!!! ابتسمت لها "خضرا" مغمغمة: "أيوه الحمد على السلامة.. نورتي مصر يا ست البنته"

"الله يسلمك يارب" نطقت بها "سلسبيل" بسعادة بالغة وهي تستند عليها وتغادر السيارة بخطي مترنحة قليلاً أثر انفعالاتها المتضاربة. "ما تهمي يا حُرمة منك ليها علشان تچهزولنا الوكل" كان هذا صوت "بخيتة" الغاضب الواقفة بالشرفة التي تطل على حديقة المنزل الواسعة. "همليهم يرتاحوا لول، و الوكل چاي في الطريق يا أمة.. متشليش هم واصل"

قالها "عبد الجبار" وهو يتجه لسيارة أخرى كانت مغطاة بحديقة المنزل، ويقوم برفع الغطاء من عليها، واستقل مقعد السائق مكملاً: "هوّصل للشركة اطمن على الشغل" "متتأخرش علينا يا أخوي.. هنستناك على الوكل" أردفت بها "خضرا" بنبرة راجية، وهي تتنقل بنظرها بينه وبين والدته التي ترمقهم بنظرات ثاقبة. "متقلقيش هعاود طوالي" قالها وهو يتحرك بالسيارة لخارج المنزل. هنا ابتسمت "بخيتة" ابتسامة خبيثة، وتحدثت بأمر قائلة:

"خضرا شهلي و نضفي البيت الا التراب ياما.. حركي جتتك اللي شايلة لحم دي" صمتت لوهلة وتابعت بجحود قائلة: "عارفة تتخني و تشيلي لحم زي البهيمة اللي بنعلفوها للضحية، و منتيش عارفة تشيلي حته عيل يشيل أسم ولدي" جملة أصابت "خضرا" بمقتل، جعلتها تسمرت محلها تحدق فيها بأعين تحجرت بها العبرات، وقد شعرت أن الدنيا تدور من حولها، وسقطت فجأة مرتطمة بالأرض الصلبة مغشيًا عليها. "أبلة خضراااااا"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...