بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. "عبد الجبار".. قضى النهار بأكمله داخل المستشفى برفقة "خضرا"، لم يذهب إلا بعدما اطمئن أن حالتها الصحية أصبحت مستقرة، وأخبره الطبيب أنها تحت تأثير العلاج والمسكنات ولن تفيق قبل الصباح.
تركها وذهب على أمل العودة لها ثانية بأسرع وقت ممكن، قاد سيارته باتجاه منزله ليطمئن على ابنتيه ووالدته قبل أن يسافر الإسكندرية لزوجته، كان التعب والإجهاد ظاهرًا على محياه بوضوح خاصةً أنه لم يرَ النوم منذ ليلة أمس. صف سيارته داخل حديقة منزله، وهبط منها مهرولًا حين وصل لأذنه صوت بكاء الصغيرتين.. "فاطمة.. حياة".. نطق باسمهما بلهفة فور دلوفه من باب المنزل. "أبوي"..
صرختا بها وهما يركضان نحوه، ليستقبلهما هو داخل حضنه بعناق قوي غمرهما بالحماية والأمان. "أمه فين.. ما جتش وياك ليه.. أمه جرالها إيه يا أبوي؟ "بكفاياكم بكى عاد.. أمكم زينة يا بتي". قالها وهو يزيل عبراتهما المنهمرة بأنامله، ولثم وجنتيهما بقبلاته الحانية مكملًا: "وإني هجيبها لكم الصبح". "اممم يعني لحقوها يا عبد الجبار؟!
دمدمت بها "بخيتة" التي أقبلت عليه هي الأخرى ووقفت بجواره تطلع له بنظرة متفحصة، وقلب يتمنى أن تكون "خضرا" فارقت الحياة وحلت عن سماء وحيدها. تنهد "عبد الجبار" براحة وهو يجيب على سؤالها: "الحمد لله يا أمه". "طيب ما جتش وياك ليه.. هاتها دلوقت يا أبوي وإني وحياة هنبقى حواليها وهناخد بالنا منها".
غمغمت بها "فاطمة" بتقطع من بين شهقاتها، كان الخوف ظاهرًا على ملامح الصغيرتين، فما فعلته والدتهما خطأ فادح بحق ربها، ونفسها، وبحق ابنتيها. تنقل "عبد الجبار" بعينيه بين ابنتيه، يتأملهما بنظراته التي تبث الطمأنينة بقلوبهما الصغيرة المرتعدة، وتحدث بهدوء قائلًا: "حاضر.. من عنيا هجيب لكم أمكم بس أطمن عليكم الأول، وأعشيكم وهروح لها لو لقيتها خلصت علاجها هجيبها وأجي لكم طوالي".
سارت "بخيتة" مستندة على عكازها تجاه غرفة المكتب، ومدت يدها وفتحت الباب مردفة قبل أن تخطو للداخل: "الأكل جاهز على السفرة إني عملته لكم بيدي يا ولدي.. كل وكل البنات وتعالى رايدة أتحدت وياك هبابة".
حرك رأسه لها بالإيجاب، وسار برفقة ابنتيه تجاه مائدة الطعام، أجلسهما وجلس بجوارهما، وبدأ يطعمهما بيده لم يتركهما حتى أنهيا طعامهما، وصعد معهما لغرفتهما وظل برفقتهما حتى غلبهما النعاس داخل حضنه. دثرهما جيدًا بالغطاء، وقبلهما بحب شديد قبل أن ينتصب واقفًا ويغادر الغرفة غالقًا الباب خلفه بحرص.
توجه لغرفته، واختفى داخل الحمام لدقائق، وخرج مهرولًا نحو ثيابه، ارتدى جلبابه الصعيدي الذي يزيده هيبة ووقار، ويظهر طول قامته المهيب، وضخامة بنيته الرياضية بهيئة تخطف الأنفاس. أخذ متعلقاته الشخصية بعدما انتهى من تمشيط خصلات شعره الكثيفة، ونثر عطره الخاص بغزارة، وغادر الغرفة بخطى واسعة. "عبد الجبار!!! قلت لك رايدة أتحدت وياك". نطقت بها "بخيتة" أوقفته قبل أن يعبر باب المنزل الداخلي. "هجيب سلسبيل، ولما أعود نتحدت يا أمه".
قالها وهو يتابع سيره للخارج، لتسرع "بخيتة" خلفه صائحة بغضب: "خليك مع عروستك وبكفاياك أكده يا ولدي.. أنت غلطت لما أهملتها وجيت بعد ما دخلت عليها.. الأصول تبقى وياها أقل واجب أسبوع.. ما فيش واحد يهمل مراته ليلة دخلتهم ويروح لمراته الثانية.. أنت قويت شوكة خضرا بعملتك دي.. عطتها حق فوق حقها خلتها اتفرعنت وعملت عملتها المهببة دي لأجل ما تلوي ذراعك وتربطك جارها من غير ولد ولا سند ليك وللبنات الصغار".
"بناتي يا أمه ما يهمنيش في الكون كله دلوقت إلا هما.. بكفايا الخوف والرعب اللي عاشوا فيه النهاردة.. ولخاطرهم هجيب سلسبيل وأعود لأجل ما أكون جارهم". صمت لبرهة، وتابع وهو يفتح باب سيارته، وجلس خلف المقود: "وجار أمهم.. ده حقها عليا في تعبها يا أم عبد الجبار". قالت "بخيتة" بغضب عارم: "أنت عطيها فوق حقها الطاق عشرة لحد ما طمعت والطمع عمى عينيها ورايدة تاكل حقك وحق سلسبيل مراتك كمان.. احذر منها يا ولدي".
أنهت حديثها، وتركته وعادت للداخل، بينما هو هم بقيادة السيارة لكن صوت هاتفه الذي صدح مرات متتالية معلنًا عن وصول أكثر من رسالة بوقت واحد، جعله يسرع بفتحه وقد زحف القلق لقلبه حين رأى اسم الطبيب المعالج لزوجته "سلسبيل". ظهر الغضب على قسمات وجهه حين استمع لمحتوى الرسالة الصوتية المرسلة له برفقة مجموعة من الصور للطبيب يظهر بها الضرب المبرح الذي تعرض له على يد جابر.
"عبد الجبار بيه في واحد اسمه جابر خطفني وبهدلني ضرب هو وأصحابه لدرجة أنه كان هيولع فيا وما سابنيش إلا لما قلت له على الاتفاق اللي بيني وبين سيادتك.. أرجوك تعذرني وتسامحني ما كنتش أقصد أخون ثقة سيادتك فيا بس هو مجنون وكان هيقتلني يا باشا". صك "عبد الجبار" على أسنانه، وتمنى لو كان "جابر" أمامه في هذه اللحظة، أقسم بداخله أنه لن يتركه إلا بعدما يلقنه درسًا لن ينساه طيلة عمره.
أيقن الآن أن خصيمه لا يُستهان به، خاصةً بعد علمه باتفاقه اللعين هذا، بالتأكيد سيكون أول شيء سيخبر به "سلسبيل" فور رؤيتها حتى يؤثر على علاقتها به. أخذ نفسًا عميقًا، وزفره على مهل، وقاد سيارته بأقصى سرعة ممكنة عاكسًا غضبه عليها، محدثًا نفسه بتعقل وهدوء عكس تعابير وجهه الغضوب: "هصارحك بالحقيقة بنفسي يا سلسبيل".
ارتجف قلبه بقوة بين ضلوعه وهو يتخيل رد فعلها بعد معرفتها بأنها ليست مريضة، وكل ما حدث لها كان مجرد اتفاق أحمق حتى يجعل زوجته الأولى تطلب يدها له بنفسها، ويتم زواجه منها غرضه ومقصده الذي سعى لتحقيقه دون التفكير في عواقبه. سبحان الله وبحمده. "سلسبيل"..
جهزت أصنافًا متعددة من أشهى المأكولات والطواجن الصعيدية الشهيرة بكميات كبيرة، والكثير من الحلويات الشرقية بمختلف أنواعها، حتى أنها خبزت الخبز بيدها بمهارة طاهية محترفة أمام أعين جميع العاملين بالمنزل الذين يتطلعون لها بذهول وانبهار في آن واحد لسرعتها الشديدة وخفة يدها، وقد سال لعابهم من رائحة الطعام الذكية. "ما شاء الله عليكي يا بنتي.. مين علمك الطبيخ الحلو ده يا سلسبيل هانم؟!
أردفت بها "عفاف" الواقفة بجوارها تتابع ما تفعله بأعين مندهشة. ابتسمت لها "سلسبيل" وهي تقول بود: "سلسبيل بس يا دادة عفاف.. أنتي لسه كنت بتقولي لي إني زي بنتك". بادلتها "عفاف" الابتسامة، وربتت على ظهرها بحنو مرددة: "ربنا يحميكي لشبابك يا سلسبيل". تنهدت "سلسبيل" وقد ظهرت بعينيها لمحة حزن وهي تقول:
"مرات أبويا وحماتي هما اللي علموني الطبيخ.. أصلي كنت شايلة بيت أبويا من كل شيء قبل ما أتجوز، ولما أتجوزت شلت البيت عند حماتي". رأت "عفاف" العبرات التي ترقرقت بعينيها، وملامحها المتألمة التي تعكس مدى الوجع الموجود بأعماق قلبها حين داهمتها ذكرى ما مرت به من ذل وإهانة تذوقتهما على يد كل من والدها وزوجته، ومن بعدهما زوجها السابق ووالدته، حاوطت كتفيها وضمتها لها بحنان أم فقدته "سلسبيل" منذ نعومة أظافرها.
"طيب يلا يا بنتي سيبي اللي في يدك وكفايا عليكي كده والبنات في المطبخ هيطلعوا الأكل اللي في الفرن لما يستوي واطلعي أنتي على أوضتك أنا حضرت لك الحمام عشان تجهزي قبل ما جوزك يجي". نظرت لها "سلسبيل" بعدم فهم، تسألها بعينيها كيف تتجهز لزوجها؟!
رغم أنها ظلت على ذمة رجل خمسة سنوات كاملة إلا أنه لم يُتح لها فرصة لتتجمل له ولا مرة واحدة طول فترة زواجها فوجهها كان دومًا به صفعات ولكمات دامية تاركة بقع زرقاء وحمراء وشفتاها لم تشفَ جرحهما إلا بعد موت زوجها وبعدها عن والدها. تفهمت "عفاف" نظرتها جيدًا، فسارت معها تجاه الدرج المؤدي لغرفتها وهي تقول بحنو: "لو تحبي أساعدك وأجهزك بنفسي أنا تحت أمرك".
"يا ريت يا دادة عفاف أنا مش عارفة المفروض ألبس إيه ولا أعمل شعري وأتزوق إزاي". همست بها "سلسبيل" باستحياء لا يخلو من اللهفة، تريد أن تظهر جمالها لزوجها الذي هو بالأساس يراها أجمل نساء العالم بنظره، حتى في أسوأ حالاتها كان يتطلع لها بافتنان يخبرها بنظراته المتيمة أنها امرأته الفاتنة التي غزت مشاعره بعشقها وانتصرت في امتلاك قلبه.
قضت "عفاف" وقتًا ليس بقليل في تجهيزها، كانت تعاملها بحنان مفرط وقد اعتصر قلبها عليها بعدما رأت آثار الضرب والحروق على جسدها الهزيل، لم تستطع كبح عبراتها التي انهمرت من عينيها رغمًا عنها. ضمتها لصدرها بعناق دافئ، ويدها تربت على ظهرها برفق وهي تقول: "يا حبيبتي يا بنتي.. مين عديم الرحمة اللي قدر يعمل فيكي كده".
"اللي في جسمي ده من أقرب الناس ليا اللي المفروض يكونوا حمايتي وأماني هما اللي بهدلوني وعذبوني لحد ما كنت هموت في أيديهم أكثر من مرة وربنا نجاني وكتب لي عمر جديد". رفعت يدها وأزالت دموع "عفاف" وتابعت بابتسامة تخفي خلفها ألمها ووجعها:
"ما تعيطيش يا دادة عفاف كل اللي حصل لي ده بقى ماضي بحاول أنساه.. مش عايزة أفتكر أي حاجة غير إني دلوقتي بقيت مرات عبد الجبار المنياوي اللي بيحاول يعوضني عن كل اللي شوفته في حياتي قبله، وقال لي إن ما حدش يقدر يلمس مني شعرة واحدة بعد كده". "ربنا يهدي سرك ويفرح قلبك يا سلسبيل يا بنتي". غمغمت بها "عفاف" وهي تجفف لها شعرها بعدما انتهت من تجهيزها بداية منبت شعرها حتى أصابع قدميها، كما لو كانت عروس بليلة زفافها.
ساعدتها على ارتداء فستان رقيق من اللون الأزرق به نقوش هادئة من اللون الكافيه يظهر قوامها الممشوق، حذاء رقيق ذو كعب عالٍ من نفس لون الفستان، مشطت لها شعرها وتركته منسدلًا على ظهرها بنعومة، ووضعت لها مكياجًا جريئًا إلى حدٍ ما ظهر جمال عينيها الواسعتين، وشفتاها المزمومة بهيئة مثيرة. تطلعت "سلسبيل" لانعكاس صورتها بالمرآة بأعين منبهرة وفرحة غامرة تعيشها لأول مرة وهي ترى نفسها قد أصبحت أنثى كاملة الأنوثة كما ينبغي أن تكون.
شهقت بسعادة بالغة حين استمعت صوت بوق سيارة زوجها معلنة عن وصوله، ركضت نحو النافذة تطل منها بلهفة، رفرف قلبها بين ضلوعها حين رأته يهبط من السيارة بعدما قام "حسان" بفتح بابها له. "أنا هروح أقول للبنات في المطبخ يجهزوا العشا.. عايزة مني حاجة تانية يا سلسبيل يا بنتي". أردفت بها "عفاف" وهي تسير لخارج الغرفة، لتلحق بها "سلسبيل" راكضة وتعانقها بقوة مغمغمة بامتنان:
"مش عارفة أشكرك إزاي يا دادة.. أنا تعبتك معايا أوي النهاردة". بادلتها "عفاف" العناق قبل أن تغادر الغرفة غالية الباب خلفها، وقفت "سلسبيل" بمنتصف الغرفة عيناها مثبتة على بابها تنتظر طلته عليها بنفاذ صبر، علقت أنفاسها بصدرها حين اخترقت حواسها رائحة عطره النفاذة.
تسارعت نبضات قلبها بجنون وأصبح صدرها يعلو ويهبط بصورة واضحة حين فُتِح الباب، ورأته مقبلًا عليها بلهفة وعيناه تشملها بنظرات متفحصة لا تخلو من الإعجاب حتى توقف أمامها مباشرة، المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان.
كلا منهما يتأمل الآخر بصمت، نظراتهما المشتاقة تحكي الكثير والكثير من المشاعر المختلطة التي يصعب وصفها بمجرد كلمات، ألقى ما يحمله بيده، ودون النطق بحرف واحد مد يده حاوط خصرها، وخطفها داخل صدره بعناق محموم ودَّ به أن يخفيها داخل أعمق نقطة بقلبه. حاوطها بذراعيه وحملها بمنتهى الخفة حتى أصبحت قدماها مبتعدة عن الأرض بمسافة ليست بقليلة رغم أنها ترتدي حذاء ذو كعب عالٍ.
سار بها تجاه أقرب مقعد، جلس وأجلسها على قدميه دون أن يبعدها عن صدره، رفعت "سلسبيل" رأسها ونظرت له بلهفة حين شعرت بتشنج جسده من حولها. "مالك يا عبد الجبار.. في حاجة حصلت؟! همست بها بخوف ظاهر بنبرة صوتها، وقد بدأ جسدها يرتجف قليلًا بين يديه. مسد بكف يده على طول ظهرها يهدئها بحركاته هذه، ورفع يده الأخرى يزيح شعرها عن وجهها حتى يتمكن من تأمل ملامحها جيدًا، وتحدث بتوتر فشل في إخفائه قائلًا:
"سلسبيل رايد اتحدتت وياكي في حاجة مهمة". ابتلع لعابه بصعوبة جعل الدماء تنسحب من وجهها، وشحب لونها حين رأت مدى قلقه الذي تحول لشبه ذعر وهو يقول بنبرة راجية: "بس رايدك توعديني لو إنك تفهميني زين". "أوعدك.. أوعدك يا عبد الجبار.. قولي في إيه قبل ما قلبي يقف من الخوف". همست بها بأنفاس متلاحقة وهي تتشبث بجلبابه بأصابع يدها وكأنها تستمد منها القوة على الثبات.
وضع كفه على موضع قلبها يستشعر خفقاته المتسارعة أسفل راحة يده مغمغمًا بهدوء عكس ضجيج قلبه: "معوزكيش تخافي من حاجة واصل.. ولو على قلبك فهو عال العال ومش محتاج حتى للمقويات اللي كاتبها لك الدكتور".
عقدت حاجبيها وتطلعت له بنظرات متعجبة، لم تفهم مغزى حديثه وقد ظنت أنه يقول حديثه هذا ليخفف عنها عبء مرضها، أو ربما تفهمت لكنها تستبعد هذا الظن وبداخلها تتمنى أن يكون قلبها بخير حال لعلها تتمكن من الإنجاب، حلمها وما تسعى لأجله، تريد أن تنجب منه طفل وتموت بعدها لا تُمانع أبدًا. "مقويات؟! حرك رأسه لها بالإيجاب وبقوة زائفة قال: "أنا كان عندي استعداد أعمل أي حاجة في الدنيا لأجل ما تبقي مراتي يا سلسبيل".
"حتى لو هتقول إني مريضة ومش هقدر أكون لكِ زوجة عشان تخلي أبلة خضرة تجوزني ليك بنفسها مش كده يا عبد الجبار؟! أردفت بها وهي تبكي وتضحك في آنٍ واحد، بهتت ملامحه، وتطلع لها بأعين جاحظة مرددًا بتقطع: "عرفتي كيف.. مين اللي قالك؟! "قلبي". هكذا جاوبته بمنتهى البساطة، ومن ثم أجهشت في البكاء مكملة بنحيب: "قلبي كان حاسس بسبب لهفتك عليّا، واستغلالك لكل فرصة نبقى فيها لوحدنا عشان تقرب مني فيها". تخضبت وجنتاها بحُمرة
قانية وتابعت بخجل: "لحد ما حصل وبقيت مراتك بجد مش على ورق بس وقتها اتأكدت إني كويسة ومش تعبانة زي ما فهمتوني بالذات لما أنت كلمت الدكتور بالأجنبي عشان ما أفهمش كلامكم". صمتت لبرهة، ونظرت لعينيه التي تستجديها أن تغفر له فعلته هذه، رفعت يدها ووضعت أصابعها الباردة على ذقنه الكثيفة، وتابعت بثقة: "لو كنت تعبانة فعلًا كنت هتخاف عليّا وما كنتش هتلمسني أبدًا". مال بوجهه ولثم باطن يدها بعمق مغمغمًا:
"حقك على قلبي وعيني.. أني خابر زين إن اللي عملته ده عملة عفشة وأنانية مني ويمكن طمع كمان لأني ما كنتش رايد أخسر خضرة أم بناتي ولا أتسبب في وجعك ووجعها". استند بجبهته على جبهتها، وتابع بلهجة أكثر خشونة وكأنه يثبت لها مشاعره وملكيتها إياها وحدها: "عشقان أني عشقتك والعاشق ما عليهوش لوم يا بت قلبي أوعاكي تزعلي مني يا زينة البنات لو رجع بيا الزمن تاني هعمل المستحيل لأجل ما تبقي مراتي وتحت حمايتي يا سلسبيل".
ختم حديثه ومس شفتيها بشفتيه بقبلة متلهفة ويده تضمها له بقوة لصقها به. تشنجت بين يديه وارتفع صوت نشيجها أكثر جعلت قلبه يسقط أرضًا من شدة فزعه وخوفه عليها، وتحدثت بتقطع من بين شهقاتها الحادة قائلة: "مش زعلانة منك يا عبد الجبار.. أنا ما كنتش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أكون في حمايتك أنت وبس". أثلجت قلبه بجملتها هذه، تنهد بارتياح وضمها لصدره بكل قوته، قربها يطمئن صخب قلبه النابض بعشقها. "العشا جاهز يا عبد الجبار بيه".
كان هذا صوت "عفاف" صدح عبر باب الغرفة المغلق، ابتعدت "سلسبيل" عن زوجها الذي أبى أن يتركها إلا بعدما مسح عبراتها بأنامله، وقبل عينيها بعمق. "أنا عملتلك الأكل النهاردة بإيدي". همست بها قبل أن تنتصب واقفة وتسير تجاه الباب فتحته وتحدثت ببشاشة وهي تجذب العربة الموضوع عليها الطعام للداخل أمام نظرات زوجها المفتون بعشقها:
"تسلمي لي يا دادة عفاف.. ومن فضلك خلي كل اللي في البيت يسيبوا اللي في إيديهم ويقعدوا يتعشوا.. أنا عاملة الأكل بزيادة عشان خاطركم".
بمنزل متوسط الحال، تجلس "سعاد" برفقة "صفا" ابنة زوجها صاحبة العشرين عامًا، شابة جمالها رقيق، ولكن ملامحها يبدو عليها الحزن الشديد، شاردة بعيدًا بذهنها فيما حدث لها، تعرضت لصفعة خذلان دامية على يد خطيبها السابق الذي تركها قبل زفافها بأسبوع واحد بسبب اعتراضه على إحدى أهم البنود في قائمة منقولاتها، لا يريد كتابة مؤخر صداق لها مما دفع والدها للتمسك بحق وحيدته، ليقرر الآخر فض الزيجة بأكملها.
موقف لا تُحسد عليه إطلاقًا، أصابها نوبة اكتئاب يحاول والدها وزوجته التي تعتبرها بمثابة ابنة لها إخراجها من تلك الحالة بشتى الطرق. "يابنتي عشان خاطر ربنا كلي لقمة صغيرة واشربي حبة عصير لتقعي من طولك". صدح رنين هاتفها فشهقت بخفوت وهي تقول: "يابنتي أبوكي هيتجنن عليكي وكل شوية يتصل بيّا وهو سايق وماشي على طريق عشان يطمن عليكي ويشوفك كلتي ولا لأ". "ردي عليه وقولي له إني كلت يا ماما سعاد".
همست بها "صفا" ببوادر بكاء، وتعب واضح على ملامحها الشاحبة. "بقى عايزاني أكذب على فايز يا صفا؟! على أساس إنكِ مش عارفة أبوكي اللي بيشم ريحة الكذب من على بعد؟! ربتت على كتفها وتابعت بحنو: "يا ضنايا والله اللي حصل ده خير ليكي.. وبكرة ربنا يعوضك براجل يشيلك جوه قلبه وعينه". بدأت "صفا" تبكي وتئن بصمت كعادتها، لتسرع "عفاف" بضمها بلهفة مرددة برجاء: "كفاية يا قلب أمك والله ما يستاهل دمعة واحدة من عينك".
قطعت حديثها حين شعرت بثقل رأسها على صدرها، انقبض قلبها هي تعدل وضعها داخل حضنها لتتفاجأ ببرودة بشرتها وازداد شحوب وجهها. "مالك يا صفا". صرخت بها حين رأتها تنظر لها بأعين زائغة وقد تطورت حالتها للإعياء الشديد وازرقت شفتاها بلحظة قبل أن تغلق عينيها وتستسلم لدوارها الذي داهمها بعنف. "صفاااااا!!!! صرخت بها "سعاد" صرخة مدوية شقت بها سكون الليل.
كان "جابر" يصف سيارته على جانب الطريق، وهبط منها واضعًا هاتفه على أذنه مغمغمًا: "أنا وصلت يا جدي هجيب أمي وأجيلك عشان نسافر لسلسبيل على طول". "يا ابني خلينا نروح لها بكرة يكون أبو صفا رجع من شغله أنت عارف إنه سواق نقل ثقيل وما بيرجعش قبل الصبح وأمك مش هترضى تسيب بنته لوحدها وتيجي معانا". فتح "جابر" فمه ليرد عليه إلا أن صوت صرخات والدته وصل لسمعه جعله يهرول مسرعًا تجاه الصوت. "افتحي يا أمه أنا جابر".
قالها وهو يطرق على الباب بقبضة يده كاد أن يحطمه. "جابر الحقني يا ابني". صرخت بها "سعاد" وهي تركض نحو الباب وفتحته على عجل مكملة ببكاء وهي تسحبه معها للداخل: "صفا وقعت مني قاطعة النفس ومش راضية تفوق خالص". اقترب "جابر" من تلك الممددة على الأريكة غائبة عن الوعي، وحملها على ذراعيه واضعًا يد أسفل ركبتيها والأخرى خلف ظهرها، وسار بها لخارج الشقة دون أن ينظر لوجهها حتى وهو يقول: "حصليني يا أم جابر خلينا نوديها المستشفى".
لا إله إلا الله. "عجبك أكلي؟ قالتها سلسبيل باستحياء وهي تُطعمه بيدها، كان يتذوق أصابعها بتلذذ وليس الطعام. "أنتِ كلك على بعضك، وكل حاجة وأي حاجة منك بتعجبني يا سلسبيل." عبست بملامحها وبعتاب قالت: "طيب ليه مش عايز تكمل أكلك؟! تنهد عبد الجبار وتحدث بأسف قائلًا:
"مش عايز أتقل في الوكل لَأجل ما أفوق وأنا سايق. جهزي حالك هنعاود على مصر دلوقتِ، عندي شغل ما ينفعش يستني للصبح، واطمني أني هسيب حسان اهنه عشان لو أهل والدتك وصلوا في أي وقت يجيبهم لحد عندك." حركت رأسها له بالإيجاب، وهبت واقفة بصمت وسارت نحو غرفة الملابس لتبدل فستانها بعباءة سوداء وأخفت شعرها داخل حجابها الرقيق، ووقفت أمام المرآة تزيل زينة وجهها.
كان عبد الجبار يتحاشى النظر تجاهها، يجاهد لتلجيم رغبته بها بكافة السبل، فعقله منشغل بابنتيه وزوجته المتواجدة بالمستشفى بمفردها، أما قلبه يحترق من شدة اشتياقه لها، كل ذرة به تريدها الآن أكثر من أي وقت مضى، وهي أيضًا تشتاقه حد الجنون لكنها لن ولم تتفوه بها له أبدًا، حياؤها يمنعها بالاعتراف له أنها تريده وتريد قربه. "أنا جاهزة."
نطقت بها وهي تقترب منه ببطء وعيناها تغتلس النظر إليه، لا تريد مقابلة عينيه حتى لا يرى لهفتها عليه.
سار هو نحو باب الغرفة، تابعته هي بخطى هادئة، وما أن رفع يده وأمسك مقبض الباب وهم بفتحه، وجد يدها وضعت على يده تمنعه، شعرت بشيء أثار الريبة بقلبها، خوف مبهم سيطر عليها لا تعلم سببه جعل جسدها يرتجف بقوة، رفعت وجهها ومن ثم عينيها حتى تقابلت أعينهما بنظرة تملؤها الحب والشوق دفعتها للانهيار داخليًا وأطلقت أنفاسها المحبوسة برئتيها. وتحدثت بهمس بصوت بالكاد يُسمع من فرط خجلها: "ينفع تاخدني في حضنك شوية قبل ما نمشي؟!
حطمت كل حصونه بجملتها هذه التي تخبره بها أنها تريده وتتلهف لقربه مثله تمامًا، شهقت بخفوت حين وجدته يميل بوجهه على وجهها، تطلع لعينيها بعينيه التي ظهرت بهما نيران رغبته بها المتأججة قائلًا بأنفاس متهدجة: "تعالي! قالها قبل أن يخطفها من خصرها داخل صدره، أطبق بشفتيه على شفتيها بقبلة جائعة، ويده تخلع عنها حجابها، وتمزق جلبابه وعباءتها معًا.
الليلة ستعيش حياة زوجية كاملة يملؤها الحب والسكينة لأول مرة بحياتها، ليلة غرام ملحمية لن تنمحي أبدًا من ذاكرتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!