هتعرفيني على باباك؟ أومأت إليه بنعم ثم قالت بنبرة دافئة: أكيد. ثم بابا عنده أسئلة كتير أزاى عمل العملية وأزاى جه باريس وحاجات كتير محتاجة كل الأسئلة أنه يتعرف عليك.
هز رأسه بنعم ونظر إلى النافذة فى هدوء شديد وما زال كابوس الصباح يحتل تفكيره وبسبب عينيه المريضة لم يتمكن من رؤية وجه الفتاة التى حاولت طعنه وقتله فى المنام. شعر بضيق فى صدره يحد من أنفاسه أكثر وبدأ صوت أنفاسه تعلو شيئًا فشيئًا حتى أنتبهت قسم إلى صوته فألتفت إليه ورأته يضع يده على صدره ويفك رابطة عنقه بتعب فربتت على كتف عمر بقلق وهى تقول: وقف يا عمر العربية.
أقتربت من غفران بقلق وهى تأخذ يده من فوق صدره فى أثناء توقف عمر بالسيارة جانبًا ليقول: مسيو غفران. تحدثت قسم ممسكة بيده بين يديها بقلق: غفران أنت كويس؟ أغلق قبضته على يدها بقوة حتى كاد أن يعتصر عظام أناملها النحيلة بين يده فترجل عمر من مقعده مسرعًا وفتح باب السيارة الخلفي وقدم إلى غفران بعض الحبوب الذي وصفها ألبيرت غليه وزجاجة مياه ليرتشف غفران دواءه و قسم جواره لا تفهم شيء ولما هذا الدواء؟ بدأت نوبة الصرع
تهدأ فتحدث عمر بهدوء: أحسن دلوقت؟ اومأ إليه بنعم ليعود عمر إلى مقعده وينطلق بالسيارة. فتركت قَسم يده بضيق وانفعال واضح. ليحدق غفران بها ولم يرى من ملامحها الغاضبة شيء، لكن تصرفها في ترك يديه وابتعادها عنه حتى التصقت بالباب الآخر تبتعد عنه قدر الإمكان كان كفيل بأن يخبره أنها غاضبة منه. ظل يفكر في سبب غضبها ولم يصل لشيء.
نظرت قَسم إلى النافذة بضيق وعينيها تتلألأ بهما الدموع من القلق عليه والضيق بسبب إخفائه بعض الأمور عنها، وهي كالكتاب المفتوح أمامه لم تخفي عنه شيء أبداً. لكن غموضه الدائم معها يحرقها بنيرانه من الداخل حتى ألمتها هذه الغصة في قلبها. توقفت السيارة أمام المستشفى لتترجل أولاً دون أن تنتظرهما وذهبت إلى الداخل. فسأل غفران بقلق: -زعلانة؟ فهم عمر سؤاله وبدأ يصف له تعابير وجه قَسم بهدوء:
-متعصبة جداً وعينيها فيها دموع محبوسة ووشها شاحب شوية. حزينة جداً. تنهد غفران من هذا الوصف وهو لا يفهم سبب تحولها المفاجئ، خصوصاً أنها كانت متحمسة جداً لتقديمه إلى والدها. سار خلفها إلى حيث غرفة والدها. دق الباب أولاً ودلف مع عمر ليرمقه جميل بنظرات هادئة. شاب في مقتبل العمر وسيم جداً كالبدر في سمائه. أنيق ببدلته الرمادية وقميصه الأسود. رائحة عطره الجذابة ملأت الغرفة بدخوله. يبدو عليه ثراؤه. فنظر إلى ابنته بهدوء
فقالت بضيق ونبرة حادة: -أستاذ غفران. أتكفل بعمليتك. نظر جميل إليه بهدوء وعقله لا يستوعب أن هناك أحد مهما كانت درجة ثراءه سيتكفل بجراحة باهظة الثمن هكذا بلا مقابل. ليقول: -سيبيني معاه شوية يا قَسم. نظرت قَسم إلى غفران بحيرة بعد طلب والدها وخرجت من الغرفة مع عمر. بينما جلس غفران مع والدها ليسأله جميل بجدية: -ليه؟ نظر غفران له بحيرة من سؤاله، لكنه لم يكن غبياً ليجهل معنى السؤال.
أخرج هاتفه من جيبه ليضيء شاشته وتظهر صورة نالا. فأعطى الهاتف إلى جميل ليقول بهدوء:
-نالا. بنتي عمرها 10 سنوات بتعاني من رهاب شديد يخليها تخاف تتعامل مع الناس حتى أصحابها في المدرسة. بتروح لدكتور نفسي نصح أننا منجبرهاش على أي تعامل مع الناس عشان متوصلش للتوحد. الطفلة دي محبتش ولا قبلت تتعامل مع حد غير المس بتاعتها مس قَسم. بالعكس حبتها جداً وبدأت تتكلم وتتضحك وتلعب معها. وأنا عرضت على مس قَسم أنها تدرس لها الرياضيات وتساعد في علاج بنتي حسب تعليمات الدكتور النفسي بتاعها. هي رفضت جداً في الأول. فمكنش عندي حل غير أني أطلب منها تساعد في علاج بنتي في مقابل أني أساعد في علاج والدها. ووقتها وافقت.
سمع جميل حديثه، وكان غفران رجل ذكي جداً ليرتب كلماته جداً ويتقن اختيارها حتى يكسب ثقة هذا الرجل ويمده بالأمان. فقال جميل بهدوء: -ودا سبب كافي يخليك تجي معاها هنا؟ تنحنح غفران بهدوء شديد ثم قال بجدية صارمة: -أنا اتعرضت لحادثة عربية قبل ما أجي هنا وجيت أطمن على صحتي ونفسي، خصوصاً أني من المساهمين الأساسيين في المكان هنا وصاحب نسبة أسهم فيها. ودا اللي خلى تكاليف عملية حضرتك مش غالية بل يعتبر أنهم عملوها مجاني عشاني.
رمقه جميل بشك من أمره وشعر أن غفران رجل أفعال يمارس ذكائه عليه حتى يغلبه في الحديث ويخرج هو من هذه المحادثة منتصراً. ليقول: -ودا كمان اللي خلى بنتي تقيم معاك في نفس البيت؟ تنهد غفران بهدوء شديد ثم تحدث بمكر: -هي كانت مقيمة في فندق لوحدها في غرفة مستقلة لحد ما جه حازم خطيبها وحاول يعتدي عليها. ودا اللي خلاني آخدها في البيت للأمان ولأنها كانت خايفة. وكمان أنا مش مقيم في البيت ده لوحدي، في خدم وحرس.
-حازم خطيبها وهيبقى جوزها. دي مشكلة أنا أقدر أحلها لما أرجع. قالها جميل بهدوء على عكس المتوقع. أتسعت عيني غفران على مصراعيها بصدمة ألجمته من رد فعل جميل. أخبره غفران بفعل حازم حتى يقطع علاقته نهائياً مع قَسم. لكن السحر الذي خطط له، قبل على ساحره والفخ الذي فعله سقط به قلبه وحده. لم يصدق أن بعد ما فعله حازم سيزوجها جميل منه. شعر بالخوف من فقدها وأن يأخذها القدر منه بعد أن احتلت قلبه.
ليدرك بهذه اللحظة أنه عاشق لهذه القَسم الجميلة ذات القلب الجميل ببراءتها وحدتها. غادر الغرفة مصدوماً. لتستوقفه قَسم بقلق من إطالة المحادثة بينهما وقالت بتوتر: -بابا قالك حاجة؟ نظر إليها فتاته الجميلة الذي سيفقدها فور عودتهما إلى مصر. ليقول: -قال أنه هيجوزك حازم بعد رجوعك مصر. أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها وانتفض جسدها ذعراً. ليس من قرار الزواج كما توقع غفران.
بل لأن قلبها بات عالقاً الآن مع هذا الرجل فكيف ستتزوج من غيره؟ غادر غفران المستشفى وتركها خلفه مع جميل. لتذرف تلك الدموع المحبوسة في عينيها الخضراء. دَلفت فتاة إلى دورة المياه لتسمع صوت بكائها من المرحاض وهي تشهق بقوة من ألم قلبها الحزين. *** لم يكن أنس غبياً أو غريباً عن زوجته. فأدرك أنها بدأت تشك به فأرسل رسالة إلى ملك يقول بها: -أنا مش هعرف أجيلك دلوقتي. خليها على الإجازة الجاية.
مسح الرسالة من هاتفه فور أرسالها وترك الهاتف على الطاولة أمامه وأخذ كوب القهوة الخاص به يرتشفها. حتى جاءت الخادمة وقالت: -محمود بيه في الصالون منتظر حضرتك. وقف أنس من مكانه يقول: -أنا جاي. روحي أعمليه حاجة يشربها. غادر من أمام تيا التي تراقب تصرفاته في صمت. وفور مغادرته فتحت الهاتف تبحث في محادثته عن أي شيء والصور والمكالمات. لكنها لم تجد شيء. فكان أنس حريصاً جداً ولم يخطأ مرة واحدة أو يترك دليلاً واحداً في هاتفه.
ألتف أنس قبل أن يدخل القصر ليراها تمسك هاتفه فتبسم بخبث وكأنه كان يعرف أن هذا أول شيء ستفعله. أخذ محمود صديقه وقال: -تعال نقعد في المكتب. دلفوا للمكتب. بينما رمقه محمود صديقه منذ الصغر مهندس معماري من طبقة متوسطة وسبب معرفته بـ ملك من البداية 35 عاماً. ليقول: -مالك؟ غريبة أنك تبعتلي نقعد في بيتك. -تيا شافت الهدية اللي كنت جايبها لملك وبدأت تشك فيا. قالها بضيق شديد مما أفزع محمود ليقول بذعر: -وبعدين؟ هتعمل أي؟
ما أنا قولتلك الستات بتحس بالحاجات دي يا أنس وأن الموضوع مش هيعدي كدة عليها. جلس أنس على المقعد بضيق شديد ثم قال بسخرية من تيا: -تحس بأي؟ بقولك لولا الهدية مكنتش هتعرف حاجة، وإلا كانت حست بحاجة طول السنين دي. المهم أبعت مراتك تطمن ملك وتديها الرقم ده تكلمني عليه. أعطاه ورقة بها رقم تليفون جديد ليقول محمود بجدية: -ماشي. -في حاجة كمان؟ فاكر الشقة اللي في العمارة بتاعتك. عقد محمود حاجبيه بعدم تذكر بينما يقول: -أنهي شقة؟
آآه قصدك اللي معروضة للبيع؟ أومأ إليه بنعم ثم تابع الحديث ليقول: -آه. خلي مراتك تروح مع ملك تشوفه لو عجبتها هبعتلك فلوس تشتريها باسم ملك وننقل فيها. وقتها هعرف أشوف ملك براحتي وأقول لتيا إني جاي أزورك عادي. تبسم محمود على ذكاء صديقه الخبيث وقال: -دا أنت ثعلب مكار. ماشي حاجة تانية؟ -لا. قالها أنس وجلسوا معاً يلعبوا جولة مباراة على الشاشة معاً. ودلفت الخادمة بالعصير والكيك ثم خرجت. فأوقفتها تيا بضيق وقالت:
-بيتكلموا في أي؟ أجابتها الخادمة بعدم فهم من السؤال: -ولا حاجة بيلعبوا بلاي ستيشن. غادرت الخادمة لتعقد تيا ذراعيها بحيرة من أمره. وبداخلها الشك قد فتح أبواب قلبها حتى يتسلل داخلها. فليس من الطبيعي أن يحضر لها زوجها حجاباً. وكانت هذه غلطته الوحيدة التي ارتكبها. *** رفعت قَسم طاولة الطعام من أمام والدها بوجه شاحب وحزين. ليقول جميل بجدية: -مالك يا قَسم؟ -مفيش. قالتها بلا مبالاة ونبرة واهنة وحزينة. ليقول بجدية:
-أنتِ حبتيه؟ ألتفت قَسم إلى والدها بدهشة من سؤاله. لتابع الحديث بحزم: -حبتي غفران بيه الرجل الملياردير وأنتِ مخطوبة لواحد تاني. تنهدت قَسم بضيق ثم جمعت شجاعتها لتقول: -مخطوبة لواحد تاني؟ أنهي واحد يا بابا اللي شكك في شرفي واتهمني إني وحشة وبتاع رجالة؟ ولا اللي حاول يعتدي عليا؟ ولا اللي أمه ماشية وبتتدخل في كل حاجة في حياتي وتخصني؟
ولا اللي مخليني راجل معاه وشايلة كل المسؤولية وحولني من بنت جميلة لراجل بيرجع ورا الصنايع وتشطيب الشقة وغيره؟ هو دا الراجل اللي عايز تديله بنتك الوحيدة. -هو دا الراجل اللي أنتِ اخترتيه وحبيته ووقفتي قصادي عشانه زمان، ولا نسيتي. قالها بحدة صارمة. لتنهار قَسم في البكاء وهي تقول بتلعثم: -غلطت. كنت عيلة وغلطت. هتعاقبني وترميني عشان اختيار غلط؟ هتخليني أعيش عمري كله في مرار ووجع وذل عشان اخترت مرة غلط؟
هفضل عمري كله مذلولة ومكسورة بسبب مرة اخترت فيها. سألها بعيني ثاقبة ترمقها بضيق: -وغفران بقي هو الاختيار الصح؟ الراجل اللي متجوز ومعاه بنت. أغلقت قبضتها بوجع تسيطر على ألمها وشعرت أنها مذنبة وستسرق رجل من زوجته وستدمر حياة عائلة كاملة بسبب طمعها. فقالت بضيق:
-أنا مخترتش غفران. حتى لو حبيته أنا مستحيل أختاره. أنا مش وحشة عشان أسرق راجل من مراته وبيته، ولا هقبل إني هكون بالقذارة دي. أنا بس مش عايزك ترميني لحازم وتدمرلي حياتي كلها اللي جاية. خرجت من الغرفة منهارة من البكاء ولا تعلم إلى أين تذهب في هذا الوقت المتأخر من الليل. لم تقوى على الذهاب إلى غفران بعد حديث والدها، ولا تملك منزلاً آخر تذهب له. ظلت تسير في الشوارع جاهلة إلى أين تقودها قدماها.
يؤلمها قلبها المجروح من قسوة حازم ويريد والدها تزويجها منه. ويفتت لإشلاء بسبب حبه لـ غفران، وهي لا تقوى على تدمير حياته وحياة زوجته وابنته الصغيرة. لا تعلم لما علقت حياتها بين الحياة والموت هكذا. جلست على أحد الأرصفة في الطريق تضم قدميها إلى صدره وتتكئ برأسها على ركبتيها لتنهار في البكاء. ربما يقل وجعها قليلاً بعد نوبة البكاء.
لاحظ "عمر" حزن "غفران" الشديد من بعد مقابلة والدها وعلم سببه حين أخبر "قاسم". فمرافقة "عمر" له طيلة هذه السنوات تجعله يعرفه كالمرآة الخاصة به ويعلم أن "غفران" يكن الكثير من الحب لها وما يؤلمه الآن هو خبر زواجها. فقال بهدوء: _ما لك يا مسيو غفران؟ حضرتك كويس؟ _هتتجوز يا عمر. تنحنح "عمر" بهدوء مدركًا أن هذا هو السبب، فقال بجدية ومكر: _لكن لو حضرتك أمرتها متتجوزش هي واجب عليها الطاعة.
رفع "غفران" نظره إلى "عمر" بجدية، ليتنحنح "عمر" بخوف من نظرته وقال موضحًا الأمر: _مش قصدي حاجة، لكن حسب العقد اللي عليه أمضت قاسم مينفعش تتجوز. وقف "غفران" من مكانه ليسير إلى الأمام ويضع يديه في جيوب بنطلونه بضيق ويفكر في هذا العقد وماذا سيكون رد فعل بريته الجميلة حين تعلم به. ستكن له الكره والغضب وستتحول براءتها إلى النار التي ستحرقه. مما يعرفه عن "قاسم" فلن تقبل نهائيًا بهذا الأمر المخادع لها. تحدث بقلق:
_تفتكر دا حل يا عمر؟ الحل دا هخسرني قاسم للأبد. أقترب "عمر" خطوة من رئيسه وقال بخبث شديد وهو لا يبالي بشيء سوى ما يريده رئيسه فقط: _لكن في الأول والآخر هو حل لأنها تفضل معاك العمر كله. بكل الأحوال سواء قبلت أو رفضت قاسم ملكك قانونًا وميحقش لحد غيرك أنه يأخذها أو يأمرها حتى والدها. ميحقلهوش أنه يقرر نيابة عنها لأن قاسم قانونًا ملك لغفران الحديدي وبس.
نظر "غفران" له بحيرة من أمره، وإذا أفضحت أمر هذا العقد ستكون ملكه حقًا أمام الجميع، لكن في المقابل سيخسر قلبها وروحها للأبد. رن هاتفه يقاطع محادثتهما وكان رقم غريب، ليجيب عليه "عمر" باللغة الفرنسية قائلًا: _ألو. كان صوت "جميل" يحدثه بقلق: _غفران بيه معاك. نظر "عمر" إلى "غفران" ووضع يده على الهاتف ليقول بهمس: _دا جميل. أخذ "غفران" الهاتف منه بعد أن نظر في ساعة يده وكانت قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل ليقول: _أيوة.
_قاسم عندك؟ قالها بقلق بعد أن غابت ابنته ساعات طويلة في الخارج. فزع "غفران" من سؤاله الذي كاد أن يوقف عقله وقلبه في آن واحد ليقول بتلعثم: _هي مش عندك؟ _خرجت من ثلاث ساعات ومرجعتش وشنطتها وفلوسها معايا حتى جزمتها عندي. قالها بقلق ليقول "غفران" بفزع: _أزاى خرجت لوحدها؟ هي متعرفش حاجة هنا.
أغلق الهاتف دون أن ينهي الحديث من الفزع وخرج من المنزل بملابس بيته مجنونًا لا يعلم أين سيجدها، فبدأ يتصل بها كالمجنون و"عمر" يقود السيارة بسرعة دون توقف في جميع الشوارع المجاورة للمستشفى. أتصل بها أكثر من 50 مرة لكنها لا تجيب عليه مما جعل قلبه يكاد يجن وعينيه تنظر من النافذة عليها، لكن عجزه عن رؤية الوجوه جعلت البحث عنها وسط المارة بين مستحيل. لتذرف دمعة من عينيه بضيق من هذا الزوج من العيون. لم يراها حتى لو مرت من أمامه مما أدهش "عمر" لأول مرة يرى دمعة عينيه تذرف من جفنه مما أرعبه من القادم.
استقبلت اتصاله ليصرخ كالمجنون بها قائلًا: _أنتِ فين؟ أنتِ مجنونة تطلعي لوحدك و...... قاطعته بصوت واهن يخرج من حنجرتها بصعوبة بالغة من شدة بكاءها ورجفتها تقول: _غفران قلبي بيوجعني. تخلي عن صراخه وعصبيته بعد أن سمع نبرتها الباكية وكلماتها عن الوجع الذي أصاب قلبها الضعيف. تنفس بهدوء يهدأ من روعته أمام ضعفها ثم قال بلطف: _أنتِ فين وأنا هجيلك. _معرفش. قالتها بضعف ليقول بجدية: _أدي تليفونك لأي حد جنبك.
أعطت الهاتف لفتاة تجلس قربها، لم تفهم الفتاة شيء منها لكنها أخذت الهاتف بقلق لتسمع سؤال "غفران" بالفرنسية عن العنوان أو المكان، فأخبرته به بلهجتها الفرنسية وأعطت الهاتف إلى "قاسم". فقال بجدية: _أنا قريب منك متتحركش حركة واحدة يا قاسم. أقل من خمس دقائق وهتلاقيني قدامك. أومأت إليه بنعم، فأخبر "عمر" عن العنوان دون أن يغلق الخط ثم قال بلطف: _خليكي معايا على التليفون متقفليش. تحدثت وهى تعود للجلوس أرضًا بتعب:
_يا ريتك يا غفران تعرف تعملي أنا كمان عملية تخلصني من وجع قلبي. صمت ولم يجب عليها مستمعًا لكلماتها الحزينة وهي تصف وجعها بأنه فاق قدرتها وتتمنى أستئصاله. أوقف "عمر" السيارة وقال بهدوء: _قاعدة هناك. نظر "غفران" نحو أصبع "عمر" ليراها تجلس على حافة النهر بحالة فوضوية. ترجل من السيارة وهو يقول: _روح هاتلها أي جاكيت أو حاجة تدفيها وجزمة. أومأ "عمر" بنعم وأنطلق بالسيارة، ليسير "غفران" نحوها وهو يقول:
_أوعى تقولي أنك بتفكري تنتحري. أنزلت الهاتف عن أذنيها تنظر حولها لتراه يقترب بملابس بيته، فجهشت في البكاء أكثر. فقال بنبرة خافتة بهاتفه: _كام مرة قُلتلك متخافيش ما دام أنا معاكِ. _الدنيا دي مرعبة يا غفران، مرعبة أوى. قالتها بعجز عن البقاء على قيد الحياة فتابعت الحديث بهدوء: _بقالي أكثر من ساعة بفكر هيحصل إيه لو رميت نفسي هنا ونهيت الحياة دي وانتصرت أنا على معاناتها.
ارتجف قلبه فزعًا حين سمع تفكيرها المخيف في إنهاء حياتها حتى تتخلص من أوجاعها وقسوة حياتها. فقال بلطف: _تعالي ليا وأنا هنصرك عليها. قُلتلك كام مرة أنا هنا جنبك. أغمضت عينيها بقوة تسقط دموعها كاملة وهى تغلق الهاتف حتى وصل إليها. فمد يده إليها وهو يقول: _تعالى ليا يا قاسم. فتحت عينيها لتراه يقف جوارها ويمد راحة يده إليها، فنظرت إليه مطولًا ورفعت يدها نحوه لتتعانق يديهما معًا. فسحبها بلطف إليه لتقف مع سحبه وتطلع بها.
فقال بخفوت: _أنا معاكِ يا قاسم. _بس حتى دا مستحيل. قالتها بوجع، فهي لن تقبل به أبدًا ولن تقبل بتدمير حياة فتاة أخرى مثلها حين تسرق منها زوجها. مسح على رأسها يداعب خصلات شعرها على الجانبين بحنان ثم قال بلطف: _مش هتتجوزيه يا قاسم. مش هتتجوزيه ما دام مش عايزة دا. وضعت يدها على قلبها بحزن شديد ثم قالت: _هنا بيوجعني يا غفران، حاسة أني مخنوقة ومش قادرة أتنفس وهموت من الوجع.
جذبها إليه لترتطم بصدره القوي حتى يطوقها بذراعيه بقوة محكمًا إياها بين ضلوعه فقال بهدوء: _أهدئي يا قاسم وكل حاجة وليها حل.
حاولت دفعه بعيدًا عنها ومقاومة عناقه وهي تشد تي شيرته بقوة من خصره حتى تبعده، لكن هذان الذراعان كان أقوى من فتاة هشة على أن تنتصر عليهما وتتخلص من قيدهما. وكلما قاومته شد عليها أكثر لتستلم لهذا السجن الذي يحيطها لتجهش في البكاء وهي تتشبث به بقوة. ليرخي "غفران" ذراعيه عن عظامها التي كاد أن يعتصرها بهما وشعرت بيده تربت على ظهرها محاولًا تهدأتها حتى تكفي عن البكاء. فهمس إليها بنبرة دافئة:
_أهدئي يا قاسم. أهدئي وهتتحل. كل مشكلة وليها حل صدقيني. أومأت إليه بنعم ليخرجها من بين ضلوعه ونظر إلى وجهها الضبابي ورفع يده يمسح دموعها بلطف. فقالت: _أنا مش وحشة يا غفران. أنا مش وحشة ومش عايزة أدمرلك حياتك ولا أوجع مراتك. سألها بلطف ونبرة دافئة: _دا اللي مخوفك؟ دا السبب اللي مخليكِ متجيش ليا. أومأ إليه بنعم فقال بهدوء شديد: _أنتِ مش وحشة لأن مش أنتِ اللي قلتي لكندا تخوني.
نظرت إليه وهي تمسح أنفها بيدها، فجلس على الأرض معها وحدق بها وبدأ يحكي لها عن "كندا" وأنها تخونه مع المخرج وأنه لم يعاشرها منذ زواجهما سوى مرتين فقط يوم زفافهما والمرة الأخرى حين حملت بـ "نالا". لأول مرة يكن مرضه مفيدة حتى لا صدمة "قاسم" وبكاءها مشفقة على حياته التعيسة. فقال بهدوء: _عرفتي أنكِ مش وحشة؟ _مش يمكن اللي وصلها للخيانة حياتكم البايظة؟ قالتها بهدوء فنظر "غفران" لها بهدوء ثم سألها:
_كانت تطلب الطلاق يا قاسم، لكن تخوني دي جريمة وأنا لا يمكن أغفرها. أومأت إليه بنعم وحقًا كان الطلاق سيكون سهلًا جدًا على حالتهما. جاء "عمر" إليه ليأخذ منه "غفران" السترة التي اشتراها الحذاء وجلس يمسح قدمها بيده ثم يضع الحذاء بها، وعيني "قاسم" لم تفارقه نهائيًا حتى وصل بها إلى المنزل. صعدت للأعلى ليتصل بالمستشفى من أجل "جميل" فقال: _آه لاقيتها في الشارع والصبح هجبهالك المستشفى بعد....
قاطع حديثه حين سمع صوت أرتطم شيء قوي بالأعلى، فأغلق الهاتف وصعد ركضًا للأعلى بخوف أن تكون أذت "قاسم" نفسها حقًا كالمجنونة ويناديها: _قاسم. لم تجب عليه ليفتح باب الغرفة ودلف. لم يجدها بالغرفة فطرق باب المرحاض ولم يجد جواب. فقال بهدوء: _قاسم أنا هدخل. لم تجيب عليه ففتح الباب برفق لكنه صدم حين رآها على الأرض فاقدة للوعي بروب الأستحمام، ليفزع بهلع ويدخل لها فرفع رأسها عن الأرض ليقول: _قاسم...
حملها على ذراعيه ليأخذها إلى الفراش ووضع الغطاء عليها بقلق وحاول إفاقتها بالعطر. لتفتح عينيها بتعب ووضعت يدها على رأسها من الوجع. تنفس الصعداء بأريحية بعد يقظتها وظل يحدق بها بفزع لترى وجهه مفزوعًا وأنفاس يكاد يلتقطها من القلق. فأعتدلت في الجلوس بألم من قوة ارتطام رأسها بالأرض وقالت: -غفران. لم يتحمل قلبه الخوف الذي بداخله هذه الليلة بسببها.
كاد أن يتوقف عن النبض من هلعه كأن أحدهما يطرق بمطرقة ضخمة على صدره بهذه اللحظة. وبعد أن لفظت اسمه وسط ألمه فقد ما تبقى من صموده أمامها. فلم يشعر بشيء سوى وشفتيه تطبق على جبينها الباردة بقبلة دافئة. لتُصدم "غفران" من فعلته وشل جسدها عن الحركة وهي لا تستوعب فعلته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!