أتسعت عينيها على مصراعيها من هول الصدمة وشعرت بجسدها تجمد في مكانه ولم تستطع تحريك إصبع من يدها حين لمست شفتيه جبينها الباردة بقبلة دافئة. فدفعته بقوة بعيدًا من صدره، وبسرعة البرق لطمت وجنته بيدها، كف أشعل نيران عقله وصدره من الغضب. ظل يرمقها بصدمة لا يتخيل أن فتاة تجرأت وصفعته هكذا. وقبل أن يغضب عليها، رآها تغادر الفراش وتأخذ ملابسها إلى المرحاض. فبدلتهما سريعًا وجمعت أغراضها لتغادر المنزل بضيق واشمئزاز يحتلها.
فركض خلفها غاضبًا وهو يصرخ بها: -أنتِ رايحة فين؟ -ماشية. قالتها بضيق شديد. فمسكها من معصمها بقوة يمنعها من الخروج وهو يقول: -أنتِ مجنونة؟ هتخرجي دلوقتي؟ أنتِ عارفة الساعة كام؟ -أعتقد الشارع آمن بكتير من بيتك يا غفران. هدفعته بقوة بعيدًا عن طريقها والتفت مغادرة كالثور الهائج. صعدت بسيارة أجرة وذهبت إلى المستشفى.
وفي طريقها كانت شاردة فيما فعله ورجفة قلبها، نظرة الخوف والقلق الذي رأتهما في عينيه عليها. تجمعت الدموع في عينيها من الوجع، والآن بات قلبها وطنًا للحزن والوجع فقط. كبحت شهقاتها حتى وصلت للمستشفى وجلست أمامها على أحد مقاعد المارة الرخامية وبدأت تستنشق الهواء بحيرة من أمرها. *** [[ قصر الحديدي ]] جاءت نالا ركضًا إلى والدتها الجالسة على الأريكة الخشبية في الحديقة وشاردة في فكرها. تقتل شرودها الأليم بصوتها تقول: -مامين.
نظرت كندا إلى طفلتها بعين دامعة من الماضي ووجع الخيانة الأليم يمزقها أربًا من الداخل. وكل لحظة يتجاهل بها غفران اتصالاتها وهو في بلد أخرى مع فتاة غيرها تقتلها. رفعت نالا يديها الصغيرتين إلى وجنة والدتها بحنان لتمسح دموعها وقالت بلطف: -متعيطيش يا ماما، إنتِ زعلانة مني في حاجة؟ هزت كندا رأسها ببسمة خافتة وسط دموعها من لطف طفلتها وقالت: -لا يا حبيبتي، أنا مبزعلش منك يا نالا.
ضحكت الطفلة ببراءة ثم مسكت يد والدتها بعفوية قبل أن تتحدث برجاء ولطف ثم قالت: -مامي ممكن توافقي أجيب قطة صغننة تلعب معايا هنا؟ نظرت كندا بصمت إلى وجه طفلتها لتراها صامتة منتظرة الجواب على أحر من الجمر بحماس وعينيها تترجى والدتها أن توافق على جلب قطة للمنزل. فأومأت إليها بنعم. لتقفز نالا من السعادة ووضعت قبلة على وجنتها الدافئة من دموعها الحارة ثم قالت: -هروح لنانا.
ركضت إلى قصر اللؤلؤ حيث جدتها نورهان لكي تلبي لها طلبها وتجلب لها قطة. نظرت كندا إلى طفلتها وهي تركض بعيدًا بسعادة وعادت بعقلها الحزين إلى الماضي. *** عودة للماضي ***
اتسعت عيني كندا على مصراعيها وهي تقف في المرحاض وتحمل في يدها اختبار الحمل به خطين يعلنان عن حملها. فوضعت يدها على فمها بذعر من هذا الحمل الذي سيدمر حياتها كاملة. ولم يمر على زواجها سوى أسبوع واحد، والآن ظهر وجود جنين داخل رحمها وغفران لم يقترب منها هذا الأسبوع.
جهشت في البكاء بانهيار من الخوف. وغفران لم يطلقها إذا علم، بل سيقتلها ويدفنها حيث لم يعثر عليها أحد. وحدها من تعلم قسوته وقوته الحادة رغم حبه الشديد لها. أي رجل أحمق هذا سيقبل بخيانة زوجته وحملها من رجل آخر.
جلست على الأرض في المرحاض بحزن شديد وجهشت بالبكاء بصوت قوي مسموع باطمئنان في بوحها أن لم يسمعها أحد بعد أن غادر غفران للعمل. ظلت تبكي وتصرخ بحسرة ويديها تضرب قلبها بقبضتها القوية حتى نفدت منها طاقتها وأنهت نحيبها لتخرج من المرحاض بحزن متمتمة بألم ومكر شديد: -مش وقت ندب يا كندا، لازم تتصرفي في المصيبة دي.
بدلت ملابسها وذهبت إلى الطبيب للتأكد من الحمل. وكانت الكارثة لها أن الحمل حقيقي ورفض الطبيب عملية الإجهاض. مما جعلها تيأس وتذهب إلى عفيفي، شيطانها الأكبر وبسببه حياتها تحل بها الكوارث واحدة تلو الأخرى. اتسعت عيناه من مجيء كندا إليه بصدمة بعد زواجها فقال بدهشة: -إيه ده؟ مش خايفة جوزك يشوفك هنا وأنتِ لسه عروسة؟ تنحنحت كندا بضيق وتوتر من كلماته. فإذا علم غفران سيفضح أمرها. لتقول بضيق ونبرة حادة:
-ميخصكش يا عفيفي، أنا عايزة منك طلب. رفع حاجبه وهو يقف أمام ماكينة القهوة بدهشة من كلماتها وقال مستغربًا: -عايزة إيه؟ -شريط حبوب من اللي جبت لي منه. التفت إليها مذعورًا من طلبها وسقط كوب القهوة من يده. لِتُدهش من رد فعله حين سمع طلبها. فأقترب عفيفي بخوف من أفكارها التي تحملها داخل رأسها الصغير وقال: -عايزة إيه؟ -أنت سمعتني كويس. تنحنح بتوتر وفك زر قميصه من الخنق بسبب الصدمة وقال بقلق:
-الحبة دي مخدرات، مش هقولك إنك متعرفيش سعرها كام؟ لكن عارفة شريط بحاله لو أديتيه لغفران هيحصل إيه؟ هيبقي مدمن مخدرات. ابتلعت لعابها بتوتر والخوف طرق أبواب قلبها وثقلها حين علمت ماهية الحبة التي أعطتها لزوجها بيدها حتى تخفي خيانتها. جمعت شجاعتها وقالت بتوتر: -مالكش دعوة، أنت تجبلي اللي طلبته منك وخلاص. أومأ إليها بنعم وهو يلتف حول المكتب محدثًا إياها بتحذير:
-أنا عملت اللي عليا وعرفتك أهو، مترجعيش تقوليلي إني السبب ولا تقولي إن غفران شك فيكي. بعد الحبة الثالثة لو خدهم في فترة قريبة هيبقي مدمن وهتظهر أعراض الإدمان عليه. أخرج من أحد الأدراج الخاصة بالمكتب شريط من الحبوب وألقى به على سطح المكتب. لتأخذه كندا وتعطيه المال ثم غادرت وعادت للقصر. وقبل أن تعود ألقت بدليل الحمل الوحيد وهو اختبار الحمل في أحد الطرقات من نافذة السيارة.
ثم اتصلت بغفران في الهاتف ليلاً. فأجاب عليها بحماس ونبرة دافئة تحمل الكثير من الحب: -إيه يا حبيبتي؟ تبسمت كندا بمكر شيطاني تخفيه خلف وجهها الجميل وقالت: -أنت فين يا روحي؟ -في الطريق. أجابته بنبرة دافئة ناعمة يكاد يسمعها قائلة: -طب متتأخرش عشان مستنياك.
قشعر بدنه من نبرتها الناعمة التي احتلت قلبه وجعلته يرتجف بكهرباء الحب. وصل غفران للقصر ولم يجدها في الطابق الأول. فصعد إلى حيث غرفتهما ليُدهش بسعادة تغمره حين وجد زوجته تقف أمام طاولة صغيرة عليها عشاء تشعل بعض الشموع وأضواء الغرفة خافتة لتناسب الشموع. رائحة عطرها الفرنسي تملأ الغرفة وعلم من ملابسها الجميلة أنها زُينت لأجله دون أن يرى وجهها. أقتربت منه بحماس فور دخولها لتتعلق برقبته بفرحة مصطنعة وقالت بهم: -وحشتني.
نظر إليها بامتنان وسعادة تغمره من هذا الحب الكامن بداخلها إليه. فأخذته من يده بلطف وقالت: -تعال يا حبيبي نتعشى عشان الأكل ميبردش. جلسوا يتناولون الطعام معًا بسعادة وعينيها ترمق غفران بخباثة وهو يتناول طعامه في هدوء. ثم مدت يدها إليه بكوب العصير وقالت: -اشرب العصير يا حبيبي. أخذ الكوب من يدها وأخذ رشفة من الكوب ثم أكمل طعامه وهي تراقبه مع كل رشفة من الكوب بحماس. وكبرت بسمتها أكثر حين أنهى كوب العصير بعد أن نجحت خطتها.
*** فاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها باسم عفيفي. فلم تجب عليه وعقلها الآن غارق في خيانة غفران لها ودموعها بللت وجنتها بغزارة مع ذكرياتها الأليم. من لحظتها الأولى معه كانت تكذب عليه والآن تبكي لخيانته. تفتيت قلبها الآن لأجل خيانته جعلها تدرك كم كانت الخيانة مميتة للقلب والروح. توقف الهاتف عن الرنين فأخذته وفتحت صندوق المحادثة مع غفران وكتبت له رسالة واحدة: -أنت خنتني يا غفران؟
انتظرت الجواب كثيرًا لكنه لم يجب. وبعد ساعة تقريبًا فتح الرسالة لتتحمس وقالت بتمتمة: -شافها. لكن حماسها لم يدوم كثيرًا حين تجاهل غفران رسالتها ولم يجب لفترة طويلة. *** مر أكثر من أسبوع على فعلته وطيلة هذه الفترة وقسم تقيم في المستشفى مع والدها ولم يرى غفران طيفها حتى وقد حرمته منه.
دلف عمر إلى المنزل وكان غفران جالسًا على الأريكة يتابع أعمال شركته على التابلت ويفتح مكالمة فيديو مع أعضاء شركته في اجتماع عمل. ليقف عمر منتظرًا انتهاء الاجتماع. وبعد أن أغلق غفران اللاب توب تحدث عمر بنبرة جادة هادئة: -أحم، أنا كنت في المستشفى واطمنت على حالة أستاذ جميل الصحية والدكتور النهار ده كتب له على خروج. وقسم طلبت مني أحجز لها على أول طيارة راجعة مصر.
التف غفران إليه بصدمة ألجمته من طلبها وغضبها منه جعلها تتخطاه وتتحدث مع عمر، بل طلبت منه أن يساعدها في الرحيل. فخرج غفران من المنزل غاضبًا وأخذ سيارته إلى المستشفى ورآها هناك تعبر الطريق أمام المستشفى بنفس ملابسها التي غادرت المنزل بها، لذا تمكن من التعرف عليها. ذهب خلفها مشيًا بعد أن ترجل من السيارة. وقفت تشتري بعض الطعام من أجلها ودفعت بعض المال ثم التفت لترى غفران أمامها. فقالت بضيق: -عايزة أعدي.
-وأنا عايز أتكلم معاكِ. قالها بحدة صارمة. لتعقد حاجبيها بضيق شديد ثم قالت بغيظ وهي تكز على أسنانها: -وأنا مش عايزة أتكلم معاك ولا طايقة أشوفك. -مش بمزاجكِ يا قسم. قالها بحدة صارمة. فمسك يدها بقوة رغمًا عنها وسحبها خلفه إلى مكان هادئ يتحدث به. وهى تصرخ به بعناد قائلة: -سيبني يا غفران، سيبني مش عايزة أتكلم معاك، هو مش بالعافية يعني. التف إليها أثناء سيره للأمام بضيق شديد:
-لا بالعافية يا قسم، بالعافية حتى لو حكم الأمر أشيلك مش أجرّك. وصل إلى حديقة عامة هادئة. فسحبت يدها بقوة منه بعد أن أوقفت قدميها عن التقدم أكثر. وقالت بخنق صارخة به: -أنت عايز إيه؟ فاكر إن مهما تقول أو تبرر هسامحك أو هنسى عملتك فيا؟ لا يا غفران أنا مستحيل أسامحك ولا أنسى الشعور اللي حسيت به وقتها. لم يبالي للمارة الذين نظروا عليهم من صوتها العالي. فقال بصراخ منفعل مثلها وأكثر:
-مش من حقكِ، مش من حقكِ يا قسم تحرمني منك ولا تسيبني وتمشي. أقترب أكثر منها ومسك ذراعها بقوة حتى سقط الطعام منها من قوته وشدته المحكمة عليها. وقال بتهديد: -ولا من حقكِ تكلمي راجل تاني فاهمة؟ ابتلعت لعابها بخوف من نظراته التي يتطاير منها الشر والغضب الذي أكمل رعبها في نبرته الحادة. لكنها لم تكن فتاة سهلة المنال يسهل عليه ترويضها. فرغم خوفها دفعته بقوة من صدره أكثر بعيدًا وقالت بتحدٍ وعناد أكثر: -أنت عبيط؟
أنت فاكر نفسك مين عشان تقولي أتكلم مع مين ولا أعمل؟ مش كفاية عملتك السوداء؟ أنا معاك حسيت أسوأ وأقذر إحساس ممكن أحسه في حياتي. لما عاملتني على إني واحدة من الشارع يا دوب تخون مراتك معها وتغيظها بها.
-حقك تزعلي من اللي عملته، لكن كمان من حقي إنكِ تعذريني. لما يتصل أبوكي بيا آخر الليل ويقولي إنكِ اختفيتي واترعب عليكِ وأخرج زي المجنون أدور عليكِ في الشوارع. ولما ألاقيكي منهارة وبالمنظر اللي كنتِ به. ولما ألاقيكِ واقعة من طولكِ قصادي وخوفي عليكِ. أنا اللي عملته من الخوف والرعب اللي حسّيته ليلتها عليكِ. كنت عايز خايف ومش واعي بحاجة غير إني أطمن عليكِ وأضمك ليا.
قالها بفزع ووجع يحتله وهو يصف لها ما شعر به بهذه الليلة وكم كان شعور الفقد والخوف مرعبين له حينها. التزمت الصمت هذه المرة وبدأت مشاجرتهما تهدأ وحدتها وعنادها بدأوا في الخمول قليلًا أكثر عندما رأت دمعة حزينة تجمعت في عينيه العسليتين. استدارت لكي تغادر دون أن تتفوه بكلمة واحدة أخرى. فأوقفها غفران حين مسك رسغها بلطف يمنعها من الرحيل وقال بتراجي: -متِمشيش يا قسم.
-لازم أمشي يا غفران، وأرجوك احجز لي على أول طيارة راجعة مصر أنا وبابا وكفاية لحد كدة. قالتها بحزن دون أن تستدير له. فصرخ بغضب وكاد أن يفقد عقله: -أنتِ مجنونة؟ عاوزة ترجعي عشان يجوزك لحازم بالعافية؟ -وحازم يختلف إيه على بقية الرجالة؟ كلكم مبتحترمش البنت اللي معاكم وبتستنوا الفرصة عشان تعملوا اللي عايزينه. قالتها بألم شديد. ليُصدم غفران من ردها الذي ألجمه وهي تقارنه بحازم وتراه مثله تمامًا. تمتم بضيق شديد:
-متحطنيش في مقارنة مع الزبالة دا، والجوازة دي لو وقفتي على رأسك ولو انطبقت السما على الأرض مش هتم يا قسم. وأوعي تنسي إنك بتكلمي غفران الحديدي وإنتِ لسه مشوفتيش وشي التاني. غادر هو هذه المرة بعد أن ترك يدها. لِتراه يغادر بغضب واثقًا من نفسه جدًا. أخذ كيس الطعام من الأرض ووضعته جانبًا وذهبت لشراء طعام أخرى وعادت إلى المستشفى لترى عمر بانتظارها ومعه تذاكر الطائرة. ليقول بجدية: -الطيارة بكرة الساعة 3 العصر.
أومأت إليه بنعم. ليقول بجدية: -ياريت أول ما توصلي مصر متقفلليش تليفونك لأن عليكِ دين لازم توفيه. ومتنسيش أن العملية مكانتش ببلاش ومالهاش علاقة بالخلاف اللي بينكِ وبين مسيو غفران. دا فيه عقد وممضي. هزت رأسها بنعم. ثم ولجت إلى غرفة والدها. ليعود عمر إلى السيارة وكان غفران بها جالسًا بالخلف. فسأل بمكر شيطاني: -عملت إيه؟ -زي ما حضرتك طلبت. أومأ إليه بنعم ونظر من النافذة بحدة صارمة. ثم قال متمتمًا:
-قسم هي اللي جابته لنفسه. أنا محدش يتحداني وهي اللي أصرت تشوف وشي التاني. أطلع يا عمر على المطار وأول ما توصل قسم لمصر تتصل تجيبها الشركة عشان تشوف بنود العقد اللي مضيته. أومأ إليه بنعم وانطلق ملبيًا أمره. *** [[ قصر اللؤلؤ ]] خرجت رزان من القصر ليلاً كي تغادر. فوجدت تيا تقف أمام سيارتها. تحدثت بهدوء: -أخبارك إيه يا مدام تيا؟ -بخير، عايزة أطلب منك طلب لكن أرجو أنه يكن سر.
قالتها تيا بجدية صارمة. فأومأت رزان إليها بنعم. جمعت تيا شجاعتها في الإفصاح عما بداخلها وقالت بجدية: -عايزة منك تجيبي لي كل حاجة عن أنس بيعملها من ورايا طول ما هو برا القصر. تبسمت رزان بخفة وقالت بعفوية: -حضرتكِ بتشكي فيه؟ تنحنحت تيا بحرج من فهم رزان للأمر وقالت بغلاظة: -لا، مالكيش دعوة. أنا عايزاكي تشوفي حد يراقبه ولو تعرفي تجيب لي سجل مكالماته الفترة اللي فاتت يبقي كويس.
هزت رزان رأسها بثقة من مهارتها. ولولا مهارتها ما كانت ستكون مساعدة نورهان بجبروتها. لتقول: -دا شيء سهل جدًا سواء حد يراقبه أو مكالماته. لكن أنا مبعملش حاجة غير بأمر دكتورة نورهان. اقتربت تيا قليلًا منها وحدقت بعينيها بحزن وخوف يحتلها من معرفة والدتها لما تشك به. ثم قالت بجدية:
-هكون شاكرة ليكي يا رزان لو عملتي لي الخدمة دي من غير ما حد يعرف وخصوصًا ماما أو غفران. ماما لو عرفت مش هتسكت ممكن تدمره. ولو غفران حس إني شاكة فيه هتكون آخر ساعة في عمر أنس. الأثنين مرعبين أكثر من بعض وجواهما جبروت بيرعبني أنا نفسي وأنا من عائلتهم ما بالك أنس. أرجوكِ. ابتلعت رزان لعابها بتوتر ثم قالت بخوف: -حضرتك تعرفي لو دكتورة نورهان عرفت إني بعمل حاجة من وراء ظهرها هيحصل فيا إيه؟
عقدت تيا حاجبيها بخوف يحتلها من معرفة عائلتها أنها تشك بزوجها. مما جعل رزان تشفق على حالتها وهذه العائلة مرعبة حقًا كالجحيم في غضبهم. تحدثت بلطف قائلة: -طيب خلاص مش هقول لحد بس تكون أول وآخر مرة. ارجوكِ متأذنيش في شغلي ولا تخسرني دكتورة نورهان. وهي عمرها ما قصرت معايا أو... قاطعتها تيا بحماس شديد ثم قالت: -حاضر والله حاضر. آخر مرة بس بسرعة يا رزان لأن أنا هموت من القلق.
هزت رأسها بنعم لتغادر تيا. فصعدت رزان إلى سيارتها مغادرة القصر. *** وصلت قسم إلى شقتها بصحبة والدها متكئ عليها وجلسوا معًا في الغرفة. وصفية تبكي بفرحة من عودة زوجها حي يرزق. بينما قاسم جالسًا قرب والده يقبل يده بحنان. فخرجت قسم من الغرفة تاركة والدها مع عائلتها. لكن استوقفها على الباب صوت والدها يقول: -قسم، اتصلي بحازم وقولي له إني عايزه. التفت قسم إليه بحزن وخوف يحتلها بسبب حديث والدها. فقالت بتمتمة:
-ممكن ترتاح يا بابا الأول وبعدين نتكلم لما تصحي. -سمعتيني يا قسم. قالها بحدة شديدة. لتغادر قسم. فنظر صفية إلى زوجها بدهشة من طلبه إلى حازم. فقالت بلطف: -قوم يا قاسم امشي على درسك. أومأ قاسم لها بنعم وقال بعفوية: -أيوه زحلقيني أيوه، بس أنا عشان جدع همشي. قالها بتذمر وخرج من الغرفة. نظرت صفية إلى زوجها وقالت بضيق: -عايز حازم ليه؟ هي قسم مقالتلكش على اللي عمله؟ تنهد بهدوء من التعب. ثم قال بحدة:
-قالت لي يا أم قاسم، بس دا طيش شباب. لكن الجد بقى إن لازم الجوازة دي تتم وبسرعة. بنتك عاشقة يا صفية. لم تفهم كلماته فقالت بضيق: -ولا عاشقة ولا حاجة، دي بقت بتكرهه وحازم بقى مكرهها في كل حاجة في الدنيا وكل الجوازة. تنحنح جميل بجدية ورمق زوجته بعيني حزينة خائفًا على مستقبل ابنته الوحيدة. وقال بحزن ونبرة متلعلثمة:
-بنتك مش عاشقة حازم، بنتك عاشقة راجل متجوز وعندي عيلة. ولأجل العشق ده عمل لي العملية بالمبلغ ده. وأنا مش هستنى لما بنتي تتحول لخرابة بيوت وخطافة رجالة. ولا إنها تكون السبب في كسر قلب بنت زيها ولا سرق أب من بنته. قسم لازم تتجوز حازم عشان نقطع عرق ونسيح دم. بعد جوازها هيبقى مستحيل أن العشق ده يدوم ولا من طرفها ولا من طرفه. فهمتي ليه رغم اللي عمله حازم ده أنا اللي هجيبه وهراضيه وأخلي يتجوز بنتي. جهشت صفية في البكاء. ثم
قالت بحزن وخوف على طفلتها: -بس أنت كده هتظلم بنتي وتكسر قلبها. -كسرة قلبها ولا إنها تعيش سعيدة على حساب كسرة قلب بنت تانية هي اللي تدمر حياتها بسعادتها. تظلم نفسها أهون بكتير من إنها تظلم حد تاني. المظلوم له رب يقف معاه ويعوضه ويراضيه. لكن الظالم له ربنا أقوى منه. قالها بجدية صارمة منهيًا الجدال في هذا الأمر. وقد حسم أمر حياتها بنفسه وقرر قتل قلبها بيديه كأنه لا يخشى الحزن على طفلته ولا يهتم لأمرها. ***
[[ قصر الحديدي ]] وصل غفران إلى القصر لتركض نالا إليه بحماس واشتياق لوالدها الغائب من فترة طويلة. ضمه بحنان وهو يقبل جبينها ويديها الصغيرة. فجاءت كندا من الخلف بوجه غاضب وقالت بنبرة قوية مخيفة: -نالا، اطلعي على أوضتك. نظرت الطفلة إلى والدتها. ليقف غفران معتدلًا. فصرخت كندا بانفعال: -قلت لكِ اطلعي على أوضتك، خديها يا فاتن لأوضتها.
أخذت فاتن الطفلة إلى الأعلى. لتعقد كندا ذراعيها أمام صدرها حادقة بزوجها الغائب. ولأول مرة لم تركض إليه حين يعود ولم تشتاق إليه. بل شعور الغضب والكره والاشمئزاز هم ما يسيطرون عليها. فقالت بضيق: -مجبتهاش معاك ليه؟ وبالمرة تعرفني عليها. أجابها غفران بمكر وغضب يحتله من خيانتها هي الأخرى قائلاً: -قريب إن شاء الله تنور القصر وتقهر قلبك وتذلك يا كندا. قالها وهو يسير نحو مكتبه. حتى وصل قربها لتمسكه من ذراعه بقوة تمنعه من
الرحيل وصرخت به باختناق: -استنى هنا أنا بكلمك، أنت بتعمل كده ليه؟ أنتِ شايف إحنا وصلنا لفين يا غفران؟ شايف الحب اللي بينا مات إزاي؟ -من خيانتكِ اللي لسه منستهاش ولسه حسابك جاي. أنا سايبك بس دلوقتي بمزاجي لحد ما أروق لكِ. قالها ببرود شديد وعينيه حادقة بوجهها الضبابي. لتدمع هذه العيون بوجع وقد فقدت أعصابها من بروده القاتل لها وألم خيانتها قد احتلها طيلة الليالي الماضية. لتصرخ بأنفعال في وجهه:
-حرام عليك يا غفران والله العظيم وحياة بنتي اللي عمري ما هحلف بحياتها كذب. أنا من يوم ما دخلت بيتك وبقيت على ذمتك طول العشر سنين دول ما خنت ولو بنظرة غصب عني حتى. يعلم ربنا إني ملكك أنت لوحدك وأنك ظالمني. وربنا ما في راجل لمس شعرة مني من يوم ما شلت اسمك. نفض غفران ذراعها عنه بقسوة وهو يستمع إلى بكائها في كلماتها. وقال بغضب شديد:
-كذب ودموع التماسيح دي عمرها ما هتدخل عليا. أنتِ كاذبة يا كندا وأنا عديت لكِ كتير أوي وجه وقت الحساب. -يا غفران أنا... قالتها بألم وحزن شديد. لتُصدم حين وضع يده على عنقها يخنقها بقوة وكاد أن يقتلها حقًا من الألم الذي يشعر به في رؤيتها أمامه وسماع صوتها. تحدث بألم ونبرة مرعبة: -أنا لو قتلتكِ هنا محدش هيحس بيكي يا كندا وأنتِ خلاص حفرت قبرك بإيديكي. متستعجليش لدخوله.
كادت أن تختنق في قبضته وبدأت تضرب يده بيديها حتى يتركها ويتخلى عن عنقها. لتلتقط أنفاسها لكنه لم يفعل. فظل يضغط أكثر وأكثر على عنقها بحجم الألم الذي يحتله وبسبب خيانتها. فقد الرؤية تمامًا ولم يعد يرى وجه قسم الجميل. فسقطت يديها عن يده وأغمضت عينيها فاقدة للوعي. ليسقط جسدها أرضًا مع صرخة عمر الذي دلف للقصر وقال: -مسيو غفران.......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!