ترجل "غفران" من الأعلى مرتديًا بدلته الرمادية وقميصه الأسود، يهندم سترته وهو ينادي بنبرة جادة على رئيسة منزله. "فاتن! ت جاءت "فاتن" من الداخل على صوته، فرمق "كندا" التي تجلس على السفرة تتناول فطورها. ليقول بجدية ونبرة خشنة قوية: "خُديها على فوق، الأوضة اللي جنب جناحي تنضفها كويس وتفرشها عشان جاي لنا ضيفة." وقفت "كندا" من مكانها بصدمة ألجمتها من أمره لها، فقالت بعناد: "ضيفة! أي قررت تجيب عشيقتك لبيتي بكل بجاحة؟
ح د ق بها ببرود شديد يكاد يقتلها في الحال، على غير انفعاله. فكان البرود العقاب الأكثر قسوة إلى "كندا". فقال بنبرة باردة:
"أموري تتنفذ يا فاتن. لو عرفت إنك حطيتي إيدك في حاجة هقطعهالك. وإنتِ يا هانم، لتصحيح معلوماتك، دا بيتي أنا وقصري، وإنتِ هنا خادمة تحت جزمتي عشان بس أعفي عنكِ. وأوعي تفتكري إن الدكتور اللي جالك امبارح دا خوف عليكِ يا كندا، لا يا حبيبتي، دا أنا مستحيل أسمح لخاينة زيكِ تموت كده بسهولة. أنا هخليكي تتمني الموت ومش هتحصلي عليه إلا بأمر مني."
خرج من القصر تاركًا خلفه زوجة تكاد تموت من الألم، بسبب خطأ واحد ارتكبته بالماضي تدفع ثمنه الآن بعد عشر سنين. اقتربت "فاتن" منها بلطف وربتت على كتفها بشفقة: "سامحيني يا كندا هانم، بس دا أمر غفران بيه وعصيانه يعني الجحيم." نظرت "كندا" إليها بعينين دامعتين وبدأت تبكي بحسرة تمزق قلبها، ثم قالت بتمتمة عاجزة عن فعل شيء:
"أنا اللي واجعني مش أوامر غفران ولا ذله ليا. أنا اللي واجعني بجد يا فاتن إنه ظالمني. بيعاقبني على حاجة ظُلم. طول العشر سنين دول وأنا شايلة جزمته فوق رأسي وقابلة بكل حاجة وإننا مش زي أي زوجين طبيعيين، وبقول دا عقابي على غلطة واحدة عملتها وغصب عني. لكن دلوقتي والله اللي قهرني إني مظلومة. أنا من يوم ما اتجوزت غفران وأنا مخلصة وصايناه ويشهد عليا ربنا. لكن دلوقتي والله مظلومة."
"يظهر إن الواحد مهما مر على غلطه من سنين لازم يدفع ثمنها." قالتها "فاتن" بنبرة حادة ويدها تربت على "كندا" بشفقة. لا تعلم ماذا تفعل، تشفق على هذه الزوجة التي تحملت كل شيء من الماضي، والآن تدفع ثمنه بقسوة. خرج "غفران" من القصر ليصعد بسيارته بصحبة "عُمر"، فقال بحزم: "اتصل بـ"قُسم" تيجي ليّا على الشركة الساعة 4." "أومأ إليه بنعم وقال: حالًا." منعه "غفران" بمكر شديد يقول:
"لا، كلمها الساعة 3 بالدقيقة وعرفها إن الدقيقة تأخير ثمنها غالي أوي." هز "عُمر" رأسه بنعم ووضع الهاتف بجيبه مرة أخرى. ***
كانت "قُسم" جالسة بغرفة تكاد تشعر بهذا العالم من التوتر الذي يتملكها، و"حازم" بالخارج مع والدها كما طلب. لا تصدق أنها ستتزوج من هذا الرجل رغم كل العلامات التي توحي بفشل هذا الزواج قبل أن يبدأ. حياة على حافة الهاوية، لكنها تصبو إليها. قلبها يؤلمها بغصاته، فرغم الغضب الكامن بداخلها من "غفران"، لكنها تكن له المشاعر الدافئة وتمكن من امتلاك قلبها بنبضاته، ليسرق هذا القلب من "حازم"، رجل كان الوحيد بحياتها ولم تكن تعرف معنى الحياة والحب إلا معه حتى ظهر "غفران" ليقلب حياتها رأسًا على عقب.
رن هاتفها باسم "عُمر" فتجاهلت الاتصال بضيق، وهذا الوقت لا يسمح لها بسماع شيء آخر. ربتت "ملك" على كتفها بلطف وقالت: "خلاص يا قُسم بقي، ساعة شيطان وغلطة أكيد حازم مش هيكررها يعني. وفي الأول والآخر دا حازم حب عمرك."
لم تتمكن "قُسم" من التفوه بكلمة واحدة للإجابة على صديقتها التي تتحدث عن الحب وهي لا تفهم شيء. وقفت "ملك" من مكانها وذهبت نحو الباب تسترق السمع لما يحدث بالخارج، بينما هاتف "قُسم" عاود الاتصال مرة أخرى باسم "عمر" فتجاهلت الاتصال مرة أخرى حتى حسم الأمر هذه المرة برسالة على تطبيق المحادثات (الواتساب)
بصورة تحتوي على بند العقد الذي وقعته بأنها لن تتجاهل مكالمات "غفران" أو أوامره نهائيًا، وإلا العقد سيعتبر ملغي ويلزمها بدفع شرط جزائي قدره مليون جنيه. مما جعل "قُسم" تصدم من وجود شرط جزائي للعقد، ومع اتصال "عُمر" الجديد قبلت الاتصال من أول ثانية تقول: "نعم." تحدث "عُمر" بنبرة خشنة قوية على عكس المعتاد معها: "مسيو غفران في انتظارك كمان ساعة في الشركة." "بس أنا...
كادت أن تعترض بدهشة من طلبه لها فورًا، لكن قاطعها "عُمر" بنبرة قوية يقول: "مش محتاج أفكر حضرتك بالشرط الجزائي مرة ثانية يا مس قُسم. ونصيحة مني للمستقبل قبل ما تمضي على ورقة لازم تقرأيها مرة واثنين كويس، لأن في ورقة ممكن تنهي حياتك. والبند اللي بعته لحضرتك مش الوحيد اللي كان لازم تقرأيه... الساعة 60 دقيقة بدأت من دلوقتي. مع السلامة."
أغلق الخط ليتركها في حالة من الذهول، وهو يقيس لها الوقت بالدقيقة. وكلماته الجادة المرعبة عن قراءة العقد زادت من قلقها وتوترها، وشعرت برجفة في باطنها من القادم. عادت "ملك" من خلف الباب في حالة من الذهول تقول: "عم جميل حدد فرحك بعد أسبوعين، هو مستعجل على إيه؟ لم تبالي "قُسم" بما قالته وعقلها شارد في مكالمة "عُمر" الغامضة. فهزت رأسها بالنفي بقلق وقالت: "أنا عندي مشوار ضروري."
خرجت من الغرفة وكان والدها في الصالة منهكًا من الحركة ومعه "حازم" ووالدته مبتسمًا بسعادة بعد تحديد موعد الزفاف، على عكس والدته العابسة وهي تكن كل الكره لـ "قُسم" ورافضة للزواج من البداية. أوقفها "جميل" بنبرة هادئة بسبب حالته الصحية: "قُسم." "بابا أنا عندي مشوار ضروري مش هتأخر." قالتها بتعجل وهي تغادر الشقة، ليوقفها من جديد بعد أن فتحت باب الشقة يقول: "قُسم تعالي هنا." عادت للدخول بضيق شديد تقول بضيق: "نعم."
"أنا اتفقت مع حازم إن فرحكم الخميس الجاي اللي بعده." قالها بجدية لتقول بلا مبالاة: "آه، وماله... عن إذنك." "إنتِ رايحة فين؟ قالها "حازم" بفضول، لتجيبها بنبرة حادة غاضبة وهي تشمئز الآن وجوده: "مالكش دعوة." غادرت قبل أن يوقفها أحد وأغلقت باب الشقة. *** جاءت "رزان" إلى "نورهان" في الطابق الثاني من شركتها، حيث تقف مع العارضات وتباشر المنتج الجديد مع الموظفين. قالت بهدوء: "دكتورة نورهان." ألتفت "نورهان"
إليها بجدية وقالت للموظف: "هنكمل كلامنا مرة ثانية، تعالي يا رزان." اقتربت "رزان" منها بهدوء وتحدثت بنبرة خافتة: "مدام تيا كلمتني امبارح وطلبت مني طلب كده في السر بدون معرفة حضرتك." سارت "نورهان" إلى طريق مكتبها بجدية وخطوات تحمل من وقارها الكثير والهيبة، قالت بنبرة جادة: "تيا بتلعب من ورا ظهري، ويا ترى بقى أي الطلب؟ تنحنحت "رزان" بلطف قبل أن تتحدث خائفة من ذكاء "نورهان" وجحودها في آن واحد قائلة:
"أراقب أنس بيه وأجيبلها سجل مكالماته كامل." ت وقفت "نورهان" عن السير من هول الصدمة التي ألحقت بها بعد أن سمعت كلمات "رزان" واتسعت عينيها على مصراعيها وهي تقول بتلعثم: "أراقب أنس؟ قصدك إن تيا بتشك في البيه؟ "دا اللي أنا فهمته من كلامها لكنها مقالتوش صريح." قالتها "رزان" مما جعل "نورهان" تصمت قليلاً لتفكر وتستوعب هذه الخطوة من "تيا" ابنتها، فقالت بمكر شديد:
"اعملي اللي طلبته منكِ، لكن ما تعرفيهاش أي حاجة قبل ما تقولي له. ولو اكتشفتي إنه بيخونها تستعدي لمسحه من على وجه الأرض، لأن مش بنت نورهان الحديدي اللي تتخان." أكملت طريقها إلى مكتبها بعقل بدأت حربه في التفكير. *** [[ شركة الحديدي ]] خرجت "ليلي" من مكتب "غفران" عابسة وتتمتم بالكثير من الكلمات غير المفهومة وتمزق بعض الأوراق بقوة تدل على انفعالها. فرأت "عُمر" يجلس على مكتبها، ليرفع حاجبه الأيسر متعجبًا تذمر محبوبته،
فقال: "مالكِ يا ليلي؟ بتبرطمي ليه؟ "مالي بجد! أنت بتسأل؟
أقولك مالي. مش طايق نفسه من ساعة ما جه وزعيق وشخط طول الوقت. رجع القهوة مرتين ورابع مرة أطبع الفايل وأقوله عديه، وطرد اثنين من الموظفين كانوا بيشربوا سجاير على السلم. وطلب ألغي كل الاجتماعات النهاردة وأنا في حوسة مع الشركاء بسبب مواعيد الاجتماعات المهمة اللي قعدوا مستنين شهر كامل لحد ما يرجع من السفر عشان أعمالهم وصفقاتهم متعطلة بسبب غيابه. بس كده. عرفت مالي بقى يا سي عُمر؟
ضحك "عُمر" على تذمرها وانفعالها بسبب رئيسه المتغطرس المغرور الذي لا يبالي بشيء سوى رغباته وما يريده فقط، حتى لو هدم العالم على رؤوس الجميع ما دام هذا ما يريده سيفعل. وقفت أمام ماكينة التصوير لتعيد طباعة الورق من جديد بتأفف حتى فاض بها الأمر. ألتفت إلى "عُمر" بعبوس أكثر وقالت بنبرة حادة: "هو اتخانق مع مراته؟
وقف "عُمر" من مكانه ليغادر المكتب دون أن يجيب عليها، محتفظًا بأسرار عمله حتى مع محبوبته. فمسكت "ليلي" يده قبل أن يفعل. نظر إلى وجهها الجميل رغم شدة العبوس لتقول "ليلي" بجدية: "أنا بتكلم جد يا عُمر. هو النهاردة في حالة مزاجية صعبة التعامل معاها نهائيًا. أنت متخيل كم الغضب اللي أنا فيه ده وأنت نفسك عارف إنه بيعاملني ألطف من الباقي عشانك. تخيل باقي الموظفين مع قسوته وجحوده ده عاملين إزاي وأنا أقل واحدة فيهم غضب بسببه."
تنحنح "عُمر" بلطف شديد ثم قال: "متقلقيش يا حبيبتي، بعد كام دقيقة هتلاقي مزاجه اتغير." عقدت حاجبيها بعدم فهم لأي شيء من كلماته وقالت بجدية: "اشمعنى؟ أنا ألغيت اجتماع المهندسين في التوقيت ده." ضحك "عُمر" على سذاجتها وقال بعفوية: "هو اجتماع المهندسين بيحسن مزاجه برضو يا لولو؟ افهميها إنتِ بقى، عيب تبقي سكرتيرة غفران الحديدي وأيده اليمين في الشركة ومتفهمة." قاطعهم صوت أنثوي رقيق من الخلف يقول: "مساء الخير."
ألتف "عُمر" بوجه حاد، بينما نظرت "ليلي" لترى "قُسم". فتاة من هيئتها أدركت أنها بسيطة جداً، ترتدي بنطلون جينز وتيشيرت بنصف كم فوقه سترة جينزية ووشاح أحمر اللون حول عنقها وشعرها الكستنائي مسدول على ظهرها بحرية. بشرتها خالية من مساحيق التجميل نهائياً وفي قدمها حذاء رياضي، مما أدهش "ليلي" التي تقدمت نحوها ولأول مرة ترى فتاة في هذه الشركة الفاخرة ترتدي حذاء رياضي، لطالما كان الأهم حسنة المظهر. وقالت:
"تحت أمرك، حضرتكِ بتدوري على حاجة أو ضعتي طريقك؟ ر مقت "قُسم" هذا الرجل الغليظ الذي جلبها إلى هنا بالتهديد، وقالت بحدة: "ما ترد يا عُمر بيه وتقولها جبتني ليه؟ أستدارت "ليلي" بفزع إلى "عُمر" وصرخت بقوة دون أن تدرك الأمر: "يا نهارك مش فايت! أنت اتجوزت عليا.... شقطتها منين دي؟ طبعاً عشان كده عامل تقول لي مش فاضي مش فاضي لحد ما اتجوزت عليا يا خاين وببجاحتك جايبها لي لحد هنا." "يا آنسة...
قالتها "قُسم" بلطف محاولة تصحيح الأمر، لكن هذه العاشقة لم تكن بنفس القدر من اللطف لتستدير لها وبسرعة البرق جذبتها من شعرها ليبدأ بينهما شجار من هجوم "ليلي" وصراخ "قُسم" المتألمة من قوتها، مدافعاً عن نفسها وتحاول الخلاص من يدي هذه الفتاة. اقترب "عُمر" بسرعة جنونية منهما وصوت الشجار ملأ المكان ليحاول إبعاد فتاته عن "قُسم" بخوف من غضب "غفران" إذا علم. وحتى "ليلي" المهاجمة إذا علمت بحقيقة هذه الفتاة ستموت رعباً.
قال بذعر: "سيبها يا ليلي، وهفهمك. يا بت سيبها يخربيتك.....
قاطعه فتح باب المكتب وخروج "غفران" على صوت الصراخ. توقف الجميع عن فعل كل شيء وما زالت يد "ليلي" تمسك تيشيرت "قُسم" حتى لا تهرب من مخالبها القوية. ظل يحدق بهما جاهلاً عن هوياتهما، لكنه يعرف "عُمر" من ملابسه في الصباحية، وهكذا "ليلي" رغم سقوط شارة اسمها عن سترتها، لكنه يعرف ملابسها اليوم. تسأل في صمت عن الفتاة التي تضربها "ليلي" بقوة وعجزه في الرؤية جعله صامتاً لثوانٍ، حتى تحدثت "قُسم" صارخة بانفعال: "قال لك هيفهمك."
"قُسم." قالها "غفران" بذعر بعد أن سمع نبرة صوتها المحفور في أذنيه وذاكرته. أقترب خطوة منها ليبتلع "عُمر" لعابه قليلاً وقال: "حصل سوء تفاهم يا مسيو غفران وليلي هتعتذر فوراً."
أغمض عينيه بهدوء قبل أن ينفجر غاضباً بوجه موظفته على ما فعلته، لترتجف يدي "ليلي" بخوف وتترك ثياب "قُسم" قبل أن يفتح عينيه. أنحنى قليلاً ليأخذ الوشاح من الأرض وعاد للوقوف أمامها ووضعه حول عنقها بلطف، مما جعل "ليلي" تصدم مما يفعله وعقله سرعان ما ترجم الموقف وأن هذه الفتاة مجهولة الهوية تخص "غفران" الذي سيقطع رأسها على لمس شيء يخصه، وهي لم تقترف اللمس فقط، بل قامت بضربها بكل قوتها. حدقت "قُسم" بعينيه وهو يضع الوشاح لها
وكانت في عالم آخر غير المجاورة لها المرعوبة منه. كانت غارقة بجمال عينيه والشوق الذي أشعل فتيلته داخل قلبه من رؤيته. لم تراه منذ أيام وتعاقبه على شيء اقترفه في حقها في وقت الخوف. كان جميلاً لكن عينيه حزينتين وباردتين. لا يمكن بصفاء النفس والبال كما كان في فرنسا. أنفاسه غير منتظمة تضرب وجنتيها بتردد. تسللت يديه إلى رأسها يهندم خصلات شعرها بحنية ودفء يثر نبضات قلبها العاشق وقشعريرة احتلت جسدها كاملاً. رمقت "ليلي" رأسها
بخوف رغم الدهشة التي ألجمتها من تصرفاته الدافئة معها في حين أنه من بداية اليوم غليظ وحاد مع الجميع. تساءلت أين ذهبت قسوته التي كانت قبل قليل.
أخذها "غفران" من يدها إلى داخل. فنكز "عُمر" كتف "ليلي" بقوة وقال بصراخ حاد: "أنا لو هخونك يا جزمة هجبهالك لحد هنا. وبعدين أنا عندي وقت أحبك فيه عشان يبقي عندي وقت أشوف غيرك. والله لأوريكِ يا ليلي على الإحراج اللي عملتيه ده. اتفضلي قدامي تخشي تعتذري ليها على اللي عملتيه." جلست "قُسم" على المقعد المقابل لمكتبه وهي تحرك كتفها بلطف من الألم الذي سببته لها "ليلي". ليقول "غفران": "إنتِ كويسة؟
صمتت قليلاً وتذكرت بكاءها في الطريق إليه بعد أن حدد والدها موعد الزواج، والآن الضرب الذي تعرضت له. فُتح باب المكتب ودلف "عُمر" أولاً، وكانت "ليلي" تختبئ خلف ظهره من الخوف، ليقول بهدوء: "مسيو غفران.... قاطعه "غفران" بنبرة حادة وقوية أرعبت "ليلي" من أرضها، يقول: "ليلي." ظهرت من خلف ظهره تقول بتلعثم شديد ويديها ترتجف: "والله ما كنت أعرف إنها حبيبتك يا مسيو غفران، هي قالت لي اسألي عُمر وفكرته بيخوني معاها."
ضحك "غفران" على غير المعتاد منه ضحكة خافتة بعد أن وصفت "قُسم" بحبيبته من أول لقاء. نظرت "ليلي" إلى "عُمر" بحيرة بعد أن ضحك "غفران" ومسكت سترته من الخلف بعجز، فأشار "عُمر" لها برأسه بأن تعتذر: "أنا آسفة لحضرتكِ." ضحكت "قسم" بعد أن فهمت أن هذه الفتاة حبيبته، فقالت بعفوية: "ولا يهمك، أنا كان لازم أجاوبك إني جاية في ميعاد مع غفران وأكون أوضح في جوابي." "مش زعلانة، لأحسن إنتِ هتمشي من هنا وأنا هتعلق أقسم بالله."
قالتها "ليلي" بعفوية رغم خوفها من وجود "غفران". هزت "قُسم" رأسها بلطف وقالت: "أكيد." نظرت "ليلي" بلماضتها وعنادها الطفولي إلى "غفران" وقالت بجدية صارمة تقلده: "حضرتك سمعت أهو، قالت مش زعلانة وقبلت اعتذاري. أي قرار هتتخذه ضدي هرجع للجنة الشئون القانونية ويفصل بينا المحاكم و..... وضع "عُمر" يده على فمها يمنعها من الحديث أكثر وقال: "بعد إذنك، يلا ليلي.. يلا يا حبيبتي."
غادرت "ليلي" وحدها، فنظر "غفران" إلى "قُسم" التي سحبت ابتسامتها بعد مغادرة "ليلي" وتحول وجهها للعبوس وقالت: "طلبتني." قدم "عُمر" نسخة العقد إلى "قُسم" وقال بنبرة جادة: "أستأذنكِ يا آنسة قُسم تقرأي بنود العقد كاملة وخصوصًا آخر ورقة." أخذت "قُسم" العقد بتذمر شديد متمتمة: "جايبني على ملأ وشي عشان أقرأ لك العقد؟ كنت أقرأه لنفسك يا عُمر... بعدين أي آنسة قُسم اللي ماسك لي فيها دي."
كانت تحدثه متذمرة على الطريقة الرسمية ويدها تقلب صفحات العقد حتى وصلت للأخيرة وبدأت تقرأ في صمت، اتسعت عينيها على مصراعيها ورفعت رأسها بصدمة ألجمتها وأوقفت نبضات قلبها بقوة لتقول بانفعال شديد ويديها ترمي العقد في وجه "غفران": "إيه دا؟ ممكن حد يشرح لي أي الجنان ده؟
"أشرح لك يا آنسة قُسم. العقد اللي مضيته عليه خلاصته بتقول إن مسيو غفران هيدفع تكاليف جراحة والدك بزراعة القلب وإقامة المستشفى ومرافقتك لهم فيما يعادل مليون جنيه، في المقابل حضرتك هتكوني موظفة عنده لمدة سنتين ولا يحق لكِ مخالفة أوامره وإلا سيكون مخالف للعقد وتدفعي شرط جزائي مليون جنيه اللي دفعهم مسيو غفران." "دا جنان... قاطعهم "عُمر" للمرة الثانية يتابع الحديث قائلاً:
"والورقة اللي قبل الأخيرة كان عقد زواج عرفي بينك وبين مسيو غفران وبعد الإمضاء حضرتكِ أصبحتِ زوجته." وقفت من مقعدها من هول الصدمة وهي لا تصدق أنها تزوجت منه بغبائها وفي لحظة الخوف تملك منها على والدها وأرادت إنقاذ حياته لتقع في وكر هذا الأسد. صرخت بنبرة عالية تكاد "ليلي" سمعتها من الخارج وهي تقول:
"إنت مريض، لا دا مش مرض دا جنان. أنا مستحيل أكون مراتك ومستحيل أتجوزك. أنا سبتهم بيحددوا فرحي بعد أسبوعين جاي تقولي إني متجوزة وشكلي وسمعتي قصاد الناس. وأبويا اللي لسه قلبه مفتوح متخيل خبر زي ده ممكن يعمل فيه إيه؟ اقترب "غفران" من المكتب نحوها يحدق بها وقال بنبرة غليظة: "إنتِ مراتي سواء قبلتي أو رفضتي يا قُسم." "مستحيل العقد ده تبله وتشربه. دا أنا أموت ولا إني أكسر ظهر أبويا وأوطي رأسه."
قالتها بغضب سافر لتغادر المكتب، فأسرع "غفران" خلفها وصعد المصعد معها قبل أن يغلق، فقالت بضيق: "إنت إزاي طلعت بالقرف ده؟ أنا كنت شايفاك حد محترم مش حد زبالة بيستغل مرض وحاجة الناس عشان ياخد اللي عايزه." وقف أمامها يلهث بقوة من ركضه وقال بنبرة هادئة: "أنا مش وحش يا قُسم، أنا بني آدم." "الجوازة دي باطلة وفي الشرع متحتسبش. الجواز قبول وإشهار وأنا لا قابلة ولا أشهر."
قالتها بحزن ودموعها تسيل على وجنتيها بتعب وصدمتها تكاد تفقدها الوعي، لكنها تصمد قدر المستطاع. أقترب خطوة واحدة منها حتى باتت أنفاسهما واحدة مختلطة، ليقول بدفء: "موافق، هحرق العقد وهطلبك شرعًا... تتجوزيني يا قُسم." رمقته بصدمة أكبر وقدميها لم تعد تتحمل أكثر وقلبها يرتجف بوجع يعتصره، وقالت: "ليه؟
أنا دوست على كل حاجة عشان أهلي وسمعتهم وقبلت بكل حاجة. شيلت كل الحمل لوحدي وقبلت أتجوز حازم بالغصب عشان أهلي وأبويا المريض. إنت ليه متتحملش عشان خاطر بيتك؟ ليه تتجوزني أصلاً؟ إنت طلعت وحش أوي يا غفران بيه." أجابها بعناد مدافعاً عن حال قلبه:
"أنا مش وحش يا قُسم. أنا لو وحش كنت قسيت عليكِ لما هجرتني في فرنسا. أنا صونتك واحترمتك حتى وإنتِ معايا في بيت واحد وكنتِ مراتي على فكرة. أنا مقدرش أذيكي بس كمان مقدرش أبعد عنكِ والقرار في إيدك تقبلي تتجوزني وأعزك وأجي لحد أهلك وأطلبك منهم وأكتب عليكي رسمي أو ورق الجواز العرفي يروح لأهلك بدلي." تمتمت بضعف ولهجة واهنة: "إنت بتعمل فيا كده ليه؟
أنا كنت جاية وفاكرة إني ممكن أتسند عليك وأقولك ساعدني عشان هيجوزني غصب عني لراجل مبحبوش. أجي ألاقيك إنت كمان بتبيع وتشتري فيا. هو كلكم بتبيعوا وتشتروا فيا كأني كلبة في حياتكم؟ محدش سألني أنا عايزة إيه؟ أنا مش هتجوزك إنت مبتحبنيش وأعلى ما في خيالك أركبه. أنا محدش يكسرني ولا يذلني... نجوم السماء أقرب لك يا غفران بيه، أي كان أسبابك أي، أنا مستحيل أتجوز راجل من باب الصفقات."
قالتها بعناد شديد وتحدي لا تخشى شيء مهما كانت العواقب ولا تفهم أو تستوعب سبب رغبته الشديد في الزواج بها حتى أنه كتب عقد زواج. تألم قلبه لحديثها وهي تخبره أنها لا يكن الحب لها وتذكر كيف أخبرته "ليلي" بالأعلى أنها محبوبته والجميع يشعرون بحبه لها إلا هي، فقال بعناد وعصبية أكثر متنازلًا عن دلالها بلطفه وكان أكثر عدوانية منها:
"كل اللي حوالينا شايفين حبي ليكي وغيرتي قلبي وعقلي عليكِ، خوفي وقلقي ومحاولتي الدائمة في إسعادكِ." اتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها من هول الدهشة التي سقطت عليها من كلماته العاطفية التي تثر نبضات القلب وتقشعر البدن. تمتمت بنبرة خافتة متلعثمة في الكلمات: "أنا مش فاهمة حاجة!! ... غفران بيه إنت تقصد إيه؟
أخذ خطوته الأخيرة نحوها حادقًا بوجهها الضبابي بعينيه المريضتين، لم يقوى على تحمل الفراق وإذا كان الاعتراف هو فرصته الوحيدة في البقاء جوارها فحتماً لن يتخلى عن هذه الفرصة. تحدث بنبرة قوية قائلاً: "معقول!!! إنتِ الوحيدة يا قُسم اللي مش شايفة حبي المتمرد عليكِ، حبي المتكبر اللي مش قادر أكتمه جوايا أكتر من كده. أنا بحبك يا قُسم!!
انتفض جسدها بدهشة قاتلة ألجمتها كاللجام وقيدت أطرافها بالأرض. توقف عقلها عن استيعاب أي شيء آخر يتفوه به. تسارعت نبضات قلبها الجنوني و"غفران" قد أحيا بداخلها المشاعر التي كبحتها بالقوة ودهستها بأفكار عقلها المنطقية. أنفاسها تعلو شيئاً فشيئاً مع حركة صدرها التي تعبر عن قوة الشهيق والزفير اللذان يضربا ضلوعها بشدة. قالت بتوتر حاد وتلهث من قوة أنفاسها: "بتحب مين؟! إنت مجنون!
لا، لا، لا، إنت فعلاً مجنون إنت متجوز ومراتك وبنتك طب وأنا مخطوبة. وخطيبي؟؟؟ لا، دا أنا فرحي بعد أسبوعين. إنت عارف خبر زي ده ممكن يعمل فيك إيه؟ دا ممكن يدمر كل حياتك ويهد اسم غفران الحديدي تماماً... انسي يا غفران، انساني عشان تقدر تعيش وأنا كمان أقدر أعيش قبل ما أهلي يقطعوا رقبتي."
قالت كلماتها القاسية بعينين دامعتين، رغم طلبها للفراق، لكنها حقاً عاشقة له. لم تذق الحب سوى معه ولأول مرة تشعر بدقات قلبها ويرتجف جسدها فرحًا معه وحده. تجرعت العشق رشفةً برشفة في كل لقاء جمعهما حتى أنهت كأس العشق وباتت عاشقة. استدارت بحزن يمزقها من الداخل رغم تحليها بالصمود والقوة أمامه، رافضة أن تصبح العشيقة اللعينة التي تسرق الزوج من زوجته والأب من ابنته. أوشكت على مغادرة المصعد الذي فتح أبوابه وقبل أن تخطو خطوة واحدة خارجه شعرت بيده القوية تمسك رسغها الأيسر بإحكام. التفت ناظرة بوجهه وكان رجاله يقفون أمام
المصعد بانتظاره ليقول: "كنت عارف إن بنت بشخصيتك وعنادك وكبريائك هترفض. عمري ما قابلت حد بكبرك وتمردك يا قُسم. ولو كان المال مقدرش يجمعني بيكي يبقى القوة تقدر. أنا مستحيل أتخلى عن حاجة أنا عايزها، إنتِ ملكي أنا يا قُسم لأخر نفس في عمرك ليا أنا وبس، حتى لو عشت عمري كله أروض برية زيك يا قُسم.... خدوه."
اتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها من الصدمة. لا تصدق أنه خطط لكل شيء حتى اختطافها لكي يجبرها على هذا العشق الكامن بداخله. لا تعلم أهذا العشق ملاذ أم جحيم؟ لكنها تعلم شيء واحد أن "غفران الحديدي" لن يتركها ترحل. سحبها رجاله بالقوة معهم حتى أوصلوها إلى القصر لتكن تلك الفراشة الحرة أسيرة قصره وباتت البرية سجينة صيادها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!