الفصل 18 | من 40 فصل

رواية غفران هزمه العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
18
كلمة
5,019
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

دقت الساعة التاسعة مساءً ولم تعُد "قُسم"، وبدأ الجميع في حالة من الذعر عليها، ليقول "جميل" بتعب: -هي ما قالتش قصادكِ هي رايحة فين يا ملك؟ أجابته "ملك" بقلق على صديقتها المتغيبة من العصر: -والله أبدًا يا عم جميل، أنا أول ما قُلتلها إنكم حددتوا الفرح بعد أسبوعين قالت إنها خارجة، لكن مجبتش سيرة هي رايحة فين؟ حاول "قاسم" أن يتصل بها مرة أخرى وهاتفها مغلق، ليقول بذعر: -برضه تليفونها مقفول. وقف "حازم" من مقعده بقلق وقال:

-أنا لازم أنزل أدور عليها، مش هفضل قاعد كده ومش عارف حصلها حاجة ولا لأ. تحدث "قاسم" بقلق على أخته قائلاً: -خدني معاك يا حازم. سألتهما "صفية" بنبرة واهنة وعينيها تبكي بقلق على ابنتها تقول: -هتدوروا فين بس؟ -في أي حتة يا عمتي، المهم أوصلها، هسأل عند صحابها في الحضانة اللي بتشتغل فيها، في أي مكان. قالها بقلق شديد على محبوبته المختفية لأول مرة على عكس عادتها، وخرج من الشقة مع "قاسم". ***

دلفت للقصر بصحبته وهو يسحبها من ذراعها معه، بينما "قُسم" تصرخ به بعناد وتحاول الإفلات من يديه القوية قائلة: -سيبني، أنت مجنون، اللي بتعمله ده اسمه خطف وأنا مش هسكت وهوديك في ستين داهية. -فاتن! قالها بحدة صارمة، لتأتي إليه مهرولة بذعر من نبرته، فرأته يمسك "قُسم" وخلفه "عُمر" ورجلين من رجال الأمن الخاص بالقصر، ليدفع إليها "قُسم" بقوة وقال:

-تطلعيها فوق الأوضة ومتطلعش منها إلا بأمر مني، وأنتم لو رجلها خطت برا باب القصر، يُفضل تضربوها بالنار بدل ما أنا اللي أضربكم بالنار. اقتربت "قُسم" منه رغم محاولة "فاتن" من منعها، لتدفع يدها بقوة، اقتربت منه حتى وقفت أمامه وقالت بعناد وتحدٍ: -اللي بتعمله ده جريمة. وضع يديه في جيوب بنطلونه بكبرياء هو الآخر وقال: -أول ما تطلعي من هنا حية، ابقي عدي على أقرب قسم وبلغي عني إني خطفتكِ. تأففت بعناد وصرخت مرة أخرى

بجنون يكاد يفقدها عقلها: -أنت عبيط، أنا ليا أهل برا وشغلي وحياتي! ضحك "غفران" بسخرية على كلماتها وقال بينما يده تمسك ذقنها بإذلال: -أنسيهم، لأن أهلك لا هتشوفهم تاني ولا شغلك هتروحيه، إنتِ هنا يا قُسم بتاعتي أنا وبس، حياتكِ من اللحظة دي بقت عبارة كونكِ سجينة في القصر ده، فحاولي تتأقلمي عليه بسرعة عشان حياتك تبقي أسهل، مع إني عارف إن اللي زيك مش هيتأقلم وهيفضل يعاند، وده اللي بحبه فيكِ.

ضربته على صدره بقوة بقبضتيها الاثنتين صارخة بوجهه أمام الجميع: -أنت فاكر نفسك بتشتري جارية من سوق العبيد، أنت متخلف!

نزلت "كندا" من الأعلى ومعها طفلتها على صوت الصراخ، لتُصدم من رؤية "قُسم" وكونها هي الفتاة التي سرقت زوجها منها، حتى سمعت الشجار القائم بينهما. ذهل الجميع من ضربها إلى "غفران" وسبها له، ولأول مرة يتجرأ أحد على فعل ذلك، فحتى زوجته "كندا" تأخذ الإذن قبل الحديث معه. تبسم "غفران" في وجهها ليُثير أعصابها وجنونها أكثر ببسمته. ثم قال بصراخ: -أنا متخلف؟ -فاتن! اقتربت من "قُسم"، ليقول بجدية حادة، مُعاقبًا هذه الفتاة:

-تتحبس في أوضتها من غير أكل أو شرب لحد ما أنا آمر، أصل اللي يغلط لازم يتعاقب عشان يتعلم الأدب، وأنا شكلي اللي هعلمك الأدب يا قُسم وأعلمك إزاي تتكلمي مع جوزك. دفعت "فاتن" بعيدًا عنها بعناد واقتربت خطوة منه بتحدٍ، ثم قالت:

-ومن قالك إني ممكن آكل حاجة من بيتك حتى لو كان قصادي وليمة، أنا بكرهك يا غفران، بكرهك زي ما أنا بكره اليوم اللي جمعني بيك، وبكره أي حاجة من ناحيتك حتى الأكل في بيتك بكرهه، أنا بقرف منك ومستحيل أتجوزك.

رفع حاجبه بقوة باغتياظ من غلاظتها وعنادها معه، ليُسحبها في يده للدرج عوضًا عن "فاتن" وهي تصرخ به بجنون. رمقته "كندا" التي فهمت من الحديث أنه يجبر "قُسم" على العيش معه والزواج به، ولا تفهم إلى أي درجة وصلت قسوته وجبروته حتى يخطف فتاة من أهلها ويجبرها على الزواج منه والعيش معه. لتشفق على "قُسم" رغم أنها ستأخذ محلها هنا، لكن حياتها ستكون مرعبة في هذا القصر بعد أن باتت سجينته. لم تقبل "قُسم" الأمر الواقع وسحبه إليه

لتقاومه بقوتها وتحاول الإفلات منه وهي تدفعه بقوة في صدره، ليسقط "غفران" عن الدرج معها حتى وصلوا للأسفل. رأت الدماء تسيل من رأسه على الأرض وهي بين ذراعيه يحتضنها بقوة حتى لا تُصاب. هرع الجميع نحوهما، فأخذتها "فاتن" من يده وساعده رجاله في الوقوف،

وقال أحدهم: -أطلب الدكتور. لم يبالي بجرح رأسه وتحذير طبيبه له بأذي رأسه حتى لا يصبح الأمر أكثر خطورة. اقترب من "قُسم" بذعر يفحصها بعينيه ويديه تمسك أكتافها بقلق ويقول: -إنتِ كويسة؟ أجبلك الدكتور.

نظرت له بصدمة من رد فعله التلقائي، في حين أن رأسه ينزف، وهي تعلم أنه يشتكي كثيرًا من هذا الرأس وخصوصًا فترة سفرهما إلى فرنسا، لكنه لا يبالي بنفسه وسلامته ويقلق عليها. كان القلق واضحًا في عينيه ونبرته التي تخلت عن العناد والكبرياء بدأت أكثر دفئًا وقلقًا. هزت رأسها بالنفي، متنازلة هي الأخرى عن عنادها وتمردها. وضع يده على رأسه من الألم والصداع الشديد الذي أصابه، فشعرت "قُسم" بيده الممسكة بأكتافها تزداد قوة وضغط عليها. اقتربت خطوة منه

بقلق وقالت بنبرة هادئة: -أنت كويس؟ -قُسم... قالها وسقط فاقدًا للوعي، لتتشبث به بقوة بين ذراعيها وثقلت رأسه على كتفها حتى أوشكت على السقوط به من ثقل جسده الضخم على جسدها النحيل، ليقترب رجاله ويأخذوه منه، وأتصل أحدهم بالطبيب لأجله، بينما أخذتها "فاتن" إلى الغرفة حسب أمر "غفران" حتى يأمر بخروجها. *** عاد "حازم" مع "قاسم" الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى المنزل، فهرعت "صفية" إليهما وقالت: -ها، عملتوا إيه؟ لاقيتوها؟

هز "حازم" رأسه بالنفي والقلق قد تمكن منه حتى فقد أعصابه من الخوف عليها والوقت قد تأخر. أجاب "قاسم" على والدته بحزن شديد: -لا، سألنا في الحضانة وعدينا على القسم والمستشفيات اللي جنبنا كلها ومحدش يعرف عنها حاجة. جهشت "صفية" في البكاء بخوف على طفلتها وألتفت إلى زوجها المريض وقالت بانفعال: -خلي بالك لو بنتي عملت في نفسها حاجة ولا جرالها حاجة بسبب قرارك، أنا عمري ما هسامحك. دُهش "جميل" من كلماتها وقال بجدية: -أنا!!

-آه أنت، بنتي خرجت من البيت لما قررت تجوزها لواحد هانها ووجعها وبتكرهه. قالتها بغيظ شديد من قرار "جميل" للزواج الخاص بابنته، ودلفت للغرفة بقلق يجتاحها ولا تعرف ماذا تفعل ولا أين يجب أن تذهب للبحث عن ابنتها؟ صرخ "جميل" بغضب يقول: -أنا اللي غلطان عشان حبيت أحميها من حبها لراجل متجوز...

قاطع كلماته من التعب وهو يضع يده على قلبه، ليذهب "قاسم" نحوه يساعده في الجلوس على المقعد. حدق "حازم" به بعد أن سمع كلماته عن حب "قُسم" لرجل غيره، مصدومًا وقال بتلعثم: -قصدك إيه يا جوز عمتي، قُسم بتحبه صح؟ لم يُجيب عليه، فهز رأسه بجنون منفعلًا وقال باغتياظ: -يبقى هي راحت له تتحامي فيه، بنتك هربت من بيتك قبل فرحها وراحت لراجل تاني عاشقاه، بس أنا هعرف أجيبها إزاي.

غادر الشقة بغضب ناري يحرقه من الداخل، متواعدًا بالانتقام من "قُسم" على ما فعلته بقلبه وإهانتها لكرامته ورجولته أمام الجميع. *** فحصه الطبيب وكان الجرح سطحي، ليضمده وقال بنبرة هادئة: -مفيش داعي للقلق يا غفران بيه، ممكن الدوخة تكون أثر الوقعة بس. أومأ "غفران" إليه بنعم وهو يقف من فراشه، ليقول الطبيب بجدية: -حضرتك لازم ترتاح. -أنا كده مرتاح.

قالها "غفران" بهدوء وأغلق أزرار قميصه الملوث بقطرات الدماء وخرج من الغرفة قبل مغادرة الطبيب، ليسأله "عُمر" بقلق: -حضرتك قمت من السرير ليه؟ -هطمن على قُسم، أنا واثق إنها هتكون زي المجنونة في الحبس ده. قالها بقلق على فتاته المتمردة. نظر إلى "كندا" الواقفة بعينين دامعتين من الحسرة وترمقه باشمئزاز وتقزز وتحتضن طفلتها أمامها. تجاهل وجودها ومر من أمامها، لتقول باشمئزاز من الألم:

-وصلك بيك الأمر لإنك تخطف بنت وتجبرها على الجواز منك، كل ده ليه عشان تقهر قلبي؟ التف إليها ببرود شديد، مستمرًا في دهس قلبها العاشق له، وقال بغلاظة: -عشان بحبها، قلبك ده يا كندا ولا يساوي فردة جزمة عندي عشان أتعب نفسي وأفكر إزاي أقهره، إنتِ متستاهليش حتى دقيقة واحدة في وقتي عشان أفكرها فيكِ. اقترب "عُمر" منه قليلًا وهمس في أذنيه قائلاً: -مسيو غفران مش قصاد نالا، البنت خايفة وبتعيط، بلاش القسوة على مامتها قدامه.

نظر إلى "نالا" الحزينة، جاهلًا عن ملامحها الباكية، وغادر من أمامهم إلى غرفة "قُسم" التي كان يقف أمامها رجل من الأمن، ليأخذ منه المفتاح ويفتح الباب، ثم وجل. رآها جالسة على الأريكة تضم قدميها إلى صدرها وتبكي من الحزن والوحدة. رأته يدخل من الباب، فهرعت من مكانها نحوه وقالت: -أنت حابسني هنا بجد؟

كان مصدومًا وهو يحدق بها، لا يشعر بشيء ولا يهتم بكلماتها، لا يصدق ما تراه عيناه المريضة الآن. كانت "كندا" أمامه ضبابية ولم يتمكن من رؤية دموع طفلته وحزنها في نفس اللحظة التي تقف "قُسم" أمامه بعينيها الخضراوين الباكيتين ووجهها الأحمر من شدة بكائها وشفتيها المجروحة من أسنانها في سقوطهما. لا يصدق أن عينيه تمكنت من رؤية "قُسم" مرة أخرى ومن جديد، فقال بتلعثم من الصدمة: -قُسم؟

رمقته باستغراب ونظرته الحادة بها غريبة ومختلفة، ليست غاضبة أو سعيدة، بل يحتلها الشوق كأنه لم يراها من زمن، رغم أنها كانت معه من دقائق. رفع يده إلى وجهها خائفًا أن تكون هذه تخيلات أو وهم، حتى لمس وجنتها الحارة بأنامله الباردة وقال بحنان: -إنتِ قُسم بجد؟ لم تفهم سؤاله، فابتلعت لعابها بخوف أن يكون أصاب رأسه حقًا وقالت بذعر: -في إيه؟ أنت كويس، حد قالك إني اتغيرت؟ ما أنا قدامك أهو، قُسم.

لم يتمالك أعصابه أكثر، ليُسحبها نحوه يضمها بقوة من هول الصدمة وبدأت أنفاسه تعلو شيئًا في شيء، فظلت ساكنة من الصدمة وسؤاله عنها جعلها ترتجف خوفًا، حتى سمعت صوت أنفاسه وتنهدته القوية بارتياح كأنه وصل لبرا الأمن الآن بعد شقاء كبير في طريقه. دفعته بقوة بعيدًا عنها وعادت للعناد والصراخ تقول: -أنت مجنون، إياك تفكر تلمسني مرة تانية، لتكون صدقت فعلاً إنّي مراتك، ده نجوم السماء أقرب لك يا غفران.

أسكتها حين جذبها بقوة من جديد، لا يبالي بتهديدها، يضمها في صدره ويشعر بنبضات قلبها ودفء جسدها. شعرت بيديه تحيط رأسها كاملة كأنه يدفن رأسها بين ضلوعه ويهمس في أذنها بخفة: -هنتخانق يا قُسم، هنتخانق، بس دلوقتي خليكِ معايا ثواني بس.

لا تفهم ماذا يدور معه، لكن الشيء الوحيد الذي تعرفه أنه بحاجة إلى هذا العناق أكثر من أي شيء الآن. رغم أنها لم تقبل بحقيقة الأمر وما فعله معها، لكن في النهاية وحقيقة الأمر هي زوجته المتمردة مهما صرخت وجن جنونها. أغمض عينيه مستسلمًا للسكون بها، وقد باتت فتاته هي سكنه ومسكنه الوحيد. همست بلطف بصوت مبحوح من رأسها المدفونة في صدره: -ممكن كفاية كده.

أبتعد عنها ملبيًا طلبها ورغبتها، ليحدق بهذا الوجه الملائكي الذي حُرم منه طويلًا، فقالت: -ممكن تمشيني بقى وترجعني لأهلها وبيتي. تبدل حنانها إلى غلاظة وقال بعناد: -لا، لأن ده بيتكِ يا قُسم، الست مكانها مكان ما يكون جوزها، وقولتلكِ أنسي أهلك ده لو عايزاني أفضل معاكِ غفران اللي تعرفيه، لأني وحش أوي يا قُسم، وزي ما أمرتهم يقتلوكِ لو طلعتي من القصر، لو فضلتِ تزني على أهلكِ أنا ممكن أقتلهم عشان أخلص من صداعك.

اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألحقت بقلبها وعقلها، وهو يتحدث عن القتل كأنه شرب ماء بسهولة، فقالت: -تقتل مين؟ أنت مجنون، أنت فاكر إني مراتك بجد؟ فوق يا غفران، أنا مش مراتك والعقد ده مزور، أنا موافقتش على الجواز منك ولا كنت أعرف إن فيه جواز، أنت غشيتني ومكنتش صريح معايا، الجوازة دي باطل من كل الجوانب. هز رأسه بنعم موافقًا الرأي وقال بكبرياء وغطرسة: -عندك حق. أخرج من جيبه عقد الزواج العرفي ليضعه أمام أعينها،

ثم مزقه بمكر شديد وقال: -كده مبقتيش مراتي، لكن بكرة هجيب المأذون، ولو مبقتيش مراتي رسمي يا قُسم، أنا هقتل حبايبك كلهم وأحول حياتكِ لجحيم ملهوش نهاية، جحيم يخليكِ تتمني الموت عشان تترحمّي مني. لم تصدق إصراره على الزواج منها وتمزيقه للعقد دون خوف كأنه واثقًا من موافقتها على الزواج الشرعي منه، ليغادر الغرفة ويغلق الباب بالمفتاح، والآن بعد أن تمكن رؤيتها، أصبح أمر زواجه منها أكثر إلحاحًا وبمثابة الحياة والموت له. ***

-إيه يا رزان؟ -القطة اللي حضرتك طلبتها عشان نالا وصلت الصبح. قالتها "رزان" وهي تفتح التابلت الخاص بها وتقدم لها فيديو للقطة ذات عمر شهرين، فنظرت "نورهان" على القطة وقالت: -جميلة، كشفتي عليها وطعمتيها كويس عشان نالا؟ -أكيد، وطلبت خادمة جديدة لرعاية القطة. قالتها بهدوء، فوافقت "نورهان" بجدية قائلة: -كويس، ابعتيها للقصر، فيه حاجة تانية؟ قدمت "رزان" فيديو مسجل من كاميرات المراقبة في القصر وقالت:

-الفيديو ده بعته موظف الأمن قصر اللؤلؤ، غفران بيه امبارح وصل للقصر معاه قسم ومخرجتش، ولما سألت الخادمة بتاعتنا هناك، قالت إن فاتن اتصلت بيها الصبح عشان طاقم الخدم هيرجع للقصر. تركت "نورهان" ما تفعله ونظرت للتابلت تشاهد الفيديو المسجل لـ "غفران" وهو يترجل من سيارته ويسحب "قُسم" التي تدفعه رافضة ما يفعله ودخلوا للقصر، فقالت بخبث شديد: -قلتي إنها مخرجتش من القصر؟ -أيوه. تبسمت "نورهان" بمكر وذكاء امرأة حادة، لتقول بجدية:

-متبعتيش القطة، أنا هوديها بنفسي. أومأت "رزان" إليها بهدوء وقالت: -هبلغ فاتن إن حضرتكِ هتمري على القصر بعد الشغل. رفضت "نورهان" بخباثة أكبر قائلة: -لا، متتصليش بيهم، خليها مفاجأة. اتسعت عيني "رزان" بدهشة ألجمتها وحدقت مطولًا بـ "نورهان"، ثم قالت:

-بس غفران بيه مش هيقبل ده وهنعمل مشكلة معاه، حضرتكِ عارفة إنه مبيسمحش لحد يدخل القصر بدون إذن مسبق، وبسبب الأمر ده حصل مشكلة قبل كده وبسببه حضرتكِ رفضتي إن يدخل القصر عندكِ بدون موعد سابق. عادت "نورهان" بظهرها للخلف بارتخاء ثم قالت:

-ده سبب طلبي يا رزان، قُسم من يوم ما ظهرت وغفران ابني اللي أعرفه كسر كتير من قواعده، أولها اقتحامه لقصري لمجرد علمه بوجودها هناك، خيانته لكندا اللي مهما قُلتله إنها خاينة وعلى علاقة بعفيفي غريبة مكنش بيصدق، لكن مع ظهور قُسم، مسك في كام صورة حجة له عشان يبعد عن كندا ويخونها، سفره من هنا لفرنسا عشان والدها، وإنتِ أكتر واحدة عارفة الوقت مهم قد إيه عند غفران، ده لما دخلت المستشفى من سنتين جالي تاني يوم عشان كان عنده اجتماع وأنا أمه، عايزة أعرف رد فعله إيه لما أدخل قصره من غير إذن، عايزة أعرف إيه تاني اتغير في ابني.

أومأت "رزان" بنعم، بينما تتمتم بصوت خافت: -ربنا يستر، ما علينا، بالنسبة لموضوع أنس، اتصالاته كلها بزملائه في البحرية، لكن اتصالات كتير زيادة عن اللازم برقم محمود صاحبه. -صاحب السوء، وتحركاته؟ قالتها "نورهان" بضيق، لتتابع "رزان" الحديث: -اليومين اللي فاتوا مخرجش من القصر غير مرة راح كافي مع محمود برضو. تأففت "نورهان" باغتياظ ثم قالت: -ماشي، خليكِ وراه برضو. *** دق باب المكتب بهدوء، ثم دلفت "فاتن" إليه وقالت:

-صباح الخير يا مسيو غفران. -صباح النور يا فاتن. قالها وهو مندمجًا في أوراق عمله المنثورة على المكتب واللاب المفتوح أمامه. بدأت الحديث بهدوء قائلة: -طاقم الخدم كله وصل زي ما حضرتك أمرت ومستعدين لبدء العمل، كمان صابر السواق الخاص وصل من الشركة بعربية جديدة زي ما أمرت لمرافقة آنسة قُسم في مشاويرها و... رفع "غفران" رأسه بحدة ونظرة ثاقبة أرعبتها جعلتها تبتلع الكلمات وتتوقف عن التفوه بشيء، ليقول بحدة ويده

تنزع نظارة النظر عن عينيه: -قُسم هانم، اسمها قُسم هانم يا فاتن. أومأت إليه بنعم، ثم قالت بندم: -قُسم هانم، عذرًا يا مسيو غفران، أتمنى تسامحني على زلة لساني. أومأ إليها بنعم وعاد للنظر إلى اللاب، لتتابع بقية الحديث عن أحوال القصر، هاتفة: -وأستاذ عمر وصل على البوابة الرئيسية بالمأذون، ومدام كندا قافلة على نفسها من امبارح هي ونالا ومبتفتحش ورافضة الأكل حتى لنالا. ترك القلم من يده بضيق من تصرف زوجته وقال بتمتم:

-لو على الأكل هي متستاهلوش، لكن بنتي ذنبها إيه؟ هتموتها من الجوع. غادر مكتبه بصحبة "فاتن" ليرى "عُمر" يدخل من الباب مع المأذون، فصعد للأعلى ليطرق الباب بهدوء، فصرخت "كندا" من الداخل بانفعال: -قلتلك مليون مرة غوري في داهية يا فاتن. تنحنح بهدوء شديد، ثم قال: -أنا غفران.

ابتلعت لعابها بخوف منه واقتربت من الباب مرتجفة لتفتحها وهي لا تقوى على عصيانه أو التمرد عليه، فحدق بها، ثم أبعد نظره إلى الغرفة، وكانت "نالا" غارقة في نومها بالفراش، ليقول بحدة: -ادخلي هاتي نالا يا فاتن. -ممكن مالكش دعوة بيا أنا وبنتي، مش كفاية عليك العروسة الجديدة؟ قالتها بعناد وهي تمنع "فاتن" من الدخول، ليسحبها "غفران" من ذراعها نحوه بغضب سافر وقال بتهديد:

-إياكِ يا كندا تفكري إنكِ تمسكني من إيدي اللي بتوجعني ببنتي، لأن أنا اللي يمسك إيدي ويفكر يوجعني بقطع إيده، ومن اللحظة دي إنتِ ممنوع منعًا باتًا إنكِ تقربي من نالا أو تفكري تشوفيها... ادخلي يا فاتن. صرخت "كندا" بذعر شديد، بينما هو دفعها بقوة وقال: -أنت متقدرش تحرمني من بنتي.

استدار إليها بنظرة مرعبة، لتبتلع لعابها وتصمت، حتى خرجت "فاتن" من الغرفة بطفلته وأغلقت الباب من جديد، لتنهار "كندا" بجنون من الوجع والألم الذي يمزقها. نظر إلى غرفة "قُسم" وهندم ملابسه، ثم سار نحوها وقال بهدوء للحارس: -انزل تحت.

أعطاه الحارس المفتاح وترجل، ليفتح "غفران" الباب ودلف، ليرآها نائمة في الفراش من التعب، فتبسم بخفة وسار نحوها حتى جلس على الفراش وتأمل ملامحها كم كانت جميلة وهي هادئة وشعرها فوضوي بجانبها وتضع ذراعيها الاثنين أسفل رأسها. رفع يده إلى جبينها يداعب خصلات شعرها، مما جعلها تفزع من نومها أمامه وقالت: -جيت ليه؟ -وحشتيني.

قالها بدلال يثير استفزازها وأعصابها، فتنهدت بضيق من برود هذا الرجل وهو يتحدث عن الشوق في حين أنه يسجنها هنا بالإكراه ويهددها بقتل أهلها، فقالت بضيق: -أنت مريض بجد، يكنش الخبط الكثير في رأسك أثر على عقلك؟ أنا لازم أمشي من هنا. خرجت من الغرفة وهي مستغربة أنه لم يمنعها أو ينادي على رجاله، فرأت أمامها الخدم يحملوا الكثير من الأغراض وأحداهن تحمل فستان زفاف، وقبل أن تعترض سمعت صوته من الخلف: -قُسم.

التفت إليه لتراه يقترب منها واضعًا يديه في جيوب بنطلونه بغرور شديد، حتى وصل أمامها وقال: -المأذون تحت، ادخلي البسي واجهزي. -مش بقولك عبيط، أنت فاكر إنك تقدر تتجوزني بالغصب؟ المأذون ده أنا لو نزلت له هقوله إنك خاطفني ومش موافقة على الجوازة. قالتها بتحدٍ وكبرياء، واثقة من هزيمته مهما كانت قوته، فلم يتمكن من ترويضها أو أخذها بالقوة رغمًا عنها، فقال بهدوء شديد يجنها أكثر: -يبقى نسيتي تهديدي امبارح.

-أنت طلعت لي منين يا أخي؟! دمرت كل حاجة حلوة في حياتي، خطوبتي وشغلي وناسي وكل حاجة، سرقت مني حريتي وفرحتي وعفويتي وبرائتي وخفة دمي، حولتني من بنت حرة لسجينة في قصرك الملعون ده، أنت إيه يا أخي؟

صرخت "قُسم" بنهاية حديثها في وجهه، لم تكن تعلم شيئًا عن مرضه وأن وجودها هو سبيل نجاته الوحيد. ربما حبسها هنا في أرضه بالإكراه، لكنه مثلها تمامًا يصارع من أجل الحياة. احتدت عينيه غضبًا من حديثها معه بلا خوف وجراءة، تحدثها عن براءتها التي سلبها إياها، بينما هو مسلوب الرؤية كاملًا. اقترب خطوة واحدة للأمام أرعبتها وجعلتها تعود للخلف تلقائيًا، فازدردت لعابها الجاف في حلقها، ثم قالت بتلعثم شديد: -إيه؟ هتعاقبني تاني؟

هتأمرهم بجلدي المرة دي ولا يخلعوا أظافري؟ تبسم "غفران" بخبث شديد على خوفها، فرغم ما تتحلى به من شجاعة وتحدي لكي تصرخ بوجهه، لكنها ترتجف حين يرمقها بنظرة أو يتحدث بكلمة، فقال بلهجة قوية وصوت جهوري خشن: -أكيد هتتعاقبي على كل حرف نطقتي به يا قُسم، بس دلوقتي لو عايزاني منفذش تهديدي ليكِ اللي أنا واثق إنكِ منستهوش، تدخلي معاهم دلوقتي حالًا وتغيري هدومك وتلبسي الفستان وتحصليني على تحت من غير ولا كلمة.

نظرت بعينيه الباردة الخالية من أي مشاعر، لا تفهم سبب رغبته القوية في الزواج منها بالإكراه والعاجل دون أي تخطيط. رأت زوجته وابنته وتعلم أنه يملك عائلة ويحبهم كما يحبوه، لكن قرار زواجه منها الآن أمر لا يسمح بالنقاش فيه. تنفست بصعوبة من نظراته الطويلة وعينيها تبوح بالعجز عن الفهم، الخوف، الضعف، الوجع وغيرهم من المشاعر المتداولة بداخلها، ثم تحدثت بنبرة أكثر هدوءًا لعلها تتمكن من ترويض شراسته وحدته معها قائلة:

-غُفران بيه، مسيو غفران، أي حاجة بس أنت بتدمر حياتي، بص لي أنا واحدة بتشمئز من رؤيتك، إزاي هتجوز وأعيش مع واحدة كارهالك ورافضة العيشة معاك؟ اقترب أكثر نحوها حتى أصبح أمامها مباشرة ويشعر بأنفاسها المتسارعة ورمق عينيها الباكيتين رغم أسرها لهذه الدموع بجفنيها، ثم قال بنبرة خافتة هامسًا إليها: -متأكدة إنك كارهاني يا قُسم؟

عينيكِ بتقول غير كده، أنفاسك ودقات قلبك اللي واصلة لحد عندي هنا وكل حتة فيكِ بتقول غير اللي لسانك بيقوله، عينيكِ اللي عمري ما شفت زيهم في حياتي كلها بيقولوا إنكِ عاشقاني يا قُسم، صوت قلبك واصل لحد عندي بيصرخ إن غفران حبيبه وساكنه. -أنت بتوهم نفسك، لو عينيك شايفة ده تبقي عينيك عمية.

قالتها بتحدٍ وقسوة دون أن تدرك أن كلماتها الأخيرة كالنار التي مسكت به للتو وبدأت تحرقه. انتفض جسده غضبًا مما تفوهت به عن العمى وحقيقة أنه مريض بعمى الوجوه ولم يتمكن من رؤية وجه أحد من قبل، كانت كالخنجر الحاد الملأ بالسم وقد غرسته "قُسم" بمنتصف قلبه، أوقفته عن النبض كأنها قتلت آخر بذرة للرحمة بداخل هذا الوحش؛ ليمسك ذراعها بقوة جاذبًا إياها تجاهه أكثر حتى ارتطمت بصدره وقال بنبرة باردة غليظة أرعبتها مع نظرته الثاقبة:

-الوهم ده أنا اللي هحرقك به يا قُسم، وأقسم لكِ برب الكون لو ما دخلتي حالًا تنفذي أمري لأقتل لكِ واحد من حبايبك كل نص ساعة هتمر وأنتِ مش مراتي فيها... عمر!

صرخ باسم مساعده ليأتي مهرولًا إليه وما زالت عينيه تحدق بها، فضغط "عُمر" على زر الشاشة وفُتحت أمامها لتجدها مقسمة إلى أجزاء، بكل جزء منها شخص عزيز عليها وخلفه قناص يصوب نحوه، مما جعلها تنتفض ذعرًا بين ذراعيه من فظاعة ما وصل "غفران" إليه الآن حتى يروض عنادها ويتزوجها بالإكراه. تمتم بنبرة أكثر رعبًا:

-أول نص ساعة بدأت يا عروسة، ومترهنينيش على صبري معاكِ لأنه نفد من دقائق، وأوعي تنسي للحظة إنكِ هنا سجينتي أنا غفران الحديدي وبس. ذرفت دموعها من الخوف على أهلها، وهي الآن عالقة بين السماء والأرض، إما أن تتزوجه وتنقد أهلها من رجاله أو ترفض ويقتلهما، لكن زواجها سيقتل أهلها بالبطيء ويجلب العار لهما. تمتمت بضعف ولهجة واهنة:

-أنت فاهم إنك كده بتكسبني وهبقى مراتك، أنت بتخسرني يا غفران وبتقتل كل حاجة حلوة كانت بينا، أنت مبتسيبليش غير الوحش اللي منك. -حبي ليكِ يا قُسم هيصلح أي حاجة، لكن الحاجة الوحيدة اللي مش هتتصلح إني أرجعك لأهلك وتتزوجي راجل مبتحبوش وأخسرك عمري كله، أي حاجة هتهون وهتتصلح ما دام أنتِ معايا، لكن البُعد مش هيتصلح. اقترب منها ليضع قبلة على جبينها، لكنه توقف ساكنًا ثم قال: -مقدرش أعملها وأنتِ مش مراتي، حصلني على تحت.

غادر من أمامها قبل أن تلمس شفتيه جبينها. نظرت إلى الشاشة الذي أظهرت "قاسم" وحده وهو يسير في الشارع والضوء الأحمر على رأسه من الخلف، وقد اختار "عُمر" أخاها كضحية أولى على تأخيرها، فأخذت الفستان من الخادمة بتعجل ودلفت إلى الداخل بسرعة حتى تنقذ أخاها من الموت والوقت بدأ يقل في الشاشة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...