تحميل رواية غفران هزمه العشق بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماذا إذا قبل كل شخص بما قُسم له وأدرك أن الأرزاق وزعت على الجميع بالتساوى؟ ماذا إذا ملكت كل شيء وسلبت شيء بالكل؟ إذا كان الخيار بين المال والصحة، إذا كان الخيار بين الحُرية والآسر؟ فقط خيار واحد سيغير مجرى الحياة.... داخل مطار القاهرة بطيارة خاصة تحمل عليها شعار النسر مزخرف أسفله حرف الg تعبيرًا عن اسم "غفران" برسم جميل، ترجل من داخلها رجل فى أوائل الثلاثينات من عمره يرتدي بدلة رمادية بقميص أسود، طويل القامة وعريض المنكبين يملك جسد ممشوق رياضي، مفتون بالعضلات التى تظهر فى ذراعيه، شعره الأسود الن...
رواية غفران هزمه العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور زيزو
كنت "قُسم" بغرفة العناية مع والدها وخرج "غفران" من عيادة "ألبيرت" مع "عُمر" بعد فحصه.
تحدث "عُمر" بنبرة خافتة أثناء سيرهما إلى العناية:
- على فكرة قُسم باين عليها الزعل جدًا النهار دا ورفضت أني أوصلها الصبح للمستشفي وأصرت تيجي لوحدها، جبتلها تاكسي وفضلت وراها بالعربية، معرفش السبب فى المود دا أى بس شكلها باهت جدًا.
شعر "غفران" بغصة فى قلبه بسبب أقاويل "عُمر" عنها وعن حالتها. أسرع فى خطواته بضيق شديد وبداخله بركان من الغضب حتى وصل إلى غرفة والدها لينظر من خلف الزجاج ورأها جالسة جواره تبكي مُحتضنة يدي والدها فظل يراقبها لعله يفهم سبب حزنها وحالتها.
جهشت باكية بألم يمزق قلبها الضعيف وتحدث والدها بنبرة واهنة:
- أنا مقدرتش يا بابا، مقدرتش أتحمل حازم أكتر من كدة حتى لو بحبه، حُبه أذاني من جوا وسبب ليا الوجع والوحدة، بقيت بكتم أوجاعي ويوميًا دموعي على مخدتي بسببه، حسسني أنى ناقصة وأقل من كل البنات اللى عندهم سند، حسسني أنى مستاهلش أنه يتعب عشاني أو يحاول أنه يسعدني ويخفف عني، أنا أتوجعت منه بما فيه الكفاية حتى لو كنت بحبه، حتى قلبي اللى بيحبه بيوجعني دلوقت لما سبته بس غصب عني، عقلي مبقاش قادر يتحمل أكتر ويوجد له مبررات على كل تصرف منه، أنا تعبت يا بابا تعبت أوى والحمل زاد على أكتافي لما قطم ضهرى وكسره من ثقله.
وضعت رأسها على يد والدها وبدأت نوبة البكاء تزداد وتتلاشي الكلمات من لسانها. أكتفت بالتعبير عن وجعها من فراق رجل أحبته بكل جوارحها وبكل ذرة فى قلبها رغم عيوبه. بدأت ترتجف بحزن ورحيلها عنه كأن أكثر وجعًا عما تتخيل. لم تكن تعلم أن البُعد عن "حازم" سيهلك قلبها ويفتته بهذا القدر. ظلت تبكي حتى تعبت عينيها الخضراء من البكاء وحرارة دموعها.
لتقف من مكانها وتغادر الغرفة ويديها تجفف وجنتيها. وفور خروجها من الغرفة رأت "غفران" يقف أمام باب الغرفة صلبًا يمنعها من المرور. فحدقت بوجهه بيأس وملل. سأل بقلق عليها بعد رؤيتها سابقًا:
- الدكتور قالك حاجة زعلتك؟
تحدثت بهدوء باردة كقطعة الثلج وهى لا ترغب بالحديث:
- وهو لو قال هفهم منه ؟! أنا عايزة أروح، ممكن توصلني يا عُمر.
أومأ إليها بنعم لتمر من جانب "غفران" مما أفزعها حين مسك "غفران" معصمها بأحكام وقال بجدية:
- روح أنت يا عُمر.
نظر "عُمر" إليه بدهشة من تخلي "غفران" عنه وهو بمثابة عينيه، لكن لا جدوى من الدهشة أو المعارضة أمام رئيسه الذي سحب الفتاة من معصمها معه للخارج. وكانت "قُسم" هادئة جدًا لا تقوى على مقاومته أو الدخول فى جدال معه. أخذها إلى حيث سيارته مصفوفة وفتح لها الباب كي تصعد ثم ألتف ليركب بجوارها وأنطلق.
زاد قلقه أكثر بخوف حين رأها تستدير نحو النافذة وتنكمش فى ذاتها ثم أغمضت عينيها مُستسلمة لحالتها. أعتقد أنها لم تنم أمس بسبب قلقها على والدها والآن تريد النوم. على عكس "قُسم" التى أغمضت عينيها تغرق فى ذكرياتها مع "حازم" كيف كان يدللها فى الثانوية ويذهب إلى المدرسة ليعيدها إلى المنزل؟ كان فى كل مرة يراها يحضر لها الحلوى؟ يختار ملابسها بنفسه ويمنعها من وضع مساحيق التجميل. كان أول رجل تراه عينيها ويدق قلبه لها حتى غاصت فى نومها حقًا من التعب.
ترجلت "كندا" من الأعلي لترى "نورهان" جالسة مع "نالا" وتدللها بالكثير من الهدايا التى جلبتها لصغيرتها. رفعت عينيها إلى "كندا" لترمقها بطرفهما مُتفحصة هذه الزوجة البغيضة التى ترتدي بيجامة من الحرير وردية اللون وشعرها مصفف على ظهرها بحرية بضفائر صغيرة من الجانبين وتضع القليل من مساحيق التجميل وترسم شفاهها باللون الوردي كبيجامتها وفى قدميها خف من الفور النادر مما جعل "نورهان" تبتسم بخباثة وهى تستمع إلى "كندا" التي تقول:
- مساء الخير، مصدقتش لما فاتن قالتلي أن حضرتك فى القصر عندي.
تحولت البسمة لضحكة بقهقه تحمل السخرية ثم قالت "نورهان" بجدية:
- رزان، خدي نالا وريها العجلة اللى أشترتها ليها مخصوص.
ركضت "نالا" مع "رزان" بحماس. بينما وضعت "نورهان" قدم على الأخرى بغرور وعينيها كالصقر تلتهم "كندا" من الرأس لأخمص القدم. قالت بمكر وأشمئزاز:
- عندك!! واضح أنكِ مصدقة نفسك بس معلش هانت والقلعة تتهد فوق رأسك والوهم يتبخر من أيدك زى السراب.
لم تفهم "كندا" كلماتها الحادة، لكن الشيء التى وثقت به هو أن "نورهان" تحمل بين طياتها تهديد مُخيفة مما جعلها تتساءل بقلق:
- هانت!!
وقفت "نورهان" من مكانها وتقدمت بخطوات ثابتة نحوها وصوت طقطقة حذاءها العالي يطرق كالمطرقة على قلب "كندا" يُرعب. بينما تُجيب "نورهان" عليها بهدوء:
- اه هانت، ما هو لما غفران ولأول مرة يخونك يبقي هانت ويبقي أحلامك أتهدت فوق رأسك.
أتسعت عيني "كندا" على مصراعيها بصدمة ألجمتها من كلمتها وأنقبض قلبها العاشق بقلق وتجمعت الدموع فى عينيها من الفزع فقالت بتلعثم ونبرة خافتة:
- يخوني؟! لا، مستحيل أكيد حضرتك بتكذبي عليا لأنكِ بتكرهيني.
رفعت "نورهان" يدها أمام وجه زوجة ابنها المُصدومة لتصفعها على تجاوزها الحدود معها لتشهق "كندا" بذعر. بينما "نورهان" لم تفعل لتمسك ذقنها برفق لكن هدوءها كان الأكثر رعبًا على عنفها فقالت:
- عيب لما تبقي هانم ولسانك طويل، بس معلش هعذرك أصل الخيانة بتوجع وبعدها الحُب بيتخبر فى الهواء زى الدخان، وأنتِ خلاص هتتبخري زى دخان سيجارته يا كندا.
كانت تتحدث بنبرة خافتة ويدها الأخرى تشير لها على الهواء تُرعبها. فقالت "كندا" بعدم تصديق:
- غفران ميقدرش يخوني، غفران بيحبني.
- ههههههه ضحكتني والله يا كندا، وهو لو بيحبك برضو هيسافر باريس مع واحدة غيرك.
قالتها بسخرية وعينيها ترمقها بنظرات فرح فى كسرة قلب هذه الفتاة. ثم قدمت لها صورة إلى "غفران" أثناء تناوله للمثلجات مع "قُسم" دون أن تظهر وجه "قُسم" فى الصورة مُتعمدة قتل قلب هذه الزوجة برصاصة الفضول المُحملة بالخيانة. أخذت "كندا" الصورة بصدمة وعينيها لا تصدق أن "غفران" الآن مع فتاة غيرها وأختار الخيانة تكون عقاب لها على وهم خيانتها له الذي تسلل إلى باطنه.
غادرت "نورهان" القصر بعد أن أنهت ما جاءت إليه وتقول:
- شوفي بقى هتتزين لمين يا كندا؟
جلست "كندا" على أقرب مقعد وعينيها ترمق صورته بقوة وبدأت الدموع تنهمر من عينيها تشق طريقها على وجنتيها وألم الخيانة يمزقها من الداخل وفتت قلبها العاشق له. لا تصدق أنه صدق حقًا بأنها خائنة والآن يعاقبها بأشد عقاب. فتحت هاتفها بغضب يكاد يفقدها عقلها وصوابه لتتصل بزوجها الخائن.
ظل "غفران" يرمقها بعينيه وهى نائمة كالملاك مُنهكة وشاحبة حتى رن هاتفه باسم "كندا" مما أيقظ "قُسم" من نومها. بينما فأغلق الهاتف. نظرت حولها لتجد الليل حل والسيارة مصفوفة أمام النهر مباشرة وهذا الرجل جالسًا جوارها لم يقظها. أبتلعت لعابها فى هدوء وقالت بحرج:
- أنا آسفة.
- انزلي.
قالها بلطف ثم ترجل من السيارة. تنحنحت وهى تمطي جسدها بلطف ثم ترجلت بعده لتراه يسير للأمام وتنظر حولها كان هناك ممشي بطول النهر وبه باعة جائلين للماكولات السريعة والحلوى والأغراض اليدوية وغيره الكثير. أسرعت فى السير حتى تلحق به. سألها بجدية:
- تأكلي أي؟
- لا، ماليش نفس.
قالتها بعبوس لم يراه فى وجهها بل شعر به فى نبرتها الواهنة واليائسة. شعر بغصة من حزنها وهو لا يعرف كيف يُسعدها أو يعيد البسمة إلى وجهها الجميل. قال بهدوء:
- مين اللى زعلك أوعى كدة؟
- محدش.
قالتها وهى ترفع يدها تضع خصلات شعرها خلف أذنها بحرج من سؤاله ليرى يدها بوضوح بدون خاتم الزواج فتنهد بهدوء وتذكر محادثتها أمس مع "حازم" وكيف غضبت منه ليقول:
- خطيبك؟!
نظرت للأسفل تطأطأ رأسها وتركل الأرض بقدميها بعبوس مُتمتمة بنرة خافتة:
- مبقاش خطيبي.
- سيبتي!!
قالها بحماس يغمره كأنه كان ينتظر هذه اللحظة. دُهشت "قُسم" لفرحته وهكذا عقله المتكبر الذي تعجب من لهفة قلبه. لم يكن يعلم أن هذا القلب يفتح أبوابه إلى فتاة أخرى غير "كندا" ربما هذا بسبب خيانتها له ومقابلات لرجل غيره، ربما بسبب الغضب الذي يكنه لها الآن بعد أن فقد وجه "قُسم" بفضل زوجته الخائنة وقتلت الأمل أن تعود عينيه إلى طبيعيتها ويتمكن من رؤية الجميع ويتوقف عن حساسية البعض. تمتمت "قُسم" بنبرة خافتة مندهشة:
- اه سبته، تعبت من تصرفاته وعدم تحمله للمسئولية وأمه اللى مسيطرة عليه.
تنحنح بحرج من حديثها بعد لهفته وقال:
- محدش مرتاح.
وقف أمام عربة لبيع الدجاج المقرمش وأشتري شطيرتين لهما مع المشروب الغازي فبحث عن مقعد فارغ للجلوس ولم يجد. فقال بجدية:
- تعالي نقعد نأكل فى العربية.
هزت رأسها بلا وقالت بهدوء:
- تعال ورايا.
ذهبت معه إلى حافة النهر الصخرية وجلست تمدد قدميها للأسفل والمياه تمر أمامهم مباشرة. نظر "غفران" لها بعد أن جلست على الأرض فأشارت له بأن يجلس ليعطيها الطعام ثم نزع سترته ووضعها على الأرض قبل أن يجلس فضحكت "قُسم" بلطف رغم حزنها لتقول:
- دا بجد!
نظر إليها لتقول "قُسم" بلطف:
- مش قصدى، أتفضل كُل.
أعطته الطعام ليبدأ بتناول الطعام معها فى صمت ثم نظرت "قُسم" إلى النهر بحيرة من أمرها وقالت:
- أنا مظلمتهوش صح؟
نظر لها بهدوء صامتًا فتابعت بقلق:
- مظلمتهوش يا غفران صح؟ أنا أتحملت لحد ما تعبت وفاض بيا، أتحملت مامته وأنها مبتحبنيش ودايمًا حابة تجوزه قريبتها، أستحملت لحد ما تعبت فأنا أكيد مظلمتهوش.
كان صامتًا مُستمعًا لحديثها الهادئ كأنها تخشي من تحمل ذنبه وقهرة قلبه رغم كل شيء فعله بها. أدار رأسه إليها حين سمع أنين بكاءها ووجعها يعتصر قلبها. تمتم "غفران" بلطف:
- طب أهدئي يا قُسم، لو مش مرتاح خلاص مفيش ظلم أو ذنب، الخطوبة اتعملت عشان نتعرف ونشوف هنرتاح مع بعض ولا لا، الخطوبة أصلًا أتعملت عشان تتفشكل.
نظرت "قُسم" إليه بهدوء ورفعت يدها إلى وجهها تجفف دموعها مما جعل "غفران" يتابع الحديث بلطف أكثر كأنه يداوي جرحها:
- أي يعني مرتاحتيش سيبيه، هتجوزيه جِميلة وتقعدي بقي تعدي الجمايل اللى عملتيها عشانه.
أومأت إليه بنعم مقتنعة بحديثه ليبتسم إليها وقال بجدية:
- ممكن أشرب سيجارة ولا هضايقك؟
أشارت له بأن يفعل ما يريده، فوضع سيجارته بين شفتيه وبحث عن القداحة فى جيوبه بحيرة. توقف لوهلة من الدهشة عن البحث حين شعر بيدها تلمس لحيته برفق. نظر لها مُندهشًا فرأها تمسح شعيرات لحيته من صوص الشطيرة فظل يحدق بها وسقطت سيجارته من بين شفتيه. مسحت "قُسم" لحيته وعينيها ترمقه حتى سقطت سيجارته من فمه فضحكت "قُسم" وهذه السيجارة تسقط فى مياه النهر.
وقف ليغادر من أمامها بتوتر من فعلتها وقلبه قد مال إلى هذه الفتاة والآن مجرد فتاة صغيرة تصارع وجود زوجته بداخل هذا القلب. دُهشت من فعلته وأخذت سترته وبدأت تركض خلفه وهى تقول:
- غفران استني... أستني بس.
كان يسير بخطوات سريعة جدًا حتى أنها لم تلحق به مع ركضها. أوقفه هذا الشاب الذي ظهر أمامه من العدم لتتابع "قُسم" الركض. بينما حدق "غفران" بهذا الرجل الذي قال بحماس:
- مسيو غفران مش معقول.
حدق بهذا الشاب ووجهه ضبابي لا يعرف من هو وصوته لم يكون مألوفًا على "غفران" فأخفض نظره تجاه كتفه ولم يجد شارة الأسم بما أنه ليس من موظفينه. بدأ التوتر والخوف يستحوذ عليه وهو كالكفيف الآن لا يعرف من هذا الذي يتحدث إليه. تحدث الشاب بحماس أكثر:
- أنا مش مصدق أنى شوفت حضرتك هنا، صدفة غريبة جدًا.
بدأ يختنق وأنفاس تفقد أستقرارها بين ضلوع صدره. قشعريرة جسده الباردة. وصلت "قُسم" إليه ووقفت جواره تقول:
- مش بنادي عليك.
نظر الشاب إليها بدهشة وقال:
- مين دي؟
حرك "غفران" رابطة عنقه بأختناق وبدأ يلهث من الخوف وأن يكشف سره الآن ولأول مرة يندم على رحيل "عُمر" فقال بتلعثم شديد:
- معلش أنا مستعجل.
أسرع فى خطواته وهو لا يعرف من هذا الشاب فركضت "قُسم" خلفه وهى ترى وجهه شاحبًا وعروق جبينه ظهرت بوضوح. وصل إلى سيارته بصعوبة مما أفزع "قُسم" حين سقطت على الأرض قرب سيارته ويده تمسك مقبض الباب. هرعت إليه بصدمة وجلست أمامه على الأرض تقول:
- غفران، أنت كويس؟
كانت تعتقد أنه ما زال مريضًا بعد عناده فى الخروج من المستشفي. أغمض عينيه بقوة وأنفاسه تعلو شيئًا فشيء وبدأ أنه ينهار كليًا مما جعل "قُسم" تفزع أكثر من رجفة جسده وبرودته التى تزداد أكثر بل تحولت الرجفة لتشنجات أكثر. رفعت يدها إلى وجهه تلمسه بلطف وعينيها تكاد تبكي من الخوف:
- غفران.
تشبث بذراعها قبل أن تسيطر عليه أعراضه فقال مُتمتمًا:
- عُمر... عُمـــــ.....
سقطت رأسه بين ذراعيها فاقدًا للوعي بعد أن سيطر عليه الخوف وتشنجات جسده. أسرعت "قُسم" فى الاتصال بـ "عُمر" وظلت بجانبه تضمه بخوف أن يصيب مكروه أكثر وهى لا تعرف كيف تقود السيارة أو تتحدث الانجليزية او الفرنسية لطلب المساعدة من أحد. كان العجز يحتلها مع الخوف عليه.
وصل "عُمر" مُرتعبًا ليراه على الأرض وبين ذراعيه "قُسم" المُتشبثة به أكثر كطفلها الرضيع فقال بفزع:
- حصل أى؟
- معرفش والله معرفش، يمكن زعل من كلامي وسابنى ومشي وحتى مسلمش على صاحبه وعامله بطريقة ........
كانت تتحدث بينما "عُمر" يستمع لحديثها باهتمام أثناء نقل "غفران" إلى السيارة حتى قاطعه بذعر شديد من ذكر صديقه وقال بعد أن استدار لها:
- صاحبه؟!
- تقريبًا معرفة صلة المعرفة بينهما بس هو فضل متنح لصاحبه دا كثير وقاله أنه مستعجل ومش.
قالتها بهدوء وهى لا تفهم سر أهتمام "عُمر" بهذا الشيء ليفهم ما حدث وأنطلق بالسيارة برئيسه كالمجنون إلى "ألبيرت" الذي اتصل به فى الطريقة وبدأ يُحدثه باللهجة الفرنسية:
- يبدو أنه دخل فى حالة صدمة نفسية.
وصل للمستشفي به ومعه "قُسم" الذي لم تفهم شيء وبعد أن دخل "عُمر" مع "ألبيرت" للغرفة فجلست "قُسم" تنتظر فى الخارج فى حيرة وقلق مما أصابه وبعد قليل خرج الجميع من غرفته وعلى وجه "عُمر" الكثير من القلق. فسألت "قُسم" بهلع:
- حصل اى طمني؟
- احم مفيش.
قالها "عُمر" بجدية صارمة فتحدثت "قُسم" بنبرة غاضبة:
- مفيش، وقع من طوله وكان بترعش جدًا ومش واعي باللى حوله وتقولي مفيش.
نظر "عُمر" حوله بحرج من صراخها الحادة فى المستشفي. بينما هى تشتعل من الغضب بسبب قلقها عليه. تأفف من الغيظ وتركها راحلًا لتجلس أمام الغرفة بحزن وخيم. لم تتحمل الأنتظار والقلق يحتلها من عدم المعرفة والفضول يقتلها. دلفت إلى غرفته مُتسللة بعد أن غادر "عُمر" لتراه نائمًا فاقدًا للوعي لا يشعر بشيء وتحيط به الأجهزة الطبية وصدره عاري متصل به بعض الأسلاك الطبية. دمعت عينيها وهى لا تفهم شيء عن مرضه لكن عقله بدأ يتخيل كل الأمراض المُمكن.
فُتح باب الغرفة وعاد "عُمر" ليُدهش بوجودها فقال بحدة صارمة:
- أيه اللى دخلك هنا؟ مين اللى سمح لكِ بالدخول؟
- أنا آسفة، كنت عايزة أطمن بس عليه.
قالتها بأسف شديد مُحرجة من فعلتها ليقول "عُمر" بعد أن تقدم إلى الخزانة الصغيرة يضع بها بعض الأغراض:
- هو كويس وعلى الصبح هيفوق وممكن يخرج، بس بسبب الحركة الكتير بعد الحادثة جسمه تعب ودخل فى أنهيار عصبي ومحتاج للراحة وأظن دا طبيعي بعد ما عربيته أتقلبت بيه وأضطر أنه يسافر تاني يوم عشان عملية والدك.
أومأت إليه بنعم بأمتنان وندم والشعور بالذنب يقتلها. فـ لولا جراحة والدها ما كان غادر المستشفي أو أضطر للسفر فى فترة مرضه. ألتف "عُمر" إليها ليرى دموعها تتلألأ فى جفونه من الندم فقال بلطف يقلل من حدته معها:
- أنتِ مش السبب لأن دا قراره فرجاءً متحسيش بالذنب.
قالها ثم تقدم خطوة يتابع الحديث معها بنبرة هادئة:
- أتفضلي عشان أرجعك على الفندق الوقت أتاخر.
أومأت إليه بنعم وذهبت معه حتى عادت للفندق وأخذت حمام دافئ بعد أن ألقت بجسدها تحت صنوبر المياه الساخنة تتخلص من تعبتها وخمول جسدها ثم أرتدت روب الأستحمام الأبيض الذي يصل لأسفل ركبتيها وبأكمام طويلة وتغلق رابطه بأحكام وألقت بجسدها على الفراش حتى تغوض فى نوم عميق بمنتصف السرير الكبير وشعرها المبلل ينعش جسدها من برودته.
فتحت عينيها صباحًا على صوت دقات الباب لتشعر بتعب جسدها وهى ما زالت تريد النوم فسحبت الوسادة تضعها على رأسها حتى لا تستمع لهذه الدقات المزعجة لكن لا جدوى من الهرب منها فتأففت بضيق شديد وذهبت لتفتح الباب بوجه نائم تكاد تفتح عينيها لتُصدم عندما وجدته أمامها ولا تصدق رؤيته ففركت عينيها مرات عدة لعلها ترى منام فتمتمت بدهشة:
- حازم!!
دفع باب الغرفة بوجه غاضب جدًا وهو يقول بأختناق شديد:
- هو فين؟ وايه القرف اللى لابساه داه؟
تشبثت بروب الأستحمام بأحكام بيديها وهى لا تفهم سبب غضبه أو كيف وصل إلى هنا فقالت بانفعال:
- أنت جيت أزاى؟ هو مين دا اللى بدور عليه... تعال هنا.
قالتها بضيق من هجومه على غرفتها كأنه يبحث عن لص فألقي فى وجهها صورتها مع "غفران" ويقول بغضب:
- اللى سيبتني عشان تعيشي معاه فى الحرام يا بنت عمتي.
لم تصدق كلماته وعينيها تحدق فى صورتها مع "غفران" بصدمة وتتساءل كيف وصلت الصورة ليد "حازم" أو كيف ألتقطت لها؟ أثناء رؤيتها للصورة شهقت بقوة عندما قاطعها "حازم" الذي مسك ذراعها بقوة وعينيه تلتهم بغضب سافر ثم قال بضيق:
- فرضتي فى أي تاني يا قُسم للبيه عشان يعمل العملية لأبوكِ، بعتي وقدرتي شرفكِ بكام؟
لم تتمالك أعصابها أكثر من كلماته المُهينة لها فصفعته بقوة على وجهه تلطمه من غيظ كلماته وتُهمته الشنيعة لها وهو يرأها بهذه القذارة. أحتدت عينيه بهول الصدمة التى لحقت به من فعلتها ليقترب أكثر.
فى الغرفة المجاورة دلف "عُمر" فى الصباح ليجمع أغراض "غفران" حتى يأخذها للمستشفي بعد أن علم بيقظته من الممرضة مُسرعًا فى حركته بقلق مما وصل "غفران" له والصدمة العصبية التى تعرض لها بسبب الخوف من الكشف عن مرضه. سمع صوت صراخ قريب من الخارج فخرج بقلق كغيره من النزلاء لكن صدمته الأقوي حين وجد الصوت من الغرفة المجاورة الخاصة بـ "قُسم". دلف للداخل بعد أن تركت "قُسم" الباب مفتوح من دخول "حازم" وصُدم عندما وجد "حازم" فوقها على الفراش ويحاول الأعتداء عليها بالقوة وهى تصرخ بقوة مُحاولة النجاة من يده.
فأقترب "عُمر" بغضب سافر خائفًا من "غفران" فى المقدمة الذي سيقطع رأسه إذا حل بهذه الفتاة شيء دون أن ترجف له عين. لكمه بقوة في وجهه بعد أن سحبه من فوقها ووضع الغطاء عليها ثم سحب "حازم" للخارج بالضرب والركل بقوة كالمجنون. بينما تشبثت هى بالغطاء بقوة ويديها ترتجف بقوة.
دفعه "عُمر" بقوة خارج غرفة النوم ليسقط أرضًا ففزع "عُمر" حين رأي "غفران" أمامه وهيئته فوضوية مُرتدي ملابس الأمس وقميصه المتسخ من صوص الطعام. رمقه "غفران" بنظرة مُرعبة بعد أن سمع من النزلاء أن هناك من أقتحم الغرفة. دلف بقلق إلى غرفة النوم ليراها منكمشة فى ذاتها ومُتشبثة بغطاءها فأبتلع لعابه من الخوف وأقترب منها وقال:
- أنتِ كويس؟
- غفران.
قالتها بأنكسار وعينيها تبكي بلا توقف وترتجف ليمد يده إليه بقلق فتشبثت "قُسم" به ووقفت معه بملابسها لحُسن حظها لم يفعل شيء من أفكار الشيطانية بها. ترجلت من الفراش ويدها بيده فسأل "غفران" بنبرة قوية مُرعبة:
- أقتله؟!
أتسعت عينيها على مصراعيها من هول الصدمة ليقول مُجددًا:
- أقتله على أتجرأ ولمسك؟
لم يكن يعلم من هذا الشاب الذي تجرأ على دخول غرفتها فقالت بتمتمة:
- لا، دا حازم مهما كان.
أتسعت عينيه بصدمة ألجمته من لفظ اسمه والآن قد فهم من الذي يملك الجراءة على أقتحم غرفة تخص "غفران الحديدي" وبطابق الكبار فكل من هنا من أغنياء العالم أجمع. خرج كالمجنون ليقتله دون سؤالها فخرجت خلفه بذعر وتشبثت بيده قبل أن يفعل شيء وقالت:
- لا، غفران أرجوك، خليه يمشي.
نظر نحوها يدهشة من مسامحتها له وكيف لها أن تغفر فعل كهذا؟ شعر بأناملها تتشبث بقميصه من الخلف دون أن يراها أحد كطفلة خائفة ويدها ترتجف فى ظهره فهمست إليه بضعف:
- أرجوك مشيه، أنا مش عايزة أشوفه يا غفران، الناس بتتفرج عليا.
أطأت رأسها بخجل شديد من أنظار الجميع وبعض النزلاء يقفون على الباب يشاهدون فأشار إلى "عُمر" بأن يأخذه للخارج. فخرج الجميع ونظر "غفران" لها وهى ما زالت تتشبث به ولا تترك أسر قميصه من أناملها وبدأت تبكي بذعر فقال بهدوء:
- أنا هستناكِ هنا، أدخلى غيري هدومكِ عشان أوديكي لأبوكِ.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور زيزو
فى منزل مكون من طابقين، متوسط الحجم.
الطابق الأعلى به ثلاثة غرف ودورة مياه مستقلة ودرج صغير من الخشب مُتصل بالسقيفة الموجودة بالأعلى حيث قمة المنزل المُثلثية.
والطابق الأول به مطبخ كبير الحجم مفتوح على البهو وغرفة نوم ومكان مخصص للمعيشة بالأريكة والشاشة وبالجوار مكان السفرة المكونة من ست مقاعد ورواق صغير يصل إلى باب المنزل.
خرج "غفران" من المطبخ يحمل فى يده كوب من عصير الليمون وتقدم إلى الأريكة التى تجلس "قُسم" عليها منكمشة فى ذاتها وعينيها تبكي فى صمت.
على الرغم من جسدها الذي لم يكن صامتًا وساكنًا محله، فكانت الرجفة تصيبه كاملًا وتضم يديها الأثنتين معًا، الخوف كان مُسيطرًا عليها.
فوضع الكوب أمامها على الطاولة ثم جلس على المقعد بهدوء وقال:
_ أشربي الليمون ودلوقت تبقي أحسن؟
تمتمت "قُسم" بصوت واهن ونبرة خافتة يكاد يسمعها مع شهقاتها القوية:
_ أزاى قدر يفكر فى دا؟ أنا مأذتهوش فى حاجة، كنت مستحملة كل حاجة وأى حاجة وشايلة فوق أكتافي كل حاجة عشان جوازتنا تتم وربنا يجمعنا تحت سقف واقف. أزاى كنت مغشوشة فيه أوى كدة؟ هو أنا كنت عامية أوى كدة عن حقيقته اللى مخبيها ولا هو اللى كان ممثل شاطر وقدر يمثل ويضحك عليا لسنين؟
تنحنح "غفران" بضيق وهو لا يفهم شيء عن علاقتها بـ "حازم". لكن ما رآه كان كافي بأن يكون نظره الحقيقة عن هذا الرجل الغليظ، رجل مُتسلط يرغب بها لكن دون أن يجادل أو يعافر للحصول عليها، يرغب بها كأنه متملك لها. وفور أن شعر بأنها تركته ولم تكن له، سيطر عليه هذا الحُب المُتملك وقرر أن يحصل عليها بالقوة.
لم يكن "غفران" غبيًا، فمما آه وسمع به منها أن "حازم" يحُبها حُبًا جمًا، لكن هذا الحُب مؤذي. يستطيع أذيتها كما يريد لكن لا يتحمل فكرة خسارتها.
فقال بهدوء:
_ هو مبيمثلش، هو حاول يأخذك بالإكراه والقوة، غصب عنك يعنى. بيحبك لكن حُب مؤذي، حُب مخليه يفكر فى أى حاجة ويعمل أى حاجة عشان تفضلي معاه حتى لو كان بالقوة، رجل مريض بحُب.
رفعت وجهها إليه وتخلت عن الحرج من مقابلته لتواجهه بعينيها مُندهشة من حديثه فقالت بنبرة استفهامية:
_ مريض بحُبي؟ قصدك أى؟
تنهد "غفران" وهو يقدم لها كوب العصير التى تجاهلته حتى ترتشف القليل منه وقال بجدية:
_ يعنى هو مبيكذبش لما بيقول أنه بيحبك، لكن الحُب دا جواه عبارة عن حُب أمتلاك. زى حُبك لتليفونك أو هدومك مهما حصل ومهما أتعصبتي أو زعلتي ففي الأخر هو تليفونك. بالنسبة لحازم مهما يعمل أنتِ بتاعته وخطيبته ولو حس أن ممكن يخسرك هيعمل أى حاجة مهما كانت أى عشان تفضلي معاه حتى لو ....
تنحنح بحرج من أستكمال حديثه ليقول بنبرة أكثر هدوءًا:
_ حتى لو أضطر أنه يأخذك بالقوة عشان مبيقاش قصدك حل غير أنك تتجوزيه. وأسف على تجاوزي فى الكلام بس دا فهمي له.
وقف من مكانه مُحرج من الحديث معها فى هذا الشيء، لكن أستوقفه يدها الباردة كقطعة الثلج التى تشبثت بأنامله كطفلته "نالا" تمامًا حين تمسك يده.
فنظر إلى يديهما ثم إلى "قُسم" وقلبه مُلهتبًا كالجمر من رفضها لقتل "حازم" الذي تجرأ على أذيتها.
حاول "غفران" قدر الإمكان السيطرة على أعصابه وكبح مشاعره ودقات قلبه الغاضب لأجلها.
أبتلع لعابه بهدوء فقالت بصوت مبحوح:
_ ممكن ترجعني مصر؟
عاد للجلوس مُندهشًا من طلبها ووالدها هنا فى العناية المُشددة يصارع الموت حتى ينجو بقلبه الجديد:
_ وباباكِ اللى بين الحياة والموت هنخرجه من على الأجهزة وصدره مفتوح وقلبه لسه مستعادش وظائفه. هتجازفي بحياته عشان خايفة من حازم.
جهشت فى البكاء بأنكسار وخوف شديد يتملكها وتمتمت بذعر:
_ عُمر لو كان أتأخر شوية كمان كان حازم قتل أبويا بالحياة بعملته فيا. رجعني مصر.
لم يقو على كبح مشاعره أكثر وهو يسمع صوت بكاءها وشهقاتها كالأسهم التى تخترق صدره وقلبه.
فأقترب قليلًا منها أوخذ يدها فى قبضتيه ليقول بنبرة هادئة جادة:
_ مستحيل، مستحيل أسمح له يأذيكي يا قُسم. أنتِ مع غفران الحديدي متخافيش وأنا وعدتك أرجعلك أبوكِ وقد وعدي دا ما دام فى مقدرتي. متخافيش وأنا معاكِ.
أغمضت عينيها بخوف يحتلها لكنها صُدمت حين شعرت بيده تخفف دموعها وتلمس وجنتها.
ففتحت عينيها بهدوء لتراه أمامها يحاول أن يُطمنها قليلًا ويمتص من جوارحها الخوف والذعر مما حدث بها.
تحدث بنبرة خافتة:
_ أنا هنا يا قُسم، أنا جانبك.
ظل ترمقه فى صمت وجسدها يرتعش.
دلف "عُمر" إلى المنزل ليُصدم مما رآه وقُرب "غفران" منها ويده التى تلمس وجنتها بعينيه الدافئة فى نظرتها.
عالقة بـ "قُسم" بقوة مما أدهش "عُمر" وكيف لـ "غفران" أن يقترب من امرأة وهو يكره أى تاء تأنيث غير "كندا".
لطالما هددته "كندا" أن تنشر خبر عن عدم ميول للنساء.
فى جميع الحفلات والمناسبات يذهب مع "عُمر" شريكًا له.
لم يقوى على السماح لأي امرأة بالأقتراب منه أكثر من خمسة أمتار.
قوانينه صارمة ومن يخترقها تهدم حياته رأسًا على عقب.
ظل "عُمر" محله يحدق بهما لعله يستوعب الأمر ويُصدق ما تراه عينيه الذي بدأ يشك بنظرهما عن الشك بـ "غفران" وصارمته.
تنحنح بحرج وهو يقول:
_ أحم ، غفران بيه المستشفي أتصلت بيبلغون أن جميل أتنقل لغرفة عادية بعد ما بدأ مؤشرات قلبه تستجيب.
فرحت "قُسم" بسعادة تغمرها من سماع هذا الحديث وقالت بحماس:
_ أنا لازم أروح له، أستناني يا عُمر هغير هدومي وتوصلني معلش.
أومأ إليها بنعم بينما ينظر إلى "غفران" بعيني ثاقبة مُنتظر كلماته ليفعل ما يأمر به فقال بلطف:
_ تمام وحسب ما يأمر مسيو غفران.
وقفت من مكانها لكي تصعد للأعلى تبدل ملابسها لكن توقفت عن خطواتها حين وجدت يدها ما زالت عالقة بين قبضتيه المحمكتين عليها.
فنظرت غلى "غفران" بلطف وقالت:
_ ممكن أطلع أغير هدومي.
ترك يدها بهدوء لتصعد.
فخرج "غفران" من المُنزل وجلس ينتظرها فى السيارة مع "عُمر" الذي أحتل مقعد السائق وعينيه على المنزل أمامه فقال بهدوء:
_ أتصلوا من مصر. دكتورة نورهان زارت قصر الحديدي يوم ما حضرتك دخلت المستشفي. فاتن بتقول من يومها ومدام كندا منهارة جدًا ورافضة الأكل وفى وسط كلامها مع والدتها قالت أنها متأكدة من خيانتك ليها وكان باين من الكلام أنها على علم أن حضرتك هنا مع بنت لكنها تجهل تمامًا هى مين.
تنهد "غفران" من سماع هذا الحديث.
فأخرج الهاتف من جيب سترته وقال بحدة صارمة:
_ خليها تنهر أكثر، مستغرب واحدة ببجاحتها بتخون جوزها وبتبكي دلوقتي عشان راح لغيرها.
ألتف "عُمر" برأسه للخلف مُندهشة من اعتراف "غفران" الغير مباشرة بأنه ذهب لأخري وحتمًا مقصده الأول والأخير هى "قُسم".
رفع "غفران" نظره إلى "عُمر" ليستدير مُسرعًا ناظرًا للأمام بخوف من جراءته مما جعل "غفران" يعيد النظر إلى الهاتف وقال بتهكم:
_ عملت اللى طلبته منك؟
فتح "عُمر" هاتفه ليرسل ملف إلى رقم "غفران" فضغط "غفران" على الملف فى خاتفه يفتحه.
وبدأ "عُمر" يقول:
_ عفيفي اتولد فى عائلة ثرية ووالده منتج معرف وبدأ الإخراج فى سن صغير. أتنشر له فضائح ومقالات كتير عن علاقاته مع بعض الممثلات الشابة وخصوصًا فى بداية طريقهم فى الفن والشهرة. بيشرب كتير ومعظم يومه ما بين التصوير والفنادق وكل لقاءات العمل بتكون فى الفنادق خصوصًا لو الطرف لأخرى امرأة.
تمتم "غفران" بضيق شديد وعينيه تحتد بقوة بينما يرمق التقرير المقدم له عن هذا الرجل:
_ يعنى بتخوني؟
تابع "عُمر" الحديث معه بجدية قائلًا:
_ مفيش دليل قاطع على الخيانة وربما كل اللقاءات دى تكون بسبب العمل وتحديدًا أن مدام كندا هى البطلة الرئيسية لمعظم أعماله و......
قاطعه "غفران" بحدة ونبرة غليظة يرمي بهاتفه جانبًا وقد مل من هذه العلاقة والأحاديث الكثيرة فيها:
_ كل الصور واللقاءات ووجودها معه فى غرفة فى فندق والملامسات اللى بينهما فى الصور وتقولي مفيش دليل قاطع. الخيانة يا عُمر تكفي لما يلمس راجل غيرى مراتي ولو فى رقصة. تمسكه بيها أنها تكون بطلة رئيسية لكل أعماله مُريب ولقاءات الفندق مُريبة.
نظر "عُمر" إلى "قُسم" التى خرجت للتو من المنزل وتسير نحوهما فقال بجدية:
_ لكن الخائنة مستحيل تنهار أن جوزها مع بنت تانية.
نظر "غفران" إلى "قُسم" التى ظهرت أمامه مُرتدية فستان أبيض اللون وبه أزهار كبيرة زرقاء بأكمام وشعرها مسدول على الجانبين بحرية.
ثم قال نحزم:
_ ربما خايفة من الجحيم اللى مُنتظرها. أنا مستحمل أغفر لها خيانتها ولازم أعاقبها عليها.
فُتح باب السيارة ودلفت "قُسم" إلى السيارة بهدوء وبسمتها لم تفارق وجهها.
لينطلق "عُمر" إلى المستشفي بقيادته.
ظل الصمت بينما حتى وصلت رسالة إلى هاتف "عُمر" من المستشفي بتحديد موعد الأشعة والفحص الخاص بـ "غفران".
ليقول بهدوء:
_ حضرتك عندك بعض الفحوصات النهار دا ومش محتاجين تأخير. هوصل قُسم للأستاذ جميل وأحجز جناح كبار الشخصيات لحضرتك.
أومأ إليه بنعم.
بينما نظرت "قُسم" إلى "غفران" بذهول من تردده على المستشفي دومًا رغم أنه بحالة جيدة فسألت بقلق:
_ أنت مريض؟
لم يُجيب عليها ونظر إلى النافذة شاردٍ بالنظر إلى المارة الذين فى نظره جميعهما نفس الشخص الضبابي.
يحاول جاهدًا الحصول على أى علاج من أجل حالته.
فكل مرة يعرض لموقف حرج ويجهل هوية الشخص الذي أمامه يُصيب بنوبة صراع ربما تصيب قلبه بصدمة من الخوف.
مسكت "قُسم" ذراعه من سترته وتجذبه إليه فنظر "غفران" إليها وهى تسحب ذراعه إليها فقالت بجدية:
_ سألتك إذا كُنت مريض؟
فض يدها عن ذراعه بضيق شديد فحين يتعلق الأمر بمرضه ربما يتجنبها كزوجته التى تجنبها لسنوات ونظر للجهة الأخرى.
أقتربت "قُسم" بعناد من مقعد "عُمر" الذي يجلس أمامها وربتت على كتفه بلطف وقالت:
_ هو مريض؟
نظر "عُمر" لها فى المرآة الأمامية وقال بحدة صارمة كأنه إنسان آلي مبرمج على طاعة "غفران" فقط:
_ أسف يا أنسة معنديش تعليمات بالكلام مع جناب.
تأففت "قُسم" بضيق من تسترهما على الأمر والغموض الشديد الذي يحرصان به على إخفاء الأمر.
فعادت بظهرها للخلف عاقدة ذراعيها أمام صدرها بحدة وقالت بتذمرٍ وعنادٍ:
_ أصلا أنا غلطانة أنى سألتك فى دكتور ممكن اسأله.
توقفت السيارة أمام المستشفي ففتح "غفران" باب السيارة لكي يترجل منها وقال بكبرياء متعجرفٍ:
_ عرفني إذا جاوبك الدكتور عشان أمسح أسمه من الطب نهائيًا بتهمة الإفصاح عن معلومات المرضي.
كزت على أسنانها من الغيظ وترجلت خلفه غاضبة من مكره وصرامته.
وركضت خلفه بخطوات سريعة حتى سارت بجانبه فقالت بهدوء:
_ أنت ليه غليظ؟
توقف "عُمر" مُندهشًا من جراءتها وحدق بها كثيرًا بخوف مما سيفعله "غفران" بعد وصفها له بالغليظ.
ضحك "غفران" بسخرية وألتف ليقف أمامها مباشرة ونظر إلى عينيها بحدة ثم قال:
_ وأنتِ ليه عنيدة، ليكون فى علمك أنا مبكرهاش قد العند والتدخل فى شئون الغير.
أستدار لكي يكمل طريقه فسأتوقفه هذه المرة بتذمر طفولي واضح فى نبرتها وعناد مُحمل بالنتقام كأنها ترفض أن ينتصر هو فى هذا الحديث تقول:
_ معناه ليه بتتدخل فى شئوني.
ينظر "غفران" لها بدهشة لتبتسم بانتصار وتقدمت هى بخطواتها للأمام.
فضحك "عُمر" بخفة مما جعل "غفران" ينظر إليه بغيظ ليضع يده على فمه بحرج وقال:
_ أسف، لكنها جريئة وعنيدة جدًا بتفكرني بحضرتك.
نظر "غفران" إلى ظهرها وهى تسير وحدها فى الأمام وشعر بدقة فى قلبه مُختلف كأن كـ "عُمر" تمامًا مُندهشًا من جراءتها معه ومعاملتها العفوية معه حتى عنادها وطريقة انتقامها فى الحديث جميلة كوجهها الذي لم يغادر ذاكرته حتى الآن......
انتهي الجميع من جلسة قراءة السيناريو فى غرفة الأجتماعات ليغادرون الغرفة.
فاستوقفها "عفيفي" بقوله الساخر:
_ استغربت أنكِ جيتي جلسة القراة مع أن أخر مرة حسستني أن غفران هيقتلك لو خرجتي من القصر بدون علمه.
ألتفت "كندا" إليه وقالت بعناد والغضب يتملكها بعد أن رأت زوجها مع أخرى:
_ ومين قال أنه بدون علمه، أنا واثقة ان عنده علمه بوجودي هنا دلوقت لأن جواسيسه مبيرفعوش عينيه عني.
أقترب "عفيفي" نحوه ثم رفع يده إلى وجهها يهندم خصلات شعرها بدفء وعينيه تتفحص كل أنش فى وجهها:
_ لكن اكوني واثقة برضو أن هنا مفيش عيون عليكِ غير عيوني أنا.
رمقته "كندا" بهدوء شديد وقلبه ممزوق من خيانة "غفران" لها وقسوته فى التعامل معها.
سألته مُحتارة:
_ هو أنا وحشة؟ متحبش؟
ضحك بعفوية على سؤالها وبدأت عينيه تترك تفاصيل وجهها وتنخفض للأسفل مُعجبًا بكل تفصيلة بها وقال بنبرة أكثر هدوءًا ونعومة:
_ مستحيل، أنتِ فرسة وزى ما بيقوله بالبلدي تحلى من على حبل المشنقة يا كندا. مُتخلف مين دا اللى يملكك ويسيبك تسألي نفسك السؤال دا؟
أبتلعت لعابها من طريقته فى التعبير عن جمالها وشعرت أنه يلمح لشيء أكثر خطورة.
فألتفت لكي تغادر الغرفة بينما تقول بحدة:
_ أنا همشي.
مسك يدها بقوة وسحبها ليُعيدها أمامه وأقترب أكثر يحاصرها فى الحائط وقال بلطف ونبرة خافتة:
_ خليكِ معايا لو غفران قاتل أنوثتك أنا ممكن....
قاطعته "كندا" بحدة صارمة من كلماته القذرة:
_ أنا قفلت الباب دا من زمان يا عفيفي. اتفقنا أكون لك بطلة أفلامك وبس وأى حاجة تانية تتدفن وحتى متبوحش بيها بينك وبين مرايتك لأن حتى مرايتك ممكن تخونك.
دفعته بأشمئزاز شديد وسارت تجاه الباب ليغضب من معاملتها له كأنه جزءًا من القمامة وقال بانفعال شديد:
_ ليه غفران؟ ليه هو؟ ليه تحبيه الحُب دا كله وأنا تسيبنى كأني زبالة أو مستعيرة.
تنهدت بغلاظة حادة من حديثه الدائمة عن رغبته بها كامرأة وقالت بانفعال أفقدها أعصابها وقلبها يكفيه خيانة "غفران":
_ تاني، لأن غفران اتجوزني فى حين أن الزبالة اللى بتتكلم عنها رفض يتجوز واحدة سلمته نفسها وعاملها على أنها زبالة دلوقت بقيت حلوة وهتموت وتشم رائحتها.
أقترب أكثر منها وقال بضيق:
_ وقتها كُنت....
قاطعته بحدة صارمة وعينيها تلتهب من الغضب والحسرة:
_ وقتها ودلوقت كنت أناني وبس مبتفكرش غير فى اللى أنت عايزه وبس يا عفيفي.
غادرت من المكتب غاضبة جدًا وحاولت كبح دموعها حتى وصلت إلى سيارتها وصعدت بها لتنفجر فى البكاء بضيق شديد مما تحمله من شعور بداخلها.
فتمتمت بوجه ويديها تضرب قلبها بقوة:
_ أنتِ السبب يا كندا، أنتِ السبب.
أنهارت فى البكاء وهى تتكئ برأسها على المقودة وتشرد بذكريات الماضي مع "غفران".
جهشت فى البكاء بصدمة قاتلة حين استيقظت من نومها ووجدت نفسها فى الفراش وبجوارها "عفيفي" والغرفة قذرة من ملابسهما الفوضي العارمة بها وزجاجات الخمر بكل مكان.
فتشبثت بالغطاء تخفي جسدها العاري ولا تتذكر كيف حديث وماذا حدث؟
لكن الشيء الوحيد الأكيد لها هى أنها أقامت علاقة كاملة مع هذا الرجل الموجود جوارها عاري الجسد مثلها مما جعلها تفزع وبدأت تصرخ بجنون.
ليستيقظ "عفيفي" لها وقال:
_ أهدئي يا كندا، اللى يشوفك كدة يقول أن أنا اللى رميت نفسي عليكي ولا أجبرت.
_ أنت عارف أنت عملت أي؟ أنت فضحتني؟
قالتها بفزع مما جعله يشعل سيجارته ببرود ثم سار بعيدًا عنها وقال بحدة:
_ فضحتكِ!!، متكبريش الموضوع يا كندا.
أقتربت منه غاضبة وقالت بصراخ:
_ أنت هتستعبط، أنت لازم تتجوزني.
يدفعها بعيدًا عنه بأشمئزاز مُندهشًا من طلبها وقال بسخرية:
_ جواز أي أنتِ هبلة، دا أنا لو هتجوز كل واحدة عملت معها كدة يبقي هتسجن بتعدد الزوجات اللى يزيد عن 15.
أتسعت عينيها على مصراعيها من هول الصدمة وأخذت حذاءها فى يدها مغادرة الغرفة بصدمة ألجمتها ولا تعرف ماذا تفعل أو كيف تتصرف فى هذه الكارثة؟
وصلت لمنزلها بصعوبة فى تلك الليلة لكنها صُدمت بالأمر الأكثر رعبًا حين وجدت "غفران" هذا الشاب المتهور بعفوية يقف فى حديقة منزلها ويصنع لها قلبًا من الشموع والزين مُرتديًا بدلته السوداء لتُزيده أكثر وسامة ويحمل بين يديه باقة من الورد الأحمر.
فأقتربت أكثر منه بعد أن جففت دموعها لتراه يبتسم أكثر وأكثر بوسامة وسعادة تغمره ثم قال:
_ اتأخرتِ أنا مستنياكِ من بدري.
لم تفهم شيء حتى وصلت أمامه ليقول "غفران" بسعادة تغمره:
_ أنا شاب لسه فى بداية حياته لكن الشاب دا عايز يدخل حياته وصراعها ويحارب فيها معاكِ وبكِ يا كندا. عايزكِ تكوني سيفي فى حرب الحياة وقوتي فى اللى جاي. أنتِ البنت الوحيدة اللى خطفت قلبي من صوتها. تتجوزني؟
لم تستوعب الأمر فظلت تحدق به مذهولة من هذا الأمر.
فتحت عينيها على صوت دقات على النافذة وكان طفل صغير ملابسه متسخة وشعره فوضوي يبيع المناديل.
لتستشيط غضبًا وأنطلقت بسيارتها بعيدًا مُتجاهلة هذا الطفل.
وضعت "قُسم" قبلة على جبين والدها النائم وغاردت الغرفة وبدأت تبحث عن مكان "غفران" بعينيها.
ثم أوقفت ممرضة لتسأل عن مكان "غفران" باللهجة الأنجليزية فأجابتها الممرضة بمهارة لكنها لم تفهم وتعابير وجهها كانت تائهة جدًا.
للمرضة فأخذتها إلى قسم الأشعة مما أدهشها حين رأت "غفران" مُرتدي زى المرضي ونائم على جهاز الأشعة ويجري أشعة على المخ.
فشعرت بغصة فى قلبها من الخوف أن يكون قد أصابه شيء خطير وهو السبب فى تواجده هنا.
ظل ينقل مع الممرض من مكان للأخرى حتى أستغرق الفحص أكثر من ساعتين وخرج أخيرًا مع الممرض ليراها جالسة فى غرفته تنتظره.
ولولا فستانها ما كان علم من هى؟
ساعده الممرض على الصعود على الفراش ثم غادر.
أقتربت "قُسم" منه وكان تي شيرته الأزرق مبلل بالعرق ووجهه شاحبًا جدًا لا يقوى على الجدال معها، مُنهكًا جدًا.
رفع قدميه ليتسلقي على الفراش فوضعت الغطاء عليه وقالت بلطف:
_ أنت كويس؟
لم يُجيب على السؤال وأغمض عينيه بتعب مُنتظر قدوم "عُمر".
جلست على حافة الفراش بجانبه وأخذت مناديل ورقية من فوق الكومود وبدأ تمسح حبيبات العرق عن جبينه ووجنته.
ففتح عينيه بتعب حين شعر بيدها وكانت قريبة منه وهادئة على عكس الصباح عنيدة وغاضبة وترد الكلمات له كالحرب.
تنهد بتعب شديد فقالت "قُسم":
_ لو احتجت أى حاجة متتحرجش تطلب منى؟ على الأقل أرد لك شوية من اللى عملته معايا.
كان يشعر بدوران شديد فى رأسه وخصيصًا بعد الجلسة السريرية التى قام بها خلسًا قبل أن تأتي "قُسم" فحرك يده للأعلى ليمسكها "قُسم" بلطف فقال:
_ أهدئي، بس أسكتي شوية.
كان يبدو عليه التعب فلم تتعجب من طلب صمتها لتكفى عن الأزعاج له.
هندمت الغطاء عليه جيدًا ثم وقفت تحاول سحب يدها من قبضته لكنه أحكم غلقها مُتشبثًا بها.
فظلت محلها جالسة قُربه ليُتمتم "غفران" بتعب:
_ ليه الأمل يتسرق مننا بعد ما نجري وراءه؟
لم تفهم قصده وهو يُحدثها عن وجهها الذي رآه وبعد أن بحث عنها كالمجنون ووجدها سُرق منه هذا الوجه.
لم تعرف سبب حديثه لكن الشيء الوحيد الذي تأكدت منه أنه يعاني من شيء قوى سُرق منه؟
ربما مريض بمرض خطير كما تسمع؟
فربتت بإشفاق على يده المُمسكة بيدها الأخرى وقالت بدفء:
_ عشان ندور عليه تاني، عشان بنفضل نجري وراء ومنكسلش.
فتح عينيه ناظرًا بها ثم قال بتهكم شديد:
_ خليكِ يا قُسم، خليكِ هنا، أديني بس خمس دقائق كمان.
أومأت إليه بنعم ثم قالت:
_ أكيد.
غاص فى نومه من التعب وتلقي جرعة من العلاج.
صُدم "عُمر" مما سمعه من الطبيب فقال بصدمة مذعورًا باللهجة الفرنسية:
_ يعنى أي؟
_ يعنى للأسف الحادثة الأخير والخبطة اللى حصلت فى الرأس كان نتيجتها سلبية على حالة أستاذ غفران وأساءت حالته أكتر من قبل والنهار دا بعد ما شوفت نتيجة الجلسة السريرية اللى عملنا ومحصلش أى تأثير أصبحت حالة أن يرجع يشوف من تاني مستحيل والمرة دى مبقاش فيها أى أمل عشان كدة رجاءً خليه يكتفى بدفع أمواله الهائلة كتبرعات للمركز الطبية ومركز التجارب لأان وقتها مش هيكون عندنا علاج لمساعدته حسب البند المذكورة فى عقدنا.
قالها "ألبيرت" بالفرنسية مما أعجز "عُمر" عن الرد.
وقد باتت كل الماحولات فاشلة وأصبح الأمل الآن كالسراب بسبب الحادثة مما جعله يخشي من رد فعل "غفران" وكيف سينتقم من "كندا" وهى سبب هذا الحادثة ولو مقابلتها مع "عفيفي" ما كان غادر الشركة أو قاد سيارته وحده.
سأل "عُمر" بقلق لعل يجد أمل:
_ ولا حتى قُسم، هو قدر يشوفها من قبل، ربما مع الوقت يقدر يشوفها تاني.
_ من البداية كن رؤيته ليها مجرد معجزة وبعد الضغط على المنطقة المُصابة بقي مستحيل حتى المعجزة دى تحصل.
عاد للغرفة حزينًا وخائفًا لا يعلم كيف سيخبره أنه الآن أصبح عمي الوجوه مرضه الذي لا علاجه له أكثر من السرطان وأى مرض أخر.
رآه يجلس على الفراش وبجواره "قُسم" وقد عادت اليوم أيضًا للأطمئنان عليه.
رآها تُطعمه بيدها كأنه طفل صغير.
ففتح الباب وقال:
_ صباح الخير.
نظر "غفران" له بجدية وقال:
_ سيبنا لوحدنا يا قُسم رجاءً.
نظرت لكلاهما ثم غادرت الغرفة.
فسأل "غفران" بقلق:
_ النتيجة ظهرت؟
حدق "عُمر" به وهو لا يعلم كيف سيخبره بحديث الطبيب؟
فأبتلع لعابه بصعوبة بالغة من الخوف مما جعل "غفران" يشعر بالخوف والقلق معًا حينما ألتزم "عُمر" الصمت مُطولًا.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور زيزو
صرخت "كندا" بأنفعال فى وجهه من الغيظ:
- أنت سمعت أنا قُلت أيه؟ بقولك غفران عايز يتجوزني.
أجابها "عفيفي" وهو جالسًا على مقعده أمام المكتب شاردًا فى مشاهدة الأجزاء المُصور من عمله الجديد:
- طب ودا مزعلك فى أي؟ أتجوزيه.
رفعت حاجبها بدهشة وعقدت ذراعيها أمام صدرها بسخرية شديدة ثم قالت:
- ودى أعملها أزاى إن شاء الله بعد عملتك السودة دى.
تبسم حين رفع رأسه للأعلي ؛ليرمقها بنظراته الثاقبة ثم قال بخبث شديد:
- وفيها أي يا كندا، أتجوزيه وأنا هقولك تعمليها ازاى وهو مش هيحس بحاجة خالِص.
رغم خوفها من هذه الخطوة لكنها بهذه اللحظة رمقته بحالة من السخرية وضحكتها تعلو شيئًا فشيء ثم قالت بتهكم:
- هو فى راجل مش هيحس، أنت عايز تفضحني.
جمع أغراضه من فوق المكتب بلا مبالاة ثم غادر المكتب دون أن يهتم لأى شيء أو حتى هذه الفتاة التى على شرفة الفضيحة بفضله وفضل شخصيته القذرة، رن هاتفها بنفس اللحظة وكان رسالة من "غفران" محتواها:
- فينك يا كندا؟، أنا كل دا منتظر ردك لو رافضة عرفيني السبب على الأقل.
تنهدت بقلق شديد من المستقبل القريب وحياتها على المحك بسبب "عفيفي" وأرسلت رسالة بيدي مُرتجفة جدًا محتواها:
- موافقة يا غفران.
فاقت "كندا" من شرودها داخل حوض الأستحمام وصنوبر المياه الباردة فوق رأسها دون أن تشعر كم من الوقت مر عليها وهى أسفل هذه المياه، تنهدت بتعب شديد وخرجت من المرحاض بروب الاستحمام لتلتقط الهاتف من فوق الفراش لتحاول الأتصال بزوجها الخائن وقد ذاقت الآن ما جعلت "غفران" يرتشفه دون ان يدرك لكنها وجدت الهاتف مُغلق.
***
وصلت "رزان" إلى غرفة نوم "نورهان" وكانت ما زالت نائمة فهمست بلطف قرب أذنها:
- دكتورة ... يا دكتورة.
فتحت "نورهان" عينيها بتكاسل مُجيبة بنبرة خافتة جدًا:
- أيه يا رزان؟
- حازم وصل باريس وحاول يتهجم على قُسم.
قالتها "رزان" بضيق شديد مما أغضب "نورهان" وجعلها تغادر الفراش بينما ترتدي روبها الأبيض فوق قميصها وقالت بضيق:
- متخلف وهمجي، دايمًا الرجالة كدة أغبياء بدل ما يحاوط عليها يكرهها فيه أكثر ويفتح الباب على أخره لغفران.
تحدثت "رزان" بهدوء وهى لا تفهم موقف رئيستها بحيرة:
- سامحينى لفضولي ، لكن لو حضرتك هتستغلي الفرصة دى عشان تخلصي من كندا وبالفعل بعتنالها الصور ليه فى نفس الوقت عايزة حازم يرجع خطيبته مع أنها العامل الأساسي فى نجاح خطتكِ.
جلست "نورهان" على المقعد ووضعت قدم على الأخرى بمكر شديد ثم قالت بنبرة حادة:
- بالعكس أنا بعت حازم عشان تتقفل معاه بلا رجعة وقُسم ميبقاش قصادها غير غفران، بس طلع غبي فى قفلته.
أومأت رزان إليها بنعم ثم قدمت إليها الجهاز اللوحي وقالت بهدوء:
- دول العارضات اللى وقع عليها اختار اللجنة والقرار النهائية لحضرتك.
بدأت تمرر صور الفتيات على الجهاز اللوحي وتتفن فى أختيار عارضتها لتقول بجدية:
- رقم 4.
وبالنسبة للعارضة المحجبة وصلتوا لحد؟
- النهار دا المقابلات وهتختار اللجنة الأفضل من بين المتقدمات وهعرضهما على حضرتك على أخر اليوم.
قالتها "رزان" بجدية فأومأت "نورهان" بنعم ثم تركت الجهاز الوحي بهدوء ثم وقفت من محلها ويدها ترجع شعرها الأسود للخلف مسدولًا على ظهرها فقالت:
- كدة خلصت من قرف كندا كلها خطوة ونخلص منها خالص، ركزي بقي معايا فى اللى هطلبه منك يا رزان.
نظرت "رزان" لها بفضول واهتمام يقتلها لمعرفة ما تنوى رئيستها على فعله ومن ستريد التخلص منه هذه المرة.
***
مسحت "قُسم" ذراع والدها بالمنشفة المبللة وجاءت الممرضة تغير تضع الحقنة فى الملحول الطبي وغادرت الغرفة، تبسمت "قُسم" بخفة ويدها تمسح على رأس والدها بلطف ثم قالت:
- شد حيلك يا بابا بقي، وحشتني أوى يا حبيبي.
رن هاتفها باسم أخاها "قاسم" فخرجت من الغرفة لتجيب عليه بعفوية:
- لسه صاحي يا بيه؟
أجابها "قاسم" بمرح ونبرة خافتة حتى لا تسمعه والدته:
- لسه جاي من ماتش كورة، الحمد لله أمك ما حستش بحاجة.
أحتدت عيني "قُسم" بضيق شديد من تصرف أخاها رغم ما حدث معه أخر مرة من لعب الكُرة لكنه ما زال يفعل هذا، وقفت "قُسم" فى الرواق غاضبة ووضعت يديها فى جيوبها بضيق:
- والله، أنا هتصل وأقولها عمايلك يا بيه وأتلم شوية، أنا سايباك راجل فى البيت وتخلى بالك من ماما مش تتعبها معاك يا قاسم فاهم؟!
أومأ إليها بنعم ثم قال بجدية:
- ماشي، حاضر المهم بقي قوليلي سي حازم جالكِ، خلي بالكِ لو عمل حاجة كدة ولا حاجة مش هحله.
تبسمت رخم حزنها عندما تذكرت ما حدث من "حازم"، وكيف جَن جنونه لتقول بلطف:
- كبرت وبقيت راجل يا قاسم.
قاطع حديثها مع "قاسم" صراخ "عُمر" من أمام غرفة "غفران" لتقول بهدوء شديد:
- طيب هكلمك تاني يا قاسم.
أنهت الاتصال قبل أن يُجيب "قاسم" وذهبت نحو "عُمر" لترى غرفة "غفران" فارغة وقد أختفي ليسرع "عُمر" مع الممرضة وموظف الأمن غلى غرفة كاميرات المراقبة وبعد بحث طويل رأته "قُسم" يغادر المستشفي لتشير على صورة "غفران" وصرخت بهلع:
- اهو.
أتسعت عينيها وهكذا "عُمر" الذي ذعر مثلها تمامًا من أجل رئيسه الذي غادر المستشفي بزى المرضي وكأنه لا يبالي لأى شيء أخر بعد ما حل بها وغادر "غفران" من نصف ساعة تقريبًا، خرجت "قُسم" من المستشفي مع "عُمر" وكلاهما يبحثان عنه، بدأت تركض كالمجنونة فى الشوارع رغم جهلها عن هذه المدينة وفشلها فى الحديث مع أى شخص أخر هنا بسبب ضعف لغتها لكنها كنت تكتفى بالبحث عنه بنظرها، بحث "عُمر" معها بهوس خائفًا على رئيسه الذي اختفى فجأة من المستشفي مغادرٍ بملابس المرضي، تأففت "قُسم" بفزع من عدم العثور عليه وبدأت تصرخ باسمه فى الشوارع دون أن تخشي نظرات المارة الذين يحدقون بها بإشفاق من دموعها:
- غفـــــران.
ظلت تبكي وهى لا تفهم لما غادر المستشفي تاركًا كل شيء خلفه حتى ملابسه وحذاءه، اعتل القلق قلبها وعقلها وركضت مُسرعة فى الأرجاء حتى تعبت من الركض وتوقفت تتنفس القلق وتلهث بصعوبة مُنحنية للأمام بأتكاء على ركبتيها بيديها وتمتمت بصعوبة:
- يا الله.
استقامت فى وقفتها وهى ترفع يدها تبعد خصلات شعرها للخلف وتكمل ركضها حتى وقع نظرها عليه لتراه يسير شاردًا لا يشعر بشيء من حوله فهرعت نحوه وعينيها تحملق بجسده الهزيل وتعثر قدميه الحافيتين أثناء السير حتى سقط مهزومًا وقد هزمه القدر هذه المرة، فتح ذراعيها بقوة تلتقطه قبل أن يسقط أرضًا فأرتطم بجسدها الصغير وسقطت أرضًا على ركبتيها من ثُقله، خرجت تنهيدة قوية منها بأريحية من العثور عليه رغم انه كان فى حالة يرثي بها وعينيه تبكي بلا توقف، أغمض عينيه بتعب مُستسلمٍ للهزيمة حين أدرك أنها "قُسم" من رائحتها التى حفظها عن ظهر قلب، تمتمت بخفوت:
- غفران.
جهش باكيًا وبدأ يتمتم بما لا تفهم:
- أنتِ قُسم صح؟، ليه القدر سرقكِ مني؟ والله أكتفيت بعيونك الخضراء ووشي الملاكي، أكتفيت ومكنتش طماع بس ليييييييه.
صرخ مُتسائلاً عن قساوة القدر معه رغم أنه لم يكن طماعًا نهائيًا، لم تفهم أى قدر سرقها منه؟ وكيف سُرقت منه وهو الآن كالطفل يبكي بين ذراعيها؟، لم تفهم سبب حالته المرضية هذه أو مما يعاني؟ ربتت بلطف على ظهره وقالت بدفء:
- أنا معاك، معاك يا غفران ومحدش سرقني منك.
رفع يديه الأثنين يتشبث بها مطوقٍ إياها بخوف ولأول مرة يكن خائفًا هكذا من أنظار الجميع، شعر كأنه عاريًا أمامهم وحتى أمواله ومكانته لم يكفوا ليستروا علته أمام البشر، وصل "عُمر" لتدمع عينيه بضعف مُشفق على هذه الحالة التى وصل لها "غفران الحديدي" وهو لم يقو على تحمل خبر مرضه الأبدي، ضمته "قُسم" بقوة مُرتجفة من رؤيته ضعيفٍ هكذا، قلبها تعتصره دقات القلق والفزع أحتل عرش هذا القلب الصغير الذي فتح بابه للتو إلى هذا الرجل الضعيف بمرضه الغامض عنها، ضمته بقوة وكأنها تحاول إخفاءه عن نظر المارة، تحاول جاهدة فى ستره من أعين البشر.
وضعت طبقين من المكرونة السريعة "الأندومي" على الطاولة وطبق بيض مقلي وبعض المقبلات الجانبية ثم جلست تتناول الطعام مع "عُمر" على السفرة وسألت بفضول:
- أنا عارفة أن لازم تحافظ على أسراره ودا جزء كبير من شغلك بس بما أنى هنا معاكم ويمكن أنا اللى كل مرة بلبس فى تعبته ممكن توضح ليا هو بيعاني من أي؟
ظل "عُمر" يتناول طعامه فى صمت فرمقته "قُسم" بضيق شديد من التزامه الصمت رغم كل ما حدث فقالت بضيق:
- بالله عليك أنا كل مرة مببقاش فاهمة أعمل أى ولا في أى؟
ترك طعامه بهدوء وعاد بظهره للخلف مما جعل "قُسم" ترمقه بتركيز شديد كأنه سيخبرها بهذه السهولة فقال بهدوء حاد:
- تكوني مشكورة جدًا لو حصل حاجة تتصلي بيا على طول.
غادر "عُمر" الطاولة مما أزعج "قُسم" أكثر كمية بروده فأخذت الاطباق ووضعتها فى الحوض مُتأففة بضيق يحتل قلبها ويخنقها جدًا، صنعت دجاج لاجله وأرز مع حساء دافئ وخضراوات مسلوقة ثم وضعت الطعام على الصينية وصعدت للطابق الثاني حيث غرفة "غفران"، دقت الباب أولًا ثم دلفت ورأته نائمًا فى فراشه لم يغير ملابس المستشفي فوضعت الصينية جانبًا وجلست على حافة الفراش بلطف وصوتها الدافئ يناديه:
- غفران ، غفران يلا أصحي.
فتح عيونه بتعب ورآها تجلس أمامه ووجهها ضبابي لكن صوتها مميز وخصيصًا كونها الفتاة الوحيدة هنا فى منزله كان كفيل بأن يعرف أنها "قُسم" فتاته التى طرقت أبواب قلبه وما زال يرحب بوجودها مع دقة قلبه الخافتة لأجلها، تبسمت "قُسم" بلطف ثم قالت بحماس:
- يلا أصحي عملتلك أكل، كمان محتاج تغير هدوم المستشفي دى.
أعتدل فى جلسته بتعب لتضع وسادة خلف ظهره بلطف ثم جلبت الصينية لتضعها أمامه بجدية صارمة فقالت بحدة:
- مطلوب من حضرتك تخلص الأطباق دى كُلها وأنا هعملك كوباية شاى.
نظر "غفران" لها بدهشة فكانت تعتني بيه حسب تربيتها والبيئة التى تربت بها، لم تكن تعرف أن "غفران" لا يأكل أى شيء يُقدم إليه فقال بهدوء:
- أنا مبأكلش أى حاجة، ليا جدول معين فى الأكل والشاي مبشربهوش هو فنجان قهوة الصبح والتاني فى العصر و.....
قاطعته "قُسم" بوضع قطعة دجاج فى فمه أثناء الحديث وقالت بجدية:
- مش مهم، أنسي شوية القواعد والقوانين، أنت ضعيف ومريض ومحتاج تقوي جسمك وميقوكش غير الأكل الكويس وشوية شوربة.
تابعت حديثها ويديها تخلى الدجاج من العظم لأجله وبدأت تطعمه فى فمه بالأكراه رغم عناده، لم يقاومها وأكتفي بمراقبتها بعينيه فقط وتناول الطعام من يدها، تبسمت بلطف لأجله وقالت بمرح:
- وكأني جاية هنا عشان أشتغل ممرضة الصبح فى المستشفي لبابا وبليل لحضرتك.
- متأسف.
قالها بحرج من مراعاتها له فقالت بلطف ونبرة دافئة أربتت على قلبه بهذا الدفء:
- على أيه؟ ميجش حاجة قصاد اللى عملته لبابا، أنا مش وحشة عشان أنكر الجميل، دا لو غريب بجد هساعده لو كان قصادي مريض كدة ما بالك بيك أنت يا غفران.
لم يرى ملامح وجهها الباسمة لكنه شعر بدفء نبرتها الذي طمئن قلبه وشعر بكلماتها كأنها تعانق روحه، أكملت ما تفعله حتى قال بجدية:
- والله شبعت خالص.
أومأت إليه بنعم ثم ذهبت إلى المرحاض تغسل يديها وخرجت تفتح خزانة الملابس لتختر له تي شيرت رمادي وبنطلون أسود وقالت بلطف:
- يلا خد دوش كدة يفوق وأنا هعملك حاجة تشربها.
أخذت الصينية للأسفل ليدخل إلى المرحاض وأرتدى ملابسه ثم خرج يجفف شعره المبلل بالمنشفة ثم فتح هاتفه وهو جالس على الفراش ووجد رسائل كثيرة من زوجته ومكالمات ومن ضمن رسائلها الصور التى تركتها "نورهان" له وحديث طويلة المخزى الوحيد منه هو الخيانة مما أدهشه وكيف عرفت "نورهان" بوجود "قُسم" معه ألا إذا كانت تراقبه هنا فتأفف بضيق وترجل للأسفل ثم قالت بلطف:
- دا إحنا بقينا حلوين خالص ونزلنا أهو.
رمقها ليراها تقف فى المطبخ تصنع له العصير الطبيعي من الفاكهة، لم يجيب عليها فتبسمت "قُسم" وذهبت خلفه بكوب العصير لتراه يجلس على الأريكة فقدمنت العصير له بلطف ثم جمعت شجاعتها وقالت:
- غفران.. أنت سيبت المستشفي وكمان لما دخلت، ممكن تفهمي أى اللى بيحصل معاك.
لم يُجيب عليها وظل صامتًا مما أغضب "قُسم" جدًا خصيصًا أنه يعرف كل شيء عن حياتها فقالت بضيق:
- هو سر قومي، دا أنا كل حياتي مفتوحة قصادك كتاب مفتوح حتى خناقي مع حازم.
وقفت من مكانها غاضبة لتغادر المنزل فتأفف بضيق وذهب خلفها بقلق يحتله إلى أين ستذهب هذه الفتاة وحدها؟، رأها تسير هناك فى الأمام غاضبة وهو يتبعها من ملابسها حتى وصلت إلى حديقة عامة وجلست على العشب الأخضر بحزن وهو يسير خلفها حتى وصل إليها وجلس معها مما أدهش "قُسم" التى جلس جوارها فحدق به من الرأس لأخمص القدم لتراه جالسًا قربها بملابس البيت القطنية ولا يباليلهيئته أو مكانته فتمتمت بضيق:
- ليه بقي؟
- حد عاقل يخرج من البيت فى بلد ميعرفش فيها حد.
قالها بانفعال شديد من قلقه عليها مما أدهشها وعينيها تحدق به مُستغربة غضبه الحاد وكأنه على وشك أن يضربها من الغضب، فقالت بضيق:
- والله عال أوى وبرضو بتزعق تعال خدني قلمين أحسن.
حدق بها مُطولًا وهذه الفتاة العنيدة لا تخشي الشجار معه أو الصراخ بوجهه، تنهد "غفران" بضيق من حديثها لتهدأ "قُسم" من روعتها بعد أن صمت ووجهه ما زال شاحب يبدو عليه المرض ومع ذلك جاء خلفها مذعورًا عليها ولم يهتم بمرضه أو جسده المُنهك ولم يخشي السقوط فى الشارع من جديد فاقدًا للوعي، تنهدت تنهيدة قوية تخرج بها غضبها ثم وقفت من مكانها لتمد يدها إليه وقالت:
- تعال معايا يا غفران.
نظر إلى يدها مُطولًا فأومأت إليه بنعم ليفعل ما تطلبه دون جدال منه فوضع يده فى يدها الممدودة مُتشبثٍ بهذه الفتاة، أخذته للسير فى الحديقة والهواء البارد يداعب وجوههما فقالت بفضول:
- مقولتليش عملت أي فى حازم؟ أوعي تكون قتلته فعلًا.
أجابها بجدية ويده مُحكمة على يدها الصغير بلطف:
- لو كُنتِ قُلتي وقتها اه حتى لو فى سبيل أنك فى لحظة غضب كان زمان بتقولي الله يرحمه لكن أكتب له عُمر جديد بفضلك يا قُسم وهو لازم يعرف أنه عايش وبيتنفس دلوقت بفضل عفوك عنه رغم اللى كان عايز يعمله فيكِ.
شعرت بغصة فى قلبها حين تذكرت ما فعله "حازم" بها وكيف أقتحم غرفتها وكان يريد إذلالها بهذه الطريقة وإجبراها على الزواج منه، شعر "غفران" برجفة يدها فى يده المُمسكة بيدها لينظر إلى وجهها بقلق لتقول:
- عارف يا غفران أنا مكنتش خايفة منه على قد ما كنت مصدومة من التصرف وأن أزاى الراجل دا أنا أخترته واتعلقت به ومكنتش شايفة أنه وحش أوى كدة، كنت عمياء بكلام الحلو ورغم أن كل أفعاله كانت وحشة جدًا لكن كلامه كان حلو ويمكن دا اللى قلبي أتخدع فيه، ما علينا عملت فيه أى؟
- عُمر وصله للمطار وحذره أن يظل ظله قصادك وحتى لو صدفة.
قالها "غفران" بضيق وبداخله يرفض العفو عن هذا الرجل غير هذه الفتاة التى غفرت له أفعاله وقسوته، تبسمت بلطف ثم نظرت حولها ورأت دراجات للعب فأخذته وذهبت لتركب الدراجات معه فى جولة عفوية وبدأت تقود دراجتها وهو يقود خلفها وتلعب معه وسط الضحكات القوية بعفوية وشعرها الأسود يتطاير مع الهواء وسرعة قيادتها ثم ذهبوا لتناول العشاء من عربة لبيع شطائر البرجر وأشتري لها المثلجات، عينيها لم تفارق وجهه للحظة ورغم مرضه لكن حين بدأت تلعب معه بدأ يستعيد صحته مع تحسن حالته النفسية وضحكاتهما الكثير، عادوا للمنزل بعد منتصف الليل وجولة طويلة من التسكع فى الشوارع فدلف "غفران" للمطبخ يضع المقرمشات فى الأطباق وهى تسكب المشروب فى الأكواب وخرجوا للردهة وفتح "غفران" الشاشة على مسرحية من الأنترنت وجلسوا يشاهدون معًا وهى تضحك بقوة من السعادة والكوميدية بينما هو لا يمكن الشعور بشيء وهو عاجزًا عن التعرف على الممثلين لكن ما أسعده بهذا الوقت هو صوت ضحكاتها الدافئة حتى شعر برأسها الصغيرة تسقط على كتفه فنظر نحوها بخفة ورآها نائمة من التعب ليتكأ برأسه على رأسه ويغوص فى نومه جواره بعد أن سحب من بين يديها طبق المقرمشات.
أستيقظت من نومها صباح على صوت دقات هاتف "غفران" الذي لم يكفي عن الرنين مرات متتالية ففتح عينيه ورآها جواره لتبتلع لعابها بحرج وأبعدته عنه خطوة، أخذ الهاتف من جواره ليُجيب وبعد أن أنهي الأتصال نظر نحوها وكانت كالفراولة بوجنتيها المتوردتين من الخجل فقال بهدوء:
- أطلعي غيرى هدومك عشان نروح المستشفي أستاذ جميل فاقأ.
أتسعت عينيها على مصراعيها بفرحة أغمرتها ولم تستوعب الأمر من شدة فرحتها ليقول "غفران" بهدوء:
- قُسم، أنتِ سامعني.
- بابا فاق.
قالتها بتلعثم شديد ليؤمأ إليها بنعم فركضت للأعلى مُسرعة من أجل الذهاب إلى والدها وجدسها مُقشعر من الفرحة التى كانت أكبر من طاقتها وعقلها الصغير لم يقوى على تحملها بعد أن أحتله اليأس والخوف أن تفقد والدها لشهور كثير مرات.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور زيزو
فتحت "قُسم" باب الغرفة بلهفة وهي تلهث من شدة الركض. كان الطبيب على وشك مغادرة الغرفة، فلم تهتم بالطبيب وهرعت نحو والدها الذي كان مُنهكًا جدًا ببشرة شاحبة من إفاقته بعد شهور طويلة.
وقف "غفران" في الخارج مع الطبيب يستمع لفحصه إلى "جميل"، بينما عيناه لا تفارق "قُسم" من وراء المربع الزجاجي الموجود في الباب. تبسمت بعفوية شديدة لوجه والدها الذي نظر إلى فتاته بسعادة من رؤيتها. دموعها الحارة تسيل على وجنتيها من الفرحة، وما زالت لا تستوعب أبدًا أن والدها حي يرزق، وفتح عينيه الدافئتين الآن.
صدق "غفران" في علاج والدها. تمتمت بضعف ولهجة واهنة:
- بابا، أنا قُسم.. عارفني، قُسم.
تبسم بتعب شديد وهو يرفع يده إلى وجهها يلمس وجنتيها الحارتين من شدة بكاءها. دموعها لتغمض عينيها بآمان بعد أن لمسها والدها. سمعت صوته يقول:
- قُسم أحلوتي.
ضحكت بسعادة أكثر، زادت من دموعها وبكاءها لتقبل يد والدها بحماس.
دق باب الغرفة بعد فترة ودلف "عُمر" بهدوء وطريقته الرسمية يقول:
- آسف على المقاطعة، تحبي تروحي أمتى يا آنسة قُسم؟
نظر "جميل" إلى فتاته ثم "عُمر" هذا الرجل الغريب الأطوار وطريقته الرسمية في حديثه الحاد كأنه يعمل لديها. فأشارت إليه بحماس:
- لا، أنا هقعد مع بابا.
أومأ إليها بنعم ثم غادر الغرفة. مما جعل والدها ينظر إليها رغم الأجهزة المتصلة به. فقالت بلطف:
- لحظة يا بابا، خمسة ورجعالك.
غادرت الغرفة مسرعة حتى تلحق بـ "عُمر" فقالت بصوت مرتفع:
- غفران.
التفت إليها بعد أن توقف عن السير مع "عُمر" ليراها تسرع في خطواتها نحوه. ليقول بهمس متتمة:
- على مهلك يا قُسم.
سمع "عُمر" تمتمته، فنظر مندهشًا إلى رئيسه الذي كان لا يبالي لأي امرأة سوى "كندا"، رغم علاقتهما شبه المنعدمة. والآن يقلق على "قُسم" من سرعة خطواتها التي لن تؤذيها نهائيًا.
وصلت "قُسم" نحوه لتقول بامتنان شديد:
- أنا مش عارفة أشكرك أزاى على اللي عملته، أنا بفضلك أبويا رجع يكلمني تاني وسمعت اسمي منه وقدرت أشوف ضحكته مرة تانية، أنت رجعته من الموت.
تمنى "غفران" لو تمكن من رؤية وجهها في هذه اللحظة ليرى بسمتها الذي عجز عن رؤيتها، لأنه أدرك أنها تبتسم فرحًا الآن بعودة والدها. أجابها بنبرة هادئة:
- قصدك بفضل الله يا قُسم، أنا مجرد وسيط. لكن لا أنا اللي عملت العملية ولا أنا اللي مدت في عمره، أنا مجرد سبب.
أومأت إليه بنعم ثم قالت بنبرة دافئة وعينيها تضم عينيه الذهبية بعناق دافئ وناعم:
- شكرًا يا غفران على كل حاجة عملتها.
تبسم بخفة إليها ودفئها الذي لمس قلبه في هذه اللحظة كسر باب قلبه ليقتحم نبضاته حتى تسارعت للتو لأجل "قُسم". وحرارة هذا الحب أحرقت كيانه كاملًا وبدأت في الاستحواذ عليه شيئًا فشيئًا. قال بلطف:
- العفو يا قُسم، ارجعي لباباكِ دلوقتي. وأول ما تحبي تروحي اتصلي بـ "عُمر"، متروحيش لوحدك.
- ممكن خدمة؟
قالتها بلطف ليهز رأسه بنعم. فتابعت بلطف أكثر وبسمة ناعمة:
- أنا محتاجة أروح أشتري هدوم لبابا وشوية حاجات.
- عُمر.
قالها "غفران" بحزم. اقترب "عُمر" خطوتين منه ملبيًا نداءه. فقال بجدية صارمة:
- رجلك على رجلها، شوفيها عايزة تروح فين وتجيب كل اللي عايزاه وترجعها لحد المستشفى.
اتسعت عينا "عُمر" على مصراعيها، لأول مرة يرسله "غفران" بعيدًا وهو بمثابة العين الذي يرى به. كأنه يفضل أن يكون كفيفًا على أن تذهب "قُسم" وحدها. التفت "غفران" إليه مندهشًا من صمته وعدم جوابه ليقول بحدة:
- سمعتني؟
أومأ إليه بنعم رغم صدمته. تحدث "غفران" بهدوء وعينيه ترمقها بقلق:
- خلي بالك من نفسك، لو احتجتي أي حاجة كلمني، رقمي معاكِ.
أومأت إليه بنعم ليغادر "غفران" وحده. بينما ذهبت "قُسم" مع "عُمر" إلى مركز تجاري واشترت الكثير من الأغراض إلى والدها، حذاء وملابس وغيره. دفعت من مالها الخاص وعادت إلى المستشفى لتجد والدها قد استعاد وعيه كاملًا. وبدأت تعتني به في ليلة طويلة.
واتصلت بوالدها مكالمة فيديو حتى ترى والدتها زوجها بصحته جيدة، فبدأت "صفية" في البكاء غير مصدقة رؤيتها لزوجها فقالت وسط بكاءها:
- حمد الله على سلامتك يا أبو قاسم، ربنا ما يوريني فيك حاجة وحشة أبدًا.
هز رأسه بنعم وما زال ضعيفًا على الحديث. ليقول "قاسم" بعفوية:
- شد حيلك أمال يا أبو قاسم عشان تشوف قاسم وهو بيلعب كورة.
ضربته والدته على رأسه مما أضحك والده رغم التعب. وقالت "قُسم" بجدية:
- تستاهل، ولو أنا كنت موجودة كنت خدت التانية. وبعدين أي أبو قاسم دي اسمه أبو قُسم، أنا الكبيرة.
بدأت جولة العناد المشاجرة بين الأخوات. حين قال "قاسم":
- أيوه بس قاسم الولد.
- يكنش اسم البنت عورة ولا حاجة؟
قالتها "قُسم" بعناد. ليضحك "جميل" عليهما ومعه زوجته التي قالت بحنان:
- ربنا يبارك لي فيكم وميحرمنيش من حد منكم أبدًا.
ضحك الجميع معًا و"قُسم" جالسة على الفراش جوار والدها وتمسك الهاتف في يدها أمامهم.
***
دلفت "كندا" إلى غرفة "نالا" ليلاً لتراها نائمة في الفراش ببراءة. فأقتربت منها تضع الغطاء عليها وهي تحتضن الدمية التي اشتراها "غفران" لها والمفضلة لدى ابنته بين ذراعيها. وضعت قبلة على رأس طفلتها وغادرت الغرفة.
حتى قاطعها شريط ذكريات الماضي وتحديدًا ليلة زفافهما.
*عودة للماضي*
وقفت مع "عفيفي" الذي جاء إلى غرفة الفندق الخاصة بها بضيق شديد من ظهوره الآن في يوم زواجها وبغرفتها. لتقول:
- أنت اتجننت؟ جا يلي لحد هنا برجلك، أفرض حد شافك دلوقتي.
تبسم إليها وقال بإعجاب ويديها تلمس وجنتها قائلًا:
- غريبة يا جميل، مخوفتيش امبارح وأنتِ في بيتي يعني وفي سريري.
وضعت يديها على فمه بضيق وقالت بأنفعال:
- اسكت، هتوديني في داهية. هي ناقصة فضايح؟!!
تبسم على مكر هذه الفتاة وأعطاها حبة من جيبه وهو يقول:
- حطيهاله في العصير الليلة، مش هيحس بحاجة. ولما يفوق الصبح مش هيفتكر حاجة، مفعول قوي وشديد. وكده يبقى عداني العيب معاكِ وشبه صلحت غلطتين.
نظرت إليه بأشمئزاز ثم قالت:
- صلحت غلطتك! أنت أزبل راجل أنا شوفته. أطلع برا وأعمل حسابك متتورنيش خلقتك دي تاني وكفاية لحد كدة.
ضحكت "عفيفي" بسخرية على جراءتها وقال:
- هههه، بعد ما حلت لك المصيبة وبعدت عنك الفضيحة بقيتي مش عايزة تشوفي خلقتي. لكن امبارح عشان مكنتيش عارفة الحل كنتِ زي العجينة في أيدي. دا انتوا يا ستات شياطين. وعمومًا مش هتشوفي خلقتي غير في الشغل، ولا ناسيه عقد الاحتكار اللي ماضياه معايا.
تأففت بضيق وطردته من غرفتها لتجد "نورهان" أمامها. لتبتلع لعابها خوفًا وقالت:
- مستر عفيفي، المخرج جاي يباركلك.
رمقتها "نورهان" بشك وأشمئزاز ثم قالت:
- يباركلك يا عروسة في أوضتك الخاصة.
ظهر التوتر على "كندا" لكنها استدارت هاربة من "نورهان". ومن هنا بدأت الكراهية والشك تجاهها ينشئان داخل "نورهان".
جلست "كندا" على الفراش بفستان زفافها متوترة وخائفة. جسدها يرتجف من الذعر. وهذه الليلة إذا فشلت خطتها مع "عفيفي" سيفضح أمرها أمام "غفران" ولن يكون لديه سوى خيارين. أولهما أن يقتلها في الحال والثاني أن يطلقها بفضيحة علانية أمام الجميع.
سمعت صوت صنوبر المياه في المرحاض للتأكد من تأخر "غفران" بالداخل. فهرعت نحو طاولة العشاء وأخرجت من كُم فستانها حبة صغيرة من الدواء ووضعتها بكوب العصير الخاص بـ "غفران" وعادت مسرعة إلى الفراش.
مع فتح الباب وخرج "غفران" مرتديًا بيجامته الحرير. فأبتلعت لعابها بخوف حين اقترب وجلس جوارها. فتبسم بلطف وأخذ يدها في يديه ليجدها باردة كالثلج وترتجف. قال ببسمة خافتة:
- مالكِ يا كندا؟ بتترعشي كدة ليه؟ أستنى أجبلك مياه.
قاطعه بنبرة خافتة:
- بلاش مياه، ممكن عصير، حاسة أني هبطت من اليوم الطويل دا.
أومأ إليها بنعم وجلب الكأسين لهما. فأخذت الخاص بها وعينيها تراقبه. وبعد أن أرتشف نص كأسه قالت بلطف:
- أنا هقوم أغير هدومي على ما تخلص عصيرك.
أخذت ملابسها وأسرعت إلى المرحاض وظلت جالسة بالداخل لفترة طويلة. ثم خرجت لترى "غفران" جالسًا على الفراش هادئًا وعينيه مفتوحة لكنها مُنهكة. لتدرك أن مفعول الدواء بدأ يسيطر عليه. لتقترب منه وقالت:
- غفران.
نظر إليها بحب رغم تعبه وأخذ يدها في يديه ليقول:
- أنا بحبك يا كندا، بحبك أوى. ولو سألتيني هقولك أني أسعد واحد في الدنيا النهار دا.
تبسمت إليه بحرج وقلبها يؤلمها على ما تفعله بهذا الرجل. ليزداد هذا الألم أكثر حين شعر بدفء شفتيه التي لمست وجنتها الباردة ويديه تسلل إلى خصرها. لتغمض عينيها بأستسلام لهذا الرجل. وسرعان ما أدركت أنه فقد وعيه وبات تحت تأثير الهلاوس حين أفصح عن حبه الشديد وتخلي عن كل الكبرياء والوقار وأصبح دافئًا على عكس طبيعته الحادة.
كانت الدموع تسيل على وجنتيها بغزارة وألم الماضي يمزقها. وتلك الخطيئة التي فعلتها تحملت بسببها الكثير من قسوة "غفران" ومعاملة "نورهان" الحادة لها وابتزاز "عفيفي" لها. لم تكن بهذا السوء بل خدعها "عفيفي" أولًا ونالت عقابها طيلة العشر سنوات الماضية. والآن أضف إلى عقابها ألم الخيانة من "غفران".
***
وصل "أنس" إلى القصر بعد فترة طويلة من السفر. ولج إلى المرحاض يأخذ حمامًا دافئًا. وفتحت "تيا" حقيبة سفره لتفرغ ما بها. ووجدت في أحد الجيوب حقيبة صغيرة سوداء. لتفتحها ووجدت بداخلها قميص نوم أسود اللون وحجاب أزرق. فرمقتهما بدهشة.
حتى خرج "أنس" من المرحاض لتقول بهدوء:
- غريبة، من امتى وأنت بجيب هدايا حريمي.
نظر إليها بدهشة وأبتلع لعابه من التوتر الواضح عليه. فقال بهدوء:
- أي المشكلة أني حبيت أجيبلك هدية يا توتا.
ألتفت ينظر إلى المرآة بقلق. فقالت بحيرة وبدأ الشك يطرق باب قلبها:
- تجبلي هدية... طب قميص نوم بلون أسود اللي أنا مبحبهوش معلش، لكن جايبلي حجاب، طرحة يا أنس!!
أغمض عينيه بصدمة. وهذه الهدية كانت لأجل "ملك" حبيبته المحجبة. فقال بهدوء:
- اسكرف يا تيا... صحابي في البحرية قالولي أنه اسكرف جميل فجبتهولك.
رفعت حاجبها الأيسر إليه بشك. وهى لم تقتنع بمبرر. لكنها مرت الأمر حين تركت الهدية على الفراش بلا مبالاة وقالت:
- عمومًا ثانك يو على الهدية العجيبة دي.
غادرت الغرفة تاركة زوجها خلفها الذي بعثر مؤخرة رأسه بضيق من هذه الغلطة التي ارتكبها. وهو يعلم أنها ستسبب له الكثير من المشاكل المستقبلية. ولن تمررها "تيا" أبدًا بسلام. وبدأ يفكر كيف يصلح الأمر.
***
وصلت "قُسم" إلى المنزل صباحًا لكي تبدل ملابسها بعد سهرها في المستشفى ليلتين متتاليتين. ووجدت "غفران" نائمًا على الأريكة في الطابق الأول بتعب مرتدي بنطلون جينز وتي شيرت كحلي اللون بنصف كم. وعلى الطاولة أطعمة معلبة لم يأكل منها إلا مجرد نطفة للتذوق فقط.
أقتربت نحوه بقلق على صحته. وبدأت تنظف الطاولة وصعدت للأعلى تأخذ حمامًا دافئًا. وأرتدت بيجامة بأكمام قطنية وعبارة عن بنطلون فضفاض وتي شيرت واسع خضراء اللون. وتركت شعرها المبلل مسدول على ظهرها دون أن تصففه. وترجلت للأسفل.
دلفت للمطبخ لتنظف الفوضى العارمة به. وأعدت الإفطار من البيض والبطاطس وشرائح اللانشون والجبن والطماطم والخيار. ثم جهزت الطاولة. وأقتربت من "غفران" بلطف وهمس إليه حتى لا يفزع:
- غفران.. غفران.
كان غارقًا في منامه المرعب في طريق مظلم جدًا. وهناك أشخاص كثيرون يركضون خلفه بوجوه ضبابية بلا ملامح. حتى سقط أرضًا ووجد شخص فوقه يحاول خنقه بقوة من عنقه. وهو يلهث لا يقوى على التقاط أنفاسه. ويحاول الإفلات من هذا المجرم. لكن يديه تزداد قوة على عنقه. حتى رأى شعر امرأة أسود ينسدل على الجانبين من المجرم. ليدرك أنها فتاة لكنها تفوقه قوة. ليدفعها بقوة أكثر فسقطت. ووضع يديه على عنقه من التعب ويلفظ أنفاسه. حتى صرخ بقوة حين شعر بألم قوة من هذه الفتاة التي طعنته بخنجر في قلبه. ورفع نظره إليها ليرى بسمة مرعبة على وجهها الذي لا يملك ملامح. ومسك عنقها بقوة يخنقها. فضغطت على الخنجر أكثر حتى مزق قلبه. ليدفعها بقوته بعيدًا. وسمع صوت من الخلف يناديه:
- غفران.
التفت ليرى "قُسم" بوجهها الملائكي وعينيها الخضراء واضحة. لم تكن ضبابية الوجه. بل ملامحها الجميلة واضحة. فمدت يدها إليه وقالت:
- تعال يا غفران، أنا هنا.
اتكأ بصعوبة على ذراعيه لكي يقف ويركض نحوها. لكنه صدمة حين ظهرت الفتاة القاتلة خلف "قُسم" وببسمتها الشيطانية وباستخدام الخنجر نحرت عنق "قُسم". ليصرخ "غفران" بذعر باسمها قائلًا:
- قُســــــــم.
فتح عينيه لتُصدم "قُسم" من فزعته وصرخته باسمها. رأها "غفران" تجلس على الأرض أمامه مذعورة من فزعته هكذا. لم يتمالك أعصابه وجذبها بقوة نحوه ليضمها بين ذراعيه. فأبتلعت لعابها بصدمة وتشنج جسدها الذي جُمد بين ذراعيه من فعلته. وشعرت بيديه تطوقها بأحكام رغم رجفته القوية. ولم تكن يديه فقط المرتجفة، بل جسده كاملًا حتى صدره الملتصق بها ينتفض.
استوعبت الأمر لترفع يدها بتوتر شديد إلى ظهره تربت عليه بلطف وقالت بهمس:
- أنا هنا.
تذكر كلمتها في منامه حين نادته لتخبره بأنها هنا معه. لتذرف دموعه بخوف شديد. فمسحت على مؤخرة رأسه بلطف كأم تطمئن طفلها وقالت بنبرة دافئة:
- دا حلم، مجرد حلم. اطمن يا غفران.
أخرجها من بين ذراعيها ويديه تمسك أكتافها بفزع وسأل بذعر:
- أنتِ كويسة؟ مفكيش حاجة.
تبسمت "قُسم" بعفوية إليه وقالت بمرح تمتص حالة الرعب التي تتمالكه:
- أنت حلمت أني بموت ولا إيه؟
- بعد الشر عنك، مستحيل أسمح بـ دا أبدًا.
قالها بدون وعي وما زال مصدومًا من منامه. لتبتسم أكثر وقالت بعفوية:
- متقلقش، لو مت في الحلم يبقى عمري طويل. يلا تعال أنا عملت الفطار.
أخذته من يده إلى السفرة وجلست تتناول الطعام. بينما هو شاردًا في منامه وعقله لا يتوقف عن التفكير في هذه القاتلة المجهولة. وهل حقًا هذا الكابوس مجرد تخاريف وهلاوس كما قالت "قُسم" أم رؤية للمستقبل القادم؟ ربما إشارة عن شيء سيئ سيحدث له.
انتبهت "قُسم" إلى شروده. فوضعت شريحة من الجبن في طبقه وقالت:
- كل يا غفران عشان أخدك تشوف بابا.
فاق من شروده على صوتها. ليراها تضع الطعام في طبقه ليهز رأسه بنعم. وبدأ يتناول الطعام بصعوبة وعقله عالقًا في المنام المرعب هذا.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور زيزو
هتعرفيني على باباك؟
أومأت إليه بنعم ثم قالت بنبرة دافئة:
أكيد. ثم بابا عنده أسئلة كتير أزاى عمل العملية وأزاى جه باريس وحاجات كتير محتاجة كل الأسئلة أنه يتعرف عليك.
هز رأسه بنعم ونظر إلى النافذة فى هدوء شديد وما زال كابوس الصباح يحتل تفكيره وبسبب عينيه المريضة لم يتمكن من رؤية وجه الفتاة التى حاولت طعنه وقتله فى المنام. شعر بضيق فى صدره يحد من أنفاسه أكثر وبدأ صوت أنفاسه تعلو شيئًا فشيئًا حتى أنتبهت قسم إلى صوته فألتفت إليه ورأته يضع يده على صدره ويفك رابطة عنقه بتعب فربتت على كتف عمر بقلق وهى تقول:
وقف يا عمر العربية.
أقتربت من غفران بقلق وهى تأخذ يده من فوق صدره فى أثناء توقف عمر بالسيارة جانبًا ليقول:
مسيو غفران.
تحدثت قسم ممسكة بيده بين يديها بقلق:
غفران أنت كويس؟
أغلق قبضته على يدها بقوة حتى كاد أن يعتصر عظام أناملها النحيلة بين يده فترجل عمر من مقعده مسرعًا وفتح باب السيارة الخلفي وقدم إلى غفران بعض الحبوب الذي وصفها ألبيرت غليه وزجاجة مياه ليرتشف غفران دواءه و قسم جواره لا تفهم شيء ولما هذا الدواء؟ بدأت نوبة الصرع تهدأ فتحدث عمر بهدوء:
أحسن دلوقت؟
اومأ إليه بنعم ليعود عمر إلى مقعده وينطلق بالسيارة.
فتركت قَسم يده بضيق وانفعال واضح.
ليحدق غفران بها ولم يرى من ملامحها الغاضبة شيء، لكن تصرفها في ترك يديه وابتعادها عنه حتى التصقت بالباب الآخر تبتعد عنه قدر الإمكان كان كفيل بأن يخبره أنها غاضبة منه.
ظل يفكر في سبب غضبها ولم يصل لشيء.
نظرت قَسم إلى النافذة بضيق وعينيها تتلألأ بهما الدموع من القلق عليه والضيق بسبب إخفائه بعض الأمور عنها، وهي كالكتاب المفتوح أمامه لم تخفي عنه شيء أبداً.
لكن غموضه الدائم معها يحرقها بنيرانه من الداخل حتى ألمتها هذه الغصة في قلبها.
توقفت السيارة أمام المستشفى لتترجل أولاً دون أن تنتظرهما وذهبت إلى الداخل.
فسأل غفران بقلق:
- زعلانة؟
فهم عمر سؤاله وبدأ يصف له تعابير وجه قَسم بهدوء:
- متعصبة جداً وعينيها فيها دموع محبوسة ووشها شاحب شوية. حزينة جداً.
تنهد غفران من هذا الوصف وهو لا يفهم سبب تحولها المفاجئ، خصوصاً أنها كانت متحمسة جداً لتقديمه إلى والدها.
سار خلفها إلى حيث غرفة والدها.
دق الباب أولاً ودلف مع عمر ليرمقه جميل بنظرات هادئة.
شاب في مقتبل العمر وسيم جداً كالبدر في سمائه.
أنيق ببدلته الرمادية وقميصه الأسود.
رائحة عطره الجذابة ملأت الغرفة بدخوله.
يبدو عليه ثراؤه.
فنظر إلى ابنته بهدوء فقالت بضيق ونبرة حادة:
- أستاذ غفران. أتكفل بعمليتك.
نظر جميل إليه بهدوء وعقله لا يستوعب أن هناك أحد مهما كانت درجة ثراءه سيتكفل بجراحة باهظة الثمن هكذا بلا مقابل.
ليقول:
- سيبيني معاه شوية يا قَسم.
نظرت قَسم إلى غفران بحيرة بعد طلب والدها وخرجت من الغرفة مع عمر.
بينما جلس غفران مع والدها ليسأله جميل بجدية:
- ليه؟
نظر غفران له بحيرة من سؤاله، لكنه لم يكن غبياً ليجهل معنى السؤال.
أخرج هاتفه من جيبه ليضيء شاشته وتظهر صورة نالا.
فأعطى الهاتف إلى جميل ليقول بهدوء:
- نالا. بنتي عمرها 10 سنوات بتعاني من رهاب شديد يخليها تخاف تتعامل مع الناس حتى أصحابها في المدرسة. بتروح لدكتور نفسي نصح أننا منجبرهاش على أي تعامل مع الناس عشان متوصلش للتوحد. الطفلة دي محبتش ولا قبلت تتعامل مع حد غير المس بتاعتها مس قَسم. بالعكس حبتها جداً وبدأت تتكلم وتتضحك وتلعب معها. وأنا عرضت على مس قَسم أنها تدرس لها الرياضيات وتساعد في علاج بنتي حسب تعليمات الدكتور النفسي بتاعها. هي رفضت جداً في الأول. فمكنش عندي حل غير أني أطلب منها تساعد في علاج بنتي في مقابل أني أساعد في علاج والدها. ووقتها وافقت.
سمع جميل حديثه، وكان غفران رجل ذكي جداً ليرتب كلماته جداً ويتقن اختيارها حتى يكسب ثقة هذا الرجل ويمده بالأمان.
فقال جميل بهدوء:
- ودا سبب كافي يخليك تجي معاها هنا؟
تنحنح غفران بهدوء شديد ثم قال بجدية صارمة:
- أنا اتعرضت لحادثة عربية قبل ما أجي هنا وجيت أطمن على صحتي ونفسي، خصوصاً أني من المساهمين الأساسيين في المكان هنا وصاحب نسبة أسهم فيها. ودا اللي خلى تكاليف عملية حضرتك مش غالية بل يعتبر أنهم عملوها مجاني عشاني.
رمقه جميل بشك من أمره وشعر أن غفران رجل أفعال يمارس ذكائه عليه حتى يغلبه في الحديث ويخرج هو من هذه المحادثة منتصراً.
ليقول:
- ودا كمان اللي خلى بنتي تقيم معاك في نفس البيت؟
تنهد غفران بهدوء شديد ثم تحدث بمكر:
- هي كانت مقيمة في فندق لوحدها في غرفة مستقلة لحد ما جه حازم خطيبها وحاول يعتدي عليها. ودا اللي خلاني آخدها في البيت للأمان ولأنها كانت خايفة. وكمان أنا مش مقيم في البيت ده لوحدي، في خدم وحرس.
- حازم خطيبها وهيبقى جوزها. دي مشكلة أنا أقدر أحلها لما أرجع.
قالها جميل بهدوء على عكس المتوقع.
أتسعت عيني غفران على مصراعيها بصدمة ألجمته من رد فعل جميل.
أخبره غفران بفعل حازم حتى يقطع علاقته نهائياً مع قَسم.
لكن السحر الذي خطط له، قبل على ساحره والفخ الذي فعله سقط به قلبه وحده.
لم يصدق أن بعد ما فعله حازم سيزوجها جميل منه.
شعر بالخوف من فقدها وأن يأخذها القدر منه بعد أن احتلت قلبه.
ليدرك بهذه اللحظة أنه عاشق لهذه القَسم الجميلة ذات القلب الجميل ببراءتها وحدتها.
غادر الغرفة مصدوماً.
لتستوقفه قَسم بقلق من إطالة المحادثة بينهما وقالت بتوتر:
- بابا قالك حاجة؟
نظر إليها فتاته الجميلة الذي سيفقدها فور عودتهما إلى مصر.
ليقول:
- قال أنه هيجوزك حازم بعد رجوعك مصر.
أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها وانتفض جسدها ذعراً.
ليس من قرار الزواج كما توقع غفران.
بل لأن قلبها بات عالقاً الآن مع هذا الرجل فكيف ستتزوج من غيره؟
غادر غفران المستشفى وتركها خلفه مع جميل.
لتذرف تلك الدموع المحبوسة في عينيها الخضراء.
دَلفت فتاة إلى دورة المياه لتسمع صوت بكائها من المرحاض وهي تشهق بقوة من ألم قلبها الحزين.
***
لم يكن أنس غبياً أو غريباً عن زوجته.
فأدرك أنها بدأت تشك به فأرسل رسالة إلى ملك يقول بها:
- أنا مش هعرف أجيلك دلوقتي. خليها على الإجازة الجاية.
مسح الرسالة من هاتفه فور أرسالها وترك الهاتف على الطاولة أمامه وأخذ كوب القهوة الخاص به يرتشفها.
حتى جاءت الخادمة وقالت:
- محمود بيه في الصالون منتظر حضرتك.
وقف أنس من مكانه يقول:
- أنا جاي. روحي أعمليه حاجة يشربها.
غادر من أمام تيا التي تراقب تصرفاته في صمت.
وفور مغادرته فتحت الهاتف تبحث في محادثته عن أي شيء والصور والمكالمات.
لكنها لم تجد شيء.
فكان أنس حريصاً جداً ولم يخطأ مرة واحدة أو يترك دليلاً واحداً في هاتفه.
ألتف أنس قبل أن يدخل القصر ليراها تمسك هاتفه فتبسم بخبث وكأنه كان يعرف أن هذا أول شيء ستفعله.
أخذ محمود صديقه وقال:
- تعال نقعد في المكتب.
دلفوا للمكتب.
بينما رمقه محمود صديقه منذ الصغر مهندس معماري من طبقة متوسطة وسبب معرفته بـ ملك من البداية 35 عاماً.
ليقول:
- مالك؟ غريبة أنك تبعتلي نقعد في بيتك.
- تيا شافت الهدية اللي كنت جايبها لملك وبدأت تشك فيا.
قالها بضيق شديد مما أفزع محمود ليقول بذعر:
- وبعدين؟ هتعمل أي؟ ما أنا قولتلك الستات بتحس بالحاجات دي يا أنس وأن الموضوع مش هيعدي كدة عليها.
جلس أنس على المقعد بضيق شديد ثم قال بسخرية من تيا:
- تحس بأي؟ بقولك لولا الهدية مكنتش هتعرف حاجة، وإلا كانت حست بحاجة طول السنين دي. المهم أبعت مراتك تطمن ملك وتديها الرقم ده تكلمني عليه.
أعطاه ورقة بها رقم تليفون جديد ليقول محمود بجدية:
- ماشي.
- في حاجة كمان؟ فاكر الشقة اللي في العمارة بتاعتك.
عقد محمود حاجبيه بعدم تذكر بينما يقول:
- أنهي شقة؟ آآه قصدك اللي معروضة للبيع؟
أومأ إليه بنعم ثم تابع الحديث ليقول:
- آه. خلي مراتك تروح مع ملك تشوفه لو عجبتها هبعتلك فلوس تشتريها باسم ملك وننقل فيها. وقتها هعرف أشوف ملك براحتي وأقول لتيا إني جاي أزورك عادي.
تبسم محمود على ذكاء صديقه الخبيث وقال:
- دا أنت ثعلب مكار. ماشي حاجة تانية؟
- لا.
قالها أنس وجلسوا معاً يلعبوا جولة مباراة على الشاشة معاً.
ودلفت الخادمة بالعصير والكيك ثم خرجت.
فأوقفتها تيا بضيق وقالت:
- بيتكلموا في أي؟
أجابتها الخادمة بعدم فهم من السؤال:
- ولا حاجة بيلعبوا بلاي ستيشن.
غادرت الخادمة لتعقد تيا ذراعيها بحيرة من أمره.
وبداخلها الشك قد فتح أبواب قلبها حتى يتسلل داخلها.
فليس من الطبيعي أن يحضر لها زوجها حجاباً.
وكانت هذه غلطته الوحيدة التي ارتكبها.
***
رفعت قَسم طاولة الطعام من أمام والدها بوجه شاحب وحزين.
ليقول جميل بجدية:
- مالك يا قَسم؟
- مفيش.
قالتها بلا مبالاة ونبرة واهنة وحزينة.
ليقول بجدية:
- أنتِ حبتيه؟
ألتفت قَسم إلى والدها بدهشة من سؤاله.
لتابع الحديث بحزم:
- حبتي غفران بيه الرجل الملياردير وأنتِ مخطوبة لواحد تاني.
تنهدت قَسم بضيق ثم جمعت شجاعتها لتقول:
- مخطوبة لواحد تاني؟ أنهي واحد يا بابا اللي شكك في شرفي واتهمني إني وحشة وبتاع رجالة؟ ولا اللي حاول يعتدي عليا؟ ولا اللي أمه ماشية وبتتدخل في كل حاجة في حياتي وتخصني؟ ولا اللي مخليني راجل معاه وشايلة كل المسؤولية وحولني من بنت جميلة لراجل بيرجع ورا الصنايع وتشطيب الشقة وغيره؟ هو دا الراجل اللي عايز تديله بنتك الوحيدة.
- هو دا الراجل اللي أنتِ اخترتيه وحبيته ووقفتي قصادي عشانه زمان، ولا نسيتي.
قالها بحدة صارمة.
لتنهار قَسم في البكاء وهي تقول بتلعثم:
- غلطت. كنت عيلة وغلطت. هتعاقبني وترميني عشان اختيار غلط؟ هتخليني أعيش عمري كله في مرار ووجع وذل عشان اخترت مرة غلط؟ هفضل عمري كله مذلولة ومكسورة بسبب مرة اخترت فيها.
سألها بعيني ثاقبة ترمقها بضيق:
- وغفران بقي هو الاختيار الصح؟ الراجل اللي متجوز ومعاه بنت.
أغلقت قبضتها بوجع تسيطر على ألمها وشعرت أنها مذنبة وستسرق رجل من زوجته وستدمر حياة عائلة كاملة بسبب طمعها.
فقالت بضيق:
- أنا مخترتش غفران. حتى لو حبيته أنا مستحيل أختاره. أنا مش وحشة عشان أسرق راجل من مراته وبيته، ولا هقبل إني هكون بالقذارة دي. أنا بس مش عايزك ترميني لحازم وتدمرلي حياتي كلها اللي جاية.
خرجت من الغرفة منهارة من البكاء ولا تعلم إلى أين تذهب في هذا الوقت المتأخر من الليل.
لم تقوى على الذهاب إلى غفران بعد حديث والدها، ولا تملك منزلاً آخر تذهب له.
ظلت تسير في الشوارع جاهلة إلى أين تقودها قدماها.
يؤلمها قلبها المجروح من قسوة حازم ويريد والدها تزويجها منه.
ويفتت لإشلاء بسبب حبه لـ غفران، وهي لا تقوى على تدمير حياته وحياة زوجته وابنته الصغيرة.
لا تعلم لما علقت حياتها بين الحياة والموت هكذا.
جلست على أحد الأرصفة في الطريق تضم قدميها إلى صدره وتتكئ برأسها على ركبتيها لتنهار في البكاء.
ربما يقل وجعها قليلاً بعد نوبة البكاء.
لاحظ "عمر" حزن "غفران" الشديد من بعد مقابلة والدها وعلم سببه حين أخبر "قاسم". فمرافقة "عمر" له طيلة هذه السنوات تجعله يعرفه كالمرآة الخاصة به ويعلم أن "غفران" يكن الكثير من الحب لها وما يؤلمه الآن هو خبر زواجها.
فقال بهدوء:
_ ما لك يا مسيو غفران؟ حضرتك كويس؟
_ هتتجوز يا عمر.
تنحنح "عمر" بهدوء مدركًا أن هذا هو السبب، فقال بجدية ومكر:
_ لكن لو حضرتك أمرتها متتجوزش هي واجب عليها الطاعة.
رفع "غفران" نظره إلى "عمر" بجدية، ليتنحنح "عمر" بخوف من نظرته وقال موضحًا الأمر:
_ مش قصدي حاجة، لكن حسب العقد اللي عليه أمضت قاسم مينفعش تتجوز.
وقف "غفران" من مكانه ليسير إلى الأمام ويضع يديه في جيوب بنطلونه بضيق ويفكر في هذا العقد وماذا سيكون رد فعل بريته الجميلة حين تعلم به. ستكن له الكره والغضب وستتحول براءتها إلى النار التي ستحرقه. مما يعرفه عن "قاسم" فلن تقبل نهائيًا بهذا الأمر المخادع لها.
تحدث بقلق:
_ تفتكر دا حل يا عمر؟ الحل دا هخسرني قاسم للأبد.
أقترب "عمر" خطوة من رئيسه وقال بخبث شديد وهو لا يبالي بشيء سوى ما يريده رئيسه فقط:
_ لكن في الأول والآخر هو حل لأنها تفضل معاك العمر كله. بكل الأحوال سواء قبلت أو رفضت قاسم ملكك قانونًا وميحقش لحد غيرك أنه يأخذها أو يأمرها حتى والدها. ميحقلهوش أنه يقرر نيابة عنها لأن قاسم قانونًا ملك لغفران الحديدي وبس.
نظر "غفران" له بحيرة من أمره، وإذا أفضحت أمر هذا العقد ستكون ملكه حقًا أمام الجميع، لكن في المقابل سيخسر قلبها وروحها للأبد.
رن هاتفه يقاطع محادثتهما وكان رقم غريب، ليجيب عليه "عمر" باللغة الفرنسية قائلًا:
_ ألو.
كان صوت "جميل" يحدثه بقلق:
_ غفران بيه معاك.
نظر "عمر" إلى "غفران" ووضع يده على الهاتف ليقول بهمس:
_ دا جميل.
أخذ "غفران" الهاتف منه بعد أن نظر في ساعة يده وكانت قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل ليقول:
_ أيوة.
_ قاسم عندك؟
قالها بقلق بعد أن غابت ابنته ساعات طويلة في الخارج. فزع "غفران" من سؤاله الذي كاد أن يوقف عقله وقلبه في آن واحد ليقول بتلعثم:
_ هي مش عندك؟
_ خرجت من ثلاث ساعات ومرجعتش وشنطتها وفلوسها معايا حتى جزمتها عندي.
قالها بقلق ليقول "غفران" بفزع:
_ أزاى خرجت لوحدها؟ هي متعرفش حاجة هنا.
أغلق الهاتف دون أن ينهي الحديث من الفزع وخرج من المنزل بملابس بيته مجنونًا لا يعلم أين سيجدها، فبدأ يتصل بها كالمجنون و"عمر" يقود السيارة بسرعة دون توقف في جميع الشوارع المجاورة للمستشفى. أتصل بها أكثر من 50 مرة لكنها لا تجيب عليه مما جعل قلبه يكاد يجن وعينيه تنظر من النافذة عليها، لكن عجزه عن رؤية الوجوه جعلت البحث عنها وسط المارة بين مستحيل. لتذرف دمعة من عينيه بضيق من هذا الزوج من العيون. لم يراها حتى لو مرت من أمامه مما أدهش "عمر" لأول مرة يرى دمعة عينيه تذرف من جفنه مما أرعبه من القادم.
استقبلت اتصاله ليصرخ كالمجنون بها قائلًا:
_ أنتِ فين؟ أنتِ مجنونة تطلعي لوحدك و......
قاطعته بصوت واهن يخرج من حنجرتها بصعوبة بالغة من شدة بكاءها ورجفتها تقول:
_ غفران قلبي بيوجعني.
تخلي عن صراخه وعصبيته بعد أن سمع نبرتها الباكية وكلماتها عن الوجع الذي أصاب قلبها الضعيف. تنفس بهدوء يهدأ من روعته أمام ضعفها ثم قال بلطف:
_ أنتِ فين وأنا هجيلك.
_ معرفش.
قالتها بضعف ليقول بجدية:
_ أدي تليفونك لأي حد جنبك.
أعطت الهاتف لفتاة تجلس قربها، لم تفهم الفتاة شيء منها لكنها أخذت الهاتف بقلق لتسمع سؤال "غفران" بالفرنسية عن العنوان أو المكان، فأخبرته به بلهجتها الفرنسية وأعطت الهاتف إلى "قاسم".
فقال بجدية:
_ أنا قريب منك متتحركش حركة واحدة يا قاسم. أقل من خمس دقائق وهتلاقيني قدامك.
أومأت إليه بنعم، فأخبر "عمر" عن العنوان دون أن يغلق الخط ثم قال بلطف:
_ خليكي معايا على التليفون متقفليش.
تحدثت وهى تعود للجلوس أرضًا بتعب:
_ يا ريتك يا غفران تعرف تعملي أنا كمان عملية تخلصني من وجع قلبي.
صمت ولم يجب عليها مستمعًا لكلماتها الحزينة وهي تصف وجعها بأنه فاق قدرتها وتتمنى أستئصاله.
أوقف "عمر" السيارة وقال بهدوء:
_ قاعدة هناك.
نظر "غفران" نحو أصبع "عمر" ليراها تجلس على حافة النهر بحالة فوضوية. ترجل من السيارة وهو يقول:
_ روح هاتلها أي جاكيت أو حاجة تدفيها وجزمة.
أومأ "عمر" بنعم وأنطلق بالسيارة، ليسير "غفران" نحوها وهو يقول:
_ أوعى تقولي أنك بتفكري تنتحري.
أنزلت الهاتف عن أذنيها تنظر حولها لتراه يقترب بملابس بيته، فجهشت في البكاء أكثر.
فقال بنبرة خافتة بهاتفه:
_ كام مرة قُلتلك متخافيش ما دام أنا معاكِ.
_ الدنيا دي مرعبة يا غفران، مرعبة أوى.
قالتها بعجز عن البقاء على قيد الحياة فتابعت الحديث بهدوء:
_ بقالي أكثر من ساعة بفكر هيحصل إيه لو رميت نفسي هنا ونهيت الحياة دي وانتصرت أنا على معاناتها.
ارتجف قلبه فزعًا حين سمع تفكيرها المخيف في إنهاء حياتها حتى تتخلص من أوجاعها وقسوة حياتها. فقال بلطف:
_ تعالي ليا وأنا هنصرك عليها. قُلتلك كام مرة أنا هنا جنبك.
أغمضت عينيها بقوة تسقط دموعها كاملة وهى تغلق الهاتف حتى وصل إليها. فمد يده إليها وهو يقول:
_ تعالى ليا يا قاسم.
فتحت عينيها لتراه يقف جوارها ويمد راحة يده إليها، فنظرت إليه مطولًا ورفعت يدها نحوه لتتعانق يديهما معًا. فسحبها بلطف إليه لتقف مع سحبه وتطلع بها.
فقال بخفوت:
_ أنا معاكِ يا قاسم.
_ بس حتى دا مستحيل.
قالتها بوجع، فهي لن تقبل به أبدًا ولن تقبل بتدمير حياة فتاة أخرى مثلها حين تسرق منها زوجها. مسح على رأسها يداعب خصلات شعرها على الجانبين بحنان ثم قال بلطف:
_ مش هتتجوزيه يا قاسم. مش هتتجوزيه ما دام مش عايزة دا.
وضعت يدها على قلبها بحزن شديد ثم قالت:
_ هنا بيوجعني يا غفران، حاسة أني مخنوقة ومش قادرة أتنفس وهموت من الوجع.
جذبها إليه لترتطم بصدره القوي حتى يطوقها بذراعيه بقوة محكمًا إياها بين ضلوعه فقال بهدوء:
_ أهدئي يا قاسم وكل حاجة وليها حل.
حاولت دفعه بعيدًا عنها ومقاومة عناقه وهي تشد تي شيرته بقوة من خصره حتى تبعده، لكن هذان الذراعان كان أقوى من فتاة هشة على أن تنتصر عليهما وتتخلص من قيدهما. وكلما قاومته شد عليها أكثر لتستلم لهذا السجن الذي يحيطها لتجهش في البكاء وهي تتشبث به بقوة. ليرخي "غفران" ذراعيه عن عظامها التي كاد أن يعتصرها بهما وشعرت بيده تربت على ظهرها محاولًا تهدأتها حتى تكفي عن البكاء.
فهمس إليها بنبرة دافئة:
_ أهدئي يا قاسم. أهدئي وهتتحل. كل مشكلة وليها حل صدقيني.
أومأت إليه بنعم ليخرجها من بين ضلوعه ونظر إلى وجهها الضبابي ورفع يده يمسح دموعها بلطف.
فقالت:
_ أنا مش وحشة يا غفران. أنا مش وحشة ومش عايزة أدمرلك حياتك ولا أوجع مراتك.
سألها بلطف ونبرة دافئة:
_ دا اللي مخوفك؟ دا السبب اللي مخليكِ متجيش ليا.
أومأ إليه بنعم فقال بهدوء شديد:
_ أنتِ مش وحشة لأن مش أنتِ اللي قلتي لكندا تخوني.
نظرت إليه وهي تمسح أنفها بيدها، فجلس على الأرض معها وحدق بها وبدأ يحكي لها عن "كندا" وأنها تخونه مع المخرج وأنه لم يعاشرها منذ زواجهما سوى مرتين فقط يوم زفافهما والمرة الأخرى حين حملت بـ "نالا". لأول مرة يكن مرضه مفيدة حتى لا صدمة "قاسم" وبكاءها مشفقة على حياته التعيسة.
فقال بهدوء:
_ عرفتي أنكِ مش وحشة؟
_ مش يمكن اللي وصلها للخيانة حياتكم البايظة؟
قالتها بهدوء فنظر "غفران" لها بهدوء ثم سألها:
_ كانت تطلب الطلاق يا قاسم، لكن تخوني دي جريمة وأنا لا يمكن أغفرها.
أومأت إليه بنعم وحقًا كان الطلاق سيكون سهلًا جدًا على حالتهما.
جاء "عمر" إليه ليأخذ منه "غفران" السترة التي اشتراها الحذاء وجلس يمسح قدمها بيده ثم يضع الحذاء بها، وعيني "قاسم" لم تفارقه نهائيًا حتى وصل بها إلى المنزل. صعدت للأعلى ليتصل بالمستشفى من أجل "جميل" فقال:
_ آه لاقيتها في الشارع والصبح هجبهالك المستشفى بعد....
قاطع حديثه حين سمع صوت أرتطم شيء قوي بالأعلى، فأغلق الهاتف وصعد ركضًا للأعلى بخوف أن تكون أذت "قاسم" نفسها حقًا كالمجنونة ويناديها:
_ قاسم.
لم تجب عليه ليفتح باب الغرفة ودلف. لم يجدها بالغرفة فطرق باب المرحاض ولم يجد جواب.
فقال بهدوء:
_ قاسم أنا هدخل.
لم تجيب عليه ففتح الباب برفق لكنه صدم حين رآها على الأرض فاقدة للوعي بروب الأستحمام، ليفزع بهلع ويدخل لها فرفع رأسها عن الأرض ليقول:
_ قاسم...
حملها على ذراعيه ليأخذها إلى الفراش ووضع الغطاء عليها بقلق وحاول إفاقتها بالعطر.
لتفتح عينيها بتعب ووضعت يدها على رأسها من الوجع.
تنفس الصعداء بأريحية بعد يقظتها وظل يحدق بها بفزع لترى وجهه مفزوعًا وأنفاس يكاد يلتقطها من القلق.
فأعتدلت في الجلوس بألم من قوة ارتطام رأسها بالأرض وقالت:
- غفران.
لم يتحمل قلبه الخوف الذي بداخله هذه الليلة بسببها.
كاد أن يتوقف عن النبض من هلعه كأن أحدهما يطرق بمطرقة ضخمة على صدره بهذه اللحظة.
وبعد أن لفظت اسمه وسط ألمه فقد ما تبقى من صموده أمامها.
فلم يشعر بشيء سوى وشفتيه تطبق على جبينها الباردة بقبلة دافئة.
لتُصدم "غفران" من فعلته وشل جسدها عن الحركة وهي لا تستوعب فعلته.
رواية غفران هزمه العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور زيزو
أتسعت عينيها على مصراعيها من هول الصدمة وشعرت بجسدها تجمد في مكانه ولم تستطع تحريك إصبع من يدها حين لمست شفتيه جبينها الباردة بقبلة دافئة.
فدفعته بقوة بعيدًا من صدره، وبسرعة البرق لطمت وجنته بيدها، كف أشعل نيران عقله وصدره من الغضب. ظل يرمقها بصدمة لا يتخيل أن فتاة تجرأت وصفعته هكذا.
وقبل أن يغضب عليها، رآها تغادر الفراش وتأخذ ملابسها إلى المرحاض. فبدلتهما سريعًا وجمعت أغراضها لتغادر المنزل بضيق واشمئزاز يحتلها.
فركض خلفها غاضبًا وهو يصرخ بها:
- أنتِ رايحة فين؟
- ماشية.
قالتها بضيق شديد. فمسكها من معصمها بقوة يمنعها من الخروج وهو يقول:
- أنتِ مجنونة؟ هتخرجي دلوقتي؟ أنتِ عارفة الساعة كام؟
- أعتقد الشارع آمن بكتير من بيتك يا غفران.
هدفعته بقوة بعيدًا عن طريقها والتفت مغادرة كالثور الهائج. صعدت بسيارة أجرة وذهبت إلى المستشفى.
وفي طريقها كانت شاردة فيما فعله ورجفة قلبها، نظرة الخوف والقلق الذي رأتهما في عينيه عليها. تجمعت الدموع في عينيها من الوجع، والآن بات قلبها وطنًا للحزن والوجع فقط. كبحت شهقاتها حتى وصلت للمستشفى وجلست أمامها على أحد مقاعد المارة الرخامية وبدأت تستنشق الهواء بحيرة من أمرها.
***
[[ قصر الحديدي ]]
جاءت نالا ركضًا إلى والدتها الجالسة على الأريكة الخشبية في الحديقة وشاردة في فكرها. تقتل شرودها الأليم بصوتها تقول:
- مامين.
نظرت كندا إلى طفلتها بعين دامعة من الماضي ووجع الخيانة الأليم يمزقها أربًا من الداخل. وكل لحظة يتجاهل بها غفران اتصالاتها وهو في بلد أخرى مع فتاة غيرها تقتلها.
رفعت نالا يديها الصغيرتين إلى وجنة والدتها بحنان لتمسح دموعها وقالت بلطف:
- متعيطيش يا ماما، إنتِ زعلانة مني في حاجة؟
هزت كندا رأسها ببسمة خافتة وسط دموعها من لطف طفلتها وقالت:
- لا يا حبيبتي، أنا مبزعلش منك يا نالا.
ضحكت الطفلة ببراءة ثم مسكت يد والدتها بعفوية قبل أن تتحدث برجاء ولطف ثم قالت:
- مامي ممكن توافقي أجيب قطة صغننة تلعب معايا هنا؟
نظرت كندا بصمت إلى وجه طفلتها لتراها صامتة منتظرة الجواب على أحر من الجمر بحماس وعينيها تترجى والدتها أن توافق على جلب قطة للمنزل. فأومأت إليها بنعم.
لتقفز نالا من السعادة ووضعت قبلة على وجنتها الدافئة من دموعها الحارة ثم قالت:
- هروح لنانا.
ركضت إلى قصر اللؤلؤ حيث جدتها نورهان لكي تلبي لها طلبها وتجلب لها قطة. نظرت كندا إلى طفلتها وهي تركض بعيدًا بسعادة وعادت بعقلها الحزين إلى الماضي.
*** عودة للماضي ***
اتسعت عيني كندا على مصراعيها وهي تقف في المرحاض وتحمل في يدها اختبار الحمل به خطين يعلنان عن حملها. فوضعت يدها على فمها بذعر من هذا الحمل الذي سيدمر حياتها كاملة. ولم يمر على زواجها سوى أسبوع واحد، والآن ظهر وجود جنين داخل رحمها وغفران لم يقترب منها هذا الأسبوع.
جهشت في البكاء بانهيار من الخوف. وغفران لم يطلقها إذا علم، بل سيقتلها ويدفنها حيث لم يعثر عليها أحد. وحدها من تعلم قسوته وقوته الحادة رغم حبه الشديد لها. أي رجل أحمق هذا سيقبل بخيانة زوجته وحملها من رجل آخر.
جلست على الأرض في المرحاض بحزن شديد وجهشت بالبكاء بصوت قوي مسموع باطمئنان في بوحها أن لم يسمعها أحد بعد أن غادر غفران للعمل. ظلت تبكي وتصرخ بحسرة ويديها تضرب قلبها بقبضتها القوية حتى نفدت منها طاقتها وأنهت نحيبها لتخرج من المرحاض بحزن متمتمة بألم ومكر شديد:
- مش وقت ندب يا كندا، لازم تتصرفي في المصيبة دي.
بدلت ملابسها وذهبت إلى الطبيب للتأكد من الحمل. وكانت الكارثة لها أن الحمل حقيقي ورفض الطبيب عملية الإجهاض. مما جعلها تيأس وتذهب إلى عفيفي، شيطانها الأكبر وبسببه حياتها تحل بها الكوارث واحدة تلو الأخرى.
اتسعت عيناه من مجيء كندا إليه بصدمة بعد زواجها فقال بدهشة:
- إيه ده؟ مش خايفة جوزك يشوفك هنا وأنتِ لسه عروسة؟
تنحنحت كندا بضيق وتوتر من كلماته. فإذا علم غفران سيفضح أمرها. لتقول بضيق ونبرة حادة:
- ميخصكش يا عفيفي، أنا عايزة منك طلب.
رفع حاجبه وهو يقف أمام ماكينة القهوة بدهشة من كلماتها وقال مستغربًا:
- عايزة إيه؟
- شريط حبوب من اللي جبت لي منه.
التفت إليها مذعورًا من طلبها وسقط كوب القهوة من يده. لِتُدهش من رد فعله حين سمع طلبها. فأقترب عفيفي بخوف من أفكارها التي تحملها داخل رأسها الصغير وقال:
- عايزة إيه؟
- أنت سمعتني كويس.
تنحنح بتوتر وفك زر قميصه من الخنق بسبب الصدمة وقال بقلق:
- الحبة دي مخدرات، مش هقولك إنك متعرفيش سعرها كام؟ لكن عارفة شريط بحاله لو أديتيه لغفران هيحصل إيه؟ هيبقي مدمن مخدرات.
ابتلعت لعابها بتوتر والخوف طرق أبواب قلبها وثقلها حين علمت ماهية الحبة التي أعطتها لزوجها بيدها حتى تخفي خيانتها. جمعت شجاعتها وقالت بتوتر:
- مالكش دعوة، أنت تجبلي اللي طلبته منك وخلاص.
أومأ إليها بنعم وهو يلتف حول المكتب محدثًا إياها بتحذير:
- أنا عملت اللي عليا وعرفتك أهو، مترجعيش تقوليلي إني السبب ولا تقولي إن غفران شك فيكي. بعد الحبة الثالثة لو خدهم في فترة قريبة هيبقي مدمن وهتظهر أعراض الإدمان عليه.
أخرج من أحد الأدراج الخاصة بالمكتب شريط من الحبوب وألقى به على سطح المكتب. لتأخذه كندا وتعطيه المال ثم غادرت وعادت للقصر. وقبل أن تعود ألقت بدليل الحمل الوحيد وهو اختبار الحمل في أحد الطرقات من نافذة السيارة.
ثم اتصلت بغفران في الهاتف ليلاً. فأجاب عليها بحماس ونبرة دافئة تحمل الكثير من الحب:
- إيه يا حبيبتي؟
تبسمت كندا بمكر شيطاني تخفيه خلف وجهها الجميل وقالت:
- أنت فين يا روحي؟
- في الطريق.
أجابته بنبرة دافئة ناعمة يكاد يسمعها قائلة:
- طب متتأخرش عشان مستنياك.
قشعر بدنه من نبرتها الناعمة التي احتلت قلبه وجعلته يرتجف بكهرباء الحب. وصل غفران للقصر ولم يجدها في الطابق الأول. فصعد إلى حيث غرفتهما ليُدهش بسعادة تغمره حين وجد زوجته تقف أمام طاولة صغيرة عليها عشاء تشعل بعض الشموع وأضواء الغرفة خافتة لتناسب الشموع. رائحة عطرها الفرنسي تملأ الغرفة وعلم من ملابسها الجميلة أنها زُينت لأجله دون أن يرى وجهها.
أقتربت منه بحماس فور دخولها لتتعلق برقبته بفرحة مصطنعة وقالت بهم:
- وحشتني.
نظر إليها بامتنان وسعادة تغمره من هذا الحب الكامن بداخلها إليه. فأخذته من يده بلطف وقالت:
- تعال يا حبيبي نتعشى عشان الأكل ميبردش.
جلسوا يتناولون الطعام معًا بسعادة وعينيها ترمق غفران بخباثة وهو يتناول طعامه في هدوء. ثم مدت يدها إليه بكوب العصير وقالت:
- اشرب العصير يا حبيبي.
أخذ الكوب من يدها وأخذ رشفة من الكوب ثم أكمل طعامه وهي تراقبه مع كل رشفة من الكوب بحماس. وكبرت بسمتها أكثر حين أنهى كوب العصير بعد أن نجحت خطتها.
***
فاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها باسم عفيفي. فلم تجب عليه وعقلها الآن غارق في خيانة غفران لها ودموعها بللت وجنتها بغزارة مع ذكرياتها الأليم. من لحظتها الأولى معه كانت تكذب عليه والآن تبكي لخيانته. تفتيت قلبها الآن لأجل خيانته جعلها تدرك كم كانت الخيانة مميتة للقلب والروح.
توقف الهاتف عن الرنين فأخذته وفتحت صندوق المحادثة مع غفران وكتبت له رسالة واحدة:
- أنت خنتني يا غفران؟
انتظرت الجواب كثيرًا لكنه لم يجب. وبعد ساعة تقريبًا فتح الرسالة لتتحمس وقالت بتمتمة:
- شافها.
لكن حماسها لم يدوم كثيرًا حين تجاهل غفران رسالتها ولم يجب لفترة طويلة.
***
مر أكثر من أسبوع على فعلته وطيلة هذه الفترة وقسم تقيم في المستشفى مع والدها ولم يرى غفران طيفها حتى وقد حرمته منه.
دلف عمر إلى المنزل وكان غفران جالسًا على الأريكة يتابع أعمال شركته على التابلت ويفتح مكالمة فيديو مع أعضاء شركته في اجتماع عمل. ليقف عمر منتظرًا انتهاء الاجتماع. وبعد أن أغلق غفران اللاب توب تحدث عمر بنبرة جادة هادئة:
- أحم، أنا كنت في المستشفى واطمنت على حالة أستاذ جميل الصحية والدكتور النهار ده كتب له على خروج. وقسم طلبت مني أحجز لها على أول طيارة راجعة مصر.
التف غفران إليه بصدمة ألجمته من طلبها وغضبها منه جعلها تتخطاه وتتحدث مع عمر، بل طلبت منه أن يساعدها في الرحيل.
فخرج غفران من المنزل غاضبًا وأخذ سيارته إلى المستشفى ورآها هناك تعبر الطريق أمام المستشفى بنفس ملابسها التي غادرت المنزل بها، لذا تمكن من التعرف عليها. ذهب خلفها مشيًا بعد أن ترجل من السيارة. وقفت تشتري بعض الطعام من أجلها ودفعت بعض المال ثم التفت لترى غفران أمامها.
فقالت بضيق:
- عايزة أعدي.
- وأنا عايز أتكلم معاكِ.
قالها بحدة صارمة. لتعقد حاجبيها بضيق شديد ثم قالت بغيظ وهي تكز على أسنانها:
- وأنا مش عايزة أتكلم معاك ولا طايقة أشوفك.
- مش بمزاجكِ يا قسم.
قالها بحدة صارمة. فمسك يدها بقوة رغمًا عنها وسحبها خلفه إلى مكان هادئ يتحدث به. وهى تصرخ به بعناد قائلة:
- سيبني يا غفران، سيبني مش عايزة أتكلم معاك، هو مش بالعافية يعني.
التف إليها أثناء سيره للأمام بضيق شديد:
- لا بالعافية يا قسم، بالعافية حتى لو حكم الأمر أشيلك مش أجرّك.
وصل إلى حديقة عامة هادئة. فسحبت يدها بقوة منه بعد أن أوقفت قدميها عن التقدم أكثر. وقالت بخنق صارخة به:
- أنت عايز إيه؟ فاكر إن مهما تقول أو تبرر هسامحك أو هنسى عملتك فيا؟ لا يا غفران أنا مستحيل أسامحك ولا أنسى الشعور اللي حسيت به وقتها.
لم يبالي للمارة الذين نظروا عليهم من صوتها العالي. فقال بصراخ منفعل مثلها وأكثر:
- مش من حقكِ، مش من حقكِ يا قسم تحرمني منك ولا تسيبني وتمشي.
أقترب أكثر منها ومسك ذراعها بقوة حتى سقط الطعام منها من قوته وشدته المحكمة عليها. وقال بتهديد:
- ولا من حقكِ تكلمي راجل تاني فاهمة؟
ابتلعت لعابها بخوف من نظراته التي يتطاير منها الشر والغضب الذي أكمل رعبها في نبرته الحادة. لكنها لم تكن فتاة سهلة المنال يسهل عليه ترويضها. فرغم خوفها دفعته بقوة من صدره أكثر بعيدًا وقالت بتحدٍ وعناد أكثر:
- أنت عبيط؟ أنت فاكر نفسك مين عشان تقولي أتكلم مع مين ولا أعمل؟ مش كفاية عملتك السوداء؟ أنا معاك حسيت أسوأ وأقذر إحساس ممكن أحسه في حياتي. لما عاملتني على إني واحدة من الشارع يا دوب تخون مراتك معها وتغيظها بها.
- حقك تزعلي من اللي عملته، لكن كمان من حقي إنكِ تعذريني. لما يتصل أبوكي بيا آخر الليل ويقولي إنكِ اختفيتي واترعب عليكِ وأخرج زي المجنون أدور عليكِ في الشوارع. ولما ألاقيكي منهارة وبالمنظر اللي كنتِ به. ولما ألاقيكِ واقعة من طولكِ قصادي وخوفي عليكِ. أنا اللي عملته من الخوف والرعب اللي حسّيته ليلتها عليكِ. كنت عايز خايف ومش واعي بحاجة غير إني أطمن عليكِ وأضمك ليا.
قالها بفزع ووجع يحتله وهو يصف لها ما شعر به بهذه الليلة وكم كان شعور الفقد والخوف مرعبين له حينها. التزمت الصمت هذه المرة وبدأت مشاجرتهما تهدأ وحدتها وعنادها بدأوا في الخمول قليلًا أكثر عندما رأت دمعة حزينة تجمعت في عينيه العسليتين.
استدارت لكي تغادر دون أن تتفوه بكلمة واحدة أخرى. فأوقفها غفران حين مسك رسغها بلطف يمنعها من الرحيل وقال بتراجي:
- متِمشيش يا قسم.
- لازم أمشي يا غفران، وأرجوك احجز لي على أول طيارة راجعة مصر أنا وبابا وكفاية لحد كدة.
قالتها بحزن دون أن تستدير له. فصرخ بغضب وكاد أن يفقد عقله:
- أنتِ مجنونة؟ عاوزة ترجعي عشان يجوزك لحازم بالعافية؟
- وحازم يختلف إيه على بقية الرجالة؟ كلكم مبتحترمش البنت اللي معاكم وبتستنوا الفرصة عشان تعملوا اللي عايزينه.
قالتها بألم شديد. ليُصدم غفران من ردها الذي ألجمه وهي تقارنه بحازم وتراه مثله تمامًا. تمتم بضيق شديد:
- متحطنيش في مقارنة مع الزبالة دا، والجوازة دي لو وقفتي على رأسك ولو انطبقت السما على الأرض مش هتم يا قسم. وأوعي تنسي إنك بتكلمي غفران الحديدي وإنتِ لسه مشوفتيش وشي التاني.
غادر هو هذه المرة بعد أن ترك يدها. لِتراه يغادر بغضب واثقًا من نفسه جدًا. أخذ كيس الطعام من الأرض ووضعته جانبًا وذهبت لشراء طعام أخرى وعادت إلى المستشفى لترى عمر بانتظارها ومعه تذاكر الطائرة. ليقول بجدية:
- الطيارة بكرة الساعة 3 العصر.
أومأت إليه بنعم. ليقول بجدية:
- ياريت أول ما توصلي مصر متقفلليش تليفونك لأن عليكِ دين لازم توفيه. ومتنسيش أن العملية مكانتش ببلاش ومالهاش علاقة بالخلاف اللي بينكِ وبين مسيو غفران. دا فيه عقد وممضي.
هزت رأسها بنعم. ثم ولجت إلى غرفة والدها. ليعود عمر إلى السيارة وكان غفران بها جالسًا بالخلف. فسأل بمكر شيطاني:
- عملت إيه؟
- زي ما حضرتك طلبت.
أومأ إليه بنعم ونظر من النافذة بحدة صارمة. ثم قال متمتمًا:
- قسم هي اللي جابته لنفسه. أنا محدش يتحداني وهي اللي أصرت تشوف وشي التاني. أطلع يا عمر على المطار وأول ما توصل قسم لمصر تتصل تجيبها الشركة عشان تشوف بنود العقد اللي مضيته.
أومأ إليه بنعم وانطلق ملبيًا أمره.
***
[[ قصر اللؤلؤ ]]
خرجت رزان من القصر ليلاً كي تغادر. فوجدت تيا تقف أمام سيارتها. تحدثت بهدوء:
- أخبارك إيه يا مدام تيا؟
- بخير، عايزة أطلب منك طلب لكن أرجو أنه يكن سر.
قالتها تيا بجدية صارمة. فأومأت رزان إليها بنعم.
جمعت تيا شجاعتها في الإفصاح عما بداخلها وقالت بجدية:
- عايزة منك تجيبي لي كل حاجة عن أنس بيعملها من ورايا طول ما هو برا القصر.
تبسمت رزان بخفة وقالت بعفوية:
- حضرتكِ بتشكي فيه؟
تنحنحت تيا بحرج من فهم رزان للأمر وقالت بغلاظة:
- لا، مالكيش دعوة. أنا عايزاكي تشوفي حد يراقبه ولو تعرفي تجيب لي سجل مكالماته الفترة اللي فاتت يبقي كويس.
هزت رزان رأسها بثقة من مهارتها. ولولا مهارتها ما كانت ستكون مساعدة نورهان بجبروتها. لتقول:
- دا شيء سهل جدًا سواء حد يراقبه أو مكالماته. لكن أنا مبعملش حاجة غير بأمر دكتورة نورهان.
اقتربت تيا قليلًا منها وحدقت بعينيها بحزن وخوف يحتلها من معرفة والدتها لما تشك به. ثم قالت بجدية:
- هكون شاكرة ليكي يا رزان لو عملتي لي الخدمة دي من غير ما حد يعرف وخصوصًا ماما أو غفران. ماما لو عرفت مش هتسكت ممكن تدمره. ولو غفران حس إني شاكة فيه هتكون آخر ساعة في عمر أنس. الأثنين مرعبين أكثر من بعض وجواهما جبروت بيرعبني أنا نفسي وأنا من عائلتهم ما بالك أنس. أرجوكِ.
ابتلعت رزان لعابها بتوتر ثم قالت بخوف:
- حضرتك تعرفي لو دكتورة نورهان عرفت إني بعمل حاجة من وراء ظهرها هيحصل فيا إيه؟
عقدت تيا حاجبيها بخوف يحتلها من معرفة عائلتها أنها تشك بزوجها. مما جعل رزان تشفق على حالتها وهذه العائلة مرعبة حقًا كالجحيم في غضبهم. تحدثت بلطف قائلة:
- طيب خلاص مش هقول لحد بس تكون أول وآخر مرة. ارجوكِ متأذنيش في شغلي ولا تخسرني دكتورة نورهان. وهي عمرها ما قصرت معايا أو...
قاطعتها تيا بحماس شديد ثم قالت:
- حاضر والله حاضر. آخر مرة بس بسرعة يا رزان لأن أنا هموت من القلق.
هزت رأسها بنعم لتغادر تيا. فصعدت رزان إلى سيارتها مغادرة القصر.
***
وصلت قسم إلى شقتها بصحبة والدها متكئ عليها وجلسوا معًا في الغرفة. وصفية تبكي بفرحة من عودة زوجها حي يرزق. بينما قاسم جالسًا قرب والده يقبل يده بحنان. فخرجت قسم من الغرفة تاركة والدها مع عائلتها. لكن استوقفها على الباب صوت والدها يقول:
- قسم، اتصلي بحازم وقولي له إني عايزه.
التفت قسم إليه بحزن وخوف يحتلها بسبب حديث والدها. فقالت بتمتمة:
- ممكن ترتاح يا بابا الأول وبعدين نتكلم لما تصحي.
- سمعتيني يا قسم.
قالها بحدة شديدة. لتغادر قسم. فنظر صفية إلى زوجها بدهشة من طلبه إلى حازم. فقالت بلطف:
- قوم يا قاسم امشي على درسك.
أومأ قاسم لها بنعم وقال بعفوية:
- أيوه زحلقيني أيوه، بس أنا عشان جدع همشي.
قالها بتذمر وخرج من الغرفة. نظرت صفية إلى زوجها وقالت بضيق:
- عايز حازم ليه؟ هي قسم مقالتلكش على اللي عمله؟
تنهد بهدوء من التعب. ثم قال بحدة:
- قالت لي يا أم قاسم، بس دا طيش شباب. لكن الجد بقى إن لازم الجوازة دي تتم وبسرعة. بنتك عاشقة يا صفية.
لم تفهم كلماته فقالت بضيق:
- ولا عاشقة ولا حاجة، دي بقت بتكرهه وحازم بقى مكرهها في كل حاجة في الدنيا وكل الجوازة.
تنحنح جميل بجدية ورمق زوجته بعيني حزينة خائفًا على مستقبل ابنته الوحيدة. وقال بحزن ونبرة متلعلثمة:
- بنتك مش عاشقة حازم، بنتك عاشقة راجل متجوز وعندي عيلة. ولأجل العشق ده عمل لي العملية بالمبلغ ده. وأنا مش هستنى لما بنتي تتحول لخرابة بيوت وخطافة رجالة. ولا إنها تكون السبب في كسر قلب بنت زيها ولا سرق أب من بنته. قسم لازم تتجوز حازم عشان نقطع عرق ونسيح دم. بعد جوازها هيبقى مستحيل أن العشق ده يدوم ولا من طرفها ولا من طرفه. فهمتي ليه رغم اللي عمله حازم ده أنا اللي هجيبه وهراضيه وأخلي يتجوز بنتي.
جهشت صفية في البكاء. ثم قالت بحزن وخوف على طفلتها:
- بس أنت كده هتظلم بنتي وتكسر قلبها.
- كسرة قلبها ولا إنها تعيش سعيدة على حساب كسرة قلب بنت تانية هي اللي تدمر حياتها بسعادتها. تظلم نفسها أهون بكتير من إنها تظلم حد تاني. المظلوم له رب يقف معاه ويعوضه ويراضيه. لكن الظالم له ربنا أقوى منه.
قالها بجدية صارمة منهيًا الجدال في هذا الأمر. وقد حسم أمر حياتها بنفسه وقرر قتل قلبها بيديه كأنه لا يخشى الحزن على طفلته ولا يهتم لأمرها.
***
[[ قصر الحديدي ]]
وصل غفران إلى القصر لتركض نالا إليه بحماس واشتياق لوالدها الغائب من فترة طويلة. ضمه بحنان وهو يقبل جبينها ويديها الصغيرة. فجاءت كندا من الخلف بوجه غاضب وقالت بنبرة قوية مخيفة:
- نالا، اطلعي على أوضتك.
نظرت الطفلة إلى والدتها. ليقف غفران معتدلًا. فصرخت كندا بانفعال:
- قلت لكِ اطلعي على أوضتك، خديها يا فاتن لأوضتها.
أخذت فاتن الطفلة إلى الأعلى. لتعقد كندا ذراعيها أمام صدرها حادقة بزوجها الغائب. ولأول مرة لم تركض إليه حين يعود ولم تشتاق إليه. بل شعور الغضب والكره والاشمئزاز هم ما يسيطرون عليها. فقالت بضيق:
- مجبتهاش معاك ليه؟ وبالمرة تعرفني عليها.
أجابها غفران بمكر وغضب يحتله من خيانتها هي الأخرى قائلاً:
- قريب إن شاء الله تنور القصر وتقهر قلبك وتذلك يا كندا.
قالها وهو يسير نحو مكتبه. حتى وصل قربها لتمسكه من ذراعه بقوة تمنعه من الرحيل وصرخت به باختناق:
- استنى هنا أنا بكلمك، أنت بتعمل كده ليه؟ أنتِ شايف إحنا وصلنا لفين يا غفران؟ شايف الحب اللي بينا مات إزاي؟
- من خيانتكِ اللي لسه منستهاش ولسه حسابك جاي. أنا سايبك بس دلوقتي بمزاجي لحد ما أروق لكِ.
قالها ببرود شديد وعينيه حادقة بوجهها الضبابي. لتدمع هذه العيون بوجع وقد فقدت أعصابها من بروده القاتل لها وألم خيانتها قد احتلها طيلة الليالي الماضية. لتصرخ بأنفعال في وجهه:
- حرام عليك يا غفران والله العظيم وحياة بنتي اللي عمري ما هحلف بحياتها كذب. أنا من يوم ما دخلت بيتك وبقيت على ذمتك طول العشر سنين دول ما خنت ولو بنظرة غصب عني حتى. يعلم ربنا إني ملكك أنت لوحدك وأنك ظالمني. وربنا ما في راجل لمس شعرة مني من يوم ما شلت اسمك.
نفض غفران ذراعها عنه بقسوة وهو يستمع إلى بكائها في كلماتها. وقال بغضب شديد:
- كذب ودموع التماسيح دي عمرها ما هتدخل عليا. أنتِ كاذبة يا كندا وأنا عديت لكِ كتير أوي وجه وقت الحساب.
- يا غفران أنا...
قالتها بألم وحزن شديد. لتُصدم حين وضع يده على عنقها يخنقها بقوة وكاد أن يقتلها حقًا من الألم الذي يشعر به في رؤيتها أمامه وسماع صوتها. تحدث بألم ونبرة مرعبة:
- أنا لو قتلتكِ هنا محدش هيحس بيكي يا كندا وأنتِ خلاص حفرت قبرك بإيديكي. متستعجليش لدخوله.
كادت أن تختنق في قبضته وبدأت تضرب يده بيديها حتى يتركها ويتخلى عن عنقها. لتلتقط أنفاسها لكنه لم يفعل. فظل يضغط أكثر وأكثر على عنقها بحجم الألم الذي يحتله وبسبب خيانتها. فقد الرؤية تمامًا ولم يعد يرى وجه قسم الجميل. فسقطت يديها عن يده وأغمضت عينيها فاقدة للوعي. ليسقط جسدها أرضًا مع صرخة عمر الذي دلف للقصر وقال:
- مسيو غفران.......
رواية غفران هزمه العشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور زيزو
ترجل "غفران" من الأعلى مرتديًا بدلته الرمادية وقميصه الأسود، يهندم سترته وهو ينادي بنبرة جادة على رئيسة منزله.
"فاتن!"
ت جاءت "فاتن" من الداخل على صوته، فرمق "كندا" التي تجلس على السفرة تتناول فطورها. ليقول بجدية ونبرة خشنة قوية:
"خُديها على فوق، الأوضة اللي جنب جناحي تنضفها كويس وتفرشها عشان جاي لنا ضيفة."
وقفت "كندا" من مكانها بصدمة ألجمتها من أمره لها، فقالت بعناد:
"ضيفة! أي قررت تجيب عشيقتك لبيتي بكل بجاحة؟"
ح د ق بها ببرود شديد يكاد يقتلها في الحال، على غير انفعاله. فكان البرود العقاب الأكثر قسوة إلى "كندا". فقال بنبرة باردة:
"أموري تتنفذ يا فاتن. لو عرفت إنك حطيتي إيدك في حاجة هقطعهالك. وإنتِ يا هانم، لتصحيح معلوماتك، دا بيتي أنا وقصري، وإنتِ هنا خادمة تحت جزمتي عشان بس أعفي عنكِ. وأوعي تفتكري إن الدكتور اللي جالك امبارح دا خوف عليكِ يا كندا، لا يا حبيبتي، دا أنا مستحيل أسمح لخاينة زيكِ تموت كده بسهولة. أنا هخليكي تتمني الموت ومش هتحصلي عليه إلا بأمر مني."
خرج من القصر تاركًا خلفه زوجة تكاد تموت من الألم، بسبب خطأ واحد ارتكبته بالماضي تدفع ثمنه الآن بعد عشر سنين.
اقتربت "فاتن" منها بلطف وربتت على كتفها بشفقة:
"سامحيني يا كندا هانم، بس دا أمر غفران بيه وعصيانه يعني الجحيم."
نظرت "كندا" إليها بعينين دامعتين وبدأت تبكي بحسرة تمزق قلبها، ثم قالت بتمتمة عاجزة عن فعل شيء:
"أنا اللي واجعني مش أوامر غفران ولا ذله ليا. أنا اللي واجعني بجد يا فاتن إنه ظالمني. بيعاقبني على حاجة ظُلم. طول العشر سنين دول وأنا شايلة جزمته فوق رأسي وقابلة بكل حاجة وإننا مش زي أي زوجين طبيعيين، وبقول دا عقابي على غلطة واحدة عملتها وغصب عني. لكن دلوقتي والله اللي قهرني إني مظلومة. أنا من يوم ما اتجوزت غفران وأنا مخلصة وصايناه ويشهد عليا ربنا. لكن دلوقتي والله مظلومة."
"يظهر إن الواحد مهما مر على غلطه من سنين لازم يدفع ثمنها."
قالتها "فاتن" بنبرة حادة ويدها تربت على "كندا" بشفقة. لا تعلم ماذا تفعل، تشفق على هذه الزوجة التي تحملت كل شيء من الماضي، والآن تدفع ثمنه بقسوة.
خرج "غفران" من القصر ليصعد بسيارته بصحبة "عُمر"، فقال بحزم:
"اتصل بـ"قُسم" تيجي ليّا على الشركة الساعة 4."
"أومأ إليه بنعم وقال: حالًا."
منعه "غفران" بمكر شديد يقول:
"لا، كلمها الساعة 3 بالدقيقة وعرفها إن الدقيقة تأخير ثمنها غالي أوي."
هز "عُمر" رأسه بنعم ووضع الهاتف بجيبه مرة أخرى.
***
كانت "قُسم" جالسة بغرفة تكاد تشعر بهذا العالم من التوتر الذي يتملكها، و"حازم" بالخارج مع والدها كما طلب. لا تصدق أنها ستتزوج من هذا الرجل رغم كل العلامات التي توحي بفشل هذا الزواج قبل أن يبدأ. حياة على حافة الهاوية، لكنها تصبو إليها. قلبها يؤلمها بغصاته، فرغم الغضب الكامن بداخلها من "غفران"، لكنها تكن له المشاعر الدافئة وتمكن من امتلاك قلبها بنبضاته، ليسرق هذا القلب من "حازم"، رجل كان الوحيد بحياتها ولم تكن تعرف معنى الحياة والحب إلا معه حتى ظهر "غفران" ليقلب حياتها رأسًا على عقب.
رن هاتفها باسم "عُمر" فتجاهلت الاتصال بضيق، وهذا الوقت لا يسمح لها بسماع شيء آخر. ربتت "ملك" على كتفها بلطف وقالت:
"خلاص يا قُسم بقي، ساعة شيطان وغلطة أكيد حازم مش هيكررها يعني. وفي الأول والآخر دا حازم حب عمرك."
لم تتمكن "قُسم" من التفوه بكلمة واحدة للإجابة على صديقتها التي تتحدث عن الحب وهي لا تفهم شيء. وقفت "ملك" من مكانها وذهبت نحو الباب تسترق السمع لما يحدث بالخارج، بينما هاتف "قُسم" عاود الاتصال مرة أخرى باسم "عمر" فتجاهلت الاتصال مرة أخرى حتى حسم الأمر هذه المرة برسالة على تطبيق المحادثات (الواتساب) بصورة تحتوي على بند العقد الذي وقعته بأنها لن تتجاهل مكالمات "غفران" أو أوامره نهائيًا، وإلا العقد سيعتبر ملغي ويلزمها بدفع شرط جزائي قدره مليون جنيه. مما جعل "قُسم" تصدم من وجود شرط جزائي للعقد، ومع اتصال "عُمر" الجديد قبلت الاتصال من أول ثانية تقول:
"نعم."
تحدث "عُمر" بنبرة خشنة قوية على عكس المعتاد معها:
"مسيو غفران في انتظارك كمان ساعة في الشركة."
"بس أنا..."
كادت أن تعترض بدهشة من طلبه لها فورًا، لكن قاطعها "عُمر" بنبرة قوية يقول:
"مش محتاج أفكر حضرتك بالشرط الجزائي مرة ثانية يا مس قُسم. ونصيحة مني للمستقبل قبل ما تمضي على ورقة لازم تقرأيها مرة واثنين كويس، لأن في ورقة ممكن تنهي حياتك. والبند اللي بعته لحضرتك مش الوحيد اللي كان لازم تقرأيه... الساعة 60 دقيقة بدأت من دلوقتي. مع السلامة."
أغلق الخط ليتركها في حالة من الذهول، وهو يقيس لها الوقت بالدقيقة. وكلماته الجادة المرعبة عن قراءة العقد زادت من قلقها وتوترها، وشعرت برجفة في باطنها من القادم.
عادت "ملك" من خلف الباب في حالة من الذهول تقول:
"عم جميل حدد فرحك بعد أسبوعين، هو مستعجل على إيه؟"
لم تبالي "قُسم" بما قالته وعقلها شارد في مكالمة "عُمر" الغامضة. فهزت رأسها بالنفي بقلق وقالت:
"أنا عندي مشوار ضروري."
خرجت من الغرفة وكان والدها في الصالة منهكًا من الحركة ومعه "حازم" ووالدته مبتسمًا بسعادة بعد تحديد موعد الزفاف، على عكس والدته العابسة وهي تكن كل الكره لـ "قُسم" ورافضة للزواج من البداية. أوقفها "جميل" بنبرة هادئة بسبب حالته الصحية:
"قُسم."
"بابا أنا عندي مشوار ضروري مش هتأخر."
قالتها بتعجل وهي تغادر الشقة، ليوقفها من جديد بعد أن فتحت باب الشقة يقول:
"قُسم تعالي هنا."
عادت للدخول بضيق شديد تقول بضيق:
"نعم."
"أنا اتفقت مع حازم إن فرحكم الخميس الجاي اللي بعده."
قالها بجدية لتقول بلا مبالاة:
"آه، وماله... عن إذنك."
"إنتِ رايحة فين؟"
قالها "حازم" بفضول، لتجيبها بنبرة حادة غاضبة وهي تشمئز الآن وجوده:
"مالكش دعوة."
غادرت قبل أن يوقفها أحد وأغلقت باب الشقة.
***
جاءت "رزان" إلى "نورهان" في الطابق الثاني من شركتها، حيث تقف مع العارضات وتباشر المنتج الجديد مع الموظفين. قالت بهدوء:
"دكتورة نورهان."
ألتفت "نورهان" إليها بجدية وقالت للموظف:
"هنكمل كلامنا مرة ثانية، تعالي يا رزان."
اقتربت "رزان" منها بهدوء وتحدثت بنبرة خافتة:
"مدام تيا كلمتني امبارح وطلبت مني طلب كده في السر بدون معرفة حضرتك."
سارت "نورهان" إلى طريق مكتبها بجدية وخطوات تحمل من وقارها الكثير والهيبة، قالت بنبرة جادة:
"تيا بتلعب من ورا ظهري، ويا ترى بقى أي الطلب؟"
تنحنحت "رزان" بلطف قبل أن تتحدث خائفة من ذكاء "نورهان" وجحودها في آن واحد قائلة:
"أراقب أنس بيه وأجيبلها سجل مكالماته كامل."
ت وقفت "نورهان" عن السير من هول الصدمة التي ألحقت بها بعد أن سمعت كلمات "رزان" واتسعت عينيها على مصراعيها وهي تقول بتلعثم:
"أراقب أنس؟ قصدك إن تيا بتشك في البيه؟"
"دا اللي أنا فهمته من كلامها لكنها مقالتوش صريح."
قالتها "رزان" مما جعل "نورهان" تصمت قليلاً لتفكر وتستوعب هذه الخطوة من "تيا" ابنتها، فقالت بمكر شديد:
"اعملي اللي طلبته منكِ، لكن ما تعرفيهاش أي حاجة قبل ما تقولي له. ولو اكتشفتي إنه بيخونها تستعدي لمسحه من على وجه الأرض، لأن مش بنت نورهان الحديدي اللي تتخان."
أكملت طريقها إلى مكتبها بعقل بدأت حربه في التفكير.
***
[[ شركة الحديدي ]]
خرجت "ليلي" من مكتب "غفران" عابسة وتتمتم بالكثير من الكلمات غير المفهومة وتمزق بعض الأوراق بقوة تدل على انفعالها. فرأت "عُمر" يجلس على مكتبها، ليرفع حاجبه الأيسر متعجبًا تذمر محبوبته، فقال:
"مالكِ يا ليلي؟ بتبرطمي ليه؟"
"مالي بجد! أنت بتسأل؟ أقولك مالي. مش طايق نفسه من ساعة ما جه وزعيق وشخط طول الوقت. رجع القهوة مرتين ورابع مرة أطبع الفايل وأقوله عديه، وطرد اثنين من الموظفين كانوا بيشربوا سجاير على السلم. وطلب ألغي كل الاجتماعات النهاردة وأنا في حوسة مع الشركاء بسبب مواعيد الاجتماعات المهمة اللي قعدوا مستنين شهر كامل لحد ما يرجع من السفر عشان أعمالهم وصفقاتهم متعطلة بسبب غيابه. بس كده. عرفت مالي بقى يا سي عُمر؟"
ضحك "عُمر" على تذمرها وانفعالها بسبب رئيسه المتغطرس المغرور الذي لا يبالي بشيء سوى رغباته وما يريده فقط، حتى لو هدم العالم على رؤوس الجميع ما دام هذا ما يريده سيفعل. وقفت أمام ماكينة التصوير لتعيد طباعة الورق من جديد بتأفف حتى فاض بها الأمر. ألتفت إلى "عُمر" بعبوس أكثر وقالت بنبرة حادة:
"هو اتخانق مع مراته؟"
وقف "عُمر" من مكانه ليغادر المكتب دون أن يجيب عليها، محتفظًا بأسرار عمله حتى مع محبوبته. فمسكت "ليلي" يده قبل أن يفعل. نظر إلى وجهها الجميل رغم شدة العبوس لتقول "ليلي" بجدية:
"أنا بتكلم جد يا عُمر. هو النهاردة في حالة مزاجية صعبة التعامل معاها نهائيًا. أنت متخيل كم الغضب اللي أنا فيه ده وأنت نفسك عارف إنه بيعاملني ألطف من الباقي عشانك. تخيل باقي الموظفين مع قسوته وجحوده ده عاملين إزاي وأنا أقل واحدة فيهم غضب بسببه."
تنحنح "عُمر" بلطف شديد ثم قال:
"متقلقيش يا حبيبتي، بعد كام دقيقة هتلاقي مزاجه اتغير."
عقدت حاجبيها بعدم فهم لأي شيء من كلماته وقالت بجدية:
"اشمعنى؟ أنا ألغيت اجتماع المهندسين في التوقيت ده."
ضحك "عُمر" على سذاجتها وقال بعفوية:
"هو اجتماع المهندسين بيحسن مزاجه برضو يا لولو؟ افهميها إنتِ بقى، عيب تبقي سكرتيرة غفران الحديدي وأيده اليمين في الشركة ومتفهمة."
قاطعهم صوت أنثوي رقيق من الخلف يقول:
"مساء الخير."
ألتف "عُمر" بوجه حاد، بينما نظرت "ليلي" لترى "قُسم". فتاة من هيئتها أدركت أنها بسيطة جداً، ترتدي بنطلون جينز وتيشيرت بنصف كم فوقه سترة جينزية ووشاح أحمر اللون حول عنقها وشعرها الكستنائي مسدول على ظهرها بحرية. بشرتها خالية من مساحيق التجميل نهائياً وفي قدمها حذاء رياضي، مما أدهش "ليلي" التي تقدمت نحوها ولأول مرة ترى فتاة في هذه الشركة الفاخرة ترتدي حذاء رياضي، لطالما كان الأهم حسنة المظهر. وقالت:
"تحت أمرك، حضرتكِ بتدوري على حاجة أو ضعتي طريقك؟"
ر مقت "قُسم" هذا الرجل الغليظ الذي جلبها إلى هنا بالتهديد، وقالت بحدة:
"ما ترد يا عُمر بيه وتقولها جبتني ليه؟"
أستدارت "ليلي" بفزع إلى "عُمر" وصرخت بقوة دون أن تدرك الأمر:
"يا نهارك مش فايت! أنت اتجوزت عليا.... شقطتها منين دي؟ طبعاً عشان كده عامل تقول لي مش فاضي مش فاضي لحد ما اتجوزت عليا يا خاين وببجاحتك جايبها لي لحد هنا."
"يا آنسة..."
قالتها "قُسم" بلطف محاولة تصحيح الأمر، لكن هذه العاشقة لم تكن بنفس القدر من اللطف لتستدير لها وبسرعة البرق جذبتها من شعرها ليبدأ بينهما شجار من هجوم "ليلي" وصراخ "قُسم" المتألمة من قوتها، مدافعاً عن نفسها وتحاول الخلاص من يدي هذه الفتاة.
اقترب "عُمر" بسرعة جنونية منهما وصوت الشجار ملأ المكان ليحاول إبعاد فتاته عن "قُسم" بخوف من غضب "غفران" إذا علم. وحتى "ليلي" المهاجمة إذا علمت بحقيقة هذه الفتاة ستموت رعباً. قال بذعر:
"سيبها يا ليلي، وهفهمك. يا بت سيبها يخربيتك....."
قاطعه فتح باب المكتب وخروج "غفران" على صوت الصراخ. توقف الجميع عن فعل كل شيء وما زالت يد "ليلي" تمسك تيشيرت "قُسم" حتى لا تهرب من مخالبها القوية. ظل يحدق بهما جاهلاً عن هوياتهما، لكنه يعرف "عُمر" من ملابسه في الصباحية، وهكذا "ليلي" رغم سقوط شارة اسمها عن سترتها، لكنه يعرف ملابسها اليوم. تسأل في صمت عن الفتاة التي تضربها "ليلي" بقوة وعجزه في الرؤية جعله صامتاً لثوانٍ، حتى تحدثت "قُسم" صارخة بانفعال:
"قال لك هيفهمك."
"قُسم."
قالها "غفران" بذعر بعد أن سمع نبرة صوتها المحفور في أذنيه وذاكرته. أقترب خطوة منها ليبتلع "عُمر" لعابه قليلاً وقال:
"حصل سوء تفاهم يا مسيو غفران وليلي هتعتذر فوراً."
أغمض عينيه بهدوء قبل أن ينفجر غاضباً بوجه موظفته على ما فعلته، لترتجف يدي "ليلي" بخوف وتترك ثياب "قُسم" قبل أن يفتح عينيه. أنحنى قليلاً ليأخذ الوشاح من الأرض وعاد للوقوف أمامها ووضعه حول عنقها بلطف، مما جعل "ليلي" تصدم مما يفعله وعقله سرعان ما ترجم الموقف وأن هذه الفتاة مجهولة الهوية تخص "غفران" الذي سيقطع رأسها على لمس شيء يخصه، وهي لم تقترف اللمس فقط، بل قامت بضربها بكل قوتها. حدقت "قُسم" بعينيه وهو يضع الوشاح لها وكانت في عالم آخر غير المجاورة لها المرعوبة منه. كانت غارقة بجمال عينيه والشوق الذي أشعل فتيلته داخل قلبه من رؤيته. لم تراه منذ أيام وتعاقبه على شيء اقترفه في حقها في وقت الخوف. كان جميلاً لكن عينيه حزينتين وباردتين. لا يمكن بصفاء النفس والبال كما كان في فرنسا. أنفاسه غير منتظمة تضرب وجنتيها بتردد. تسللت يديه إلى رأسها يهندم خصلات شعرها بحنية ودفء يثر نبضات قلبها العاشق وقشعريرة احتلت جسدها كاملاً. رمقت "ليلي" رأسها بخوف رغم الدهشة التي ألجمتها من تصرفاته الدافئة معها في حين أنه من بداية اليوم غليظ وحاد مع الجميع. تساءلت أين ذهبت قسوته التي كانت قبل قليل.
أخذها "غفران" من يدها إلى داخل. فنكز "عُمر" كتف "ليلي" بقوة وقال بصراخ حاد:
"أنا لو هخونك يا جزمة هجبهالك لحد هنا. وبعدين أنا عندي وقت أحبك فيه عشان يبقي عندي وقت أشوف غيرك. والله لأوريكِ يا ليلي على الإحراج اللي عملتيه ده. اتفضلي قدامي تخشي تعتذري ليها على اللي عملتيه."
جلست "قُسم" على المقعد المقابل لمكتبه وهي تحرك كتفها بلطف من الألم الذي سببته لها "ليلي". ليقول "غفران":
"إنتِ كويسة؟"
صمتت قليلاً وتذكرت بكاءها في الطريق إليه بعد أن حدد والدها موعد الزواج، والآن الضرب الذي تعرضت له. فُتح باب المكتب ودلف "عُمر" أولاً، وكانت "ليلي" تختبئ خلف ظهره من الخوف، ليقول بهدوء:
"مسيو غفران...."
قاطعه "غفران" بنبرة حادة وقوية أرعبت "ليلي" من أرضها، يقول:
"ليلي."
ظهرت من خلف ظهره تقول بتلعثم شديد ويديها ترتجف:
"والله ما كنت أعرف إنها حبيبتك يا مسيو غفران، هي قالت لي اسألي عُمر وفكرته بيخوني معاها."
ضحك "غفران" على غير المعتاد منه ضحكة خافتة بعد أن وصفت "قُسم" بحبيبته من أول لقاء. نظرت "ليلي" إلى "عُمر" بحيرة بعد أن ضحك "غفران" ومسكت سترته من الخلف بعجز، فأشار "عُمر" لها برأسه بأن تعتذر:
"أنا آسفة لحضرتكِ."
ضحكت "قسم" بعد أن فهمت أن هذه الفتاة حبيبته، فقالت بعفوية:
"ولا يهمك، أنا كان لازم أجاوبك إني جاية في ميعاد مع غفران وأكون أوضح في جوابي."
"مش زعلانة، لأحسن إنتِ هتمشي من هنا وأنا هتعلق أقسم بالله."
قالتها "ليلي" بعفوية رغم خوفها من وجود "غفران". هزت "قُسم" رأسها بلطف وقالت:
"أكيد."
نظرت "ليلي" بلماضتها وعنادها الطفولي إلى "غفران" وقالت بجدية صارمة تقلده:
"حضرتك سمعت أهو، قالت مش زعلانة وقبلت اعتذاري. أي قرار هتتخذه ضدي هرجع للجنة الشئون القانونية ويفصل بينا المحاكم و....."
وضع "عُمر" يده على فمها يمنعها من الحديث أكثر وقال:
"بعد إذنك، يلا ليلي.. يلا يا حبيبتي."
غادرت "ليلي" وحدها، فنظر "غفران" إلى "قُسم" التي سحبت ابتسامتها بعد مغادرة "ليلي" وتحول وجهها للعبوس وقالت:
"طلبتني."
قدم "عُمر" نسخة العقد إلى "قُسم" وقال بنبرة جادة:
"أستأذنكِ يا آنسة قُسم تقرأي بنود العقد كاملة وخصوصًا آخر ورقة."
أخذت "قُسم" العقد بتذمر شديد متمتمة:
"جايبني على ملأ وشي عشان أقرأ لك العقد؟ كنت أقرأه لنفسك يا عُمر... بعدين أي آنسة قُسم اللي ماسك لي فيها دي."
كانت تحدثه متذمرة على الطريقة الرسمية ويدها تقلب صفحات العقد حتى وصلت للأخيرة وبدأت تقرأ في صمت، اتسعت عينيها على مصراعيها ورفعت رأسها بصدمة ألجمتها وأوقفت نبضات قلبها بقوة لتقول بانفعال شديد ويديها ترمي العقد في وجه "غفران":
"إيه دا؟ ممكن حد يشرح لي أي الجنان ده؟"
"أشرح لك يا آنسة قُسم. العقد اللي مضيته عليه خلاصته بتقول إن مسيو غفران هيدفع تكاليف جراحة والدك بزراعة القلب وإقامة المستشفى ومرافقتك لهم فيما يعادل مليون جنيه، في المقابل حضرتك هتكوني موظفة عنده لمدة سنتين ولا يحق لكِ مخالفة أوامره وإلا سيكون مخالف للعقد وتدفعي شرط جزائي مليون جنيه اللي دفعهم مسيو غفران."
"دا جنان..."
قاطعهم "عُمر" للمرة الثانية يتابع الحديث قائلاً:
"والورقة اللي قبل الأخيرة كان عقد زواج عرفي بينك وبين مسيو غفران وبعد الإمضاء حضرتكِ أصبحتِ زوجته."
وقفت من مقعدها من هول الصدمة وهي لا تصدق أنها تزوجت منه بغبائها وفي لحظة الخوف تملك منها على والدها وأرادت إنقاذ حياته لتقع في وكر هذا الأسد. صرخت بنبرة عالية تكاد "ليلي" سمعتها من الخارج وهي تقول:
"إنت مريض، لا دا مش مرض دا جنان. أنا مستحيل أكون مراتك ومستحيل أتجوزك. أنا سبتهم بيحددوا فرحي بعد أسبوعين جاي تقولي إني متجوزة وشكلي وسمعتي قصاد الناس. وأبويا اللي لسه قلبه مفتوح متخيل خبر زي ده ممكن يعمل فيه إيه؟"
اقترب "غفران" من المكتب نحوها يحدق بها وقال بنبرة غليظة:
"إنتِ مراتي سواء قبلتي أو رفضتي يا قُسم."
"مستحيل العقد ده تبله وتشربه. دا أنا أموت ولا إني أكسر ظهر أبويا وأوطي رأسه."
قالتها بغضب سافر لتغادر المكتب، فأسرع "غفران" خلفها وصعد المصعد معها قبل أن يغلق، فقالت بضيق:
"إنت إزاي طلعت بالقرف ده؟ أنا كنت شايفاك حد محترم مش حد زبالة بيستغل مرض وحاجة الناس عشان ياخد اللي عايزه."
وقف أمامها يلهث بقوة من ركضه وقال بنبرة هادئة:
"أنا مش وحش يا قُسم، أنا بني آدم."
"الجوازة دي باطلة وفي الشرع متحتسبش. الجواز قبول وإشهار وأنا لا قابلة ولا أشهر."
قالتها بحزن ودموعها تسيل على وجنتيها بتعب وصدمتها تكاد تفقدها الوعي، لكنها تصمد قدر المستطاع. أقترب خطوة واحدة منها حتى باتت أنفاسهما واحدة مختلطة، ليقول بدفء:
"موافق، هحرق العقد وهطلبك شرعًا... تتجوزيني يا قُسم."
رمقته بصدمة أكبر وقدميها لم تعد تتحمل أكثر وقلبها يرتجف بوجع يعتصره، وقالت:
"ليه؟ أنا دوست على كل حاجة عشان أهلي وسمعتهم وقبلت بكل حاجة. شيلت كل الحمل لوحدي وقبلت أتجوز حازم بالغصب عشان أهلي وأبويا المريض. إنت ليه متتحملش عشان خاطر بيتك؟ ليه تتجوزني أصلاً؟ إنت طلعت وحش أوي يا غفران بيه."
أجابها بعناد مدافعاً عن حال قلبه:
"أنا مش وحش يا قُسم. أنا لو وحش كنت قسيت عليكِ لما هجرتني في فرنسا. أنا صونتك واحترمتك حتى وإنتِ معايا في بيت واحد وكنتِ مراتي على فكرة. أنا مقدرش أذيكي بس كمان مقدرش أبعد عنكِ والقرار في إيدك تقبلي تتجوزني وأعزك وأجي لحد أهلك وأطلبك منهم وأكتب عليكي رسمي أو ورق الجواز العرفي يروح لأهلك بدلي."
تمتمت بضعف ولهجة واهنة:
"إنت بتعمل فيا كده ليه؟ أنا كنت جاية وفاكرة إني ممكن أتسند عليك وأقولك ساعدني عشان هيجوزني غصب عني لراجل مبحبوش. أجي ألاقيك إنت كمان بتبيع وتشتري فيا. هو كلكم بتبيعوا وتشتروا فيا كأني كلبة في حياتكم؟ محدش سألني أنا عايزة إيه؟ أنا مش هتجوزك إنت مبتحبنيش وأعلى ما في خيالك أركبه. أنا محدش يكسرني ولا يذلني... نجوم السماء أقرب لك يا غفران بيه، أي كان أسبابك أي، أنا مستحيل أتجوز راجل من باب الصفقات."
قالتها بعناد شديد وتحدي لا تخشى شيء مهما كانت العواقب ولا تفهم أو تستوعب سبب رغبته الشديد في الزواج بها حتى أنه كتب عقد زواج. تألم قلبه لحديثها وهي تخبره أنها لا يكن الحب لها وتذكر كيف أخبرته "ليلي" بالأعلى أنها محبوبته والجميع يشعرون بحبه لها إلا هي، فقال بعناد وعصبية أكثر متنازلًا عن دلالها بلطفه وكان أكثر عدوانية منها:
"كل اللي حوالينا شايفين حبي ليكي وغيرتي قلبي وعقلي عليكِ، خوفي وقلقي ومحاولتي الدائمة في إسعادكِ."
اتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها من هول الدهشة التي سقطت عليها من كلماته العاطفية التي تثر نبضات القلب وتقشعر البدن. تمتمت بنبرة خافتة متلعثمة في الكلمات:
"أنا مش فاهمة حاجة!!... غفران بيه إنت تقصد إيه؟"
أخذ خطوته الأخيرة نحوها حادقًا بوجهها الضبابي بعينيه المريضتين، لم يقوى على تحمل الفراق وإذا كان الاعتراف هو فرصته الوحيدة في البقاء جوارها فحتماً لن يتخلى عن هذه الفرصة. تحدث بنبرة قوية قائلاً:
"معقول!!! إنتِ الوحيدة يا قُسم اللي مش شايفة حبي المتمرد عليكِ، حبي المتكبر اللي مش قادر أكتمه جوايا أكتر من كده. أنا بحبك يا قُسم!!"
انتفض جسدها بدهشة قاتلة ألجمتها كاللجام وقيدت أطرافها بالأرض. توقف عقلها عن استيعاب أي شيء آخر يتفوه به. تسارعت نبضات قلبها الجنوني و"غفران" قد أحيا بداخلها المشاعر التي كبحتها بالقوة ودهستها بأفكار عقلها المنطقية. أنفاسها تعلو شيئاً فشيئاً مع حركة صدرها التي تعبر عن قوة الشهيق والزفير اللذان يضربا ضلوعها بشدة. قالت بتوتر حاد وتلهث من قوة أنفاسها:
"بتحب مين؟! إنت مجنون! لا، لا، لا، إنت فعلاً مجنون إنت متجوز ومراتك وبنتك طب وأنا مخطوبة. وخطيبي؟؟؟ لا، دا أنا فرحي بعد أسبوعين. إنت عارف خبر زي ده ممكن يعمل فيك إيه؟ دا ممكن يدمر كل حياتك ويهد اسم غفران الحديدي تماماً... انسي يا غفران، انساني عشان تقدر تعيش وأنا كمان أقدر أعيش قبل ما أهلي يقطعوا رقبتي."
قالت كلماتها القاسية بعينين دامعتين، رغم طلبها للفراق، لكنها حقاً عاشقة له. لم تذق الحب سوى معه ولأول مرة تشعر بدقات قلبها ويرتجف جسدها فرحًا معه وحده. تجرعت العشق رشفةً برشفة في كل لقاء جمعهما حتى أنهت كأس العشق وباتت عاشقة. استدارت بحزن يمزقها من الداخل رغم تحليها بالصمود والقوة أمامه، رافضة أن تصبح العشيقة اللعينة التي تسرق الزوج من زوجته والأب من ابنته. أوشكت على مغادرة المصعد الذي فتح أبوابه وقبل أن تخطو خطوة واحدة خارجه شعرت بيده القوية تمسك رسغها الأيسر بإحكام. التفت ناظرة بوجهه وكان رجاله يقفون أمام المصعد بانتظاره ليقول:
"كنت عارف إن بنت بشخصيتك وعنادك وكبريائك هترفض. عمري ما قابلت حد بكبرك وتمردك يا قُسم. ولو كان المال مقدرش يجمعني بيكي يبقى القوة تقدر. أنا مستحيل أتخلى عن حاجة أنا عايزها، إنتِ ملكي أنا يا قُسم لأخر نفس في عمرك ليا أنا وبس، حتى لو عشت عمري كله أروض برية زيك يا قُسم.... خدوه."
اتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها من الصدمة. لا تصدق أنه خطط لكل شيء حتى اختطافها لكي يجبرها على هذا العشق الكامن بداخله. لا تعلم أهذا العشق ملاذ أم جحيم؟ لكنها تعلم شيء واحد أن "غفران الحديدي" لن يتركها ترحل. سحبها رجاله بالقوة معهم حتى أوصلوها إلى القصر لتكن تلك الفراشة الحرة أسيرة قصره وباتت البرية سجينة صيادها.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور زيزو
دقت الساعة التاسعة مساءً ولم تعُد "قُسم"، وبدأ الجميع في حالة من الذعر عليها، ليقول "جميل" بتعب:
- هي ما قالتش قصادكِ هي رايحة فين يا ملك؟
أجابته "ملك" بقلق على صديقتها المتغيبة من العصر:
- والله أبدًا يا عم جميل، أنا أول ما قُلتلها إنكم حددتوا الفرح بعد أسبوعين قالت إنها خارجة، لكن مجبتش سيرة هي رايحة فين؟
حاول "قاسم" أن يتصل بها مرة أخرى وهاتفها مغلق، ليقول بذعر:
- برضه تليفونها مقفول.
وقف "حازم" من مقعده بقلق وقال:
- أنا لازم أنزل أدور عليها، مش هفضل قاعد كده ومش عارف حصلها حاجة ولا لأ.
تحدث "قاسم" بقلق على أخته قائلاً:
- خدني معاك يا حازم.
سألتهما "صفية" بنبرة واهنة وعينيها تبكي بقلق على ابنتها تقول:
- هتدوروا فين بس؟
- في أي حتة يا عمتي، المهم أوصلها، هسأل عند صحابها في الحضانة اللي بتشتغل فيها، في أي مكان.
قالها بقلق شديد على محبوبته المختفية لأول مرة على عكس عادتها، وخرج من الشقة مع "قاسم".
***
دلفت للقصر بصحبته وهو يسحبها من ذراعها معه، بينما "قُسم" تصرخ به بعناد وتحاول الإفلات من يديه القوية قائلة:
- سيبني، أنت مجنون، اللي بتعمله ده اسمه خطف وأنا مش هسكت وهوديك في ستين داهية.
- فاتن!
قالها بحدة صارمة، لتأتي إليه مهرولة بذعر من نبرته، فرأته يمسك "قُسم" وخلفه "عُمر" ورجلين من رجال الأمن الخاص بالقصر، ليدفع إليها "قُسم" بقوة وقال:
- تطلعيها فوق الأوضة ومتطلعش منها إلا بأمر مني، وأنتم لو رجلها خطت برا باب القصر، يُفضل تضربوها بالنار بدل ما أنا اللي أضربكم بالنار.
اقتربت "قُسم" منه رغم محاولة "فاتن" من منعها، لتدفع يدها بقوة، اقتربت منه حتى وقفت أمامه وقالت بعناد وتحدٍ:
- اللي بتعمله ده جريمة.
وضع يديه في جيوب بنطلونه بكبرياء هو الآخر وقال:
- أول ما تطلعي من هنا حية، ابقي عدي على أقرب قسم وبلغي عني إني خطفتكِ.
تأففت بعناد وصرخت مرة أخرى بجنون يكاد يفقدها عقلها:
- أنت عبيط، أنا ليا أهل برا وشغلي وحياتي!
ضحك "غفران" بسخرية على كلماتها وقال بينما يده تمسك ذقنها بإذلال:
- أنسيهم، لأن أهلك لا هتشوفهم تاني ولا شغلك هتروحيه، إنتِ هنا يا قُسم بتاعتي أنا وبس، حياتكِ من اللحظة دي بقت عبارة كونكِ سجينة في القصر ده، فحاولي تتأقلمي عليه بسرعة عشان حياتك تبقي أسهل، مع إني عارف إن اللي زيك مش هيتأقلم وهيفضل يعاند، وده اللي بحبه فيكِ.
ضربته على صدره بقوة بقبضتيها الاثنتين صارخة بوجهه أمام الجميع:
- أنت فاكر نفسك بتشتري جارية من سوق العبيد، أنت متخلف!
نزلت "كندا" من الأعلى ومعها طفلتها على صوت الصراخ، لتُصدم من رؤية "قُسم" وكونها هي الفتاة التي سرقت زوجها منها، حتى سمعت الشجار القائم بينهما. ذهل الجميع من ضربها إلى "غفران" وسبها له، ولأول مرة يتجرأ أحد على فعل ذلك، فحتى زوجته "كندا" تأخذ الإذن قبل الحديث معه. تبسم "غفران" في وجهها ليُثير أعصابها وجنونها أكثر ببسمته.
ثم قال بصراخ:
- أنا متخلف؟
- فاتن!
اقتربت من "قُسم"، ليقول بجدية حادة، مُعاقبًا هذه الفتاة:
- تتحبس في أوضتها من غير أكل أو شرب لحد ما أنا آمر، أصل اللي يغلط لازم يتعاقب عشان يتعلم الأدب، وأنا شكلي اللي هعلمك الأدب يا قُسم وأعلمك إزاي تتكلمي مع جوزك.
دفعت "فاتن" بعيدًا عنها بعناد واقتربت خطوة منه بتحدٍ، ثم قالت:
- ومن قالك إني ممكن آكل حاجة من بيتك حتى لو كان قصادي وليمة، أنا بكرهك يا غفران، بكرهك زي ما أنا بكره اليوم اللي جمعني بيك، وبكره أي حاجة من ناحيتك حتى الأكل في بيتك بكرهه، أنا بقرف منك ومستحيل أتجوزك.
رفع حاجبه بقوة باغتياظ من غلاظتها وعنادها معه، ليُسحبها في يده للدرج عوضًا عن "فاتن" وهي تصرخ به بجنون. رمقته "كندا" التي فهمت من الحديث أنه يجبر "قُسم" على العيش معه والزواج به، ولا تفهم إلى أي درجة وصلت قسوته وجبروته حتى يخطف فتاة من أهلها ويجبرها على الزواج منه والعيش معه. لتشفق على "قُسم" رغم أنها ستأخذ محلها هنا، لكن حياتها ستكون مرعبة في هذا القصر بعد أن باتت سجينته. لم تقبل "قُسم" الأمر الواقع وسحبه إليه لتقاومه بقوتها وتحاول الإفلات منه وهي تدفعه بقوة في صدره، ليسقط "غفران" عن الدرج معها حتى وصلوا للأسفل. رأت الدماء تسيل من رأسه على الأرض وهي بين ذراعيه يحتضنها بقوة حتى لا تُصاب. هرع الجميع نحوهما، فأخذتها "فاتن" من يده وساعده رجاله في الوقوف، وقال أحدهم:
- أطلب الدكتور.
لم يبالي بجرح رأسه وتحذير طبيبه له بأذي رأسه حتى لا يصبح الأمر أكثر خطورة. اقترب من "قُسم" بذعر يفحصها بعينيه ويديه تمسك أكتافها بقلق ويقول:
- إنتِ كويسة؟ أجبلك الدكتور.
نظرت له بصدمة من رد فعله التلقائي، في حين أن رأسه ينزف، وهي تعلم أنه يشتكي كثيرًا من هذا الرأس وخصوصًا فترة سفرهما إلى فرنسا، لكنه لا يبالي بنفسه وسلامته ويقلق عليها. كان القلق واضحًا في عينيه ونبرته التي تخلت عن العناد والكبرياء بدأت أكثر دفئًا وقلقًا. هزت رأسها بالنفي، متنازلة هي الأخرى عن عنادها وتمردها. وضع يده على رأسه من الألم والصداع الشديد الذي أصابه، فشعرت "قُسم" بيده الممسكة بأكتافها تزداد قوة وضغط عليها. اقتربت خطوة منه بقلق وقالت بنبرة هادئة:
- أنت كويس؟
- قُسم...
قالها وسقط فاقدًا للوعي، لتتشبث به بقوة بين ذراعيها وثقلت رأسه على كتفها حتى أوشكت على السقوط به من ثقل جسده الضخم على جسدها النحيل، ليقترب رجاله ويأخذوه منه، وأتصل أحدهم بالطبيب لأجله، بينما أخذتها "فاتن" إلى الغرفة حسب أمر "غفران" حتى يأمر بخروجها.
***
عاد "حازم" مع "قاسم" الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى المنزل، فهرعت "صفية" إليهما وقالت:
- ها، عملتوا إيه؟ لاقيتوها؟
هز "حازم" رأسه بالنفي والقلق قد تمكن منه حتى فقد أعصابه من الخوف عليها والوقت قد تأخر. أجاب "قاسم" على والدته بحزن شديد:
- لا، سألنا في الحضانة وعدينا على القسم والمستشفيات اللي جنبنا كلها ومحدش يعرف عنها حاجة.
جهشت "صفية" في البكاء بخوف على طفلتها وألتفت إلى زوجها المريض وقالت بانفعال:
- خلي بالك لو بنتي عملت في نفسها حاجة ولا جرالها حاجة بسبب قرارك، أنا عمري ما هسامحك.
دُهش "جميل" من كلماتها وقال بجدية:
- أنا!!
- آه أنت، بنتي خرجت من البيت لما قررت تجوزها لواحد هانها ووجعها وبتكرهه.
قالتها بغيظ شديد من قرار "جميل" للزواج الخاص بابنته، ودلفت للغرفة بقلق يجتاحها ولا تعرف ماذا تفعل ولا أين يجب أن تذهب للبحث عن ابنتها؟ صرخ "جميل" بغضب يقول:
- أنا اللي غلطان عشان حبيت أحميها من حبها لراجل متجوز...
قاطع كلماته من التعب وهو يضع يده على قلبه، ليذهب "قاسم" نحوه يساعده في الجلوس على المقعد. حدق "حازم" به بعد أن سمع كلماته عن حب "قُسم" لرجل غيره، مصدومًا وقال بتلعثم:
- قصدك إيه يا جوز عمتي، قُسم بتحبه صح؟
لم يُجيب عليه، فهز رأسه بجنون منفعلًا وقال باغتياظ:
- يبقى هي راحت له تتحامي فيه، بنتك هربت من بيتك قبل فرحها وراحت لراجل تاني عاشقاه، بس أنا هعرف أجيبها إزاي.
غادر الشقة بغضب ناري يحرقه من الداخل، متواعدًا بالانتقام من "قُسم" على ما فعلته بقلبه وإهانتها لكرامته ورجولته أمام الجميع.
***
فحصه الطبيب وكان الجرح سطحي، ليضمده وقال بنبرة هادئة:
- مفيش داعي للقلق يا غفران بيه، ممكن الدوخة تكون أثر الوقعة بس.
أومأ "غفران" إليه بنعم وهو يقف من فراشه، ليقول الطبيب بجدية:
- حضرتك لازم ترتاح.
- أنا كده مرتاح.
قالها "غفران" بهدوء وأغلق أزرار قميصه الملوث بقطرات الدماء وخرج من الغرفة قبل مغادرة الطبيب، ليسأله "عُمر" بقلق:
- حضرتك قمت من السرير ليه؟
- هطمن على قُسم، أنا واثق إنها هتكون زي المجنونة في الحبس ده.
قالها بقلق على فتاته المتمردة. نظر إلى "كندا" الواقفة بعينين دامعتين من الحسرة وترمقه باشمئزاز وتقزز وتحتضن طفلتها أمامها. تجاهل وجودها ومر من أمامها، لتقول باشمئزاز من الألم:
- وصلك بيك الأمر لإنك تخطف بنت وتجبرها على الجواز منك، كل ده ليه عشان تقهر قلبي؟
التف إليها ببرود شديد، مستمرًا في دهس قلبها العاشق له، وقال بغلاظة:
- عشان بحبها، قلبك ده يا كندا ولا يساوي فردة جزمة عندي عشان أتعب نفسي وأفكر إزاي أقهره، إنتِ متستاهليش حتى دقيقة واحدة في وقتي عشان أفكرها فيكِ.
اقترب "عُمر" منه قليلًا وهمس في أذنيه قائلاً:
- مسيو غفران مش قصاد نالا، البنت خايفة وبتعيط، بلاش القسوة على مامتها قدامه.
نظر إلى "نالا" الحزينة، جاهلًا عن ملامحها الباكية، وغادر من أمامهم إلى غرفة "قُسم" التي كان يقف أمامها رجل من الأمن، ليأخذ منه المفتاح ويفتح الباب، ثم وجل. رآها جالسة على الأريكة تضم قدميها إلى صدرها وتبكي من الحزن والوحدة. رأته يدخل من الباب، فهرعت من مكانها نحوه وقالت:
- أنت حابسني هنا بجد؟
كان مصدومًا وهو يحدق بها، لا يشعر بشيء ولا يهتم بكلماتها، لا يصدق ما تراه عيناه المريضة الآن. كانت "كندا" أمامه ضبابية ولم يتمكن من رؤية دموع طفلته وحزنها في نفس اللحظة التي تقف "قُسم" أمامه بعينيها الخضراوين الباكيتين ووجهها الأحمر من شدة بكائها وشفتيها المجروحة من أسنانها في سقوطهما. لا يصدق أن عينيه تمكنت من رؤية "قُسم" مرة أخرى ومن جديد، فقال بتلعثم من الصدمة:
- قُسم؟
رمقته باستغراب ونظرته الحادة بها غريبة ومختلفة، ليست غاضبة أو سعيدة، بل يحتلها الشوق كأنه لم يراها من زمن، رغم أنها كانت معه من دقائق. رفع يده إلى وجهها خائفًا أن تكون هذه تخيلات أو وهم، حتى لمس وجنتها الحارة بأنامله الباردة وقال بحنان:
- إنتِ قُسم بجد؟
لم تفهم سؤاله، فابتلعت لعابها بخوف أن يكون أصاب رأسه حقًا وقالت بذعر:
- في إيه؟ أنت كويس، حد قالك إني اتغيرت؟ ما أنا قدامك أهو، قُسم.
لم يتمالك أعصابه أكثر، ليُسحبها نحوه يضمها بقوة من هول الصدمة وبدأت أنفاسه تعلو شيئًا في شيء، فظلت ساكنة من الصدمة وسؤاله عنها جعلها ترتجف خوفًا، حتى سمعت صوت أنفاسه وتنهدته القوية بارتياح كأنه وصل لبرا الأمن الآن بعد شقاء كبير في طريقه. دفعته بقوة بعيدًا عنها وعادت للعناد والصراخ تقول:
- أنت مجنون، إياك تفكر تلمسني مرة تانية، لتكون صدقت فعلاً إنّي مراتك، ده نجوم السماء أقرب لك يا غفران.
أسكتها حين جذبها بقوة من جديد، لا يبالي بتهديدها، يضمها في صدره ويشعر بنبضات قلبها ودفء جسدها. شعرت بيديه تحيط رأسها كاملة كأنه يدفن رأسها بين ضلوعه ويهمس في أذنها بخفة:
- هنتخانق يا قُسم، هنتخانق، بس دلوقتي خليكِ معايا ثواني بس.
لا تفهم ماذا يدور معه، لكن الشيء الوحيد الذي تعرفه أنه بحاجة إلى هذا العناق أكثر من أي شيء الآن. رغم أنها لم تقبل بحقيقة الأمر وما فعله معها، لكن في النهاية وحقيقة الأمر هي زوجته المتمردة مهما صرخت وجن جنونها. أغمض عينيه مستسلمًا للسكون بها، وقد باتت فتاته هي سكنه ومسكنه الوحيد. همست بلطف بصوت مبحوح من رأسها المدفونة في صدره:
- ممكن كفاية كده.
أبتعد عنها ملبيًا طلبها ورغبتها، ليحدق بهذا الوجه الملائكي الذي حُرم منه طويلًا، فقالت:
- ممكن تمشيني بقى وترجعني لأهلها وبيتي.
تبدل حنانها إلى غلاظة وقال بعناد:
- لا، لأن ده بيتكِ يا قُسم، الست مكانها مكان ما يكون جوزها، وقولتلكِ أنسي أهلك ده لو عايزاني أفضل معاكِ غفران اللي تعرفيه، لأني وحش أوي يا قُسم، وزي ما أمرتهم يقتلوكِ لو طلعتي من القصر، لو فضلتِ تزني على أهلكِ أنا ممكن أقتلهم عشان أخلص من صداعك.
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألحقت بقلبها وعقلها، وهو يتحدث عن القتل كأنه شرب ماء بسهولة، فقالت:
- تقتل مين؟ أنت مجنون، أنت فاكر إني مراتك بجد؟ فوق يا غفران، أنا مش مراتك والعقد ده مزور، أنا موافقتش على الجواز منك ولا كنت أعرف إن فيه جواز، أنت غشيتني ومكنتش صريح معايا، الجوازة دي باطل من كل الجوانب.
هز رأسه بنعم موافقًا الرأي وقال بكبرياء وغطرسة:
- عندك حق.
أخرج من جيبه عقد الزواج العرفي ليضعه أمام أعينها، ثم مزقه بمكر شديد وقال:
- كده مبقتيش مراتي، لكن بكرة هجيب المأذون، ولو مبقتيش مراتي رسمي يا قُسم، أنا هقتل حبايبك كلهم وأحول حياتكِ لجحيم ملهوش نهاية، جحيم يخليكِ تتمني الموت عشان تترحمّي مني.
لم تصدق إصراره على الزواج منها وتمزيقه للعقد دون خوف كأنه واثقًا من موافقتها على الزواج الشرعي منه، ليغادر الغرفة ويغلق الباب بالمفتاح، والآن بعد أن تمكن رؤيتها، أصبح أمر زواجه منها أكثر إلحاحًا وبمثابة الحياة والموت له.
***
- إيه يا رزان؟
- القطة اللي حضرتك طلبتها عشان نالا وصلت الصبح.
قالتها "رزان" وهي تفتح التابلت الخاص بها وتقدم لها فيديو للقطة ذات عمر شهرين، فنظرت "نورهان" على القطة وقالت:
- جميلة، كشفتي عليها وطعمتيها كويس عشان نالا؟
- أكيد، وطلبت خادمة جديدة لرعاية القطة.
قالتها بهدوء، فوافقت "نورهان" بجدية قائلة:
- كويس، ابعتيها للقصر، فيه حاجة تانية؟
قدمت "رزان" فيديو مسجل من كاميرات المراقبة في القصر وقالت:
- الفيديو ده بعته موظف الأمن قصر اللؤلؤ، غفران بيه امبارح وصل للقصر معاه قسم ومخرجتش، ولما سألت الخادمة بتاعتنا هناك، قالت إن فاتن اتصلت بيها الصبح عشان طاقم الخدم هيرجع للقصر.
تركت "نورهان" ما تفعله ونظرت للتابلت تشاهد الفيديو المسجل لـ "غفران" وهو يترجل من سيارته ويسحب "قُسم" التي تدفعه رافضة ما يفعله ودخلوا للقصر، فقالت بخبث شديد:
- قلتي إنها مخرجتش من القصر؟
- أيوه.
تبسمت "نورهان" بمكر وذكاء امرأة حادة، لتقول بجدية:
- متبعتيش القطة، أنا هوديها بنفسي.
أومأت "رزان" إليها بهدوء وقالت:
- هبلغ فاتن إن حضرتكِ هتمري على القصر بعد الشغل.
رفضت "نورهان" بخباثة أكبر قائلة:
- لا، متتصليش بيهم، خليها مفاجأة.
اتسعت عيني "رزان" بدهشة ألجمتها وحدقت مطولًا بـ "نورهان"، ثم قالت:
- بس غفران بيه مش هيقبل ده وهنعمل مشكلة معاه، حضرتكِ عارفة إنه مبيسمحش لحد يدخل القصر بدون إذن مسبق، وبسبب الأمر ده حصل مشكلة قبل كده وبسببه حضرتكِ رفضتي إن يدخل القصر عندكِ بدون موعد سابق.
عادت "نورهان" بظهرها للخلف بارتخاء ثم قالت:
- ده سبب طلبي يا رزان، قُسم من يوم ما ظهرت وغفران ابني اللي أعرفه كسر كتير من قواعده، أولها اقتحامه لقصري لمجرد علمه بوجودها هناك، خيانته لكندا اللي مهما قُلتله إنها خاينة وعلى علاقة بعفيفي غريبة مكنش بيصدق، لكن مع ظهور قُسم، مسك في كام صورة حجة له عشان يبعد عن كندا ويخونها، سفره من هنا لفرنسا عشان والدها، وإنتِ أكتر واحدة عارفة الوقت مهم قد إيه عند غفران، ده لما دخلت المستشفى من سنتين جالي تاني يوم عشان كان عنده اجتماع وأنا أمه، عايزة أعرف رد فعله إيه لما أدخل قصره من غير إذن، عايزة أعرف إيه تاني اتغير في ابني.
أومأت "رزان" بنعم، بينما تتمتم بصوت خافت:
- ربنا يستر، ما علينا، بالنسبة لموضوع أنس، اتصالاته كلها بزملائه في البحرية، لكن اتصالات كتير زيادة عن اللازم برقم محمود صاحبه.
- صاحب السوء، وتحركاته؟
قالتها "نورهان" بضيق، لتتابع "رزان" الحديث:
- اليومين اللي فاتوا مخرجش من القصر غير مرة راح كافي مع محمود برضو.
تأففت "نورهان" باغتياظ ثم قالت:
- ماشي، خليكِ وراه برضو.
***
دق باب المكتب بهدوء، ثم دلفت "فاتن" إليه وقالت:
- صباح الخير يا مسيو غفران.
- صباح النور يا فاتن.
قالها وهو مندمجًا في أوراق عمله المنثورة على المكتب واللاب المفتوح أمامه. بدأت الحديث بهدوء قائلة:
- طاقم الخدم كله وصل زي ما حضرتك أمرت ومستعدين لبدء العمل، كمان صابر السواق الخاص وصل من الشركة بعربية جديدة زي ما أمرت لمرافقة آنسة قُسم في مشاويرها و...
رفع "غفران" رأسه بحدة ونظرة ثاقبة أرعبتها جعلتها تبتلع الكلمات وتتوقف عن التفوه بشيء، ليقول بحدة ويده تنزع نظارة النظر عن عينيه:
- قُسم هانم، اسمها قُسم هانم يا فاتن.
أومأت إليه بنعم، ثم قالت بندم:
- قُسم هانم، عذرًا يا مسيو غفران، أتمنى تسامحني على زلة لساني.
أومأ إليها بنعم وعاد للنظر إلى اللاب، لتتابع بقية الحديث عن أحوال القصر، هاتفة:
- وأستاذ عمر وصل على البوابة الرئيسية بالمأذون، ومدام كندا قافلة على نفسها من امبارح هي ونالا ومبتفتحش ورافضة الأكل حتى لنالا.
ترك القلم من يده بضيق من تصرف زوجته وقال بتمتم:
- لو على الأكل هي متستاهلوش، لكن بنتي ذنبها إيه؟ هتموتها من الجوع.
غادر مكتبه بصحبة "فاتن" ليرى "عُمر" يدخل من الباب مع المأذون، فصعد للأعلى ليطرق الباب بهدوء، فصرخت "كندا" من الداخل بانفعال:
- قلتلك مليون مرة غوري في داهية يا فاتن.
تنحنح بهدوء شديد، ثم قال:
- أنا غفران.
ابتلعت لعابها بخوف منه واقتربت من الباب مرتجفة لتفتحها وهي لا تقوى على عصيانه أو التمرد عليه، فحدق بها، ثم أبعد نظره إلى الغرفة، وكانت "نالا" غارقة في نومها بالفراش، ليقول بحدة:
- ادخلي هاتي نالا يا فاتن.
- ممكن مالكش دعوة بيا أنا وبنتي، مش كفاية عليك العروسة الجديدة؟
قالتها بعناد وهي تمنع "فاتن" من الدخول، ليسحبها "غفران" من ذراعها نحوه بغضب سافر وقال بتهديد:
- إياكِ يا كندا تفكري إنكِ تمسكني من إيدي اللي بتوجعني ببنتي، لأن أنا اللي يمسك إيدي ويفكر يوجعني بقطع إيده، ومن اللحظة دي إنتِ ممنوع منعًا باتًا إنكِ تقربي من نالا أو تفكري تشوفيها... ادخلي يا فاتن.
صرخت "كندا" بذعر شديد، بينما هو دفعها بقوة وقال:
- أنت متقدرش تحرمني من بنتي.
استدار إليها بنظرة مرعبة، لتبتلع لعابها وتصمت، حتى خرجت "فاتن" من الغرفة بطفلته وأغلقت الباب من جديد، لتنهار "كندا" بجنون من الوجع والألم الذي يمزقها.
نظر إلى غرفة "قُسم" وهندم ملابسه، ثم سار نحوها وقال بهدوء للحارس:
- انزل تحت.
أعطاه الحارس المفتاح وترجل، ليفتح "غفران" الباب ودلف، ليرآها نائمة في الفراش من التعب، فتبسم بخفة وسار نحوها حتى جلس على الفراش وتأمل ملامحها كم كانت جميلة وهي هادئة وشعرها فوضوي بجانبها وتضع ذراعيها الاثنين أسفل رأسها. رفع يده إلى جبينها يداعب خصلات شعرها، مما جعلها تفزع من نومها أمامه وقالت:
- جيت ليه؟
- وحشتيني.
قالها بدلال يثير استفزازها وأعصابها، فتنهدت بضيق من برود هذا الرجل وهو يتحدث عن الشوق في حين أنه يسجنها هنا بالإكراه ويهددها بقتل أهلها، فقالت بضيق:
- أنت مريض بجد، يكنش الخبط الكثير في رأسك أثر على عقلك؟ أنا لازم أمشي من هنا.
خرجت من الغرفة وهي مستغربة أنه لم يمنعها أو ينادي على رجاله، فرأت أمامها الخدم يحملوا الكثير من الأغراض وأحداهن تحمل فستان زفاف، وقبل أن تعترض سمعت صوته من الخلف:
- قُسم.
التفت إليه لتراه يقترب منها واضعًا يديه في جيوب بنطلونه بغرور شديد، حتى وصل أمامها وقال:
- المأذون تحت، ادخلي البسي واجهزي.
- مش بقولك عبيط، أنت فاكر إنك تقدر تتجوزني بالغصب؟ المأذون ده أنا لو نزلت له هقوله إنك خاطفني ومش موافقة على الجوازة.
قالتها بتحدٍ وكبرياء، واثقة من هزيمته مهما كانت قوته، فلم يتمكن من ترويضها أو أخذها بالقوة رغمًا عنها، فقال بهدوء شديد يجنها أكثر:
- يبقى نسيتي تهديدي امبارح.
- أنت طلعت لي منين يا أخي؟! دمرت كل حاجة حلوة في حياتي، خطوبتي وشغلي وناسي وكل حاجة، سرقت مني حريتي وفرحتي وعفويتي وبرائتي وخفة دمي، حولتني من بنت حرة لسجينة في قصرك الملعون ده، أنت إيه يا أخي؟
صرخت "قُسم" بنهاية حديثها في وجهه، لم تكن تعلم شيئًا عن مرضه وأن وجودها هو سبيل نجاته الوحيد. ربما حبسها هنا في أرضه بالإكراه، لكنه مثلها تمامًا يصارع من أجل الحياة. احتدت عينيه غضبًا من حديثها معه بلا خوف وجراءة، تحدثها عن براءتها التي سلبها إياها، بينما هو مسلوب الرؤية كاملًا. اقترب خطوة واحدة للأمام أرعبتها وجعلتها تعود للخلف تلقائيًا، فازدردت لعابها الجاف في حلقها، ثم قالت بتلعثم شديد:
- إيه؟ هتعاقبني تاني؟ هتأمرهم بجلدي المرة دي ولا يخلعوا أظافري؟
تبسم "غفران" بخبث شديد على خوفها، فرغم ما تتحلى به من شجاعة وتحدي لكي تصرخ بوجهه، لكنها ترتجف حين يرمقها بنظرة أو يتحدث بكلمة، فقال بلهجة قوية وصوت جهوري خشن:
- أكيد هتتعاقبي على كل حرف نطقتي به يا قُسم، بس دلوقتي لو عايزاني منفذش تهديدي ليكِ اللي أنا واثق إنكِ منستهوش، تدخلي معاهم دلوقتي حالًا وتغيري هدومك وتلبسي الفستان وتحصليني على تحت من غير ولا كلمة.
نظرت بعينيه الباردة الخالية من أي مشاعر، لا تفهم سبب رغبته القوية في الزواج منها بالإكراه والعاجل دون أي تخطيط. رأت زوجته وابنته وتعلم أنه يملك عائلة ويحبهم كما يحبوه، لكن قرار زواجه منها الآن أمر لا يسمح بالنقاش فيه. تنفست بصعوبة من نظراته الطويلة وعينيها تبوح بالعجز عن الفهم، الخوف، الضعف، الوجع وغيرهم من المشاعر المتداولة بداخلها، ثم تحدثت بنبرة أكثر هدوءًا لعلها تتمكن من ترويض شراسته وحدته معها قائلة:
- غُفران بيه، مسيو غفران، أي حاجة بس أنت بتدمر حياتي، بص لي أنا واحدة بتشمئز من رؤيتك، إزاي هتجوز وأعيش مع واحدة كارهالك ورافضة العيشة معاك؟
اقترب أكثر نحوها حتى أصبح أمامها مباشرة ويشعر بأنفاسها المتسارعة ورمق عينيها الباكيتين رغم أسرها لهذه الدموع بجفنيها، ثم قال بنبرة خافتة هامسًا إليها:
- متأكدة إنك كارهاني يا قُسم؟ عينيكِ بتقول غير كده، أنفاسك ودقات قلبك اللي واصلة لحد عندي هنا وكل حتة فيكِ بتقول غير اللي لسانك بيقوله، عينيكِ اللي عمري ما شفت زيهم في حياتي كلها بيقولوا إنكِ عاشقاني يا قُسم، صوت قلبك واصل لحد عندي بيصرخ إن غفران حبيبه وساكنه.
- أنت بتوهم نفسك، لو عينيك شايفة ده تبقي عينيك عمية.
قالتها بتحدٍ وقسوة دون أن تدرك أن كلماتها الأخيرة كالنار التي مسكت به للتو وبدأت تحرقه. انتفض جسده غضبًا مما تفوهت به عن العمى وحقيقة أنه مريض بعمى الوجوه ولم يتمكن من رؤية وجه أحد من قبل، كانت كالخنجر الحاد الملأ بالسم وقد غرسته "قُسم" بمنتصف قلبه، أوقفته عن النبض كأنها قتلت آخر بذرة للرحمة بداخل هذا الوحش؛ ليمسك ذراعها بقوة جاذبًا إياها تجاهه أكثر حتى ارتطمت بصدره وقال بنبرة باردة غليظة أرعبتها مع نظرته الثاقبة:
- الوهم ده أنا اللي هحرقك به يا قُسم، وأقسم لكِ برب الكون لو ما دخلتي حالًا تنفذي أمري لأقتل لكِ واحد من حبايبك كل نص ساعة هتمر وأنتِ مش مراتي فيها... عمر!
صرخ باسم مساعده ليأتي مهرولًا إليه وما زالت عينيه تحدق بها، فضغط "عُمر" على زر الشاشة وفُتحت أمامها لتجدها مقسمة إلى أجزاء، بكل جزء منها شخص عزيز عليها وخلفه قناص يصوب نحوه، مما جعلها تنتفض ذعرًا بين ذراعيه من فظاعة ما وصل "غفران" إليه الآن حتى يروض عنادها ويتزوجها بالإكراه. تمتم بنبرة أكثر رعبًا:
- أول نص ساعة بدأت يا عروسة، ومترهنينيش على صبري معاكِ لأنه نفد من دقائق، وأوعي تنسي للحظة إنكِ هنا سجينتي أنا غفران الحديدي وبس.
ذرفت دموعها من الخوف على أهلها، وهي الآن عالقة بين السماء والأرض، إما أن تتزوجه وتنقد أهلها من رجاله أو ترفض ويقتلهما، لكن زواجها سيقتل أهلها بالبطيء ويجلب العار لهما. تمتمت بضعف ولهجة واهنة:
- أنت فاهم إنك كده بتكسبني وهبقى مراتك، أنت بتخسرني يا غفران وبتقتل كل حاجة حلوة كانت بينا، أنت مبتسيبليش غير الوحش اللي منك.
- حبي ليكِ يا قُسم هيصلح أي حاجة، لكن الحاجة الوحيدة اللي مش هتتصلح إني أرجعك لأهلك وتتزوجي راجل مبتحبوش وأخسرك عمري كله، أي حاجة هتهون وهتتصلح ما دام أنتِ معايا، لكن البُعد مش هيتصلح.
اقترب منها ليضع قبلة على جبينها، لكنه توقف ساكنًا ثم قال:
- مقدرش أعملها وأنتِ مش مراتي، حصلني على تحت.
غادر من أمامها قبل أن تلمس شفتيه جبينها. نظرت إلى الشاشة الذي أظهرت "قاسم" وحده وهو يسير في الشارع والضوء الأحمر على رأسه من الخلف، وقد اختار "عُمر" أخاها كضحية أولى على تأخيرها، فأخذت الفستان من الخادمة بتعجل ودلفت إلى الداخل بسرعة حتى تنقذ أخاها من الموت والوقت بدأ يقل في الشاشة.
رواية غفران هزمه العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور زيزو
ترجل "غفران" للأسفل بعد أن تركها في حيرة لاتخاذ القرار الأنسب لها، رغم أنه يعرف قرارها. وجد "عمر" يقف أمام الدرج، وعلى اليسار في الصالون يجلس "جميل" بصحبة "قاسم" طفله الأصغر. تنحنح بهدوء ووصل للأسفل، فأقترب "عمر" منه وقال بلطف:
- أنا جبتهم زي ما حضرتك طلبت.
أومأ إليه بنعم ثم قال بجدية:
- خلي الخدم يعملوا عصير وأدخل أقعد مع المأذون عشان ما يزهقش.
تقدم "غفران" إلى "جميل" الجالس في هدوء، منتظرًا على نار بفضول ظهور "غفران" ليعرف سبب طلبه لرؤيته، مدركًا أن الشيء الوحيد الذي يجعله يفعل ذلك هو ابنته "قسم". تحدث "غفران" بنبرة هادئة جدًا:
- متأسف على التأخير.
صافح "قاسم" وهكذا "جميل"، ثم جلس على المقعد المقابل لهما. فبدأ "جميل" الحديث بتعجل، وقد فاض به الأمر ونفد صبره:
- خير، طلبتني ليه؟
- عرفت إن حضرتك بتدور على قسم من امبارح، وفي الحقيقة هي عندي. أنا راجل صريح.
قالها "غفران" بوضوح شديد، فهز "جميل" رأسه بفهم وقال بعبوس حاد:
- يعني بنتي فعلًا هربت من بيتي وجيت تستخبى عندك؟
تنحنح "غفران" بهدوء. وهذه الفتاة التي يتحدث عنها بالسوء هي محبوبته. فقال بجدية ملتمسًا له العذر كونه والدها:
- أحب أوضح لحضرتك من البداية أنها مهربتش من بيتك، أنا اتصلت بيها لأنها اتأخرت في الدفع.
- دفع!!
قالها "قاسم" بعدم فهم، ليجيب "غفران" قائلًا:
- آه، أستاذ جميل، أنا عرضت على بنت حضرتك أتحمل تكاليف العملية كاملة في مقابل...
- في مقابل تدرس لبنتك؟
قالها "جميل" بهدوء، ليتحدث "غفران" بثقة أكبر:
- دا حقيقي، لكن أنا راجل دوغري. وأنا بحب بنتك وشاريها. ويشهد ربنا إني ما لمحتش بالحُب ده ولا بصت ناحيتها بصة راجل لبنت إلا لما كانت لوحدها وكانت فسخت خطوبتها من ابن خالها. قسم مضت على عقد العملية مقابل إنها تدفع مليون جنيه.
- مليون جنيه؟! منين؟
قالها "جميل" بصدمة ألجمته، ليقول "غفران" بلطف:
- مش عايزاهم، فداها كل مالي وأملاكي وصحتي بس تكون معايا. أنا شاريها هي بس.
- وهي الأصول بتقول إنك تجيبني لحد عندك عشان تقولي إنك بتحب بنتي؟
قالها "جميل" بغطرسة وحدة صارمة، ليتابع "غفران" قائلًا:
- أنا عرضت عليها أجي لحد عندك وأطلبها رسمي منك قدام العالم كله وهي رفضت.
- عشان بنتي متربية، عشان بنتي ما تسرقش راجل من مراته وتهدم بيت واحدة تاني وتبني سعادتها على كسرة قلب بنت زيها.
قالها "جميل" بفخر برفض ابنته، ليتابع "غفران" الحديث بجدية:
- لا، قسم رفضت عشان خاطرك أنت، عشان بتحب أهلها وخايفة عليك. قسم بتحبني وانت عارف دا. ويمكن دا اللي خلاك تحدد ميعاد فرحها من واحد هي كارهه وحاول يعتدي عليها. بذمتك مش حرام إنها بتعمل كل حاجة عشانك وعشان بتحبك لدرجة إنها تمضي على مليون جنيه عشان تنقذك من الموت وأنت ترميها كده؟
دمعت عين "جميل" بحزن على ما يفعله بابنته التي تحملت كل شيء لأجله ولأجل مرضه. فعله كل شيء يمكنها فعله. تحدث "غفران" بلطف وترجّي قائلًا:
- أرجوك، أنا لأول مرة في حياتي أرجو حد. أنا دايمًا كلمتي أمر، بس لأجل قسم وسعادتها أنا راضي إني أرجوك. بعد إذنك جوّزها لي وأنا أوعدك أعيشها سعيدة وملكة. ولو دمعة منها نزلت تعالي اضربني بنار أو خدها مني.
نظر "جميل" إلى "غفران" بصمت، لا يعلم ماذا يفعل؟ وهذا الرجل تنازل عن الكبرياء والغرور لأجل ابنته فقط. فسأله "جميل" بهدوء:
- بنتي فين؟
- فوق، أنا جبتها بالقوة، غصب عنها.
قالها "غفران" بهدوء، ثم تابع الكلمات بحنان:
- أنا مش هقولك جوّزهالي عشان أي حاجة، لكن قسم تستاهل إنك ترد جزء من اللي عملته ليك في مرضك. وحضرتك تعرفها أكتر مني وتعرف إنها تستاهل تعيش في حياة مبسوطة عن إنها تعيش تعيسة عمرها كله بسبب قرار منك إنك تجوزها لراجل ما بتحبهوش.
- وبنتك ومراتك اللي ذنبها اللي هيبقى في رقبتي؟
قالها "جميل" بأسف وخوف، ليقاطعه صوت "نورهان" التي اقتحمت القصر دون إذن تقول:
- مراته الخاينة هي اللي دمرت حياتها، مش بنتك.
وقف "غفران" من مكانه مصدومًا من دخول والدته، وهكذا "جميل" الذي صُدم من كلماتها. لهذا السبب لم يبالي "غفران" بزواجه وحياته مع زوجته لأنها قامت بخيانته. أقتربت "نورهان" منهما وقالت بجدية:
- غفران مش هتلاقي أحسن منه لبنتكِ. غفران مراته خانته وصاينها عشان خاطر بنته، ما بالك لما تكون بنتك حبيبته هيكرمها إزاي.
- إنتِ إيه اللي جابك؟
قالها "غفران" بنبرة خافتة وعينيه تشتعل من النار، لترمقه "نورهان" بهدوء وقالت:
- جيت عشان أباركلك على جوازك. أنا دكتورة نورهان والدة غفران. اتشرفت بحضرتك.
- أهلاً وسهلاً يا هانم.
قالها "جميل" بلطف وعقله شاردًا في حديث "غفران" عن "قسم"، وتذكر كلمات زوجته أمس عن إجبار فتاته على الزواج. ليقول:
- قسم فين؟
- ما قولتليش رأي حضرتك.
قالها "غفران" بقلق من خسارتها، وهو لآخر لحظة يسعى للزواج منها بطريقة طبيعية لطيفة حتى يُهدم شيء بينهما ويخسرها من جبروته حين يتزوجها بالإكراه. فقال "جميل":
- أنا عايز بنتي، يا ريت تبعت تجبهالي...
قاطعه صوت "قسم" تقول بتلعثم:
- بابا.
التفت للصوت فوجد طفلته ترتدي فستان زفاف ولا تضع مساحيق تجميل من عجلتها وهي تسارع الوقت. حدقت بـ "قاسم" بدهشة وهو يقف أمامها هنا، لتدرك أن "غفران" زيف كل شيء حتى يتزوجها فقط. أقترب "جميل" من ابنته مندهشًا من رؤيتها بالأبيض، وكانت جميلة حقًا وفاتنة. سأل بقلق:
- إيه اللي لابساه ده؟
أستدارت "قسم" إلى "غفران" بغضب سافر وقالت بعصبية:
- أنت هددته بأيه هو كمان؟ خطفت بابا كمان وهو تعبان؟
- غفران بيه طلبلك للجواز مني؟
قالها "جميل" بنبرة جادة، فألتفتت "قسم" له بدهشة وقالت:
- وحضرتك وافقت؟ ما توافقش، أنا هتجوز اللي أنت اخترته، أنا رأيي من رأيك ومستحيل أكسرك أو أكون السبب إنك تنحني لحد أبدًا.
حدقت بوجه طفلته البريء وعينيها الباكيتين، فتبسم رغم أوجاعه على فتاته الجميلة وقال بلطف:
- أنا كمان مستحيل أغصبك على جوازة إنتِ مش عايزاها يا قسم. إنتِ فرحتي الأولى.
مسح دموعها بلطف، ثم قبل جبينها وأخذها إلى خلف ظهره ثم قال:
- أنا موافق يا غفران أجوزك بنتي بس بالأصول. تدخل البيت من بابه وتطلبها، وخطوبة وشبكة وفرح زي باقي البنات. أنا بنتي زينة بنات الأرض.
تبسم "غفران" بلطف وقال:
- موافق.
دُهشت "قسم" من قرار والدها. ورغم غضبها من "غفران" وأفعاله، لكنها شعرت بفرحة تغمرها بإلغاء زواجها من "حازم". أقترب "غفران" منه بهدوء وقال:
- بس أنا ليا طلب عندك.
- اتفضل.
قالها "جميل" بهدوء، ليتابع "غفران" الحديث بثقة وعينيه تحدق بـ "قسم" الواقفة خلف ظهر والدها:
- نكتب الكتاب دلوقتي. بصراحة بنتك عنيدة وبتغير رأيها بسرعة.
تبسم "جميل" على ابنته وقال بحدة:
- طالعة لأمها في العناد.
ضحكت "قسم" على حديثهما وقالت بزمجرة:
- بابا!!
- نكتب الكتاب دلوقتي والساعة سبعة بالليل أكون عندك أطلبها منك قصاد الناس كلها ونلبس دبلة ونحدد الفترة اللي تعجبك للخطوبة وميعاد الفرح ونعلن الجواز في الفرح. معنديش مانع.
قالها "غفران" بهدوء، فظل "جميل" صامتًا قليلًا يفكر في حديث "غفران". رن هاتف "قاسم" برقم "حازم" فلم يجيب، ليرسل له رسالة تحتوي على صورة "غفران" مع "قسم" في فرنسا ورسالة محتواها:
( قول لأبوك لو ما جوزنيش بنت الليلة هفضحكم في المنطقة كلها).
تحدث "جميل" بهدوء قائلًا:
- خلي كتب الكتاب بعد أسبوع حتى أكون خلصت موضوع حازم.
أومأ "غفران" بنعم رغم عدم موافقته على التأجيل، فقال:
- مفيش مانع زي ما حضرتك تحب.
- جوّزهاله يا بابا.
قالها "قاسم"، فنظر الجميع إليه، لتقول "قسم" بضيق من حديث أخيها:
- أنا عارفة إنك عايز تخلص مني، بس مش لدرجتي. مش مستحمل أسبوع.
أقترب "قاسم" من والده وأعطاه الهاتف ليرى رسالة "حازم"، مما جعله يُصدم من هذا الرجل. غفر له محاولة أعتداءه على ابنته والآن يسعى لفضحها أمام الجميع، فأهتز جسده بتعب، ليمسك "غفران" بيده وجعله يجلس على الأريكة، وجلست "قسم" بجواره بقلق تقول:
- بابا أنت كويس؟
- الندل الخسيس.
قالها "جميل"، فلم يفهم "غفران" الأمر، فأشار إلى "عمر" حتى يُصرف والدته بالقوة، وقال بهدوء:
- فهمني في إيه؟
أعطاه الهاتف ليرى الرسالة، مما جعل "غفران" عاجزًا عن فهم أي شيء، وعينيه لا تميز سوى قسم، حتى نفسه عاجزًا عن التعرف عليه. وقفت "قسم" بقلق ونظرت في الهاتف لتتحدث بغضب سافر قائلة:
- هو حازم صورنا في فرنسا؟
أدرك أن هذه الصور لـ "قسم" معه. وقرأت كلماته مما جعله كالبركان الذي اشتعل من الغضب بسبب هذا الرجل، وقد وصل لنهاية الأمر معه، لُيغلق قبضته بإحكام، و"جميل" يقول:
- أخرتها أتفضح على إيد كلب زيه.
جلس "غفران" بجانبه وقال:
- جوّزهالي، جوّزهالي وبعدها قسم مراتي وهو ميقدرش يقف قصادي ولا هيعرف يطلب إنه يتجوزها.
نظر "جميل" إليه وهو يضع يده على قلبه، ثم إلى ابنته الواقفة خلفه خائفة من القادم، وقد تحملت الكثير ويكفي ما مرت به لأجلهم، فقال بهدوء:
- خلي بالك منها، أنا ما عنديش أغلى منها وكل اللي عندك ده ميساوش حاجة قصادها في نظري.
- ولا كنوز الدنيا كلها تساوي حاجة في نظري قصاد قسم، ويشهد عليّ في اللي ليها ربنا.
قالها "غفران" بنبرة دافئة، ليهز رأسه له موافقًا على الزواج. أشار "غفران" إلى "عمر" ليحضر المأذون من المكتب، ووضع يده في يد والدها، وبدأ المأذون في عقد قرانهما، وعينيه لا تفارق "قسم" التي تقف هناك قربه خائفة، وعقلها يتذكر "حازم" الذي تجرأ على فعل الكثير معها، والآن يسعى لدهس شرفها فقط من أجل الزواج. رفع المأذون المنديل مباركًا لهما ثم غادر. فوقف "غفران" أمامها وقال بنبرة هادئة ودافئة:
- مبروك يا عروسة.
- أنا خايفة.
قالتها "قسم" بنبرة خافتة حتى لا يسمعها والدها، ليبتسم "غفران" عليها ووضع قبلة على جبينها بلطف وقال:
- إنتِ دلوقتي مراتي، مرات غفران الحديدي. كلمة خايفة دي متطلعش منك تاني أبدًا. دوسي في الدنيا وإنتِ مطمنة إني في ضهرك.
وقف "جميل" من مكانه وقال بهدوء:
- يلا يا قسم.
- عمر معاهم يوصلهم للبيت ويرجع.
قالها "غفران" بجدية، ثم ألتف إلى "جميل" وقال:
- أنا سبعة بالظبط هكون عندك.
أومأ إليه بنعم وصعدت "قسم" تبدل ملابسها، ثم غادرت مع والدها و"عمر".
***
وصل "أنس" إلى الشقة لتركض إليه "ملك" بسعادة تعانقه بأشتياق، وقد مر وقت طويل على رؤيتها له. ظلت متشبتة بعنقه بقوة وهو يضمها بأستماتة حتى بات يعتصر عظامها بين ذراعيه، ويتمتم بحُب:
- وحشتيني، وحشتيني أوي يا ملوكة.
- أنت أكتر يا حبيبي.
قالتها بحُب شديد، ليتركها حتى يتأمل وجهها وعينيها الجميلتين اللتين اشتاق إليهما، وأخذ يدها في يده وهو يقول:
- الشقة عجبتك؟
- آه، أحسن من التانية جدًا وحيوية والعفش جميل أوي. المهندسة فرشتها حلوة أوي. تعال أفرجك عليها.
قالتها بحماس، ليوقف قدميه دون حركة، فنظر إليه بدهشة وقالت:
- إيه؟
- أنا عايز أضمك بس يا ملك، مش عايز أعمل أي حاجة تانية ولا قادر أعمل أي حاجة تانية غير إني أشم ريحتك بس.
قالها بشغف مشتاقًا لزوجته التي تغيب عنها كثيرًا بسبب "تيا". جلس على الأريكة وهي بجواره يتحدثان كثيرًا، فقال:
- شغلتي الرقم الجديد؟
- آه، والتاني رجعته لمحمود زي ما قالي.
قالتها بلطف، ليؤمأ إليها بنعم، فقال بحزم:
- وأنا كمان شغلت التليفون التاني وعلى طول في العربية. شوية بس لحد ما تيا تبطل تدور وتتعب.
- ماشي يا حبيبي.
قالتها "ملك" بلطف، ليخرج من جيبه علبة زرقاء مستطيلة وقال بحنان:
- شوفي جبتلك إيه؟
فتحت العلبة لتجد بها قلادة من الألماس بها حجر أزرق ناعمة ورقيقة، فقالت بأنبهار وإعجاب:
- الله يا أنس، جميلة أوي يا حبيبي، تعيش وتجبلي.
أخذها من العلبة ليضعها في عنقها وهو يقول:
- تعيشي وتلبسي يا روحي.
أستدارت إليه لكي يضع القلادة في عنقها، ورفعت شعرها جانبًا، ونبضات قلبها تتسارع بحماس وفرحة من اهتمامه بها ومحاولاته الدائمة في إسعادها، رغم لقاءاتهما القليلة، لكنه في كل لقاء يجعلها كالحورية في الجنة، لا تعرف سوى السعادة والحب فقط. شعرت بشفتيه تقبل عنقها لتنتفض بسعادة، وبدأت يديه تتسلل حول خصرها، لتغمض عينيها بأستسلام لقشعريرتها وشعورها الدافئة معه وجنبه.
***
وصلت "قسم" مع والدها إلى شقتها لتعانق والدتها بقوة، التي بدأت تربت عليها بحنان. فقال "قاسم" بقلق:
- هنعمل إيه؟
نظر الجميع له، فقال "جميل" بجدية صارمة ولا يبالي بشيء:
- هنعمل إيه يعني؟ أختك هتدخل مع أمك يجهزوا غداء للناس اللي جاية، وبعدها أختك تجهز.
صرخت "صفية" بانفعال شديد معترضة على هذا الزواج:
- برضو يا جميل، برضو هتجوزها لحازم غصب عنها.
ربتت "قسم" على كتفها حتى تحد من حدتها، لتصرخ منفعلة بها:
- متغمزنيش! سيبني أقوله الحقيقة. ما أنا مش هستنى أشوفك تعيسة طول حياتك مع جحش زيه.
- ماما قسم اتجوزت غفران بيه.
قالها "قاسم" يقاطع والدته، فنظر الجميع إليه، ليتابع الحديث بمرح:
- إيه ما هي مش صابرة إننا نمهد لها الموضوع. حطه خبط لزق أحسن.
- مين اللي اتجوزت؟ اتجوزت مين؟ أنت بتقول إيه؟
سألت "صفية" بعدم استيعاب، فجلس "جميل" يشرح لها الأمر مع أولاده ورغبة "غفران" في الزواج من ابنته وتهديد "حازم". فنظرت "صفية" إلى ابنتها وقالت:
- اتجوزتي من غيري؟
تحدث "جميل" بهدوء يحسم الأمر وينهي الحديث بهذا الموضوع:
- أنا اللي جوزتها. خلي جوزها يقف له عشان يبقى يعمل راجل عليها ويجي يهددني دلوقتي. وبعدين من غيرك إيه يا أم قاسم؟ ما هو جاي النهار ده يطلبها مننا وأعملي الخطوبة اللي تريحك.
ضربت يديها ببعضهما بحيرة وقالت:
- واحد عايش في قصر وهيأخدها تعيش معاه ومش عايز منا أي جهاز وكتب كتابه عليها. أقعدها معايا ليا وأعمل خطوبة ليه؟ أديهاله ربنا يسعدها.
- ولو أنا برضو لازم أعمل فترة خطوبة لناس تفكر حاجة. الناس كلامها وحش وهيفهموا الجوازة المستعجلة غلط. على الأقل نخلي الخطوبة ست شهور ولا إيه رأيك يا قسم؟
قالها بجدية، فنظرت إلى والدها بهدوء وقالت:
- اللي تشوفه حضرتك يا بابا.
أومأ إليها بنعم، ثم وقف من مكانه يقول:
- يبقى على خير الله. أنا هدخل أنام شوية وأنتوا جهزوا غداء للضيوف. وأنت يا زفت أدخل ذاكر وإياك تنزل تلعب كورة.
أومأ إليه بنعم ليدخل إلى غرفته.
***
لم يمرر "غفران" دخول والدته القصر دون إذن، فأقتحم قصرها بالقوة بعد أن ضرب رجل الأمن الذي حاول منعه، فوجد والدته على السفرة تتناول الغداء، ليصرخ بها منفعلًا:
- أوعي تفكري إني ممكن أمرر دخولك لقصري بالطريقة دي بالساهل كده.
مسحت "نورهان" فمها بالمنشفة الصغيرة ووقفت من مكانها ببرود شديد، ثم قالت:
- هتعمل إيه يا غفران؟ هتضربني وتكومني على الأرض زيه؟
أشارت بيدها على الحارس، ليكز على أسنانه بغضب سافر شديد وقال:
- متحاوليش تختبري صبري كتير يا دكتورة، حضرتك مش قد الحرب معايا. وموضوعي مع كندا أو قسم ما يخصكيش، أنا حياتي كلها ما تخصكيش ولا يحق لكِ التدخل فيها. أنا بحذركِ للمرة الأخرى أبعدي عن حياتي.
دمعت عين "نورهان" بخفة من كلماته، ليلتف كي يغادر القصر، فصرخت بألم غاضبة تاركة العنان لوجعها:
- هتفضل لحد امتى تعاملني كده؟ أنا أمكِ يا غفران، طلعت أو نزلت، أنا أمكِ. مكانتش غلطة عملتها من 12 سنة هتفضل تعاقبني عليها لحد امتى؟
توقف عن السير وهو يعطيها ظهره بألم حين تحدثت عن الماضي الذي لم يُمحَ من ذاكرته حتى الآن، وقال بوجع يجتاحه:
- مش كل الماضي بيتمحي. في ماضي بيكون حاضرنا ومستقبلنا. واللي عملتيه لسه معلم جوايا. اللي اتكسر مش قادر حتى أصلحه رغم كل ما أملكه.
غادر القصر غاضبًا وهو يسير في الحديقة نحو قصره موجوعًا، فسقط على الأرض وهو يتذكر الماضي، وبدأ يلهث بقوة ويضع يده على صدره، فهرع إليه "عمر" يأخذ بيده لأقرب مقعد وقال:
- حضرتك بخير؟
- أنسي!! عايزاني أنسى إزاي وأنا بسببها بقيت أعمى؟
قالها بوجع ويديه تضغط على صدره من الوجع، وعينيه تؤلم رأسه بقوة من ذكريات الماضي المسجون بداخله. تنهد "عمر" بهدوء، وقد فهم الأمر، ليجلس بجواره وقال:
- يمكن لأنها متعرفش إن الغلطة اللي بتتكلم عنها طول الوقت خلت ابنها أعمى ومش قادر حتى يشوف وش بنته ولا وشها. هي بتتطلب السماح لأنها متعرفش إن أثر الغلطة دي لسه قائم وحضرتك بتعاني منه. أعتقد كونها أم لو عرفت إنها اتسببت في مرضك هيكون الموت أهون عليها من الحياة، إنها اللي أذيت ابنها.
ظل يتنفس بصعوبة ويشعر بضغط أنفاسه كأنها تمزق صدره. جلس صامتًا بتعب حتى بدأت أنفاسه تعود لطبيعتها، فقال بجدية:
- جهز العربية أنا هغير هدومي عشان نروح لقسم.
أومأ إليه بنعم ودلف إلى القصر، فوجد "كندا" في انتظاره على الدرج جالسة حافية القدمين. تجاهلها، لكنها أوقفته بكلماته:
- برافو عليكِ. ضحكت عليها صح؟ بدل ما كنت خاطفها وهتتجوزها بالقوة وتكسر أهلها، روحت جبت أبوها وطلبتها منه رسمي وخليه يقولك اتجوزها أنا موافق. وبقيت في نظرها بطل بتهتم بسعادتها. كون بطل معايا بقي وطلقني.
حدق بها بعد أن وقفت أمامه بجراءة تطلب الانفصال عنه بشجاعة، فقال بدهشة:
- أطلقكِ!! جبتي الشجاعة دي منين عشان تطلبي الطلاق مني؟ ولا هو اللي أديكي حبوب الشجاعة؟
لم تتمالك أعصابها وهو يضغط على جرحها أكثر ويتهمها في شرفها، فرفعت يدها كي تصفعه بجنون، لكنه أمسك يدها في اللحظة الأخيرة وقال:
- إنتِ واخدة حبوب الشجاعة بجد لدرجة إن عقلك المريض صورلك إنك ترفعي إيدك في وشي بدل ما أنا اللي أعمل كده.
صفعها بقوة حتى سقطت على الدرج من قوة صفعته، وخرجت منها شهقة قوية من الألم، فصرخ بغضب سافر بها قائلًا:
- بتنكشي على موتكِ يا كندا، ورحمة أبويا لأدفعك الثمن غالي بس لما أفضالك.
تركها على الدرج مُنهارة من البكاء وصعد يستعد للذهاب إلى محبوبته.
***
وقفت "قسم" أمام المرآة تضع القليل من مساحيق التجميل بعد أن ارتدت فستان وردي اللون وصففت شعرها على ظهرها ورفعته من الجانبين بدبابيس الشعر وتركت خصلتين على الجانبين من غرتها. أقتربت "ملك" منها بفضول شديد وقالت:
- بتحبيه؟
نظرت "قسم" إليها وهي تضع أحمر الشفاه واحمرت وجنتيها خجلًا، لتقول "ملك" بلطف:
- الحب ما بيستخباش يا قسم.
جلست على الفراش بتنهيدة هادئة وتنظر إلى صديقتها بسعادة وعقلها يتذكر أيامها معه، لتتحدث بسعادة:
- مرتاحة معاه يا ملك، مطمنة. وأنا طول الوقت كنت خايفة وقلقانة من بكرة وشايلة المسئولية. لكن مع غفران أنا مطمنة ومش شايلة هم أي حاجة في الدنيا ولا عارفة يعني إيه مسئولية تتشل وتقطم ضهري. غفران محسسني إني بنت زي البنات اتخلقت عشان أتحب وأتدلع وأتبسط. محسسني إني أستاهل إني حد يعافر عشاني وحد يعمل المستحيل عشان عايزني معاه ويحبني ويدور أنا بحب إيه ويعمله. مش حد يقولي روحي لصنايعي ولا شوفي تشطيب الشقة. غفران محسسني بالأمان يا ملك. كنت في بلد غريبة معرفش حد وتايهة وعاملة أعيط، لكن كنت مطمنة لأن غفران موجود وعارفة إنه جاي وهيدور عليا. إحساس الأمان حلو أوي، أول مرة أحسه.
جلست "ملك" بجوارها بلطف وقالت:
- يبقي بتحبيه يا قسم، بتكابري ليه؟ قولي بحبه، ده حقكِ.
تبسمت "قسم" بلطف، فدق الباب بخفة ودلف "قاسم" يقول:
- الناس جم. تعالي يا قسم لو خلصتي.
أومأت إليه بنعم وتركت أحمر الشفاه من يدها وخرجت مع أخاها، لتراه جالسًا مع "تيا" أخته و"عمر". وقف من مقعده فور رؤيتها، وكانت جميلة جدًا في اللون الوردي، وعينيها التي رسمتهما بمستحضرات التجميل باتت أكثر جمالًا وسحرًا. أقترب من "تيا" أولًا لتصافحها، فتبسمت "تيا" بعفوية وقالت:
- أنا أخته.
- أهلاً بيكِ.
ألتفتت "قسم" نحوه بخجل شديد، ليبتسم عليها، فأمس كانت عنيدة وتصرخ به رافضة هذا الزواج، والآن هي تقف أمامه زوجته وتخجل من رفع نظرها به. ليصافحها برحب، فأقتربت لتصافح "عمر"، لكن أخذ "غفران" يدها بغيرة تلتهم قلبه وقال بجدية:
- أنا بس.
أومأت إليه بنعم وجلست جوار والدها ليبدأوا بالحديث العام، حتى جاءت "صفية" تقول:
- العشاء جاهز، أتفضلوا.
وقف الجميع وتقدموا نحو السفرة، لكن أوقفهما في المنتصف دقات على الباب، ليذهب "قاسم" يفتح ووجد "حازم" الذي دفعه بقوة ودلف. فوقفت "قسم" تلقائيًا خلف "غفران" بخوف من جنان هذا الرجل، فوضع "غفران" يده في جيبه بغرور ولا يبالي بشيء. رمقه "حازم" بغضب سافر وقال:
- ممكن تفهمني يا جوز عمتي اللي بيحصل؟ أعتقد إنك أديتني كلمة امبارح.
أقترب "جميل" منه بغضب سافر من تهديده الصباحي وقال:
- حصل لأني كنت شايفك راجل هديك بنتي، لكن تهددني وتطلع ندل وواطي يبقي مالكش عندي غير الجزمة.
مسكه "حازم" بغضب سافر من ملابسه دون أن يهتم لسنه أو صلة القرابة بينهما، وقال بانفعال:
- لكن أديتها للي يدفع أكتر. أنت كده بقيت راجل، دفعلك كام عشان تبيعها له؟
قاطعه يده "غفران" التي مسكت يده يبعده عن "جميل" وقال بهدوء مُرعب ونبرة خشنة حادة:
- حذاري تنطق كلمة تانية عنها لأنك مش هتلحق تكملها.
أبتلع لعابه من الخوف أمام "غفران" وهو يتذكر أخر مرة رآه في الفندق كان سيقتله.
رواية غفران هزمه العشق الفصل العشرون 20 - بقلم نور زيزو
نظرت "قُسم" إلى "غفران" بإنبهار وهو جالس على السفرة يتناول الطعام ويتحدث مع والدها. نبضات قلبها كانت متسارعة عن المعتاد، والتوتر جعل أطرافها ترتجف. ما زالت لا تستوعب أن غفران يجلس أمامها الآن، ليس لخطبتها، بل كزوج لها.
رفع غفران رأسه ببسمة خافتة في وجه والدها، ليُرى نظرة قُسم إليه. جعلتها تتنحنح بخجل وتُطأطئ رأسها للأسفل، مُتحاشية النظر إليه. تبسم وهو يعلم أنها عنيدة، لكنها تُكن الحب إليه. ومهما أنكرت الأمر، عينيها تكذب ذلك بلمعتها وبريق العشق الكامن في نظراتها.
أنهوا تناول الطعام، ودلف غفران مع جميل وقاسم إلى الصالون.
قال غفران: "أقعد يا عُمر، أنا إن شاء الله مش هرد لك كلمة يا عم جميل. والفرح نخليه على نص السنة."
رد جميل: "والله ما هيفرق معايا، هي كدة أو كدة بقت مراتك رسمي. لكن كلام الناس وحش. وأديك شوفت حازم، إن أجي أقول أنها اتجوزت في يوم وليلة، هيبقي بنتي فيها حاجة."
قال جميل بنبرة جادة. هز غفران رأسه بالموافقة وقال بجدية: "أنا هعمل كده عشان راحتك، لكن أنا مراتي محدش يجرؤ أنه يتكلم عليها كلمة واحدة أو يرفع عينيه فيها. قُسم مراتي. وسامحني، مش غرور مني، لكن أنا مش أي حد عابر في الشارع عشان الناس ترفع راسهم."
دَلفت قُسم إلى الصالون بصينية المشروبات، لتسمع حديثه. فتبسمت بارتياح وقدمت له العصير. رفع غفران نظره إليها ويدها ممدودة بكأس العصير نحوه. شرد بوجهه. لقد تعب ومل من النظر إلى هؤلاء بوجوههم الضبابية، ويريد أن ينظر لها وحدها، ما دامت هي الوجه الوحيد الذي يراه.
تنحنح جميل بلطف من نظرتهما الطويلة بشرود أمام الجميع وقال: "العصير يا قُسم."
تنحنحت بحرج من والدها وانتبهت إلى نظرتهما، لتقدم العصير للجميع. فقال جميل بلطف: "لو عايز تتكلم معاها، ادخلوا البلكونة، هي مراتك."
تنحنح غفران بهدوء وترك كوب العصير، ثم خرج معها. وقفت في البهو تقول: "ثواني هجيب تليفوني من الأوضة. ممكن تدخل البلكونة وأنا هحصلك."
دَلفت إلى غرفتها تبحث عن الهاتف، لتسمع صوته تجاه الباب يقول بهدوء: "أوضتك؟!"
التفتت إليه وأومأت بنعم. فتقدم بخطواته إلى الداخل يتفحص غرفتها بنظراته، وهي تنظر إلى وجهه. وصل أمامها ليحدق بها بشغف، متأملًا ملامحها. ثم قال: "إنتِ جميلة قوي يا قُسم."
أطأت رأسها بخجل للأسفل، حتى رأت يده تقترب من وجهها ليمسك ذقنها بأنامله ويرفع رأسها للأعلى. فتسارعت نبضاتها بجنون من قربه هكذا، وبدأت أنفاسها تعلو شيئًا فشيئًا، وتنتفض أمامه. لم يكن حال قلبه أقل منها، فقد جن جنونه حقًا بوجودها ورؤيتها. فنظر إلى عينيها شاردًا بجمالها الخلاب.
لتقول قُسم بنبرة خافتة من نظراته التي تلتهمها: "غفران."
قال غفران: "عايز أضمك يا قُسم."
قالها غفران بنبرة دافئة وعيناه تحدق بوجهها بشغف، مشتاقًا إليها، ويطلب أن يضمها إلى صدره قبل أن يفعل وتغضب منه صارخة بوجهه. فقالت بخجل: "غفران."
تسارعت نبضاته أكثر من لفظ اسمه من فمها. فأخذ يدها بلطف حتى يتلاشى فجوة غضبها السريعة، ورفعها بيده إلى صدره حتى استقرت على قلبه، لكي تشعر بنبضات هذا القلب السجين داخل قفصه الصدري، لكنه صارخ بجنون إليها. انتفض جسدها بقشعريرة كهربائية باردة من شعورها بنبضات قلبه.
فسألت بتوتر وعقلها الصغير لا يُصدق أن هذا الرجل الجبلي ذو الشخصية الحادة والعقل المتمرد أحبها بهذا القدر: "أنت حبتني قوي كده؟"
قال: "وألا ما كنت اتجوزت وأصرت على وجودك جنبي حتى لو بالغصب والقوة."
رفعت رأسها عن قلبه إلى وجهه، تحدق بعينيه العسليتين اللاتي تلمعان بقوة ببريق العشق. وقبل قلبها بهذه اللحظة أن يسارع هذا القلب في النبضات على من يجن جنونه أكثر بنيران الحب الملتهبة بداخلهما. واحمرت وجنتها أكثر، ثم قالت بتلعثم: "أمتى وإزاي؟ عملتها إزاي؟"
لم يقبل بسماع شيء آخر منها هربًا من طلبه، ليجذبها من ذراعها بقوة إلى صدره وطوقها بإحكام. فحاولت مقاومته بعناد وهي تقول: "غفران، أنا موافقتش... يا غفران هتفعصني."
لم يجب بكلماته، بل أجاب برأسه التي انحنت تجاه رأسها، ليضعها فوقها مستكينًا بأمان وسلام في هذا العناق. توقفت عن مقاومته، ويدها التي تدفعه في خصره للبعد توقفت تمامًا عندما شعرت برأسه تدفن في رأسها وأنفاسها الدافئة تضرب عنقها. فهدأت تمامًا، رغم أنها لم تبادله العناق، لكنها قبلت بالهدوء بين ذراعيه.
ظل يخفيها بين ذراعيه لدقائق ومغمض العينين، حتى تحدث بهمس قرب أذنها دون أن يحرك ساكنًا: "سامحيني يا قُسم، أنا آسف لو فكرت أجبرك على الجواز مني، بس أنا عاشق وشوفت العشق جواكِ، لكنك عنيدة وبتحبي اللي حواليكِ أكتر من نفسك."
ظل لثوانٍ صامتًا منتظرًا جوابها أو قبولها للاعتذار، رغم أنه لأول مرة يعتذر من أحد. لكن جوابها لم يكن كلمات، بل شعر بيدها الصغيرة تتسلل خلف ظهره تبادله العناق وتتشبث بخصره بإحكام، وكأن هذه المتمردة العنيدة أعلنت عن استسلامها أمامه هذه المرة.
مسح على رأسها بدلال وهمس من جديد قائلًا: "آسف."
رفعت رأسها إليه لتتقابل عيونهما في نظرة طويلة، وما زالت أياديهما متشابكة بالأخر كما هما. نظر بعينيها الخضراء ووجنتها الجميلة بهذا النمش البني الذي يزيدها جمالًا. تبسمت بلطف وقالت: "مسامحاك. عارف ليه؟"
حرك رأسه لليمين بلطف مستفهمًا عن الجواب، لتتابع حديثها بعد أن خرجت من بين ذراعيه لتقف أمامه بخفة: "عشان الحياة مش على طول سالكة. أياك في عواقب وفي مشاكل وكلنا بنغلط. أنت قصاد غلطة واحدة عملت كتير يا غفران. لولاك كان زمان حازم زي ما بيقولوا حاطط رأسي في الطين سوا في فرنسا أو هنا. عشان اتجوزتني بجد بموافقة بابا وحاولت تعمل ده عشاني، رغم أن كان ممكن تتمسك بالورقة العرفي و أبقى مراتك بالقوة. عشان وقفت جنبي في عز ما كنت ضعيفة وحمتني. أنت ليك رصيد كبير قوي جوايا يخليني أغفر وأعدي غلطة أنت نفسك صلحتها لما اتجوزتني رسمي، وبرضو عشان تحميني من كلام الناس وغل حازم."
تبسم غفران بلطف على كلماتها وقال بدلال: "إنتِ تستاهلي أكتر من كده يا قُسم... تعالي."
أخذها للخارج حيث الطاولة الصغيرة الموجودة قرب الباب التي وضع عليها الهدايا التي جلبها معه. جلب لها صندوق هدايا مربع وقال: "افتحيه."
نظرت للصندوق بحيرة وفضول، ثم قالت: "ده عشاني؟"
أومأ إليها بنعم. فرفعت يدها إلى أذنها تضع خصلات شعرها خلفها بحيرة والفضول يقتلها. ماذا جلب لها بداخل هذا الصندوق؟ فقالت بعفوية: "شيكولاتات."
ضحك غفران وهو ينقر رأسها بأصبعه على اهتماماتها البسيطة وقال: "كل اللي همك بطنك. افتحي ومتخمنيش."
تنحنحت بحرج وأخذت الصندوق إلى الشرفة معه. وجلسوا سويًا على المقاعد والطاولة البلاستيكية الدائرية بالمنتصف. فقالت بحماس: "بسم الله."
فتحت الصندوق ووجدته مُعبأ بالكثير من الكرات الصغيرة الملونة التي تخفي ما بجعبته. فقالت بعفوية وضحكة لطيفة: "إيه كل ده؟"
وضعت يدها أولًا لتخرج من داخله علبة قطيفة مستطيلة بحجم كتاب زرقاء اللون. فرفعت رأسها إلى غفران وقد خمنت ما بداخل هذه العلبة. ربما شبكتها، وكان تخمينها صحيح، لكنه مبالغ جدًا عما توقعت. فوجود عقد من الألماس على شكل ثعبان وبريقه يخطف النظر لم تراه مثله من قبل. فقالت: "غفران، ده شكله غالي قوي... خد رجعه، أنا مش عايزاه."
أعطته العلبة بخوف. فدهش من رد فعلها وهي ترفض هدية مثله. ليقول: "إيه ده؟ ده شبكتك؟"
هزت رأسها بلا وقالت بخوف: "قصدك ده موتي، أنت متخيل أني هنا في المنطقة دي هعرف ألبس شبكة زي دي؟ ولا صحابي بكرة لما يعرفوا أني اتخطبت أو اتجوزت ويجوا ويسألوني عن الشبكة هعرف أوريها لحد. ده أنا أتخطف بسببها. لا رجعها، أنا شبكتي دبلة وخاتمين من عند بتاع الذهب. يوم ما تحب تعلي قوي تجبلي غوشتين ثلاثة، لكن ألماس لا."
ضحك عليها وعلى قلبها البريء وعينيها التي لا ترى من المال شيء. ثم قال: "شيليه وابقي البسي لما تيجي القصر. يلا طلعي الباقي."
عقدت ذراعيها أمام صدرها بخوف وقالت: "لا طبعًا، لما أول حاجة طلع ده، الباقي هيكون إيه. أنت تاخد البوكس ده ترجعه وتجيبلي بوكس شيكولاتات، أنا بحب بطني."
يضحك بقوة على تذمرها وهو لا يصدق وعقله لا يستوعب نقاء هذه الفتاة. وبدأ هذا العقل يقارن تلقائيًا بينها وبين "كندا" التي تعشق الألماس والمظاهر. نظرت لضحكته التي تراها لأول مرة بإشراق، وأدخلت يدها مرة أخرى إلى البوكس وأخرجت علبة صغيرة لتفتحها، وكان بداخلها مفتاح سيارة. لتقول: "عربية؟!"
قال: "أظن دي ضروري عشان تيجي القصر وتعرفي تيجي لأهلك هنا."
تركته جانبًا ووضعت يدها مرة أخرى لتخرج علبة أخرى، وكان بها قلادة. فنظرت إليه بغضب ثم قالت: "أنت فلوسك كتير مش عارف توديها فين. سلسلة وعقد، هو أنا عندي رقبتين ومثلاً هلبس فيهم؟"
وقف من مكانه ويده تأخذ القلادة منها، ليجلس على ركبتيه أرضًا جوارها، مما أدهش قُسم وهو ينحني إليها، في حين أن الجميع من ينحنون له من الخوف. تبسم وهو يقترب منها ويضع القلادة في عنقها. وعينا قُسم لا تفارق وجهه من الدهشة، ونبضاتها لم تهدأ أبدًا. ليقول وهو يغلق القفل: "السلسلة دي متتقلعش من رقبتك أبدًا يا قُسم، ده طلبي الوحيد منك."
هزت رأسها بنعم. ليبعد يديه عن عنقها متأملًا قلادتها الجميلة. ثم قال: "جميلة."
تبسمت بخفة إليه وبدأت تخرج بقية الهدايا. فكان هناك علبة ساعات بها ساعتين رجالي وحريمي لهما، وزجاجة عطر فرنسية، مما جعلها تبتسم بفرحة وهي تتلقى كل هذه الهدايا.
غادر غفران مع أخته وعُمر. وقبل أن يصعد بالسيارة، رأى حازم يقف أمام محله. فأقترب منه وهو يعرفه من ملابسه ليقول بهدوء: "نصيحة مني، إياك ترفع عينيك في قُسم لأنك مش قدي. أو خلي النصيحة أنك تتعب نفسك وتدخل على النت مثلاً وتسأل مين غفران الحديدي؟ دا لو مش عايز تتعب نفسك وتسأل الناس من قلب الواقع."
قال حازم ببرود شديد: "ده تهديد." ثم تابع بعناد ولا مبالاة: "طب اسمع بقى، قُسم دي حبيبتي وخطيبتي من وهي في اللفة. ولا أنت ولا الكون كله تعرفه تاخدوها مني، وإلا..."
مسك غفران فكه يمنعه من إكمال الحديث بغضب سافر حين تحدث عن زوجته، وعيناه تتطاير منها الشر. ثم قال بتهديد صريح بلا خوف: "وإلا... لا عاش ولا كان ولا لسه اتخلق على وجه الأرض اللي يهدد غفران الحديدي أو يتحداه. فوق لنفسك يالا، أنت مجرد حشرة أفعصها بإشارة مني. بلااش يا حلو تلعب في عداد عمرك اللي قرب يوصل للنهاية. واسم قُسم ميجيش على لسانك مرة تانية، وإلا مش هتلحق تكمله."
دفعه من وجهه باشمئزاز وسار نحو السيارة. وعينا عُمر تحدق بحازم واقفًا ممسكًا بالباب الخلفي من أجل غفران حتى صعد بالسيارة. أغلق عُمر الباب ونظر إلى حازم بتحذير وعيناه ترسل رسالة واحدة: ألا يلعب في الجحيم وإلا سيموت. ثم التف ليصعد إلى السيارة وانطلقوا.
مسك حازم وجهه بألم من قبضة غفران، ثم قال: "والله مبقاش حازم لو ما ندمت أنت وهي على اللي عملته وكل كلمة قلتها..."
***
[[ قصر اللؤلؤ ]]
دَلفت رزان إلى غرفة نورهان لتراها جالسة على مقعدها شاردة وعيناها تبكي دون أن تشعر بتساقط دموعها من ألم الماضي وذكرياته.
____ عودة للماضي ____
خرجت نورهان من غرفتها غاضبة ونيران تحرق صدرها من خيانة زوجها. جمعت حقيبة ملابسها لكي تغادر القصر رافضة خيانته بعد أن رأته في أحضان امرأة أخرى. فوقف غفران أمامها شاب عمره 19 عامًا وقال: "أهدي يا أمي، وهو لما يجي أنا هتكلم معاه، بس أرجوكِ متِمشيش."
دفعته بقوة بعيدًا عنها باشمئزاز وغضب سافر يحتلها، كارهة زوجها وحتى أولادها. كرهتهما ما داموا يحملون دماء هذا الخائن. لم يبالي غفران بشيء سوى انهيار والدته وكسرة قلبها. فأقترب مرة أخرى منها يحاول مساندتها وقال بهدوء بعد أن مسك يدها يربت عليها: "أرجوكِ يا أمي، أنا ابنك وفي ضهرك وسندك. خليكي واللي عايزاه أنا هعمله. أنا مش صغير، بس خليكي. ولو عايزني أمحي البنت دي من على وش الأرض هعمل كده، بس عشان خاطر متبكيش. متستاهلش دموعك."
صرخت بوجهه بانفعال وكسرة قلب فتتت لأشلاء من الخيانة: "كذب، أنتِ مش ابني، أنت ابنه، دمه النجس بيجري في دمك وأنا بكرهك. أنت زيه، هتعيش زيه. مالكوش أمان واللي يثق فيكم هتغدروا بيه. بكرة أنت كمان تكسر قلب واحدة، ما أنتوا صنف خاين..... ورحمة أمي لأدفعه الثمن غالي على خيانته ليا. غور من وشي."
دفعته بقوة دون أن تبالي بشيء، ليسقط على الدرج حتى وصل للأسفل، وارتطمت مؤخرة رأسه بحافة الدرجة الرخامية بقوة، وسالت الدماء بغزارة من رأسه. مما أفزع نورهان وأخذت طفلها إلى المستشفى وأجريت جراحة بالرأس. ونتيجة إصابته ظل بالغيبوبة داخل المستشفى لمدة سنتين فاقدًا للوعي.
فاقت نورهان من شرودها حين ربتت رزان على كتفها بلطف لتجفف دموعها بحرج وقالت: "في حاجة يا رزان؟"
قالت: "كنت بستأذن حضرتك عشان أمشي." قالتها بلطف ثم تابعت الحديث بجدية: "بس واضح أن حضرتك مش بخير، تحبي أفضل هنا؟"
قالت نورهان بهدوء: "لا مفيش داعي، روحي إنتِ."
فغادرت رزان. خرجت نورهان إلى الشرفة ووقع نظرها على سيارة غفران يترجل من سيارته. فقالت: "يكفيني أنك بخير قصادي."
لم تكن تهتم لفجوة البرود التي بينها وبين ابنها وكونه لم يسامحها على خطئها رغم مرور السنين. وتكتفي بكونه سالمًا أمامها. لكنها كانت جاهلة كل الجهل أن ابنها يعاني من دفعتها حتى الآن، وبفضلها لم يتمكن من رؤية أحد طيلة هذه السنوات وبات مريضًا بالعمى بفضل والدته.
***
استيقظت تيا فجرًا بسبب ألم في بطنها من الحمل. فبدأت تنادي على زوجها تستنجد به: "أنس... أنس."
لم يكن بالجوار فلم يسمع صوتها واستغاثتها به. تحملت على نفسها وهي تأتي من الوجع وتضع يدها أسفل بطنها من شدة الألم، حتى وصلت إلى الأريكة التي بها هاتفها. وأتصلت على والدتها، لكنها لم تجب مرة وأخرى. فلم يكن أمامها خيارًا سوى الاتصال بـ غفران. ولم تتحمل أكثر وسقطت على الأرض بصرخة قوية.
سمعها غفران عبر الهاتف حين استقبل الاتصال، ففزع وهو يقول: "تيا... تيا."
لم يجد جوابًا. بينما هي بدأت تلهث وتصرخ من الأرض وتتلوى بالأرض، مما أفزع غفران أكثر. وخرج ركضًا من غرفته إلى قصرها. دق الباب كثيرًا ولم يجد جوابًا من أحد. فأمر رجاله بكسر الباب. وبعدها صعد إلى غرفة أخته ووجدها على الأرض ودماء كثيرة لوثت ملابسها. فهرع نحوها يناديها: "تيا... تيا."
حملها على ذراعيه وغادر بها إلى أقرب مستشفى. فوقف أمام الغرفة ينتظر الطبيب مع عُمر الذي قال مقاطعًا قلقه: "أنس جه."
رفع رأسه إلى الأعلى ليراه يأتي نحوه ركضًا وهو يقول بقلق: "حصل إيه؟"
أمسكه غفران من ملابسه بقوة وضرب ظهره بالحائط باندفاع وهو يقول: "كنت فين؟ كنت فين ومراتك بتموت ها؟ تيا لو جرالها حاجة روحك مش هتكفي يا أنس، لأنها متساوي حاجة قصاد تيا واللي في بطنها."
أقترب عُمر يمسك قبضته بهدوء وهمس في أذنيه: "مش وقت يا مسيو غفران، المهم نطمن على مدام تيا واللي في بطنها."
احتدمت عينا غفران وأقترب خطوة نحو أنس، أرعبه أكثر وهو يقول: "اللي في بطنها لو جراله حاجة متلومنيش يا أنس، أنا أختي استنيت الحمل ده سنين. ولو خسرته بسبب إهمالك مش هيكون خير ليك أبدًا."
دفعه بقوة وأبتعد عنه من الغيظ حتى خرج الطبيب ليخبرهما بما توقعه غفران حين رأى الدماء. ليقول: "أنا آسف جدًا، بس الطفل كان ميت في بطنها لما جت، ومحتاجة عملية تنضيف ضروري."
أغمض غفران عينيه بغضب ممزوج بالحزن وأومأ إليه بنعم. ثم نظر إلى أنس نظرة مرعبة حتى يستعد للجحيم ويدفع ثمن خسارة أخته.
***
نزلت قُسم صباحًا مع والدتها بعد أن علمت بما حدث إلى تيا. وقالت بهدوء: "والله مش عارفة يا ماما، هم لسه في المستشفى... الأوبر شكله مجاش ولا إيه؟"
أقترب صابر منها، رجل خمسيني مرتدي بدلة رسمية وقال: "أتفضلي يا فندم."
نظرت قُسم إليه بتعجب وقالت: "أنا شوفتك قبل كده."
قال بهدوء مع بسمة لطيفة: "صابر يا هانم، السواق الخصوصي لحضرتك."
فنظرت قُسم إلى صفية بحيرة. فأشار بيده على السيارة. وكانت سيارة ضخمة تكفي لإغلاق الشارع كاملًا، رباعية الدفع باللون الأحمر من ماركة بي أم دبليو. لتصعد بالسيارة وهي مندهشة من فخامتها. وظلت تتفحصها من الداخل لتقول بفضول: "معلش هي العربية دي اسمها إيه؟"
أجابها صابر أثناء قيادته: "bmw x7."
فتحت هاتفها وكتبت اسم السيارة على جوجل لتصرخ بذعر من سعرها المذكور. وكانت تفوق العشر ملايين. فقالت بذعر: "بقولك إيه، اقف على جنب أنا عايزة ميه أبلع اللي شوفته."
أوقف السيارة جانبًا وترجل يجلب لها زجاجة مياه. ليرن هاتفها باسم غفران. فأجابت عليه قائلة: "أهلاً الفانوس السحري."
عقد حاجبيه باستغراب من كلماتها. بينما هو جالسًا جوار تيا في غرفة المستشفى حتى تستيقظ. ليقول: "فانوس إيه؟"
قالت: "ما هو لما تجيب لي عربية بـ 10 مليون جنيه، تبقى فانوس سحري."
تبسم بخفة رغم تعبه وهو لم ينام من الأمس. ثم قال: "تعيشي وتركبي يا قُسم."
تبسمت قُسم على كلماته اللطيفة وقالت: "طب كنت تجيب عربية أي كلام عشان لما أخبطها متزعلش على الفلوس."
ضحك وهو يمد جسده من التعب. ثم قال: "تعيشي وتركبي وتخبطي كمان، فداك."
نظرت إلى والدتها بخجل، ثم قالت بجدية: "أنا في الطريق، أنا وماما جايين لتيا."
أومأ إليها بنعم وظل يتحدث معها طويلًا حتى وصلت إلى المستشفى. وأغلقت معه الخط. صعدت إلى الأعلى حيث غرفة تيا. فدَلفت والدتها أولًا وهي بالخلف. ليسحبها غفران من يدها إلى الغرفة المجاورة. فقلت بتذمر: "إنت بتعمل إيه؟"
أغلق باب الغرفة بتسلل كاللصوص وضمها إليه بقوة. فدُهشت من فعلته وقالت بغيظ: "غفران، حد يشوفنا."
قال بلطف وهو يضغط عليها بقوة وكاد أن يعصر عظامها بين ذراعيه: "إنتِ مراتي يا قُسم على سنة الله ورسوله."
لتتمتم بتذمر: "ده على الورق بس. وقدام الناس أنت خطيبي لسه. وكمان أوعي تفتكر أن جوازك مني هيخليك تقرب لي زي ما تحب. أوعي تنسى أن في زوجة أولانية في حياتك وأنا مش هكون مراتك رسمي إلا لما أتأكد أنك مش ظالمة ولا كاسراها بسببي."
أبعد عنها بصدمة ألجمته وهي تمنع القرب منه وتضع "كندا" عقبة بينهما. فقال بجدية: "إنتِ واعية بتقولي إيه يا قُسم؟"
قالت: "بقول إني مش هقبل أني أظلم حد ولا أكون سعيدة على حساب واحدة تانية. هي نفسها في حياتك من قبلي."
قالتها بجدية صارمة. فمسكها من ذراعها بقوة غاضبًا ليجذبها نحوه حتى ارتطمت بصدره من قوته. وابتلعت لعابها خوفًا من نظراته المرعبة. ليقول: "متتحدينيش يا قُسم، أنا لو عايزك تكوني مراتي حالًا هعمل كده. وعلاقتي بكندا متخصكيش لا من قريب ولا من بعيد. وإياكِ تدخلي فيها وإلا هتخسري كل حاجة. إنتِ فاهمة؟"
دفعته بقوة رغم خوفها من نبرته ونظرته، لكنها لا تبالي بشيء وقالت بعناد وتحدٍ أكثر: "أعلى ما خيلك أركبه. أنا مابتتهددش ولا أنا اللي أكسر قلب واحدة زي. أنا مراتك زي ما هي مراتك. يا تعاملنا إحنا الاتنين بالعدل وزي ما بتعاملنا بحنية تعاملها بحنية، يا أما تكون نجوم السماء أقرب لك من أني أكون مراتك ويبقي لك حق فيا."
ظل صامتًا مصدومًا من كلماتها وعرضها الغليظ وهي تساوي نفسها بـ "كندا" وتطلب العدل بينهما. تمتم بضيق شديد: "على راحتك يا قُسم، بس متزعليش واستحملي."
مر من جوارها لكي يغادر الغرفة، مما أدهش قُسم. ولم تتوقع أن يغادر تاركها وحدها هنا. لطالما كان عنيدًا بها وكل ما يريده يفعله. أم الآن سلك طريق الهجر، كأنه قرر أن يضعها مع "كندا" في الجحيم بدلًا أن يخرج "كندا" إلى الجنة معها.