تحميل رواية غفران هزمه العشق بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماذا إذا قبل كل شخص بما قُسم له وأدرك أن الأرزاق وزعت على الجميع بالتساوى؟ ماذا إذا ملكت كل شيء وسلبت شيء بالكل؟ إذا كان الخيار بين المال والصحة، إذا كان الخيار بين الحُرية والآسر؟ فقط خيار واحد سيغير مجرى الحياة.... داخل مطار القاهرة بطيارة خاصة تحمل عليها شعار النسر مزخرف أسفله حرف الg تعبيرًا عن اسم "غفران" برسم جميل، ترجل من داخلها رجل فى أوائل الثلاثينات من عمره يرتدي بدلة رمادية بقميص أسود، طويل القامة وعريض المنكبين يملك جسد ممشوق رياضي، مفتون بالعضلات التى تظهر فى ذراعيه، شعره الأسود الن...
رواية غفران هزمه العشق الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نور زيزو
خرج الجميع من الغرفة وكل منهم في شروده التام.
"قُسم" في حالة من الذعر على حبيبها، ولا تتوقع أنه لا يمكنه رؤيتها والظلام الذي يعيش به.
أما والدته، فكانت في حالة من الغضب أكثر من الحزن. كيف كان يخفي عنها مرضه كل هذه الفترة الطويلة وكأنها عدوة له ستقدم على أذيته بهذا الخبر؟
وأخيرًا، كان "عُمر" الذي لا يعرف كيف سيواجه رئيسه بعد أن فضح أمره، وهذا الأمر وحده سيكلفه حياته.
"حسابك معايا بعدين يا عُمر، عشان تخفي عني مرض أبني بالطريقة دي طول الفترة دي."
"أنا كنت بعمل شغلي يا دكتورة."
قالها وهو يبعد يديها عنه بالقوة. فرفعت سبابتها في وجهه بقوة صارمة وقالت:
"أطمن على غفران وبعدها أحتمل أقطع رأسك."
غادرت من أمامه إلى حيث غرفة ابنها. نظر "عُمر" إلى "قُسم" التي جلست على أقرب مقعد، فقداها لم تعد تقوى على حملها بعد هذا الخبر الذي وقع على قلبها وعقلها في آنٍ واحد. جلس قربها في هدوء ليسمعها تتمتم بحزن وعينان باكية:
"يعني غفران عمره ما شافني! أنا مش مصدقة ولا مستوعبة حاجة زي دي."
تنهد "عُمر" بهدوء ثم قال بنبرة خافتة:
"معرفش هتصدقي ولا لا، بس غفران بيه كان شايفاك بوضوح، وده اللي خلى حالته معجزة أو مستحيل تتصدق. مكناش عارفين إزاي قادر يشوفك ويميزك من بين الكل."
رفعت نظرها إليه بذهول حاد، فهل مرضه يتلاشى معها فقط؟ سألت بفضول أكثر عن حالة زوجها وما يعيش به:
"إزاي وهل يعقل ده؟ في حد أعمى يشوف حد وحد لأ."
"صدقيني، أنا والدكاترة أحترنا جدًا في حالته. لما دخلت عليه الأوضة في الفندق أول مرة شافك فيها، وصفك ليا بأدق التفاصيل كأنه شايفك قدامه بجد، وده اللي صدمني لما رجعت كاميرات المراقبة وكنتِ فيها فعلًا. نفس العيون الخضراء والنمش ورموشك الطويلة وحواجبك الرفيعة وخدودك. وصفك ليا بأدق تفاصيلك، وده اللي خلاه زي المجنون وأمر بقطع رؤوسنا لو مجبناكيش من تحت الأرض."
عادت بذاكرتها إلى تلك الليلة البعيدة التي دلفت فيها إلى غرفته خطأً. خطأ، لكنه غير مجرى حياتها كاملة. تبسمت "قُسم" بعفوية وعقلها يتدخل إلى الغرفة لترتشف القليل من العصير الموجود بجواره، ثم خلعت حذاءها وتسللت بفراشها. وعقلها الصغير بدأ يدور أكثر، لكن دفئه جعلها تتشبث به. تمتم "غفران" بصوت خافت:
"كندا حبيبتي."
"قُسم، اسمي قُسم."
قالتها بخمول شديد ورأسها تستكين على صدره. فحملق بوجهها مع إضاءة الغرفة الخافتة ليسأل بفضول:
"شكلك عامل إزاي؟"
رفعت رأسها عن صدره قليلًا لترمق وجهه الحاد بجاذبيته القوية وقالت:
"بنت جميلة، عيوني خضراء زي العشب الجميل."
رفع يده إلى وجهها يلمس وجنتها بأنامله الدافئة وكلاهما تحت تأثير المخدر الموجود بالعصير. تبسمت بثمالة وبسمتها تشرق كأشعة الشمس، متابعة وصف وجهها:
"خدودي بنمش بني ناعم زي الحرير وبيضة زي اللبن الصافي."
كأن يشعر بكل كلمة تقولها مع إحساس يده التي وصلت إلى عينيها، فقالت:
"رموشي طويلة وثقيلة تخلي عيوني تسحر أكثر وأكثر."
سألها بعقل غائب عن الوعي ويداه تلمس فكها يداعبه بقوة حتى وصل إلى شفتيها الصغيرتين ليسرق منها قبلة دافئة تسحر قلبيهما، لكن سرعان ما غاصت في نومها على صدره تقاطع قبلته الناعمة.
ضحكت "قُسم" وسط بكائها الشديد بعد أن تذكرت ما حدث، فأخبرت "عُمر" بضعف شديد يمزق قلبها لأشلاء مثنورة على صدرها المحترق من الألم:
"مكنش شايفني يا عُمر، غفران عمره ما شافني. أنا اللي وصفتني له، وصفتني بأدق تفاصيلي، ومكنتش أعرف إني بوصف نفسي لعيوني المريضة وعقله صدق ده."
اتسعت عينا "عُمر" على مصراعيها بصدمة قاتلة حلت به، وقد استوعب عقله الآن ما حدث وحيرة طبيبه "روبرت" في حالته، ليقول:
"معقول."
"المريض بيتعلق بقشاية، وأنا كنت القشاية اللي كذبت كذبتها وصدقها."
قالتها بانهيار تام ووقفت لتسير نحو غرفته وهي تتذكر تلك القبلة التي سرقها منها لأول مرة، وكيف سكنت بين ذراعيه بأمان في ليلتها الأولى معه، والآن تجننه من الشوق إليها.
***
"في اليوم السابق"
دخلت الممرضة إلى غرفة "أنس" تحمل معها الحقنة لتُصدم عندما رأته معلقًا في حديد النافذة مشنوقًا، لتصرخ بهلع شديد بعد أن سقطت أرضًا من هول الصدمة. ليدخل العساكر المسئولون عن مراقبته على صوت صراخها، فصُدموا من المشهد الذي أمامه، وأبلغوا "خالد" بما حدث في المستشفى.
كان "يحيي" على وشك الجنون، وكيف قُتل "أنس" نفسه. ليقول الطبيب بهدوء:
"حالة الاكتئاب اللي وصلها أنس الفترة الأخيرة كفيلة أنها توصله للانتحار، وده اللي حذرت العساكر منه وأنه ميغيبش عن نظرهم، لكن مسمعوش."
تأفف "يحيي" بضيق شديد من موت "أنس". بعد وفاته سيغلق التحقيق الذي فتحه من جديد، ولن يثبت شيء مما حدث ماضيًا.
***
[[ أستراليا ]]
في محل للورود جميل، رائحته الذكية تملأ المكان مع الموسيقى الإيطالية الهادئة، كانت "تيا" تتجول بين الورود ببطنها المنتفخة من الحمل تتحدث في الهاتف مع والدتها "نورهان" وقالت:
"يعني مات؟"
أومأت "نورهان" بنعم إليها، لتتوقف "تيا" في محلها بحزن يخترق قلبها على موت "أنس" ممزوج ألمها بالخذلان. فهل وصل لشيء بخيانتها سوى الهلاك؟ تحدثت بحزن وصوت مبحوح واضح في نبرتها الخافتة:
"مأخذتش حاجة من خيانته ليا غير الهلاك يا أمي. طمعه موصلهوش لحاجة غير الموت. طمع في الحب منها حب عمره ومكتفاش بالحب. لأ، طمعه صورله أنه لازم يتجوزني عشان المال والمكانة والسلطة. ودي بنت عائلة الحديدي، أكبر عائلة في البلد. مفكرش أنه يختار بين الحب أو المال، مكنش قنوع ورضي بحاجة واحدة تسعده وتخلي حياته جنة. وهمني بحبه وكسر قلبي ودمرلي حياتي بخيانته ووصل لأيه في الآخر؟ خد أيه في النهاية؟ حصد أيه من كل ده؟ ياريت البني آدم يرضى باللي عنده."
تحدثت "نورهان" بنبرة هادئة قائلة:
"أكيد يا تيا، أكيد لو كان رضي بيها مكنش عاش في قصر ولا كان هيغير عربية كل شهرين ثلاثة، ولا كان هيعرف يعيشها في الشيخ زايد ولا يجيبلها الألماس. هو بس حب يأمن حياته."
ذرفت الدموع من عينيها وجعًا وقالت بقهرة وبحة في حنجرتها:
"مؤذي في حياته ومؤذي في مماته. اتحرم من ابنه اللي في بطنها واتحرم من ابنه اللي في بطني، وخلاني كارهة البلد اللي عاش فيها. الله يسامحه بجد. الله يسامحه على كل حاجة وكل مرة كان بيأذيني ويخوني فيها."
تنهدت "نورهان" بلطف شديد ثم قالت ببسمة خافتة:
"مش مهم دلوقتي، طمنيني عنك؟ أخبارك أيه والحمل أخباره أيه؟"
"الحمد لله يا ماما، كنت عند الدكتورة من يومين وطمنتني جدًا. طمنيني أنتِ عنكم؟ أخباركم أيه؟ وغفران وقسم عاملين أيه؟"
قالتها "تيا" بعد أن جلست على المقعد، فتنحنحت برفق وهي تخفي عنها مرض أخيها، فقالت:
"الحمد لله، وقُسم حامل."
تحدثت بفرحة تغمرها وبسمة تنير وجهها الجميلة:
"بجد! الله فرحتيني أوي، أنا هبقى أتصل بيهم عشان أبارك لهم بنفسي."
قاطعها دخول رجل في الثلاثينات من عمره، لتغلق الخط مع والدتها واقتربت منه ليقول:
"عايز بوكيه ورد."
دُهشت من لهجته العربية وقالت:
"حضرتك بتتكلم عربي، تحب الورد أيه؟"
نظر إليها وهو يرفع نظارته الشمسية عن عينيه البنية يرمقها بنظرة دافئة وسأل:
"أنتِ بتحبي أيه؟"
"أكيد زهرة التوليب."
تبسم بخفة عليها وقال:
"يبقى خليه التوليب."
تنحنحت "تيا" بلطف واستدارت لتأمر العاملة بأن تصنع له ما يريد، وعادت إلى مكتبها بتوتر من هذا الرجل، وظلت ترمقه من خلف الزجاج تتفحصه. فكان طويل القامة يرتدي بدلة زرقاء وفوقه بالطو طويل يصل لركبتيه باللون الأسود. شعره الأسود مُصفف للأعلى، وهكذا لحيته السوداء الكثيفة. لا تُصدق وسامته، لكنها تحاشت النظر إليه غارقة في أحزانها بموت "أنس" حتى دلفت العاملة تحمل الباقة، فسألتها "تيا" باستغراب شديد باللهجة الإنجليزية قائلة:
"إيه ده؟"
"ده طلب منى أقدمه لحضرتك."
نظرت "تيا" إلى الخارج ولم تجد هذا الرجل، فنظرت إلى الباقة وكان بها بطاقة ورقية لتقرأ ما بها:
"( لم أجد شيء يليق بكِ كالورود، فلا يليق بكِ البكاء. من معجب ولهان)."
ضحكت "تيا" على هذا الرجل الغامض الذي قدم لها باقة زهور لأنها تبكي، ووضعت الباقة في مزهرية زجاجية على مكتبها.
***
[[ المستشفى ]]
كانت "قُسم" تحتضن يده اليسرى في يدها وتتمنى أن يستعيد "غفران" وعيه، حتى وإن كان لم يراها. وقلبها يحتله الحزن مما يعيشه، وكيف وهم نفسه بأنه يراها. كيف تحمل رؤيتها لسنة كاملة بهذا الوهم؟ قلبها يتمزق وجعًا وعقلها يصرخ من الجنون. عيناها لا تكفي عن البكاء في غيابه، حتى فتح باب الغرفة ودلف "عُمر"، فجففت دموعها سريعًا وخرجت له. قدم لها "روبرت" طبيبه الذي جاء من فرنسا لفحصه، ثم تحدث بهدوء:
"كنت عايز أخد رأي حضرتك في حاجة كده؟"
نظرت "قُسم" إليه بدهشة وقالت:
"أولًا نالا عملت العملية ونجحت، وحسب أوامر غفران بيه في حالة مرضه أو حصل له حاجة مقدرش آخد تعليمات من حد غيرك."
فهمت شيئًا سوى أن "غفران" ترك لها كل المسؤوليات والأحمال على أكتافها في غيابه. فتابع "عُمر" بلطف:
"أعمل معاها أيه خصوصًا أن كندا وعفيفي مع السلامة؟"
هزت كتفيها للأعلى بحيرة شديدة ولم تفهم سؤاله، فقالت:
"معرفش، ممكن تبعتها على القصر لحد ما أطمن على غفران."
أومأ إليها بنعم ثم قال بحزم شديد:
"شيء تاني، عفيفي اشترى أسهم من شركة غفران بيه لتهديده، وبكرة اجتماع مهم جدًا بخصوص الأسهم دي مع داغر والد عفيفي، وناوي على شر للي حصل لأبنه. وبحسب القانون حضرتك لازم تحضري."
اتسعت عيناها بذهول من حديثه وقالت بعبوس:
"أنا معرفش حاجة في شغلكم وهبهدل الدنيا لو روحت؟"
"غفران بيه يوم كتب كتابكم عين حضرتك نائب رئيس مجلس الإدارة للشركة، ومش بس كده كتب 35% من أسهمه باسمك، يعني حضرتك دلوقتي نائب رئيس مجلس الإدارة وأكبر مساهم في المجموعة بعد غفران بيه، والوحيدة اللي يحق لك قيادة المجموعة في غيابه."
اتسعت عيناها على مصراعيها من هول الصدمة التي لحقت بها، وكيف وضعها "غفران" في هذا المأزق وحدها؟ كيف ستجازف في المخاطرة بشركته وهي لا تعرف شيئًا عن عملهم، بل أنها مجرد معلمة أطفال؟ لاحظ "عُمر" حيرتها وعجزها، فقال بهدوء:
"أنا هعرف حضرتك بالخطة اللي مقررها غفران بيه وهتعمليها والموضوع هيعدي عادي، متقلقيش وبلاش توتر."
نظرت خلفها على غرفة "غفران" في صمت حائرة في هذه المسؤولية الكبيرة التي تركها على عاتقها.
جلست "نورهان" في المكتب مع "روبرت" يخبرها عن حالة ابنها، لتُصدم أنه يعاني من هذا المرض من سنوات طويلة وبسببها. لدمعت عيناها قهرًا، فلم يؤذِ ابنها أحد غيرها. تحدثت بنبرة خافتة:
"اتصرف يا دكتور، غفران لازم يشوف حتى لو اضطرت إنك تشتري له عيون."
تبسم الطبيب بخفة على كلمتها وقال بهدوء:
"متأسف، لكن حتى العيون الجديدة مش هتفيده بحاجة. عمى الوجوه مرض ملهوش علاج في العالم كله."
تركها وغادر المكان، فنظرت "نورهان" إلى "عُمر" بحزن شديد، ليسألها بجدية:
"هتقتلي مين ولا هتشتري العلاج إزاي؟"
رفعت حاجبها إليه بتعجب من سؤاله، فقال بمكر شديد:
"أوعي تكوني فاكرة إن غفران بيه مش عارف جرائمك. طول الوقت وهو مدرك كويس أوي إن اللي هو فيه من أفعالك، وإن ربنا اختار يعاقبك فيه هو. هترشي مين المرة دي ولا هتهددي مين بالموت عشان تشفي ابنك؟"
ابتلعت لعابها في صمت وعيناها تحدق به بغيظ قاتل في هدوئها ولسانها يأبى النطق بكلمة واحدة أمامه. وهو يواجهها بالحقيقة، ليتابع الحديث بجحود:
"وصلتي لأيه بسيطرتك وشرك؟ خسرتي ولادك الاتنين، واحدة هاربة برا البلد عايشة وحيدة وتعيسة، والتاني أعمى بفضل أمه ومبيكرهوش في حياته قدك. كسبتي أيه؟ عاد عليكِ كل ده بأيه؟ سوي ملك وأنس ولا كندا ولا عفيفي وغيرهم كتير. حصدتي أيه في كل ده؟"
وقفت من مكانها غاضبة وتضرب المكتب بيدها بحزم شديد، ثم قالت بصراخ:
"عُمر!!"
"حافظ على كلامك معايا وإلا..."
اقترب خطوة منها بلا خوف ولم يبقَ بينهما سوى خطوة واحدة تفصل بينهما، وقال بتحدٍ:
"وألا أيه؟ هتأمرى بقتلي أنا كمان... أنا لو مكانك أقضي الباقي من عمري على سجادة الصلاة بدعي أن يكملها عليا بالستر ويغفرلي."
كزت على أسنانها بقوة حتى أنه سمع صرير أسنانها القوي، وغادر المكتب.
***
[[ شركة الحديدي للسيارات ]]
تنفست "قُسم" الصعداء بتوتر شديد. فهمس "عُمر" في أذنها بلطف يطمئنها:
"اتنفسي براحة ومتقلقيش لأني معاكِ."
أومأت إليه بنعم حتى توقف المصعد أمام الطابق المخصص للاجتماعات، فترجلت من المصعد لتجد "سليم" يقف ينتظرها أمام باب المصعد. فتبسمت وهي تستقيم بظهرها بثقة رغم قلبها المرتجف من القلق. تقدمت للأمام ببدلتها النسائية البيضاء عبارة عن تنورة طويلة تصل لأسفل ركبتيها وقميص نسائي أحمر اللون فوقه سترة طويلة تصل لأعلى الركبة بقلق، مغلقة بأزرار من الألماس، وشعرها الكستنائي مُصفف على ظهرها والجانب الأيمن، وعنقها به عقد من الألماس على شكل ثعبان. وصوت حذائها الأحمر ذو الكعب العالي يطرق أذان الموظفين، والجميع يتحدث عن جمال هذه السيدة. وفي خطواتها للأمام كانت تلاحظ الشارات التي يضعها كل موظف فوق قميصه بتعريف اسمه ووظيفته، لتدرك كم كان يعاني زوجها من مرضه وهو لا يمكنه التعرف على الأشخاص سوى بهذه الشارة. فتنهدت بهدوء، وفتح الأمن باب الغرفة ودلفت بوقار إلى الغرفة لترى "داغر" والد "عفيفي" يجلس على الحافة الأخرى للطاولة يرمقها بنظرات حادة. فتبسمت بلطف ثم جلست على مقعد زوجها ليبدأ الاجتماع.
***
[[ المستشفى ]]
فتح "غفران" عينيه بتعب شديد من غيبوبته القصيرة التي دامت لثلاثة أيام. كانت الغرفة هادئة ولم يجد زوجته بجواره أو "عُمر" فقط، حارسه الشخصي الذي يجلس على الأريكة يلعب في هاتفه. فأعتدل وهو يجلس على الفراش ليسرع الحارس نحوه قائلاً:
"غفران بيه، ألف حمد الله على سلامتكم."
مسح وجهه وعينيه تحملق بهذه الشارة حتى يتأكد من هوية حارسه، فقال بضيق:
"أنا بقالي قد أيه هنا؟"
"3 أيام."
قالها الحارس بهدوء مما أقلق "غفران"، فطلب الطبيب الذي أخبره عن تضخم الورم برأسه ويجب استئصاله ضروريًا. فسأل بقلق:
"لازم؟"
"للأسف لازم، لكن..."
رفع "غفران" رأسه إلى الطبيب فتابع حديثه بنبرة هادئة أكثر:
"العملية خطيرة جدًا مع مرض حضرتك وممكن تسبب عمى تام. وحتى لو رفضت برضو الورم لو تضخم أكثر من كده هيأثر على الشبكية وهيسبب عمى، بخلاف أنه ممكن يأثر على الجهاز العصبي والمخ."
اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة ألجمته وقال بفزع:
"مرضي! حد عرف به؟"
"كلهم."
قالها الطبيب ببرود وهو لا يعري اهتمامًا لمن عرف بقدر حالته الصحية. فأغمض "غفران" عينيه بضيق شديد من كشف سره الآن، وهذه كانت كارثته الوحيدة الآن وليس مرضه أو الورم الذي برأسه وخطورته. أشار إليه بأن يغادر ونظر إلى الحارس وهو يقف يبدل ملابسه. سأل بحدة:
"قُسم فين؟"
قدم له الحارس جهاز التابلت وقال:
"في الشركة مع عُمر."
نظر إلى كاميرات المراقبة الموجودة بغرفة الاجتماعات، وكانت فتاته تترأس المكان وتقود الاجتماع، ليغلق أزرار قميصه ويغادر المستشفى مع حارسه متجهًا إلى الشركة وعينيه لا تفارق الشاشة، ليسمع "داغر" يقول:
"أنا بملك أسهم عفيفي ابني اللي هي أكبر منك لأنك لا تملكي سوى جزء من أسهم غفران."
تبسمت "قُسم" بمكر شديد ثم قالت:
"حضرتك معاك شهادة وفاة ابنك؟"
نظر إليها بتعجب فقالت بمكر:
"على حد علمي أن الشرطة مسلمتكش جثته، وآخر اللي اتعرف أنه اتنقل إلى المستشفى، يعني في سجلات القانون هو حي يرزق. وده معناه إنك مالكش أي حق في الورث اللي بتتكلم عنه، ولحد ما يظهر عفيفي أو تظهر جثته وتتم أوراق الورث، حضرتك ممنوع من دخول الشركة نهائيًا ولا بأي صفة."
نظرت إلى الرجال ليتحركوا تجاه "داغر" يطردوه من الشركة بأمر منها، لتستغل "قُسم" الموقف ووقفت من مكانها لتذهب خلفه وهي تتذكر حديث "عُمر" عن تهديد "عفيفي" لزوجها بهذه الأسهم لإنقاذها، فقالت بهدوء:
"داغر بيه."
التفت لكي ينظر إليها، فأقتربت منه أكثر وهمست في أذنيه قائلة:
"لو عايز تعرف مكان ابنك الغالي، تروح مع المحامي تتنازل عن الأسهم لـغفران وتسجل في الشهر العقاري."
ابتعدت عنه لتراه مصدومًا ويفتح عينيه على مصراعيهما وكيف لهذه الفتاة البريئة أن تهدده مباشرةً بلا خوف هكذا، فقال بتلعثم شديد:
"أنتِ بتكلمي جد."
"أكيد."
قالتها ببسمة مخيفة ظهرت على وجهها، مما جعله يتساءل بذهول:
"مش خايفة؟ أنتِ المفروض تخافي بعد دخول غفران المستشفى."
صرخت بوجهه بثقة وغرور يحتلها قائلة:
"متهددنيش لأني مش ضعيفة عشان أخاف، ولا جبان وأفتكر إن اللي واقفة قصادك هي مرات غفران الحديدي، وإذا اتجرأت وهددتني مرة تاني متلومش إلا نفسك."
تركته ومرت من أمامه غاضبة، بينما تبسم "عُمر" على جراءتها وشجاعتها في تهديده كأنها ورثت الثقة والغرور من زوجها العنيد. فتح باب المصعد لترى "غفران" أمامها، فأتسعت عينيها على مصراعيها بذهول وفرحة لرؤيته أمامها يقف على قدميه. فركضت نحوه تعانقه بلهفة واشتياق، فتبسم بينما يديه تطوقها بإحكام، ليغلق المصعد أبوابه بعد أن منع "عُمر" سليم" بالصعود. ابتعدت عنه باشتياق وهي تلمس وجنته الناعم بأناملها وقالت:
"يا روح قلبي.. خوفتني عليك."
قاطعها بقبلته الناعم التي التهمت شفتيها بقوة لتبادله نار الشوق بمشاعرها وقلبها يخفق بجنون إليه، يخمد نيران شغفه وهي بين ذراعيها تتحسس صدره بأناملها وراحة يدها الصغيرة، وهو كاد أن يعتصرها بين يديه من العشق وكأنه فارقها للسنوات طويلة. ابتعدت عنه كي تلتقط أنفاسها التي كادت أن تنقطع من قوة قبلته، وحدقت بعينيه الرمادية الجميلة وقالت:
"غفران."
"بحبك."
قالها بنبرة دافئة تُثر ما تبقى من صمودها أمامها، حتى أذاب قلبها العاشق كاملًا بنعومته. تجولت عينيها بين عينيه بحب وأنفها تستنشق عبيره بهيام. مرر يده على وجنتها الناعم لتجيب على كلمته بهمس:
"وأنا بحبك يا غفران."
لم يتمالك أعصابه وجنون قلبه بها أكثر، ليدفعها على الحائط بقوة يسرق قبلاته منها بشغف، لتتألم "قُسم" من دفعه بعد أن ارتطم العمود الحديدي بظهرها من الأسفل، فنتج وجعًا أكبر ببطنها. ابتعد عنها وهي تتألم وتأني بخفة متشبتة به، فسأل بقلق:
"أنتِ كويسة؟"
هزت رأسها بنعم رغم ألمها، لينحني بلطف وحملها على ذراعيه، فتمتمت بخفوت:
"نزلني يا غفران، الناس هتتفرج علينا."
لم يبالي لها حتى فتح المصعد أبوابه وخرج بها تحت أنظار موظفينه الذين تهامسون بالكثير من رؤيتهم لهذا المشهد الرومانسي. وضعها بسيارته وصعد بجوارها، ثم تمدد على الأريكة ورأسه على قدميها، فضحكت على تصرفاته الغريبة وقالت:
"أيه الشقاوة دي كلها؟"
أغمض عينيه بهدوء ممسكًا بيدها الصغيرة بين يديه وقال:
"من الأحسن أنكِ تسكتي خالص لأني مانع نفسي عنك بالعافية."
نظرت إلى السائق بخجل شديد ونفذت ما قاله خوفًا من تهوره وكيف فقد زوجها وقاره وهيبته وأصبح طائشًا كالمراهقين هكذا؟!! وصل للقصر ليأخذها إلى الأعلى وسط أنظار خدمه المندهشين من طريقته، فقالت بتعجب:
"غفران مالك؟ الناس كلها بتبص علينا."
لم يُجيب عليها بكلمة واحدة حتى وصل إلى غرفتهما وأنزلها على الفراش، فأبتلعت لعابها خجلًا منه وقالت بتلعثم:
"غفران... بص.... أصلا..."
قاطعها بقبلته لتهرب منه هذه المرة ونزلت من فوق الفراش بعد أن سقط هو عليه، فنظر إليها وقال بتذمر شديد:
"ما بلاش الفرهدة دي."
"أحم أنا هروح أطمن على نالا."
قالتها وهربت من أمامه، ليشد شعره من الغيظ وهو يقول:
"يااااهي نالا كانت بنتها."
أخذ نفس عميق وألقى بجسده على الفراش ينظر إلى السقف بشرود في القادم كجراحته وإجهاض "قُسم" التي ترفض الجراحة تمامًا. فأاتصل بـ "فاتن" وقال:
"حضري العصير لـ قُسم ومتنسيش تحطي المنوم."
أغلق الهاتف وهو يفكر في رد فعلها حين تستيقظ وتجد أنه قتل طفلها بدون علمها لأجل إنقاذ حياتها، وهل ستغفر له هذه الخديعة أم ستصبح حياتهما الزوجية في خطر؟؟.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نور زيزو
رواية
♡♡ غفران هزمه العشق ♡♡
الفصل الثاني والثــلاثــــــــون ( 32 )
___ بعنــــوان " هزمه العشق" ___
أبتعد "غفران" عنها وأستلقي على الفراش بعد أن ضغط على زر الريموت الإلكتروني يفتح الأضواء بالغرفة، تنهدت "قُسم" بتعب فى جميع أطراف جسدها وجلست على الفراش ترتدي الروب على جسدها الناعم وحملت كوب العصير الموجود على الكمودو بجوار الفراش، أشعل سيجارته الموجودة بين شفتيه فتأففت "قُسم" بضيق من تصرفه وقالت بخنق:-
_ غفران أنت عارف أن السجاير غلط على البيبي وعليا
نزلت من الفراش غاضبة جدًا، نظر "غفران" على كوب العصير الذي أرتشفت أكثر من نصفه فسأل بقلق:-
_ هو إحنا مش أتكلمنا فى موضوع البيبي دا
ألتفت إليه بتذمر ووجه عابس من نفس الحديث وقالت:-
_ يا غفران قُلتلك مش هقتل أبني بأيدي مستحيل يطاوعني قلبي أو يوافقني عقلي أن أعمل كدة
وضع سيجارته جانبًا وترجل من الفراش يلتف إليها بينما يقول بجدية صارمة مُتجهٍ إليها:-
_ يعنى هو لو كان نزل لوحده كنتِ هتعملى كدة؟
نظرت إليه وهو يقف أمامها بصدره العاري يحملق بها بوجه حاد وصارم فأجابته بثقة كبيرة:-
_ لا، كنت هقول قضاء وقدر، ربنا عايز كدة وهيعوضني لكن ميبقاش جوايا حي وأنا أقتله فرق كبير بين الأثنين، أزاى عايزني أكون أم وأنا مستحملش عشانه شوية تعب وأعافر عشانه، أنا وعدتك أنى مش هقوم من سريري ولا هتحرك كتير ومستعدة أنى أقضي التسع شهور دول فى بيتي مخرجش برا، هأخد علاجي اللى هيقوله الدكتور وهنفذ كلامك أنت والدكتور بالحرف لكن متحكمش عليه بالموت من غير حتى ما نحاول
أخذ وجهها بين راحتي يديه ونظر بعينيها الباكيتين ورجفة جسدها ثم قال بنبرة هادئة:-
_ عشان خاطري يا قُسم، أنا معنديش استعداد أجازف بحياتك، أقسم بالله ما هعرف أعيش من غيرك
بدأت رؤيتها تشوش وتشعر بخمول فى جسدها من تأثير المنوم فقالت بنبرة خافتة:-
_ وأنا عمري ما هسامح نفسي لو خسرته بالطريقة دى يا غفران
رغبتها الشديدة فى النوم تزداد حتى هزت رأسها بقوة تحاول أن تسيطر على ضعفها وهزيمتها أمامه لتسقط بين ذراعيه غائبة عن الوعي فتشبث بها بأحكام بعد أن ذهبت فى رحلة نوم طويلة، أنحني بلطف كى يحملها على ذراعيه ووضعها بالفراش بلطف ثم وضع الغطاء عليها وظل ينظر إلى وجهها الملاكي ويمسح بيديه على رأسها بحنان حائرٍ بين قلبه الذي يعشقها بجنون ويخشي غضبها وحزنها عندما تعلم بجريمته وعقله الحازم فى تفكيره فإذا طلب الطبيب الإجهاض فهو ليس بجريمة، بل إنقاذ لحياتها ...
__________________________
[[ شــــركــــة اللــــؤلــــؤ ]]
دلفت "رزان" إلى المكتب فوجدت "نورهان" تقف جوار مكتبها ترتدي سترتها لكي تغادر المكتب، تبسمت "رزان" بخفة وقالت:-
_ خدت لحضرتك ميعاد مع دكتور روبرت
ألتفت إليها بحماس وقالت:-
_ كويس عايزة أطمن على غفران من ساعة ما عرفت وأنا مش قادرة أتخيل يا رزان ابني وصل للمرحلة دى أزاى وكان بيعاني قد أي وهو مش قادر يشوف ويميز اللى قدمه، فهمت ليه عُمر كان طول الوقت ملازمه زى ظله
تحولت نبرتها من الحماس إلى الألم والحزن الذي يفتك بقلبها على طفلها، خرجت من المكتب مع "رزان" التى قالت بلطف:-
_ اللى حضرتك أمرتي به حصل، طلعنا 3 مليون صدقة للمحتاجين وكمان بعت حولى 10 ملايين شيكات لكل الجميعات الخيرية ووزعنا 10 آلاف وجبة ورجالتنا بحثوا عن اللى محتاجين علاج أو على قايمة أنتظار الجراحات وطلبنا من المستشفي تستقبلهم وتقوم باللازمة
تنهدت "نورهان" بأريحية مما تسمعه وهى تتذكر جملة "عُمر" الذي صرخ بها ( هترشي مين المرة دي)، لم تقوى على تحمل مرض ابنها فصعدت لسيارتها مُستمعة إلى صوت "رزان" التى تخبرها عن المرض وكيف لا يمكن لأبنها تميز الوجوه ولا معرفة هواية الشخص الواقف أمامه لكنه يستطيع التمييز بين الأصوات والألوان والرؤية طبيعيًا بخلاف الوجوه فدمعت عينيها بإشفاق وحزن يجتاح قلبها على حال ابنها وخصيصًا بعد أن علمت بإنها السبب فى كل هذا..
قاطع شرودها صوت "رزان" تقول:-
_ أعمل أى مع والد كندا؟ أكمل أجراءات القرض معاه ولا لا
تذكرت "كندا" ووفأتها لتقول:-
_ لا، أوقفي القرض وهو يصرف أموره بنفسه اللى أنا عايزاه خدته وخلص الموضوع
أومأت إليها بنعم ونظرت إلى الأمام فى هدوء مُلتزمة الصمت من طرفها فشردت "نورهان" بعد أن تسببت بمقتل "كندا" عمدًا، لطالما تخلصت من أى شيء يسبب الإزعاج لها، فقط تحملت "كندا" طيلة السنوات السابقة لأجل "غفران" وحُبه لها لكن بعد أن تخلي عنها كان التخلى بمثابة إصدار أمر أعدامها من طرف أمه، تحملت غلاظتها بقدر المُستطاع وبعد أن وقع ابنها فى عشق الأخرى أمرت بالتخلص منها، أنتقمت لكل لحظة أستفزتها بها "كندا" وكل مرة كانت تنتصر عليها بفضل زوجها الحاد، تنهدت بأريحية وهى لا تشعر بأى ندم فى قتل إنسانة وسلب روحها قهرًا، كانت "نورهان" تحمل بين طياتها جبروت لا مثيل له فى قلب امرأة من قبل، برود وكأن قلبها لا يُشعر بأى مشاعر عاطفية ...
________________________
[[ قصـــر الحــديــدي ]]
فتحت "قُسم" عينيها بتعب شديد وهى تشعر بألم فى نصفها السفلي، خرجت منها صرخة خافتة مؤلمة وهى تحاول الجلوس لتجد نفسها فى فراشها بالغرفة و"همس" بجوارها تشعل المبخرة العطرية فى الغرفة ووجدت بيدها الكانولا المُتصلة بالمحلول الطبي، نظرت حولها وهى لا تفهم شيء فسألت بتعب:-
_ أاااه، هو حصل أى؟
_ حضرتكِ تعبتي ومسيو غفران جابلك الدكتور
قالتها بهدوء بينما تقترب أكثر نحوها تساعدها فى الجلوس لتتذكر ما حدث جيدًا فلم تتذكر أنها شعرت بأى ألم فسألت باستغراب شديد:-
_ أنا مش فاكرة أنى حسيت بأى تعب!!
أعتدلت فى جلستها وهى حائرة فى التفكير حتى وقع نظرها على الأدوية الموجودة بجانبها والمحلول وألم جسدها لتفزع مما ترجمه عقلها وقالت بتلعثم:-
_ معقول أكون خسرته؟
_ الطفل!! أنا سمعت الممرضة بتقول أنها عملية إجهاض
قالتها ببرود بينما تقترب من "قُسم" التى صرخت بهلع شديد وهى تفهم أن كل ما حدث من تخطيط زوجها ولم يترك لها الخيار فقد أجرى لها الجراحة بدون علمها فصرخت بهلع وهى تترجل من الفراش فسقطت أرضًا وقدميها الضعفتين لم يقو على حملها أكثر من ذلك، وضعت يدها بحزن شديد أسفل بطنها وذرفت الدموع من عينيها بأنهيار شديد وبدأت ترتجف بفزع من هول الصدمة وجبروت زوجها الذي أحبته والآن شعرت بأنها لم تتخلص من "حازم" سوى للوقوع فى الأسوء ، وقفت من مكانها بصعوبة ونزعت الكانولا عن يدها بقسوة فلم يؤلمها شيء بقدر ألم فقدها لطفلها بالأكراه وخيانة زوجها لها وكأنها دمية يتحكم بها كما يُريد، خرجت من الغرفة غاضبة مُتألمة ويجتاحها دوامة قاسية من المشاعر المُميتة لها ولعقلها، تبحث عنه وهى تتكئ بيدها على الحائط والدرابزين وبكل خطوة كان عقلها يفتت جزءًا منها بعد فعلته، تألمت بغصة قوية فتوقفت بصرخة مكتومة وتمتمت بعدم تصديق لما تفكر به:-
_ لا ، مستحيل غفران يعمل كدة فيا
ضحكت "نورهان" التى كانت تقف على حافة الدرج ترمقها بذهول فنظرت "قُسم" لها بصمت والقهرة هى التى تستحوذ عليها فى هذه اللحظة، أقتربت "نورهان" منها بهدوء ثم قالت:-
_ لا، غفران يعملها
أحتدت عيني "قُسم" وهى تكز على أسنانها بقوة وجسدها منحني للأمام بهدوء فتابعت الحديث:-
_ لو عملها بجد هيبقي أخر ما بينا، لأني مش جارية عنده
أقتربت "نورهان" من مكانها بهدوء ثم قالت بلطف:-
_ لو عقله فهو أكيد هيقرر يعملها لكن تعرفي غفران ميعملهاش ليه، عشان بيحب
_ بيحب يخدرني ويقتل ابني من غير ما يعرفني، أنا لو حيوانة عنده كان أهتم يسألني
قالتها بعناد شديد والغضب هو ما سيطر عليها، وصلت "نورهان" أمامها فى هدوء تلمس وجنتها ثم قالت:-
_ أنا بحسدك لأنكِ عند ابنى أغلى مني أنا أمه بكثير
نظرت "قُسم" إليها بأندهاش قوي، لم تتمكن من الجواب عليها فأى حسد هذا حين يقتل زوجها ابنهما قبل أن يولد بدون علم والدته، كادت أن تتحدث بصعوبة لكنها سمعت صراخ " غفران" من الخلف يقول:-
_ إنتِ أيه اللى جابك هنا؟
نظروا الأثنتين عليه لتراه "نورهان" يصعد الدرج مُسرعًا الغضب يتملكه كالثور الهائج، نظرت "قُسم" إليه بسخط والحقد يطرق أبواب قلبها، أقترب منهن وأخذ يد "قُسم" فى راحة يده ليُصدم عندما سحبت يدها بقوة منه مُشمئزة من لمسته فظل يرمقها بأندهاش قاتل، ألتف ينظر إلى والدته بضيق شديد ثم قال:-
_ مين اللى سمح لكِ تدخلى هنا؟
_ كفاياك عناد ومكابرة يا غفران، أنت محتاجني
قالتها بحدة صارمة ليصرخ بوجهها غاضبٍ الآن توصلت أنه بحاجة إليها بسبب عجز عينيه:-
_ محتاجلك، إنتِ أخر حد على وجه الأرض ممكن اكون محتاج له
أحتدت عينيه بغضب سافر من طريقته وكرهه لها كأنها عدوة له فصرخت بانفعال شديد قائلة:-
_ ليه؟ عدوتك !!، أنا أمك
_ أمي ، إنتِ أكبر عدوة ليا وأنا مبكرهش قدك، صعبان عليكِ أوى حالي .... ما إنتِ السبب فيه
قالها بصراخ ثم رفع سبابته فى وجهها بتهديد صريح وواضح قائلًا:-
_ أبعدي عني وعن مراتي وابني... لو فكرتي تقربي لقُسم أو اللى فى بطني مرة تانية هنسي أنكِ حتى عدوتي
رمقته "قُسم" بأندهاش من كلمته ونظرت إلى الأسفل ويدها تلمس بطنها فهل ما زال طفلها موجود حقًا؟ وإذا كان موجود فما سبب ألم جسدها التى لم تتحمله ؟، دمعت عيني "نورهان" لأول مرة أمامه وهى لا تصدق أنها سبب عجزه وعمى عينيه فتحدثت بنبرة خافتة قائلة:-
_ أنا السبب؟
_ روحي أرجعي للماضي وإنتِ تعرفي
قالها وألتف إلى زوجته فأنحني قليلًا يحملها على ذراعيه وأتجه بها للغرفة من جديد ، وضعها بالفراش برفق وعينيه على وشك البكاء من قسوته على والدته والكره الذي بينهما يمزقه من الداخل لأشلاء، رمقته "قُسم" بصمت بينما هو يضع الغطاء عليها بلطف فمسكت يده بلطف حتى رفع نظره بها ولأول مرة ترى إنكساره وحسرته يحتلان وجهه، جذبته لكي يجلس أمامها وقالت:-
_ ممكن أتكلم معاكِ
_ أتكلمي يا قُسم لكن متقوميش من سريركِ تاني، لأن عنادك وتنشيف دماغك حكمه عليكِ تكوني سجينة سريرك 9 شهور
قالها بتحذير لتبتسم مُتناسية نوبة الصراع التى عاشت بها من قليل وقالت:-
_ أنت جبتلي دكتور
_ هتصدقي أني كُنت على وشك خسارتك للأبد بعقلي الغبي
قالها بحيرة فنظرت إليه بتوتر خائفة من البوح القادم نحوها ليتابع حديثه بجدية قائلًا:-
_جبتلك دكتور ينزل البيبي
أتسعت عينيها على مصراعيها وترك يده التى أحتضنتها بأريحية وحنية من قليلًا ليبتسم بلطف وقال:-
_ ودا اللى منعني يا قُسم، إنكِ غير الكل وإنك مش هتقبلي بتحكمي فيكِ لدرجة دى حتى لو كان لمصلحتك ولأني خايفة على صحتك ومش عايز أخسرك، هترمي حُبي ليكِ وخوفي عليكِ وقلقي اللى هيموتني عليكِ من الرعب وأنا عارف أن الحمل دا عامل زى القنبلة المُميتة جواكِ ... هترمي كل حاجة حلوة أنا عملتها عشانك وسجني لحازم وعملية أبوكِ وكل حاجة وهتسيبني لو عملت كدة، لأنك غير كل البنات عمرك ما هتقبلي بواحد يتحكم فيكِ ولا يلغي شخصيتك وقرارك ودا اللى خلاني طردت الدكتور قبل ما يعمل العملية لأني مستحملتش فكرة الكره منكِ
كانت تستمع إليه وعينيها تتجول بين عينيه فى صمت، قرب يده من يديها من جديدة ثم أخذهما بلطف فى راحتيه يضمها بحنان خائفٍ أن ترفض لمسته لكنها قبلت بصمتها وعدم مقاومتها له، ليشد يديه على هذا العناق ورفع عينيه بها من جديد لتبتسم فى وجهه وقالت بخفة:-
_ أنا مبسوطة بالحُب دا يا غفران
كانت تصف له مشاعرها التى لن يراها فى وجهها بسبب عجزه وكأنها ترفض أن تُشعره بأى نقص ليبتسم هو الأخر حين رفعت يدها تلمس وجنته مداعبة شعيرات لحيته الكثيفة ثم أقتربت أكثر لتضع قبلة على وجنته دافئة تأسره بسحر دفئها ورقتها، أغمض عينيه بسعادة مُستسلمٍ لهذا الشعور الناعم الذي لا يشعر به سوى بين أحضانها ، رفعت يدها تمررها على عينيه الحزينتين حتى تساقطت هذه الدمعة الأسيرة عن جفنيه فتمتمت "قُسم" بنبرة خافتة تقول:-
_ أنا معاكِ يا غفران مهما يحصل وبحبك زى ما أنت ومش هسيبك أبدًا
_ حتى لو بقيت أعمي
قالها بتردد وخوف يتملكه من هذه الجراحة التى تحدث عنها طبيبه فقالت بلطف وهى تقترب أكثر منه حتى باتت مُلتصق به وتشعر بأنفاسه الدافئة، تحدثت بنبرة خافتة دافئة:-
_ ومستحيل يبعدني عنكَ حتى الموت، لأن حتى بعد موتي هفضل أحبك
ضمها بقوة إليه يسكتها رافضًا حديثها عن الموت وهذا الفراق المُخيف، تشبثت "قُسم"به بكل قوتها ولأول مرة تسمع صوت بكاءه من الخوف الذي بداخله فكونه مُصاب بعمى الوجوه كان مُرعب ومُرهق جدًا له فماذا إذا فقد بصره تمامًا ؟، ظل على هذا الحال حتى غاص فى نومه بين ذراعيها لتتطلع بوجهه وهى لا تُصدق بأن هذا الملاك، الرجل الذي بوجه طفولي برئ الباكي هو نفسه هذا الرجل الذي يخشاه الجميع ويتصارع مع والدته بكل قوته ويمحي من يجرأ علي رفع نظره به، مسحت على رأسه بلطف ورفعت رأسه عن ذراعها لتضعها على الوسادة ثم تسللت من الفراش لتتركه ينام بأريحية أكثر، جلست فى الصالون الموجود بالطابق الثاني خارج الغرف ومُطل على الحديقة، أتصلت بوالدتها تتحدث معها وقالت:-
_ الحمد لله يا ماما، طمنوني أنتوا عنكم؟ عاملين اي؟
_ بخير الحمد لله
قالتها "صفية" بنبرة خافتة مما جعل "قُسم" تشعر بشيء غامض فسألت عن أخاها قائلة:-
_ وقاسم عامل أى؟ وأخبار الإمتحانات معاه اى؟
_ الحمد لله
حكت "قُسم" ذقنها بحيرة من حديثها والدتها وردودها القصيرة المقتصرة على السؤال فقط فتحدثت بحيرةأكثر:-
_ مالكِ يا ماما إنتِ تعبانة ولا حاجة؟
قالتها "قُسم" بقلق شديد على والدتها الهادئة فأجابتها "صفية" بهدوء قائلة:-
_ لا يا حبيبتي مفيش سلامتك
شعرت بأن والدتها تخفي عنها شيء لتقول بجدية:-
_ طيب يا ماما، أنا بس كُنت بطمن عليكم
أنهي الحديث مع والدتها حائرة فى هذا البرود واللامبالاة، ألتفت "صفية" إلي زوجها الجالس بجوارها وقالت:-
_ مقولتلهاش أهو
وقفت من جوار زوجها غاضبة ليستوقفها صوت "جميل" يقول:-
_ لأن دا الصح يا أم قاسم، قُسم دلوقت متجوزة من راجل كبير تفتكر لما تروحي تقولولها أننا مديونة وأن البنك بعت إنذار عشان الأقساط اللى مدفعتش مش هتقول لجوزها أو حتى تطلب منه مساعدة، أنا مش عايزة جوز بنتي يحس أنى بستغله بأى طريقة حتى لو كانت صغيرة كفاية أنه دفع تكاليف عمليتي
أستدارت "صفية" إليه ببرود شديد ثم قالت بغلاظة:-
_ وتفتكر بقي أن قُسم كدة هتسكت مثلًا، دى بنتي وإنتِ متعرفش هى عنيدة قد أي ؟ ولا الفضول لما يأكلها بتعمل أى؟ وأنا بقولك انها حست أنى مخبية عنها حاجة وهتعرفها يا جميل ، دى بنتي وواخد العناد منكَ
_ قُسم شالت كتير من ساعة ما تعبت وكفاية أوى اللى هى شالته مكاني، أوعي تفتحي بوقك معاها وأن شاء الله ربنا هيفرجها وهتتحل
قالها بنبرة تحذيرية لزوجته ثم وجه نظر إلى "قاسم" الذي حملق به بتوتر شديد وقال بخوف:-
_ أنا ماليش دعوة
ضحكت "صفية" بسخرية على رده فهي خير معرفة بعلاقته بأخته فقالت بتهكم شديد:-
_ مالكش دعوة دعوة، دا أنتَ تجيبك بدور ماتش
نظر "جميل" إلى ابنه بقلق من قُربه الشديد من أخته فلن يخفى عنها سرًا فأبتلع "قاسم" لعابه بقلق وقال بأرتباك شديد:-
_ محصلش والله، بتضحك عليك
_ لما نشوف
قالها "جميل" بهدوء ثم وقف كي يدخل إلى غرفته وجلس على حتفة الفراش بقلق من هذا الحمل الذي يثقل على عاتقه، أخذ دواءه بتعب مُنهكًا ......
__________________________
[[ أستراليا ]]
جلست "تيا" فى الأرض جاثية على ركبتيها تلعب مع قطتها البيضاء بعفو حتى سمعت صوته من الخلف يقول:-
_ صباح الخير
توقفت عما تفعله وهى تعرف صوته جدًا ثم وقفت تلتف إليه بهدوء ووقار شديد، رمقته بهدوء ثم ألتفت إلى موظفتها وقالت بلهجتها الأنجليزية:-
_ تعالي شوفي هو عايز أى
تركته ببرود شديد مُتجاهلة وجوده ليبتسم "جلال"على طريقتها وأشترى باقة من الورود وتركت العنوان على البطاقة عنوان محلها ثم رحل من جديد، دلفت العاملة بنفس الباقة مرة أخرى وقدمتها إليها فضحكت "تيا" بغرور على هذا الرجل وقالت:-
_ غريب أمركم يا رجالة
أخذت البطاقة لتراه كُتب لها رسالة من جديد محتواها ( يعجبني كونك صعبة المنال لكني صبور جدًا، أنا راقبتك لمدة 8 شهور من غير ما أنطق بكلمة فأنا صبور جدًا )
ضحكت أكثر على كلماته فهل يراقبها منذ قدومها إلى أستراليا لتبتسم بعفوية ووضعت البطاقة فى أحد الأدراج من جديد وأغلقته ووضعت الباقة فى أحد أركان مكتبها ....
_________________________
[[ شركة اللؤلؤ ]]
جلس "داغر" أمام "نورهان" على مكتبها وهو يمضي على العقود وينقل ملكية الأسهم التى أشتراها "عفيفي" من شركة "غفران" بالخبث، كانت ترمقه بانتصار فكيف توقع هو أبنه ان يقفوا ضدها هى و ابنها كأنهما يجهلان من هى "نورهان" ؟، نظرت إلى "رزان" ببسمة خبيثة ثم أخذ المحامي العقود منه وقال بجدية:-
_ كدة كله تمام
_ أنا وفيت باللى ليا والدور عليكِ توفي
قالها "داغر" بأنكسار وهى تمسكه بأحكام من رقبة ابنه "عفيفي" ثم قالت:-
_ لسه باقي حاجة واحدة بس
رفع "داغر" حاجبه بتساؤل عن الشيء الباقي وهى لم تطلب منه شيء أخر فقالت:-
_ ثمن خيانة بنتك وأستغفلها لابني 10 سنين من عمره
_ مش فاهم، قصدك أى؟
قالها بقلق شديد مما ستطلبه مقابل عشر سنوات خيانة من عمر ابنها فقالت بهدوء:-
_ نالا
أتسعت عينيه على مصراعيها وأنقبض قلبه بغصة قوية، هاتفًا بتلعثم:-
_ مالها؟!
_ تتنازل عنها، البنت دى ابنى رباها عشر سنين من عمره وكان أب، وعمل بالكلمة دى خير المعنى وكان أب مثالي ليها أحسن من الواطي ابنك
قالتها "نورهان" بحدة صارمة ثم تابعت بحزم شديد:-
_ نالا مكتوب على اسم ابني وهتفضل بنته وحذاري تفكر تقرب منها
_ عايزاني أتنازل عن حفيدتي، قوليها بصراحة؟
قالها بتردد مُتلعثمٍ من هول الصدمة بسبب قوتها وجبروتها بينما تطلب منه التنازل عن لحمه، تبسمت "نورهان" بخباثة ثم قالت:-
_ اه ،وبعدين أنا مش عايزاكَ ، أنتَ أصلًا مفيش قصادك خيار، لأني مبخيراكش، أنا بعرفك مع أن أنت قلل بكتير من أن يكون ليك لازمة وتعرف
_ لا، والله كتر خيرك
قالها بسخرية ووقف من محله يقول:-
_ أنا مش هتنازل عن حفيدتي مهما يحصل
_ يبقي بتحكم علي بنتك المرحومة بالفضيحة، وبتعاديني أنا شخصيًا وبتحكم على ابنك بالموت
قالتها بتهديد صريح، أتسعت عينيه على مصراعيها من هول الصدمة وهى تخبره ان ابنه "عفيفي" ما زال حي، سألها بقلق:-
_ هو عايش؟
_ دا على حسب قرارك
هز رأسه بنعم موافقٍ على التخلى عن "نالا" نهائيًا لها ووقع عقد التنازل والحضانة إلى "غفران" لتُشير "نورهان" إلى "رزان" بأن تخبره عن ابنه بعدأن أكد المحامي لها أن الأوراق سالمة ...
أعطته "رزان" عنوان المستشفى الموجود بها "عفيفي" فذهب إلى هناك مُسرعٍ ليجد ابنه على الأجهزة فى غيبوبة دماغية يصارع الموت ليُصدم من الطبيب الذي أخبره أنه سيموت قريبًا ولا أمل له، وبخباثة "نورهان" خسر حفيدته مقابل ابنه الميت على الأجهزة ....
_________________________
[[ قصر الحــديــدي ]]
ترجلت "قُسم" من الأعلى مُرتدية فستان أزرق اللون بأكمام وطويل على حذاء رياضي أبيض اللون، أتسعت أعين "فاتن" حين رأتها على وشك مغادرة القصر لتستوقفها قائلة:-
_ حضرتك رايحة فين؟
_ رايحة لماما، فى حاجة يا فاتن؟
قالتها بهدوء وهى تضع الهاتف وأغراضها فى الحقيبة الصغيرة وأخرجت مفتاح سيارتها لتعطيه إلى الخادمة توصله إلى "سليم" فقالت "فاتن" بجدية :-
_ الدكتور قالى متنزليش حتى السلم ، لكن حضرتك نزلتي وهتخرجي وهتكوني السبب فى موتنا صح؟
تأففت "قُسم" بضيق من تصرف "فاتن" وقالت بجدية:-
_ فاتن أنا رايحة لماما ومحدش هيمنعني
أكملت طريقها إلى الباب لتجد "سليم" يقف على الباب يعترض طريقها وقبل أن تتحدث سمعت صوت "فاتن" تقول بحدة صارمة:-
_ أنا همنعك
أستدارت "قُسم" لها بدهشة من تجرأها على منعها بالاتفاق مع "سليم" حارسها واتصلت "فاتن" بزوجها بينما تقول:-
_ إحنا أتعاقبنا بما فيه الكفاية من وراء دلعك وعنادك يا مدام قُسم وأنا معنديش أوامر بخروجك
أستقبل "غفران" الأتصال لتقول "فاتن" بجدية:-
_ مسيو غفران، أسفة لإزعاجك لكن مدام قُسم لابسة وعايزة تخرج
صمت "غفران" قليلًا وهو حائرًا بين عناد زوجته التى سمع صوتها فى الهاتف الذي سرقته من "فاتن":-
_ غفران أنا عايزة أروح لماما ضرورى، محتاجة أطمن عليهم وحاسة أنهم مخبيين عليا وعايزة أطمن
تأفف بضيق شديد وهو يعلم أنه لن يستطيع منعها من الخروج طيلة فترة حملها ولن تتحمل السجن الذي فُرض عليها فقال بجدية:-
_ حيرتني معاكِ يا قُسم، أنزله معجبكيش، تقعدي فى السرير مش عاجبك أعملك أى عشان مبقاش رجل متسلط وبتحكم فيك ها ... أعملى اللى عايزاه يا قُسم لأن فى الأول والأخر أنا اللى هبقي غلط وقاسي وظالم وبستقوى عليكِ
أغلق الهاتف دون أن يهتم لجوابها وقد فاض به الأمر، عاد ليكمل عمله من جديد منغمسٍ فى ضغوطاته ودلف "عُمر" إليه يقدم له بعض الأوراق عن الشخصيات التى سيقابلها فى الأجتماع بعد ساعة حتى يتمكن من التعرف عليهم وألتف لكي يخرج لكن توقف لوهلة وقال بجدية:-
_ صحيح، فى حاجة مش عارف هى مهمة لحضرتك ولا لا
أجابه "غفران" وعينيه فى الأوراق عالقة بلا مبالاة:-
_ قول يا عُمر وخلاص
_ حازم خرج من السجن أمبارح
قالها بهدوء على عكس "غفران" الذي رفع رأسه بصدمة من هذا الخبر الذي وقع عليه وكأن حياته ينقصها هذا المختل وتذكر أن زوجته خرجت من قصره منذ قليل فأتصل بها ولم يجد جواب مما جعل القلق يطرق أبواب عقله وقلبه فأتصل بـ "سليم" ليُصدم .........
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نور زيزو
أتصل بـ "سليم" وكان ينتظر الرد على أحر من الجمر لكن طال الانتظار فوقف "غفران" من مقعده يحاول أن يغادر الشركة لكن أجاب "سليم" في نهاية المطاف.
صرخ "غفران" بغيظ من تأخره في الرد:
- كل دا يا سليم، وصلت قُسم لبيت أبوها ولا لسه؟
أجابه "سليم" بهدوء عبر الهاتف:
- لا، مدام قُسم رفضت تخرج بعد مكالمة حضرتك وحاليًا قاعدة قصادي في الجنينة أهي.
تنهد "غفران" بأريحية بعد أن اطمئن عليها وعاد للجلوس على مقعده وسأل بقلق على محبوبته:
- هي عاملة إيه؟
نظر "سليم" نحو "قُسم" وهي تجلس على الأريكة الأرجوحة تحت المظلة الخشبية وتقرأ كتابًا، فقال بجدية:
- كويسة على ما أعتقد.
أومأ "غفران" بنعم ثم أغلق الخط. نظر إلى "عُمر" الذي يقف يحملق به وعشقه يحتل ملامحه والقلق يتطاير حوله. ومنذ عشقه إلى "قُسم" وتبدل حال رئيسه كليًا، بات "غفران" يقلق ويظهر القلق أمام الجميع وتخلى عن بروده وتجمده. صلابته القوية اهتزت من قوة عشقه وكأن العشق كان نقطة ضعفه التي طالما تخلص من أي نقطة ضعف له في حياته ليظل قويًا.
سأل "غفران" بنبرة هاديدة:
- عُمر، تفتكر إيه ممكن يسلي البنات؟
- معرفش.
قالها "عُمر" بخباثة من لطافة رئيسه. فكز "غفران" على أسنانه بضيق شديد وقال:
- ياااا، ماشي يا عُمر، نادي لي خطيبتك اسألها بما أنها بنت.
كز "عُمر" على أسنانه من الغيظ وهما الاثنان يعاندان في بعضهما بغلاظة. ليبتسم "غفران" بمكر وقال بعفوية:
- سكرتيرتي ومن وظيفتها تساعدني.
رفع "عُمر" سماعة الهاتف ليطلب "ليلى" إلى المكتب. دلفت وهي ترى "عُمر" يقف بجوار "غفران" وكان تعابير وجهه مغتاظًا جدًا فتعجبت من انفعال خطيبها ولم تفهم ماذا فعلت لترى هذا التعبير؟ على عكس "غفران" الذي تبسم في وجهها على غير المعتاد مما أرعبها أكثر من صمته وحدته. فالابتسام من هذا الرجل كالجحيم الذي فتح أبوابه. لتزدرد لعابها في هدوء وقالت:
- تحت أمرك يا غفران بيه.
ابتسم "غفران" بلطف وقال:
- اقعدي يا ليلى.
نظرت إلى "عُمر" بقلق وجلست أمام "غفران" في هدوء ليقول:
- عايز هدية حلوة لبنت تسليها وهي قاعدة في البيت لفترة طويلة عشان متحسش بملل.
ابتسمت "ليلي" بلطف وقالت:
- ممكن تشوف أكتر حاجة هي بتحبها وتجبهالها؟
حك لحيته بخفة وقال بهدوء:
- معرفش، هي بتفرح بأي حاجة وهادية جدًا ومبتطلبش حاجات كتيرة.
- دي لمدام قُسم؟
أومأ إليها بنعم. فنظرت "ليلى" إلى "عُمر" بتوتر وهي ترى غيرته تشتعل في رأسه، الذي احمرت وجنتيه من الغيرة ولأول مرة ترى غيرته عليها من "غفران" فتبسمت بهذه الغيرة وفتحت هاتفها متابعة الحديث:
- وممكن ندور في الإنستا بتاعها، البنات بتشارك الحاجات اللي بتحبها دائمًا.
انتظر "غفران" مراقبًا إياها وهي تتجول في الهاتف باحثة خلف زوجته لتبتسم بعفوية وهي تدور الهاتف إليه وقالت:
- قطة مثلًا.
أخذ الهاتف منها ليرى صورة لقطة بيضاء جميلة وكتبت "قُسم" عليها [والقلب في عشق القطط ميال]. نظر لتاريخ الصورة وكانت قديمة جدًا قبل أن تظهر في حياته فتبسم بلطف وقال:
- دور على أقرب محل حيوانات عشان نعدي عليه وإحنا مروحين.
أومأ "عُمر" إليه بنعم. لتغادر "ليلى". ليتحدث "غفران" بوجه عابس بعد أن وصل لطريقة من أجل مصالحة زوجته:
- حازم ميغبش عنك يا عُمر، مش عايز يحصل حاجة من ورايا.
هز "عُمر" رأسه بنعم ثم خرج من المكتب. فتنهد "غفران" بهدوء شديد من القلق.
***
كانت "قُسم" جالسة في الحديقة بكتابها لساعات طويلة حتى أوشكت على إنهاء الكتاب في جلسة واحدة. حتى قاطعها ظهور ظل على وجهها لترفع رأسها ورأت "نورهان" تقف أمامها. أغلقت الكتاب ونظرت إلى "نورهان" التي جلست قربها وقالت:
- عاملة إيه دلوقتي؟
- بخير الحمد لله.
قالتها "قُسم" بهدوء. فأخرجت "نورهان" الورقة من حقيبتها وقالت:
- قُسم، أنا يمكن بيني وبين غفران خلافات كتير ويمكن علاقتنا ببعض مش زي أي أم وابنها. علاقتنا رسمية جدًا وعملية.. منفصلين تمامًا عن حياتنا الشخصية وجايز أكون أنا السبب زي ما هو بيقول.
صمتت للحظة فسألت "قُسم" باهتمام من هذه المقدمة لتقول:
- وبعدين؟ أنا مش فاهمة حضرتك بتلمحي لأي؟
- أنا مش عايزة تزعلي مني ولا من تصرفي السابق لكن أعذري التصرف ده بأننا اتخدعنا مرة في كندا ولبسنا في بنت مش من صلبنا ولا تمت لابني بأي صلة.
قالتها بهدوء لترى تعابير وجه "قُسم" تحتَد أكثر من ذكرها لهذا الشيء. وقالت بحدة:
- بس مش كل الناس زي بعضها وحضرتكِ مكنش ليكي الحق تشكي فيا ولا تتهمني الاتهام الوحش ده لأني مش الشارع.
قالتها باغتياظ. لتهز "نورهان" رأسها بنعم ثم قالت:
- عندكِ حق. المهم البنت اللي لا تمت لغفران بصلة هي روحه، عمره كله، العشر سنين اللي خدتهم من عمره مبتعوضوش ولا ينفع يتمحوا من حياته.
- ده حقيقي.
قالتها "قُسم" بحزن شديد. لتبتسم "نورهان" وأعطت الورقة إلى "قُسم" وقالت:
- ده تنازل من داغر عن نالا، وحقيقة أنها مش بنت غفران هتدفن من قبل ما تطلع للناس. نالا مكتوبة على اسم غفران وهتفضل بنته لأن هو اللي ربى وتعب ودلع وكبر. نالا بنت غفران ولحد ما غفران يتقبل ده ويهزم كبريائه اللي معانده هتكون دي مهمتك. البنت دي مالهاش غيرك إنتِ وغفران. اعتبريها عوض جميل من ربنا عن حملك الصعب واللي هتعمليه معاها هيترد لكِ في ابنك.
هزت "قُسم" رأسها بنعم محاولة استيعاب الأمر وكيف ستخبر "غفران" بهذا الشيء وتجعله يتقبل وجود "نالا"؟ رحلت "نورهان" من أمامها ودلفت "قُسم" إلى القصر بقلق من لقائه. اقتربت "همس" منها تضع الشال على أكتافها وقالت:
- الجو برد.
- همس.
قالتها "قُسم" بلطف. لتنظر الخادمة إليها فتبسمت "قُسم" وقالت:
- أنا نفسي آكل حاجة حادقة ومقرمشة في نفس الوقت. أقولك اعملي جمبري بالكريمة وتشوحيه على الآخر في الفرن... الله أنا دوبت وأنا باتخيله... روحي، روحي اعملي الجمبري.
هزت رأسها بنعم وصعدت "قُسم" للأعلى لتأخذ حمامًا دافئًا ثم ارتدت بيجامة من القطن وردية اللون ووضعت الشال على أكتافها ثم ترجلت للأسفل لترى "همس" تجهز لها السفرة فتبسمت بحماس وركضت مسرعة إلى السفرة لتتناول الطعام بشراهة. فتح باب القصر ودلف "غفران" فاستقبلته "فاتن" وهي تأخذ منه البالطو وتقول:
- مدام قُسم بتتعشى على السفرة.
هز رأسه بنعم ثم أخذ الصندوق الأحمر من يد "عُمر" وقال:
- روح أنت يا عُمر.
دلف إلى السفرة وكانت "همس" تقف بجوارها وهي تأكل بشراهة وسعادة حتى ظهر "غفران" وغادرت "همس" في هدوء. بينما توقفت "قُسم" عن تناول الطعام وتذكرت شجارهما صباحًا في الهاتف ورمقته بوجه عابس. وضع الصندوق على السفرة أمامها وقال:
- التكشيرة دي بسببى.
- أمال شاريه من السوبر ماركت.
قالتها بعبوس. بينما ضحك "غفران" بقوة وهو يقول:
- إيه، بتقلشي وتهزر وكده.
رفعت حاجبها ببرود وقالت:
- عايز إيه يا غفران؟ أنا ماليش مزاج أتكلم معاك.
- على فكرة ولا أنا ليا مزاج أتكلم معاكِ.
قالها بغضب مصطنع. ثم دفع الصندوق منها لتتأفف بضيق وهي تفتحه قائلة:
- على فكرة أي كان هديتك مش هصالحك و.... آآآه.
صرخت بدهشة حين قفزت القطة من داخل الصندوق وتحول غضبها إلى سعادة طفولية حين حملت القطة الصغيرة بين يديها وتداعبها بأناملها. تأمل بسمتها المشرقة التي أنارت وجهها العابس وحولته إلى ملاك. رفعت الفيونكة عن رقبة القطة وكان بها بطاقة وردية جميلة وبداخلها كلمة واحدة (بحبك). رفعت رأسها إلى "غفران" ورأته أحدق بها بصمت وبسمة خافتة على شفتيه لتقول بلطف:
- وأنا بحبك يا غفران.
كبرت بسمته أكثر ليضمها إليه في عناق دافئ وقال هامسًا بأذنها:
- إنتِ أجمل حاجة في حياتي يا قُسم.
أومأت إليه بنعم ويداها تحيط برأسه لتركض القطة عنها بعيدًا في القصر بشقاوة تاركة لهما المجال في لحظتهما الدافئة. همس إليها من جديد قائلًا:
- نتعشى.
ابتعدت "قُسم" عنه لتحدق بعينيه وقالت:
- متزعلش من عنادي يا غفران، أنا مش بكون قاصدة أعاند معاك أو أضايقك، لكن حقيقي لما كلمت ماما امبارح حسيت إن فيه حاجة ومخبيين عليا وصوتها مكنش طبيعي وبتقفل معايا الكلام وده قلقني عليهم عشان كده كنت حابة إني أروح أطمن وأشوفهم بنفسي وأعرف مخبيين عني إيه؟، لكن وحياتك عندي ما قصدي أضايقك أو أخالف كلامك.
هز رأسه بنعم متفهمًا قلقها على عائلتها وقال:
- فاهمك يا قُسم، وعارف إن من حقك تروحي تشوفي أهلك زي أي واحدة لكن أنا خايف عليكِ وعشان كده كنت مصمم إن نسمع للدكتور و...
قاطعته قبل أن يتحدث من جديد عن الإجهاض. هز رأسه بنعم موافقًا ألا يكمل. فتابعت تناول طعامها. فأخذت الجمبري في الشوكة ومدت يدها إلى فمه تطعمه ببسمة لطيفة لينظر إليها وقال بهدوء:
- صحيح.. حازم خرج من السجن.
سقطت الشوكة من يدها على ملابسه بفزع مما أدهش "غفران" وقال:
- إنتِ خايفة منه؟
- أنا..
وقفت لكي تغادر من أمامه لكن استوقفها حين مسك يدها بقوة ووقف بغضب من هروبها وقال:
- مالكِ؟ وشك جاب ميت لون ليه لما سمعتي عنه؟
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بغضب من طريقته:
- أنت اتجننت يا غفران؟ أنت واعي أنت بتقول إيه؟
سحبها إليه بغضب حتى ارتطمت بصدره وقال بحدة صارمة:
- واعي!! واعي لدرجة اللي خلتك تقلبي وتقومي مفزوعة من قصادي بعد ما سمعتي اسمه.
- لاااا أنت الظاهر كده مرضك قصر على دماغك مش عينيك بس.
قالتها بانفعال شديد. ليصدم "غفران" من ردها وترك يدها من صدمته بها وهي الآن تعايره بمرضه. شعر بغصة في قلبه وضربة قوية في عقله من طريقتها. حدقت به بدهشة من كلماتها التي نطقت بها. اقتربت منه وهي تضع يدها على صدره وقالت بتلعثم:
- غفران أنا آسفة مش قصدي...
قاطعها حين أبعد يدها عنه بقوة وقال بنبرة حادة:
- امشي من وشي يا قُسم.
- غفران أنا...
رمقها كالمجنون وهي لا يصدق أن حبيبته أول من أهانه بمرضه فماذا سيفعل الغرباء عندما يعلمون؟ دون أن تشعر ضغطت على جرحه بقوة تقتل ما تبقى منه من صمود. صرخ قاطعًا إياها بقوة:
- غورى من وشي يا قُسم.
ابتعدت "قُسم" خطوة للخلف تلقائيًا من صرخته. لم تتحمل قسوته وارتعبت من غضبه لتذهب من أمامه خائفة وحزينة من فعلتها. لأول مرة يشعر بالخذلان من زوجته فدلف إلى غرفة المكتب حزينًا والوجع يفتك به.
***
رحلت العاملة من محل الورد بعد نهاية يومها تاركة "تيا" في المحل تشاهد حلقة مسلسلها الصيني. وبعد أن أنهت الحلقة وقفت لكي تجمع كل أغراضها مستعدة للمغادرة. شعرت بغصة أسفل بطنها فتجاهلت الأمر وحملت الحقيبة ثم خرجت من المكتب لكنها توقفت بالمنتصف حين ركلها الطفل بقوة مرة أخرى مصحوبة بالألم أكثر وأشد لتسقط الحقيبة منها وهي تتألم وتضع يدها أسفل بطنها. ومع الركلة التالية خرجت منها صرخة قوية فتمتمت بخوف:
- لا، أرجوك مش وقتك خالص..... آآآه.
سقطت على ركبتيها من الألم في الأرض وهي تتكئ على الورود التي سقطت أرضًا معها. بدأت تتألم وحدها وهي ترى دماء تسيل من بين قدميها تلوث قدميها العاريتين وفستانها الأسود القصير. بدأت تلهث وحدها من الألم ولا تقوى على الذهاب إلى المستشفى وحدها. لتُصدم حين ظهر هذا الرجل من العدم وحملها على ذراعيه بفزع من رؤيتها بهذه الحالة وغادر المحل بها إلى أقرب مستشفى وهي تتألم وتكتم صرخاتها بقوة حتى وصلت إلى المستشفى وأخذوها منه إلى غرفة العمليات.
فتحت "تيا" عينيها بتعب وهي تسمع في أذنيها صوت بكاء الطفل. فنظرت نحوه ورأت هذا الشاب يقف أمام السرير الصغير يلعب مع رضيعها مرتدي زي العمليات والبالطو الأبيض. خرجت منها كحة خافتة ليذهب نحوها بقلق وقال:
- حمد الله على السلامة.
نظرت إليه بتعب وقالت:
- أنت؟
- دكتور جلال، دكتور أمراض النسا والتوليد. كشفتي عندي أول مرة بعد وصولك أستراليا وسألتك يومها عن جوزك قلتي إنكِ مطلقة. معرفش ليه من يومها وإنتِ كنتِ في بالي وعاجبني وفى مرة كنت بشتري ورد لواحدة زميلتي ولحسن حظي كان محلك وشوفتك هنا ومن يومها وأنا بinputك وبجي المحل كل يوم آخد ورد بس ولا مرة لاحظتي وجودي.
وكان يتحدث بعفوية وبسمة مشرقة تنير وجهه. ليقاطع الحديث عن قصة إعجابه بها بسؤال فضولي:
- ها بقى هتسمي البيبي إيه؟
نظرت "تيا" إلى الطفل بعد أن جلبه "جلال" إليها لكى تلمس طفلها لأول مرة وقالت:
- سند، هسميه سند عشان يكون سند ليا في الدنيا دي.
تبسم "جلال" بعفوية على اسمه الذي لم يسمع به كثيرًا من قبل وقال:
- سند، مبارك لك يا سند.
بدأ يردد الأذان في أذنيه الطفل و"تيا" تراقب تصرفه. حتى جاءت الممرضة له تطلبه لفحص مريضة. فوضع الطفل بجوار "تيا" وقال بهمس ونبرة دافئة:
- مش هتأخر عليكِ ولو احتجتي حاجة رني عليا.
أعطاها البطاقة الخاصة به وغادر. لتبتسم "تيا" على لطفه وغادر "جلال".
***
كانت تبكي في غرفتها بحزن شديد على خطأها الذي اقترفته بحق "غفران" وتفكر كيف تجعله يغفر لها ما بدر منها؟ أي شيء ستفعله لن ينسيه كلماتها القاسية؟ تمتمت "قُسم" بنبرة خافتة تقول:
- غبية يا قُسم، مريض.... مريض اااه.
كان "غفران" بغرفة المكتب ينفث دخان سيجارته بحزن شديد وألم يمزقه من الداخل بعد تصرف "قُسم" معه. حتى فتح باب المكتب وكانت "همس" التي دخلت دون إذن منه ووجهها شاحب تتحدث بفزع وهلع شديد قائلة:
- غفران بيه... مدام قُسم.
انتفض من مكانه مفزعًا وترك السيجارة من يده وهو يركض للأعلى بخوف عليها. وحين دلف إلى الغرفة رآها بين يدي "فاتن" وتصرخ من ألم شديد وبنطلونها ملوث بالدماء ووجهها أحمر كحبة الفراولة ومع عينيها المنتفختين من البكاء. فهرع نحوها وهو يقول:
- حصل إيه؟
أجابته "فاتن" بذعر خائفة من حالة "قُسم" وأن تفقد جنينها الآن قائلة:
- معرفش، إحنا طلعنا على صوتها ولاقيينها بالمنظر ده.
- ااااااه يا غفران أنا بموت ااااه.
تحدثت بتلعثم شديد وألم واضح في صرخاتها ليفزع عليها أكثر. ثم حملها على ذراعيه وقال:
- لا، بعد الشر عليكِ، استأملي.
ركض بها للأسفل وكانت "همس" بلغت الحرس ليحضروا السيارة. فصعد بها فزعًا وهو لا يصدق ما يحدث معها. انطلق السائق بهما إلى المستشفى وهو متشبتًا بها. فقالت بألم شديد ويدها تحتضن يده بقوة وجسدها ينتفض:
- متزعلش مني يا غفران، أنا مش عايزة أموت وأنت زعلان مني؟
مسح على رأسها بيده الأخرى وقال بعينين على وشك البكاء من الخوف:
- مش زعلان يا قُسم، مش زعلان يا حبيبتي بس متسبنيش ها، استأملي وخليكِ قوية إنتِ وعدتيني.
دمعت عينيها بحزن أكثر وهتفت بتعب:
- أنا كمان وعدتك إني مزعلكش وأكون سندك وأمانك بس أنا خذلتك.
قبل جبينها بحب وكأنه على استعداد أن يعفو عنها ولا يفقدها أبداً وقال بحب:
- فداكِ يا قُسم، أي حاجة في الدنيا فداكِ إلا إنكِ تسبيني، أنا ماليش غيرك.
- ااااه.
تألمت بقوة لتذرف الدمعة من عينيه بخوف أكبر وقال بصراخ:
- بسرعة يا سليم... استحملتي يا قُسم عشاني أنا.
- مسامحني؟
قالتها بضعف ولهجة واهنة. ليؤمئ إليها بنعم وقال:
- مسامحكِ يا حبيبتي، والله مسامحكِ.
تبسمت بعفوية وهي تعتدل في جلستها وقالت بحماس:
- رجعنا البيت يا سليم.
نظر إليها بدهشة وهي تجلس أمامه سالمة وكأنها شخص آخر وذهب الألم. فتبسمت بحب وقالت:
- أنت حلفت يا غفران إنك مسامحني.
كز على أسنانه من تمثيلها واصطناعها المرض. فمسك ملابسها الملوثة بالدم. فتبسمت كالبلهاء وقالت:
- كاتشب.
أغمض عينيه من الغيظ بسبب تصرفاتها الطفولية وهو حائرًا أيغضب أم يسعد لسلامتها؟
***
وقفت "نورهان" في المرحاض تغسل أسنانها فأنحنت لصنبور المياه. لتُصدم عندما رأت قطرات الدم في الحوض. نظرت للمرآة لترى دماء تسيل من أنفها بغزارة. فوضعت يدها على أنفها تحاول السيطرة على الدماء.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نور زيزو
لم يتحمل "غفران" جنونها أكثر من ذلك فترجل من السيارة تاركها وحدها مع جنانها.
تأففت "قُسم" من عناده وترجلت خلفه مُناداة عليه:
"غفران، أستنى يا غفران مش هتجريني وراكِ فى الشارع؟"
توقف عن السير مُتأففًا بزمجرة شديدة وبداخله بركان من الغضب. كيف لها أن تستغل حُبه وقلقه عليها بمنتهى السهولة؟ استدار إليها فاتسعت عيناه على مصراعيها من هيئتها، حيث أنها تقف أمامه ببيجامتها الحرير ذات اللون الوردي. لم ينتبه إلى ملابسها حين حملها من فزعه عليها. أسرع نحوها من الغيرة التى تنهش فى قلبه وخلع قميصه الأسود وهو يضعه على أكتافها يخفي فتانها وجسدها المُثير عن أنظار الجميع. أخفاها بين ذراعيه من الغيرة.
نظرت إليه بعفوية ووجهها يبتسم بُحب، فهتفت بحُب:
"بتحبني!! متنكرش يا غفران؟"
"بحبك يا قُسم، بحبك حتى وإنت مجنناني معاكِ ومش عارف أعمل معاكِ أي؟ أغضب منك وأزعق وأتعصب ولا أغير وأخبيكِ عن عين الكل، ولا أزعل من دبشك معايا وأهجرك، ولا أترمي فى حضنك عشان أنسي همومي وأحس بالأمان؟ بقيت مش عارف أعمل معاكِ أي وأنا كل حاجة فيا محتاجة لوجودك وكل تصرف منك بيفقدني أعصابي، قوليلي أعمل معاكِ أى يا قُسم لأني مش عارف أعمل أي؟"
كان يتحدث وهو يضمها إليه تحت ضوء القمر البدري الذي ينير السماء وهدوء الفجر ونسماته الباردة. تبسمت "قُسم" بحب وقالت:
"أنا عارفة أنى تعباكِ يا غفران، بس أعمل بحبك ومبقدرش على تحمل زعلك ولا هجرك بعيد عني."
هز رأسه بنعم مُتفهمًا كلماتها الجميلة. أخذها من يدها إلى السيارة حتى يعود للقصر بها.
---
[[ أستراليــــــــــــــــا ]]
خرجت "تيا" من المستشفى مع طفلها الصغير وذهبت إلى المنزل الذي تسكن به. دق باب المنزل لتفتح الخادمة وكانت "نورهان" التى جاءت مُسرعة إلى أستراليا حين علمت أن ابنتها ولدت طفلها. تبسمت "تيا" بسعادة وضمت والدتها برحب مُشتاقة إليها وقالت:
"وحشتيني أوى يا ماما."
ضمتها "نورهان" بسعادة وشوق تتوق إليها بجنون. مسحت على رأسها بحنان وهى تقول:
"وإنتِ أكتر يا حبيبتي، طمنيني عنكِ؟"
"الحمد لله يا حبيبتي، تعالي أدخلي."
قالتها "تيا" وهى تدخل مع والدتها إلى المنزل. رأت "سَند" فى سرير صغير على الأريكة نائمًا. تبسمت "نورهان" بينما تحمل حفيدها بسعادة وقالت:
"يالله جميل أوى ربنا يحميهولك."
ضحكت "تيا" بحُب وقالت:
"اه يا ماما، سَند أستحق أن أعمل كل اللى عملته."
رفعت "نورهان" رأسها إلى ابنتها بعد أن وضعت الطفل فى سريره الصغير وقالت:
"اللي عملتيه؟!!، قتلك لملك ولا سجن جوزك يا تيا، ولا كونكِ هنا هربانة لإنكِ خايفة من أن يحصل شيء غير متوقع وتظهر الحقيقة وتفضلي عايشة لوحدك العمر كله مع ابنك؟ دا اللي عملتيه؟"
دُهشت "تيا" من حديث والدتها وجلست على الأريكة بكل برود ووضعت قدمًا على الأخرى بفستانها الحرير صاحب الألوان الكثير لجميع درجات لون الأخضر. عقدت ذراعيها أمام صدرها بكبرياء ثم قالت:
"اللي عملته دا حق قلبي اللي اتكسر وأنوثتي اللي اتهانت بخيانته ليا. اللي عملته دا حق كل ليلة كان بيخدعني فيها ويروح لها يا ماما. دا حق كل لحظة وقفت قصادكِ إنتِ وغفران عشانه وفي الأخر محدش أداني مية قلم على وشي غيره."
كزت "نورهان" على شفتيها بهدوء ثم قالت بحدة صارمة:
"يعني عملتيها بجد؟"
تبسمت "تيا" بهدوء وقالت بثقة:
"أنا قتلت... ارتاحتي كده."
تنهدت "نورهان" بغيظ من تصرف ابنتها ثم قالت:
"حمدالله على سلامتك يا تيا."
وقفت لكي تغادر، فوقفت "تيا" خلفها بتعجب وقالت باستغراب:
"رايحة فين؟"
"ماشية."
قالتها "نورهان" بينما تسير نحو الباب وتراجعت عن الحديث معها عن مرض أخيها. سألت "تيا" بدهشة:
"على فين؟ إنتِ لحقتي تيجي؟"
"اه، لحقت... كنت جاية أطمن على ولادتك وأديكي أهو قصادي كويسة جدًا ومبقاش يتخاف عليكِ يا تيا. المفروض الواحد يخاف منك وإنتِ بتأخدي حقك بالذراع."
غادرت المنزل بهدوء وكأنها كانت فى قرية قرب منزلها وليس قارة غير القارة.
---
[[ قصـــــــــــــــر الحديـــــدي ]]
كانت "قُسم" جالسة على فراشها تنظر فى الهاتف تتجول بمواقع التواصل الاجتماعي حتى فتح باب الغرفة بسرعة ودلفت "همس" تقول:
"مدام قُسم، نالا فاقت."
تبسمت "قُسم" بحماس وخرجت من الغرفة معها بسعادة إلى الغرفة المجاورة لترى الممرضة تقف بجوار "نالا" وتتفحص مؤشراتها الحيوية. فتبسمت الطفلة بسعادة حين رأت "قُسم" وقالت:
"قُسم."
ضحكت "قُسم" بحب شديد وذهبت نحوها لكي تجلس بجوارها وقالت بدلال:
"يا روحي، حمدالله على سلامتكِ."
"بابي فين؟"
سألتها "نالا" بسعادة رغم تعبها مُشتاقة إلى والدها القاسي. فتبسمت "قُسم" بحرج خائفة من رد فعل "غفران" الذي يرفض الطفلة ووجودها كليًا وقالت:
"في الشغل، هتصل بيه يجيلكِ."
فحصتها الممرضة جيدًا ثم قالت:
"الحمد لله هي كويسة جدًا ممكن بس تتعب شوية في الحركة في البداية."
أومأت "قُسم" إليها بنعم لتغادر الممرضة الغرفة، فحملت "قُسم" الطفلة بسعادة وقالت بحنان:
"كدة تخوفينا عليكِ يا صغننة، بس ولا يهمك المهم إنكِ بقيتِ كويسة."
ضحكت "نالا" ببراءة طفولية وقالت:
"معلش يا قُسم مكنش قصدي."
ضحكت "قُسم" بحُب وقالت:
"حبيبتي ولا يهمك، همس."
أقتربت "همس" منها حتى تسمع أوامرها فقالت "قُسم" بجدية:
"خلي حد من الخدم يجي يساعدك عشان تحموا نالا وبراحة عليها لحد ما أعمل أتصل وأجيلكِ... اتفقنا."
هزت "نالا" رأسها بنعم لتحملها "همس" إلى المرحاض وجاءت خادمة أخرى تختار الملابس لأجل أميرة القصر المُدللة. خرجت "قُسم" من الغرفة واتصلت بـ "غفران" ولم يُجيب عليها، فتنهدت بهدوء. ثم اتصلت بأخاها "قاسم" ليُجيب عليها فقالت بعفوية:
"عامل أى يا قاسم؟"
"الحمد لله إنتِ عاملة أي؟"
قالها برحب شديد فأجابته عبر الهاتف قائلة:
"والله يا واطي دا بدلا ما تيجي تسأل عليا وتشوفني، مش عارف إني حامل والحركة غلط عليا، ها يا حيوان."
ضحك "قاسم" بسعادة وقال بتهرب من واجبه:
"ما إنتِ ساكنة بعيدة عننا ومفيش مواصلات عندك."
رفعت حاجبها من جوابه وقالت بخبث:
"دي حجتك يعني؟ طب يا سيدي أبعتلك عربية لحد عندك تجيبك وتروحك بس على الأقل حسسني أن ليا أخ، كان الله في عون ماما ست كبيرة وتعبانة وبابا مريض بس الراجل بتاعي بقي حجته أي."
ضحك بلطف وقال:
"خلاص يا ستي أبعتي العربية وأنا أجيلك ولو عايزاني أقعد معاكِ يومين ثلاثة مفيش مشكلة، معاكِ لحد ما تقرفي مني."
أومأت إليه بنعم ثم قالت بمكر:
"خلاص بكرة أبعتلك صابر بالعربية يأخدك."
أومأ إليها بنعم. أغلقت الهاتف معه ثم تمتمت بضيق شديد وهى تتكأ بالهاتف على ذقنها:
"هو قاسم اللي هيقولي مخبيين عليا أي؟ والله بقاله فايدة الواد دا."
خرجت "همس" حاملة الطفلة الصغيرة على ذراعيها لترى "قُسم" تجلس على السرير وبجوارها الخادمة التي اختارت بيجامة أطفالي عبارة عن شورت قصير وتي شيرت أبيض. تبسمت "قُسم" وقالت بلطف:
"إيه الحلاوة دي كلها؟، هاتي أنا هلبسها."
أخذت الملابس وجلست "نالا" أمامها وخلفها "همس" لتتكأ عليها بجسدها الهزيل تساندها. بدأت "قُسم" تساعد الطفلة في ارتداء الملابس حتى جاءت خادمة أخرى من الخارج وقالت بطريقة رسمية أكثر احترامًا:
"مسيو غفران وصل."
تبسمت "قُسم" بلطف تخفي قلقها من رد فعل زوجها حين يعلم بيقظة طفلته. قالت بخفوت:
"كملي يا همس، هروح أشوف بابي وأجي."
أومأت "نالا" إليها بنعم لتغادر "قُسم" المكان. كادت أن تنزل على الدرج لترى "غفران" يصعد، فوقفت أمام الدرج وقالت:
"حمدالله على السلامة."
وقف أمامها ببسمة يترك قبلة على وجنتها بحُب وقال:
"وحشتيني."
"أنت أكتر يا روحي."
قالتها "قُسم" بلطف فمر "غفران" من جوارها لكي يصل إلى غرفتها فقالت:
"غفران."
ألتف إليها بهدوء مُنهكٍ من التعب فقالت بهدوء:
"نالا فاقت."
لم يُجيب عليها واستدار لكي يذهب إلى غرفتها فاستوقفته "قُسم" حين قالت:
"غفران أرجوك أدخلها، هي تعبانة جدًا ومش قادرة تقف على رجلها وبتسأل عليك."
"قُسم، إحنا نهينا الكلام في الموضوع دا، أنا سايبها هنا عشان خاطركِ إنتِ وعشان رغبتكِ."
قالها بضيق لتقترب "قُسم" منه ومسكت يده تُديره إليها حتى تقابلت عيونهما معًا وحدقت به بحزن وقالت:
"غفران عشان خاطري لو فعلًا ليا غلاوة عندك أجبر بخاطر البنت دي، البنت دي مالهاش في الدنيا غيرك أنت، أبوها... أي كان جُرم أمها فهي ماتت ومتعرفش البنت غيرك في الحياة دي كلها ومقالتش كلمة بابا غير لكَ أنت وبس، أرجوك يا غفران، أنت مشوفتهاش أول ما فاقت وسألت عنك حتى مسألتش عن امها."
رفعت يدها إلى وجنته تداعب لحيته بلطف ناعم وقالت:
"وحياة غلاوتي عنك، أدخلها حتى لو دقيقة واحدة يا غفران وأجبر بخاطرها عشان ربنا يجبر بخاطرنا بابننا."
تأفف بضيق شديد وهو غاضبًا من تصرف "قُسم" وعنادها. سحبته من يده إلى غرفة "نالا" ونكزته بقوة في ذراعه قائلة:
"ابتسم حتى بسمة خفيفة يا غفران."
"هلف وأرجع."
قالها بتهديد من إجباره على الابتسام. تمتمت "قُسم" بضيق من غروره:
"أنا عارفة أني مش هأخد منك حق ولا باطل."
فتحت "قُسم" باب الغرفة وهى تدخل وتسحبه خلفها بالإكراه. تبسمت "نالا" بسعادة فور رؤيته وقالت بلهفة:
"بابي."
وقفت من الفراش من سعادتها بلقاء والدها لتسقط عن الفراش بسبب عجزها عن السير. فركض "غفران" بتلقائية خائفًا عليها ليحملها على ذراعيه. فضحكت "قُسم" على رد فعله الذي صدر منه حين تعرضت طفلته إلى التعثر. تبسمت "نالا" بسعادة وهى بين ذراعي والدها وتداعب وجهه بيديها الصغيرتين ووضعت قبلة على وجهه بحُب وقالت:
"وحشتني يا بابي."
تبسم رغمًا عنه وهو يشعر بدفء جسد صغيرته وتسارعت نبضات قلبه وقد هزمه مرة أخرى العشق الكامن بداخله لطفلته. لطالما كان العشق هو خصمه الأقوى الذي يهزمه سوى من حبيبته "قُسم" أو طفلته "نالا". وضع "نالا" في الفراش بلطف ووجهه الطفلة الملاكي ضبابي في عينيها لكن بسمتها البريئة وصلت لقلبه من نبرتها الناعمة حين قالت بسعادة:
"أنا خفيت يا بابي، صح؟ مش هروح المستشفي تاني؟"
أومأ إليها بنعم ثم قال بخفوت:
"اه يا نالا."
أقتربت "قُسم" منهما وقالت بحُب:
"نتعشى سوا بقى."
رفع "غفران" نظره إلى "قُسم" منذ قليل ورطته في الدخول والآن عشاء. كز على أسنانه وقبل أن يعترض مسكت "نالا" يده بسعادة وقالت:
"أنا هاكل مع بابي."
هز "غفران" رأسه بنعم ثم قال بهدوء:
"أنا هروح أغير هدومي."
غادر الغرفة فغادرت "قُسم" خلفه. رأته يدخل الغرفة بهدوء وقد تخلى عن القليل من غضبه. وصل لغرفة الملابس وبدأ يبدل ملابسه في صمت لتقول:
"تحب أتعشى معاها لوحدنا؟ مش عايزة أضغط عليك أوى؟"
"لا مفيش مشكلة يا قُسم."
قالها بهدوء لتبتسم بحُب على قلبه الذي يعشق رغم كل شيء. خرج من غرفة الملابس عندما سمع صوت ضحكتها متعجبًا لتقول:
"إيه؟"
"الضحكة دي ليه؟"
قالها بهدوء لتبتسم "قُسم" أكثر بطريقة عفوية وطفولية تليق بشقاوتها ثم قالت:
"على غرورك المزيف، أنت أصلًا بتتلكك عشان تقعد معانا."
أقترب "غفران" منها أكثر حتى وصل إليها ليضمها بيديه التي تحيط خصرها بمشاكسة فقالت بلطف:
"إيه؟"
همس في أذنها ويده الأخرى تضع خصلات شعرها خلف أذنه بإعجاب، قائلًا:
"اه بتلكك عشان عاشقك يا قُسم."
ضحكت "قُسم" بعفوية وهى تتمايل على صدره بخفة وليونة ثم قالت بحُب:
"اعتبر دا اعتراف واضح أن حبي أكبر من غرورك."
لم يُجيبها بالحديث، فكان جوابها بقبلة ناعمة على شفتيها الكرزية لتغمض عينيها باستسلام لهذا العشق الذي أذاب قلبها وجعل القشعريرة تسيطر على جسدها. تبسم "غفران" بلطف وقال:
"إنتِ أكبر من كل حاجة عندي يا قُسم، مهزمنيش غير عشقكِ."
رفعت جسدها على أطراف أصابعها ويديها تحيط بعنقه لتعانقه بقوة فأعصر جسدها بين ذراعيه بقوة وكأنه يحاول أن يخترق ضلوعه بجسدها الصغيرة حتى شعر بدقات قلبها الدافئ بصدره القوي.
---
[[ أستراليـــــــا ]]
خرجت "تيا" من المرحاض وهى تجفف شعرها بالمنشفة المبللة لتُصدم عندما وجدت سرير طفلها "سَند" فارغًا وقد اختفى طفلها. فزعت بهلع وهى تلقي المنشفة على الأرض وخرجت تنادي على خادمتها "إيفا" بفزع بلهجتها الإنجليزية:
"إيفا... إيفا... ، إيفا."
لم تجد الخادمة في المنزل كاملًا وهكذا طفلها الرضيع. رن هاتفها بالأعلى لتصعد من جديد للأعلى وكان رقم مجهول من مصر فأجابت بتوتر قائلة:
"ألو."
"عاش من سمع صوتك الجميل يا تيا هانم."
قالها المتصل بمكر مما جعل قلبها يتنفض فزعًا وقالت بتلعثم:
"محمود."
"محمود!! أحسنتي والله يا بنت القصور، محمود صاحب أنس."
قالها "محمود" بجدية صارمة لتقول بضيق وهى الآن لا تفكر سوى بطفلها:
"عايز أي؟ أنا مش فاضية لك؟"
ضحك بسخرية قائلًا:
"ههههه معقول مش فاضية تتطمني على سَند ابنك... تؤتؤ قصدي ابن أنس الله يرحمه."
اتسعت عينا "تيا" على مصراعيها وأبتلعت لعابها بخوف ثم قالت متلثمة:
"سَند!!"
"اه سَند اللي قتلتي أبوه وهربتي."
قالها "محمود" بحدة صارمة ونبرة خشنة حاقدًا عليها بسبب ما فعلته بصديقه:
"انت بتقول أى؟ انت مجنون؟"
"فعلا مجنون لدرجة اللي تخليني أجيبك من أستراليا لحد عندي راكعة ده لو عايزة تشوفي سَند مرة تانية."
قالها بتهديد واضح دون أن يخشى عائلتها أو مكرها الشيطاني. صرخت "تيا" بانفعال وهى على وشك أن تفقد عقلها:
"انت بتستهبل، واللي وصلك أخبارى أنا وابنى أنا همحيه من على وش الأرض."
ضحك بطريقة استفزازية وقال:
"هههههه جبروت، إنتِ جبروت يا تيا بس حظك الأسود وقعك في واحد من بولاق زي، واحد صاحب صاحبه ومستحيل يسيب اللي قتله هو مراته، واحد من بولاق بعت لك جلال يراقبك لحد ما تولدي ويخطف ابن صاحب عمره ويرجعه بلده وده أول حق من حقوق أنس."
اتسعت عينيها وهى لا تصدق أنها وقعت في فخ "جلال" الذي صنعه لها بغباء. انتفضت بفزع حين سمعت اسم "جلال" والآن اختفاء ابنها لتستوعب المأزق الذي وقعت به وهدأت من روعتها بخوف ثم قالت:
"سَند عندك؟"
"إنتِ رأيك أى؟"
"وأي اللي يضمن ليا إن كلامك صح؟"
قالتها بخوف شديد، ليجيب عليها بذكاء:
"هههههه كلها ساعات ويوصل مصر وأبعتلك صوره تأكد لك كلامي، لو عايزاه بقي من رأي تلحقي أول طيارة نازلة على مصر وتيجي تنوريني."
انتفضت "تيا" بذعر من اختطاف طفلها الذي لم يكمل أسبوعين من العمر، رضيعًا لا يدرك شيئًا عن الحياة ولم يفتح عينيه على الحياة بعد. أنهى اتصاله بكلمة واحدة:
"مستنيكِ."
ألقت الهاتف على الفراش بذعر وبدأت ترتجف بخوف وتنظر حولها بحيرة لا تعرف شيئًا عن القادم وماذا تفعل؟ وهل حقًا سيعاقبها القدر على جريمتها الآن؟
---
[[ قصـــــــــــــــر الحـــــديــــدي ]]
كانت "قُسم" جالسة على الأريكة حتى فُتح باب القصر ودلف "قاسم" الذي يتحدث بعفوية:
"الله الله، هو دا العز، ناس عيشتها ارتاحت وناس لسه بتخسر في الماتشات."
ضحكت "قُسم" على أخيها بعفوية ووقفت لتضمه بسعادة فعانقها بحُب. أتاهما صوت "غفران" من الخلف يقول بحزم:
"لو حد تاني اتجرأ يلمس ايدها كنت قطعت ايده."
ألتف "قاسم" بعفوية ضاحكًا على غيرة "غفران" عليها وهو أخاها. تبسمت "قُسم" وقالت:
"تعالى يا قاسم."
دلف "غفران" إلى غرفة المكتب وجلس "قاسم" بجوار أخته وبدأت الترحيبات بينهما فسألت "قُسم" بخبث:
"وماما عاملة أي؟ أخر مرة كلمتها كانت تعبانة؟"
"لا، الحمد لله كويسة هي بس ضغوطات الحياة."
نظرت "قُسم" إليه بشك من أمره وقالت بتساؤل:
"وأي الجديد في ضغوطات الحياة، الناس كلها مشاكل والحياة صعبة على الكل المهم أنكم كويسين."
أجابها وهو يتناول الفاكهة بدون وعي:
"أوي كلها ضغوطات بس مش الكل مديونة وهيطرد من بيته وإنذارات البنك و....."
ضم شفتيه بصدمة من لسانه الذي تفوه بكل شيء بغباء. اتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها وسحبت من الطعام بغضب وهى لا تفهم شيئًا وقالت:
"إيه؟ أنت قلت أى؟"
وقف لكي يغادر المكان بسرعة قبل أن يقتله والده لتقول:
"استنى هنا؟ فهمني إنذارات أى وطرد أى؟"
لم يجيب ونظر بجانبه متحاشيًا النظر إليها فسحبت رأسه بقوة إليها حتى ينظر نحوها وقالت بانفعال صارخة به:
"رد عليا وإياك تخبي عني حاجة يا قاسم فاهم؟"
أبتلع لعابه بقوة خائفة ثم أخبرها بحقيقة الأقساط المتأخرة على والدها وإنذار الطرد من الشقة. لتدمع عينيها من المشقة التي يتحملها والدها ويخفيها عنها فقالت بضيق:
"استنى أنا هغير هدومي وأجي معاك."
ألتف لكي تصعد للأعلى باكية على حال والديها التي قصرت في صلتهم بسبب زواجها. توقفت على الدرج بدهشة حين ناداها "غفران" الذي سمع كل شيء خلسًا:
"قُسم."
ألتفت إليه وقبل أن يتحدث فُتح الباب ودلفت "تيا" إلى القصر باكية بانهيار وترتجف منادية على "غفران" بتلعثم من شهقاتها وبكائها:
"غفران، ألحقني يا غفران."
سمع صوتها ليميز أنها أخته. عادت من الخارج بهذه الحال فحملق بها بذعر وقدومها إليه بهذه الحالة، خائفة وباكية تعني أنها في مأزق. بل كارثة حلت بها. قالت بخوف ويديها تمسك بيديه بفزع وتبكي:
"سَند اتخطف مني يا غفران، ابني اتخطف مني؟ أرجوك رجعوهالي بأي ثمن."
غادر "قاسم" وحده مع السائق وجلست "تيا" مع "غفران" و"قُسم" لتخبره بهدوء:
"صاحب أنس اسمه محمود اتصل بيا وقالي أنه خطف ابني."
سألها "غفران" بجدية وهو لا يفهم لما حدث ذلك:
"وصاحب أنس هيخطف ابنك ليه؟"
صمتت ولم تجيب ليكرر سؤاله بعد أن ترجم صمتها أنها فعلت شيئًا كارثيًا بدون إخباره:
"خطف ابنك ليه يا تيا؟ عملتي أي انتِ وأمك من ورايا وجاية تبكي ليا دلوقتي؟"
أبتلعت لعابها بخوف من أخيها فإذا علم بجُرمها لكن يقف مكتوف اليدين أمامها. بل سيقتلها حتمًا من جبروته وهى تسلب روح ببرود. هز رأسه بهدوء ثم قال:
"قومي روحي لأمك تساعدك ما دام مش هتصرحيني، اطلعي برا يا تيا."
وقف لكي يغادر تاركًا أخته في مشكلتها و"قُسم" مندهشة من بروده وجبروته على أخته التي تبكي بفزع من اختطاف طفلها الرضيع وحين لجأت إليه تخلى عنها بكل برود. أغمضت "تيا" عينيها بخوف منه لكن خوفها على طفلها كان مستحوذًا عليها فقالت بخوف:
"قتلت."
اتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها بصدمة. ألتف "غفران" إليها بصدمة قاتلة ألجمته وهو لا يصدق أن أخته التي دللها طيلة عمرها وهى بجوارها تحولت لشيطانية تقتل. تمتم بفزع متلثماً:
"عملتي أى؟"
وقفت بخوف وهى تمسك يده بترجي وقالت باكية:
"غفران رجع ليا ابني أرجوك، محدش هيقدر يرجعوا غيرك حتى ماما مش هتعرف."
لم تتوقع أبدًا رد فعله حين صفعها بقوة على وجهها حتى سقطت على الأرض من قوة لطمته إليها. انتفضت "قُسم" أكثر من جلستها من غضبه البركاني الناري ولأول مرة ترى تحول زوجها الذي صرخ كالمجنون الآن:
"جبروت، علمتهولك أمك، اتحولتي لوحش وشيطان بسببها، وجاية تبكي دلوقتي وتطلبي مساعدتي، مطلبتيش مساعدتي ليه قبل ما تعملي اللي عملتيه ها."
أقترب ليضربها مرة أخرى فأوقفته "قُسم" وهى تقول:
"غفران."
اندفعها بقوة بعيدًا وهى في صدمة من تصرف أخته والآن السجن ينتظرها وطفلها ضائعًا. صرخت "قُسم" بألم حين ارتطمت بالطاولة من قوة دفعته نابعة من الغضب الذي يحرقه. فنظر نحو "قُسم" ليُصدم عندما رآها تمسك بطنها بألم وتتألم بصراخ باكية والدماء سالت من بين قدميها. وحين رأت الدماء وشعرت هذه المرة بأنها فقدت هذا الجنين حقًا لتسقط فاقدة للوعي على الأرض.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نور زيزو
كان يقف "غفران" بالخارج مع "جميل" وزوجته بعد أن جاءوا إلى المستشفى فور تلقي خبر مرض ابنتهما. وقف "قاسم" خائفًا على أخته التي تركها من قليل بخير. خرج الطبيب من الغرفة فسأله "غفران" بذعر:
- طمني يا دكتور، قُسم عاملة إيه؟
أقترب والدها ووالدتها من الطبيب بقلق يضرب قلوبهما على ابنتهما. تنهد الطبيب بهدوء وقال بنبرة خافتة بحزن:
- هي بخير الحمد لله والعملية نجحت وشيلنا الورم من الرحم، لكن الجنين للأسف نزل من قبل ما نيجي.
تنهد "غفران" بهدوء من حديث الطبيب والآن زوجته ستحزن كثيرًا. ليقاطعه صمت سؤال والدها بقلق:
- يعني الخبطة كانت شديدة عليها مش كده؟
نظر "غفران" إليه وهو يفهم أن والدها يلمح أنه سبب قتل الجنين من عنفه على طفلته. فتحدث الطبيب بجدية مجيبًا:
- مش الخبطة اللي كانت خطيرة بقدر مرضها والورم اللي كان بيكبر جواها. حضرتك ممكن تلقي نظر على الورم قبل ما يروح مركز التحاليل عشان نحلل العينة. مدام قُسم كانت محتاجة للجراحة دي عشان صحتها وحياتها وعنادها اللي كان مانعها من ده وأنا كلمت مسيو غفران في الموضوع ده.
- يعني بنتي بخير؟
قالتها "صفية" بقلق ليُجيب الطبيب بنبرة دافئة مطمئنة يقول:
- أكيد ودلوقتي تقدر تحمل من جديد ومن غير أي خطر على الطفل ولا على الرحم.
تبسمت "صفية" بعفوية وسعادة تغمرها من سلامة ابنتها. دخلوا إلى الغرفة لكي يطمئنوا على "قُسم" التي كانت تبكي بانهيار وتضع يدها على بطنها بحزن يخيم على ملامحها وقلبها من خسارة طفلها. رمقها "غفران" بقلق من حزنها على فقد الطفل فقال بهدوء:
- حمد الله على سلامتك يا قُسم، خضتني عليكِ.
لم تجب عليه من انهيارها. أقتربت "صفية" منها بهدوء وقالت:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، الحمد لله الدكتور طمنا عليكِ وعلى صحتك.
أقترب "غفران" بلطف منها ووضع يده على رأسها بحب وقال:
- أهدي يا قُسم.
سحبت رأسها بعيدًا عن يده وقالت بعناد وانفعال:
- اطلع برا... بابا خليه يطلع برا مش طايقة أشوفه.
اتسعت عيني "غفران" على مصراعيها من كرهها وحقدها له في حين أنه كان سيموت قلقًا عليها. نظر "جميل" له بدهشة من غضب "قُسم" منه وقال:
- استنى برا يا غفران بعد إذنك.
نظر إليها بضيق من تصرفها وطردها له أمام أهلها فقال بهدوء:
- لا، أنا مش هخرج وأسيب مراتي.
- مراتك اللي قتلت ابنها مش كده؟
قالتها بانفعال وضيق وهي تعتدل في الجلوس على السرير. حدق بها بغضب وقال بهدوء يكبح غضبه:
- لا، مراتي اللي كنت هموت من القلق عليها ومقتلتش ابننا.
- قتلته ببرود لأنه ما كانش همك ولا فارق معاك، أنت ما عندكش عزيز ولا غالي. امشي يا غفران اطلع برا لأني مش طايقاك وبكرهك.
قالتها بعناد وتحدٍ إليه، تنهدت بضيق أكثر وتابعت بكره أكثر:
- ومستحيل أعيش معاك، امشي يا غفران.
- يا قُسم إنتِ كده بتقفليها معايا.
تحاشت النظر إليه بغضب يكمن بباطنها وحقد يأكل قلبها من أفكار عقلها الخبيثة فإنه السبب في خسارة طفلها. قالت بتحدٍ وعناد:
- هي اتقفلت من بدري يا غفران، من ساعة ما قتلت ابني.. أنت من البداية ما كنتش عايزه وعايز تخلص منه.
تحدث بنبرة جادة صارمة قائلًا:
- لأني مؤمن بقضاء ربنا، ما بعاندش القدر زيك واعترض على أمر ربنا. الحمل من لحظة وجوده وهو محكوم عليه ما يكملش. ربنا أداهولك وأداكِ معاه المرض وأكتر من دكتور قال لكِ أنه مش هيكمل وانتِ عاندتي ونشفتي رأسك معارضة كل الدكاترة وقضاء ربنا وجاية دلوقتي تقولي أني السبب. تفتكري لو حملك كان سليم زي أي ست زقة زي دي هتنزله؟ متعلقيش نزول الجنين عليا يا قُسم لأن ده قدره ومكتوب له بس انتِ كنتي قليلة الإيمان بعوض ربنا وأن ربنا كريم وهيعوضنا بغيره لما تعالجي مرضك. أنا همشي يا قُسم ونصيحة مني قربي من ربنا وقوي إيمانكِ ودينكِ لعل ده يريح قلبكِ ويطمنكِ... لكن أوعي تقولي أني قتلت ابني لأن دي جريمة أنا مش هقبل بيها.
كانت تبكي بانهيار شديد مع كلماته عن مرضها وموت جنينها الصغير. وصل لباب الغرفة كي يغادر فاستوقفته بصوتها المبحوح ولهجتها الواهنة تقول:
- طلقني يا غفران.
التفت إليها مندهشًا من طلبها وحدق بها. صدمت والدتها مثله وأكثر وقالت بدهشة:
- قُسم إنتِ بتقولي إيه؟؟، أهدي لأن مش كل واحدة بتسقط بتخرب بيتها.
- طلقني.
قالتها بعناد أكثر وعينيها يتطاير منها الغضب والكره؛ لتُصدم عندما سمعته يقول بهدوء أكثر برودًا:
- إنتِ طالق يا قُسم.
غادر الغرفة في هدوء تاركًا إياها خلفه مصدومة هي ووالدتها لتجهش في البكاء بانهيار جنوني من انفصاله عنها وتحقق لرغبتها.
***
جلست "نورهان" في مكانها تنظر إلى ابنتها التي تبكي بخوف وجسدها مُنهك من السفر وولادتها القريبة. تنهدت "نورهان" بهدوء تقول:
- كفاية عياط، دي آخر اللي يتصرف من دماغه.
صرخت "تيا" بانفعال جنوني بها قائلة:
- هو أنا كل ما أروح لحد يقول لي مجتليش ليه؟ وتقلبوا في القديم، وابني مش فارق مع حد منكم ليه؟
أقتربت "نورهان" منها بهدوء حتى وقفت أمام مقعدها ومسكت فك وجهها بأناملها لترفع رأسها للأعلى حتى تتقابل عيونهما وقالت:
- أهدي يا تيا، ابنك هيرجع لكن صدقيني اللي عملتيه ده ثمنه غالي سواء مني أو من الزمن لأنك ما تفهميش حاجة واتصرفتي بغباوة واحدة غيرانة. غيرتك دي مش هتحرق حد غيرك يا حبيبتي.
نظرت إلى "رزان" بهدوء شديد ثم قالت بجدية:
- اتحركي يا رزان واعرفي لي اللي اسمه محمود ده فين ولا أي معلومة عنه.
أومأت "رزان" لها بنعم ثم قالت بحزم:
- حاضر تحت أمرك يا دكتورة ساعتين وأجيب لكِ الفايدة.
هزت "نورهان" رأسها بنعم وحملقت بابنتها ثم قالت بهدوء:
- اطلعي ارتاحي وغيري هدومك دي وكله هيبقي تمام.
هزت "تيا" رأسها بالنفي رافضة حديثها ثم قالت:
- لا، أرتاح إيه وابني بعيد عني، أنا مش جبروت زيك.
رمقتها "نورهان" بدهشة متسعة العينين مصدومة من جراءة ابنتها ثم قالت بتلعثم:
- زي أنا.
- أه زيك، عمرك كله ما أخدتينا في حضنك ولا طبطبتي عليا وطول الوقت بعيدة عننا ومتعرفيش حاجة عن الأم ولا حنانها ولا أي تعامل ولادها. أنا مش زيك يا دكتورة وقلبي مش هيقوى على ابني ولا أنا هقويه عليه.
قالتها بتحدٍ غاضبة من معاملة والدتها لها طيلة عمرها. كزت "نورهان" على أسنانها بضيق حتى سمعت ابنتها صريرها وقالت بحدة:
- امشي من وشي يا تيا، امشي.
غادرت ابنتها من أمامها لتجلس "نورهان" على الأريكة بتعب حزينة من حديث ابنتها فتأففت بضيق لتري قطرة من الدماء لوثت بنطلونها فحدقت بها بدهشة ثم رفعت يدها إلى أنفها ووجدت الدماء تسيل منها فرفعت رأسها للأعلى بقلق تحاول السيطرة على نزيفها. وضعت مناديل على أنفها ولم تعطي اهتمام لمرضها وكل ما يشغل بالها حفيدها الرضيع الذي خُطف من ابنتها. أخرجت هاتفها وهي تكتم دماءها بأناملها يدها الأخرى. أتاها صوت "رزان" تقول:
- أنا على باب الكمبوند أهو.
- لفي مكان ما جيتي يا رزان، خلي رجالتك تعرف لي مكان محمود صاحب أنس والأهم تعرفي مكان مراته وعياله.
قالتها بحدة صارمة جدًا لتقول "رزان" متعجبة صرامة رئيستها:
- حصل حاجة منه؟!
- خطف حفيدي والزمن ده علمني أن العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم، وعياله مش أهم من حفيدي بالعكس عياله ولا يساووا حاجة قصاد حفيد عائلة الحديدي.
قالتها "نورهان" بقوة ولهجة غليظة تحمل بين طياتها اشمئزاز قوي من "محمود". أجابت "رزان" بنبرة هادئة:
- تحب أمرك، لكن أنا عندي خبر لحضرتك مش لطيف خالص.
سألت "نورهان" بقلق من مقدمة "رزان" وهي تترك المنديل المبلل من دماءها وتستبدله بغيره قائلة:
- خير يا رزان على الصبح قلقتيني؟؟
تنحنحت "رزان" بهدوء قبل أن تبدأ الحديث خائفة من "نورهان" التي على وشك أن تقلب العالم رأسًا على عقبًا بسبب حفيدها المفقود وهي الآن تحمل لها خسارة حفيدها الآخر فقالت بنبرة هادئة:
- مدام قُسم خرجت من المستشفى من ساعة على بيت أهلها وللأسف خسرت الجنين.
اتسعت عيني "نورهان" من هول الصدمة وقالت بتلعثم شديد:
- سقطت!! طب غفران فين؟
أجابتها "رزان" بنبرة جادة تقول:
- طلع من المستشفى على الشركة.
شعرت "نورهان" بغصة في قلبها من القلق على ابنها وخصوصًا بعد علمها بمرضه النادر أصبح قلقها عليه يزيد. لم يكفي خبر جراحته التي ينتظر الأطباء موافقته لإجرائها أو خطرها عليه ليزداد الأمر الآن ببلاء جديد يزيد من قلبه حزنًا لتقول "نورهان" بنبرة هادئة:
- ماشي، أخلص بس من موضوع سِند ده ونشوف غفران. خلصي لي يا رزان موضوع سِند ده النهار ده.
أومأت إليه بنعم ثم قالت:
- حاضر.
أغلقت "نورهان" الهاتف وعادت بظهرها للخلف تسترخي وبدأ النزيف يتوقف شيئًا فشيئًا وعقلها شاردًا في حياتها التعيسة والمصائب التي تزداد عليها وشعور أنها السبب في إصابة ابنها بالعمى كفيل أن يفتت قلبها كأم. والآن علمت بسبب كرهه الشديد لها وانفصاله عنها مدى الحياة.
لتدمع عينيها بحزن فأغمضتهما مشئمزة من قدرها التي جعل منها ضعيفة والآن تتساقط الدموع من عينيها.
***
دقت "صفية" على باب الغرفة بلطف قبل أن تدخل وولجت باحثة بعينيها على طفلتها الحزينة فوجدت "قُسم" نائمة في فراشها كالجنين داخل بطن أمه فأقتربت منها لترى "قُسم" تجفف دموعها بلطف قبل أن تراها والدتها فتنهدت "صفية" بحزن وجلست على حافة الفراش خلف ابنتها وربتت على كتفها بلطف ثم قالت بهمس:
- كفاياكِ بكاء يا قُسم وربنا هيعوضك خير.
جهشت في البكاء أكثر وأكثر مع ربت والدتها عليها بحنان لتتابع "صفية" الحديث وقالت:
- وبعدهالك يا قُسم، أحمدي ربنا على اللي حصل... ولا الحزن ده كله على غفران.
أغمضت "قُسم" عينيها بقوة تعتصرهما من الوجع فدهشت والدتها من انتفاضة جسدها كأنها تقاوم جسدها النحيلة في صراع الألم لتقول:
- ده بحق بقى، غفران سبب حزنك، سبحان الله يا بنتي مش إنتِ اللي طلبتي الطلاق منه قدامنا كلنا وركبتي دماغك.
جلست "قُسم" على الفراش أمام والدتها بانفعال لترى "صفية" وجه ابنتها المنتفخ بسبب البكاء وأحمر كالجمر الملتهب فتحدثت باستغراب:
- ولما إنتِ ميتة من البكاء عليه سيبتيه ليه؟
- عشان قتل ابني.
تبسمت والدتها بلطف وقالت هامسة بعيني حزينتين:
- متضحكيش على نفسك يا قُسم، غفران مجرد سبب لكن ابنك من ساعة ما اتخلق جواكِ وهو مكتوب له ينزل وانتِ عارفة ده من الأول، صحتك وجسمك ما يستحملوش ده ورحمك ما كانش قادر يشيل العيل ده ليه مصرة تشيلي غفران الذنب.
حدقت "قُسم" بعيني والدتها بانهيار وعيني باكية حمراء ثم قالت بزمجرة تكز على أسنانها بشدة:
- هو زقني وهو قاصد ده، لأنه حاول قبلها ينزلوا ومعرفش، هو كان قاصد يخلص منه.
خرجت "قُسم" من الغرفة تاركة والدتها في جدالها ووصلت بقدميها إلى المرحاض لتجهش في البكاء بانهيار شديد وهي تتكأ بيدها على حوض الماء وتعتصر ضلوعها مع اعتصارها لشفتيها تكتم شهقاتها وأنين البكاء يمزق القلب.
***
صرخ "غفران" في وجه المدراء بانفعال جديد أرعب الجميع من مقاعدهم فحدق "عُمر" بوجهه مصدومًا من شدة انفعاله ليترك "غفران" طاولة الاجتماعات فأشار "عُمر" للجميع بالانصراف من المكتب ثم استدار إلى رئيسه الذي وصل إلى المكتب ليجلس عليه. تحدث "عُمر" بنبرة خافتة:
- أطلب لك قهوة.
تنهد "غفران" باختناق وهو يفك رابطة عنقه من الخنق وأنفاسه عالية ليشعر "عُمر" بالضيق من القادم ووجع الفراق سيحل على جميع موظفي الشركة بفضل "قُسم". لو تعلم كم سيعاني موظفوه من قرار فراقهما لتحلى بالصبر أكثر شفقة على أولئك الأشخاص. دلفت "ليلي" بهذه اللحظة تحمل في يدها ملف فأشار "عُمر" لها برأسه بالنفي لتغادر فحدقت "ليلى" بوجه "غفران" فغادرت "ليلي" في هدوء ليتابع "عُمر" بنبرة هادئة تهدأ من روعه:
- حضرتك كويس؟
- لا، فكرة أن قُسم تتهمني بأن قتلت ابني وتطلق محسسني أنها كسرتني وانتصرت عليا.
تبسم "عُمر" بلطف وقال:
- إحنا مش في حرب وبندور على اللي هينتصر. شوية بس وتتخطى الصدمة وأكيد هتروق وتبقى أحسن وتقدروا تتكلموا بعدها.
قاطعه رنين الهاتف ليخرجه "عُمر" من جيبه وكان أحد رجال "غفران" ليجيب بجدية:
- أيوة.
- إحنا قصاد عمارة محمود لكن حصل حاجة غريبة. رزان سكرتيرة الدكتورة نورهان جت ومعاها رجالة وأخدوا مرات محمود وعياله.
نظر "عُمر" إلى "غفران" بهدوء شديد من هول الدهشة وأمه تحل الأمر بكارثة أكبر لاختطاف أسرة الرجل. أنزل الهاتف قليلًا وأخبر "غفران" بما حدث فتأفف "غفران" بضيق من تصرف والدته وقال بخنق:
- هيفضل الجُرم في دمهم، خلي رجالتك تنسحب وترجع القصر، وينسوا أمر تيا وابنها. الدكتورة هتحلل لها الموضوع بطريقتها.
أومأ إليه بنعم واستدار لكي يذهب من أمامه مغادرًا المكتب لكنه استوقفه صوت "غفران" بنبرة خشنة قوية تحمل بين طياتها القسوة من كبريائه المخذول قائلًا:
- فاتن بعتت حاجات "قُسم" على بيت أهلها؟
ألتف "عُمر" إليه بدهشة من تعجله على طردتها نهائيًا من حياته وتلجم لسانه في الحديث فلم يتفوه بكلمة واحدة ليرمقه "غفران" بنظرة حادة، حتى لو لم تراه عينيه المريض لكن عقله ترجم الصمت جدًا فأنه لم ينفذ أمره فقال بحدة أكثر:
- ارجع القصر النهار ده يا عُمر ملاقيش حاجة ليها في بيتي... سمعت.
نطق كلمته الأخيرة بتهديد واضح فأبتلع "عُمر" لعابه في هدوء خائفًا من غضب هذا الوحش ليقول متلعثمًا:
- حاضر، أنا بس كان ليا رأي....
قاطعه "غفران" صارخًا بنبرة قاسية أرعبت مساعده من محله وأرجفت قدميه بينما هزت صرخته جدران المكتب قائلًا:
- من إمتى وفيه حد له رأي في حياتي، أوعى تنسى نفسك ومكانتك يا عُمر أو تفكر تدي لنفسك مساحة أنا ما سمحتلكش بيها... فاهم؟
أومأ "عُمر" بنعم مرتعبًا من رئيسه الغليظ، خرج من المكتب ليرى "ليلي" تقف قرب الباب ووجهها شاحب بعد أن سمعت صراخ رئيسها وهكذا طرده للمدراء منذ قليل. تتمتم بخوف قائلة:
- هو في إيه يا عُمر؟ ماله هايج ليه؟
أجابه "عُمر" وهو شاردًا في القادم بنبرة خافتة:
- ربنا يستر يا ليلي، إحنا هنشوف الفترة الجاية سواد. اللي زرعت جوا الحنية وعلمته يرحم اختارت الرحيل وقسوة الفراق محدش هيشيلها غيرنا. غفران بيه هيروينا قسوة مشوفناهاش قبل كده بعد فراق قُسم.... استحمله يا ليلي ولو زعق فيكِ عدي له عشان خاطري أنا عندك.
أومأت إليه بنعم ثم قالت بقلق:
- حاضر وربنا يستر... طب بقولك إيه أنا مينفعش أروح أتكلم معاها شوية، إحنا بنات زي بعض برضه.
ضحك "عُمر" بسخرية وقال بعيني حزينة:
- تفتكري لما غفران بيه يطرد حد من حياته، ممكن يرجع... من خلال معاشرتي له إذا انطبقت السماء على الأرض قُسم مش هترجع. إذا كان مامته بقالها عمر وما سامحهاش ولا رجعها لحياته وبينهم عداء تفتكر اللي تهون عليه أمه هتصعب عليه مراته.
عقدت "ليلي" ذراعيها أمام صدرها بتذمر وهي تعض شفتيها بغيظ شديد من قسوة "غفران" وهي لا تعلم ما حدث ليكره محبوبته هكذا فقالت بزمجرة بينما تقوس شفتيها الاثنتين للأسفل كالأطفال:
- لا مش هتصعب عليه لكن الحب بيعمل معجزات يا عُمر. قلوبنا الوحيدة اللي مالناش سلطان عليها وانت متعرفش الحب بيعمل إيه ولا قلبك لو ساقك هيوديك فين؟ أنا مؤمنة أن الحب لو أتمكن من قلبك مستحيل تشفي منه أو تتخطاه، وإن شاء الله الحب ينجدنا من غضبه... وبعد الشغل أنا هروح لـ قُسم أزورها.
رفع "عُمر" حاجبه إلى خطيبته بغضب لتتحدث متابعة بتحدٍ وعناد أكبر:
- لأنها صاحبتها مش لأنها مرات مسيو غفران، صاحبتي اتطلقت وغضبانة لازم أروح أواسيها.
شعر "عُمر" بمكر محبوبته فمسكها من ذراعها وجذبها بقوة نحوها حتى كادت أن تسقط من جذبه وقال بغضب مكبوح بداخله:
- اسمعي يا ليلي صاحبتك أنا مقدرش أحرمك منها ولا أقولك اقطعي علاقتك بيها لكن لو هتشتغلي جاسوسة على غفران بيه وتوصلي ليها أخباره هقطم رقبتكِ فاهماني طبعًا يا روحي.
أبتلعت لعابها بخوف وهزت رأسها بنعم وهي تقول بغضب من قوته:
- أوعى كده يا عُمر، قال جاسوسة قال، أنا مبفتنش على حد.
ضحك بسخرية وهو يدرك محبوبته أكثر من أي حد وبمجرد أن ترى "قُسم" ستجبرها بكل ما حدث في الشركة اليوم وكما توقع تمامًا وصلت "ليلي" لمنزل "قُسم" وجلست معها في غرفتها تخبرها بكل شيء حدث اليوم ثم تابعت:
- تخيلي أنه طرد مدير الحسابات لأنه غلط وياريت غلطة كبيرة ده بس كتب الأرقام هندية مش عربية في الشيك.
كانت "قُسم" تستمع لحديث "ليلي" عن غضبه وكيف تحول لثور هائج في موظفينه بسبب قرار الانفصال. تنحنحت "قُسم" بهدوء قائلة:
- هو كويس؟
ضحكت "ليلي" بسخرية على سؤالها ثم قالت:
- كويس!! إنتِ مش سامعاني ولا إيه، كويس إزاي وهو عامل زي الثور الهائج فينا، سوري يعني.
تبسمت "قُسم" بسخرية على حالها وقالت:
- ما كنتش أعرف أنه بيحبني أوي كده.
فتح باب الغرفة ودلفت "صفية" تحمل العصير فسمعت "ليلي" تقول بهدوء ونبرة صادقة:
- للأمانة وكلمة حق يحاسبني عليها ربنا، أنا عمري ما شفت مسيو غفران بيحب ولا ملهوف على حد قد ما شوفته ملهوف عليكِ ودايمًا بيهتم بسعادة. دايمًا كان بيسألني إيه أكتر حاجة البنات بتحبها ويعمل لكِ إيه يبسطك. كان بيقبض عليا هو وعُمر عشان أقعد أدور في أكونتاتك وأعرف إنتِ بتحبي إيه ويعملهولك. كتير من الوقت بعد ظهورك في حياته وكان شغلي في الشركة عبارة عن استشارات منه عن البنات ولو كانت رقيقة تحب إيه والبنت تحب الراجل اللي معاها يكون فيه إيه ويعملها إيه؟ اتجوز كندا سنين وكان بيقول أنه بيحبها وكلنا كنا بنقوله أنه مستحيل يحب بعدها أو تهزه ست بعد كندا لكن لما شفته حبه ليكِ عرفت أن حبه عمره الأول والأبدي هو إنتِ.
قاطعتها "صفية" تقول بغيظ من تصرف ابنتها:
- قوليلها يا بنتي لأحسن ريقي نشف معاها وهي راكبة دماغها.
تبسمت "ليلي" إلى "قُسم" بلطف وقالت بحنان:
- سيبيها يا طنط على راحتها متغصبيش عليها، قُسم موجوعة دلوقتي وهي عاقلة وعارفة الصح وأكيد هتعمله.... صدقيني يا قُسم وكلامي معاكِ لأنكِ طيبة وأنا حبيتك كصاحبة مش لأنكِ مرات مسيو غفران رئيسي، غفران بيعشقك وبيموت من غيرك وحتى الموت مش عارف يحصل عليه فعايش متعذب بيصارع بين حياة بدونك وموت بيتمناه في غيابك.
نظرت "قُسم" بحيرة لها وقلبها يشعر بغصة قوية بداخله من الألم، يفتك الوجع بها حتى باتت كالوردة الذابلة وتشعر بأنها تغرق في المحيط ولا تقوى على التنفس أسفل الماء فتصارع وحدها للنجاة.
***
جلست "نورهان" أمام الطبيب في مكتبه بقلق من نظراته الحزينة فسألت بقلق:
- خير يا دكتور قلقتني؟ الأشعة فيها حاجة؟
صمت الطبيب بهدوء ثم قال بحزن وعين بائسة:
- للأسف اللي توقعت طلع، حضرتك عندك ورم على المخ.
اتسعت عيني "نورهان" على مصراعيها بصدمة ألجمتها فكادت أن تستفسر عن المرض لكن رن هاتفها باسم "رزان" فقالت بجدية:
- لحظة... أيوة يا رزان؟
- مراته وابنه معايا.
تبسمت "نورهان" بمكر شيطانية وقد جاءتها لحظة الانتقام المُميتة الآن.
رواية غفران هزمه العشق الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نور زيزو
تبسمت "نورهان" بمكر شيطانية وقد جاءتها لحظة الانتقام المُميتة الآن.
قالت "رزان" بهدوء لتقف "نورهان" من مكانها بتعجل وغادرت المكان وهى لا تهتم بمرضها أمام حياة حفيدها وقلق ابنتها.
قالت بجدية:
"أنا جاية ليكِ، أعرفيلي رقم تليفونه عشان أكلمه."
"معايا."
تبسمت "نورهان" بخباثة وصعدت بسيارتها بعد أن فتح السائق الباب الخلفي لها.
قالت بجدية:
"أتصلي بيه فى مكالمة جماعية دلوقت."
أنتظرت دقيقة حتى أجاب "محمود" لتقول بكبرياء:
"معاك دكتورة نورهان الحديدي."
ضحك "محمود" بسخرية ضحكة طويلة ثم قال:
"ههه اي بنت حضرتك وكلتك محامية ليها؟"
"مش يمكن يكون ابنك."
قالتها بنبرة تهديد قوية ليتوقف عن الضحك.
وضعت "رزان" الهاتف على اذن ابنه الذى صرخ بقوة من الخوف:
"بابا... أنت فين؟ مين دول وعايزين منى أي أنا وماما؟"
سحبت "رزان" الهاتف مع صرخة "محمود" الذي فقد أعصابه من الخوف عندما سمع صوت ابنه وقال:
"متخافش .... إنتِ مجنونة؟ إنتِ مش قد اللى بتعمليه؟"
ضحكت "نورهان" وهى تضع قدمها على الأخرى بغرور ونظرت من النافذة.
قالت بجدية صارمة:
"لو فينا حد مجنون فهو أنت، أنت اللى عقلك صورلك أنك تقدر تلمس حفيد الحديدي أو تبص له بصة لمجرد أنك نقلت شقة الزوجية، عقلك صورلك أن حشرة زيك مهما يعمل يعرف يخبي مراته وابنه من دكتورة نورهان، أنا اسمي لما بيتذكر فى المجالس رجالة بشنبات بتتهز ..ههههه مش غبي زيك، أسمع يا صعلوق أنت أنا لو عايزة أوصل لحفيدي هوصله معاك ساعة واحدة أنا رجالتي هتتحرك وأنت هتتحرك لو رجالتي وصلت لحفيدي قبل ما أنت تجبهولى على القصر هيكون معاها أمر قتلك أنت وأبنك ومراتك باللى فى بطنها ... هى ساعة واحدة وطريق القصر أنت عارفه."
أغلقت الخط دون أن تنتظر جواب منه وأشارت إلى السائق بأن يصعد إلى السيارة وينطلق بها وعقلها الآن لا يفكر سوى فى حفيدها وأن يصل إلى المنزل سالمٍ وكأنها تناست أمر مرضها لأجل ابنتها وحزنها من فراق رضيعها.
***
سمعت "تيا" الحديث الذي دار بين "رزان" ووالدتها فى الهاتف.
فترجلت الدرج بسرعة جنونية والرجال تسحب ابن "محمود" معهم للقبو.
فصرخت "تيا" بجنون:
"دا ابنه ... أنا هقتله."
مسكتها "رزان" من يدها بقوة وحزم ثم حملقت بها بضيق وهى سبب كل هذه المشاكل التى وضعت والدتها بها.
قالت بضيق:
"إنتِ عايزة ابنك وإحنا هنجيبه لحد عندك لكن بطريقتنا وكفاية تهور بق."
نظرت "تيا" إلى سكرتيرة والدتها التى تجرأت عليها لتتبادل "رزان" النظرات معاها لكن بتحدٍ وكبر.
قالت بحزم موجهة الحديث إلى الرجال:
"طلع مدام تيا لأوضتها ومتطلعهاش منها غير بإذن من دكتورة نورهان."
أتسعت عيني "تيا" على مصراعيها بصدمة ألجمتها ليسحبها الرجال للأعلى وهى تصرخ بغضب وتسب فى "رزان" حتى فتح باب القصر ودلفت "نورهان" لتقول:
"هم فين؟"
أستقبلتها "رزان" بهدوء وقالت:
"فى القبو زى ما حضرتك أمرتِ وكما توقعنا مدام تيا خرجت عن أعصابها وكانت عاوزة تقتل الولد."
تأففت "نورهان" بضيق منها وقالت أثناء جلوسها على الأريكة:
"سيبك منها، بنتي مخها طار."
"أنا خليت الرجالة يطلعوها أوضتها لحد ما نخلص لأنها مُصممة تأذي الولد وأمه."
قالتها "رزان" بهدوء دون قلق من "نورهان" فمعاشرتها مع "نورهان" وثقتها بها طمأنت قلبها.
قالت:
"أحسنتي يا رزان، خلينا نخلص وعمومًا باقي من المدة ثلث ساعة والمهلة اللى أديتها له تخلص."
"أعتقد أنه مش مجنون عشان يضحى بعائلته عشان يأخذ ثأر صاحبه، مفيش صاحب أغلى من الضنا."
قالتها "رزان" مع جلوسها على المقعد المجاور لـ "نورهان" فأومأت "نورهان" بنعم ثم قالت:
"أكيد يا رزان، الضنا دا شيء غالي أوى ربنا بيزرع غلاوته فى قلبنا مع زرعه وهو جنين فى أرحامنا وألا أنا بعمل كل دا ليه ماهو عشان الضنا رغم أنها متستاهلش لأني يا ما حذرتها من أنس وهى مفيش زى أخوها يا ما قُلتله أن كندا خاينة والنتيجة أي شايل عيلة مش من صلبه."
"أكيد ... ، صحيح حضرتك كنتِ فين لما كلمتك؟"
نظرت "نورهان" لسكريرتها نظرة غضب من تجرأها على السؤال.
قالت بهدوء:
"أنا مبحبش السؤال دا يا رزان."
نحنت "رزان" بقلق شديد ثم قالت:
"أنا أسفة لحضرتك على تجاوز حدودي."
هزت "نورهان" رأسها بهدوء ثم قالت بجدية:
"كنت فى المستشفي، أبقي روحي أستفهمي من الدكتور عن مرضي، بيقول أن عندي ورم على المخ، لما تفضي روحي أفهمي منه."
فزعت "رزان" من كلماتها رغم برود "نورهان" فى الحديث عن المرض وتلعثمت فى الحديث بفزع شديد تقول:
"أى... ورم أى؟ وأزاى حضرتك مش مهتمة كدة؟ أنا هكلم الدكاترة فى ألمانيا ونروح نكشف هناك."
فتحت هاتفها لتجرى أتصالاتها وعينيها تدمعها حتى رأت "نورهان" الدموع تتساقط على شاشة الهاتف فى يدي "رزان" المُرتجفة فتبسمت بخفة وقالت:
"معتقدش أن ولادي ممكن يبكوا عليا زى يا رزان أو حتى يقلقوا ويتفزعوا زيكِ."
رفعت "رزان" رأسها إلى "نورهان" والدموع تذرف بغزارة من سمعها بالمرض دون أن تعلم بكونه خطر أو لا لكن يكفى أن "نورهان" مريضة.
وضعت الهاتف على أذنيها تنتظر الجواب من الطرف الأخر.
تبسمت "نورهان" بسمة خافتة وسحبت الهاتف من يد "رزان" رغم أن أتاهم صوت الطرف الأخر مُجيب لتغلق "نورهان" الاتصال وقالت:
"متتصليش بحد يا رزان، متخافيش أنا مش هموت لأني مش هستلسم للموت بسهولة كدة."
صرخت "رزان" بوجهها لأول مرة فى حياتها ترفع صوتها على رئيستها قائلة:
"إنتِ بتقولى أى؟ دا ورم والموت محدش بيكبر عليه."
ضحكت "نورهان" بقوة من صرخة "رزان" وقالت:
"سبحان مغير الأحوال، مجرد خبر مرضي بزعقيلي وتعلى صوتك عليا، لا وكمان رفعتي الألقاب يا رزان ... ناقص تضربني عشان تأخدني للمستشفى أخد الحقنة."
صمتت "رزان" بحرج من تجاوزها الحدود بسبب خوفها.
ربتت "نورهان" على يدها المرتعشة بقوة وجسدها المُنتفض من الخوف بلطف ثم قالت بحنان:
"المكتوب لازم نشوفه يا رزان، محدش بيهرب من قدره فسيبها على الله... يلا قومي أغسلي وشك عشان الضيف اللى زمانه على وصول دا."
وقفت "رزان" من مكانها لتسير بعيدًا لكن أستوقفها صوت "نورهان" تقول:
"رزان."
أستدارت "رزان" إليها بعيني باكية لتتحدث "نورهان" بنبرة قوية تهديدية مُرعبة:
"حذار حد يعرف وخصوصًا ولادي."
أبتلعت "رزان" لعابها بخوف من تهديديها وهذه النبرة تعرفها جيدًا وإذا خالفت الأمر ستقتلها "نورهان".
دلف "محمود" مع الحارس الشخصي لها يحمل الرضيع بين ذراعيه ولأول مرة يرى قصر اللؤلؤ فأبتلع لعابه من فخامة القصر.
فترجل الدرجات الرخامية مع الحارس الذي يرشده إلى طريقها فرأها تحمل فى يدها سكين تقطع التفاح وتضع قدم على الأخرى ببرود شديد.
فرفعت نظرها به ببرود فأشار الحارس له بأن يجلس ثم وقف هو خلف الأريكة التى تجلس عليها "نورهان".
وقف "محمود" من مكانه ليقترب الحارس بجدية يمنعه لكن تحدثت "نورهان" تقول:
"سيبه."
أقترب "محمود" ليضع الطفل على الأريكة التى تجلس عليه جوارها فلم ترفع نظرها بـ "سِند"، بل نظرت إلى "محمود" وقالت ببرود شديد:
"أقطعلك تفاحة."
تأفف بضيق من برودها لاعبة بأعصابه فقال بجدية:
"فين ابني ومراتي، أنا عملت اللى عايزاه اهو وحفيدك قصادك كوي."
تحدثت ببرود أكثر قائلة:
"تفاح أصفر ولا أحمر، متخافش دا تفاح فاخر مستورد."
"المستورد دا ليكم أنتم اللى بتأكلوا الناس وبدوسوا عليها وتقتلوا اللى ميعجبكوش، أنا بقي راجل بيأكل البلدي على قد حاله... عندك منه يا دكتورة."
قالها بغيظ واضح فى نبرته الخشنة فتبسمت "نورهان" ببرود ثم قالت:
"لا، نعمل أى بقي ربك خلقنا كدة، طبقات عشان اللى زيك ميتجرأش يرفع عينه فى أسياده ما بالك بواحد عقله فكرله أنه ممكن يلمس نسل أسياده."
تبسم "محمود" بهدوء وقال بقوة:
"أنا ماليش أسياد، زمن الأسياد والعبيد أنتهي، دينك نهاه بس الظاهر أن اللى زيكم ميعرفش فى الدين ولا يعرف يعنى أى يتقي ربنا، لأن ربك مخلقناش طبقات عشان ندوس على بعض، ربك خلق اللى معاه يدي اللى معهوش ونعين بعض ونتسند على بعض عشان نعمر الأرض مش عشان نقتل واحدة لمجرد أنها أتجوزت على سنة الله ورسوله ولا نتهم واحد بالزور عشان أتجوز بشرع ربنا، أنهي دين اللى يقبل باللى عملتيه إنتِ وبنتك بس ربك مبيسيبش وقريب هتترد لك من القدر، عشان عمر الظالم ما أنتصر على المظلوم ولا الشر غلب الخير مش دا اللى يرضي ربنا وهتشوف أزاى ربنا هينتقم لأنس وملك منكم إنتِ وبنتك."
صمتت "نورهان" وعينيها تحملق به وتتذكر خبر مرضها الذي جاءها من قليل بعد خطف عائلته وشردت بعقلها فهل هذا المرض أنتقام القدر منها على ما حدث لـ "ملك" وتسترها على جريمة ابنتها وهكذا تزويها للأتهام بـ "أنس" لتفوق من شرودها على صوت "محمود" يقول بضيق:
"فين مراتي وابني عشان عايز أمشي من المقبرة دى؟"
رفعت رأسها بهدوء ونظرت حولها على القصر ثم قالت:
"قصري مقبرة !! لو تعرف كام واحد نفسه يشوف قصر اللؤلؤ."
ضحك "أنس" بسخرية وقال بتهكم:
"مفهوش حياة، مكتوم ويسحب النفس، من ساعة ما دخلت وأنا نفسي مكتوم وحاسس أنى بموت .. واضح أن البيوت مش بمناظرها زى البني ادمين و....."
قاطعته بضيق من المحاضرات التى يلقيها عليها وقالت بغضب بعد أن وقفت:
"أمشي أطلع برا هتلاقي عربية برا فيها مراتك وابنك هتوصلكم للبيت."
دلت لغرفة مكتبها من الغضب ليغادر "محمود" بسرعة جنونية حتى يطمن على زوجته ليراهما داخل السيارة مع رجال "نورهان" فأخرجهم "محمود" وصعد معهم إلى سيارة الأجرة التى وصل بها ليغادر مخذولًا من أنتقامه إلى صديقه.
***
كانت "ليلي" جالسة على المكتب تكتب الأوراق على اللاب بتركيز شديد حتى قاطعها الساعي ذلك الرجل العجوز.
يقول:
"بقولك أى يا أستاذة ليلي؟"
"قول."
قالتها ويديها تكتب على اللاب وعينيها حاقدة بشاشته ليتابع الحديث:
"ممكن تدخلي القهوة لبيه."
رفعت "ليلي" نظرها إلى الساعي بدهشة وهو يطلب منها أن تقوم بعمله فتابع بنبرة خافتة خائفٍ:
"دا رابع فنجان قهوة أعمله ومعجبهوش وحالف لو الرابع معجبهوش هيرفدني من شغلي وأنا مش عايز رزقي يتقطع."
"يعنى لو معجبهوش هيسمي عليا أنا."
قالتها بتذمر وهى تغلق شاشة اللاب وتقف فأجابها الساعي بلطف:
"لا، بس حضرتك ليكِ معزة عنده ومش هيرفدك، أنا عندي عيال وعروسة بجهزها."
تبسمت "ليلي" بإشفاق على حال هذا الرجل وأخذت القهوة لتقول:
"على الله ما تطرديني أنا وأنا عروسة بتتجهز."
دلت إلى مكتبه تحمل فنجان القهوة وكان "غفران" غارقًا فى عمله وسط الأوراق التى يراجعها قبل الإمضاء.
وضعت القهوة أمامه بلطف وأستدارت ليستوقفها بصوته الحاد قائلًا:
"هو بعتك إنتِ؟"
أبتلعت لعابها بخوف ثم قالت:
"حضرتك هتزعق لو قولتلك."
رفع نظره إلى "ليلي" فرأها تنكمش فى ذاتها ليشير لها بنعم فأبتلعت لعابها بينما تسمعه يقول:
"هزعق بس عندك خيار تاني غير إنكِ تقوليليه."
هزت رأسها بالنفي مقوسة شفتيها بحزن وقالت:
"هو مش عايز عيشه يقطع عشان عياله وعنده عروسة بيجهزها وفرحها قرب، والله يا مسيو غفران الراجل دا غلبان جدًا و...."
أرتشف القليل من قهوته فكز على أسنانه وقال مُقاطعًا إياها:
"هاتيه."
قشعر جسدها من الخوف وخرجت لتحضر الساعي له فدلف الرجل خائفًا وينظر فى الأرض لا يقوى على النظر إليه فتحدث "غفران" بهدوء:
"قهوتك زى الزفت، لو كبرت وعجزت ومبقتش تعرف تعمل قهوة قولي وأنا أجيب غيرك فى ألاف مش لاقينا شغل."
"اللي تشوفه حضرتك يا بيه."
قالها بأنكسار وقد فهم أنه سيترك عمله اليوم.
تحدث "غفران" بهدوء قائلًا:
"عروستك اسمها اى؟"
"قُسم."
أتسعت عيني "ليلي" على مصراعيها من بين كل الأسماء تفوه هذا الرجل باسم معشوقته وهى سبب كل هذا الخراب الموجود بداخله.
أنتفض قلبه كأنه صعق الآن بالكهرباء وحملق بالرجل بصدمة ألجمته وهو واثقًا أن هذا الرجل قاصدًا إغاظته فلن يقابل أسمها من قبل سواها.
تحدثت "ليلي" بغضب من الرجل قائلة:
"أنت جاي تهزر، بنتك اسمها أى؟"
"والله قُسم يا أستاذة."
أخرج محفظته وكان بها صور لأولاده وأعطاها صورة لطفلته وتحتها مدون الأسم ثلاثي بالكمبيوتر واسمها حقًا "قُسم".
أقتربت لتعطي الصورة لـ"غفران" فأشار لها بلا فى جميع الأحوال لن يرى الوجه.
نظر إلى الأوراق بحزن جديد خيم على قلبه وملامحه بعد أن أثار هذا الرجل نيران قلبه المُشتعلة من الفراق والآن بدأت النيران براكين مُلتهبة بداخله فتمتم "غفران" بحزن قائلًا:
"أصرفيله 100000 ألف لجواز بنته يا ليلي."
أتسعت عيني "ليلي" بصدمة قاتلة فلم يكفى بشهر أو شهرين بل أكثر من 16 شهر مكافأة فى حين أن مرتب الرجل لا يزيد عن 6000 فى الشهر.
لم يتسوعب الرجل الرقم الذي سمعه فقال بتلعثم:
"لا يا بيه دا كتير أوى على قهوتي الوحشة."
دمعت عيني "غفران" بألم بينما ينظر فى الهاتف على صورتها الموجودة خلفية خارجية له فتمتم بشرود:
"بس لأجل قُسم."
رفع نظره إلى "ليلي" التى دمعت عينيها على قدر عشقه إليها وقد سلك قلبه فى طريق الفراق وقال بتحذير:
"قهوتك متستاهلش 10 جنيه لكن لأجل قُسم وأبقى أعزمني فى الفرح عشان هجي."
"طبعًا يا بيه وتشهد على العقد كمان."
قالها الرجل بحماس شديد بينما فتحت "ليلي" هاتفها خلسًا وأتصلت على "قُسم" وغادر الرجل فقالت "ليلي" بهدوء مُتعمدة أن تسمع "قُسم" هذا الحديث:
"مش كتير يا مسيو غفران 100 ألف جنيه مكافأة على ساعي، دا حتى قهوته مبقتش تعجب حضرتك، أنا دخلتها لأنه خايف يتطرد يقوم يخرج من هنا ب100 ألف، دا يعتبر أغلى فنجان قهوة فى العالم."
أجابها "غفران" وهو ينظر إلى شاشة هاتفه الموجود جوار الفنجان قائلًا:
"قهوته زفت فعلًا ودا أغلى فنجان قهوة شربته فى حياتي لكن زى ما قولتله يا ليلي ... لأجل قُسم."
"عذرًا بس دى مش مدام قُسم، دا مجرد نفس الأسم."
قالتها بمكر حتى يتحدث أكثر عنها وتسمعه هذه الزوجة الغبية التى فتح باب الأنفصال عن حبيب يعشقها بروحه وعلى أستعداد أن يضحي بكل ما يملك لأجلها.
تحدث بنبرة حزينة واهنة:
"لكنه اسم قُسم يا ليلي، مجرد ذكره لأسمها قصادي حسيت بقلبي بتقبض كأن القلب الموجود جوا صدري بقولي حتى اسمها النادر القدر جابه لحد عندك عشان يعذبك أكثر، على يدك يا ليلي أنا عملت كل حاجة عشانها وعشان سعادتها لكن قُسم عملت أى عشان غفران."
نحنت "ليلي" بهدوء ونظرت إلى الهاتف خلسًا لترى الأتصال جاري ومحبوبته تسمع على الجهة الأخرى فقالت بهدوء:
"أنا آسفة فى تدخلي، تحب أروح أتكلم معاها."
رفع نظره إليها بحدة لترعبها نظرته وقالت بهدوء:
"إياكِ، أنا استثنيتك من غضبي لأجل عُمر ومعزته عندي وعشان غلاوتك عندي لكن لهنا وهنسي الغلاوة دى، قُسم متستاهلش حاجة من اللى عملتها عشانها حتى لو كان قلبي يدق ليها وموجوع عقلها لكن عقلي طردها من حياتي طرد نهائيًا، أنا قُسم اللى حبيتها ماتت والميت بنعزه وبنبكي على فراقه لكن مستحيل يرجع."
دمعت عيني "ليلي" من كلماته لتغادر المكتب هى الأخرى فى صمت بعد تهديده لها.
نظرت للهاتف فرأت الاتصال أغلق.
***
جهشت فى البكاء بوجع أكبر بعد أن علمت أنه يعتبرها من الأموات.
أعتصر الوجع قلبها بقوة وهى تضرب صدرها بقبضتيها الصغيرتين وبدأت فى البكاء مُنهارة حتى سقطت أرضًا.
لم ترى أسبوعًا أسوأ من هذا فى حياتها، هذا الأسبوع الذي ذاقت فيه مشاعر الفراق والأشتياق.
ظلت تبكي حتى فقدت كل قوتها وشعرت بخمول جسدها.
دلف "قاسم" لها يقول بعفوية:
"قُسم معاكيش 100 جنيه سلف."
توقف عن الحديث حين رأى وجه اخته أحمر كالدم من شدة البكاء وعينيها مليئة بالدموع التى بللت وجنتيها.
جلس جوارها على الأرض بحزن وقال:
"متعيطيش يا قُسم، هو ميستاهلكيش."
ضحكت بسخرية على كلمته وقالت:
"ليه هو اللى طلقني وسابني ولا أنا اللى سبته."
تحدث "قاسم" بغرور قائلًا:
"بس لو بيحبك كان لازم يتمسك بيكِ، هو الخسران."
"مش هتفرق يا قاسم."
قالتها بهدوء ووقفت تفتح حقيبتها لتعطيه المال الذي يريده ثم غادر.
بدلت "قُسم" ملابسها وأستعدت للخروج فخرجت من الغرفة ورأت والدها يجلس فى الصالة ينظر فى هاتفه فسأل بهدوء:
"على فين يا قُسم على الصبح كدة؟"
"هروح أدور على شغل يا بابا ولا هفضل قاعدة، أى حاجة تساعد.. ادعيلي أنت بس."
"ربنا معاكِ يا حبيبتي."
قالها ثم خرجت "قُسم" وترجلت الدرج بوجه حزين باهتة فأستوقفها على البوابة صوته من الخلف يقول:
"قُسم."
تأففت بضيق شديد ثم أستدارت إليه بأشمئزاز لتتقابل عيونهما مُنذ أن سُجن على يد "غفران" وهى لم تلمح طيفه وبمجرد أن رأته تذكرت قذارة أفعاله معها فتحدثت بحدة صارمة قائلة:
"نعم يا حازم."
"أنا سمعت أنكِ أتطلقتي منه."
قالها "حازم" بهدوء وعينيه تتفحصه من الرأس لأخمص القدم كأنه اشتاق إلى رؤية هذه الفتاة فقالت بضيق أكثر:
"مالكش فيه ومتحاولش تصطاد يالمياه العكرة، أنا أصلا قرفانة أبص لك وقذارتك مسابتش عقلي لحظة ومتحاولش تستفزني كتير عشان السجن اللى اتسجنته ميساويش حاجة قصاد اللى عملته فيا ومتخلينيش أتهور وأفكر أخد حقي بأيدي."
غادرت من أمامه بغضب وكأن القدر جمع شيء حتى تحمله على عاتقه وكأن كان ينقصها خروج هذا الرجل من السجن.
***
وصلت سيارة "غفران" إلى البوابة الرئيسية للقصر فأستوقفه رجل الأمن وطرق على نافذة "عُمر" ليفتح له الزجاج.
فقال:
"الولد دا مستني مسيو غفران من بدري ومش عايز يمشي قبل ما يقابل بيقول أنه أخو مدام قُسم."
سمع "غفران" اسمها ليرفع نظره عن الهاتف إلى النافذة فرأى "قاسم" مع رجل الأمن مُنتظر أمره حتى يقترب فتحدث "عُمر" بجدية قائلًا:
"روحوه، أطلع يا سمير."
كاد السائق أن يتحرك بالسيارة لكن أستوقفه صوت "غفران" يقول:
"أستنى."
ترجل من سيارته ليرى "قاسم" رغم الملامح الضبابي لكنه الأخ الأصغر إلى محبوبته.
فوقف أمام "قاسم" وقال:
"قالولى أنك عايزني."
"أتكلم هنا عاد."
نظر "غفران" إلى الطفل صاحب الثامنة عشر سنة وسار معه إلى الداخل فى الحديقة ليدخل "سمير" بالسيارة مع "عُمر".
تحدث "قاسم" بنبرة هادئة:
"أنت مش راجل."
توقف "غفران" إليه بذهول من كلمته وحدق به متعجب جرأة الطفل.
فتابع "قاسم" بشجاعة دون خوف:
"أيوة مش راجل لأنك وعدت بابا لما أخدتها أنك هتحافظ عليها ومش هتبكيها وهتخليها أسعد واحدة فى الدنيا، لما جيت عندنا قُلت أنك هتحميها لأخر يوم فى عمرك بس أنت معملتش أى وعد من دول، محفطتش عليها وبكتها كتير... لا مش كتير هى مبتبطلش عياط ليل ونهار بسببك ومخلتهاش أسعد واحدة في العالم أنت خليتها أتعس واحدة وحزينة وسرقت منها ضحكتها اللى بحبها وشقاوتها اللى كانت بتلعب معاها بيها، أنت طفيتها وسرقت روحها الحلوة، وكمان محمتهاش لأن حازم طلع من السجن وطول الوقت بيضايقها ويتنمر عليها لأنك طلقتها، أنت معملتش ولا وعد من اللى وعدت بابا بيه يبقي أنت مش راجل."
كان يستمع لحديثه وقلبه يتمزق وجعها ليس من جرأة الطفلة ولكن لأنه يسمع لمعاناتها وحزنها وكيف تحولت حياتها لتعاسة أكبر بعد دخوله لحياتها.
أنطفئت وهذا كفيلة بإيقاف قلبه محله.
تحدث ببرود يخفى خلفه وجعه:
"مش هى اللى أخترت؟ متلومنيش."
"كانت موجوعة، أم وخسرت ابنها وخايفة متعرفش تحمل فى غيره كان لازم تقف جنبها وتطمنها، كان لازم تسندها لأنك راجلها مش تسيبها وتمشي."
قالها بصراخ وهذا الرجل يبرر رحيله عن محبوبته فى هذا التوقيت العصيب.
تابع "قاسم" بغضب سافر:
"أنا بكرهك ومش عايز أكون زيك، أنا كنت بقول لقُسم أنا عايز أتخرج وأشتغل وأحب واحدة زى ما غفران بيحبك لكن دلوقت أنا عرفتك على حقيقتك وميشرفنيش أكون أزيك وأسف لنفسي لأني خدت قدوة ليا فى يوم."
غادر "قاسم" من أمامه غاضبًا ليتركه على وشك الأنفجار من الغضب وكيف سمح لهذا الطفل بأن يهينه هكذا ويتجرأ فى الحديث معه بهذا الأسلوب المقزز.
شعر بغصة فى قلبه من حالها وما تعانيه وكما قال أخاها لم يفي بأى وعد قطعه على نفسه مع والدها.
***
فى أحدى المدارس كانت تقف "قُسم" على السبورة داخل الفصل تشرح الحصة لطلابها فشعرت بدوران فى رأسها.
فقط ثواني معدودة حتى سقطت على الأرض فاقدة للوعي ليصرخ الطلاب وبعضهم ركض للخارج ينادي على مشرفة الدور لأجل مُعلمتهم.
***
تحدثت "فاتن" بضيق مع "عُمر" قائلة:
"أنت خايف تقوله، أنا هطلع أصحيه وأقوله؟"
أستوقفها "عُمر" بضيق شديد خائفٍ من غضب رئيسه وهو أصبح أشرس وحدته تأذي الجميع قائلًا:
"أهدئي يا فاتن هتقوليله أى؟ هو مش مهتم ومش عايز يسمع عنها، كل ما حد يجيب سيرتها يزعيق فيه."
تأففت "فاتن" بضيق وسحبت ذراعها من "عُمر" وقالت:
"صاحب العقل يميز، لو هو مش مهتم بيها مكنش خلى حد من رجالته يراقبوها ويفضل حاططها تحت عينيه متبقاش عبيط يا عُمر، هو بيكابر بس ... أوعي بقي كدة وخليني أطلع له."
تأفف "عُمر" بضيق وقال بخفوت بحيرة:
"أستني بس هتقوليله أى؟ دا أنا خايف أقوله ومعرفش هبدأ منين ولا هجيبها أزاى؟"
رفعت "فاتن" حاجبها بغرور وقالت بعفوية شديدة:
"هى محتاج هتجيبيها أزاى، هطلع أصحيه وأقول وش كدة، مدام قُسم تعبانة ومحجوزة فى المستشفي خبط لزق كدة و......"
قاطعها صوته القوي من الأعلى يقول بصدمة ألجمته مما سمعه:
"إنتِ قُلتِ اى؟"
ألتف الأثنين إليه ليروا "غفران" ينزل الدرج ركضًا من الخوف عليها ووجه مصدومًا من القلق مما أصابها وفى هذه الوهلة تحرك القلب ليخرس عقله المتكبر وتحجره بعد أن أنتفض القلب من الفزع خوفٍ على محبوبته ومعشوقته الوحيدة.
سأل بقلق:
"قُلتِ أى؟"
أبتلع كلاهما الخوف منه وخصيصٍ "عُمر" الذي فزع من وجوده وما سمعه فحقًا إذا كان الأمر يهمه سيقتله "غفران" فى مرضها.
رواية غفران هزمه العشق الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نور زيزو
وقف "عُمر" أمامه منكمشًا في ذاته بسبب الخوف، يضم يديه المتشابكتين للأمام ويطأطئ رأسه للأسفل متحاشيًا النظر إليه. نظرت "فاتن" إلى رأسه، وهي في خدمته منذ أن كان في الثانوية وتعرفه جيدًا، فلن يغفر هذا الخطأ أبدًا.
تحدثت بخفوت:
- لو خايف عليها، روح لها قبل فوات الأوان. متزودش عليها المواقف الصعبة اللي متلاقيقش فيها جنبها، لأن لما تتقابلوا وتتعاتبوا، هتعد كل المواقف دي وهتقول لك: "أنا كنت لوحدي وأنت مكنتش موجود".
رفع "غفران" حاجبه بغرور شديد ثم قال بحزم:
- اتجرأت أوي يا فاتن.
طأطأت رأسها هي الأخرى أرضًا من ردّه الحاد وألتزمت الصمت، مما جعله يحلق بهم الاثنين وقال:
- بقيتوا تقرروا المهم واللي مش مهم في حياتي، بتقرروا أرجع وأقول أي كأني ماليش لازمة وأنتم بتاخدوا قراراتي بدلي.
- محصلش يا...
قالها "عُمر" ليقاطعه "غفران" بحدة شديدة قائلًا:
- اخرس يا عُمر.
حدق الاثنين في أعين بعضهما بغضب ناري، ثم وقف "غفران" من مقعده ليقول:
- خلي سمير يجهز العربية، أنا طالع أغير هدومي.
صعد للأعلى، فنكز "عُمر" هذه المرأة في ذراعها بضيق ثم قال بخنق:
- عجبك كده؟ كله من لسانك يا فاتن.
تأففت بضيق من حديث "عُمر"، وعينيها عالقة بالدرج حيث صعد "غفران"، وقالت بلطف:
- بس في الآخر طلع يغير وهيروح لها.
***
توقفت "ليلي" بسيارتها أمام منزل "قُسم"، ثم ترجلت والدتها مع "قاسم" يساندان "قُسم" ويديها بها الكانولا الطبي. فأقترب "حازم" بسرعة من "صفية" وقال بلهفة:
- عنك يا مرات خالي، أنا هسندها.
دفعت "صفية" يده بضيق وهي تحمل بداخلها غضبًا يكفي ليزيده هذا الأحمق، وقالت:
- شكرًا يا سي حازم، مش عايز منك حاجة.
ترجلت "ليلي" بعد أن صفّت السيارة أمام العمارة وتحدثت بحدة مع "حازم" قائلة:
- هو أي تلزيق وخلاص، ما تخلي عندك اللي خلف كرامة.
اتسعت عيناه من شجاعة هذه الفتاة التي على وشك ضربه وسط الشارع، وقال بحدة:
- أي دا، إنتِ عبيطة يا بت ولا أي؟ إنتِ مين أصلًا؟
- أنا اللي هديكي بالشبشب على خلقتك لو محترمتش نفسك.
قالتها بحدة وجرأة لم تخشه أو تخشى سجله الإجرامي، بعد أن سمعت من "قُسم" حكايته سابقًا. دلفت معهم إلى العمارة وهي تسمع يصرخ من الخارج قائلًا:
- طب لو بنت راجل انزلي وأنا هوريكي مين اللي هيدي مين بالشبشب.
لم تجب عليه وصعدت للأعلى مع صديقتها وجعلتها ترتاح في سريرها، ثم خرجت من الغرفة تتحدث مع "صفية" و"جميل" الذي يجلس على الأريكة بسبب ضعف جسده:
- أنا هنزل أجيب لها الأدوية وأشوف أي حد في الصيدلية يعلق لها المحلول.
أوقفتها "صفية" بخوف من جلف "حازم" وقذرته حين مسكتها من يدها وقالت بقلق:
- لا، خليكِ إنتِ يا بنتي وقاسم هينزل هو راجل أهو، بلاش تنزلي إنتِ حازم قليل الأدب وأنا أخاف عليكِ.
تبسمت "ليلي" بعفوية دون خوف ثم قالت بشجاعة:
- متخافيش يا طنط، أنا بنت أه لكن بمية راجل. البنت اللي تنزل من بيتها وتحفر في الصخر زي الراجل وتعافر عشان لقمة العيش ميتخافش عليها.
ربتت "ليلي" على ذراعها بلطف وخرجت من الشقة، لتنادي "صفية" بقلق على طفلها وقالت:
- قاسم... ولا يا قاسم.
خرج من المرحاض بتعجل خائفًا أن يكون حدث شيء لأخته ويقول:
- أيوه يا ماما.
- أجري ألحق ليلي ومتسبهاش لوحدها لحد ما ترجعوا، أنا مش عايزة مشاكل مع حازم كفاية وقفت البنت معانا.
قالتها بجدية ليركض "قاسم" للخارج. نزلت "ليلي" الدرج بهدوء وهي تلعب في هاتفها وتتصل على "عُمر" حتى أجاب عليها وقالت:
- أي يا بيه، طب أتصل وأسأل عليا مش كده... اهتم يا عُمر شوية، هو أنا اللي هعلمك.
تحدث بضيق وهو يقف أمام سيارة "غفران" ينتظره بغضب:
- معلش يا ليلى، خبر مرض قُسم قلب الدنيا وخلّاه يشيط فينا كلنا.
تبسمت "ليلى" بلطف وقالت:
- لا يا سيدي طمنه، أنا لسه رايحة قُسم البيت والدكتور طمننا الضغط واطي شوية بسبب المجهود وقلة الأكل وعلقنا محاليل بسبب مقاطعتها للأكل.
خرج "غفران" من القصر مع حديثها، فتبسم "عُمر" بلطف وصعدوا للسيارة معًا وهو يقول:
- طب كويس طمنتيني يا ليلى، يعني أنتوا في البيت دلوقتي.
أومأت إليه بنعم وهي تخرج من العمارة في اللحظة التي وصل فيها "قاسم" إليها. وقفت أمام سيارتها بغضب يأكل قلبها حين رأت مرآة السيارة مكسورة، فكزت على أسنانها بغيظ وتحولت نبرتها الهادئة إلى غضب وقوية حين قالت:
- هو متخلف!!
أجابها "قاسم" بدهشة من فعل "حازم" وقال:
- حازم اللي كسرها مش كده.
ألتفتت إلى محل "حازم" ورأته يقف بالخارج مبتسمًا وهو يشاهدها، و"عُمر" يتحدث على الهاتف بقلق:
- في أي يا ليلى؟
لم تجب عليه بعد أن أنزلت الهاتف عن أذنها، ثم أقتربت من "حازم" بضيق شديد وقالت:
- أنت قد اللي عملته دا؟
- مش عملته يبقى قده، ولا إنتِ يا صعلوقة فاكرة إن الأفعال بوق وإنكِ تعرفي تديني بالشبشب.
رفعت سبابتها في وجهه ثم قالت بتهديد واضح:
- وأديك بالجزمة كمان لأنك راجل قليل الأدب... لا، راجل أي دا أنا آسفة للرجالة.
رفع يده من الغضب وأوشك على لطمتها، لكن وقف "قاسم" بالمنتصف ومسك يده بغضب ثم قال بتهديد:
- لحد هنا وكفاية... أنت راجل قليل الأدب ولم دنيتك كده عشان ميتقلش منك أكتر من كده... يلا يا ليلى.
أخذها بعيدًا عنه فقالت بضيق:
- يلا أي، دا كسر لي عربيتي والله ما هسكت.
- خلصنا بقي، هبقى أصلحهالك يا ستي من مصروفي.
قالها "قاسم" بضيق فضحكت رغمًا عنها من ردّه وتذكرت أن "عُمر" على الهاتف لتُجيب:
- عُمر.
اتسعت عيناها على مصراعيها حين صرخ في أذنها قائلًا:
- دا حازم صح؟
أومأت إليه بنعم، فضرب المقبض بيده وهو سمع إهانة خطيبته بنفسه وقال بحدة:
- متتحركيش من عندك يا ليلي، أنا جايلك.
- غفران بيه معاك؟
سألته بمكر وصوت هامس بعد أن دخل "قاسم" إلى الصيدلية، فأجابها "عُمر" بضيق وعيناه تحملق بـ "غفران" الذي يجلس في الخلف من المرآة:
- أه.
تحدثت بخباثة ونبرة عالية قوية:
- اه حازم كسر لي مراة العربية الغبي.
- وأنت أي اللي خلاكي تتعرضي لحازم عشان مجيش أفلق رأسك نصين.
قالها بغضب وهو لا يفهم ما ترمي له فتاته المشاغبة، ومجرد ذكر اسم "حازم" سرق انتباه "غفران" الذي يجلس في الخلف، فسحب الهاتف من أذن "عُمر" ليسأل بنفسه، لكنه قبل أن يسأل جاءه الجواب منها حين وضع الهاتف على أذنه وسمعها تقول:
- والله ما اتعرضت له يا عُمورة، هو اللي راجل قليل الأدب وكان عايز يشيل قُسم ويتلزق فيها وهي تعبانة وليه وليه إني بقول أحترم نفسك، شاط فيا وقل أدبه وكسر لي عربيتي ويقولي: "إنتِ مني أصلًا دي حبيبتي"... حبه برص الصراحة عصبني وهو بيقول عن قُسم حبيبته وبيصطاد في المية العكرة.
كان يستمع للحديث وأغلق قبضته بإحكام مما تقوله، وهذا الرجل يعترض طريق حبيبته وتجرأ على الرغبة في حملها وضمها، ولم يكتفِ بل يقول عنها حبيبة لقلبه، فكز على أسنانه من شدة الغضب ونار الغيرة تحرق قلبه من الداخل، فقال بحدة:
- هو قال كده.
انتفضت من مكانها حين سمعت صوته، فهي تحدثت حتى ينقل "عُمر" الحديث له ولم يسمعه بنفسه، وقشعر جسدها بقوة من صوته القوي، ثم تلعثمت في حديثها قائلة:
- اه وأكتر والله يا مسيو غفران.
خرج "قاسم" من الصيدلية وقال:
- يلا بينا، البنت دي هتيجي تعلق لها المحلول.
أومأ إليه بنعم وصارت مع "قاسم" للمنزل ومعه الفتاة. تحدث "قاسم" بحدة قائلًا:
- لما نوصل ملاقكيش دعوة بحازم، مش هحوشه عنك تاني هسيبه يضربك.
- طب خليه يجرب يضربني وأنا أقطع له إيده.
قالتها بعناد ليُجيب "قاسم" بحدة:
- ما خلصنا بقي، هو شوية إنتِ وشوية قُسم، أرحموني أنا بقيت عامل زي البود جارد وموريش غير خناق مع حازم.
كانت "ليلى" تستمع لأنفاسه الغاضبة في الهاتف وهو على وشك التهام "حازم" من أفعاله لتقول بخباثة:
- ما هو اللي راجل زبالة وبيصطاد في المية العكرة وعمال يتلزق في قُسم، ما يخلي عنده دم واحدة ومش عايزاه.
- بس هو هيموت عليها، واه معندوش دم يا ليلى، بس حازم عمره ما سابها في ضيقة زي ما البيه بتاعكم عمل وسابها. ولو حازم بيصطاد في المية العكرة يبقى سي غفران بتاعكم هو اللي عكرها وفتح له الباب إنه يتلزق لما ساب قُسم. حازم زبالة وفيه كل العبر المعفنة، لكن البيه بتاعكم أزبل منه ودس على قلبها بالجزمة وبجبروته.
قالها بضيق مما أشعل نيران غضب "غفران" أكثر، وهذا الولد يقارنه بحثالة كـ "حازم"، بل يفضل الحثالة عنه. أنهى الاتصال مع وصول سيارته أمام منزلها ليرى "ليلى" التي تعرف عليها من ملابسها تقترب من المنزل مع "قاسم" والصيدلانية. تحدث "عُمر" بهدوء قائلًا:
- ممكن أنزلها.
- حقك.
قالها بهدوء وجلس يقرب الوضع من بعيد. وهناك رجال كثيرة لا يستطيع أن يميز "حازم" منهم، لكن مع وصول "عُمر" سيعرفه جيدًا، فحتمًا سيرد "عُمر" حق محبوبته. رأت "عُمر" أمامها فتبسمت بعفوية وقالت:
- عُمر.
- بدأنا.. تعالي يا دكتورة.
قالها "قاسم" وصعد مع الفتاة. وقف "عُمر" يحلق بفتاته وبسمتها تنير وجهه بينما هو الغضب يحتله. حلق في سيارتها والمرآة المكسورة على الأرض وتذكر فرحتها حين اشترت سيارتها بالتقسيط من شركة "غفران" ورفضت أخذها كمكافأة، وهذا الأحمق تجرأ على كسرها. سألها بهدوء شديد:
- هو اللي كسرها؟
تلاشت بسمتها بلطف وخوف، فهل جاء لأفتعال شجار؟ لتقول:
- خلاص يا عُمر، أنا هزيته بما يكفي.
أخذ المرآة من الأرض بهدوء وأقترب من "حازم" وحين وقف أمامه، عرف "غفران" أخيرًا من هؤلاء هذا الأحمق الذي يتصدر لحبيبته وتجرأ على طلب حملها. وقف "عُمر" أمام "حازم" بالمرآة وقال بهدوء يكبح خلفه بركان غضبه:
- أنت اللي كسرت المرآة؟
نظر إلى "ليلى" بضيق ولم يكن يعرف أنها حبيبة هذا الرجل، لكنه يتذكر وجه "عُمر" جيدًا، فهذا الرجل هو من ضربه وأوشك على قتله بأمر من "غفران". رفع رأسه بغرور مصطنع وقال:
- اه عشان متطولش لسانها بعد كده وتتعلم...
لم يكمل كلمته بسبب لكمة "عُمر" التي أوقعته على الكرسي الخشبي الذي كان يجلس عليه، فمسكه "عُمر" من قميصه مرة أخرى وقال:
- أنا بقى لازم أعلمك متطولش لسانك ولا عينيك على واحدة.
لكمه مرة أخرى وبدأ الجميع يتجمعون حولهم وصوت الشجار ملأ المكان، و"عُمر" لم يغفر له أو يرفق به للحظة، فظل يلكمه بقوة وقال:
- ما دام البلطجة هي الحل عندك، أنا بقى جاي أربيك التربية اللي خلفوك مربوهالكش، عشان لو كنت اتربيت كنت عرفت إنك متستقويش عضلاتك على بنت.
لكمة مرة أخرى وقال بجدية:
- هي البلطجة الحل لأمثالك.
أخذها من يدها إلى السيارة وشغل محركها بقوة، وهي تقول بقلق:
- أنت هتعمل إيه يا عُمر؟
لم يُجبها بل أدار السيارة ودخل بها في محل "حازم" الزجاجي حتى أصبح مجرد حفرة من الزجاج المنثور. نظر من النافذة على "حازم" وهو جالسًا على الأرض من كثرة الضرب وقال ببرود شديد مقلدًا إياه:
- سوري عشان تتعلم متطولش لسانك بعد كده.
غادر بالسيارة مع محبوبته بعد أن هدم المحل على رأس "حازم" فقط مقابل مرآة سيارتها، فلم يخلق بعد من يتجرأ على محبوبته. ورغم دهشة "ليلى" مما فعله الآن ومشاهدتها لـ "عُمر" وهو يضربه، لكنها قطعت الصمت بينهما بضحكة قوية، فنظر إليها وهو يقود السيارة بدهشة من سبب ضحكها:
- بتضحكي على إيه؟
- عُمر أنت بتضرب حلو أوي، وشكلك مثير جدًا وأنت بتضرب.
قالتها بحماس شديد وسعادة تغمرها، فأوقف السيارة جانبًا ونزع حزام الأمان بينما يقترب منها بعفوية وقد تلاشى غضبه الآن. قال بنبرة هادئة وعيناه تحملق بفتاته المشاغبة:
- شكلي إيه؟
تنحنحت بحرج منه وعيناها تتجول بعيدًا عنه بعد أن احمرت وجنتاها من شدة الخجل وقالت بهمس:
- بس يا عُمر، اتلم.
تأفف بضيق شديد مصطنع ثم عاد إلى مقعده وقال:
- اتلم يا عمر... اتلمت أه.
ضحكت بعفوية خجلة من قربه، لينظر إلى بسمتها الجميلة التي أثرت قلبه، فشغل محرك السيارة من جديد وقال بحماس:
- لا مش قادر على كده، أنا لازم أحدد ميعاد للفرح ده عشان مش هحوش نفسي أكتر من كده.
- أنت مجنون.
غمز إليها بحب وقال:
- بيكي.
أخذ يدها في يده وتشابكت بإحكام في عناق طويل دافئ. ظل "غفران" يراقب منزلها من بعيد، وخصوصًا بعد أن طلعت محبوبته من النافذة مع صوت تكسير المحل والزجاج. رآها تقف في الأعلى ويدها بها المحلول الطبي بسبب مرضها. ظل يحلق بها باشتياق ناري يحرق صدره الآن، لتسرق منه النظر إليها حين عادت للداخل، فتحدث بهدوء:
- اطلع يا سمير.
أومأ إليه بنعم وتحرك بالسيارة، بينما "غفران" يغمض عينيه يسترخي. عاد للقصر وكانت "نالا" تتحرك ببطء شديد وخلفها "همس" تراقب حركاتها، وبمجرد أن رأى "نالا" قال بحدة:
- فاتن.
جاءت ركضًا من الداخل ليقول بغضب:
- خدي نالا وديها لأمها، أنا مش عايزها في قصري.
عقدت "فاتن" حاجبيها بعدم فهم وقالت متمتمة:
- أمها إيه؟ الله يرحمها.
- نالا أمها قُسم.
قالها بحدة ويكز على أسنانه بغضب سافر، ومنذ أن دخلت "قُسم" حياته وأصبحت هي أم "نالا"، فأومأت إليه بنعم وقالت:
- حاضر الصبح أوديها.
صعد إلى الأعلى وألقى بجسده على الفراش بتعب شديد ونظر إلى صورة "قُسم" الموجود على الحائط باشتياق وجسده مُنهك من الفراق ولم يعد يحتمل هذا البُعد.
***
توقفت سيارة "نورهان" أمام الشركة لتترجل "نورهان" منها و"رزان" تغلق الباب وراءها. تقدمت "نورهان" خطوتين فأهتز جسدها بتعب وبدون مقدمات سابقة سقطت على الأرض فاقدة للوعي، مما جعل "رزان" تصرخ بذعر وتجمع رجال الأمن حولها وهي على الأرض فاقدة للوعي. فصرخت "رزان" في رجال الأمن ليحملوها قائلة:
- هاتوها على العربية بسرعة.
وضعوها في السيارة وأنطلقت "رزان" بسرعة جنونية على المستشفى، فوحدها من تعرف بمرضها والخوف تملكها أن يكون الورم قد بدأ يقتلها بالبطئ.
***
وقفت "قُسم" أمام "فاتن" بدهشة و"نالا" معها، مندهشة من طرده لطفلته وهو لا يرغب بها. تحدثت "فاتن" تقاطع شروده وصدمتها:
- أنا مقدرش أرجع بيها، غفران بيه حالف لو رجعت بيها أنا وهي هنحصل كندة.
تحدثت "صفية" بحدة صارمة قائلة:
- ما يكش تموتوا إحنا مالنا، مش كفاية اللي عملوه في بنتي كمان هربوا له بنته.
قاطعت "قُسم" بحزن شديد قائلة:
- نالا بنتي يا ماما، ومحدش بيرمي ضناه.
فتحت ذراعيها بتعب إلى الطفلة لتركض "نالا" إليها تعانق نصفها السفلي باستماتة، حتى سمعت "صفية" تقول:
- ما هو بيرمي ضناه أهو.
- وحشتيني يا مامي.
قالتها الطفلة بهدوء لتدمع عيني "قُسم" بحزن، فكل ما حدث فقط لأنها تمنت طفل صغير يناديها بماما، والآن قد خسرته وخسرت حبيبها، لكن جاءت هذه الطفلة تعوضها عن الوجع القائم بداخلها، فجلست على ركبتيها بلطف وقالت:
- حقك عليا، أنا كان لازم آخدك وأنا ماشية، أنا آسفة إني سبتك هنا مع راجل ميعرفش يعني إيه يحافظ على حبايبي.
- أحم أنا لازم أرجع القصر، خلي بالك من نفسك يا مدام قُسم.
أومأت إليها بنعم لتغادر "فاتن"، فحملت "قُسم" الطفلة على ذراعيها رغم تعبها فلم تشفى بعد. تنهدت "صفية" بضيق وقالت:
- والله ما حد هيشيلني غيرك يا قُسم.
دلفت "قُسم" الفراش بتعب وصعدت به لتنام، فجلست "نالا" قربها وبدأت تمسح على رأسها بحنان وقالت:
- متزعليش يا مامي.
هزت "قُسم" رأسها بنعم، فضمتها "نالا" بسعادة وحنان يغمر قلبها البريء.
***
وصل "غفران" للمستشفى هادئًا بعد أن وصل إليه خبر نقل والدته إلى المستشفى وهو لا يبالي شيئًا. فقابلت "رزان" تبكي بقوة وشهقاتها تملأ المكان مع أخته "تيا" التي جاءت إلى المستشفى مثله بعد أن اتصلت "رزان" بها. تحدثت "رزان" بهدوء:
- دكتورة نورهان عايزة تتكلم معاك.
- متخافيش يا رزان، دكتورة بسبع أرواح.
قالها ببرود شديد ودلف إلى غرفة والدته ليجدها نائمة على الفراش والأجهزة تحيط بها. سحب المقعد وجلس بجوار والدته ليقول ببرود:
- قالولي إنكِ عايزة تقابلني ضروري.
حدقت بأبنها، ورغم حالتها السيئة وهي تصارع الموت أمامه، لكنه ما زال باردًا معها ولم يهتم لأمرها، فقالت بتعب:
- أنا السبب في قسوتك دي، لو أنا السبب يبقى أنا أستاهل معاملتك دي.
صمت ولم يُجيب عليها، فقالت متمتمة:
- أنا عمري ما كرهتك يا غفران، عمري ما قسيت عليك ولا بعدت عنك، مفيش أم بتكره عيالها.
- مكنتش القطة أكلت عيالها.
قالها ببرود شديد، لتقول بجدية:
- القطة بتأكل عيالها عشان فاكرة إنها كده بتحميهم من قسوة العالم. ما علينا عشان أنا ما أحبش إنك تشوفني كده، خلي رزان توديك الصحراوي، الناس اللي هناك أديهم فلوس كتير تأمن حياتهم وفض المسكن كله واديهم حريتهم.
- نعم.
لم يفهم شيء من حديثها، فقالت بهدوء:
- أنا لو طلبت كده من تيا هتأخدهم ليها وهتتعامل معاها بشر. أنا عارفة إنك مش هتقابل بالأعمال دي وعارفة إن قوتك في طريقك المضبوط. دي أمانة، وأدي رزان فلوس كتير يا غفران، امن لها حياتها الجاية كلها مقابل خدمتها ليا، شالتني وعيطت عليا أكتر من عيالي اللي المفروض يورثوني.
تنحنح بهدوء وهو يستمع لوالدته التي تنقل له وصيتها وكأنها تودعه، فقال ببرود:
- إنتِ هتقومي يا دكتورة ولما تقومي أعملي اللي عايزاه كله وأبقى احرمني من الورث لأني معيطتش عليكِ.
ضحكت بخفة عليه وقالت:
- قال يعني غفران الحديدي محتاج إنه يورثني، أنت اسمك لوحده ثروة. أنت تملك ثروة أنا وأبوك وأجدادنا معملنهاش، أنا معملتش ربع ثروتك لكني عملت الصحراوي اللي يدوس على أي حد يقف قصادي... رجالة تأكل الحديد.
- بعدين!!
تحدثت بحزن شديد ونبرة دافئة كانها تودعه وداعها الأخير:
- متزعلش مني يا غفران، أنا حقيقي عمري ما عرفت إني أذيتك أوي كده، أنا مش مدركة شعورك وأنت قاعد قصادي ومش قادر تشوفني ولا قادرة أستوعب إن طول السنين دي والعمر كله بتعاني بسبب أمك الغبية، لكن صدقني وقتها أنا كنت مكسورة وموجوعة من خيانة أبوك، مكنش قصدي أذيك.
- كلنا بنغلط ونقول مكنش قصدي، مبتفرقش كتير يا دكتورة.
قالها بهدوء، فدمعت عينيها بحسرة وقالت:
- حتى دلوقتي رافض تقولها، قولي يا أمي مرة واحدة يا غفران، أنا أمك.
- أنا أمي راحت مع عيني اللي راحت.
قالها بقسوة وتحجر قلب، لتدمع عينيها أكثر وقالت:
- مش مهم، مش مهم أنا برضه مش زعلان منك وبتمنى ربنا يعوضك بعيل عشان تعرف غلاوة الضنى يا غفران، يمكن وقتها تسامحني مع إنّي جايباك هنا عشان نفسي تسامحني، مش عايزة أمشي من هنا وأنت زعلان مني، سامحني.
وقف لكي يغادر الغرفة ببرود مشاعر وهو لم يرى عينيها المنكسرة بفضلها، لم ولن يجرأ على رؤية شيء من الملامح. دلفت "رزان" و"تيا" إليها، وقبل أن يغادر الرواق سمع صراخ أخته وهي تنادي باسم أمها، ليدرك أن هذا كان اللقاء الأخير وكلماتها الأخيرة كانت طلبت الغفران، لكنه أخر شخص يستطيع فعل ذلك، فلم يكن كاسمه "غفران".
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نور زيزو
خرج "قاسم" مع والده من المسجد بعد صلاة العشاء، وكان "جميل" متكئًا على ابنه ويمشي ببطء.
قال:
_ تيجي نقعد على القهوة شوية.
قال "قاسم" بتذمر:
_ بابا بقولك إيه، أنا ضيعت الماتش اللي حجزته عشان أجيبك تصلي في الجامع، هتضيع بقى الوقت في القهاوي، هسيبك وأمشي.
ليُجيب عليه "جميل" وهو يضرب كتفه بغضب:
_ ماتش كورة إيه اللي أهم من الصلاة يا بهيم أنت.
تذمر "قاسم" بزمجرة قائلًا:
_ هتخليني أكفر يا عم، أنا قلت دلوقتي أهم من الصلاة، أمشي يا بابا، أمشي يا حبيبي.
قال بجدية وهما يمرون من أمام محل "حازم" المغلق بعد هدمه في المشاجرة الأخيرة:
_ يا بني كفاية كورة وانتبه لمذاكرتك، خف شوية عن أختك اللي شايلة الحمل لوحدها.
قال "قاسم" بجدية:
_ حاضر هذاكر، حاضر بس...
قاطعه صوت "حازم" من الخلف ينادي عليه قائلًا:
_ عم جميل.
التف "جميل" إلى الصوت وحدق بـ "حازم" ومعه "قاسم" الذي أشأز لمجرد رؤيته.
قال بضيق:
_ خير يا سي حازم، خناقة جديدة؟
قال "جميل" بجدية:
_ أتلم يا قاسم، عايز إيه يا حازم؟
أقترب "حازم" بهدوء منهما وتحدث بنبرة هادئة واحترام شديد:
_ ممكن أطلع أتكلم مع حضرتك شوية؟
قال "قاسم" بحدة:
_ دا إيه الأدب دا كله، مش لايق عليك.
فنكزه "جميل" بغضب من عصيانه له وقال بحزم:
_ أخرس يا قاسم، قول اللي عايزة يا حازم، لأني مش هدخلك بيتي.
تنحنح "حازم" بلطف وتوتر ثم جمع شجاعته وقال:
_ أنا طالب منك إيد قُسم، وبعزة وجلال الله لأحافظ عليها و...
قاطعه "قاسم" بانفعال شديد حين مسك لياقة قميصه بغضب أكبر وقال:
_ أنت مجنون يالا ولا هي هبت منك على الأخرى، قُسم مين دي اللي تتجوزها يا زبالة.
سحبه "جميل" بقوة وهي يقول بضيق:
_ خلاص يا قاسم بقى... سيبه. الراجل معملش حاجة غلط ودخل البيت من بابه.
رمقه "قاسم" بدهشة وقال بتذمر:
_ أنت بتقول إيه يا بابا؟
قال بحزم:
_ بقول سيبه يا قاسم وأمشي، اطلع فوق. وأنت يا حازم شوف لك حد غير بنتي، أنا بنتي مش ليك.
ثم صعد مع ابنه إلى الأعلى.
قرأت "قُسم" خبر وفاة "نورهان" على مواقع التواصل الاجتماعي مما أدهشها وجعل قلبها ينقبض ذعرًا.
فتحت "صفية" باب غرفتها بصدمة وقالت:
_ حقيقي الكلام اللي الواد قاسم ده قاله؟
تركت "قُسم" الهاتف جانبًا وقالت:
_ قال إيه؟
نظر في الكتاب مع "نالا" وهي تذاكر بجوارها وقالت بلطف:
_ دي غلط يا نالا، عدي من تاني.
قاطعتها "صفية" تقول بجدية وحزن:
_ نورهان ماتت.
رفعت "قُسم" رأسها إلى والدتها بحزن وتنهدت بضيق ثم قالت:
_ آه يا ماما، لسه قرأت الخبر على الفيس، الله يرحمها.
تحدثت "نالا" بذعر وتلعثم طفولي:
_ نانا!!
نظرت "قُسم" إلى الطفلة بدهشة ولم تنتبه لوجودها، فبدأت "نالا" تبكي بحزن على "نورهان" وانهيار، فقالت:
_ أهدئي يا نالا، بطلي عياط.
قالتها بحزن وبكاء شديد فمسكت في ملابس "قُسم" بحزن وقالت بضيق:
_ قومي وديني لبابي... قومي وديني عندهم يلا.
قالتها بعناد فمسكتها "قُسم" بحزن فهي لن تذهب إلى هناك نهائيًا وقالت:
_ أهدئي يا نالا طيب وبكرة أوديكي.
هزت رأسها بالنفي رافضة الانتظار وقالت:
_ لا، لا يعني لا، قومي وديني لبابي دلوقتي.
قالتها "صفية" بحدة صارمة فأجابتها "نالا" بصراخ طفولي:
_ لا، إنتِ كذابة ومش هتوديني، أصلاً إنتِ مش بتحبيني وبتكرهيني.
قالتها "قُسم" بصراخ بعد أن تحدثت الطفلة بهذه الطريقة مع والدتها، فغضبت "نالا" منها بعد أن صرخت وقالت:
_ أنا بكرهك، أصلاً إنتِ مش مامي وفاتن هي اللي قالت لي أقولك مامي هي وبابي، إنتِ مش مامي وأنا بكرهك.
ركضت "نالا" من أمامها وسط دهشة "قُسم" من حديث "نالا" وهي تتحدث عن الكره، فتركت الكتاب من يدها وخرجت خلف طفلتها الصغيرة لتراها تختبئ تحت السفرة وتبكي بحزن وشهقاتها تملأ المكان، فجلست "قُسم" أرضًا بجوار السفرة وقالت:
_ بس أنا بحبك، آه مش أمك بس أنا بحبك وهوديكي تشوفي بابا.
رفعت "نالا" المفرش وأخرجت رأسها لتنظر إلى "قُسم" بحزن شديد وسألتها بتردد:
_ هتوديني بجد؟
أومأت "قُسم" إليها بنعم، فخرجت "نالا" زحفًا إلى "قُسم" وعانقتها بحب شديد ثم قالت:
_ سوري، أوعدك مش هقول الكلام الوحش ده تاني.
تبسمت "قُسم" بلطف وهي تطوق الفتاة بحب شديد، فلم يتبق لها سوى هذه الفتاة، ساعدت "نالا" في ارتداء الملابس وأرتدت هي فستان أسود طويلًا بأكمام ومغلق بأزرار من الرقبة إلى الخصر وأسدلت شعرها الكستنائي على الجانبين حرية وأرتدت بقدميها حذاء رياضي أبيض.
خرجت من الغرفة مع طفلتها ورأت والدها يجلس على السفرة مع أمها وقال بحدة:
_ رايحة فين يا قُسم؟
نظرت "قُسم" إلى أمه وهي قد أخبرت والدها بالفعل ثم قالت:
_ نالا عايزة تشوف أبوها، حقها يا بابا.
قالها بحدة صارمة فنظرت "قُسم" إلى "نالا" التي تمسك يدها بخوف بعد معارضة "جميل" وشعرت أنها لن ترى والدها اليوم بعد أن فرحت بهذا اللقاء، تنحنحت "قُسم" بلطف وقالت:
_ غفران مش هيأكلني يا بابا لو شافني، وأنا مش هتأخر.
قالها بحزم فأومأت إليه بنعم وأخذت الطفلة لتذهب إلى باب الشقة، فأستوقفها مجددًا وقال:
_ قُسم!!
أستدارت إلى والدها وحدقت "نالا" بوجه "جميل" بخوف من أن يمنعها، تحدث "جميل" بنبرة حادة:
_ لما ترجعي أنا عايزك في موضوع.
شعرت بالفضول وخصيصًا بعد أن تحدث "قاسم" بغضب قائلاً:
_ ما خلاص بقى يا بابا وقفل على الموضوع.
قال "جميل" بهدوء شديد:
_ حازم طلب إيدك مني.
أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها وأخرجتها عن سيطرتها حين صرخت بغضب:
_ يتجوزني، وأي كمان يا بابا، ويا ترى هيأخدني ببنتي ولا هيقولي مربيش بنت راجل تاني، ويا ترى عرض فيا كام، حازم ده لو آخر راجل في العالم أنا مستحيل أتجوزه وأقفل الموضوع ده نهائي.
خرجت من الشقة غاضبة وبداخلها نار بركاني وترجلت للأسفل لترى "ليلى" بسيارتها على أول الشارع بعد مشاجرتها مع "حازم"، فتحت الباب الخلفي للسيارة وجعلت "نالا" تركب ثم صعدت هي بجوار "ليلى" ثم قالت:
_ معلش يا ليلى تعبتك معايا.
قالتها "ليلى" وأنطلقت إلى القصر، وقبل أن تدخل الكمبوند أوقفتها "قُسم" تقول:
_ استني يا ليلى، أنا هنزل أستناكم هنا، نالا هتدخلي مع ليلى تشوفي بابا وتقعدي معاه ومتتأخريش عشان مامي واقفة في الشارع لوحدها عشان محدش يضايقها، اتفقنا.
أومأت إليها بنعم، فنظرت إلى صديقتها وقالت:
_ متتأخريش يا ليلى وخلي بالك منها.
قالتها "ليلى" بلطف ثم ترجلت "قُسم" من السيارة، لتنظر "نالا" من النافذة وقالت بسعادة:
_ I love you mum.
تبسمت "قُسم" إليها ولوحت بيدها إلى صغيرتها، أنطلقت "ليلى" بالسيارة حتى وصلت للقصر فأستقبلتها "فاتن" برحب هي والصغيرة، فسألت "نالا" بحماس عن والدها:
_ بابي فين؟
قالتها "فاتن" لكن لم تُجيب الطفلة عليها وركضت إلى المكتب بحماس وفتحت باب المكتب تنادي عليه بلطف:
_ بابي... بابي.
دهش "غفران" من ظهور طفلته الآن، وهكذا "عمر" الذي سأل بفزع:
_ أنتِ جيتي إزاي؟
حدثته بعفوية وهي تلف حول المكتب حيث يجلس والدها:
_ مع مامي وليلى.
أتسعت عينه على مصراعيها من قدومها بعد فراق دام إلى شهرين تقريبًا، الآن تنازلت عن عنادها وجاءت إلى قصره لأجل طفلته الصغيرة، فسأل بتمتمة:
_ مامي معاكِ؟
قالتها ببراءة، فنظر إلى "عمر" الذي قال بحزم:
_ أنا هفهم من ليلى.
خرج من الغرفة ليحمل "غفران" صغيرته كي تجلس على قدميه وحدق بوجهها الضبابي ثم قال بلطف:
_ إيه اللي جابك يا نالا؟
قالتها بعبوس وتلألأت الدموع في عينيها، فجفف دموع صغيرته بحنان وقال:
_ قولي ربنا يرحمها واقرأ لها الفاتحة، مش إنتِ حافظاها؟
قالتها بعفوية فتبسم بخفة رغمًا عن وجعه الذي أحرق قلبه الآن من أجل فراقها وقال:
_ أوعي تكوني بتتعبي قُسم معاكِ أو بتزعليها.
هزت الطفلة رأسها بالنفي ببراءة وقالت:
_ والله أبدًا يا بابي، أنا بسمع كل كلامها وبروح المدرسة وبذاكر، بس هي على طول زعلانة وبتعيط، بس مش أنا السبب، هي بتعيط لوحدها وبتتخانق مع جدو جميل.
تنحنح بألم يعتصر قلبه من حزن فتاته وهي من جلبت لهما هذا العذاب وفتحت أبواب الفراق بيديها إلى قلوبهما، أخذ وجه صغيرته بين يديه بحب وقال بلطف خائفًا أن يكون وجود طفلته هناك يسبب لها المعاناة:
_ بتتخانق معاه عشان...
هزت رأسها بنعم.
وقالت ببراءة وهي لا تفهم حجم الكارثة التي تتفوه بها أمامه:
_ لا، بسبب واحد اسمه حازم عايز يتجوزها.
أتسعت عيني "غفران" على مصراعيها من هول الصدمة وأنزل طفلته عن قدميه بقوة بعد أن وقف من مكانه غاضبًا ثم قال:
_ يتجوزها!!
قالتها الطفلة ببراءة وهي لا تفهم أنها سحبت فتيلة القنبلة التي ستقتل والدها في الحال، خرج من المكتب غاضبًا ورأى "ليلى" تقف مع "عمر" فقال بحدة:
_ عمر!
أستدار إليه بدهشة من صرخته وقال:
_ نعم.
قال بحدة:
_ روح هات قُسم من البوابة ولو مجتش معاك بالذوق هاتها بالعافية.
أتسعت عيني "ليلى" على مصراعيها من غضبه وطلبه إليها، لم يفهم "عمر" سبب طلبه لكنه متأكد أن الصغيرة قالت له شيء جعلته يجن هكذا، أومأ إليه بنعم وذهب بسيارته إلى حيث تقف "قُسم".
كانت "تيا" جالسة في غرفتها تبكي بحزن على فراق والدتها وبجوارها طفلها الصغير يبكي بقوة من الجوع وهي لا تبالي به حتى دلفت إليها الخادمة تقول:
_ الولد هيموت من كتر العياط.
قالتها بصراخ لتحمل الخادمة الطفل من فوق الفراش وركضت للخارج مسرعة وهي ترى "تيا" حالتها تسوء أكثر وأكثر بعد وفاة والدتها ثم قالت:
_ ربنا يستر، دي حاجة ميتسكتش عليها، أنا لازم أكلم غفران بيه.
كانت "قُسم" تقف على الطريق منتظرة خروج "ليلى" لترحل وقد تجاوزت الساعة العاشرة مساءً ولم تأتي بعد، رأت البوابة تفتح فلهفت لخروج "ليلى" لكنها صدمت من ظهور سيارة "عمر" التي توقفت أمامها، فأبتلعت لعابها بهدوء وحدقت به، ترجل من السيارة وقال:
_ أزيك يا مدام قُسم.
قالتها ببرود شديد، رأت رجلين يترجلان من السيارة فحدقت بـ "عمر" بقلق وقالت:
_ نعم.
تنحنح بهدوء ثم قال:
_ أنا عندي أمر آخدك على القصر بالرضا أو بالغصب، فرجاءً وإنتِ أكتر واحدة عارفة أمره يعني إيه؟ اركبي معايا.
رفعت حاجبها بدهشة وضحكت بسخرية ثم قالت:
_ أمره ده عليك، لكن أنا لا.
قال بحدة ثم قال:
_ اركبي.
لم تبالي به وعقدت ذراعيها أمام صدرها بعناد ليُشير إلى رجاله بأخذها فصرخت بهما بعناد:
_ أنت اتجننت يا عمر، ده اسمه خطف.
لم يبالي بحديثها ليُركبها الرجال السيارة بالقوة وهم معها ليعود إلى القصر، دلفت معهم وهم يمسكون ذراعها بالقوة وتصرخ بهم:
_ والله لأسجننك يا عمر أنت واللي مشغلك.
رأته يقف أمامها وبمجرد رؤيته تركها الرجال بخوف منه وهم يلمسونها، حدقت به بضيق وأنفاسها تعلو من الغضب، أقترب منها ببرود شديد وقال:
_ اسجنني يا قُسم... بس تهمتي إيه يا ترى؟
قالتها بعناد شديد وتحدي يغمرها، أقترب منها خطوة بكبرياء وقال ببرود:
_ هي فين الأنثى دي؟
ضربته بقبضتها على لكمته وهو يقلل من شأنها فتألم بخفة من قبضتها وقال:
_ آآه.. إنتِ اتعلمتي لعب الملاكمة؟
قالتها بقوة وعينيها يتطاير منها الغضب والشر غاضبة من سيطرته عليها وهو يعاملها كجارية لديه يفعل بها ما يشاء، تبسم بكبرياء وعقد يديه خلف ظهره بهدوء وقال:
_ خاطفني.. كده عرفنا إن إنتِ الأنثى، نجي بقى لتهمة الخطف، أعتقد أن مفيش حد بيخطف مراته يا قُسم هانم.
أخذ خطوة نحوه بقوة وشجاعة ثم قالت بحدة صارمة وهي ترفع سبابتها في وجهه:
_ طليقته، أنا طليقك.
تبسم بمكر شديد ووضع يديه في جيوبه بغرور متفاخرًا بذكائه وقال:
_ أثبتي.
أندهشت من كلمته وتراجعت عن شجاعتها بعدم فهم وقالت بأستفهام:
_ قصدك إيه؟ ما أنت طلقتني هي دي فيها أثبتي؟
رفع خصلات شعرها بسبابته ببرود شديد وقال ببسمة شيطانية:
_ يعني مثلًا معاكِ مني قسيمة طلاق، طلقتك عند مأذون.
أتسعت عينيها بصدمة ألجمتها وضربت يده بعيدًا عن وجهها بغضب وقالت بضيق وخنق من لفه في الحدين:
_ ما تبطل لف ودوران وتقول عايز إيه؟
قال بجدية صارمة ثم سحبها من ذراعها بقوة وقد ترك العنان لغضبه ونيران الغيرة تلتهمها الآن من أفعالها قائلاً:
_ يعني ميحقلكيش تفكري في راجل غيري ولا يتجرأ راجل خلقه ربنا أنه يفكر يتجوزك، إنتِ لسه على اسمي وهتموتي وإنتِ على اسمي.
أبتلعت لعابها بخوف شديد من نبرته القاسية وحدتها معها متألمة من يده التي تعتصر ذراعها في يده وقالت:
_ أنت أكيد مجنون، أنت همك الناس، أنت قصاد ربنا طلقتني، هحتاج إيه أكتر من كده.
تبسم بسخرية وقال:
_ ردتك يا ست قُسم.
قالتها بصراخ وعناد ليُجيب بنبرة أكثر حدة وخشنة:
_ وأنا مبأخدش أمرك ولا رأيك، لأن رأيك مالهوش لازمة، امشي غورى على فوق وأنا ليا حساب مع الزبالة اللي عقله صوره له أن ممكن يتجوزك واتجرأ وطلبك.
قالتها بعناد ليدفعها بقوة نحو "فاتن" وصرخ بغضب جنون أرعب الجميع قائلاً:
_ خدي من خلقتي قبل ما أرتكب جناية فيها، هي تقريبًا مش فاهمة ولا واعية، هي متجوزة مني، ورحمة أبويا يا قُسم لأوريكي عذاب مشوفتهوش في حياتك وأخلي ليكِ القصر ده سجنك، غورى.
دفعت "فاتن" بعناد أكثر وقالت بصرخ وهي لا تخشى صراخه وغضبه:
_ أوعي كده، أنا مش طالعة أنا هرجع بيت أهلي، أنت فاكرني الجارية اللي اشتراك أبوك تطلقني بمزاجك وترجعني بمزاجك.
أستدار من جديد إليها بنظرة ثاقبة كالصقر الذي على وشك ألتهام فريسته فتنحنحت بخوف من نظرته ومسكت ذراع "فاتن" ورغم غضب عقلها من طريقة رجوعها إليه لكن قلبها الأحمق يرفرف فرحًا من الداخل لأجل رجوعها وكونها زوجته رغم كل شيء، هذا الأيسر الأحمق يتراقص كالبلهاء بداخل وينبض بجنون داخلها مشتاقًا لضمته إليها، تحدثت "فاتن" بلطف وقالت:
_ استعيذي بالله من الشيطان الرجيم يا بنتي وأطلعي دلوقتي.
قالتها بعناد فأقترب "غفران" خطوة نحوها لتركض وحدها للأعلى بخوف منه فتبسم على عفويتها وركضها فألتف إلى المكتب وهو يقول:
_ مبتجيش غير بالعين الحمراء.
دق باب القصر ودلفت الخادمة التي تعمل في قصر "تيا" وطلبت من "فاتن" مقابلة "غفران"، فأخذتها إلى مكتبه لتقول:
_ مش فاهم يعنى تيا مالها؟
قال "غفران" ببرود وكأنه يخفي ألمه الكبير وأوجاعه في هذا البرود لتقول:
_ يا بيه طول الوقت عياط وفجأة تلاقيها بتضحك جامدة وتقعد تتكلم مع حد وكل ما تطلب حاجة تقول لي مثلًا أعملي كوبايتين قهوة هاتي طبق تاني، بتتعامل كأن في حد تاني موجود ومش فاهمة ده إيه؟
لم يفهم "غفران" حديثها فقال:
_ طيب روحي إنتِ وأنا هبقى أجي أشوفها.
دقت الساعة الثانية عشر منتصف الليل وزاد قلق "جميل" على ابنته فقال:
_ كده كتير، رن تاني يا قاسم.
أتصل "قاسم" على هاتفها وكان مغلقًا فقال بضيق:
_ برضو مقفول.
قال بضيق ليقاطعه دق جرس الباب فأسرع "قاسم" وفتح الباب ليجد "ليلى" وحدها فسأل بقلق:
_ قُسم فين؟
نظرت إلى "جميل" و"صفية" بتوتر ثم قالت:
_ في القصر.
قال "جميل" بعصبية وانفعال قاتل:
_ بتعمل إيه في القصر كل ده؟
لتقول:
_ غفران بيه حبسها هناك وبقول أنها مراته وأنه مطلقهاش رسمي.
أتسعت أعين الجميع بصدمة ألجمتهم ووقف "جميل" بغضب سافر ثم قال:
_ هو فاكر نفسه إيه؟ أنا هبلغ البوليس وهو هيجبلي بنتي منه.
تنحنحت "ليلى" بهدوء تقاطعه وقالت:
_ بس قُسم فعلًا قانونًا مراته والقانون مش هيرجعها لك.
صمت الجميع بغضب من ذكاء "غفران" وممارسته للسيطرة عليهم والتحكم بهم، تنحنحت "ليلى" بأحراج ثم قالت:
_ أنا جيت عشان أطمنكم عليها بس لازم أمشي عشان عمر مستنيني تحت، عن إذنكم.
في غرفة المكتب كان غارقًا في همومه التي لا تنتهي نهائيًا، لم يكتف القدر، منذ أن دفن أمه بنفسه وهو يشعر بثقل في قلبه، تتردد في أذنه كلمتها الأخيرة وهي تطلب منه السماح، ما زالت عينيه عالقة في الضبابي لا يستطيع أن يتعرف على وجه طفلته أو أصدقائه، لا يتعرف على نفسه في المرآة، دمعت عينيه بتعب لما سببته له أمه من معاناة وفي النهاية أثناء وداعها أشعرته بالثقل وكأنه هو الظالم في قصتها، فاق من شروده على صوت "فاتن" تدخل المكتب فجفف دموعه بلطف مستمعًا إليها:
_ مسيو غفران.
قال ببرود وكأنه يخفي ألمه الكبير وأوجاعه في هذا البرود لتقول:
_ مدام قُسم عاملة تصوت وتزعق من الأوضة ومش راضية تهدأ.
تأفف بضيق وأشار إلى الخادمة بأن تذهب فذهب إلى الأعلى حيث صوتها وكانت الغرفة مغلقة عليها بأمر منه، فتح الباب ليراها قد تعبت من العناد وجلست على الفراش غاضبة من حبسها هنا، تحدثت بحدة من معاملته بعد أن وقفت أمامه:
_ أنت حابسني يا غفران؟ هو أنا كلبة؟
وقف أمامها صامتًا يحملق بها ثم تحدث بهدوء:
_ للعلم يا قُسم أنا راجل مريض ولازم أعمل عملية وبقاوم المرض ده بعناد واللي هو مالهوش علاج أخده غير التدخل الجراحي، يعني يكفيني الوجع اللي جوا دماغي وشواكيش بتكسر فيها، الست اللي المفروض أنها أمه دفنتها بإيدي من ثلاثة أيام، ابني مات في بطن أمه غير هموم شركتي، يعني فيا اللي يهد جبل ويكفي وأخر همي الفترة دي أنا تزيد هموم بيكِ ولا يا قُسم إنتِ مش كلبة.
نظرت إلى وجهه بصمت مستمع لحديثه عن أوجاعه ومرضه لتهدأ من روعته وقالت:
_ أنا مش بزود همومك، بس أنا مش لعبة في إيديك ترميني وقت ما تحب وترجعني وقت ما تحب، أنا...
بتر حديثها الحاد وهي ما زال تعاند وتجادل فيه، مسك يدها ليأخذها إلى الفراش وجعلها تجلس بلطف ثم وضع رأسه على قدميها ومدد جسده على الفراش مغمض العينين، فحاولت أبعده عنها بغضب لكنه لف ذراعيه حول خصرها النحيل وتمتم بخفة دون أن يفتح عينيه:
_ دقائق... خليكي كده لدقائق.
شعر بأسترخاء جسدها وقد تخلت عن تشنجها في المقاومة وهي تحدق به بحب مشتاقة لوجهه ورائحته ودفئه، كيف تخبره بعذابها في بعده وكم ليلة بكت فيها لفراقه؟ كيف تخبره بأنها ذاقت من العذاب ما يكفي بسبب طلبها للانفصال دون أن تدرك بالقادم من وجع؟ سحبت الغطاء بلطف لتغطيه بحنان خائفة عليه بأن يبرد فتبسم وهو نائمًا وشعرت بيديه تسحبها كاملة للأعلى متنازلًا عن قدميها حتى يضمها هي بين ذراعيه حتى باتت بين ذراعيه ووضعت رأسها على صدره وسمعته يقول بهمس:
_ شكلك حلو في الأسود يا قُسم.
تبسمت بخفة على مغازلته الرقيقة لها وقالت:
_ أنت متأكد إني مراتك، يعني الحضن ده حلال؟
فتح عينيه بذهول من سؤالها ورمقها بحب مشتاقًا إليها ثم قال بشوق يحرقه ويضرب النار في صدره:
_ إنتِ كلك حلالي يا قُسم، مش بس الحضن لا ودا كمان.
شعر بقبلة على وجنتها تحولت لقبلات أكثر وكأنه أطلق نيران عشقه وشوقه تحرقها معه وهي يسرقه معه إلى عالم آخر، عالم لا يسكنه سوى العشاق ولن يعرف طريقه أحد غيرهم هائمًا بها ومستمتعًا بعودتها إليه وقد تقابلت أرواحهما معًا.
رواية غفران هزمه العشق الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نور زيزو
ترجل “غفران” من الأعلى على صوت شجار “جميل” مع “عُمر”.
سمعه يقول:
- أتفضل هاتلى اللى مشغلك، ما هو فاكر أن بفلوس الدنيا كلها تحت أمره يأمر وينهى فيها زى ما يحب.
تنهد “عُمر” بهدوء رغم انفعال الخصم وقال بلطف:
- أهدى يا عم جميل وحاسب على كلامك لأن حتى الآن أنا والرجالة اللى حضرتك غلط فيهم برا وكنت هتضرب واحد فيهم مراعين كويسة أوى إنك حماه البيه اللى حضرتك بتتكلم عنه، ولو إنك والد مدام قُسم كان هيحصل شيء ميعجبكش خالص.
تنهد “غفران” بخفة وهو يستمع للحديث وعلم أنه “جميل” من حديثهم. وسرعان ما ترجم عقله أن هذا الأنفعال بسبب “قُسم”. فقاطع شجارهم وتحذير “عُمر” له حين قال بجدية:
- عيب يا عُمر، عيب تعلى صوتك على حمايا العزيز.
ألتف “جميل” إليه بضيق من بروده وهو يتحكم بكل شيء ليرى “غفران” ينزل الدرج بهدوء وكأنه لم يفعل شيء. فقال:
- يا برودك يا أخى، نازل براحتك وهادي وكأنك مش عامل كارثة.
تبسم “غفران” وهو يسير نحو الصالون ليجلس بهدوء. ثم حملق فى “جميل” ببرود أكثر وقال:
- كارثة!!، كارثة أي بقى إن شاء الله اللى أنا عملتها وأنا مش واخد بالى.
- أنت خاطف بنتي.
قالها “جميل” بجدية صارمة ويكز على أسنانه بضيق. فتبسم “غفران” وهو يقول:
- بنتك دى مراتي، محدش بيخطف مراته.
أقترب “جميل” خطوة وهو يرفع سبابته فى وجه “غفران” بتحدٍ وعنادٍ. ثم قال:
- وطلقتها، أنت فاكر بنات الناس لعبة عشان تقول ردتها كدة بالساهل، ليه رخيصة ولا جايبها من الشارع.
ترجلت “قُسم” من الأعلى على صوت شجارهما ورأت والدها يتحداه بكل شجاعة. فقالت بهدوء:
- بابا.
ألتف “جميل” إليها ورمقها بحُب. ثم قال:
- أنا هأخد بنتي معايا ولو عايزها تيجي لحد عندي وتعتذر على اللى عملته فى حقها ونشوف هى عايزة ترجعلك ولا لا ولو هترجع يبقي بشروطها لأنها مش من الشارع وليها أب.
سار نحو ابنته ليأخذها من يدها. فوقف “غفران” بغضب سافر وصرخ بأسمها قائلًا:
- قُسم.
أستدارت تنظر إليه لتحتد عينيه من الغضب وقال:
- إياكِ تفكري تخطي برا القصر.
- أنا هأخد بنتى وأعلى ما فى خيالك أركبه.
قالها “جميل” بغضب. فحدقت “قُسم” بوجهه الغاضب وقالت:
- أرجوك.
سحبها والدها من يدها للخارج. وكاد “غفران” أن يذهب خلفهما ويقتل هذا الرجل الذي تجرأ على عصيانه وأخذ زوجته منه. لكن أستوقفه “عُمر” وهو يقول:
- خليه يأخدها.
رفع “غفران” عينيه بمساعده. فتابع “عُمر” بجدية:
- دا أبوها مش هيأذيها وخلافك معاه مش هيسعدها، بل هيحطها بين نارين بين الأب والزوج، خليه يأخدها أحسن.
أستدار “غفران” للخلف بغضب مكبوح بداخله ليركل الطاولة الزجاجية. فأنكسرت لأشلاء على الأرض من شدة غضبه وكيف بعد أن إعادها إليه يأخذها هذا الرجل من جديد.
تنحنح “عُمر” بهدوء شديد من غضبه وقد حفظه عن ظهر قلب وربما يهدم القصر على رؤوسهم فى غضبه بلا مبالاة.
***
صعدت الخادمة إلى الأعلى لترى الأخرى تراقب من خلف الباب. فضربتها على كتفها بغيظ من تصرفها وقالت:
- بتعملى أى يا اللى تنشكي.
- أسكتي لتسمعنا، الست دى شكلها أتجننت.
قالتها بتوتر شديد مما جعل الخادمة تضربها مرة أخرى على ذراعها. فقالت بهدوء:
- حاسبى على كلامك يا بت وخافي على أكل عيشك.
- هو أنا بجيب الكلام دا من عندي، دى بقالها ساعة قاعدة تكلم مع الهواء وشوية تقول ماما وشوية تقول أنس.
شعرت الخادمة بتوتر وقلق من حديث صديقتها. فنظرت إلى الباب وفتحت جزء منه لترى “تيا” جالسة على الأريكة وأمامها طاولة الطعام مُبتسمة وتتحدث مع العدم قائلة:
- مأكلتيش حاجة يا ماما هو أكلى مش عاجبك ولا أيه.
نظرت الخادمة بقلق إلى صديقتها الأخرى وقالت بتمتمة عاجزة عن فعل شيء:
- هعمل أى؟ ما أنا روحت لأخوها لحد عنده وقلتله.
- نسيب القصر باللى فيه، دى لو مطلعتش مجنونة هتطلع ملبوسة والقصر سكنه روح أمها دكتورة نورهان.
ضربتها الخادمة على رأسها بضيق وقالت:
- والله إنكِ إنتِ الملبوسة، وهو القصر المسكونة بكون هادئ وسالم كدة، لا دى اكيد عقلها خف من الصدمة بس، أنا عارفة أنا هعمل أى؟
أخرجت هاتفها من جيب تنورتها وبدأت تصور “تيا” خلسًا وهى تتحدث مع العدم. وخرجت من القصر بسرعة إلى قصر الحديدي. وهناك قابلت “فاتن”. فسألتها بقلق:
- غفران بيه فين؟
- طلع من شوية فى حاجة ولا أى؟
قالتها “فاتن”. فهزت الخادمة رأسها بقلق وغادرت القصر بتعجل.
- أكيد وراها مُصيبة.
قالتها “فاتن” ودلفت إلى المطبخ بتوتر من هلع الخادمة وسؤالها المفاجئ عن “غفران”.
***
نزلت “قُسم” من شقتها للأسفل ذاهبة إلى عملها. فخرجت منها صرخة خافتة حين سحبها أحد من ذراعها لأسفل الدرج. فوضع يده على فمها يحاصرها فى الحائط. لتفزع حين رأت وجهه. وكان “غفران” مُرتدي قبعة وقناع أسود على فمه. لكن عينيه التى أسرتها فى العشق لم تخطأ فيهما أبدًا.
أبعدت القناع عن فمه بلطف وقالت بصوت خافت:
- أى اللى جابك وأى اللى عامله فى نفسك دا؟
- أبوكِ كل ما أتصل عليه عشان أجي أقابله وأخدك يقفل التليفون فى وشي وأخرها عملى بلوك ودا ليه لأني كبرته ومسكت نفسي عليه لما خدك من قصري بالقوة.
ضحكت بخباثة ودلال عليه بسبب عجزه عن أخدها ووالدها يعانده بكل كبر. قالت بمكر وسعادة تغمرها:
- ههه والله شاطر بابا أنت فاكرها سايبة ولا أى ولا فاكرني هموت عليك.
أقترب خطوة منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه تضرب وجهها البارد وعينيه تحملق بها ببريقهما اللامع. لتتسارع دقات قلبها العاشق. بينما تسمع أنفاسه العالية وقال:
- بتضحكي يا قُسم.
- بضحك لأن لأول مرة أحسك مش قادر تعمل حاجة وتأمر فيا.
قالتها بمكر ليسحبها من ذراعها بقوة نحوه. فأرتطمت بصدره وقال بتحدٍ:
- تيجي أوريكي أنا قادر على أي؟
سحبها معه. لتتحدث بجدية ملهوفة من جنونه وقوته قائلة:
- أستن بس يا غفران، أنا عارفة أنك قادر خلاص.
نظر إليها بجدية وقال:
- أنا لو مكبر أبوكِ وسايبه يعمل اللى هو عايزة فدا عشان خاطرك. لكن لعب العيال دا أنا ماليش طول بال عليه، متفرهدنيش يا قُسم وعقلي أبوكِ، أنا مش هصبر كتير.
أقتربت خطوتها الأخيرة ووضعت يدها على صدره بحنان ناظرة إلى عينيه وقلوبهما تضرب ضلوعهما الصلبة بقوة كالزالزل. ثم قالت بدفء:
- بتحبني؟
أبتلع لعابه بتوتر من سؤالها. ثم مسك يدها الساكنة على صدره بحنان وقال بنبرة هامسة:
- محبتش قدك يا قُسم، فراقك واجعني وعناد أبوكِ خلص صبري، سبحان الله تبقي مراتي ومش قادر أشوفك وجاي أشوفك زى الحرامية والمراهقين.
ضحكت بدلال على كلمته. الأخرى رجل قد تجاوز منتصف الثلاثينات من عمره لكنه يتصرف كالمراهقين الصغار. سألته وهى ترفع خصلات شعره للأعلى بلطف وقالت:
- عمر ما خطر على بالي أن أشوف غفران الحديدي بنفسه مراهق عامل زى ابن الجيران وبنت الجيران محيراه معاها.
وضع يده على خصرها فى وضع رومانسي ناعم. وقد تناسي الأثنين مكان تواجدهما وعيونهما عالقًا معًا فى عناق دافئ. ثم قال بلطف:
- ولا أنا تخيلت أنى هعرف أعمل كدة والفضل لأبوكِ.
صمتت ولم تعقب على حديثه. ليكسر صمتها بأنحناءه قليلٍ نحوها. فأغمض عينيها وهى تشعر بقبلته الدافئ وهى مُستسلمة لسحره. ويديه تجذبها أكثر إليه حتى أوشكت على أختراق ضلوعه من أعتصره إليها بسبب الشوق الذي شق قلبه من الإشتياق إليها. لم تشعر بشيء سوى وهى تتشبث بقميصه بقوة من نار الشوق التى أحرقت قلبها مثله تمامًا. ويرفض عقلها وقلبها الأبتعاد عنه أو مفارقته من جديد.
أبتعد عنها يفصل قبلته الناعمة وهو يتكئ برأسه على جبينها بحُب. ويده تداعب وجنتها بحنان. ثم قال:
- كفاياكِ بُعد يا قُسم، أرحمي قلبي وضعفه.
ضحكت بعفوية تأسر قلبه والباقى من شموخه أمامه. رفع يده تلمس شفتيها بلطف ليشعر ببسمتها أسفل أنامله. وللحظة شعرت بغصة فى قلبها وهو يجهل قراءة مشاعرها وتعابير وجهها سوى باللمس بسبب مرضه. وكأنه أعمى. فقالت بهدوء:
- غفران.
- والله أن غفران هزمه عشقك يا قُسم ويشهد ربنا أن ما فى حاجة هزمته من قبل غير العشق.
قالها بنبرة دافئة وناعمة. فتبسمت إليه. وقبل أن تجيبه قاطعها صوت حادة خشن تعرفه جيدًا حين قال:
- أنت بتعمل أى هنا؟
التف الأثنين إلى الدرج وأرتجفت “قُسم” قليلًا من ظهور والدها. وهو الآن يعاند فى عودتها إلى زوجه. لتقول:
- بابا.
ترجل “جميل” بسرعة غاضبٍ ليسحبها من يده بالقوة ويجعلها تقف خلف ظهره. وحدق بوجه “غفران” ثم قال:
- أعتقد أنى نبهت عليك أن متقربش من بيتي ولا أنا عايز أقابلك دلوقت، ولا أنا كلامي مكنش واضح فى التليفون.
تنحنح “غفران” بحدة يتمالك أعصابه قدر الإمكان لأجلها. وعينيه ترمقها تارة ووالدها الحاد تارة. وهو لم يجرأ أحد من قبل على الوقوف أمامه أو معارضته. والآن هذا الرجل يقف يعارضه ويواجهه بقوة ومستمر فى فعله دون خوف. كز على أسنانه يكبح هذا الغضب وقال:
- أنا عايز مراتي ومش بمزاجك متخلينيش أطلبها فى بيت الطاعة.
ضحك “جميل” بسخرية. ثم نظر إليه بتحدٍ وقال بغرور:
- هو دا اللى عايزة ترجعيله عايز يأخدك بالقوة والمحكمة.
فهم “غفران” مكر والدها وهو يصنع بينهما خلاف بحديثه. فتأفف بضيق وهو ينظر بعيدًا. ثم حملق بوجه “جميل” من جديد بعد أن سمعه يتحدث بتهديد قاتل قائلًا:
- أنا بقي مش هديك بنتى حتى لو على موتك.
كاد “غفران” أن يفقد أعصابه الآن. ليقاطعه “جميل” من جديد قائلًا:
- عارف أمتى تقدر تأخد بنتي منى؟
نظر “غفران” إلى “قُسم” التى نظرت إلى والدها بأنتباه وأهتمام لتعرف ما يرمي إليه. فقال بفخر:
- إذا مطرت السماء فى عز الصيف وإذا نزلت النجوم من السماء على رأس بنتي وإذا ظهرت جناحات لبنتي وقتها بس ممكن أجوزهالك من تاني.
تبسم “جميل” بغرور من تعجيزه إلى “غفران”. فكيف ستنزل المطر فى الصيف أو تنزل نجوم السماء على رأس ابنته. فقالت “قُسم” بتمرد على حديث والدها:
- أنت كدة بتصعبها يا بابا.
- أنا كدة بعجزه لأن مفيش رجوع ليكِ وأمشي أطلعي فوق قدامي.
قالها بحدة وأخذ يد ابنته للأعلى معه. تاركًا “غفران” واقفًا محله فى هدوء يكبح غضبه وعجزه.
***
كان “عُمر” جالسًا مع والد “ليلي” ليلًا. وقال بهدوء:
- يبقي أتفقنا على أخر الشهر ننزل نحجز القاعة والفستان ونجهز كل ترتيبات الفرح.
- على بركة الله يا ولاد.
قالها والدها بسعادة لزواج ابنته. فتبسمت “ليلي” خجلًا وهى تنظر إلى “عُمر” ولا تصدق ما تسمعه. وأخيرًا ستتزوج من هذا الرجل الذي تعشقه وستكون ملكًا له وحده.
غمز “عُمر” لها بغزل وسعادة. ورأى أختها تقترب منه تقدم لهم الكيك. فأخذ طبقه والهاتف يدق. أخرج هاتفه وكان “غفران” ليُجيب عليه. وفور فتح الأتصال سمع صرخته يقول بغضب:
- أنت فين؟ تعالي ليا حالا.
فزع “عُمر” من غضبه وأستأذن لكي يرحل ووداع “ليلي” بحرج. أخذ سيارته وهو يطو الطريق طيًا حتى يصل إلى القصر بسرعة البرق. وصل إلى القصر وكان “غفران” فى حالة من الجنون بسبب تعجيز “جميل” له. فقال:
- حصل حاجة؟
- المطر ينزل فى عز الصيف، النجوم تنزل من السماء على رأسها، ويطلعلها جناحات حقيقية.
لم يفهم “عُمر” كلمة واحدة من هذا الشيء. فقال باستغراب:
- أنا مش فاهم حاجة، هو أي دا؟
ضرب “غفران” الكأس فى المرآة الزجاجية الموجودة أمامه من الغضب. ثم قال:
- دى شروط جميل بيه عشان أخد قُسم، أعمل قد ما أنت عايزة وأصرف وأجمع كل المتخصصين فى العالم لكن الشروط دى لازم تتحقق يا عُمر… لأجل قُسم.
هز “عُمر” رأسه بهدوء خائفٍ من غضبه. وقال بهدوء:
- أهدى طيب وأنا هتصرف، كل حاجة وليها حل.
جلس “غفران” على المقعد بضيق مما حدث وما زال عليه أن ينتظر حتى تأتي زوجته وتعود إلى أحضانه.
جاءت “فاتن” له مع الخادمة لتنظف الزجاج الذي كُسر. تحدثت “فاتن” بهدوء قائلة:
- الخدم اللى فى قصر اللؤلؤ جم سألوا علي حضرتك ومش أول مرة.
حك جبينه بهدوء. ثم قال بحيرة:
- اه، دول كلموني عن تيا، أتصلي خليهم يجوا.
أومأت إليه بنعم. ثم ذهبت لتتصل بالخادمة التى جاءت بسرعة البرق. أعطت الهاتف إلى “غفران” حتى يرى الفيديو الذي صورته إلى “تيا”. وجلس على المكتب يشاهد مُستمعًا إلى الفتاة وهى تقول:
- الوضع بيسوء أكثر يا غفران بيه وأنا قلقانة عليها لتعمل فى نفسها حاجة، أمبارح كانت هتقتل سَند.
رفع رأسه إلى الخادمة بفزع من كلماتها. فقالت مُتابعة الحديث بقلق واضح:
- دخلنا عليها الأوضة وكانت بتخنق الولد بالمخدة ومُصرة أن أنس عايزه وبصعوبة خلصناه منه.
تنحنح “غفران” بقلق وهو ينظر من جديد إلى الهاتف. ورغم ملامح أخته الضبابية لكن يرى تصرفها. فوقف من مكانه وذهب معها إلى القصر. أنتظر الجميع بالأسفل وصعد هو للأعلى. دق باب الغرفة ودلف ليرى أخته مُرتدي فستان أزرق اللون وتسدل شعرها على الجانبين وتنظر على الشرفة. فقال بهدوء:
- تييا.
نظرت إليه بسعادة وتبسمت بلطف. ثم قالت:
- غفران، تعالى أقعد.
جلس أمامها بعيني دافئة والدهشة تحتل ملامحه من هول الصدمة. فقالت بهدوء:
- أوعي تكون لسه زعلان من أنس عشان مش راضي يشتغل معاك فى الشركة سيبه على راحته.
- أنس!! هو فين أنس؟
قالها بدهشة مُتلعثمًا من هول الصدمة التى الجمته. فقالت بجدية:
- جوا فى البلكونة… أنس تعالى يا أنس.
قالتها بحماس مما أذهل أخاها. فضمها إليه بخوف وماذا حدث بعقل أخته وكيف لشخص ميت أن تراه؟ تنهد بهدوء وهو يضمها وعقله عاجزًا عن التفكير فيما يفعله؟ وما وصلت له أخته. غادر القصر قلقانًا على أخته. فوجد “رزان” أمام القصر. ليتحدث معها بجدية صارمة قائلًا:
- أطلبي الدكتور يجي يشوف تيا ويكشف عليها.
أومأت إليه بنعم. ثم قال مُتابعًا:
- تعالى خديني للصحراوى اللى بتقوله عليه.
أومأت إليه بنعم. فذهب إلى قصره يبدل ملابسه. ثم أخذ “عُمر” معه إلى الصحراوي مع “رزان”. وهناك دُهش من أفعال والدته وهى تقيد هؤلاء الرجال كأنهم كلاب تأويهم فى منزلها. وكلاً منهم مجرم بطريقة ما. فأخرج الكثير من المال الخاص بوالدته وأعطاهم المال كما أمرت والدته وأطلق سراحهم من سجن أمه ليتخلص من أول شيء شيطاني كانت ترتكبه أمه.
***
ضرب الرجل “حازم” على رأسه قائلًا:
- أنت لسه متعلمتش؟ خلاص قُسم موضوع ولازم يكون أتقفل من زمان.
أستدار “حازم” له بانفعال جنونية وهو ما زال لا يستوعب الأمر وما يحدث معه. فقال:
- أتقفل، بس حواليك كدة وشوف هو أتقفل ولا لسه.
نظر صديقه على المحل وهو عبارة عن خراب فقط. ثم قال:
- بس دا مالهوش علاقة بـ قُسم، أنت شدت مع بنت وراجلها جه وعلم عليك، أي بقي علاقة قُسم بـ دا بقي؟ البت مالهاش ذنب فى تكسير محلك.
- ومالهاش علاقة بسجني وأنى بقيت رد سجون، أنت مش واخد بالك ولا أي.. أنا بقي ليا ملف فى الداخلية يعنى مستقبلي خلاص ضاع بسببها.
قالها “حازم” بصراخ قوي وشديد وهو يكاد يُكسر المحل من جديد من غضبه. أقترب صديقه يربت على كتفه بلطف. وقال:
- طب أهدى كدة، أنت ناوي على أى؟
نظر “حازم” على صورة”قُسم” الموجودة فى هاتفه. وقال بهدوء:
- هما خيارين مالهمش تاني، يا أتجوز قُسم ويبقي هو دا عوضي على كله اللى شوفته بسببها، يا أما مش هتتهن يوم واحد فى حياتها زى ما أنا مش هتهن فى حياتي.
شعر صديقه بقلق شديد من نبرته الشيطانية وعينيه التى يتطاير منها الشر فى نظرته إلى وجه “قُسم”.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الأربعون 40 - بقلم نور زيزو
فى ظهيرة اليوم كانت “قُسم” جالسة فى غرفتها مع والدتها تتحدث بهدوء.
ها يا ماما؟
ضربت “صفية” كفيها ببعضهما وقالت بحيرة:
عجبت لك يا زمن، يا بنتى إنتِ قلتي لا ومش عايزاه وأطلقتي .. دول بقي غفران حلو وأبوك هو اللى معذبكم.
تنهدت “قُسم” بلطف وقالت بعناد:
وردني يا ماما ، يعنى عجبك حالي كدة وأنا متجوزة وعلى ذمة راجل وبعيدة عنه .. وبعدين بابا رافض حتى يقعد معاه أو يسمعه غير لما نفذ شروطه العجيبة دى ، إنتِ عمرك شوفتي نجوم السماء بتنزل مع المطر.
رفعت “صفية” رأسها بغرور وقالت بهدوء:
بقولك أى، أنا جوزى مبيغلطش وما دام قال فى نجوم بتنزل يبقي فيه …
غادرت الغرفة تاركة “قُسم” على وشك الأنفجار وأمها تتخذ صف زوجها بأى شيء فألقت بجسدها على الفراش بتذمر وتنظر إلى السقف بضيق، تمتمت بهدوء شديد:
تستاهلى يا قُسم ، إنتِ اللى عملتي كدة فى نفسك.
خرج “غفران” مُتذمرًا من مكتبه بعد أن طلب “ليلي” على الهاتف ودق لها الجرس ولم تُجيب عليه.
فتح الباب ورآها على المكتب تضع السماعات فى أذنها ونائمة فى سبات عميق.
كز على أسنانه وأقترب نحو المكتب ودُهش عندما رأى ورقة على المكتب تسجل بها كل مستلزمات فرحها الباقية وأسماء أغاني للقاعة وغيرها من تجهيزات للفرح.
تنهد بهدوء يحاول أن يهدأ من روعته فمد يده على ماكينة التصوير الخاصة بالورق ووقف يطبع ورقه بنفسه.
مع دخول “عُمر” الذي دُهش من وقف “غفران” أمام ماكينة التصوير بنفسه فذهب بعينيه على “ليلي” ورآها نائمة.
تحدث “غفران” وهو يأخذ الورق من الماكينة بمنتهى الهدوء قائلًا:
روحها يا عُمر وأديها إجازة لحد ميعاد الفرح تجهز حاجاتها براحتها، أنا أسمع أن الفترة دى بتبقي فى ضغوطات كبيرة كفاية عليها مش ناقصها ضغوطات الشغل كمان.
والشركة والشغل ومكتب حضرتك ومواعيدك.
قالها “عُمر” بحيرة وهو و”ليلى” عليهم مسئولية كبيرة تجاه “غفران”.
فتبسم “غفران” بلطف وقال:
أطلب من قُسم تيجي تساعد صاحبتها وتشيل عنها الشغل.
ضحك “عُمر” بدهشة وهذا هو غرضه، جلب “قُسم” إلى هنا حتى يشبع شوقه منها.
ألتف “غفران” على صوت ضحكته التى خرجت منه بدون قصد فتمتم “عُمر” بهدوء قائلًا:
أكيد طبعًا.
دلف “غفران” إلى مكتبه فأكمل “عُمر” ضحكاته الجميلة على كبرياء رئيسه و عناد حماه الذي سرق زوجته بعد أن أصبحت الأمور بينهما جيدًا، جاء هو وسرقها بكل شجاعة وهذا الوحش يكبح غضبه ومُستسلمًا لعناد والدها لأجلها.
أيقظ “ليلي” بلطف وهو يمسح على حجابها مُنادٍ إليها يقول:
لولى… لولي.
فتحت عينيها بفزع وأنتفضت من مقعدها فتبسم “عُمر” قال بلطف:
متتخضيش.
أخذ الورقة من أمامها وهو يقرأها فقال بعفوية:
كل دا هتعمليه.
وقفت بضيق من تصرفه لتحاول أخذ ورقتها من يده وهو يعتدل فى وقفته مُستغلٍ طوله أمامها وقال:
سألتك هتعملى كل دا؟
تذمرت على قُصرها وضربت صدره بقبضتها النحيلة برفق تخشي أذيته وقالت بوجه عابس:
عُمر خلاص بقي.
حدق بعينيها الجميلتين وتسارعت نبضات قلبه العاشق تضرب ضلوعه الصلبة فسحرت “ليلى” بجمال نظراته الدافئة التى لمست رقة قلبها فقشعر جسدها من بريق عينيه فأبتلعت لعابها بأرتباك وشعرت بهزيمة قلبها أمامه لتبتعد بسرعة عنه وقالت مُتلعثمة من التوتر:
خلاص خُدها.
ضحك على خجلها وقلبها الذي أوشك على الأنفجار من سرعة دقاته وأقترب يعطيها الورقة مُتحدثًا بلطف:
خُدي عشان متزعليش.
بأخذت الورقة ورأسها مُنحنية تحملق بالأرض، تحدث بجدية قائلًا:
يلا تعالى عشان أروحك.
أتسعت عينيها على مصراعيها من كلمته وقالت بدهشة:
أي ، أنا مخلصتش شغل أنت عاوزاه يرفدني.
حمل حقيبة “ليلى” من فوق المكتب وقال بجدية:
لا، متقلقيش يا أختى هو هيجيب حد تاني يقعد مكانك لحد الفرح.
نظرت إلى “عُمر” بدهشة فتبسم وهو يأخذها من يدها إلى المصعد ويقول بهدوء:
هيجيب قُسم تقعد معاك لحد الفرح عشان ترتاحي ، تفتكر قُسم هتيجي؟
هزت رأسها بنعم وقد فهمت سبب إجازتها وفى حقيقة الأمر أنه يرضي نفسه وقلبه فقط.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بغرور وقالت:
ودى هيجيبها أزاى وعمو جميل مش راضي يطلعها من البيت أصلًا بسبب اللى رئيسك عمله أخر مرة لما قفشه فى بير السلم معاها.
وضع “عُمر” يديه على فمه وأدخلها المصعد بسرعة قبل أن يسمعها أحد الموظفين فتذمرت وهى تدفع يديه بعيدًا عنها، هتفت بضيق:
أوعى يا عُمر ، أنت بتداري عمايله ليه؟
مالناش دعوة، كل واحد حر فى حياته.
قالها بضيق وهو يكز على أسنانه من الغيظ، تبسمت “ليلى” بمكر وقالت بعيني باسمة أكثر من شفتيها بطريقة أستفزازية أكثر:
فى واحد فى مركزه ومكانته وسنه يعمل العمايل دى، دا داخل على الأربعين ويتقفش فى بير السلم زى عيال ثانوي … ينفع والنبي ما ينفع.
كز “عُمر” على أسنانه بغيظ أكبر وقال بتحذير:
ليلى…
يوووو سكت أهو يا أخويا ، والله شكلك أنت اللى معلمه الأفعال السوداء دى.
قالتها بتذمر فأقترب “عُمر” منها بعيني شيطانية ويغازلها بغمزاته قائلًا:
ليه وهو أنا بيقف معاكِ فى بير السلم.
ركلته فى قدمه بكعبها الرفيع غاضبة فتألم وهو ينحني للأسفل يمسك قدمه بضيق وقالت:
دا عشان يعلمك لما تقف معايا تحترم نفسك ومتغمزليش بعينيك الحلوة دى.
ضحك وهو لا يفهم هى تغازله أم تعاقبه؟
خرجت من المصعد هاتفة بجدية:
أنا رايحة لصاحبتي أنم عليكم شوية نميمة حلوة كدة وأهرى فى فروتكم، كتكم نيلة رجالة تسد النفس بس نعمل أى مُضطرين نكسب فيكم ثواب.
ضحك على طريقتها بقوة وكيف تحولت فتاته الرقيقة إلى مشاكسة بهذه الطريقة وربما أكتسبت هذه الصفة مؤخرًا من صداقتها لـ “قُسم” بتمردها وعنادها، حتى أنها لاول مرة تفتعل شجار وضربت “حازم” ولأجلها دخل فى شجار معه، لا يعلم كيف تحولت فتاته الرقيقة لمشاكسة هكذا ، لكن قلبه وعقله غُرما بطريقتها ومشاكستها الناعمة أسرت قلبه من جديد فصعد من جديد بالمصعد إلى الأعلى والعشق يغمره الآن فى أقصي درجاته السعادة المستحوذة على عقله وجسده وقلبه حتى أنه شعر أن لديه طاقة للعمل لا نهاية لها.
بدأت “ليلى” فى تجهيزات فرحها بصحبة “قُسم”.
وصلت إلى محل ملابس داخل أحد المراكز التجارية وبدأت “ليلى” تتجول فى المكان تبحث عما يُرضي ذوقها.
أختارت “قُسم” فستان باللون ألأخضر الغامق طويل يصل للأسفل ببريق قوية بسبب قماشته قشر السمك وأخذته إلى “ليلى” وهى تقول:
أى رأيك فى دا؟
دا لأي؟؟
سألتها “ليلى” وهى ترى فستان سوارية فأجابتها “قُسم” بعفوية:
لفرحك ، حلو؟
دُهشت “ليلى” من كلمتها وأستدارت تحمل الفستان الذي عجبها مُتمتمة بتذمر:
مستحيل.
مسكت “قُسم” يدها قبل أن ترحل وقالت بأستغراب:
وحش!!
تبسمت “ليلى” وأخذت الفستان منها تُعيده مكانه وقالت بجدية:
مرات غفران الحديدي هتلبس فستان من محل فى مول ب3000 ج، إنتِ أقل بلوزة كنتِ بتلبيسها فى القصر ثمنها عشر أضعاف الفستان ده.
تذمرت “قُسم” على كلماتها وأخذت الفستان من مكانه من جديد وقالت بعنادٍ:
أولًا دا لما كنت فى القصر، ثانيًا أنا هشتريه بحر مالي وماليش دعوة بغفران.
أخذت الفستان ودلفت لغرفة تبديل الملابس بعناد فضحكت “ليلى” بإعجاب على هذه الفتاة وغيرها بعد أن جربت العيش فى القصر فلن تقبل بهذا المكان.
دلت إلى غرفة التبديل المجاورة فسمعت “قُسم” تقول:
على فكرة الفستان شكله حلو جدًا.
قالتها وهى تنظر على المرآة وترتدي الفستان وتضع يدها على صدرها تمسكه وهى عاجزة عن إغلاق سحابه، حركت يدها اليسرى على خصلات شعرها بدلال مُعجبة بجمالها الناعم فسمعت “ليلى” تُجيب من الغرفة المجاورة:
جربي براحتك لكن فستانك جاي من فرنسا وبالفعل أتشحن أمبارح ومُصمم خصيصًا عشانك يا قُسم بأمر من غفران بيه.
أنا هلبس اللى عجبني يا ليلى و….
قالتها بعناد وهى تنظر على الفستان جيدًا بإعجاب حتى توقفت عن الحديث حين فتح باب الغرفة من الخارج وصُدمت بـ “غفران” يضع يديه على فمها قبل أن تصرخ، أتسعت عينيها على مصراعيها من وجوده هنا وكيف دخل إلى غرفتها، كان قريبًا جدًا منها وأنفاسه تضرب عنقها العاري ويدها الموجودة على صدرها تشعر بضربات قلبها تتسارع بجنون حتى أنها شعر بنبضاتها فى كفها وأناملها، حملقت به بشرود وهمست بهدوء حتى لا تسمعها “ليلى” :
أنت دخلت هنا أزاى؟
شعرت بيده تحيط بخصرها النحيل وعينيه تحملق بها رغم مرضه لكنها “قُسم” التى لطالما حفظ ملامحها كأنه يراها وأنفاسه تعلو شيئًا فى شيء وقال بهمس:
وحشتيني.
دخلت أزاى يا غفران؟
دخلت لأنك ملكي وفى أرضي وهنا أنا الملك ومفيش اللى يمنعني.
قالها بهدوء شديد وجذبها بقوة نحو لترتطم به وقشعر جسدها حتى وضع يده على ظهرها العاري من الخلف ولمسته تذيبها فأنحني ليقبل جبينها، وضعت يدها على صدره بنعومة وقالت بهمس:
غفران مينفعش كدة وبابا هيزعل.
إنتِ مراتي يا قُسم.
قالها بحُب شديد ويديه تغلق سحاب فستانها من الخلف ثم أخذها من يدها وخرج ليجد “ليلى” تقف مع “عُمر” فغادر المكان مع “قُسم” هاتفًا:
لو أبوها أتصل يا ليلى هى معاكي وأتصلي عليها مكالمة جماعية.
غادر بها مُرتدية فستان السوارية وهى تقول بتذمر:
غفران مينفعش أكذب على بابا.
إنتِ تطيعي أبوكِ فى اللى ليكي لكن الشرع والدين بيقول أنك مراتي وليا حق عليكِ.
قالها بحدة وهو يُركبها سيارته ليأخذها إلى الفندق الذي جمعهما فى أول لقاء وتحديدًا نفس الغرفة ليطلع العنان لشوقه يحتلها ويحتويها بدفئه الناعم بين أحضانه ويديه تجردها من فستانها بإشتياق قاتلًا بداخلها أى صوت أخر يقاومه، سارقها معه إلى عالم العشق الذي تعرف ماهيته وعذوبته مع حبيبها وحدها، لم تكن تعرف طريقًا لهذا العالم أو كيف تتدخله سوى بيه وبأحضانه بوابة هذا العالم السحري.
رن هاتفها يقظها من نومها العميق بين أحضانه ففتحت عينيها لترى الهاتف بين يدي “غفران” ويحملق باسم أمها لتنتفض من حضنه بخوف وكأنها تسرق هذا الحضن خلسًا وقُبض عليها، تشبثت بالغطاء تستر جسدها العاري ووضعت الهاتف على أذنها بأرتجاف من أن تُمسك بها والدتها قائلة:
أيوة يا ماما.
أتاها صوت والدتها الهادئ وهى تجهز الطعام فى المطبخ تقول:
ها يا قُسم خلصته ولا لسه؟
لسه .. ليلى مش عاجبها فستان للفرح بس خلصنا بقي المشاوير وبنلف دلوقت على فستان الفرح.
قالتها بتوتر شديد وتلعثم فى الحديث ليُزيد “غفران” من توترها حين أبعد خصلات شعرها عن عنقها وطبع قبلته الدافئة عليها فأنتفضت بقشعريرة ناعمة وقالت بربكة:
ساعة كدة نكون خلصنا مش هتأخر.
أشار “غفران” بلا معارضًا ما قالته وهو يسقطها على الفراش من جديد ولم يطفي نار شوق بعد، شعر بأنفاسها الدافئة على وجنتها وقالت:
هنخلص ونرجع مش هتأخر.
ماشى يا حبيبتي خلى بالك من نفسك ومن صحتك وكُلى حاجة عشان متهبطيش.
قالتها “صفية” بحنان ثم أغلقت الخط ليسرق “غفران” الهاتف من يدها بعيدًا.
أنهيت “ليلى” طعامها فى المطعم وتحملق بخطيبها الجالس أمامها بوقار ويحدق فى هاتفه فقالت بضيق:
هو أنت أتعلمت من غفران البرود.
ضحك بعفوية أمامها وهو يُدير الهاتف لها فوجدت صورة لفستان أدهشتها وجعلت عينيها تتسع على مصراعيها وفمها علق به الطعام لتقول بهدوء:
جميل أوى.
طب كويس طمنتينى ؟، تيجي ندخل السينما.
قالها بلطف وسعادة تغمره من أقترب موعد زواجهما، نظرت لهاتفها الذي يرن باسم “قُسم” لتبتسم بعناد وقالت:
أسفة لازم أمشي عشان تتعلم بعد كدة لما تقعد معايا متبصش فى التليفون.
وقفت من مكانها تجمع حقائقها ثم غادرت المكان حين الفندق وكان تقود سيارتها وهو معه، ترجلت “قُسم” من سيارة “غفران” لتبدل مكانها مع “عُمر” وعادوا للمنزل سويا، رآهما “حازم” وهم يصعدون معًا إلى المنزل فتمتم بهدوء:
هانت يا قُسم… هانت يا حبيبة قلبي وتبقي ملكي لوحدي.
جاء اليوم الموعود الذي أنتظروا الجميع ولكلا منهم سببه الخاص.
أنتظرته “ليلى” لتصبح ملكًا لحبيبها “عُمر” الذي يتوق شوقًا إلى ضمها وملكها، أنتظروا “غفران” ليجمع شمله من جديد مع زوجته التى بات يسرقها خلسًا بسبب والدها العنيد، وهناك من أنتظره للإنتقام حتى يحرق فرحتهم جميعًا “حازم”.
وقفت “قُسم” فى غرفة الفندق مع “ليلى” تراها تستعد إلى الزواج وشعرت بفرحة تغمرها وتمنيت أن تعيش هذه اللحظة وترتدي فستانها الأبيض فحتى فى زواجها حُرمت من أرتداء هذا الفستان، شعرت بدوران فى رأسها قليلًا لتدخل المرحاض تستفرغ ما بمعدتها كاملة حتى تعب جسدها فوضعت رأسها على الحائط تتكأ بيدها على حوض الأستحمام وقالت:
معقول يكون حصل؟
وضعت يدها على صدرها بتوتر وكانت خائفة وترتجف مما يتخيله عقلها، خرجت من الغرفة بتوتر وقالت:
أنا هنزل أجيب شراب ليا عشان نسيته.
أومأت “ليلى” بنعم وهى هادئة أمام مصففة الشعر.
وصلت “قُسم” لأقرب صيدلية وطلبت أختبار حمل ثم عادت إلى الفندق ومنه إلى المرحاض لتجري أختبار الحمل الذي صدمها بظهور خطين به يعلن عن حملها فوضعت يدها على رأسها بخوف وكيف ستخبر والدها بهذا الحمل، خرجت من المرحاض خائفة رغم أن بداخلها شيء من السعادة يخبرها أنها ستكون أم.
جلست على الفراش هادئة حتى خرجت “ليلى” من الغرفة المجاورة مُرتدية فستانها الأبيض والفرحة تملأ وجهها الناعم فقالت بحُب:
أى رأيك؟
0… أى دا فى أى مالك؟
أسرعت نحو “قُسم” بعفوية خائفة من شحوب وجهها لتقول:
أنا حامل.
تبسمت “ليلى” بسعادة وقالت:
مبروك يا روحي… بس مكشرة ليه؟
ضربتها “قُسم” على يدها بخوف وقالت:
إنتِ مجنونة ، هقول لبابا أى وحملت فيه أزاى؟ أقوله كنت بقابل جوزى فى فندق من ورا.
ضحكت “ليلى” بعفوية على هذه الفتاة وقالت:
أديكي قلتي جوزك …. والعالم كله عارف أنك مرات غفران الحديدي دا مش سر مستخبي هو بس أبوكي اللى معاند دماغه وبعدين يا ستى متخافيش إنتِ هتروحي من هنا على قصري لأن غفران بيه هيأخذك من هنا على بيته.
فهمت “قُسم” شيء من حديثها فتبسمت “ليلى” بعفوية ومسحت على رأسها ثم قالت بدلال:
تعالي.
أخذتها إلى الغرفة المجاورة لترى “قُسم” فستان على الجسد الأصطناعي بمنتصف الغرفة باللون الكحلي لون السماء فى ليلها ومرصع بالنجوم بكامله بطريقة عشوائية وقد أنزل النجوم من السماء عليها كما طلب والدها.
رفرف قلبها فرحًا وهى تسير نحو الفستان مذهولة من فعلته، أبتسمت بحماس وهى تلمس الفستان الجميل بأناملها لتصُدم عندما لمسته بظهور أحنجة له من الظهر وهى تتذكر حديث والدها جيدًا:
(إذا مطرت السماء فى عز الصيف وإذا نزلت النجوم من السماء على رأس بنتي وإذا ظهرت جناحات لبنتي وقتها بس ممكن أجوزهالك من تاني).
تبسمت “ليلى” بعفوية وقالت:
فستان قُسم غفران الحديدي ـ أتكلف 10 مليون دورلا بسبب نجومه اللى من الألماظ وأجنحته.
أستدارت “قُسم” لها بدهشة من مبلغه وقالت:
ليه.
لأجل قُسم.
أتاها صوته من الباب يقوله جملته المعتاد من أجلها، ركضت نحوه تعانقه بقوة فضمها بحنان مُنتظرٍ هذه اللحظة فأبعدها عنه وهو يقول:
أنا مستنياكي تحت متأخريش لأان الحرب هتقوم بيني وبين أبوكي.
ضحكت بعفوية وعينيها تبكي فرحًا من فعلته وقالت بدفء:
ولأول مرة هسمح أنك تهزم بابا وهختارك يا غفران.
وضع قبلة على جبينها بحب ثم غادر المكان لترتدي فستانها.
بالأسفل كان الجميع فى الجميع بأنتظار العروسة التى نزلت فى يد والدها مُبتسمة وسعيدة وكان “عُمر” واقفًا بمنتصف القاعة يحمل فى يده باقة الورد الخاص بعروسته الجميلة.
تقدمت “ليلى” نحوه بسعادة تغمرها وعينيها على وشك البكاء من أجل وصولها لهذه اللحظة فأعطاها والدها له وهو يقول بتحذير:
حطها فى عينيك وأوعي فى يوم تزعلها ، دة إمانة ولازم تصونها زى ما وصاك عليها رسولك ودايمًا أفتكر أنها وصية رسول الله.
أومأ إليه بنعم ويده تربت على يدها بحنان وقال:
فى عيني وقلبي يا عمي.
ضمها بقوة ليصفق الجميع فى اللحظة التى فُتح فيها باب القاعة من جديد ودلفت “قُسم” وتوقفت الموسيقي لينظر الجميع عليها وبدأت تسير بقلق تحت أنظار الجميع ليسير “غفران” للأمام خطوتين بسعادة وهو يراها ترتدي الفستان كحورية هبطت من السماء وقمره التى ترك السماء ونزل بنجومه للأرض وتصبو بخطواتها الناعمة نحوه ببطيء وعينيها تحملق به.
أشار “عُمر” لموظف القاعة بنعم لتظهر الأمطار الصناعية فى القاعة بأكمالها وقبل أن تصل “قُسم” إلى “غفران” ظهرت أجنحة فستانها الذي أبهر الجميع فنظرت “صفية” إلى زوجها الواقف يحملق فى فتاته الجميلة وشعرها مسدول على الجانبين وتسير نحو زوجها بقدمي بطيئة خائفة من والدها.
وصلت أمامه ليقبل جبينها بحنان وأخرج من سترة بدلته تاجٍ وضعه على رأسها وكأن عبارة عن سلاسل باللون الفضي وتحمل فوق الخمسة عشر نجمة يزيدها جمالًا فوق شعرها الناعم فأستدار إلى والدها قائلٍ مُقلدٍ إياه:
إذا مطرت السماء فى عز الصيف وإذا نزلت النجوم من السماء على رأس بنتي وإذا ظهرت جناحات لبنتي وقتها بس ممكن أجوزهالك من تاني … وأنا حققتلك كل شروطك وهأخذه.
نظر “جميل” إلى ابنته الجميلة وهى تشبه الملاك والنجوم التى تتلألأ بها تزيد من جمالها فأشارت “قُسم” إلى والدها بنعم مُتمنية أن يوافق على إعادتها لزوجها حتى تُسعد بخبر حملها فقال “جميل” الذي يقف على بُعد متر منهما:
إذا عيطتها مرة تانية هيكون شروطي روحك.
أومأ إليه بنعم ليخرج “غفران” خاتم زواجهما ووضع ببنصرها من جديد وعانقها بحب ليصفق الجميع لهما، بدأ الحفل الموسيقي فى كل مكان.
همست “قُسم” فى أذنه قائلة:
أنا هطلع أغير الجزمة دى عشان رجلى وجعتني.
نظر “غفران” لها وقال:
أبعت حد من الرجالة يجيبلك الكوتشي.
لا، كمان عايزة أدخل التوليت شوية.
أومأ إليها بنعم ووقف ليذهب معها وبعد أن خرجوا من القاعة أستوقفه أحد رجال الأعمال يصافحه فوقف “غفران” معه لتهمس “قُسم” له:
هطلع أنا.
صعدت وحدها ودلفت للغرفة تبدل الحذاء ذو الكعب العالى ثم خرجت منها لتصُدم عندما كمم “حازم” فمها حتى فقدت الوعي وحملها على ذراعيه بهدوء وغادر بها بسرعة ولكن رأته أحد العاملات بالفندق وهرعت للأسفل تصرخ وهى تنادي على “غفران” الذي ألتف إليها بعدم فهم وقال:
فى اى.
مدام قُسم أتخطفت، أنا شوفتها بعيني.
قالتها بذعر ليتوقف الجميع عن الرقص وأتسعت عيني “غفران” على مصراعيها وسقطت كأس العصير من يده أرضًا وجاء له “عُمر” بسرعة جنونية وهكذا “ليلى” وذهبوا جميعًا إلى غرفة المراقبة ليرى بوضح “حازم” وهو يخطفها بلا خوف فتحدثت “ليلى” بذعر:
لا، حرام دى ملحقتش تفرح بحملها.
ألتف “غفران” لها بصدمة ألجمته وهكذا “جميل” و”قاسم” مُتمتمًا بتلعثم شديد:
حملها؟!!
اه قُسم حامل.
قالتها ببكاء وأنهيار مما جعل عقله يُشل مكانه وزوجته حامل من جديد والآن حياتها فى خطرة ليقاطع صدمته رنين هاتفه برقم مجهول فأجاب واثقًا أنه هذا المُختل:
هقتلك.
قهقه “حازم” بعفوية وأنتصار ثم قال:
معقول كنت واثق أن أنا اللى بتصل.
قُسم فين.
قالها وهو يغلق قبضته بأحكام يحاول كبح غضبه والسيطرة عليه فأجاب “حازم” بجدية:
فى الحفظ والصون، لو عايزها تجيلي لوحدك أنا فى الميناء وناوي أرميها فى البحر وأرمي نفسي معها عشان متفرقناش تاني.
ضرب المكتب بقضبته بقوة فأنكسرت الكوب أسفل يده وغرس الزجاج فى راحة يده وهو يصرخ به قائلًا:
جرب تلمس شعرة واحدة منها وأنا هوريك الجحيم بيكون عامل أزاى؟ ، شعرة واحدة منها وهخلي كل عائلتك وأمك المصونة تحصلك فى الأخرة.
أبتلع “حازم” لعابه بخوف على والدته لكنه ترجع عن الخوف وقال:
مستنياك.
أغلق الهاتف ليسرع “غفران” بسيارته إلى الميناء وحده لكن “عُمر” ركض خلفه بعد أن صعدت “ليلى” وجميل و”قاسم” بسيارته من الخوف، وصل “غفران” بسيارته إلى الميناء وصُدم بسيارته الموجودة على بُعد ليرن هاتفه برقم “حازم” من جديد ثم قال:
إياك تقرب وألا هتندم ندم عُمرك.
قالها وهو يظهر المسدس الذي معه ووضعه على عنقها وهى ترتجف بخوف بعد يقظتها، تحدث “غفران” بهدوء وهو يقول:
أنت بتعمل كل دا ليه؟
لأنها حبيبتي وأنت سرقتها منى.
قالها بجدية ثم تابع بهدوء:
وجه الوقت اللى أرجع فيه حقي ولو مش هتكون حقي فى الدنيا فأنا ناوي أخده فى الأخرة بس بعد ما أحسرك عليها وقدام عينيك عشان تدوق من العذاب اللى أنا دوقته.
قالها وأقترب ليكي يقبل عنقها بالقوة لتدفعه بعيدًا عنها، لم يتحمل “غفران” رؤيتها أو سماع أنينها فى الهاتف فضغط على البنزين يقود سيارته نحوهما فصرخ “حازم” بتهديد قائلًا:
أنا بحذرك.
أوقف السيارة من جديد، تبسم “حازم” بجدية وأسترخي فى مقعده الخلفي وراءها ثم قال بمكر شيطاني:
أقتليه يا قُسم لو عايزة تنقذي ابنك اللى فى بطنك.
صُدمت من كلمته وكيف عرف عن حملها فأخرج اختبار الحمل من جيبه وألقي به أمامها، أبتلعت لعابها بخوف شديد وأرتجف جسدها فهل ستخسر ابنها من جديد، لم تتحمل هذه الفكرة فى رأسها لكنه يطلب حياة حبيبها الذي يقف أمامها مُستعدًا للموت من أجلها فأى عذاب هذا ألقي به القدر فى حياتها، دمعت عينيها وهو يقول من جديد بنبرة باردة مُستفزة ووضع المسدس من جديد فى عنقها:
يا غفران يا ابنك ، مين هتختري يا قُسم؟
أرتجفت بذعر وقلبها على وشك التوقف عن النبض بسبب حالة الذعر التى بها الآن، أنفاسها عالقة فى عنقها مع ضغط المسدس عليه، عينيها مُتشبثة بحبيبها الواقف أمام سيارتها بلا خوف يواجه مصيره المُظلم لأجلها، ابتلعت لعابها الجاف فى حلقها بفزع وهى تسمع “حازم” يقول بحدة قرب أذنها:
يا أما بتقتليه أو بقتلك أنا يا قُسم وبعدها بقتله برضوه.
هز رأسها بالنفي خائفة من جنون هذا المختل وهو يجبرها على قتل حبيبها بنفسها فجهشت باكية أكثر وتحدق بوجه “غفران” رغم البُعد القائم بينهما وقالت بتلعثم خائفة:
اقتـ لنى… أقتـ لنى أنا مستحيل اذي.
ضرب “حازم” جبينها بمؤخرة المسدس بقوة لترتطم رأسها بالنافذة المجاورة ثم قال بغضب جنون:
دوسيه… دوسيييييه.
صرخت “قُسم” من الوجع والعجز وضغطت على البنزين لتقود سيارتها بسرعة جنونية نحو سيارة “غفران” الواقفة على حافة الميناء وهو الأخر مُستعد للمجازفة بحياته لأجلها، كانت السيارة تطو الأرض طيًا من السرعة وقهقه “حازم” ترن فى اذنها وهو جالسًا على المقعد الخلفي لمقعد السائق ويثبت مسدسه على عنقها فأغمض “قُسم” عينيها بقوة وهى تحنى رأسها للأسفل وتقول:
أنت اللى لازم تموت.
قبل أن يستوعب “حازم” جملتها رآها تُدير المقودة لتتفادي سيارة “غفران” وتسقط سيارتها فى البحر بعد أن طارت فى الهواء لمسافة من سرعة قيادتها، مُستسلمة للموت على قتل حبيبها ، ترجل “غفران” من سيارته مع وصل سيارة “عُمر” الذي لم ينتظر التفكير فى الأمر وقفز فى المياه بسرعة جنونية لأجلها فصرخت “ليلى” وهى تسقط على الأرض بذعر، بدأ يسبح بقوة جنونية وهو لا يتحمل فكرة أذيتها أو خسارتها حتى وصل للسيارة ورأى “قُسم” بالداخل تصارع الموت وتضرب الزجاج بيديها من الذعر وأنفاسها على وشك أن تنتهى وبدأ يضرب الباب محاولًا فتحه حتى استسلمت فتاته للموت وفقدت الوعي مما جعله يجن.
ركض “عُمر” كالمجنون إلى سيارة “غفران” وأخذ هاتفه ليفتحه على التطبيق المتصل بسيارة “قُسم” وتذكر الماضي:
العربية اللى حضرتك أمرت بيها حاهزة.
تحدث “غفران” بحماس قائلًا:
أكيد.
أول سيارة من شركة الحديدي بتعمل بالتطبيق الألكتروني وعن بُعد، مزودة بالذكاء الاصطناعي كمان بتقدر تقيس نبضات القلب وضغط الدم للركاب، وإذا شغلت وضع الطوارئ مستحيل حد يقدر يدخلها أو يخرج منها وطبعًا بخلاف أمر من حضرتك لأن الذكاء الاصطناعي بتاعها حملته على تليفونك وتقدر تتحكم فيها من خلاله.
دى عربية قُسم، أول هدية هقدمها ليها كزوجة ليا ولحمايتها من أعدائي.
قالها بحماس وسعادة تغمره، تذكر هو الأخر هذا اللقاء وهو يبكي داخل الماء فلن يستطيع فتح أبواب سيارتها مهما فعل ولأول مرة يندم على صُنع سيارتها التى ستفقده إياها الآنوأنفاسه على وشك الأنقطاع تحت الماء، ضغط “عُمر” على مربعة فتح الأبواب لتضيء السيارة أسفل الماء أنوارها وفتح الباب مما جعله يُسعد وسحب حبيبته بسرعة البرق ليغادر السيارة تاركًا خلفه “حازم” الذي فارق الحياة من الغرق.
وضعه على الأرض وسقط بجوارها تلمس وجنتها الباردة وهى قاطعة الأنفاس ليفقد وعيه هو الأخرى.
أستيقظ “غفران” فى المستشفي وذعر صارخًا باسمها وهو يقول:
قُسم.
مسكه “جميل” وهكذا “عُمر” بقوة ليُدرك أن هناك شيء أصاب زوجته فهرع للخارج يبكي بأنهيار تام وخوف جعل جسده يرتجف بقوة:
قُسم.
سمعت بكاءه من خلف الستار الموجود حول فراشها فى الطوارئ فألتقطت أنفاسها بصعوبة وقدميها التى لم تتحرك من الصدمة ثم نزعت المحلول الطبي من يدها وترجلت من الفراش لتراه يصرخ فى الجميع ويضرب “عُمر” بوجع قائلًا:
أنا السبب… قُسم.
غفران.
قالتها بصوت مبحوح لينظر إليها بعدم تصديق فركضت نحوها بجنون وهو يجلس على الأرض تحت قدميها مُتشبثًا بيديها بضعف ويتمتم:
متسبنيش تاني.
لم تقوى قدميها على تحمل جسدها فسقطت أرضًا بجواره وتمسح على رأسه بلطف، همست إليه بحنان:
متخافش يا غفران أنا معاك.
ضمها بقوة نحوه يهدى من روعة قلبه الذي جُمد من الخوف الآن وهكذا عقله الذي جن جنونه من هول الصدمة فتبسمت وهى تضمه كطفلها الرضيع.
خرج الطبيب من الغرفة فنظر “غفران” له بقلق وهكذا “رزان” ليبدأ الطبيب بالحديث وقال:
بسرعة الوضع صعب جدًا ، من خلال الجلستين اللى قعدتهم معها مدام تيا لازم تدخل مصحة عقلية.
أتسعت أعين الجميع وصُدم “غفران” من حديث الطبيب وهو يخبره أن أخته فقدت عقلها وجن جنونها، أبتلع لعابه من هول الصدمة التى أصابته وقال:
مصحة عقلية.
أومأ إليه بنعم وقال بجدية:
اه والقرار فى الأول والأخر يرجع لحضرتك لكن الوضع صعب دى حاولت تأذي نفسها مرتين وتأذي ابنها 3 مرات.
صمت “غفران” بصدمة وغادر القصر تاركًا الأمر للطبيب الذي بدأ يجرى أتصالات وبعد قليلًا جاء الممرضين لأخذها من القصر وهى لا تشعر بشيء ولا تفهم ما يحدث معهم، تسير “تيا” بهدوء معهم فى صمت.
دلف “غفران” إلى الغرفة فوجد “قُسم” تلعب من “نالا” حاملة “سَند” على ذراعيها فجلس يراقبها فى صمت وهى تلعب مع الأطفال وتبسم لتنتبه إليه فقالت:
همس ، خُدى الولاد أكليهم.
أخذتهم “همس” منها لتذهب “قُسم” إلى “غفران” ببسمة مُشرقة وقالت:
خير مالك يا غفران؟
كُنتِ بتتخانقي على طفل بقي عندك أتنين والثالث جاى فى السكة.
قالها بعفوية لتبتسم بحُب وعينيها ترمقه بدفء وقالت:
أكيد طبعًا ولسه أنا ناوية أمل القصر دا كله عيال.
جذبها نحوه بقوة وعينيه ترمق بعينيها وقالت:
ويأخدوكِ مني.
وضعت سبابتها على لحيته تداعبها بحُب ثم قالت:
مُستحيل، أنت حبيبي وروحي ونبض قلبي ، معرفتش الحُب غير معاك يا غفران ولا جربت الجنان غير وياك.
بحبك.
قالها بنبرة هامسة لتتابع بتذمر على عناده قائلة:
على الرغم من أنك عنيد جدًا ورافض العملية لكن نفسي أبني يطلع زيك فى كل حاجة حتى العند.
تبسم “غفران” بحنان وقال بهمس هائمًا بزوجته:
سيبك من العملية فى كل الأحوال عيني مش هتتغير ، عمى الوجوه مرض مالهوش علاج وأنا هكمل بيه زى ما عيشت سابق بيه لكن علاجي الحقيقي هو عشقك يا قُسم.
شعرت بيديه تفتح أزرار بياجمتها فمسكت يده تمنعه من فعل ذلك وقالت:
غفران أتلم شوية.
بحبك يا قُسم ولو كان للعالم نهاية فأكيد نهايته إنتِ ولو كان للمرض علاج فأكيد عشقك وأنفاسك يا قُسم.
قالها بنبرة خافتة تذيب ما تبقي من صمودها أمامه لتلقي بجسدها بين أحضانه وهى تهمس بُحب:
أنا قَسمي هو عشقك وبحق اللى جعل القسم ينطق أن قُسم خلقتك ليك يا غفران.
داعبت عنقه بأناملها الدافئة وقالت:
غفران.
غفرانك هزمه عشقك يا قُسم.
قالها وهو ينقض عليها يلتهمها بشوقه وضربات قلبه التى تسارع نبضاتها فى لحظة دافئة وناعمة تحتل قلوبهما الذي نشب بضلوعها العشق ويحرقها مغرمين بهذا الأحتلال.