تحميل رواية غفران هزمه العشق بقلم نور زيزو pdf
بقلم نور زيزو
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ماذا إذا قبل كل شخص بما قُسم له وأدرك أن الأرزاق وزعت على الجميع بالتساوى؟ ماذا إذا ملكت كل شيء وسلبت شيء بالكل؟ إذا كان الخيار بين المال والصحة، إذا كان الخيار بين الحُرية والآسر؟ فقط خيار واحد سيغير مجرى الحياة.... داخل مطار القاهرة بطيارة خاصة تحمل عليها شعار النسر مزخرف أسفله حرف الg تعبيرًا عن اسم "غفران" برسم جميل، ترجل من داخلها رجل فى أوائل الثلاثينات من عمره يرتدي بدلة رمادية بقميص أسود، طويل القامة وعريض المنكبين يملك جسد ممشوق رياضي، مفتون بالعضلات التى تظهر فى ذراعيه، شعره الأسود الن...
رواية غفران هزمه العشق الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور زيزو
فتحت "تيا" عينيها بتعب شديد لتجد "نورهان" جوارها تتحدث في الهاتف مندمجة في عملها كعادتها. صوت ضجة من تجاه الباب، فكانت "قُسم" ووالدتها جالستين بصحبة "أنس" و"رزان" جالسة تنتظر "نورهان".
تمتمت "تيا" بتعب وخمول من المخدر:
"ماما"
أنتبهت "نورهان" لصوتها فأغلقت الهاتف بتعجل وقلق على طفلتها تقول:
"هكلمك تاني، تيا حمد الله على سلامتك يا حبيبتي"
أخذت "تيا" نفس عميق من التعب وبدأت تستجمع أفكارها حول الأمس وتعبها وغياب "أنس" فسألت بذعر:
"ابني!!"
تنهدت "نورهان" بهدوء شديد تقول:
"المهم صحتك يا تيا وإنكِ قومتي بالسلامة"
"ابني جراله حاجة يا ماما؟"
قالتها بحدة والخوف قد تملك منها كليًا بعد ما عانته من ألم أمس.
فصمتت "نورهان" بوجه عابس من الحزن على فقد حفيدها لتنهار "تيا" من الحزن وقد أنتظرت سنتين لترزق بهذا الطفل. سمع الجميع صراخها وبكاءها من الخارج على فقد طفلها ودلفوا إلى الغرفة ليجدوا "نورهان" تمسك يديها بخوف وتقول:
"أهدئي يا تيا، أهدئي... الدكتور يا رزان بسرعة"
بدأت تمسح على رأسها بلطف وخوف، مُنقضّة القلب على فتاتها الصغيرة. صمتت "قُسم" بهدوء، مُمسكة بيد والدتها من الحزن مُشفقة على حال هذه الفتاة.
أقترب "أنس" منها بذعر يضمها إليه بوجع وعينيه تبكي على فقد طفله ويقول:
"أهدئي يا حبيبتي، أهدئي ربنا هيعوضنا المهم إنتِ"
تشبثت به بوجع وجهشت باكية بانهيار أكثر وترتجف حزنًا مع ألم جسدها. لم تتحمل "قُسم" هذا المشهد وصوت الصراخ فخرجت من الغرفة إلى غرفة الاستقبال وجلست على الأريكة منكمشة في ذاتها.
دلف "غفران" بعد أن أخبره "عُمر" بيقظة أخته ليجد "قُسم" في حالتها من الحزن فتلاشى النظر إليها بحدة غاضبًا منها، لكن أوقفه صوتها الخافت تقول:
"غفران"
ألتف إليها بصمت ليخرج "عُمر" تاركهما مُنتظر أمام الغرفة. وقفت "قُسم" تسير نحوه بينما هو ساكنًا محله لم يتفوه بكلمة أو يحرك أنش واحدة من جسده ليُصدم عندما ظلت تقترب حتى لفت ذراعيها حول خصره ووضعت رأسها على صدره.
أُتسعت عينيه على مصراعيها وتمتم بخفوت:
"أعتقد أن جوازنا على ورق بس"
"أممم بس ثواني"
قالتها بهدوء. كانت توافقه الرأي في عنادها وحديثها السابق لكنها الآن بحاجة إلى عنقه وسماع صوت نبضاته. لم تغفو له عين من الأمس، فأخذها من يدها إلى سيارته وصعد بالأريكة الخلفية ووضعت رأسه على قدمها وأغمض عينيه بتعب عاقدًا ذراعيه أمام صدره.
أنتفض جسدها بدهشة ولم تتفوه بكلمة واحدة وظلت تحدق بوجهه ليدق قلبها بجنون لأجله وعقلها بدأ يتسائل عن حياتها القادمة وإذا كانت علاقته مع "كندا" مشروخة فهل ستظل هي عالقة في البُعد عنه لأجل "كندا". حاولت أن تفهم عنادها معه لكن كبريائها يمنعها من التنازل عن كلماتها فسألت بنبرة هادئة:
"غفران أنت نمت؟"
"لا"
قالها بنبرة خافتة دون أن يفتح عينيه لتتابع سؤالها بجدية:
"مجبتش كندا معاك ليه تزور تيا؟"
تأفف بحدة من ذكر أسم "كندا" في الصباح. رفضته وقررت البُعد عنه بفضل "كندا" والآن تتحدث عنها لتقول بجدية:
"المفروض تيجي تزورها دي أخت جوزها"
شعر بنيران الغضب تحرقه من الداخل حتى حولت صدره لرماد. عقله لا يستوعب أنه ما زال ساكنًا ولم يقتلها على خيانته. لمحت "قُسم" تحول ملامحه واحمرار وجهه من الغضب لترفع يدها اليمنى بلطف تضعها على رأسه وتغلغلت أصابعها بين خصلات شعره الناعمة محاولة إخماد نيرانه وإمتصاص غضبه.
شعر "غفران" بدفء يدها وحنيتها التي تأسره وتهزم غروره المتغطرس ليُفتح عينيه أخيرًا وأدار رأسه للأعلى حيث وجه "قُسم" فقال بهدوء:
"أنا مش ظالم يا قُسم، مش ظالم عشان تحرمني منك ما دام هجرت كندا، أنا هجرت واحدة خانتني مع راجل تاني وسايبها تتنفس لحد دلوقت عشان خاطر نالا، بنتي الوحيدة واللة مانعني عن قتل كندا حالة نالا النفسية ومتابعتها مع الدكتور النفسي، ولحد ما تتحسني هتفضل تتنفس بفضل بنتي، أنا دايس على كرامتي ورجولتي وعقلي وإنتِ هنا بتكملي عليا وبدوسي على قلبي عشان خاطر خاينة وحارمني منكِ وحاطة حواجز بينا وحلها الوحيد أني أصلح علاقتي مع خاينة... دا يرضي مين؟ أنا كدة أبقي ظالم وأستاهل قسوتكِ دي"
دمعت عينيها بحزن على ما يتفوه به وهذا الرجل الذي حددت علاقته بها بعلاقة زواجه مع "كندا". سقطت دمعتها على وجنته بألم لتقول:
"أنا أسفة"
رفع يده يجفف دموعها بحنان وعينيه تحدق بوجهها الباكي ثم قال:
"لو عايزاني أقبل أسفك، خليكِ معايا"
هزت رأسها بنعم ليغمض عينيه بتعب ويدفن رأسه ببطنها يغوص في نومه العميق من التعب وهى تداعب خصلاته حتى شعر بالأمان ونام من التعب كليًا. ظل محلها ساكنة ولم تتحرك تتأمله بحُب وعينيها لا تفارق ملامحه.
خرجت "صفية" من المستشفى تبحث عن ابنتها مع "عُمر" ليراها بسيارة "غفران" فألتف إلى "صفية" وقال بهدوء:
"ممكن حضرتك تروحي مع صابر ومدام قُسم أنا هوصلها لحد البيت، هى مع مسيو غفران متقلقيش"
وقفت "صفية" بحيرة من أمرها أترفض ترك ابنتها مع زوجها أم تذهب. وبنهاية الأمر أومأت "صفية" له بنعم ثم قالت:
"ماشي أنا همشي عشان عندي ميعاد مع دكتور القلب مع عمك جميل بس متأخرهاش"
هز رأسه بنعم لتغادر "صفية" مع "صابر" ووقف "عُمر" أمام السيارة يعطيهم ظهره حتى يستيقظ "غفران" من نومه.
وقف "أنس" في رواق المستشفى يتحدث في الهاتف مع "ملك" يقول:
"مش هقدر أجي النهار دا، الطفل نزل ومقدرش أسيبها في الحالة دي لوحدها وكمان مخرجتش من المستشفي"
تأففت "ملك" بضيق شديد من تصرفات زوجها وهو يعطي كل الاهتمام إلى "تيا" ويفضلها دومًا على حُبه إلى "ملك". تحدثت بغضب سافر تقول:
"وأنا ذنبي أي في كل دا؟ حتى اليومين اللي بتجيهم ليا في الشهر كله هتقعدهم جنب الهانم"
كز على أسنانه بضيق شديد من رد فعل "ملك" ليتحدث بنبرة غليظة مُنخفضة خوفًا من أن يسمعه أحد:
"خلي عندك دم يا ملك، بقولك ابني مات في بطن أمه وإنتِ بتقولي أي؟!!"
كادت أن تفقد عقلها من رده فصرخت به بانفعال وهي لا تقبل بأي مبرر قائلة:
"وأنا مالي مات وعاش، متظلمنيش أكثر من كدة يا أنس لأحسن أنا مجنونة وممكن أطربقها على دماغي ودماغك عادي جدًا"
سمع صوت "نورهان" تناديه من الخلف وتقول:
"أنس"
همس إليها بخوف قائلة:
"طيب شوية وهكلمك بس أهدئي دلوقت"
أنهى الاتصال وألتف إلى "نورهان" ببسمة خافتة فرمقته بمكر وشكوكها بدأت تستجمع حول ما يخفيه لتقول بجدية:
"ادخل لمراتك وخلي بالك لأني الديل المعوج أنا بقطعه"
مرت من أمامه تاركة تهديدها إليه. خرجت من المستشفى لترى سيارة "غفران" ما زالت هنا و"عُمر" بالخارج فحدقت أكثر بالسيارة لترى "قُسم" بداخلها فصعدت بسيارتها مُدركة أن ابنها أختفى عن الجميع لأجل زوجته المُدللة الجديدة.
نظرت "قُسم" وجهه النائم وقد أقترب وقت الغروب لتمسح على رأسه بلطف مُنادية إياه:
"غفران"
فتح عينيه بتعب بعد وقت طويل من النوم ليراها أمامه أول شيء فقالت بهدوء:
"يلا أصحي عشان تروحني هتأخر"
رفع يده إلى النافذة الموجودة جواره وطرق عليها ليفتح "عُمر" الباب الأمامي للسيارة فقال "غفران" بتعب:
"أركب يا عُمر عشان نوصلها"
صعد "عُمر" وأنطلق بالسيارة وهو ما زال نائمًا كما هو و"قُسم" أحمرت خجلًا بقوة من نومه هكذا على قدمها أمام "عُمر" وظلت عينيها عالقة بالمرآة على "عُمر" وتهمس بحرج قائلة:
"غفران قوم"
"عُمر عارف إنكِ مراتي"
قالها بصوت عالٍ حتى تبسم "عُمر" فضربته "قُسم" على كتفه من الحرج وظل نائمًا حتى وصل إلى شارع سكنها ليعتدل في جلسته جواره وقال:
"خلي بالك من نفسك"
أومأ إليه بنعم، فرك عينيه بخفة والسيارة تتوقف أمام المنزل ليترجل "عُمر" يفتح لها الباب بينما نظرت "قُسم" إلى "غفران" ببسمة خافتة وقالت:
"تعبتك معايا"
"أول مرة أشوف واحدة بتتعب جوزها لما يوصلها"
قالها ببسمة خافتة فتبسمت "قُسم" مع فتح "عُمر" للباب وترجلت من السيارة لتصعد إلى شقتها.
بعيدًا كان "حازم" يحدق بالسيارة مُنذ دخولها إلى الشارع والغضب يمزقه أربًا من الداخل وقال:
"مبقاش حازم لو مأخدتش حقي"
تمتم صديقه وهو يشعل سيجارته بلا مبالاة:
"الحق بيبقي حلوته في وقته، أضرب على الحديد وهو سخن يا زميل"
ينظر "حازم" إليه بانفعال شديد مما يدور بداخله من غضب وقهرة. يشعر بخنجر الغدر المغروس في صدره منها حدد موعد زفافها في الصباح ومساءًا خطبته لغيره. حدق بسيارة "غفران" أثناء مغادرتها فأغمض "غفران" عينيه من التعب حتى رن هاتف "عُمر" يقول:
"رد يا عُمر"
تنحنح بحرج وهو يقول:
"ايوة يا ليلي.... أهدئي طيب وفهمني حصل أي؟"
فتح "غفران" عينيه بعد أن انتبه لكلماته وأن "ليلي" تواجه شيء وتستنجد به فقال " عُمر" بجدية:
"طيب أديني ساعة أوصل للقصر وهحصلك"
قاطعه "غُفران" بهدوء يقول:
"أركن على جنب يا عُمر"
أوقف "عُمر" السيارة جانبًا ليترجل "غفران" من الخلف وفتح الباب الأمامي ثم قال:
"انزل روح لها وأنا هروح"
قلق "عُمر" من قيادة "غفران" للسيارة وحده لكنه لا يملك خيار أخرى فترك السيارة إلى "غفران" وأخذ سيارة أجرة إلى محبوبته بقلق.
صرخت "ملك" بنبرة عالية مُحتدة:
"أعلي ما خيلك أركبه، ما هو أنا مش الجارية عندك يا أنس"
"يا ملك أعقلي، دا ظرف طارئ بلاش تهدي كل حاجة في لحظة غضب"
قالها "أنس" بنبرة غليظة محاولًا تهدئة زوجته. تركته "ملك" وذهبت إلى الأرض تجلس عليها بانفعال ووضعت قدم على الآخر ببرود ثم قالت:
"لا يا أنس، هى طلعت في دماغي بقي وهتبات معايا الليلة يا أما ههد المعبد على دماغي"
تأفف بضيق شديد وهو يمسح على رأسه بيده من الغيظ ثم أقترب منها يقول:
"هعوضك والله، يا ستي أول ما هي تقف على رجلها ونعدي الظروف دي أنا مستعد أخدك ونسافر في أي مكان تحبيه قُلتي أي؟"
رفعت يدها إلى وجنته بدلال وبسمة مُشرقة تنير وجهها الجميل ثم قالت بعنادٍ وتحدٍ:
"برضو لا، هتبات معايا الليلة يا أنس"
قضم شفته السفلية بغيظ من عنادها ثم قال بحدة:
"يا ملك أنا مراتي في المستشفى وأبني مات لأني كنت سايبها لوحدها في البيت ونايم في حضنك، أعذرى دا"
"أسفة يا روح قلبي، أنت كمان لازم تعذر أني مستحملة كل دا وراضية بيومين في الشهر وهي واخداك منى الشهر كله مع أني الأولانية وهي التانية"
قالتها بجدية صارمة. رفع حاجبه بانفعال ثم وقف من مكانه وهو يصرخ غاضبًا:
"وإنتِ اللي قبلتي بالوضع دا من الأول متجيش تشتكي دلوقت بقي"
وقفت منفعلة جدًا من حديثه لتقول بغلاظة:
"قبلت عشان بحبك لكن تيجي عليا لا، ولا أنت بقي خايفة من المادم هاتهالي على بلتطة وقولي أنك خايف منه"
لم يتملك أعصابه أكثر ليصفعها بقوة وهجم عليها يضربها بجنون وهي تتابع استفاازه بالحديث قائلة:
"بتتشطر عليا وأنت مرعوب منها، والله لأهد كل حاجة على دماغك يا أنس وأخليك تيجي لحد عندي راكع ويا أنا يا هى بقي"
"أنا متهددش ست، دا أنا أدفنك قبل ما تفكري تعملي حاجة من ورايا"
قالها وهو يضربها بقوة ويسحبها من شعرها. صرخت "ملك" بقوة وتجمع الجيران أمام الشقة من الصراخ لتركها من يده مع حضور الجيران وغادر الشقة مُتمتمًا بضيق:
"والله لأوريكي يا بنت الكــ لـــ ــب"
خرجت "قُسم" من المرحاض بعد أن أخذت حمام دافيء لتجد "قاسم" يستعد للمغادرة فقالت بجدية:
"هتتأخر برا"
"ماتش في السريع قبل ما بابا وماما يرجعوا"
قالها بتعجل وهو يربط رباط حذاءه فأومأت إليه بنعم وخرج. جلست أمام المرآة تصفف شعرها المبلل وتضع مربط على ذراعيها وعنقها ليرن هاتفها باسم "غفران" فأستقبلت الأتصال تقول:
"أيوة"
"أنا عايز أفهم ليه مراتي تكون بعيد"
قالها بعناد من شوقه إليها والنوم جوارها كان يحمل الأمان. ضحكت بخفة على سؤاله المفاجئ وقالت:
"اي يا غفران، دا لسه ست شهور خطوبة"
أجابها وهو يقود سيارته غاضبًا بتذمر على هذا البُعد ليقول:
"خطوبة أي، إنتِ مراتي هو في حد يخطب مراته، أنا هجيلك أخدك واللى يقدر يمنعني يوريني نفسه"
ضحكت وهى تقف من أمام المرآة على جنونه بينما "غفران" أدار مقودة السيارة لكي يعود إلى منزلها رافضًا هذا الفراق بينهما. تحدثت بنبرة ناعمة وهي تلقي بجسدها على الفراش:
"غفران متعملش مشاكل وبعدين بابا مش هنا مش هينفع تيجي"
تبسم بمكر شديد يقول:
"أحسن هو أنا هعوزه في أي وإنتِ حلالي، أنا جايلك"
ضحكت بخفة عليه ليدق باب الشقة فسألت بدهشة:
"أى دا؟ أنت جيت بجد؟"
"جيت فين؟ أنا قدامي خمس دقايق وأكون عندك"
قالها بجدية لتقف من مكانها تمطي جسدها بتكاسل وقالت:
"استنى يا غفران أفتح تقريبًا بابا جه"
فتحت باب الشقة لتُصدم بـ "حازم" أمامها والهاتف في يدها أنزلته عن أذنه لتقول بصدمة:
"حازم!!"
"أيوة حازم اللي غدرتي به وعملتي لعبة في إيدكِ إنتِ وأهلك"
قالها بحدة صارمة، ليسمع "غفران" كلماته ليزيد من سرعة السيارة بخوف على "قُسم" خصيصًا أنه يعلم أنها وحدها بالمنزل. رمقته "قُسم" بضيق ثم قالت:
"امشي يا حازم، امشي لأن الكلام معاك بيعمل مشاكل وبس وعمرك ما شوفت نفسك غلطان وبتشوف عمايل اللي قدامك بس"
أقترب أكثر ليدخل إلى الشقة وهي تقف محلها تمنعه من الدخول بضيق قال:
"أطلع برا"
مسكها من ذراعيها بقوة ليسقط الهاتف من يدها وما زال "غفران" يسمع ما يدور بينهما. هزها بقوة صارخًا بها بغضب من شعوره بدهس كرامته أمامها:
"أنا بعمل مشاكل!!، أنا اللي حددت ميعاد الفرح وبليل خطبتك لواحد تاني، لا يا قُسم على جثتي تكوني لحد غيري، إنتِ من يوم ما اتولدتي وإنتِ بتاعتي أنا وملكي أنا وبس"
صرخت بألم من قبضته المُحكمة على ذراعيها وقوة هزه لجسدها وارتطامه بالحائط بألم وقالت بعنف:
"أنت مجنون وغبي ومستحيل أكون ليكِ حتى لو كان على جثتي، سيبني كدة اااه"
رمقه بغضب ونظرة الاشمئزاز في عينيها إليه تُثير غضبه أكثر وتؤلم قلبه العاشق فأقترب منها بلا وعي خائفًا من فقدها محاولًا تقبلها لتصرخ بذعر وهي تدفع بقوة بعيدًا وصفعته على وجهه وهي تركض من بين يديه.
سمع "غفران" صراخها وجن جنونه ولأحسن حظها أنه كان بطريقه إليه ليصل أمام المنزل كالمجنون ورأى "قاسم" سيارته تدخل الشارع بسرعة جنونية ولا يبالي إذا دهس أحد أمام عجلات سيارته ليترك أصدقائه ويسرع إلى منزله خلف سيارة "غفران". ترجل من السيارة كالمجنون وصعد إلى الأعلى دون أن يغلق باب سيارته من الخوف على زوجته. وصل إلى شقتها ليسمع صوت صرختها فكسر زجاج الباب بيده بقوة وفتحه من الداخل ليرى "قُسم" على الأريكة تدفعه بعيدًا عنها بكل قوتها صارخة بأقصى ما لديها لعل ينقذها أحد. هرع "غفران" نحوهما ليسحبه من ملابسه بعيدًا عنها ولكمه مرات متتالية بقوة حتى كاد أن يقتله في يده ونزف وجه "حازم" بغزارة حتى سقط على السفرة فلم يتمالك "غفران" أعصابه ومسك المزهرية الزجاجية وكَسرها فوق رأسه ليفقد الوعي كليًا ويسقط على الأرض. هرع إلى "قُسم" التي كانت ترتجف بذعر وجسدها باردًا كالثلج وفور وصوله إليها لفت ذراعيها حول خصره تختبي بيه من هذا الوحش ليطوقها بذراعيه بقوة وأحكام ويده تربت على كتفها بلطف:
"متخافيش يا قُسم، متخافيش أنا هنا"
دلف "قاسم" إلى الشقة ليرى أخته منهارة من البكاء بين ذراعي زوجها وملابسها ممزقة و"حازم" على الأرض غارقًا في دمائه. أحضر "قاسم" روبها من الداخل ليضعه على أكتافها بقلق وقال:
"حصل أي؟"
"هاتلها كوباية ليمون"
قالها "غفران" بجدية ليفعل "قاسم" ما طلبه. اتصل "غفران" بضابط شرطة صديقه وجاء للقبض على "حازم" في نفس اللحظة التي وصل بها "جميل" مع زوجته التي تسانده ووجد رجلين من الشرطة في شقتهما و"حازم" وجهه غارق بالدماء مع العسكري. سأل "جميل" بقلق:
"حصل أي؟"
لم يجيب عليه أحد وأخذ الضابط رجاله مع "حازم" ليقصي "قاسم" ما حدث إلى والديه. نظر "غفران" إلى "قُسم" وهي نائمة في فراشها بينما هو جالسًا على حافة الفراش يمسح على رأسها بلطف ثم قال:
"أهدئي يا قُسم، أوعدك إنكِ مش هتشوفي خلقته مرة تانية"
دلف "جميل" إلى الغرفة حزينًا على ما حدث لأبنته ليرى "غفران" جالسًا كما هو قرب ابنته فسأل بقلق:
"إنتِ كويسة؟"
أومأت "قُسم" إليه بنعم فوقف "غفران" من مكانه وقال بجدية:
"أنا عايز أتكلم مع حضرتك شوية"
خرج الاثنان معًا ودلفت "صفية" تطمئن على ابنتها. أرتشف "غفران" القليل من كوب المياه ثم قال بجدية:
"سامحيني في قلة ذوقي بس أنا هأخد مراتي معايا"
نظر "جميل" إليه بدهشة ليتابع "غفران" الحديث بحدة صارمة:
"قُسم مراتي وأنا ملزم بحمايتها لكن مراتي مش هتفضل هنا، أسمح لي أخدوها بموافقتك"
حاول "جميل" أن يتخيل ماذا حدث مع ابنته؟ وأن سلامتها بوجودها مع "غفران" ليؤمأ إليه بنعم، فتبسم "غفران" بلطف وأنتظر حتى تبدل ملابسها وأرتدت فستان أزرق اللون بأكمام وغادرت إلى القصر معه. دلفت بصحبته شاحبة وخائفة لترى "نالا" تركض إلى والدها بحماس من غيابه الكثير عن المنزل فضمها بلطف وقال:
"اميرتي الجميلة لسه صاحية لحد دلوقت ليه؟"
"عايزة أقولك أن مامي مش عارفة تخرج من أوضتها وعاملة تعيط"
قالتها ببراءة وهي لا تفهم أن والدها أمر بسجن والدتها داخل هذا القصر. ربت على وجهها بحنان ثم قال:
"انا هشوفها يا نالا لكن دلوقت نقول good night ونطلع ننام"
"good night dad"
قالتها بلطف وبسمة دافئة طفولية ثم وضعت قبلة على وجنته وذهبت. إلى "قُسم" لتبتسم "قُسم" إليها لكن سرعان ما تلاشت بسمتها حين تجاهلتها "نالا" وصعدت للأعلى مع خادمتها فأخذ "غفران" قُسم" من يدها وصعد إلى الأعلى تجاه غرفته وقال:
"دي أوضتك مؤقتًا وأنا في الاوضة دي لو احتجتني أنا موجود"
فتح باب الغرفة لها ولم تدخل فنظر إليها ورآها تمسك بيده بأحكام رافضة ترك يده والدخول إلى الغرفة فتبسم بلطف وأقترب منها بحُب ثم قال:
"متخافيش يا قُسم، إنتِ هنا في أمان"
هز راسها بالنفي ولا تصدق وجود أمان في هذا العالم. أعتقدت أن زوجها منه سيبقيها في أمان لكن تجرأ "حازم" على ارتكاب فعلته مرة أخرى دون خوف من "غفران" فتنهد "غفران" بلطف وقال:
"طب تعالي"
أخذها إلى غرفته وجعل الخادمة تحضر لها ملابس وذهب ليبدل ملابسه لكنه عاد ووجدها كما هي بفستانها. جلس قربها على حافة الفراش وقال:
"قُسم"
جهشت في البكاء وقد تركت أسر دموعها تشق طريقها على وجنتها، فضمها إليه فزاد بكاءها وصوت شهقاتها ملأ الغرفة وربت عليها بحنان.
في شقة "ملك" كانت الفوضى تعم المكان والجيران يقفوا على الباب ويضربون أياديهم ببعض من الحيرة ورجال الشرطة تملأ المكان فقال أحدهما:
"والله يا بيه ما نعرف حاجة أمبارح بليل في صوت زعيق وصويت في الشقة"
وصل "محمود" وهو يحاول أن يفهم ماذا يحدث؟ فسأل أحد الرجال الواقفين بقلق:
"هو في أي؟"
"الست اللي ساكنة هنا لاقيناها الصبح مقتولة"
قالها الرجل بشفقة فأتسعت عيني "محمود" على مصراعيها ودلف إلى الشقة كالمجنون ليرى "ملك" جثة هامدة على الأرض وهناك سكين في خصرها وروبها الوردي ملوث ببركة الدماء فظل حادقًا بها بصدمة ألجمته وعينيه مُتسعة على مصراعيها يحاول تمالك أعصابه من هول الصدمة حتى أقترب منه شرطي يقول:
"ممنوع الدخول هنا، أتفضل؟"
خرج من الشقة ليسمع البواب يقول إلى الضابط:
"أخر حاجة أمبارح بليل كان في خناقة كبيرة بينها وبين جوزها وصوت زعيق عالي وخرج من الشقة بيحلف ليندمها"
سأل الضابط بجدية قائلًا:
"اسمه أي جوزها دا؟"
"أنس بس معرفش أنس أي، أستاذ محمود يعرفه"
قالها وهو يشير على "محمود" قبل أن يغادر الشقة.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور زيزو
أستيقظت "قُسم" من نومها صباحًا على صوت رنين هاتفها المُتصل دون توقف. فركت عينيها بتعب شديد ويدها الأخرى تبحث عن الهاتف بجوارها حتى ألتقطته. وضعته على الهاتف بعيني مُغمضة وسمعت صوت والدتها تقول:
_ صباح الخير يا قُسم
_ صباح النور يا ماما
قالتها بتكاسل وهى تضم الوسادة لصدرها مرة أخرى تعانقها بتعب. لتسمع حديث والدتها المُرعب حين قالت:
_ ملك فى المستشفي
فتحت عينيها بفزع. كانت جملة والدتها كفيلة أن تقظها من نومها تمامًا. فسألت بفزع:
_ حصل أى؟ مستشفي أى؟
تحدثت "صفية" بصدمة ممزوجة بالحزن على ما حدث وقالت بتهكم شديد:
_ لاقوها فى شقة مضروبة بسكينة فى بطنها وطلعت متجوزة والدنيا بايظة خالص يا قُسم. وأمها منهارة وأبوها مصدوم وبيحلف لقتلها والدنيا مقلوبة هنا.
لم تستوعب كل هذا الحديث الذي تتفوه به والدتها ولم تصدق أن صديقتها أخفت عنها كل ذلك وكان لديها أسرار تخفيها من وراءها. تمتمت بصدمة ألجمتها:
_ لا طبعًا، ملك متربية ومستحيل تعمل كدة أكيد فى حاجة غلط. هى فى مستشفي أى؟
أخبرتها والدتها باسم المستشفي لتغادر "قُسم" فراشها سريعًا كي تذهب إلى صديقتها.
***
فتح "غفران" باب غرفة "كندا" وكانت جالسة بفراشها تضم قدميها إلى صدرها بضعف ووجهها شاحبًا ومُنهكة من أنقطاعها عن الطعام. تقدم للأمام وفتح زر سترته الرمادية وجلس على المقعد المقابل للفراش وقال:
_ سؤال وقاتلنى الفضول لمعرفة جوابه. أنتِ قاطعة الأكل عقاب لنفسك وأعتراف بذنبك وقررتي تستلمي للموت ولا...
قاطعته "كندا" بحدةٍ وعنادٍ متشبثة بنفس جوابها وإنكارها للخيانة قائلة:
_ أنا مش مذنبة يا غفران ومش خاينة. أنت بس اللي مبقتش عايز تشوفني غير في الصورة دي.
_ أنا مش جاي أسمع مبررات وكذب جديد. أنا عشر سنين بصدق دموع التماسيح دي. أنا جاي عشان خاطر بنتي. نالا نفسيتها بتتعب ودا السبب الوحيد اللي مخليني باقي على عمرك يا كندا رغم جرائمك معايا وفى حقي. هتخرجي من هنا وتعيشي في القصر زي ما كنتِ. لكن خلي بالك إنكِ مجرد مربية لنالا وقُسم. إياكِ ثم إياكِ ثم إياكِ يا كندا ترفعي عينيكِ فيها. وقتها مش هعمل حساب حتى لبنتي.
ضحكت "كندا" بسخرية شديد على كلماته فقالت بنبرة حزينة واهنة:
_ قُسم.. قُسم.. دا اللي جابك ليا يا غفران. قُسم مش بنتك. بطل تكذب وتعيش أوهامك لأني تعبت وقرفت من تحمل كل الأوهام دي. وتقريبًا كدة أنت بقيت زي الأعمي مبتشوفش أني طاقتي معاكِ خلصت وشبعت من قرفك وقسوتك وجبروتك.
وقف من مكانه مُغتاظًا من لعنها له بالأعمي وكز على أسنانه بغيظ شديد قبل أن يفقد أعصابه عليها وقال:
_ أنا أعمي عشان مشوفتش خيانتك ليا السنين دي كلها.
دفعته بقوة من طريقها وقد فاض بها الأمر وقالت:
_ مخونتكش. كفاية بقي وأرحمني.
تابعت سيرها للخارج وهكذا تتابع الحديث بانفعال شديد:
_ مبتحسش ومبتشوفش. أنت طول الوقت بتجلد فيا وبتتهمني بحاجة أنا معملتهاش. ليه كل دا؟ كارهني ولا بتوجد لنفسك شمعة تعلق عليها خيانتك ليا؟
وصلت للطابق الأول مع صراخها وهو خلفها لتستدير إليه بجنون وقد وصلت لأأقصي درجة فى الإنفعال وقالت:
_ الحقيقة بقي أن أنتَ اللي خونتني وأتجوزت عليا وبكل بجاحة وعين قوية جاي تحط علتك فيا. أنا جايز أكون كان عندي علاقات قبل جوازنا. لكن من يوم ما أتجوزتني وأنا ملمسنيش راجل غيرك ولا يجرأ راجل أنه يعملها. أنا مش زبالة أوى كدة يا غفران. لكن من الواضح أن القذارة دي جواك ووجعاك عشان كدة بتوجد لنفسك مبرر للخيانتك ليا معاها.
صرخت بجنون وهى ترفع يدها نحو "قُسم" التى تقف على الدرج خلفه وتستمع للشجار الذي يدور بينهما. نظر نحو يدها ليرى "قُسم" واقفة تبكي بهدوء. فتابعت "كندا" بعصبية شديد:
_ لو فينا حد خاين يبقي أنت يا غفران. ولو في حد فينا مُذنب وبجح فهو أنت وبس.
رفع نظره بها لتبتلع لعابها بخوف من نظرته وتلتزم الصمت وكأنه يُذكرها بتهديده الذي بلغه لها من قليل. أستدارت تعطيهم ظهرها بضيق شديد. فصعد "غفران" درجتين حين محبوبته الجميلة وقال بهدوء:
_ قُسم.
_ ملك عملت حادثة ومحتاجة أروح لها ضروري.
قالتها بخوف على صديقتها وكأنها لا تبالي بهذا الشجار فى الحال. فأومأ إليها بنعم وقال:
_ ماشي روحي بس خلي بالك من نفسك وصابر هيوصلك.
أومأت إليه بنعم ليضع قبلة على جبينها بلطف وهو يعلم قدر صداقتها مع "ملك" وهمس إليها بحب قائلًا:
_ متقلقيش يا حبيبتي هتكون كويسة ولو أحتجتي أى حاجة كلميني.
أومأت إليه بنعم وتمتمت بضعف ويديها ترتجف ليشعر برجفتها حين وضعت يدها على صدره قائلة:
_ خايفة أوى عليها يا غفران.
مسح على رأسها بحنان وقال:
_ متقلقيش يا قُسم، خير بإذن الله.
لم تبالي "قُسم" بحديث "كندا" لطالما كان المُذنب جبان ولم يعترف بذنبه. أستدارت "كندا" إليهما حين سمعت حديثه اللطيف معها لتجده على قُرب شديد منها وشبه يضمها ويده تمسح على رأسها لتشعر بخنجرها الموجود فى قلبها يمزقه أكثر ودمعت عينيها بوجع لتغادر المكان إلى الحديقة فى الخارج. نزل "غفران" معها وكان "عُمر" يقف مع "سمير" سائق "غفران" الخاص بجوار سيارته وفى الخلف سيارة "قُسم" وبداخلها "صابر" فى مقعد السائق. أقترب "عُمر" وهو يشير إلى شاب بأن يقترب حتى وصلوا أمام "غفران" ليقول "عُمر":
_ سليم، الحارس الشخصي اللي حضرتك طلبته.
رمقه "غفران" بهدوء وكان وجهه ضبابي ليقول بحدة صارمة:
_ سلامتها وحياتها أهم من روحك حتى.
نظرت "قُسم" إليه وهو يتحدث مع هذا الشاب عن سلامتها ويشير عليها. فأومأ الشاب له بنعم. تابع "غفران" بهدوء حاد:
_ إياك تغيب عن عينيكَ لحظة.
هز رأسه بنعم فأشار إلى "قُسم" بأن تذهب لتسرع إلى سيارتها دون أن تناقشه فى شيء الآن وعقلها لا يفكر بشيء سوى صديقتها.
***
[[ قصـــر اللؤلؤ ]]
كانت "نورهان" جالسة على السفرة ترتشف قهوتها وفى يدها الأخرى جهاز اللوحي الإلكتروني (التابلت) تقرأ الأخبار عن جريمة قتل التى حدثت فى أحد الشقق وأخذت منعطف الأنتشار بسرعة جنونية على الأنترنت ( جريمة قتل فى شقة الزمالك). ظلت تقرأ الخبر وتشاهد الصور المُلتقطة للحدث ورغم عدم معرفة الصحافة بكل الأخبار والجريمة الكاملة لكن "نورهان" كانت مُهتمة جدًا وتقرأ بتركيز شديد حتى أنها لم تشعر بدخول "رزان" التى وصلت للتو وقالت:
_ صباح الخير.
لم تجيب "نورهان" بسبب أنغماسها فى الأخبار. تنحنحت "رزان" بلطف ثم قالت:
_ الموضوع اللي حضرتك طلبيه تم على أكمل وجه وبدون ترك أي أثر وراءه.
تبسمت "نورهان" بأنتصار بسمة خبيثة شيطانية ثم قالت ورأسها ترفع في "رزان" تاركة الجهاز اللةحي من يدها:
_ برافو عليكِ يا رزان، دا اللي عاجبني فيكِ وخلاني دايمًا مُتمسكة بوجودكِ. مهما كانت صعوبة الأمور والطلبات بتنفيذها صح مظبوطة بالمسطرة.
تبسمت "رزان" بفخر من دعم "نورهان" لها لتقف "نورهان" من مكانها بسعادة ونشاط مُستعدة لبدأ يوم جديد فى عملها لتغادر القصر مع "رزان" وقبل أن تصعد بسيارتها الزرقاء من ماركة رولز رويس لترى سيارة "غفران" تغادر القصر وأمامها سيارة جديدة إدركت أنها سيارة "قُسم". فأنطلقت سيارتها فى المؤخرة حتى قاطعهما على البواب ظهور سيارات الشرطة لتعبر سيارة "قُسم" أولًا مُنطلقة فى طريقها بينما توقف "غفران" ووالدته ليترجل "عُمر" أولًا من السيارة وتقدم نحو رجال الشرطة وعيني "نورهان" و"غفران" تراقبه عن الكثب حتى عاد "عُمر" إليه ففتح "غفران" النافذة ليقول "عُمر" بدهشة والصدمة تحتل عينيه قائلاً:
_ بيسأله على أستاذ أنس بيقولوا متهم فى جريمة قتل زوجته.
أتسعت عيني "غفران" على مصراعيها وقال بحدة:
_ تيا!!
تنحنح "عُمر" بقلق شديد من رد فعل "غفران" وقال بجدية:
_ لا، زوجته الثانية.
فتح "غفران" باب السيارة بأندفاع شديد ليفصح له "عُمر" الطريق وهو يقول بجدية:
_ زوجته الثانية.
رأت "نورهان" صدمة "غفران" وملامحه التى تبدلت من القلق إلى الصدمة ممزوجة بالغضب كأنه طعن فى عقله بالغدر. فتمتمت بجدية صارمة:
_ أنزلى شوفي في أى يا رزان؟
هزت "رزان" رأسها بنعم وترجلت من السيارة حتى سمعت الحديث مع ضابط الشرطة الذي جاء باحثًا عن "أنس" ويقول بجدية:
_ أنا بعتذر عن أقتحام المنزل يا غفران بيه بس للأسف دا قانون وأنا بنفذه وأنس مطلوب القبض عليه بجريمة قتل.
تنهد "غفران" بهدوء جدًا ونظر إلى "عُمر" الذي جاء من نظرة واحدة إليه وقال بهدوء:
_ هاته من جوا يا عُمر.
وقف "غفران" ينتظر حتى دلف "عُمر" مع رجال الشرطة إلى قصر الحديقة وفتحت الخادمة لهم. كان "أنس" جالسًا على السفرة يتناول الإفطار و"تيا" جالسة على الأريكة تتناول القليل من الفاكهة ووجهها شاحبًا جدًا من التعب فسألت بتعب:
_ مين يا إيريني؟
أجابتها الخادمة بفزع من رؤية الشرطة أمامها بصحبة "عُمر" قائلة:
_ البوليس.
وقفت "تيا" بتعب رغم وصولها منذ ساعة من المستشفي لكن فزعها من وجود الشرطة فى قصر كان صدمة كفيلة أن تجعلها تقف على قدميها رغم تعبها. تمتمت بعبوس:
_ بوليس.
أقترب "أنس" بدهشة بعد أن سمع حديث الخادمة وقال:
_ في أى؟
تحدث الضابط بهدوء شديد قائلًا:
_ حضرتك أستاذ أنس.
أومأ إليه بنعم فتحدث الضابط بهدوء:
_ حضرتك مطلوب القبض عليك بتهمة محاولة قتل زوجتك السيدة ملك.
أتسعت عينيه على مصراعيها بصدمة ألجمته من هول الفزع الذي أصابه مما حدث إلى "ملك". لم يبالي نهائيًا بوجود "تيا" أو صدمتها بأنه متزوج من أخرى. بل كل ما شغل عقله بهذه اللحظة قتل "ملك" وتهمته بهذا الشيء. تمتمت "تيا" بصعوبة من الخلف بهدوء قبل أن تفقد أعصابها:
_ أنت متزوج عليا؟
ألتف إليها بصدمة وكأن حديثها أفاقه من غيبوبته فحدق بها بقلق وقال:
_ تيا.. تيا أنا هفهمك، الكلام دا محصلش أنا مقتلتش حد.
أسرع للذهاب نحوها ليمسكها من ذراعيها بقوة محاولًا السيطرة على الموقف فحدقت "تيا" به بعيني حائرة وقالت:
_ مقتلتش بس أتجوزت علي.
نظر إلى عينيها لتبتسم بخبث شديد وقالت:
_ تستاهل، تهمة متفصلة على مقاسك يا أنس وعلى قد خيانتك بالظبط، تعيش وتأخد غيرها.
مرت من أمامه ببرود شديد وعقله لا يستوعب برودها ونظرتها الخبيثة. فأسرع نحوها يمسكها من ذراعها وقال بصدمة:
_ قصدك أي؟
_ دا ثمن خيانتك ليا ولازم تدفعه، أنا تيا الحديدي متخانش يا أنس.
قالتها بحدة صارمة ونظرتها تخبره بأنها الفاعلة وكأنها كانت تعرف بخيانته وزواجه وهكذا تعرف القاتل الحقيقي. صرخ "أنس" بغضب سافر وهو يقول:
_ متكلمنيش بالألغاز، قصدك أي؟ أنتِ كنتِ عارفة.
لم يتركه الضابط أكثر من هذا وأمر العساكر بسحبه للخارج. فى حين أن "تيا" وقفت تشاهد فى هدوء تام لحظة القبض عليه. وبمجرد مغادرته من القصر وأغلاق الباب، أستقامت فى وقفتها وقالت بحدة:
_ يلا يا إيريني أجهزي.
صعدت للأعلى بنشاط وكأن التعب قد تلاشي من جسدها.
***
وصلت "قُسم" إلى المستشفي لترى والدتها تقف بجوار والدة "ملك" المنهارة من البكاء ووالدها الذي يقف غاضبًا جدًا ولا يبالي بحالة أبنتها بقدر صدمته وغضبه من زواجها السري. كأن يشعر بأن ابنته كسرت ظهره ودهست رأسه فى الطين. فأسرعت "قُسم" نحوهم وقالت بقلق:
_ حصل أى يا طنط؟
مسكها والد "ملك" من ذراعها بحدة وقال بنبرة غليظة وغضب:
_ أكيد كنتِ عارفة؟ ما هي سرها كله معاكي؟ هو مين؟ هو مين اللي جبتلي العار معاه وأتجوزته من ورايا ها؟
لم تُجيبه "قُسم" حين قاطعه "سليم" الذي مسك يده بقوة حتى يترك "قُسم". أبتلعت لعابها بقلق وقالت:
_ أستن بس يا سليم، والله يا عمي ما أعرف حاجة عن الموضوع دا، أقسملك بالله ما أعرف غير لما ماما كلمتني من شوية وقالتلي.
تأفف الرجل بهدوء شديد ثم قال بحدة:
_ ماشي، أنا هعرف هو مين وهشرب من دمه.
_ المهم نطمن على ملك بس.
قالتها والدة "ملك" بأنهيار وصوت مبحوح. ليصرخ زوجها فى وجهها وقال:
_ يكش ما تقوم منها، اللهي تموت زي ما موتني بالحي وأنا عايش وحاطط رأسي فى الطين.
غادر المستشفي غاضبًا جدًا. لتقول "ملك" بلطف:
_ أهدئي يا طنط ومتقلقيش، أن شاء الله تقوم بالسلامة.
***
وقفت "تيا" أمام موظفة المطار لتختم لها جواز السفر موافقة على خروجها إلى أستراليا مع خادمتها "إيريني" وأنطلقوا الأثنتين إلى الطائرة. ووضعت "تيا" نظارة الشمس على عينيها وهى تسير نحو الطائرة على المدرج حتى وصلت إلى مقعدها فى الدرجة الأولى وجلست تنظر من الشرفة إلى أرض مصر والطائرة تقتلع عن الأرض. لتقول "إيريني" بجدية:
_ مش كنا أستنينا شوية عشان يكون الموضوع هدي شوية؟
_ كدة أحسن يا إيريني، إحنا منعرفش البوليس هيوصل لأي وجايز يصدر قرار منع من السفر ودا رخم أوى، كدة أحسن.
قالتها بجدية ونظرت للنافذة مرة أخرى لتعود بذاكرتها للوراء قبل ثلاثة أيام من الحادثة.
كانت "تيا" جالسة فى الحديقة وتضع قدم على الأخرى وترتشف كوب الكاكاو المُفضل لديها وأمامها "رزان" التى قالت:
_ مفيش أي حاجة تُثير الشك. مكالمات مع محمود زميلك الكثير وزيارته لبيت محمود. ودا الشيء الخارج عن المألوف. علاقته بزميله محمود مش أكثر.
أرتشفت "تيا" القليل من الكاكاو وعقلها يفكر بدقة فى حديثها لتقول:
_ ماشي شكرًا يارزان، الظاهر أن أنا اللي كبرت الموضوع شوية.
أومأت "رزان" إليها بنعم وتركت الورق أمامها على الطاولة ثم غادرت. لتنظر "تيا" إلى الورق بدقة والمكالمات الكثيرة مع رقم "محمود" صديقه ومنها مكالمات ليلية. فقالت بهدوء:
_ إيريني.
جاءت الخادمة مسرعة. فقالت "تيا" بحدة:
_ أديني تليفونك.
أعطاها الخادمة الهاتف لتتصل "تيا" بالرقم وأنتظرت الجواب. جاءها صوت امراة شابة تقول:
_ الو.
صُدمت "تيا" من صوت المرأة وتأكدت من شكوكها التى أصبحت يقين. وقالت بهدوء وهى تلهث بقوة من الوجع وتفتيت قلبها:
_ معاكي روان من شركة اللؤلؤ للتجميل. كان في اوردر باسم أستاذ محمود.
أجابتها "ملك" ببرود شديد دون أى أهتمام قائلة:
_ لا يا حبيبتي الرقم غلط.
_ بس أنا قدامي على السيستم دلوقت الرقم متسجل بأسم أستاذ محمود.
قالتها "تيا" وهى تحاول كبح دموعها التى أنهمرت على وجنتيها بحسرة وألم شديد يمزق قلبها. لكنها تحاول التماسك قدر الإمكان حتى لا تشعر "ملك" بأي شيء. تأففت "ملك" بضيق شديد قائلة:
_ يا بنتي قلتلك مفيش حد اسمه محمود. وربنا دا رقمي أنا.
_ أنا أسفة لأزعاج حضرتك.
قالتها "تيا" وأغلقت الخط فى وجهها سريعًا. لتسقط على المقعد منهارة من البكاء وتشهق بقوة ويدها الأخرى تضرب قلبها من الألم بحسرة. لتقترب "إيريني" منها بهدوء وقالت:
_ أهدئي يا مدام تيا، أهدئي أرجوكِ وكله هيتحل.
_ بيخوني يا إيريني، أحساسي كان في محله. قلبي كان حاسس بالخيانة. كنت بشم رائحتها في حضنه. أحساسي كان صح.
قالتها بأنهيار وتلعثم شديد فى الكلمات التى كادت أن ترتبهم بوضوح من بكاءها. لكنها تواعدت بالأنتقام لتقابل رجل قاتل مأجور واعطته عنوان "ملك" ليراقب "أنس". فقالت بهدوء:
_ عايزاك تقتلها بس قبل ما تنفذ وفي نفس اليوم تعرفني عشان أعمل احتياطي.
_ عينيا بس أنا بأخذ نص المبلغ مقدم والنص الثاني بعده.
قالها الرجل بجدية فى عمله لتبتسم "تيا" وأخرجت من حقيبتها ظرف أبيض ضخمة وقالت:
_ أنا بقي هطلع جدعة معاك وهدفعلك بدل ال50 ألف. 100 ألف ومقدم كلهم بس بشرط تخلصني بسرعة.
نظر للظرف بحماس شديد ولأول مرة يحصل على مبلغ هكذا ومقدم. فقال بنشاط وحيوية:
_ أعتبريه حصل النهار دا يا هانم.
تبسمت "تيا" بخبث شديد وألم الخيانة يمزقها. ثم قالت بجدية:
_ النهار دا أو بكرة أو بعده المهم تعرفني عشان أعمل حسابي.
بعد يوم واحد من مقابلتها بالرجل كانت الساعة الواحدة فجرًا و"تيا" نائمة بفراشها وجوارها "أنس" الذي تسلل للخارج بصحبة هاتفه. فظلت محلها حتى رن هاتفها يخبرها الرجل أنه سينفذ غدًا. لتبتسم "تيا" بخباثة وظلت تفكر كيف تتهرب من التهم وتبعد أي شكوك عنها. أتصلت بـ "إيريني" فصعدت لها وقالت:
_ فكري معايا.
_ أنا كنت عاملة حسابي يا مدام تيا.
قالتها "إيريني" وخرجت من الغرفة ثم عادت وفى يدها كيس دم أعطته إلى "تيا" وقالت:
_ حطي على هدومك كأنكِ تعبانة وتتحجزي في المستشفي.
تبسمت "تيا" بمكر شديد وقالت:
_ وكأني تعبانة ليه؟ ما تعبانة وبسقط.
نظرت "إيريني" لها فعقدت "تيا" حاجبها وثالت بحدة:
_ بسقط.
هزت "إيريني" رأسها بهدوء. فقالت "تيا" بجدية صارمة:
_ أنس لازم يلبس جريمة القتل دا ويفهم أنه خسر ابنه. وكسر القلب اللي كسرهالي ما هخليه يلمح طيفه.
غادرت "إيريني" العرفة لتمثل أنها نائمة وتنفذ "تيا" خطتها. فسكت الدماء على ملابسها وصرخت بألم شديد مُصطنع. لكنه لم يأتي. فأتصلت بأخاها "غفران" بسبب إلحاحها الشديد فى صنع حجة غياب لها.
فاقت "تيا" من شرودها على صوت المُضيفة تسألها عن الإفطار وتشعر بجحود فى قلبها مما فعلته وكيف حولتها الخيانة إلى قاتلة؟ لكن شعور السعادة يغمرها بسبب ما ألت الأمور إليه والقبض على "أنس" ليدفع ثمن خيانته لها وأرتكبه هذه الجريمة فى حقها كزوجة لها وجرحه لكبرياء الأنثي الموجود بداخلها.
***
[[ قصـــر الحديدي ]]
عادت "قُسم" بعد أذان المغرب مُنهكة من التعب بسبب المستشفي وحزينة على صديقتها الغائبة عن الوعي بسبب قوة الطعنة. وجدت "غفران" جالسًا على الأريكة ينظر فى التابلت الخاص بيه ويضع قدم على الأخر وبدل ثيابه من بدلته الرسمية إلى تي شيرت بكم باللون الكحلي وبنطلون قطني رمادي اللون ويصفف شعره للأعلي. رفع رأسه للأعلي بعد أن سمع صوت "فاتن" ترحب بزوجته الجميلة:
_ حمد الله على سلامتك، دقايق وأخلى الخادمة تجهزلك الحمام.
أومأت "قُسم" إليها بنعم وتقدمت نحو "غفران" ليترك التابلت جانبًا ببسمة خافتة مُرحبٍ بعودتها. فجلست جواره ليحدق بها ووضع ذراعه خلف ظهرها وقال:
_ شكلك تعبانة أوى؟
_ ملك في غيبوبة، وكانت حامل وسقطت.
قالتها بحزن شديد. نظر "غفران" إلى زوجته المُنهكة وقال بدهشة:
_ حامل!! هي ملك كانت متجوزة بجد؟
أومأت إليه بنعم بحرج من فعل صديقتها ووضعت رأسها على كتفه بتعب. ثم أغمضت عينيه فقال بهدوء:
_ مالكِ؟
أجابته بنبرة مبحوح من التعب وبشرتها شاحبة جدًا:
_ تعبانة يا غفران، تعبانة أوى.
فتحت عينيها بتعب ونظرت إلي يده الأخرى الموجودة على قدمه فلمستها بيدها. نظر "غفران" إلي يدها التى تتسلل إلى قبضته الكبيرة جدًا مقابل قبضتها الصغيرة وأصابعها النحيلة تداعب راحة يده من الداخل كأنها تبحث عن الأمان فى يده. فتبسم وأغلق قبضته علي يدها بحنان ثم قال بلطف:
_ أخر الشقاوة دي أي بقي؟
_ خليني اتشقي شوية طيب.
قالتها ببسمة لطيفة ليضحك "غفران" عليها بحب وأتكئ برأسه فوق رأسها ويده الموجودة خلف ظهرها طوقها بها. أغمضت "قُسم" عينيها براحة وأمان. فتحدث "غفران":
_ أتشقي يا قُسم، أعملي كل اللي نفسكِ فيه، أنتِ الوحيدة اللي مسموح لكِ تعملي أي حاجة وفى أي وقت مهما كانت أي.
لم يجد جواب منها. فقال بهدوء:
_ قُسم؟
لم تجيب عليه لينظر بوجهها بخفة ورآها نائمة كالملاك من التعب الممزوج بالحزن على ما حدث لصديقتها. جاءت "فاتن" تقول بجدية:
_ الحمام جاهز.
قاطعها "غفران" بنظرة منه لتبتلع كلماتها بخوف منه. أشار إليها بأن تذهب ولا تقظ محبوبته. ولبت "فاتن" طلبه. أعتدل فى الجلوس حتى سقطت رأسها عن كتفه على صدره. فحملها على ذراعيه بلطف وصعد إلى غرفته ووضعها بالفراش ثم نزع عن قدميها الحذاء ووضع الغطاء عليه. ثم قبلة على جبينها وترجل للأسفل. وجد "عُمر" فى أنتظاره بصورة من المحضر ونظر به ليُصدم حين رأى اسم "ملك" وهو يعرفه جدًا. فرفع رأسه للاعلى وعقله يترجم سريعًا أن الفتاة التى تزوجها "أنس" على أخته هى نفسها صديقة "قُسم". تحدث "عُمر" بجدية:
_ في حاجة تانية حصلت؟
نظر "غفران" إليه بقلق ليتابع "عُمر" الحديث:
_ مدام تيا مدخلتش العمليات والطفل منزلش.
أتسعت عينيه على مصراعيها وقال:
_ قصدك اى؟ كانت بتمثل يعني؟ أنت هتخرف على المسا يا عُمر؟
تنحنح "عُمر" بهدوء مُحرجًا من هذا الحديث وقال بجدية خائف من رئيسه حين يسمع البقية:
_ وسفرها برا مصر النهار دا خرف كمان.
أعطاه صورة من تقرير خروجه من مصر الذي جلبه من المطار. فحدق "غفران" بالورق بصدمة قاتلة ألجمته وعقله ترجم سريعًا ما حدث ونظر إلى "عُمر" الذي تحدث بجدية:
_ اللي وصل لحضرتك هو نفسه اللي أنا فكرت فيه لما عرفت. مدام تيا عرفت بالجواز وهى اللي خطط للقتل ودخول المستشفي كان مجرد خديعة ووسيلة عشان يكون عندها حجة غياب لو ساءت الأمور.
ظل "غفران" يحدق بالأوراق كثير وما زال عقله لا يستوعب ما فعلته أخته.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور زيزو
ترجلت "قُسم" من الأعلى صباحًا مُرتدية بيجامة وردية بنصف كم وتمطي جسدها بتكاسل وقدميها العارية تشعر ببرودة الأرض الرخامية أسفلها.
سمعت صوت "نورهان" تتحدث بصراخ مُنفعلة جدًا قائلة:
- وسفرت كدة من دماغها، طول الوقت وأنت واقف بيني وبينها وتقولي متتدخليش فى حياتها وسيبيها فى حالها، أنت يا غفران اللى قوتها عليا وخلتها تطلع من قصرى وبنيت لها قصر لوحدها تعيش فيه ودلوقت سافرت هى من وراكِ.
كان صامتًا جدًا ويتناول إفطاره فى صمت غير مبالي بأنفعال والدته لتقول "نورهان" بغيظ شديد:
- أنا بكلمك يا غفران، أنت راضي وقابل بتصرفاتها.
صرخ "غفران" وقد فاض به الأمر من صراخ والدته قائلًا:
- سفر أى اللى مزعلك أنها سافرت من وراكِ، بنتكِ خططت وقتلت وهربت بمعلمة أحسن من أجدع مجرم وأنتِ كل اللى شاغل عقلك أنها سافرت.
أتسعت عيني "نورهان" على مصراعيها بهول الصدمة التى لحقت بها من حديثه عن ابنتها البريئة لتقول بصدمة:
- أى، أنت بتقول أى؟
- بقول أن بنتك لعبتها صح أوى، راقبت جوزها وعرفت بجوازه وخطط تلبسه الجريمة وتهرب هى بالعيل اللى فى بطنها بعد ما تحرق قلبه على أبنه اللى مات كذب فى بطنها.
قالها "غفران" بضيق مما أفزع "نورهان" من عقل ابنتها الشيطاني.
رأى "غفران" زوجته تترجل الدرج حافية القدمين بعفوية على عكس "كندا" التى تجلس على الأريكة فى الصالون مُرتدية بنطلون جينز وقميص نسائي أحمر اللون وتضعه من الأسفل داخل البنطلون وتضع قدم على الأخري لتظهر حذاءها الفرو ذو الكعب العالي وتصفف شعرها المموج.
عاد بنظر إلى "قُسم" التى تقدمت فى سيرها نحوه ليتنحنح بحرج محاولًا كبح غضبه من تصرف أخته وشجار والدته معاه حتى وصلت "قُسم" وقالت:
- صباح الخير.
- صباح النور.
قالها بلطف مما أزعج والدته جدًا لتغادر القصر دون أن تُجيب على "قُسم".
خرجت من القصر وكانت سيارتها تقف أمام الباب و "رزان" جوارها فقالت بغضب وهى تفتح باب السيارة:
- أنس لازم يشيل القضية دى يا رزان، تابعي مع المحامى من تحت لتحت وتفهميه أن سيرة تيا متجيش أبدًا فى القضية دى فاهمة يا رزان.
أومأت إليه بنعم خائفة من غضب "نورهان" ونبرتها الحادة وحاجبيها اللاتي عقدتهما بغلاظة. صعدت بسيارتها وأنطلقت فى خوف شديد على أبنتها ولا تصدق من أين جاءت ابنتها بالجراءة لتفعل هذا، هى بنفسها رغم قوتها وسلطتها وما تملكه لم تفكر فى القتل حين خانها زوجها فى الماضي، لكن طفلتها البريئة الضعيفة التى لطالما كانت تختبي من الناس فى قصرها وتحتمي فى ظهر أخاها كيف تحولت إلى هذا الحال؟ وهل الخيانة وألمها الحادة كافية لقتل براءة وتحوليها إلى وحش بهذا القدر؟
جلست "قُسم" مع "غفران" على السفرة وقالت بلطف:
- ماما أتصلت بيا صحتني بتقولي أن هي هتيجي تقعد معايا النهار دا تطمن عليا.
أجابها "غفران" وهو يضع المربي على الخبر بالسكين الصغير قائلًا:
- ما تيجي يا قُسم، دا بيتك يا حبيبتي واللى عايز يجيلك يجي، بلغي سليم وهو هيعرف الأمن أو فاتن، عرفيها بأى حاجة وهى هتنفذ كل اللى أنتِ عايزاه.
قدم الخبز بالمربي إليها لتتناوله فتبسمت بعفوية على دلاله ورفعت يدها الأخرى تضع خصلات شعرها خلف أذنها بخجل من نظراته المُسلطة على وجهها البريء، قالت بلطف والطعام فى فمها:
- برضو لازم أستئذان منك على الأقل لحد الفرح.
أقترب منها بخفة ليهمس فى أذنيها بلطف:
- أنا هكلم باباكِ وأتفق على الفرح يبقي أخر الأسبوع عشان بس تفرحي لكن أنا مش محتاج الفرح وقُسم بتنام فى سريرى.
خجلت جدًا من كلماته وأحمرت وجنتها حتى أنها لم تجيب عليه بالموافقة أو الأعتراض ليقف وهو يقرص وجنتها الحمراء وقال بخفة:
- أنا همشي عشان متأخرش.
قالها بلطف ووضع قبلة على جبينها ثم ذهب من أمامها ليرى "كندا" تنظر نحوهما بالرغم من أنه لم يقرأ تعابيرها ولم يرى ملامحها بسبب مرضه لكنه كان واثقًا أن نظراتها ستقتلهما محلها.
غادر من القصر لتقف "قُسم" من مكانها وهى تأخذ سندوتش المُربي فى يدها فرأت "كندا" تشتعل من الغضب وعينيها تكاد تلتهمها بنيران قلبها المُحترق.
أقتربت "قُسم" منها بلطف وعفوية تتسم بهما وقالت:
- أنا ممكن اتكلم معاكِ شوية؟
نظرت "كندا" إليها بجدية وقالت:
- بصفتك أى؟ البنت اللى سرقت جوزى منى ولا مرات جوزي اللى شايفاني خاينة.
تنهدت "قُسم" بهدوء وجلست على المقعد المقابل لها ثم قالت:
- أنا مبحكمش على حد، فأتمني أنتِ كمان متحكميش عليا أنى سرقت جوزك منك.
- عادي مش فارقة أنا عارفة أنكِ مخدوعة فيه زى ما أنا كنت مخدوعة فيه، أصل غفران الحديدي بجلالة قدره مفيش واحدة ست تقدر تخطفه من مراته ولا تهز فيه شعرة، وكلامي دا من ثقة ومن عشرة بقالها 10 سنين، أنا لما غفران مكنش له مزاج ليا مهما أعمل مكنتش أقدر أهز فيه شعرة واحدة.
قالتها "كندا" بملل وقد أعتادت على المعاناة داخل هذا القصر، فأصبح قلبها متجمدًا مع الوقت لتسأل "قُسم" بصراحة:
- مش وقاحة منى لكن الفضول قاتلني، ما دام بتقولي أنكِ مخونتهوش ليه هو مُصر أنك خاينة... أنا آسفة فى الكلمة.
ضحكت "كندا" بسخرية وصوت ضحكاتها العالي ملأ المكان ثم قالت بتهكم شديد:
- عشان يحبك.
عقدت "قُسم" حاجبيها بأستغراب وقال باستفهام:
- مش فاهمة؟
- عشان يقنع نفسه أنى وحشة ويحبك؟، أصل الفجوة اللى بينه وبين والدته وسبب خروج والدته من القصر الرئيسي وبناء قصر اللؤلؤ هو خيانة باباه لدكتورة نورهان، والخيانة بالنسبة له شيء قذر وكره باباه من يومها فأزاى يعمل اللى هو عارض باباه عليه، فوهم نفسه أني بخونه عشان يحلل لقلبه خيانتي وجوازه التاني.
كانت تتحدث بحزن شديد وعبوس حاد فى نبرتها حتى أن عينيها التى تلألأت ببريق دموعها أوشكت على البكاء.
كادت "قُسم" أن تصدق حديثها لكن قاطعها "فاتن" تأتي من الخلف وتقول:
- والدة حضرتك وصلت.
وقفت "قُسم" معها لكى تغادر فألتفت فجأة لترى "كندا" تبتسم بخفة وعينيها تنظر إلى الهاتف فتبسمت "قُسم" بمكر وقالت:
- تعرفي أني كنت قربت أنسي أنك مُمثلة، بس بحق الله تمثيلك رائع كنت هصدقك.
رفعت "كندا" نظرها إلى "قُسم" ورأت بسمتها فلم تفهم منذ قليل كانت تشبه الملاك البرئ والآن ماكرة تدافع وبقوة عن "غفران"، هذه الفتاة الهادئة تحولت لحادة ونظراتها قاتلة تمزق الواقف أمامها.
ألتفت "قُسم" تنظر إلى الباب فرأت والدتها تدخل من باب القصر تحملق فى المكان بذهول ولم تتخيل ثراء "غفران" أو كيف يكون قصره وهو يشبه قصر ملكي، تشعر وأنها دخلت قصر لأحد ملوك الدولة أو سلاطين التاريخ، الحراسة المشددة والخدم فى كل مكان والأثاث الفاحش.
تبسمت "قُسم" على والدتها لكن سرعان ما تلاشت بسمتها العفوية حين تحدثت "كندا" بغرور متغطرس من دافع "قُسم" عن "غفران" هكذا قائلة:
- أتفضلي، بكرة تتعودي على دخول القصور.
كزت "قُسم" على أسنانها ثم أستدارت إلى "كندا" لترد لها الإهانة بإهانة أكبر تمزق قلبها وروحها لإشلاء حين قالت:
- طبيعي الإنسان يتعود على الجديد زى ما أنتِ كمان بكرة هتتعودي تشوفي غفران فى حضن واحدة غيرك.
رفعت "قُسم" حاجبها بمكر شديد ثم تابعت بخباثة:
- ولا هو عادي أكمنه مكنش فى حضنك.
وقفت "كندا" من مكانها بأنفعال تنتفض غاضبة من حديثها المُهين و تكز على أسنانها فقالت بحدة:
- هقول أى ما أنتِ بجحة، اللى تقبل تأخد راجل من مراته وبنته وتُحبه وهى مخطوبة لراجل تاني تبقي أى غير بجحة ومشافتش رباية.
أقتربت "قُسم" منها بغضب واضح فى نظراتها الحادة وصوت أنفاسها يعلو شيئًا فشيء حتى وصلت أمامها وقالت بهدوء:
- أنتِ فعلا لازم اللى يتعامل معاكِ يبقي مشافش رباية زى كدة.
مسكتها من شعرها بقوة وتجذبها نحوها لتنحني "كندا" مع جذبها بصدمة وذهول من غضب "قُسم" التى تجذبها من شعرها فصرخت بغضب:
- أنتِ أتجننتي، ااااه أبعد عني يا متخلفة أنتِ.
تحدثت "قُسم" بأنفعال شديد وهى تشد على شعرها بقوة حتى تتألم "كندا" أكثر كما ألم حديثها قلب "قُسم" قائلة:
- لا، دا أنا لسه مورتكيش التخلف بيبقي عامل أزاى.
دفعت "كندا" على الأريكة بقوة وصعدت فوقها ليبدأ الشجار بينهما و"كندا" بدأت تهجمها بالضرب هى الأخري فدفعت "قُسم" بقوة للخلف مما جعلها تسقط أرضًا من فوق الأريكة وأرتطمت بحافة الطاولة فى جبينها وقبل أن تكمل "قُسم" جنونها أقتربت والدتها وهكذا "فاتن" التى جن جنونها من هذا الشجار وهى تعلم أن اليوم سيجن جنون رئيسها حين يعود ويعلم بما حدث.
أخذوا "قُسم" بعيدًا عنها وقالت "فاتن" بجدية:
- أرجوكِ يا مدام كندا أطلعي أوضتك وكفاية كدة.
لم يتحرك لـ "كندا" ساكنًا فتابعت "فاتن" بحدة أكثر:
- أرجوكِ إحنا فى غني تمامًا عن اللى ممكن يحصل من مسيو غفران.
لوهلة تذكر "غفران" الذي سيجن جنونه حين يعلم أن مدللته الجديدة ضُربت ودخلت فى شجار مع "كندا" فمرت "كندا" بخوف من "غفران" أمامها كي تصعد للأعلي وهى تُتمتم بضيق:
- ما هو برضو اللى جابلي الأشكال الزبالة دى فى بيتي.
- الزبالة دى اللى بتخون جوزها وتروح فنادق مع رجالة غيره.
قالتها "قُسم" بجراءة لتصدم حين فقدت "كندا" اعصابها ولطمت وجهها بقوة من كلماتها المُهينة.
فُصدم الجميع من اللطمة ووضعت "قُسم" يدها على وجنتها بصدمة وألم من قوتها حادقة بـ "كندا" التى تقف أمامها بقوة ثم قالت بحدة صارمة:
- دا عشان يفكرك أزاى تتكلمي معايا من هنا وجاي، ويعلمك أن حتى لو كان غفران بنفسه ساندك وفى ضهرك دا ميسمحلكش أبدًا تتطاولي عليا بكلمة لأانك روحتي ولا جيتي أنتِ مجرد واحدة رخيصة باعت خطيبها عشان الرجل الغني الغرقان فلوس.
صعدت "كندا" إلى الأعلى بأنتصار وفرحة تغمرها من صفعها إلى "قُسم" وهى تشعر بأنها أخرجت القليل من نيرانها التى نشبها "غفران" حين جلب فتاة أخرى إلى قصرها، لكن رغم فرحتها وسعادتها بأنها أنتقمت قليلًا ألا أن الخوف مما سيفعله "غفران" حين يعرف بما حدث يجعل قلبها يرتجف من محله.
***
دلفت والدة "ملك" مع والدها إلى مكتب الطبيب المسئول عن ابنتهما ليقول الطبيب:
- أتفضلوا أرتاحوا.
جلسوا أمامه على المقاعد المقابلة إلى المكتب فتحدث الطبيب بهدوء قائلًا:
- نتيجة التحاليل طلعت واللى كنا شكين فيه طلع صح، ومدام ملك حامل فى 6 أسابيع.
وضع والدها يده على وجهه من الصدمة والعار الذي يشعر به من فعل ابنته لم تكتفي بالزوج السري، بل تحمل فى أحشائها جنين والأسوء أن زوجها فى السجن.
نظرت والدتها إلى زوجها بصدمة ولا تعلم ماذا تفعل ليشعر الطبيب بشيء غريب فى تصرفهما وقال:
- هو فى حاجة؟
لم يجيبه أحد بل وقف الرجل يغادر الغرفة من الإنكسار وابنته وضعت رأسه فى الحضيض بتصرفها فقالت المرأة بهدوء:
- عن أذنك يا دكتور.
خرجت وراء زوجها لتراه يقف أمام المكتب مُتكئ بذراعيه على الحائط لا يقوى على السير من الحزن والضعف فقالت:
- روق يا أبو ملك وكله هيتحل لكن صحتك...
نظر إلى زوجته بعيني دامعة على وشك البكاتء ثم قال بلهجة واهنة وضعف:
- صحتي !! صحتي أى يا أم البنات، ما بنتك جبلتي العار وحطت رأسي فى الطين، بنتك كسرت ضهرى وعرتني وسط الناس، هقول للناس أى؟ ولا هعمل أى فى المصيبة اللى فى بطنها ... العيل دا لازم ينزل أنا مش ناقص فضائح.
انتفضت زوجته بفزع وقالت بهلع:
- تف من بوقك يا أبو ملك، أنت هتكفر ولا أى أه بنتك اتجوزت من ورانا لكن الولد اللى فى بطنها دا ابن حلال من جوزها شرعًا، هتقتل روح مالهش ذنب.
كاد أن يلطم وجهه بكفيه من العجز وقال:
- اعمل أي؟ أعمل أي؟ حتى المحروس اللى المفروض يستر عليها مشرف فى السجن.
ربتت زوجته على كتفه بلطف ثم قالت بحزن شديد يحتل قلبها وعينيها:
- ربنا يسترها معانا ويحلها من عنده.
جلس على المقعد مُنكسرًا وطأطأ رأسه للأسفل بحزن فجلست زوجته بجواره بحزن تشاركه فى مصيبتهما.
***
[[ شركة الحديدي ]]
خرج "غفران" من غرفة الأجتماعات مُنهكًا من اجتماع مجلس الإدارة الذي طال مدته فى نقاش الأعمال ليسمع "ليلي" تتحدث بغضب شديد قائلة:
- أتصرف يا عُمر، دا رابع مرة تدي بابا ميعاد وتلغيه بسبب الشغل، شكلك بقي وحش أوي قصاد بابا.
- أعمل أي يا ليلي عندي شغل ما هو على يدك أهو.
قالها "عُمر" بنبرة حادة وقد فاض به الأمر من الغيظ من إطالتها فى الحديث بهذا الأمر.
تنهد "غفران" بهدوء فتقدم بلا مبالاة إلى باب مكتبه فأنهي "عُمر" الحديث ودلف معه إلى المكتب فتحدث "غفران" بنبرة هادئة يقول:
- براحة يا عُمر، العلاقات مبتجيش بالزعيق والعناد.
تنحنح "عُمر" بلطف ثم قال بهدوء:
- اعمل أي طيب والله بحاول جدًا معاها.
جلس "غفران" على مقعده بلطف وهو يفتح زر سترته بأريحية فقال بخفوت:
- شوف اليوم اللى عايز تروح تخطب فيه وخدوه إجازة، متشلش همي.
أتسعت عيني "عُمر" على مصراعيها من تقديم "غفران" لإجازة له لأول مرة مُنذ أن عمل معه من 10 سنوات، وقال بتلعثم شديد:
- بس.
- مبسش، دا حقك يا عُمر، أنت من حقك تخطب وتتجوز وتشوف حياتك مش معقول هتقضي حياتك كلها جنبي عشان مرضي، وعمرك أنت اللى يضيع.
قالها "غفران" بهدوء شديد ونظر إلى الأوراق الموجودة امامه بأهتمام ثم قال:
- يلا روح شوف اليوم اللى عايزاه إجازة وخلي ليلي تلغي مواعيدي يومها هأخده إجازة وراضيها يا عُمر متزعلهاش.
أومأ إليه بنعم فتبسم "غفران" وبدأ يباشر عمله بينما خرج "عُمر" بسعادة رغم قلقه على "غفران" فإذا علم أحد بمرضه أو شك بأمره سينتهي "غفران الحديدى" وكل ما وصل إليه فى سوق العمل سيدمروه من منافسيه.
جلس "غفران" وحده يباشر عمله فى هدوء حتى رن هاتفه باسم "فاتن"، ترك القلم من يده بهدوء وألتقط هاتفه على من فوق المكتب ليجيب عليها فتحدثت "فاتن" بنبرة هادئة تقول:
- والدة مدام قُسم وصلت.
أكمل "غفران" عمله بلا مبالاة من حديثها الملل وقال ببرود شديد:
- عارف يا فاتن.
تنحنحت "فاتن" بهدوء شديد خائفة من أخباره بما حدث من شجار بين "كندا" و "قُسم" وقلب هذا الرجل عالق مع أحدهما فى العشق والأخرى عالق فى كرهها والآن لكن يحكم عقله، بل أى كانت المُخطئة فسيكون الجرم بأكمله على "كندا"، خصيصًا ضربها إلى "قُسم" فظلت "فاتن" صامتة بحيرة حتى قاطعها بنبرته الخشنة بقوة يقول:
- فى حاجة يا فاتن ولا متصلة تعرفيني أن مامتها جت.
أبتلعت "فاتن" لعابها بقلق شديد من حدته وقالت بتوتر:
- بصراحة حصل حاجة كدة عايزة أبلغ حضرتك بيها.
ترك القلم من جديد ونزع نظارة النظر الخاصة بيه بأهتمام واضح وهو يركز فى كلماتها قائلًا بجدية:
- قولى.
تنهدت بلطف ثم قالت بهدوء:
- حصل مشدة فى الكلام بين مدام قُسم وكندا و....
قاطعها "غفران" بعد أن أحتدت عينيه من الغضب وعقله سرعان ما ترجم ما حدث قائلًا:
- دخلى كندا اوضتها وأنا جاي.
- بس.
حاولت أن تبرر موقف "كندا" وأن "قُسم" من أتهمت بالكذب والتمثيل أولًا لكن أحتدت بنبرة لدرجة أرعبت "فاتن" وهو يقول قاطعًا أياها:
- سمعتني يا فاتن، أقفلى دلوقت ومتحاوليش تبررى لـكندا، أنا تحذيري ليها كان واضح.
أغلق الخط مُنهي حديثه معها ليغلق ثم وقف من مكانه يغادر الشركة فكان "عُمر" بالخارج مع "ليلي" فمر "غفران" بتعجل نحو المصعد وهو يقول:
- هاتلى الورق اللى على المكتب البيت يا عُمر وحصلني.
تمتم "عُمر" بفزع من وجهه المُلتهب كجمر ناري يحترق وسرعة خطواته قائلًا:
- ربنا يستر.
وقفت "ليلي" بفزع من شدة غضبه وقالت بذعر:
- هو حصل أى؟ ربنا يستر.
جمع "عُمر" الأوراق من الداخل وخرج ثم قال:
- سلام يا ليلي هبقي أكلمك، أدعيلي.
أسرع خلفه ليراه يدخل المصعد فدخل معه فى صمت، تنحنح بلطف وقال:
- حصل حاجة؟
لم يجيب عليه وكانت قبضته مُغلقة بأحكام شديد كأنه يعتصر عظامه من الغيظ بسبب عيصان "كندا" إلى أمره وكأن كلمته يحق لها رفضها أو عصيانها، كاد أن يجن جنونه من تمردها وكأنها الآن تملك القوة على تحديه أو مواجهته بتصرفاتها.
***
[[ قصر الحديدي ]]
ترجلت "كندا" من الأعلى بحقيبة ملابسها الكبيرة وقد حسمت أمرها فى المغادرة ومعها "نالا" طفلتها الجميلة التى تقول بفضول:
- مامي إحنا رايحين فين؟
نظرت "صفية" وهكذا "قُسم" نحو الصوت لترى "كندا" بدلت ملابسها ببدلة نسائية زرقاء وتمسك يد طفلتها معها والخادمة تنزل أمامها تحمل الحقائب مما أفزع "فاتن" التى جاءت مُسرعة بعد أن أخبرتها الخادمة برحيل "كندا" تقول بجدية:
- أنتِ رايحة فين؟
- رايحة بيت أهلها ما دام هنا بتهان حتى خادمة زيك بقيت تتكلم معايا بدون أحرتام ورفعت الألقاب.
قالتها بحدة صارمة، أقتربت "فاتن" تربت على كتفها بلطف وقالت بهدوء:
- أرجوكِ أنتِ أكثر واحدة عارفة غضبه بيكون أزاى، مسيو غفران مش هيعديها بالساهل... دا ممكن توصل لدفني حية أرجوكِ يا مدام كندا يا هانم.
- أسفة أنا مش من الشارع عشان يدوس عليا ومكمل، مش كفاية رباية الشوارع اللى جابها تعيش معايا.
قالتها بغضب شديد ونبرة حادة فتأففت "قُسم" من جديد وهى تترك كيس الثلج عن جبينها المتورمة وقالت بضيق:
- مش هتسكت، مش هتسكت غير لما أوريها رباية الشوارع بتكون عاملة أزاى.
وقفت "قُسم" من محلها غاضبة فمسكت "صفية" يدها بهدوء وقالت بحدة:
- أهدئي يا قُسم مش عايزين مشاكل وعلى رأي المثل يا بنتى إذا نطق السفهاء فلا تجب.
حدقت "قُسم" بعيني "كندا" بغضب سافر وما زال عقلها لا يستوعب أن هذه المرأة الغليظة التى تحدثت دومًا عن برائتها وجحود "غفران" معها وظلمه الشديد لها.
تبسمت "كندا" لها بمطكر وقالت:
- وعشان كدة يا طنط أنا سايبة السفهاء يشبعوا بالقصر لأنه مبقاش يليق بيا.
صرخت "قُسم" بأنفعال شديد فى وجهها وقالت:
- لا الصبر له حدود وأنتِ حدك زاد معايا كدة.
أقتربت منها لتستدير "كندا" إليها بغضب شديد وقالت بحدة:
- قربي خطوة كمان وأنا أعرفك أنتِ واقفة قصاد مين؟
أقتربت "قُسم" بجراءة منها وقالت بتحدٍ وعنادٍ:
- لتكوني فاكرة أنى هخاف منك، أنتِ ولا حاجة بس جراءتك وبجاحتك دى من خيانتك لجوزك ما هى اللى تجيب جراءة تخون راجلها مش هتستحي منى.
رفعت "كندا" يدها بقوة لكي تلطمها مرة أخرى لكنها صُدمت حين مسك "غفران" يدها الذي دلف للتو على جنونها فنظرت نحوها لتفزع من وجوده بينما عينيه كان يتطاير منها الغضب بجنون وكأنه على وشك ألتهام "كندا".
نظر "عٌمر" بصدمة ألجمته وهكذا "فاتن"، رمقته "قُسم" بدهشة من وصوله لتبتلع لعابها بخوف بعد أن سمع حديثها مع "كندا" لكنها دُهشت من يده الأخرى التى لطمت وجه "كندا" بقوة قاتل أفرغ بها غضبه النارية حتى نزفت أنفها ويقول:
- دا اللى كنتِ عايزة تعمليه، السؤال جتلك الجراءة منين تعمليها؟
رمقته "كندا" بصدمة ألجمتها، لا تقل صدمتها شيء عن الجميع الذين وقفوا مصدومين رغم كلمات "قُسم" الحادة لها لكنه وضع الذنب بأكمله على "كندا".
سحبها من عنقها بقوة رغم دموعها التى تسيل بغزارة من هول الصدمة والألم من شدة ضربته:
- حذرتك بوضوح إياكِ تقربي منها، قوتي لدرجة عصياني؟
أقتربت "نالا" منه تمسك يده الأخرى بذعر وعينيها تبكي بعد أن رأت والدتها تبكي وتُضرب أمامها وقالت ببكاء:
- بابا أرجوكِ متضربها.
دفع طفلته بقوة دون أن ينظر عليها وعينيه تحملق بـ "كندا" فقط لتسقط "نالا" أرضًا بعد أن أرتطم ظهرها بحافة الدرج حتى فقدت وعيها من قوة دفعه.
صرخت "فاتن" بذعر على الطفلة لتسرع نحوها فنظر الجميع نحوها ليهرع الجميع وترك "كندا" التى ركضت إلى طفلتها بفزع محاولة إفاقتها وهى تقول:
- نالا... نالا حبيبتي ردي عليا.... أنت عملت أي؟ أنت مجنون؟
نالاجهشت فى البكاء بذعر شديد وحملت طفلتها الصغيرة على ذراعيها لكي تذهب إلى المستشفي وركض معها "عُمر" و"غفران" و"قُسم" لحقت به.
عادت "صفية" إلى منزلها خائفة مما رأته يحدث فى القصر وكيف لأبنتها أن تعيش بهذا المكان المُرعب وضرب "غفران" لزوجته أرعبها أكثر.
خرج الطبيب من الفحص وقال بجدية صارمة والحزن على وجهه:
- ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟
نظر "غفران" إليه بحيرة ثم تقدم للأمام وخلفه "كندا" التى تبكي بجنون على طفلتها حتى وصلوا إلى مكتب الطبيب الذي بدأ بالحديث بنبرة خافتة:
- للأسف بنت حضرتك عندها فقر دم منجلي ومحتاجة لزراعة خلايا جذعية ضرورى.
تنحنح "غفران" بهدوء وهو لا يفهم مرض ابنته وقال بتعجب:
- فقر دم منجلي، بس نالا مشتكتش من حاجة قبل كدة؟ دا جالها كدة فجأة.
تحدث الطبيب بهدوء شديد قائلًا:
- لا طبعًا، مش فجأة دا مرض وراثي يعنى موجود عند حضرتك أو المدام.
أتسعت عيني "غفران" على مصراعيها فأنتفضت "كندا" ذعرًا وتحول خوفها على ابنتها الآن إلى خوف من "غفران".
نظر "غفران" إلى زوجته بفضول وهو واثقًا أنه لم يملك هذا المرض خصيصًا أنه يجري الكثير من التحاليل والفحوصات بسبب مرض عمي الوجوه وواثقًا من سلامته فقال:
- أنا معنديش أى أمراض، أنا بعمل فحوصات شهرية.
نظر الطبيب إلى "كندا" وقال بقلق:
- يبقي أكيد حضرتك، أصلًا المفروض أن حضرتك تكوني عارفة بمرض البنت لأن الطبيعي أنك بتتعالجي منه وبتأخدي أدوية للمرض دا.
نظرت "كندا" إلى الطبيب وهكذا "غفران" بحيرة وخوف ويديها ترتجف ذعرًا مما جعل "غفران" يبدأ الشك يضرب قلبه بقوة فقال بهدوء:
- نعملها تحليل هى كمان عشان نطمن، وياريت بسرعة عشان أطمن على مراتي كمان.
قالها ووقف من محله يسحبها من ذراعها إلى الخارج بقوة، فسألت "قُسم" بقلق:
- طمني يا غفران.
لم يُجيب عليها أو ينظر إلى وجهها، بل سحب زوجته إلى معمل التحاليل بقوة وهو يتمتم قائلًا:
- حتى المرض بتخبيه عليا لدرجة دى مكنتيش واثقة فيا كزوج.
كان خائفة لوهلة على "كندا" رغم كل ما حدث لكنها زوجته ومدللته الأولى. أدخلها للمعمل بورقة التحليل المطلوب وأعطاها للطبيبة الموجودة حتى سحبت العينة منها وخرج مع "كندا" لتجلس على المقعد تستريح بخوف وهى تعلم أنها لا تملك هذا المرض والأكثر رعبًا أن "غفران" يجلس جوارها منتظر النتيجة بتعجل شديد وإذا أخبرته الطبيبة أنها لا تملك المرض سيتحول خوفه إلى بركان ناري حين تفضح حقيقة أن "نالا" ليست طفلته.
ظل يلازمها لساعات منتظر الجواب فقال بهدوء:
- أنا هخلي الدكتور يحدد ميعاد لعملية نالا، هتبرع ليها بالنخاع كفاية عليكي المرض وعلاجه مع أن كله بسببك لو كنتِ عرفتني من البداية كان زماني عالجتك ولحقت بنتي.
ظلت تفرك يدييها ببعضهما بخوف حتى فُتح الباب فتنفست برعب حين وقف "غفران" مذعورًا عليها لتبتسم الطبيبة بهدوء وقالت:
- الأم سليمة مفيش حاجة، أكيد المرض منقول من الأب بكل ثقة.
حدقت بالطبيبة لدقائق يحاول أستيعاب الأمر وقال بتلعثم شديد:
- أنتِ متأكدة.
أومأت إليه بنعم فنظر "غفران" للخلف على "كندا" التى وقفت بخوف متكأة بظهرها على الحائط بعيدًا عنه ليقول:
- ولو الأب سليم.
أجابته الطبيبة بلا مبالاة وهى تضع التحليل فى الظرف:
- يبقي البنت مش بنته بلا شك.
ألتف إلى الطبيبة بصدمة ألجمته وعينيه مُتسعة على مصراعيها من هول الصدمة التى لحقت به وهى تخبره بخيانة زوجته له منذ زوجه ونسبت له بنت ليست بنته، دمعت عينيه بسرعة البرق من فزعه وظل يحملق بالطبيبة غير مُصدقًا ما سمعه.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور زيزو
التف إلى الطبيبة بصدمة ألجمته وعيناه متسعتان على مصراعيها من هول الصدمة التي لحقت به وهي تخبره بخيانة زوجته له منذ زواجه ونسبت له بنت ليست بنته. دمعت عيناه بسرعة البرق من فزعه وظل يحلق بالطبيبة غير مصدقًا ما سمعه. فنظر إلى إلفي "عمر" الذي يقف مذهولاً، وهكذا "قسم". فأشار إلى "عمر" بهدوء قبل أن يفقد أعصابه كاملاً الآن وقال:
_ خدها يا عمر.
سحبها "عمر" من ذراعها لترتجف فزعاً وهي تقول بخوف متمتعة:
_ غفران أكيد في حاجة غلط مش اللي في بالك يا غفران والله.
لم يتمالك أعصابه أكثر والتف إليها يصفعها بقوة حتى ارتطمت رأسها بالحائط من قوة صفعته وقال بتهديد واضح:
_ أدعي أنها متكنش اللي في بالي.
دفعها بقوة إلى "عمر" فأخذها وذهب. كانت "قسم" مصدومة فيما تسمعه وكيف يمكن أن تكون هذه الزوجة خائنة من لحظة زواجها حتى أنها أنجبت طفلة من رجل آخر ونسبتها لزوجها. دلف "غفران" بحزن شديد إلى المعمل ليجري تحليل DNA حتى يقطع الشك باليقين.
لم تتحمل "قسم" الصدمة أكثر من ذلك والقلق يحتل قلبها خوفاً عليه من الصدمة وخوفاً منه على ما سيفعله لينتقم. فقالت بتمتمة خافتة:
_ ربنا يستر.
خرج "غفران" من المعمل وسار في طريقه. فذهبت "قسم" خلفه ولاحظت أنه يتجه نحو طريق الخروج متجاهلاً "نالا" الطفلة الصغيرة الموجودة في المستشفى تصارع الموت. صعد إلى سيارته فركبت معه حتى قال بجدية:
_ انزلي يا قسم. سيبني لوحدي.
هزت "قسم" رأسها بالنفي رافضة تركه وحده بهذه الحالة والحزن يفتك به ويقتل قلبه وعقله الذي لا يتخيل أنها تخونه منذ زواجهما لأكثر من 10 سنوات. تأفف بضيق شديد وانطلق بسيارته وشريط ذكرياته يمر أمام عينيه عوضاً عن الطريق. طوال العشر سنوات كان يدللها ويلبي كل طلباتها. لطالما نصرها على والدته رغم قوتها لكن "كندا" كانت سيدة القصر وزوجة غفران الحديدي التي لا يهزمها أحد. اسمه وحده وكونها زوجته كانوا قوتها الحقيقية. دمعت عيناه وهو يتذكر محاولاته الدائمة في إسعادها وحنانه مع "نالا" التي نسبت إليه غدراً. لم يبخل عليها بشيء ولم يعارضها بكلمة. زاد من سرعة سيارته مع دموعه التي تزداد في جفنه أكثر وأكثر حتى تحدثت "قسم" وقالت:
_ غفران براحة.
سمع صوتها ليفوق من شروده وضغط على المكابح مرة واحدة بقوة مما جعلت رأسها ترتطم بالسيارة. نظرت "قسم" إليه فرأته يترجل من السيارة منفعلًا وعلى وجهه بركان ناري من الغضب والكره. ليفتح باب السيارة ويسحب "قسم" من ذراعها بقوة وهو يقول:
_ انزلي.
دُهشت "قسم" من رد فعله وقالت:
_ غفران أنت كويس؟
التف إليها بعينيه الدامعة لترى الضعف والهزيمة يحتلان وجهه. برمقته في صمت بينما هو انفجر كالبركان الناري في وجهها وقال:
_ كويس؟ أزاي وأنتوا كلكم زبالة وخونة. هكون كويس وأنا مأصوب ليا بنت مش بنتي. وأنا بتخان رغم كل حلو عملته ليها من يوم ما اتجوزتها. صدري عامل زي البركان.
بدأ يصرخ بانفعال أكثر وقبضته القوية تضرب صدره من الألم الذي لا يتحمل وجوده بداخل ضلوعه وقلبه المحترق. تابع بنبرة أرعبتها أكثر:
_ أنتوا كلكم زبالة وخسارة فيكم الرمة والحب. أنتوا تستاهلوا اللي يدوس عليكم ويذلكم لكن اللي يقدركم ويحترمكم تكسروه. لكن لا يا قسم. لا عاش ولا كان اللي تكسر غفران الحديدي ولا تستغفله. ورب العرش لمحيها من على وجه الأرض هي وبنتها لو طلعت النتيجة سلبية. والله ما هرحم حد والكل هيدفع ثمن وجعي وقهرتي وكسرتي.
اقتربت "قسم" نحوه خطوة رغم صيغته في الحديث كانت تشمل الجميع من ضمنهم "قسم" لكنها قدرت وجعه ورفعت يدها إلى وجنته تلمسها بلطف وقالت بعيني دامعة وقلبها يتمزق لأجله:
_ حقك بس .....
دفعها بقوة بعيداً عنه وقال بغلاظة:
_ حقي أنا هجيبه حتى لو ههدت المعبد كله.
عاد إلى سيارته وحرك سيارته تاركاً خلفه "قسم" التي صدمته منها وهو يحرك السيارة. فركضت خلفه بهلع خائفة من غضبه وقالت:
_ غفران... غفران استنى.
ظلت تركض مع السيارة حتى غلبها الأمر وسقطت أرضاً من سرعة السيارة لتصرخ بألم من سقوطها على ذراعها. سمع صرختها من نافذتها المفتوحة فنظر في المرآة رآها تجلس على ركبتيها وتثني ذراعها تحدق بجرحه بعبوس والألم في عينيها ويحتل وجهها. شعرت بغصات في قلبه تمزقه وهو يراها تتألم وعقله يفتك به جنون الخيانة و"كندا" التي أخلص لها لسنوات وأحبها بروحه وعقله وقدم لها كل ما تريده كانت خائنة. أغمض عينيه عن "قسم" بجحود ومرة أخرى هزمه العشق حين ترجل من سيارته وذهب نحوها. مسكها من أكتافها وجعلها تقف فحدقت بوجهه بعبوس شديد وعينيها دامعة على وشك البكاء. أخفض نظره تجاه ذراعها المثني للأعلى ينظر بجرحها وقطرات الدماء التي خرجت منه. تحدثت "قسم" بهدوء شديد ولهجة دافئة:
_ غفران.
ضمها إليه بمنتصف الشارع دون أن يبالي بأحد يستنشق عبيرها ويشعر بضربات قلبها العاشق إليه ويبكي وجعاً على محبوبه المجروح. كانت تدرك أن أسدها جريح الآن فرفعت يدها إلى ظهره تطوقه بحنان كأنها تطفئ نيران الوجع التي نشبت في ضلوعه الآن. ليسحب يدها بقوة ويأخذها إلى سيارته ثم عاد إلى القصر. فراقبته "فاتن" من بعيد بخوف من انفعاله وعصبيته خصيصاً حين صرخ بالخادمة التي قدمت له القهوة وألقاها على الأرض فتمتمت "فاتن" بهدوء شديد قائلة:
_ ربنا يستر.
نظرت إلى "قسم" وسألت بقلق:
_ هو حصل أي؟
ظلت "قسم" ترمقه في صمت وهو ينتظر الاتصال من "عمر" يخبره بنتيجة التحليل التي تدمر 10 سنوات من عمره وكأن الهلاك سيقضي على 10 سنوات مروا في عمره. كان يجلس على الأريكة عاقد يديه في بعضهما وظهره منحني قليلاً للأمام. الغضب يحتله ولا يحمل أي شيء حتى فنجان قهوته كان ثقيلاً عليه. مرت الخادمة من جوار "فاتن" بفنجان قهوة آخر على ما رفضه بيدي مرتجفة من خوفه وغضبه. اقتربت مرتعشة وهى تقول:
_ اتفضل القهوة مظبوطة.
رفع عينيه للأعلى نحو الخادمة كالرمح الذي غرس بها من حدته وقال بهمس:
_ أنا قلتلك اعملي واحدة تانية.... امشي غورى من وشي.
قالها بينما يدفع بيده الصينية كاملة بعيداً فسقطت فنجان القهوة مرة أخرى وهذه المرة حرق يد الفتاة. تركهما ودلف إلى المكتب فأندهشت "فاتن" من شدة غضبه وقالت:
_ لا... والله حصل حاجة ولازم أفهم أي اللي حصل في المستشفى لكل ده. ما هو مش معقول القلبة دي كلها بسبب خناقتك مع كندا.
صحيح هي فين لتكون نالا جرالها حاجة وهو روحه فيها.
نظرت قَسم إلى فاتن وقالت بهدوء:
_ ربنا يستر وتطلع بنته وإلا روحه هتروح فيها.
صُدمت فاتن من حديثها وترجمت سريعاً سبب حالته واكتشافه للماضي التي لطالما هربت كندا منه طيلة السنوات الماضية، فتمتمت بدون وعي من الصدمة:
_ هو عرف؟
ابتلعت بقية كلماتها بسرعة جنونية لتنظر قَسم نحوها سريعاً، ولسوء حظها أن قَسم سمعت تمتمتها بكل وضوح، فقالت بجدية وعينيها مُتسعة على مصراعيها:
_ أنتِ قصدك إيه؟
ألتفتت فاتن لكي تغادر من أمام قَسم بخوف من ذلة لسانها، لكن أمسكتها قَسم من يدها بقوة لتمنعها من الرحيل، واحتَدت عينيها بغلاظة وقالت بحدة:
_ انطقي يا فاتن، الموضوع مفيهوش سر وكله خلال دقائق هيتكشف بمجرد ما التحليل يطلع.
تنهدت فاتن بهدوء خائفة من البركان الذي سيلتهم القصر بهذا الحديث والماضي الذي سيحول القصر لرماد كالبيت المحترق، وسيهجره الحب والدفء ويعم الوجع والقسوة. رمقت قَسم بخوف شديد وقالت بهدوء:
_ والله يا قَسم هانم الموضوع كله...
قاطعتها قَسم بحدة شديدة وقالت بغلاظة:
_ الموضوع كله أنكِ دراتي عليها وشوفتي قذارتها وقبلتي تسكتي، خِنتي ثقة الراجل اللي وثق فيكِ وأمانك على حياته ولحم أكتافك من خيره عشان واحدة زبالة زيها مش كده؟ شُكوكه كانت في محلها وهي بكل بجاحة كانت واقفة تناطح وترد عليا بكل بوقاحة.
_ والله أبداً، دي هي مرة وكانت غصب عنها، اللي يسامحه اللي عملها وخدرها بالعصير، لكن عمرها ما كانت زي ما في خيالك.
قالتها فاتن بحزن شديد، لتقول قَسم بغيظ ولا تصدق هذا الشيء:
_ هههه غصب عنها وخدرها، مجريتش على جوزها غفران بيه الحديدي ليه عشان يجيب لها حقها دي مش متجوزة أي حد، ولا هي أي حد، أمال لو كانت بنت فقيرة وأهلها على باب الله وبيخافوا من كلام الناس، دي واحدة زبالة وتستاهل اللي هيحصل فيها...
قاطع كلماتها الحادة صرخة غفران من الداخل وهو يقول بانفعال شديد:
_ ادفنها حية يا عُمر.
خرج من غرفة المكتب بعد كلماته، لتهرع قَسم نحوها وهو يُسرع من خطواته كأنه يُسارع الزمن، حتى قطعت قَسم طريقه للخارج تمنعه من الخروج وقالت:
_ استنى يا غفران.
_ سيبني يا قَسم، هقتلها والله لأقتلها.
قالها بغضب سافر كالمجنون على وشك فقد البقية من أعصابه. لم ترَ غضبه من قبل وجسده القوي لا تقوى على منعه من الحركة، لتستسلم للأمر الواقع وتضمه بقوة وعينيها تبكي بحزن على حاله، فتشبث بها كطفل رضيع وجهش في البكاء، لتنصرف فاتن وبقية الخدم من البهو، وبدأت تربت عليه بيديها بلطف وهو يبكي بقهرة وألم تمزقه، 10 سنوات مخدوعاً في زوجته وابنته. لوهلة من الوقت خسر ابنته وزوجته وبات مغفولاً. أدرك للتو لما كانت معه رغم علاقتهما المتوترة وقبولها بوجوده بغرفة وحده لأنه كان المغفول الأكبر بهذه العلاقة. جلس على الأرض لتشعر قَسم بهزيمته وسقطت معه في حضنه لتضم رأسه إلى صدرها وهو يبكي بوجع يدمره من الداخل.
***
كانت كندا ترتجف في غرفة الممرضة، كم الخوف وحدها من تعرف الحقيقة التي ستظهر الآن في التحليل، وكون نالا ابنة لرجل غيره سيقتلها حية بالتأكيد، والتحليل لن ينكر الحقيقة التي أخفتها لعشر سنوات. دلفت الممرضة تأخذ الأدوات الطبية من الغرفة لتسرع كندا نحوها وتمسك في ذراعها بهلع تقول:
_ أرجوكِ تساعديني؟
تنهدت الممرضة بشفقة على حالة هذه الزوجة الباكية، وبكاؤها كان إجابة عن التحليل قبل أن تظهر نتيجته. فقالت الممرضة بخوف:
_ كان نفسي أساعدك بس رجالة غفران بيه محوطين المكان وأنا واحدة على قد حالي مش قد غفران بيه ولا اللي هيعمله فيا لو ساعدتك. أنا مقدرش أهربك من هنا.
جففت كندا دموعها التي لوثت وجنتيها الحمراوتين من شدة البكاء والخوف، ثم قالت بلطف:
_ وأنا مش عايزكِ تهربيني، أنا مكان ما هروح هيجيبني، دا غفران الحديدي زي ما أنتِ لسه قايلة. بس ممكن تديني تليفونك أعمل مكالمة؟
نظرت الممرضة إليها بحيرة في البداية، و كندا تمسك بذراعيها بيديها المرتجفة مما أثار عاطفة الممرضة، ومدت لها الهاتف بقلق أن تكون هذه المساعدة البسيطة سبب في غضب غفران بعد قليل. تركت لها الهاتف وخرجت تكمل عملها، فأرسلت كندا رسالة صوتية إلى عفيفي الذي حفظ رقمه جيداً في عقلها حتى لا تحتفظ به في هاتفها خوفاً من غفران. بدأت تتحدث في رسالتها ببكاء ونبرة مُتلعثمة وخائفة:
_ عفيفي أنا كندا، معنديش وقت أفسرلك أي حاجة، لكن غفران عرف الحقيقة وأن نالا مش بنته ومتحفظ عليا. أرجوك أنا عارفة أنه مش هيسيبني غير ميتة، لكن بنتي أمانة عندك يا عفيفي. نالا بنتك وأنت الوحيد اللي هتقدر تخاف عليها وتحميها في الدنيا دي من كره غفران. أوعي تسيبهاله زي ما سبتها زمان، أرجوك. أنا بترجالك متبقاش ندل معانا للمرة الثانية. غفران ناره هتأكل الكل وأنا بنتي مريضة ومحتاجة تتعالج.
قاطع حديثها فتح الباب لتخفي الهاتف خلف ظهرها بخوف عندما رأت عُمر بوجهه الحاد وغلاظته. تحدث بهدوء شديد:
_ تعالي معايا بهدوء وإلا متلومنيش على اللي هيحصل في نالا.
نظرت له بخوف وقالت بترجي مُتلعثمة:
_ هاجي معاك، لكن يا عُمر بلاش تأذي نالا، البنت صغيرة ومريضة ومالهاش ذنب في كل اللي بيحصل دا ولا تفهمه.
عقد يديه أمامه بهدوء مُتشابكتين، ثم قال بجدية رغم نبرته المُنخفضة لكنها ثابتة بوقاره:
_ حضرتك أكتر حد عارف إني عبد المأمور وبنفذ وبس. أرجوكِ اتفضلي معايا بكل هدوء ومتنسيش إنك وجه معروف في البلد.
أعطاها قبعة للرأس وقناع للوجه ترتديهما، ثم خرجوا معاً وهي ترتجف فزعاً من القادم ويحيطها حراسة مُشددة من رجاله، بعد أن تركت الهاتف على المكتب في السر للممرضة. كانت تدرك أن ذهابها مع رجاله لا عودة منه، ومع ذلك نفذت بلا مجادلة أو مقاومة لهما. تمنت أن يرحم غفران طفلتها، لتصعد بالسيارة معهما، فقال عُمر بجدية صارمة:
_ مكنتش ينفع تصنعي عداوة مع غفران بيه الحديدي.
تعجبت من نبرته الغليظة وتهديده لها، فشعرت بغصة في ذعرها، لتنظر ووجدت الرجل قد حقنها بمخدر بالفعل، فأشار عُمر لها على السيارة الأمامية لترى سيلم يحمل طفلتها الفاقدة للوعي ويصعد بها، لتصرخ باسم ابنتها "نالا"، لكن منعها الرجل الموجود جوارها حين وضع يده على فمها وهي تقاومه حتى فقدت وعيها تماماً من تأثير المخدر، لينطلق عُمر والرجال في طريقهما.
***
في حديقة عامة كان عفيفي جالسٌ مع فريق عمله ينهي تصوير المشهد الأخير في فيلمه، حتى قاطعه صوت هاتفه بعد أن استلم رسالة، فتح الرسالة وسمعها ليُصدم مما سمعه، فهب من مكانه واقفاً بفزع ويحاول أن يرن على الهاتف، ليناديه مساعده بدهشة من مغادرته للتصوير:
_ عفيفي.
لم يجيب، لينهي التصوير، بينما صعد عفيفي لسيارته وهو يستمع للرسالة مرة أخرى ورن على الهاتف لتجيب عليه الممرضة، فقال:
_ فين كندا؟ ممكن أكلمها.
أجابته الممرضة بهدوء شديد تقول:
_ في رجالة أخدوها من المستشفى هي وبنتها.
جن جنونه وأغلق الهاتف وهو يحاول الاتصال بهاتفها، لكنه مُغلق، ليضرب المقود بيده، ولأول مرة تأكد له كندا أن نالا طفلته. لطالما كانت تكذب وتخبره أنها أجهضت الطفل الذي حملت به وأن نالا ابنة غفران. لم تقلها صريحاً إلا اليوم. ليتواعد بالانتقام منها ومن غفران إذا تجرأ على أذى طفلته الصغيرة. ذهب إلى المستشفى الذي أخذ عنوانها من الممرضة، وهناك طلب رؤية كاميرات المراقبة، وبنفوذه والمال تمكن من ذلك. شاهد عُمر وهو يدفعها داخل السيارة، الصدمة أن عفيفي شعر بغصة في قلبه من رؤيتها تتلقى هذه المعاملة القاسية. وتسارعت نبضاته خوفاً عليها، فأغلق قبضته تلقائياً من الغضب الكامن بداخله لأجلها، ليأخذ رقم السيارة ونسخة من المقطع وغادر.
***
خرج عُمر من منزل في أرض داخل الصحراء مهجوراً وصعد بسيارته لكي ينطلق من المكان، وتحدث في الهاتف بجدية صارمة:
_ عينيك متترفعش من عليهم.
أنهى الاتصال بجدية، ثم أرسل رسالة إلى غفران محتواها:
(كندا ونالا خلاص).
اتسعت عيني قَسم على مصراعيها بصدمة قاتلة حين رأى الرسالة على شاشة هاتفه، وارتجفت خوفاً من معنى الرسالة، فهل حقاً قتلها هي وطفلتها المريضة؟ صعدت إلى غرفته وولجت غاضبة من تصرفها، لكن حين رأته تلاشى الغضب وحل مكانه الشفقة والحزن على حال حبيبها. رمقته قَسم بعين دامعة لا تُصدق أنها ترى هذا الرجل الذي أقسم الجميع على جبروته وقوته ضعيفاً هكذا. مكسوراً وقد هزمه القدر. اقتربت بهدوء شديد نحو أريكته ثم جلست جواره لترى دموعه الحارة بللت لحيته السوداء وعينيه حمراوتين من شدة البكاء، مُنكمشٌ في نفسه عاقداً كفيه ببعضهما بعد أن تعرض لهذا القدر من الخيانة. لم تكتفِ كندا بخيانته مع رجل آخر، بل تجرأت على الإنجاب من غيره ونسبت الطفلة إليه. تمتمت قَسم بنبرة خافتة هامسة إليه:
_ غفران.
رفع عينيه ورأسه المُنحني بإنكسارٍ بها. تحدثت بضعفٍ مُشفقة على حال عقله الذي جن جنونه بسبب الصدمة وقلبه المهزوم:
_ أنت كويس؟ حابس نفسك من الصبح هنا لوحدك، متقلقنيش عليك، أرجوك.
دُهشت حين جذبها من ذراعها بقوة نحوه حتى التصقت به، فوضع رأسه على كتفه يدفنها بهذا العنق الدافئ، وسمعت صوت بكاءه ودموعها الساخنة تبلل عنقها. قشعر جسدها من كم الضعف الذي رأته به، ورفع يدها إلى ظهره تربت عليه بحنان، فقالت بلطف:
_ أنا هنا يا غفران معاك، بس عندي سؤال.
رفع رأسه بضعف شديد ثم قال:
_ ياريت ميبقاش اللي في بالي يا قَسم، ومتتدخليش في الموضوع دا نهائياً.
_ يبقي هو. كندا فين؟ ونالا عملت فيها إيه؟ أنا مقدرة وجعك وخذلانك وقد إيه أنت اتغشيت فيها، لكن نالا طفلة عندها 10 سنين متعرفش حاجة في الدنيا دي غير إنك أبوها.
صرخ غفران بجنون وهو يقف من محله ويدفع الطاولة الزجاجية بكل قوته بعيداً:
_ مش بنتي.
انتفضت قَسم من قوة ضربته والطاولة التي انكسرت لآلاف الجزئيات على الأرض بشهقة قوية. التفت إلى محبوبته بوجه ناري يشبه الجحيم ويقول بنار بركاني يحرقه من الداخل:
_ ولازم يدفعوا ثمن خديعتي هي وبنتها. مفيش قوة في الكون هترحمهم مني. كندا وبنتها اعتبريهم ماتوا يا قَسم، مع أن الموت رحمة عن اللي هيشوفوه على أيدي.
_ هتأذي طفلة مالهاش ذنب.
قالتها بذعر بعد أن وقفت أمامه ليقول بتحدٍ وعينيه المُتسعة تلتهم قَسم:
_ دفنها حية أرحم من أنها تعيش في عالم هي فيه عدوة لغفران الحديدي يا قَسم.
ابتلعت لعابها من قدر قسوته على طفلة بريئة كل ذنبها أنها ابنة امرأة خائنة. اقتربت منه خطوة تقول:
_ غفران أنا مش هاناقشك في كندا أو اللي تعمله فيها، لكن الطفلة ذنبها إيه؟
صرخ بحنان وقد جن حقاً قائلاً:
_ ذنبها إنها شالت اسمي يا قَسم وهي مش من دمي.
خرج من الغرفة كالمجنون والغضب يأكل ما تبقى من عقله وقلبه، لتدمع عيني زوجته على حاله، وظل ينتظر عودتها طيلة الليل ولم يعود، حتى فُتح باب القصر صباحاً ودلف عُمر، لتسرع قَسم إليه بخوف وقالت:
_ غفران فين؟
_ متقلقيش عليه، هو كويس وفي الشركة. فاتن لو سمحتي هتديلي بدلة لغفران بيه.
صعدت فاتن تجهز ما طلبه، فرمقته قَسم بقلق، وكيف شخص منهار مثله ذهب للعمل؟ فقالت بقل:
_ كويس إزاي؟ وإزاي يروح الشركة وهو في الحالة دي؟
تنحنح عُمر بهدوء، ثم قال بثقة وجدية:
_ بالعكس، وجوده في الشركة هيخفف كتير عن وجعه، لكن القاعدة في البيت هتخلي التفكير يودي للجحيم. حضرتك بس لسه متعرفيش غفران الحديدي ويقدر يعمل إيه ولا بتخطي أوجاعه إزاي؟ لكن من عشرتي له بقول لحضرتك إنه هيبقي كويس متقلقيش. لسه متخلقش اللي يكسر غفران الحديدي. جنابه ياما شاف ومر عليه واتخطى وعدى، وإلا مكنش وصل للمرحلة اللي تخلي الكل يترعب من غضبه ويتجنب الجدال معه.
_ أنت فاكر إنك كده طمنتني؟ أنت قلقتني أكثر. معنى إنه يتخطى ويكمل إن الوجع متراكم جواه ودا بيزود القسوة ويخلي قلبه حجر حتى لو أقرب الناس.
قالتها بخوف شديد من القادم، ليبتسم بخفة على كلماتها، ثم قال:
_ من البداية وهو قلبه حجر مع كل الناس إلا كندا، ودا اللي وجعه، لأن حضرتك متعرفيش هو كان بيحبها إزاي ولا بيعمل عشان إيه. لكن فترة إنه يشك في خيانتها وظهور جنابك دا هيخفف عن صدمته كتير، عشان كده بقول لحضرتك متقلقيش عليه.
نزلت فاتن بالأغراض ليأخذها عُمر ويغادر القصر بعد ترك قَسم في حيرة من أمرها.
***
[[ شركة الحديدي للسيارات ]]
دَلفت ليلى إلى مكتب غفران بهدوء، لتراه ينفث دخان سيجارته لأول مرة، مما أدهش ليلى وغضبه الصامت أرعبها وجعل أطرافها ترتجف. تنحنحت بهدوء ثم قالت:
_ في واحد برا مصر يقابل حضرتك ضروري.
_ بعدين يا ليلى.
قالها بضيق شديد مُسيطرٌ على غضبه، فتابعت بنبرة هادئة:
_ أديله ميعاد إمتى مع أنه رافض أي تأجيل.
صرخ بوجهها بغضب سافر:
_ أنتِ غبية ولا مبتفهميش؟ هو مين اللي كلامه بيمشي في المخروبة دي أنا ولا أي حد معدي عليكِ؟ قلتلك مش وقتي.
ابتلعت لعابها بصدمة ألجمتها من صرخته وإهانته لها، لأول مرة يفقد أعصابه هكذا، فاستدار بعيني دامعة خائفة من الدخول في جدال آخر معه، ليقول بضيق:
_ ليلى.
ألتفت إليه بصمت شديد، فأطفئ سيجارته بضيق متحكمٌ في غضبه، حتى قال:
_ متزعليش، أنا مضغوط النهار ده جداً و....
قاطعه دخول عُمر مُندهشاً بفزع وقال:
_ هو عفيفي بيعمل إيه برا؟
اتسعت عيني غفران على مصراعيها بصدمة قاتلة، وكيف تجرأ على القدوم إليه؟ ظل يرمق عُمر بصدمة وكأن صاعقة كهربائية ضربت صدره مع كلمة عُمر، وقال بتعلثم غير مستوعبٍ جملته:
_ مين اللي برا؟
تنحنح عُمر بذعر وقال بهدوء شديد:
_ عفيفي، أنا هتصل بالأمن يمشوا.
قاطعه غفران بغضب شديد بعد أن تأكد مما سمعه في المرة الأولى، وقال بغضب سافر:
_ جاي يدور عليها، دخله.
نظر عُمر له بصدمة من موافقته على اللقاء وهو في قمة غضبه وناره مُلتهبة لم تخمد بعد، ليكرر غفران كلمته وقال:
_ خليه يدخل يا عُمر، جه لقضاءه برجله.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور زيزو
دلف "عفيفي" إلى المكتب وحدق الجميع به.
فقال "غفران" بهدوء ما قبل العاصفة:
_ سيبنا لوحدنا يا عُمر.
نظر "عُمر" إلى رئيسه وهو الآن في قمة غضبه وربما يقتله إذا ظل معه وحدهما.
تحدث "غفران" بجدية صارمة يقول:
_ سمعت.
غادر "عُمر" مع "ليلي" للخارج.
فأقترب "عفيفي" من المكتب بضيق ثم قال:
_ فين كندا ونالا يا غفران؟
هز "غفران" رأسه بسخرية ثم قال بضيق مكبوح بداخله:
_ دا أي البجاحة اللي انتوا فيها دي، واحدة تخون وتكتب البت باسمي بكل بجاحة ووقاحة وأنت جاي بمنتهى البجاحة تسألني عن مراتي، الغريب أنكم مش قد البجاحة دي.
ضرب "عفيفي" المكتب بيديه وهو يقف أمام "غفران" وقال:
_ هم فين يا غفران؟ أنا بحذرك إياك تلمس شعرة منهم ولو على نالا نعمل الإجراءات اللازمة ونشيلها من على اسمك وطلق كندا.
ضحك "غفران" بسخرية بصوت عالٍ ثم قال:
_ دا الموضوع طلع سهل خالص أهو، أمال أنا مكبره ليه؟
_ طلقها يا غفران.
قالها "عفيفي" بجدية صارمة ليقول "غفران" مجيبًا عليه بتهديد صريح:
_ أنا مبطلقش .... أنا بترمل. تعرف ده.
أقترب "عفيفي" من المكتب أكثر يستفزه بالحديث أكثر وأكثر حين قال:
_ ولما تترمل هيخف شعور أنها كانت بتنام في حضني وهي مراتك ولا اللي رائحتي اللي شمتها فيها في كل مرة كنت بتحضنها هتروح من ذاكرتك، لوم نفسك لأنك راجل معرفتش حتى تشم رائحة غيرك فيها.
لم يتمالك "غفران" أعصابه أكثر أمام استيزازه واعترافه بالخيانة فأغلق قبضته بإحكام.
بينما تبسم "عفيفي" على نجاحه في أغضب "غفران".
***
ترجلت "قُسم" من الأعلى بتعجل مرتدية بنطلون جينز وقميص نسائي أبيض اللون فوقه سترة سوداء بقط ماركة عالمية وشعرها الكستنائي الطويل مموج من الأطراف وغرتها الطويل على الجانبين.
أوقفتها "فاتن" حين رأتها منحنية للأسفل ترتدي حذاءها الأبيض الرياضي ثم قالت:
_ حضرتك رايحة فين؟
_ ما قولنا بلاش حضرتك دي يا فاتن بتجبلي مغص.
قالتها "قُسم" بمرح ثم اعتدلت في وقفتها تحمل حقيبتها الصغيرة الحمراء ثم تابعت الحديث بلطف:
_ رايحة لغفران الشركة مستحيل أستنى أكتر من كده، من امبارح مستنية ومرجعش وأنا قلقانة عليه.
_ بس أنا مش حمل خناق معاه الفترة دي خالص.
قالتها "فاتن" بهدوء شديد فتبسمت "قُسم" بخفة وقالت بعفوية:
_ متقلقيش مش هيتخانق يا فاتن.
خرجت من القصر لتجد "سليم" في انتظارها أمام السيارة، فتح الباب الخلفي لها لتصعد وأنطلق بها إلى الشركة حيث حبيبها المختفي.
***
[[ شركة الحديدي للسيارات ]]
أقتربت "ليلي" بفضول شديد من مقعد "عُمر" الذي يرتشف قهوته في صمت ووضعت يدها في خصرها بهدوء ثم قالت:
_ وبعدين؟
التفت "عُمر" إليها بهدوء ثم قال:
_ خير يا ليلي، عمالة تلفي على أي؟ قولي متكسفيش.
جلست على المقعد الذي أمامه وقالت بحماس والفضول يقتلها:
_ حصل أي؟ ماله غفران بيه؟ ها قام نار زي الحريقة كده ليه؟ دا لأول مرة يقولي يا غبية.
_ محصلش حاجة.
قالها بهدوء فأحتدت عينيها العسلية بضيق مدركة خباثة حبيبها وأن يخفي الكثير لتقول بجدية:
_ طب والله يا عُمر لو ما قلتي فيه لأسيبلك الشركة دي تقلب تضرب وتقعد أنت ترد على التليفونات وترتب المواعيد، ما هو مش معقول أتشتم ومعرفش السبب.
قرص "عُمر" وجنتها بلطف ثم قال بحب:
_ والله أنتِ عسلية يا لولو، عقلك الصغير ده بيهيلك أنك تقدري تستدرجيني في الكلام مش كده.
قاطع حديثهما المشاكس صوت إطلاق ناري من الداخل مما أفزع "عُمر" وأسقط فنجان القهوة على الأرض من الهلع فذهب مهرولًا إلى الداخل.
وقفت "ليلي" بفزع ترتجف من الخوف بعد سماع صوت ضرب النار.
صُدم "عُمر" حين ولج إلى المكتب على صوت إطلاق عيار ناري فوجد "غفران" يصوب مسدسه في رأس "عفيفي" والموقف بينهما كالصراع على الحياة داخل أرض المعركة.
عيني كلا منهما يتطاير من داخلها الشر والحقد، الأول يبحث عن حقه في طفلته والآخر يبحث عن الانتقام لأجل خديعته.
أقترب "عُمر" مذعورًا نحوهما وأمسك يد "غفران" التي تحمل السلاح وقال بتحذير:
_ غفران بيه.
تحدث "عفيفي" وهو لا يبالي بشيء ولا لإطلاق النار كأنه لا يملك شيء يخسره:
_ دا آخرك، برضو هاخد بنتي حتى لو حكم الأمر على قتلك يا غفران، وركز لأني الوحيد اللي مش هيتهز منه شعرة قصادك لأني معنديش اللي يخسره.
تبسم "غفران" بعد أن سحب "عُمر" السلاح من يده، ليضع يديه في جيبه بغرور وقال:
_ كده تبقى غبي وأنا مبحبش الغبي، معقول معندكش أمل بنتك دي إيه، أنت ناسي أننا متشاركين فيها، أنت كلك تحت إيدي أفسك بإشارة مني، أنا رجل خسر كل حاجة وآن الأوان آخد حقي.
مسكه "عفيفي" من قميصه بقوة ويكاد يقتله بالخنق من الغضب بعد أن هدده بابنته وقال:
_ جرب تلمس منها شعرة وأنا أوريك أنا أقدر أعمل إيه؟
في نهاية جملته فتح باب المكتب بالقوة و"قُسم" تدخل صارخة بـ "ليلي" تقول:
_ أنا متمنعنيش كأنك مبتحرميش.
التفت الجميع على صوتها فقالت سكرتيرته بخوف من غضبه خصيصًا اليوم:
_ والله المدام هي اللي أصرت على التدخل، وأنا مقدرش أمنع المدام.
أقتربت "قُسم" من أرض المعركة المشتعلة بينهم، بينما رمقها "عفيفي" بدهشة ليتبسم بخباثة شديد ومكر شيطاني ثم ترك ملابس "غفران" وقال بتهكم:
_ طلع لسه عندك اللي تخسره، خاف على اللي عندك يا غفران بيه ورجعلي بنتي.
رمقه "غفران" بدهشة وقد فهم تهديده ليمر "عفيفي" من أمامها ثم لمس وجنتها بخباثة يشعل نيران زوجها الشرس وقال:
_ طلعتي أحلى بكتير من اللي اتحكي عنك يا قُسم.
دفعت يده بقوة بعيدًا عنها غاضبة ومشمئزة من هذا الرجل.
بينما "غفران" أسرع بخطواته نحوهما ليسحب "قُسم" من ذراعها بقوة ليخفيها خلف ظهره عن أعين هذا الشيطان ومسكه من قميصه بحدة.
رد فعله أفزع "قُسم" مما جعلها تتشبث بسترتها من الخلف.
قال "غفران" بجحود:
_ لو انشقت الأرض أو انطبقت السماء على الأرض مش هتعرف لهم طريق، ونصيحة مني متختبرش صبري عليك كتير لأن دورك جاي.
حاول "عُمر" السيطرة على الموقف ليدفع "عفيفي" للخارج بهدوء ويقول:
_ أرجوك يا أستاذ عفيفي اتفضل وإلا هطلبلك الأمن.
خرج معه للخارج فألتف "غفران" كي يعود لمقعده فوجد فتاته الجميلة تقف خلفه متشبتة به.
حدق بوجهها الملاكي في صمت ثم ذهب إلى مقعده الأبيض وجلس عليه فتنحنحت "قُسم" بلطف وذهبت خلفه حتى وقفت أمام مقعده خلف المكتب وقالت:
_ بتعمل أي هنا يا غفران؟
_ بشوف شغلي يا قُسم.
قالها ببرود شديد وتهكم بنبرة منهكة من التعب والألم الذي بداخله استنفد طاقته كاملة.
تبسمت "قُسم" بعفوية وقالت بضيق مصطنع:
_ يعني بيع شوية العربيات اللي عندك دول محتاج وجودك أوي يعني.
ضحك رغم أوجاعه على نظرتها لعمله فقال:
_ أيوة أنا واقف في السوق ببيع شوية عربيات، يا قُسم عندي شغل ورايا 4150 موظف عايزين يقبضوا أول الشهر، مالهاش علاقة بأوجاعي وحياتي يا قُسم، ده أول درس لازم تتعلميه في سوق العمل، شغلك مالهوش علاقة بحياتك الشخصية نهائيًا.
تبسمت بلطف عليه ثم اقتربت بخفة نحوه وأخذت يده في يدها حتى سقط القلم من قبضته فرفع نظره إليها حتى تقابلت عيونهما معًا فدُهش حين رفعت يدها الأخرى إلى لحيته الناعمة تداعبها بلطف هامسة إليه بحنان:
_ طب ممكن آخدك من ميتين موظف دول يوم واحد.
نظر "غفران" إليها مندهشًا من طلبها لتشد يدها أكثر على لحيته فقالت بلطف:
_ يوم واحد يا غفران، أنا كمان محتاجة ده.
أومأ إليها بنعم ثم قال:
_ أخلص الورق ده طيب.
هزت رأسها بالنفي نهائيًا ووقفت من فوق المكتب تسحب في يدها بلطف، أخذته وخرجت من المكتب لترمق "ليلي" بغلاظة وقالت:
_ مرة تانية لو فكرتي تمنعني هتحول عليكي فاهمة.
ضحكت "ليلي" على طفولية هذه الفتاة.
فقال "غفران" بهدوء:
_ خليك يا عُمر.
غادر معها للخارج ولا يعلم إلى أين تأخذه لكنه يعلم أن علاج ألمه معها وحدها.
هذه الفتاة التي سرقت عقله، خرج من الشركة معًا ليغادر "سليم" بسيارتها وتصعد مع زوجها بسيارته.
ظل طيلة الطريق ممسكة بيده بين قبضتها الناعمة لتقول:
_ غفران تسمح لي أوديك مكان على ذوقي.
أومأ إليها بنعم لتشير إلى "صابر" السائق بنعم فأنطلق بطريقه، حتى وصلوا إلى ممشى أهل مصر في التحرير.
ترجلت من السيارة معه ودخلوا معًا يسيرون في صمت لكن يديهما لم تفارق بعضهما وطال العناق بينهما.
كان يحدق بالنيل والمارة جميعهم ثنائيات فبدأ عقله يفكر أيوجد بينهما خائن للآخر.
قاطع تفكيره المخيف صوت "قُسم" التي وقفت أمامه تمنع طريقه بجوار درابزين النيل تقول:
_ غفران.
نظر إليها في صمت لتتابع الحديث بنبرة ناعمة ودافئة:
_ أنا عايزة أطلب منك طلب صغيرة.
تحدثت "قُسم" بعد أن أخذت يده الأخرى في يدها الثانية وعينيها تحلق بوجهه الحزين رغم أوجاعه وقالت:
_ أنا عايزة أتجوزك.
دُهش من طلبها العجيب فهي بالفعل زوجته ليرفع يدها التي تحمل خاتم الزواج ثم قال بنبرة هامسة:
_ أنا بالفعل عملت كده يا قُسم، أنتِ مراتي لا أنتِ عمري يا قُسم، أنا بحبك حتى لو حبي وجع وصعب وكله قسوة وألم من اللي بشوفه لكن في الأول وفي الآخر والنهاية الوحيدة الحقيقية هي أني بحبك وروحي فيكِ كمان، دي حقيقة مش هتتغير أنتِ قطعة من روحي.
رفعت يدها أكثر حتى وصلت إلى لحيته الجذابة وقالت بهمس شديد إليه:
_ سلامتك من الوجع، أنا معاك يا غفران هننسي كل الأوجاع اللي في حياتنا وهنبدأ من الأول، وهنبني بيتنا وحياتنا لكن بالحب والمودة مش بالقسوة ولا بالألم المكتوم جوانا.
_ بس أنا موجوع يا قُسم، موجوع ووجعي صعب أوي، أنتِ بتحكمي على الموقف بعاطفتك لأن ربنا خلقك كده لكن أنا راجل بحكم بعقلي اللي هيتجنن ولحد دلوقتي مش مستوعب اللي حصل ولا البجاحة اللي هم فيها، أنا وجعي صعب يا قُسم والقلم اللي أخدته لازم أرده فمتحاوليش.
قالها بجدية صارمة مما أوصلها لنهاية المطاف معه، الطريق المغلقة بعتمته لا مفر منه، لا يوجد مخرج أو سبيل للنجاة من غضبه ونار انتقامه.
أخذ يدها إلى المطعم الموجودة وجلس يتناول الغداء معها في صمت وهي تفكر بجنون كيف ترجعه عما بداخله حتى يترك أسر "كندا" وطفلتها للزمان.
***
_ حضرتك طول الوقت بتقولي أتجوز عشان أخلف حتى لو بنت.
قالها "عفيفي" إلى والده رجل الأعمال "داغر الصوفي" ليكز والده على أسنانه بضيق شديد من حديث ابنه:
_ آه لأنك ابني الوحيد ومراتك العقيمة دي هتقطع نسلي من الدنيا كلها، لكن متجيش دلوقتي تقولي أنك مخلف وبنتك مكتوبة على اسم رجل تاني.
_ بس بنتي وشايلة دمي حضرتك محتاج تساعدني أرجعها، دي الوريثة اللي بتستناها عمرك كله.
قالها "عفيفي" بجدية صارمة.
ضرب والده الأرض بعكازه الخشبي غاضبًا ثم قال بعناد وغضب سافر:
_ أنت عارف أنت عايزني أقف معاك قصاد مين؟ دا غفران الحديدي ولو متعرفهوش لأنك في سوق الفن والمياعة يبقى لازم تسأل عليه في سوق تجارتنا، بلاش غفران الحديدي تسمع عن أمه دكتورة نورهان تعرف دي لقبها إيه في سوق عملنا ملاك الجحيم لأنها مبترحمهوش، ورثت من أبوه وجوزها الحديدي الكبير اللي أهلك مييعرفوش يقفوا قصاده.
أقترب "عفيفي" من والده بضيق وقال بطريقة مستفزة غليظة:
_ يعني حضرتك خايف وهتسيب لهم حفيدتك يقتلوها ولا فاكر غفران هيربي بنت مش بنته.
وقف والده بغضب شديد وعينيه تتطاير منهم الشر قائلًا:
_ على جثتي حد يمس حفيدتي بسوء.
سأله "عفيفي" بتوتر شديد بعد أن أقترب منه:
_ هتساعدني؟
نكزه والده بعكازه في كتفه بغضب قائلًا:
_ هساعد حفيدتي لكن أنت كلب، كل ده من وراء نجاستك وقذارتك.
***
[[ قصر اللؤلؤ ]]
دلفت "رزان" إلى مكتب "نورهان" ووضعت أمامها تحليل الـ dna ثم قالت بجدية:
_ التحليل ده عمله غفران بيه امبارح ونالا أختفت من المستشفى هي وكندا.
نظرت "نورهان" إلى الورقة لتُصدم من النتيجة التي قرأتها فقالت:
_ مش بنته؟
_ للأسف ومن وقتها وعُمر خرج من المستشفى بيهم واختفوا معرفتش أوصلهم.
قالتها "رزان" بجدية صارمة.
تنهدت "نورهان" بغضب سافر وقالت بنار تحرقها من الداخل:
_ ياما قلته إنها خاينة لكن مصدقنيش، الحب كان عاميه وأدي النتيجة بنت مش بنته شايلة اسمه، اسمعي يا رزان، أجمعيلي كل المعلومات عن أهل كندا، وأي صغيرة تحسي أنها ممكن تذلهم وتكسرهم بلغيني بيها، حق ابني وثمن وجعه أنا اللي هجيبه وبطريقتي.
أومأت "رزان" إليها بنعم وغادرت القصر تنفذ أوامرها لترى سيارة "غفران" تمر من أمام القصر متجهة إلى قصره فتابعتها بنظرها حتى ترجل منها "غفران" ومعه "قُسم" زوجته الجديدة.
لتغادر "رزان" المكان.
صعد "غفران" إلى غرفته تاركًا "قُسم" في البهو وهي تراقبه في صمت أثناء صعوده للدرج وقلبها يفتك به الوجع على حال زوجها.
صعدت هي الأخرى في صمت إلى غرفتها بدلت ملابسها وصعدت إلى الفراش حتى جاءت إليها الخادمة بكوب من العصير قبل النوم.
فأوقفتها "قُسم" بحديثها قائلة:
_ استني، أنتِ اسمك إيه؟
_ همس حضرتك.
قالتها الخادمة الشابة بهدوء فسألتها "قُسم" بفضول شديد:
_ بتشتغلي هنا من امتى؟
_ حوالي 3 سنين.
تبسمت "قُسم" بلطف من هذه المدة وقالت:
_ اقعدي عايزة أتكلم معاكي شوية.
جلست الفتاة على حافة الفراش قربها لتتابع "قُسم" أسئلتها حتى ترضي فضولها المشتعل بداخلها:
_ تعرفي كندا كويس.
_ مدام كندا طبعًا أعرفها من برا لكن مش قريب، أصلها كانت مغرورة شوية ومدللة جدًا عند مسيو غفران فمكنتش بتتكلم معانا ولا حتى تسمح لأي حد يدخل جناحها مش زي حضرتك قعدتني على سريركِ.
قالتها الفتاة بعفوية ثم تابعت الحديث بجدية:
_ عمرها ما شفقت على حد واللي تغلط فينا تطرد منها بكرامتها أحسن ما تطرد من غفران بيه بالذل والإهانة لأجل أميرته، مكنش ينفع تأمر ومنفذش ولو اتأخرنا أو غلطنا بتقوم القيامة، ده غير لسانها السليط اللي طول الوقت إهانة وذل وأننا خدم عندها زي العبيد بالظبط، لكن مؤخرًا كانت طول الوقت حزينة وغرورها انطفئ مع العياط المتواصلة وخناقات كتير مع مسيو غفران وده مبقاش مخلي عندها طاقة تفوق لينا أو تحطنا في بالها.
عقدت "قُسم" ذراعيها أمام صدرها وقالت:
_ متعرفيش ليه اتحول الحال أوي كده؟
هزت الفتاة رأسها بالنفي وقالت:
_ لا، لكن طول الوقت كان بيزعق أنها بتخونه وبتخرج من وراه وبتتأخر لكن للأمان عمري ما سمعتها بتتكلم في التليفون أو أي حاجة توحي أنها خاينة بالعكس ده كانت بتتمنى اليوم اللي غفران بيه يسمح أنها تروح جناحه.
حكت "قُسم" ذقنها بأناملها وهي لا تفهم إذا كانت "كندا" تتمنى قربه فكيف تخونه وكيف "نالا" لم تكن ابنته.
تحدثت "همس" بهدوء قائلة:
_ متفكريش كتير يا مدام قُسم، الخيانة بتتحس قبل ما بتتأكد، جنابه كان حاسس أن في حاجة غلط والرجل مش هيتوه في مراته وكان مراقبها لكن في كل مرة كانت بتخرج من اتهامه أنها كانت بتصور وأن ده شغلها وهو من حبه فيها كان بيعمل نفسه مصدق أنها معملتش كده.
أقتربت "قُسم" منها بهدوء وجدية ثم قالت:
_ هسألك سؤال وتجاوبني بصراحة، كندا مكنش ظاهر عليها حاجة غريبة.
_ الصراحة لا، بس مرة في الغسيل لقينا في باكيت الغسيل قميص راجل أبيض وعليه برفان رجالي ولما وريناه لفاتن قالت أنه بتاع غفران بيه لكن كلنا كنا عارفين أنه بتاع حد تاني لأن غفران بيه قمصانه كله بتيجي من إيطاليا والمصمم بيكتب على الأزرار بالحفر حرف غفران بيه وعلى التكيت في ضهر القميص اسم غفران بيه بالذهب وده اللي بيميز هدومه كله إلا القميص ده وبعدها واحدة من الخدم شافت فاتن وهي بتحرق القميص وده اللي أكد لنا أنه مش بتاع غفران بيه خالص.
قالتها "همس" بجدية مما أكد لـ "قُسم" خيانة هذه الزوجة وقالت بهدوء:
_ طيب روحي أنتِ دلوقت.
غادرت "همس" لتبدأ "قُسم" في التفكير فيما سمعته لتتسلل من فراشها إلى الخارج حيث غرفته.
سمعت صوت صنوبر المياه فأستغلت الفرصة وولجت إلى غرفة الملابس الخاصة به وبدأت تنظر في ملابسه وحقًا كما قالت "همس" لأول مرة تلاحظ "قُسم" حرفه المحفور على الأزرار وحقًا كان اسمه محفورًا بالخيوط الذهبية في القمصان.
_ بتعملي إيه هنا؟
أتاها صوته من الخلف لتفزع من خروجه وهي لا تشعر به فسقط القميص من يدها وألتفت إليه.
كان يقف أمامها ببنطلون رمادي اللون قطني وصدره عاري وشعره يتساقط منه قطرات المياه ويحمل في يده منشفة.
ابتلعت لعابها من الخجل ورأته هكذا أمامها فأستدارت سريعًا تعطيه ظهرها وهي تقول:
_ مفيش.. أنا.. هو.. أصلا يعني.
كانت مرتبكة جدًا ونبضات قلبها تسارعت بجنون من وجوده ورائحة غسوله تملأ الغرفة.
تلعثمت في الكلمات مما جعله يقترب منها بإعجاب وخجلها يجذبه إليها كسحر.
مرتدية بيجامة من الحرير الأسود الجذاب حتى وقف خلفها وأدارها إليه بلطف فأغمضت عينيها بخجل شديد.
فظل يحلق بوجهها الأحمر لأول مرة في عمره كاملًا يرى وجه فتاة بقربه هكذا وأحمرارها زاد من إعجابه ورغبته بها.
شعر وكأنها قطعة حلوى يريد التهامها للتو بشراهة.
رفع يده إلى وجنتها يلمسها فكانت دافئة بحرارة ليضع خصلات شعرها خلف أذنها بحنان.
فتحت عينيها حين انتفض جسدها من قشعريرته حين لمس وجنتها لتتقابل عيونهما معًا في نظرة عشق دافئة مليئة بالمشاعر وكهرباء العشق تضرب أجسادهما وقلبهما.
حرك أنامله الباردة على وجنتيها ببطء شديد لتنتفض "قُسم" بلطف وقالت:
_ غفران.
أجابها هذه المرة بقبلة ناعمة على وجنتيها الحارة لتسكتها نهائيًا هذه القبلة وتنفست بصعوبة.
وقبلته الناعمة تحولت إلى جيش من القبلات التي هجم عليها فبدأت تلهث من قوة نبضات قلبها وقالت:
_ غفران أرجوك.
_ أنا عاشق يا قُسم.
قالها بلطف وشفتيه تحتل جبينها الناعمة.
رفعت يدها إلى صدره العاري تلمسه بأناملها الصغيرة وعينيها تحلق به بسعادة تغمره وقالت بهمس شديد يكاد يسمعه:
_ أنا متيمة بيك يا غفران.
تبسم إليه بينما يديه تسللت إلى خصرها يحملها على ذراعيه حتى سقط الروب الحريري عن أكتافها فتشبثت بعنقه ويدها تداعب لحيته بسعادة:
_ بحبك.
_ متلومنيش يا قُسم، أنتِ اللي هزمتني بعشقك.
قالها بحب ونبرة ناعمة بينما يتكئ بجبهته على جبهتها وسار بها إلى الخارج حيث فراشه.
***
في غرفة العناية المركزة فجرًا، غيرت الممرضة الدواء إلى "ملك" لتلمح أصابعها تتحرك.
فركضت إلى الخارج تخبر الطبيب باستجابة "ملك" لكن في مغادرتها تسلل أحدهم إلى الغرفة وكان رجل ملثم ووقف أمام فراش "ملك" يرى أصابعها تتحرك ببطء شديد وعينيها على وشك أن تفتح حتى ترى وجهه.
لكنه نزع الوسادة من أسفل رأسها ليضعها على وجهها يكتم أنفاسها حتى أطلق الجهاز صفارة توقف القلب عن النبض.
فترك الوسادة أرضًا وغادر المكان سريعًا.
عادت الممرضة مع الطبيب لترى الوسادة بالأرض وجهاز القلب توقف وقد استقام الخط به لتفزع وقالت للطبيب:
_ والله حركت أصابعها، أنا شفتها.
رواية غفران هزمه العشق الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور زيزو
فتحت "قُسم" عينيها بتعب فى جميع أنحناء جسدها وتكاسل يحتلها لتشعر بثقل على خصرها ودفء شديد فى جسدها.
نظرت جوارها لتراه نائمًا مُتلصقٍ بها ويطوقها بأحكام ورأسه مدفون فى جبينها.
أحمّرت وجنتيها خجلًا وهى تتذكر ما حدث أمس وحاولت أن تتسلل من بين يديه برفق قبل أن يستيقظ حتى نجحت فى ذلك لتسحب روبها من الأرض وتهرع لخارج الغرفة قبل أن يستيقظ "غفران".
تبسّم بخفة مع خروجها وفتح عينيه ليكفي عن أصطناع النوم.
تنفّس بأريحية وشعور بالسعادة يجتاحه بعد ليلة أمس.
بعثر شعره بيده وهو يغادر الفراش بصدر عاري.
اتجه إلى المرحاض ليأخذ حمام دافئ قبل أن يستعد للخروج إلى العمل.
اختار بدلة رمادية وقميص أسود اللون وساعة معصمه السوداء ثم ترجل للأسفل.
بحث عن "قُسم" بأنظاره لكنه لم يجدها فسأل عنها خادمته لكنها قالت:
- منزلتش لسه، تحب أطلع أصحيه.
تبسّم "غفران" على خجل محبوبته الذي جعلها تختبي من لقائه وقال بعفوية:
- لا يا همس، روحي أعمليلي قهوة.
أومأت إليه بنعم ودلف "غفران" إلى مكتبه.
***
فى شقة "جميل" كان جالسًا على السفرة مع أسرته لتقول "صفية" بقلق على ابنتها:
- بصراحة بعد ما شوفته بيضرب مراته وبنته اللى راماها بذراعه من غير ما يفرق معاه ومخافش عليها قلقت أوى على قُسم وخوفت نكون أتسرعنا فى الحكم عليه وجوزنا بنتنا.
تحدث "جميل" بنبرة جادة بينما يأكل لقمته:
- مش أنتِ اللى قلتي أنها بتحب وأنه مينفعش أجوزها لواحد غصب عنها.
- انتوا مكبرين الموضوع ليه؟ ما قُسم مبسوطة ومرتاحة، أنا لو مكانكم بصراحة هفكر أعمل الفرح وأخلص وكدة أو كدة هي خلاص بقت مراته.
قالها "قاسم" بلا مبالاة وهو لا يهتم كثيرًا بحديث والديه وقد نفد السهم وباتت أختاه زوجة لهذا الرجل.
نظر "جميل" إليه فقال "قاسم" بجدية:
- أيوة يا بابا، قُسم خلاص بقيت مراته والكلام ولا هيقدم ولا هيأخر حاجة ولا هغير من الواقع.
هز "جميل" رأسه بحيرة وحديث زوجته عما حدث أمامها أفزع قلبه على ابنته من القادم.
***
ترجّل "عُمر" من سيارته أمام بناية سكنية فى التحرير يحمل فى يده باقة من الورود الحمراء وعلبة من الشيكولاتة.
خرجت "ليلي" من شرفة شقتها مُبتسمة بسعادة بسبب قدوم "عُمر" وقد نفذ ما وعد به.
تبسّم إليها ثم ألتف يأخذ يد والدته معه وصعدوا معًا إلى الأعلى.
رآها وهى تقف خلف الستار مُرتبكة وتتنفس بصعوبة وصوت عالٍ من التوتر بسبب قدوم حبيبها إلى والدها.
جاءت والدتها من الداخل وقالت:
- هتفضلي واقفة كدة خشي هاتي العصير للناس.
أومأت إليها بنعم ودلفت إلى المطبخ مُسرعة وبدأت تحضر الكؤوس وتسكب العصير بتعجل حتى تخرج وتسمع حديثهما.
خرجت حاملة صينية العصير وعينيها ترمق "عٌمر" بخطواتها الثابتة.
رفع "عُمر" نظره إليها بسعادة ولا يُصدق أنه هنا فى منزلها.
كانت جميلة تخطف قلبه من جديد بفستانها الأزرق وحجابها الأبيض مع الكعب العالي الذي يطرق بخطواته على قلبه فكل مرة تخطي نحوه به.
أرتبكت جدًا من نظرته حتى تعثرت فى خطوتها من الأرتباك وكادت تسقط بالعصير ليهرع "عُمر" نحوها ويأخذ الصينية من يدها.
فضحكت "ليلي" بعفوية وقلبها الآن على وشك التوقف من شدة نبضاته السريعة وعلقت عينيها بعينيه فى نظرة مُطولة تتسارع فيها نبضات قلوبهما وحرارة العشق تلتهب بداخلهما.
تنحنحت والدته بلطف لتوقف هذه النظرات العاشقة بينهما الآن فعاد إلى مجلسه وهى خلفه.
تبسّم والدها بعينيه حين رأى ابنته سعيدة بهذا القدر ثم قال:
- ها يا عروسة؟ قُلتِ أي؟ تحبي تأخدي وقت تفكري كويس.
نظرت "ليلي" إلى "عُمر" وأحمرت وجنتيها خجلًا لتطأطأ رأسها الصغير أرضًا فقالت والدتها بحماس لرؤية ابنتها عروسة:
- وقت أى يا حج ما أنت شايف وزى ما بيقوله السكوت علامة الرضا.
- ها يا ليلي؟
سألها من جديد لتقول بصوت مبحوح خجلًا:
- اللى تشوفه حضرتك يا بابا.
تبسّم أكثر على خجل طفلته التى باتت عروسة جميلة و قال بلطف:
- ماشي، نحدد ميعاد نقرأ الفاتحة فيه.
- ليه يا عمي، ما خير البر عاجله.
قالها "عُمر" فنظر الجميع إليه بدهشة من تعجله للأمر.
خرجت ضحكة خافتة من "ليلي" ليوافق والدها على الخطبة وقراءة الفاتحة.
أقترب منها بلطف وأخرج من جيبه علبة صغيرة بداخلها خاتم سوليتير جميل وقدمه إليها لتقول:
- عرفت مقاسي منين؟
ضحك "عُمر" بخفة وهو يأخذ يدها فى راحة يده وقال بعفوية هامسٍ إليها:
- هو فى أي أنا معرفهوش عنك يا قمري، بحبك.
تورّدت وجنتيها أكثر وعينيها تلمع ببريق العشق وقالت:
- وأنا بحبك يا عُمري.
***
[[ قصــر الحديــدي ]]
خرج "غفران" من غرفته بضيق ويشعر بحالة من الملل تُصيبه فترجل من الأعلى وهو ينادي على خادمته:
- فاتن… يا فاتن.
خرجت "فاتن" إليه مُتعجلة على صوته وقالت:
- أيوة.
تحدث وهو يبحث حوله بأنظاره قائلًا:
- مشوفتيش قُسم.
- كانت طالع الجنينة من شوية.
قالتها "فاتن" بنبرة هادئة ليشير لها بان تذهب واتجه نحو الحديقة.
فتح الباب الزجاجي وعينيه تحملق بجميلة التى تسير فى الحديقة حافية القدمين وأصابعها الدافئة يتغلغل بينهما العشب الأخضر البارد، مُرتدي فستان أخضر اللون طويل وشعرها الكستنائي يتطاير مع نسمات الهواء الشديدة.
تبسّم بلطف وهو يسير نحوها بُحب وقلبه العاشق ينبض لأجلها وكأن قلبه من يصبو إليها وليس قدميه.
أقترب أكثر لينزع سترته الصوفية الرمادية عن جسده ووضعه على أكتافها من الخلف لترفع "قُسم" رأسها إلى الخلف حيث زوجها فأحمرت وجنتيها خجلًا فقال "غفران" بنبرة خافتة:
- هتفضلي تتهربي مني كدة كتير.
- مش بتهرب ولا حاجة يا غفران.
قالتها وعينيها تحملق فى العدم فرفع يده إلى ذقنها يُدير رأسها إليه حتى تتقابل عيونهما وقال "غفران":
- أمال عينيك بتهرب مني ليه؟
- غفران.
قالتها بنبرة دافئة، مسك "غفران" ذراعيها يُقربها إليه وقال:
- أحلى غفران سمعتها فى حياتي مع أنك عاملة زى القطة الكيوت بتجري مني وأنتِ سارقة قلبي معاكِ.
ضحكت "قُسم" بدلال وألتفت إليه أكثر لتكون مقابلة إليه ووضعت يديها على صدره بحنان ثم هتفت بُحب:
- طب خلى بالك لأن القطط الكيوت بتعرف تخربش كمان.
هز رأسه مُقتنع بحديثها، ويديه تتسلل إلى خصرها يحيطها بحنان وقال:
- وقطتي بقي بتخربش أزاى، جربي كدة.
قهقهت ضاحكة عليه بلطف.
أقترب أكثر منها فأحمرت وجنتيها خجلًا وهربت عينيها من عناق عينيه إليها.
رفع يده إلى وجنتها يداعبها بأبهامه بحب ليقاطع لحظتهما رنين الهاتف فتذمر "غفران" قائلًا:
- مش وقتك يا عُمر، ألو.
بدأ الحديث يدور بينه وبين "عُمر" وهو يقول:
- يعنى الموضوع تم على خير…. طب الحمد لله مبروك يا عريس.
تابعته "قُسم" فى الحديث قائلة:
- مبروك هو أتجوز.
ضحك "غفران" على كلمتها وتابع الحديث مع "عُمر" قائلًا:
- مش وقته الكلام فى الموضوع دا يا عُمر، خليهم مرميين كدة شوية.
أبتعدت "قُسم" عنه بوجه جاد وقد فهمت ما يتحدث عنه وقالت:
- دى كندا وبنتها؟!
أبتعد عن "قُسم" بضيق من تتدخلها فى الأمر وقال بجدية:
- خلصنا يا عُمر، ما يكش تموت أنا مالى عيانة ولا سليمة خليها تدفع ثمن أعمال أمها …. سلام.
أغلق الخط ليرى "قُسم" واقفة عاقدة ذراعيها ووجهها تحول إلى العبوس والضيق فتنحنح بحرج وقال:
- مالكِ.
- وبعدين أخرت اللى بتعمله أى؟
قالتها بنبرة صارمة ليتابع "غفران" بحزم شديد:
- هقولهالك تاني، متدخليش فى الموضوع دا يا قُسم.
كزّت على أسنانها بضيق وأستدارت لكي تغادر.
مسك "غفران" يدها يمنعها من الرحيل قائلًا:
- رايحة فين؟
- مالكش دعوة بيا، وأوعي تفتكر أنى ممكن أكون زوجة لواحد زيك، اللى بتعمله دا إجرام ومش عمل إنساني مفيش بني أدم بيعمل دا، أنت فاكر الدنيا دى أي ملك أبوك ماشي تدوس فيها على اللى ميعجبكش ويزعلك.
قالتها "قُسم" بغضب سافر فى حين أن "غفران" صُدم من طريقة حديثها ومعارضتها الحادة إليه.
ظل يحدق بها مُندهشة ومنذ البداية وهو يعرف أنها مختلفة عن الجميع ومميزة بشخصيتها البريئة والحادة فى آنٍ واحدٍ، الحنونة والعنيفة فى آنٍ واحدٍ لكن لدرجة أن تتحداه وتقف فى مواجهته لم يتخيل هذا الأمر ليقول:
- ملك أبوك!!
صرخت بأنفعال فى وجهه قائلة:
- لا جدى عزبة أبوكِ يات غفران لما تخطف بنت بتموت من المستشفي بس لأنك زعلان من امها وأى أن كانت الجريمة اللى عملتها لكن البنت مالهاش ذنب وتحرمها من العلاج ولا حتى تسيبها لأبوها يعالجها، تبقي عزبة أبوكِ يا غفران.
رفع يده إلى الأعلي مُنفعلًا من كلماتها وأسلوبها المُهين إليه لكنه لم يجرأ على صفعها او أذيتها فكز على أسنانه وهو يقول:
- سبحان من يصبرني على تحمل طريقتك وطول لسانك يا قُسم، لكن ورب الكون اللى خلقني وخلقك ما هعديها لكِ أبدًا.
ذهب من أمامها غاضبًا لتأفف "قُسم" أيضًا بغضب وقررت أن تهجر القصر له بعد أن رفع يده ليصفعها.
صعدت لتبدل ملابسها وأرتدت بنطلون جينز وبلوفر أحمر ثم غادرت القصر بسيارتها مع "سليم" دون أن تخبره بمغادرتها.
صُدم "غفران" عندما سمع صوت سيارتها تغادر القصر ليترجل من الأعلى مجددًا وقال بنبرة قوية خشنة:
- قُسم.
أجابته "فاتن" بخوف من غضبه وهى لا تفهم كيف تجرات "قُسم" على فعل ذلك والخروج دون أذن منه:
- خرجت.
أحتدت عينيه وهو يغلق قبضته بأحكام مُسيطرٍ على نيران غضبه، صعد من جديد للأعلى وبداخله بركان من الغضب ويتمتم قائلًا:
- هى فاكرة أنها بتلوي ذراعي.
***
[[ شركة اللؤلؤ ]]
وضعت "رزان" التابلت أمام "نورهان" على المكتب بهدوء وبدأت تسرد لها التفاصيل قائلة:
- حسب ما حضرتك طلبتي، تحريت عن أهل كندا وباباها لسه مقدم على طلب قرض من البنك لأن محتاج مبلغ يكمل بيه ثمن مشروع العقارات، المشروع دا مهم جدًا ومحتاج سيولة قوية لانه مشروع تابع للحكومة وهو بيحاول جاهدًا أنه يكسب المناقصة دى، أم مامتها بقي طلع السبب فى تضييع الفلوس لأنها بتلعب على فلوس فى الخباثة ومحدش يعرف.
هزت "نورهان" رأسها قليلًا مستوعبة هذه المعلومات التى وصلت إليها فسألت "رزان" بثقة:
- وكندا.
- لا، دى حكايتها حكاية، الهانم طلعت ساحبة مبلغ محترم من الحساب البنكي لغفران بيه من شهر والغريب فى الموضوع أنها مدفعتهمش فى أى شراء زى كل مرة، ودا اللى خلاني أدور أكثر وأكتشفت بقي شيء كارثي.
قالتها "رزان" بنبرة حادة، تركت "نورهان" التابلت من يدها ونظرت إلى "رزان" ثم قالت:
- اى.
- أشترت بيهم مخدرات.
قالتها "رزان" بهدوء شيء حتى تستوعب "نورهان" الدهشة.
أتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها ثم قالت:
- مخدرات.
أومأت إليها بنعم فهزت "نورهان" رأسها بلطف ثم قالت:
- حلو أوى، أستني بقي متعمليش أى حاجة لحد ما أقولك تعملي أي.
وافقت "رزان" على الأمر ثم تنحنحت قليلًا بهدوء ثم قالت بجدية:
- ملك أتوفت.
تنفّست "نورهان" بأريحية شديد ثم قالت:
- ريحت وأستريحت والموضوع كدة رسمي لبس أنس وتقدر تيا ترجع بس الأول تابعي مع المحامي أنا عايزة إعدام لأنس عشان القضية تتقفل نهائي.
أومأت "رزان" لها بنعم ثم غادرت المكتب لتحدق "نورهان" بتقرير البحث عن عائلة "كندا" وتفكر فى طريقة أنتقامية مُميتة.
***
[[ شركــتة الحديـــدي ]]
كان "غفران" كالبركان الناري مُنذ الأمس بعد أن غادرت القصر دون أذنه.
صرخ فى وجه "ليلي" بضيق قائلًا:
- شيلي الورق دا من قدامي.
أنتفضت من صرخته وهى تسحب الأوراق بتعجل حتى تتخلص من غضبه.
خرجت مُنفعلة لتقابل "عُمر" على باب المكتب.
دلف وملامح التعجب على وجهه، مستغربًا جدًا ما يراه وقال بجدية:
- الشريك الألماني بعت أيميل غريب شوية.
- بعدين يا عُمر مش وقتك.
قالها "غفران" بحدة صارمة ليضع "عُمر" الورقة أمامه وهو يقول:
- مينفعش بعدين، دول بعتين يقوله أنهم هيبعوا الـ 30% نصيبهم فى المصنع.
أتسعت عيني "غفران" على مصراعيها بصدمة ألجمته واعتدل فى جلسته يسحب الورقة بجدية ثم قال بغضب:
- دا أزاى يعنى؟!!
***
ترجلت "قُسم" من منزلها بحزن شديد بعد أن علمت بوفأة صديقتها مُنهارة والدموع تتغلغل فى عينيها.
فتح "سليم" باب السيارة الخلفي من أجلها فى صمت وقبل ان تصعد ظهر أمامها "عفيفي" يقول:
- قُسم.
ألتفت "قُسم" إليه بدهشة من ظهوره وتذكرت أنها رأته فى مكتب "غفران" فجففت دموعها بغرور وقالت بحذر:
- مدام قُسم، أفندم.
تنهد بهدوء يحترم رغبتها فى حفظ الألقاب وقال بجدية صارمة:
- حاضر، مدام قُسم بس ياريت زى ما حضرتك متعرفنيش وأنا كمان معرفكيش وأحترم دا، تقدري وتحترمي اللى أنا جايلك فيه.
رفعت حاجبها بغرور شديد وصامتة.
تحدثت من جديد وقال:
- ممكن نقعد فى أي مكان نتكلم.
- مع أن مفيش بينا كلام بس ماشية.
قالتها بجدية صارمة وصعدت لسيارتها وقالت بهدوء:
- خليك قدامه يا سليم وأختار مكان عام كويس.
قالتها وهى تفتح هاتفها وتفكر كيف تتصل بـ "غفران" وتخبره بهذا اللقاء بينما هى غاضبة منه وهجرت منزله.
أغلقت نافذة الأتصال وفتحت الرسائل لترسل له الموقع المباشر لها مع رسالة اخر نصية محتواها ( عفيفي جالي وعايز يتكلم معايا، دا مكاننا بما أن جوزى معنديش الأستعداد يتكلم معايا ).
وصلوا إلى كافتريا أختارها "سليم" داخل حديقة عامة على النيل، وجلست "قُسم" بهدوء صامتة وعاقدة ذراعيها أمام صدرها فقال بجدية:
- تشربي أى؟
- أكيد مش هشرب حاجة مع عدو جوزى، عايز اى؟
قالتها بحزم شديد وغرور نابع من قلبها الغاضب المُشمئز من رؤيته.
تحدث "عفيفي" بهدوء:
- أنا عايز مراتي وبنتي.
قوست "قُسم" شفتيها للأسفل بتعجب وتمتمت بسخرية حادة من قدر الوقاحة التى تسمعها:
- مراتك!! على حد علمي أنها على ذمة غفران ولا البجاحة وصلت فى الناس لدرجة دى.
رن هاتفها باسم "غفران" الذي جن جنونه عندما رأى الرسالة وكيف تذهب للقاء مع هذا الرجل الذي تسبب فى كسر قلبه وعدوه الذي يسعى لقتله حتى يتخلص من وجعه.
قلبت "قُسم" الهاتف على شاشته ؛ ليُفتح الخط بينهما دون أن تُدرك مُتابعة حديثها بحدة أكثر مع "عفيفي":
- لدرجة أن واحد يعترف بخيانته ومعاشرته لواحدة متجوزة بكل جراءة كدة عادي، فى حياتي وتربيتي اللى بغلط بداري نفسه فى الحيط ويقول يا حيط دارني من عيون الناس وأسترها يا رب مش طمعان غير فى سترك، لكن فى دُنيتكم شوفت العجب، شوفت واحدة بتخون جوزها اللى عايشة معاه وفى حضنه عشر سنين ولم تحمل تنسب له البنت وتكمل وتدوس حتى مفكرتش تبعد عنه وترحمه، شوفت واحد بقول عايز مراتي وبدور عليها زى المجنونة وهو مصدق الكذب اللى بيكذبها لأن فى الواقع وفى الشرع اللى تقريبًا أنت متعرفهوش دا أسمه زنة وجريمة مقرفة تليق عليك وعليه.
لم تكن تخشاه فى الحديث، بل أرادت أن تقدم له القليل مما فعله بزوجها.
كزّ على أسنانه بغيظ من حدتها وحديثها ثم قال ببرود:
- تفتكري انا جاي أسمع الكلام دا، أنا جاي أقولك كلمتين، أولهم عقلي جوزك وخليه يرجعلي كندا ونالا ويطلقها لأن مهما يعمل ومهما سقف طموحاته تأخده مش هيمحي حقيقة انها خانته زى ما بتقولى.
- مش بقولك بجاحة.
قالتها بأشمئزاز ووقفت من مكانها ليتابع "عفيفي" الحديث بعد أن وقف أمامها:
- وتاني حاجة أنى مش عايز أدخل فى صراع مع غفران إحنا الإثنين هنخسر فيه.
وقفت أمامه بجراءة وعينيها تحملق به بأشمئزاز دون خوف وقالت بنبرة قوية تعلمتها من "غفران" مؤخرًا:
- خلصت، أنت راجل زبالة وقبلت تعرف واحدة من وراء جوزها فما شاء الله الجواب باين من عنوانه.
رفع يده كالمجنون ليصفعها دون أن يعي خطورة ما يفعله، وكيف سيرد زوجها على هذه اللطم لكنه صُدم عندما مسكت "قُسم" يده بحدة وعينيها يتطاير منها الغضب الناري وقالت بانفعال:
- دا أنت عبيط كمان وعقلك المريض صورلك أنك تقدر تعمله.
نظر "عفيفي" إلى وجه قُسم بذهول تام وقال:
- أنتِ…
دفعت يده بعيدًا بعنف ثم قالت بنبرة دافئة:
- أنا قُسم مرات غفران الحديدي واللى زيك ميتجرأش يرفع عينيه فيا، أنت المفروض لما تشوفني تضرب تعظيم سلام أنك شوفتني أصلا.
قهقه ضاحكًا على كلماتها بسخرية وقال بينما يضع يديه فى جيوب بنطلونه:
- ههههه تصدقي ضحكتني وأنتِ بتقولى مرات غفران الحديدي وشكلك نسيتي أني مخلف من مرات نفس غفران الحديدي.
لم تتحمل "قُسم" الإهانة إلى زوجها وهذا الأحمق يتحدث بفخر من فعلته فلطمت وجهه بقوة مما أذهل "عفيفي" وجعله ينتفض من مكانه وأخرج يديه من جيوبه يحملق بهذه الفتاة وهى تتحدث مُتابعة دون خوف من فعلتها:
- إياك تجيب سيرة جوزي بطريقة متعجبنيش مرة تانية.
أقترب كالمجنون لكي ينتقم لفعلتها المفاجأة لكن أوقفه ظهور "غفران" من العدم يسحب زوجته خلف ظهره يخفيها عن غضب هذا الرجل ويحدق به بغضب ناري بينما يقول:
- أنا حذرتك متظهرش قصادها.
أقترب "عفيفي" منه بغضب من هذه اللطمة وكاد يكون مُلتصق بـ "غفران" وقال بتهديد واضح دون خوف هذه المرة:
- ورب الكعبة لأقهر قلبك عليها.
غادر من أمامه دون أن يترك مجال إلى "غفران" بالرد، ألتف إلى زوجته ليراها مُبتسمة بلا خوف وقالت:
- هو اللى عصبني.
جذبها إليه دون رد يضمها إلى صدره فى صمت يحاول تهدأت روعته وإخماد بركانه المُشتعل بداخله.
تنهدت بهدوء تحاول كبح شعور الإشتياق إليه وهى من هجرته وقد نشب الخلاف حربه بينهما فتمتمت بصوت هادئة:
- هو دا مسمهوش فعل فاضح فى الطريق العام.
تبسّم بخفة عليها وقال:
- انتِ مرات غفران الحديدي.
أبتعدت قليلًا عنه مُندهشة من طريقة تقليده لحديثها وقالت:
- أنتِ هنا من امتي.
أخذ هاتفها من فوق الطاولة وقال ببسمة خافتة:
- من ساعة ما أتصلت.
كزّت على شفتها السفلية بأسنانها بحرج ليقول بجدية:
- أنتِ أزاى تيجي تقابليه، خدتي اذن من مين أنك تعملى كدة؟
جلست على الطاولة من جديد بحماس وعفوية ثم قالت:
- أنا جعانة، وأنت محتاج تصالحني على اللى حصل قبل ما نفتح خناقة جديدة.
رفع حاجبه إلى زوجته المجنونة ثم قال:
- نعم!! حضرتك اللى سايبة البيت، المفروض أنا اللى اعاقبك.
مسكت يده بحب وهى تسحبه ليجلس على المقعد المجاور لها بجانبها ثم قالت بدلال:
- ولو برضو أنت اللى تصالحني يا غفران، أي متعرفش فى التعامل مع الستات أنك لازم تصالحها حتى لو غلطت.
تنظر إلى زوجته بدهشة لتلتصق بكتفه بحُب وقالت بنبرة دافئة وعينيها عالقة بعينيه:
- وحشتيني.
رفع ذراعه ليضعه خلف ظهرها يطوقها بلطف وعينيه تتلألأ ببريق العشق المُشتعل بداخل صدره الآن ولم يقوى على تحمل الشوق أكثر ثم قال بحب:
- أنتِ أكتر يا مجنونتي، غلبتني معاكِ يا قُسم.
أنحنت برأسها قليلًا على صدره تستنشق عطره الفرنسي وتستمع إلى نبضات قلبه القوية بينما يدها تعانق يده الأخر ساكنة بين ذراعه الأخر التى يحيطها من الخلف وقالت هامسة إليه:
- خليك معايا يا غفران.
داعب أناملها الصغيرة الموجودة فى راحة يده بحنان ثم قال:
- معاكِ يا أميرتي.
لم تكن تتخيل أن الشجار والهجر الذي بينهما سينتهي بغداء رومانسي بجوار حبيبها والعشق يضرب قلوبهما معًا.
***
كانت "كندا" تبكي بهلع شديد وتضم طفلتها الصغيرة إلى صدرها وهى تلتقط أنفاسها بصعوبة حادة.
تبكي بذعر وهى تمتمت بالحديث قائلة:
- خرجوني من هنا، بنتي هتموت.
تركت طفلتها على الأرض تبكي وترتجف وركضت نحو الباب تضربه بقبضتها بقوة دون أن تهتم لألمها وتصرخ بكل قوتها قائلة:
- غفران، حرام عليك، أفتحوا الباب … أبوس أيديكم أفتحوا الباب بنتي هتموت منى.
سقطت على الأرض تبكي بذعر وقلبها لا يتحمل رؤية طفلتها الصغيرة تصارع المرض بينما هى عاجزة عن فعل أى شيء.
ليُفتح الباب فجأة فوقفت "كندا" من مكانها بتعجل لكنها صُدمت مما رأته وظلت تحملق بعيني مُتسعة وقدميها جُمدت فى أرضها وخرجت منها تمتمة مبحوحة غير مستوعبة ما تراه أمامها هاتفة:
- قُسم !!
رواية غفران هزمه العشق الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور زيزو
تسللت "قُسم" إلى غرفة "غفران" بقلق يجتاحها خائفة أن يشعر بها. وصلت إلى فراشه لترمق وجهه النائم لثوانٍ، ثم أخذت الهاتف من فوق الكمودينو وفتحتـ ـه بأصبع "غفران" وبدأت تتفحص المحادثة بينه وبين "عُمر" حتى وصلت للمحادثة القديمة بينهما يوم اختطاف "نالا" و"كندا" لتجد العنوان والموقع الذي أرسلهما "عُمر". فنقلتهما إلى محادثتها، ثم مسحتـ ـها حتى لا تترك دليلًا خلفها. هربت من الغرفة وظلت تحملق في الرسالة كثيرًا، تُرسلها إلى "عفيفي" أم تذهب هي؟ كل ما يهمها في هذا الوقت الطفلة التي تصارع الموت ولا ذنب لها في هذه الحرب. لم تجبر "نالا" "كندا" على الخيانة، ولم تخبرها أن تتزوج بـ "غفران". لم ترتكب إثمًا في أحد حتى تعاقب بهذه القسوة. بدلت "قُسم" ملابسها وأخذت سيارتها لتغادر القصر فجرًا. انطلق خلفها "سليم" بسيارته متعجبًا لخروجها بهذا الوقت.
أتصل رجال الأمن بالقصر بـ "فاتن" التي استيقظت من نومها على صوت الهاتف تقول بتلعثم وصوت مبحوح:
- أيوة.
- مدام قُسم خرجت لوحدها.
قالها الحارس لتنتفض "فاتن" من فراشها بصدمة ألجمتها وهي تنظر في ساعة الهاتف. كانت الثالثة والربع الآن. فترجلت من الفراش قائلة:
- وأزاي تسيبها تخرج لوحدها؟ أمال أنت واقف على البوابة ليه؟
أجابها الحارس بقلق من غضب "غفران" حين يعرف:
- سليم خرج وراها.
- ربنا يستر من استهتاركم ده.
قالتها وهي تضع الثوب على عباءتها بقلق وخرجت من الغرفة قاصدة غرفة نومه. دقت الباب بلطف قبل أن تدخل، ثم دلفت إلى القصر. نظرت "غفران" وهو نائمًا، فهزت كتفه بهدوء ثم قالت:
- غفران بيه، غفران بيه أصحي.
- أيوة يا فاتن.
أجابها بصوت مبحوح مدركًا هويتها من صوتها. لتقول بتلتعثم:
- مدام قُسم.
فتح عينيه مع صوتها حين لفظت باسم زوجته وقال:
- مالها؟
- مدام قُسم خرجت من القصر.
قالتها بهدوء ليعتدل في جلسته بصدمة ونظر في ساعة الحائط الموجودة على الكمودينو بجوار السرير. سأل بقلق شديد:
- خرجت أزاي يعني؟
- معرفش، الأمن اتصل قالوا أنها خرجت وسليم طلع وراها.
قالتها بهدوء ليفرك عينيه بغيظ من تصرفها.
واتصل على "سليم" ليقول:
- هي فين؟
كان جواب "سليم" عبارة عن رسالة تحمل بداخلها الموقع المباشر. فظل يحملق بالطريق وهو لا يعرف إلى أين تذهب زوجته فجرًا. لكن سرعان ما فاق من نومه تمامًا حين ترجم عقله الطريق الذي تسلكه وأدرك أنها تتجه نحو منزل الصيد الذي يسجن به "كندا". فهلع من فراشه بغضب سافر وزوجته تقرر من نفسها وتتدخل في أموره. ليضع الهاتف من جديد على أذنه قائلًا:
- أمنعها يا سليم، إياك كندا وبنتها يطلعوا من البيت فاهم، على موتك.
أغلق الهاتف وذهب إلى غرفته يبدل ملابسه سريعًا ليذهب إلى زوجته العنيدة.
***
وقع خبر موت "ملك" على أذني "أنس" بصدمة قاتلة ألجمته حتى أنها أسقطته أرضًا على ركبتيه في مكتب مأمور السجن. لم يتحمل فراقها وكيف سيعيش بدون محبوبته الجميلة. لطالما أحبها وسكنت قلبه الصغير حتى تجرأ على زواجها سرًا ولم يطلق دون أن يخشى عائلة الحديدي بأكملها. وأستمد قوته وجراءته من حبه لها. تساقطت دموعه بغزارة ويديه تضرب صدره من الوجع الذي حل عليه مع كلمات ضابط الشرطة. حدق الضابط به متعجبًا، فإذا كان هو القاتل وطعن زوجته بهذه الوحشية، فكيف انهار الآن أمامه هكذا؟ ظل يبكي بألم ووجع ولأول مرة يرى رجل يبكي بهذه الطريقة الذي غلب بها الطفل الرضيع الذي فارق أمه الآن. وقف بمساعدة العسكري وقال بتلعثم شديد:
- ملك مماتتش، هي متعرفش تسيبني وتمشي؟ هتخاف تسيبني لوحدي وهي عارفة أني ماليش غيرها، لا ملك عايشة، أنا حاسس بيها هي عايشة و...
فقد وعيه كليًا من هول الصدمة وقلبه لا يصدق ما سمع وعقله لا يستوعب هذا الفراق. نُقل إلى مستشفى السجن وضابط الشرطة متعجبًا لحالته. فهذه الحالة ليست سوى حالة عاشق قطع وتين قلبه. خرج الطبيب له وقال:
- للأسف هيفضل معانا شوية لأنه دخل في حالة انهيار عصبي، واضح أن الصدمة شديدة عليه.
نظر الضابط له باستغراب أكثر وقال:
- لو كانت الصدمة عملت فيه كدة أزاي هو اللي حاول يقتلها؟
نظر الطبيب إلى الخلف حيث الغرفة يفكر، فهذا السؤال الذي طرحه الضابط. وقال بحيرة:
- حسب خبرتي كطبيب دا واحد ميقدرش يتحمل فراقها ولا أذيتها أزاي يقتلها. بالنسبة لعقلي هقولك مش هو أكيد يا وحيد بيه، لكن بالنسبة لتحرياتكم والأدلة بتاعتكم ونظرتكم كضباط شرطة هو القاتل.
تنهد "وحيد" بجدية صارمة لا يصدق سوى عينيه وإحساسه الذي أشفق على هذا الرجل. عقد ذراعيه أمام صدره بضيق وقال بتوتر:
- أنا ممكن أصدق مقولة يا ما في السجن مظاليم، لكن أكذب عيني والحالة اللي وصلها قصاد عيني بمجرد سماعه لخبر موتها. لا مستحيل أكذب ده.
- هتعمل أي يا وحيد بيه؟
قالها الطبيب بحيرة بعد أن رأى التوتر والتردد في عيني هذا الرجل. ليجيب عليه "وحيد" بنبرة خافتة بينما يفرك لحيته البنية بأنامله:
- الله المستعان، ربك مبيرضاش بالظلم، دا اسمه العادل وأكيد لو مظلوم هينصره. لما يفوق ابعتلي.
أومأ إليه الطبيب بنعم ثم خرج "وحيد" من المستشفى وصعد بسيارته والتفكير سيقتله. فأخرج هاتفه وبداخله صوت يصرخ بداخله بألا يقف مكتوف اليدين ويتجاهل ما رآه. أتصل بصديقه في الشرطة وقال:
- أنت نايم يا عاصي؟
- لا، لا يا وحيد بيه أمرني.
قالها "عاصي" بينما اعتدل في جلسته حين رأى اسم مرؤوسه على الهاتف ويفرك عينيه بتعب. تحدث "وحيد" بجدية صارمة:
- قضية أنس نسيب عائلة الحديدي.
- مالها؟
- عايزك الصبح تبدأ تحرياتك وتحقيقك من جديد.
قالها "وحيد" بنبرة حادة وكلماته الصادمة أفاقت "عاصي" من نومه تمام ليفتح عينيه على مصراعيها وظهر الاهتمام عليه من الحديث المفاجئ ليقول:
- نعم! أعيد أي؟ القضية اتحولت للنيابة والنيابة حولتها للمحكمة أسبوع دا.
احتـ ـدت نبرة "وحيد" بقسوة وحزم يقول بحنق:
- سمعت يا حضرة الضابط ولا لا؟
- تحت أمرك يا فندم.
قالها "عاصي" بغضب مجبورٍ على تنفيذ أوامر رئيسه. أغلق "وحيد" الهاتف وانطلق بسيارته بأريحية خافتة.
***
حملت "كندا" طفلتها على ذراعيها وخرجت مع "قُسم" من هذا المكان لترى "سليم" أمام باب المنزل واقفًا. لتقول "قُسم" بضيق:
- أي اللي جابك هنا؟
- معنديش تعليمات أن حضرتك تخرجي لوحدك.
قالها بهدوء وعينيه ترمق "قُسم" التي تأففت بضيق من كلماته. وأخذت "كندا" إلى السيارة وفتحت لها باب السيارة، لكنها صُدمت حين اقترب "سليم" وأغلق باب السيارة قبل أن تصعد "كندا". فنظرت إليه بذهول من تجرؤه على تخطيها. لكن قبل أن تتحدث هذه الفتاة العنيدة المتمردة تحدث هو قائلًا:
- معنديش تعليمات أنها تخرج من هنا.
نظرت "كندا" إليه بصدمة وطفلتها على وشك الموت بين ذراعيها. فقالت بترجٍ:
- أرجوك، أنا بس أوديها المستشفى ورجعني تاني مش هتكلم ولا هعارضك.
أجابها بنبرة حادة قائلًا:
- أسف مينفعش.
دفعته "قُسم" من طريقها بقوة وقالت بغيظ شديد:
- طيب هتخرج ولو تعرف توقفني أبقى وقفني.
أدخلتها إلى السيارة تحت ناظره وهو لا يجرؤ على الوقوف أمامها بسبب دلال "غفران" له. صعدت بمقعد السائق وانطلقت بالسيارة. وقبل أن يتابعها "سليم"، ظهرت سيارة "غفران" أمام سيارتها تمنعها من الحركة. حملقت "قُسم" في عينيه قبل أن يترجل من السيارة بخوف يحتلها بعد أن جاء. ابتلعت لعابها بخوف حين فتح باب سيارته لينزل منها. فقالت "كندا" بخوف منه:
- أرجوكي، متسبيش بنتي، خديها حتى للمستشفى وأحرموني أني أشوفها عمري كله لكن متسبيهوش تموت هنا.
أوصل "غفران" إلى سيارتها ومسك مقبض الباب وعيني "قُسم" ترمقه بخوف شديد. فمسكت "كندا" يدها من الجهة الأخرى بأستماتة وقالت:
- أرجوكي متسبيش نالا، افتكري هي كانت بتحبك قد إيه.
فتح باب السيارة بغضب سافر وعينيه يتطاير منها الغضب وبركان ناري بداخله يقتله من تصرف "قُسم". تحدث بنبرة خافتة لكنها أرعبت قلبها الصغير حين قال بهدوء:
- انزلي.
لم تستجب لكلمته. فقال بصراخ يبوح بالقليل من غضبه الكامن بداخله:
- بقولك انزلي.
ترجلت من السيارة بعد أن انتفض جسدها من صرخته. حملق بوجهه وهو يتنفس بصعوبة شديدة وقال:
- خُدها يا سليم.
اتجـ ـه "سليم" إلى الباب الأخرى وأخرج "كندا" التي تصرخ بقهرة وطفلتها بين ذراعيها. فقالت "قُسم" بعناد:
- سيبني أوديها المستشفى.
لم يجب عليها، بل سحبها من ذراعها بالقوة إلى سيارته وقال بغضب:
- اركبي.
لم تبلِ طلبه وظلت كما هي تقف أمامه وتحدثت بلباقة عنيدة:
- هوديها المستشفى، خد كندا وأديني البنت.
فتح باب السيارة بضيق شديد وقال:
- اركبي مش هقولها تاني.
- مش هركب ومش همشي من هنا غير لما أودي نالا المستـ....
قاطعها ضربه لمرآة السيارة الجانبية حتى كسرت لأشلاء تحت قدميها وقال بغضب أكبر:
- متعنديش معايا يا قُسم، وحسابك في البيت.
انتفضت رعبًا من غضبه ويديه التي تنزف قطرات دماء بغزارة بينما عينيه يهب منها نار بركاني بلغ أقصى درجات غليانه. فقالت:
- لا.
أجبرها على ركوب السيارة بالقوة وأخذها معه إلى القصر وهي تكتم غيظها بداخلها. وعادت "كندا" إلى المنزل مع "سليم" بعد أن فشلت محاولة "قُسم" في تهريبها.
***
وقف "عاصي" أمام "وحيد" الذي ينظر إلى أوراق التحقيق. فهمس صديقه "خالد" الضابط الأقل رتبة:
- هو في أي؟ إحنا ما بنصدق نقفل قضية يجي هو يفتحها؟
نكزه "عاصي" في خصره بصمت وعينيه تحملق بـ "وحيد". رجل في منتصف الثلاثينات بجسد عريض وشعر رأسه البني الغامق فوضوي كأنه لا يملك الوقت ليصفف شعره الناعم بكثافته، ولحيته الكثيفة يحكها كلما قرأ جملة في الورق بعينيه الواسعتين العسليتين وملامح وجهه الجادة بغلاظتها كشخصيته تمامًا. تحدث "وحيد" بكلماته الهادئة دون أن يرفع نظره عن الورق:
- عشان كده وقف محلك سر يا خالد. أهي حاجة وخلص المهم القضية تتقفل ونعدي. إحنا مالنا بقي بريء يتعدم ولا مجرم يطلق سراحه مش مهم المهم راح بال سعادتك.
تنحنح "خالد" بنبرة هادئة محرجًا. ألقى "وحيد" الأوراق على المكتب وقال بنبرة غليظة:
- أنتوا لو شوية ضباط في كلية الشرطة مش هتقفلوا قضية دليلكم الوحيد على جريمة القتل أنه الجيران شهدوا على خناقة دارت بين الزوجين يوم الجريمة.
- يا فندم.
قالها "عاصي" ليتحدث "وحيد" مقاطعًا إياه بغضب:
- يافندم أي وزفت أي؟ أنت مبتتخانقش مع مراتك يا عاصي في اليوم مرتين ولا حضرتك يا حضرة الضابط مبتتخانقش مع خطيبتك؟
- أيوة بس مبهددش بالقتل.
قالها "خالد" بضيق ليقول "وحيد" بجدية صارمة:
- حضرتك دا راجل متجوز اتنين وواحدة فيهم بنت عائلة الحديدي أكبر عائلة في البلد والتانية بنت فقيرة وأتقتلت وأقولك المفاجأة بعد ما الخناقة حصلت خرج أنس والصبح سكان العمارة اكتشفوا أن مراته أتقتلت. بعدها رحتوا تقبضوا عليه لاقته في بيته عادي جدًا مهربش ولا حاولوا عائلة الحديدي يتصرفوا قبل انتشار الخبر. لا وأقولك مفاجأة أكبر بعد مدة من التحقيقات المجني عليها توفاها الله ولما طلبتوا تأخدوا كلمتين مرة تانية من تيا الحديدي لاقيته برا البلد سافرت تغير جو بعد صدمتها من خبر جواز جوزها عليها. دا المذكور في التحقيق بالنص. بالله عليكم يا حضرات الضباط دا مقلقكوش وأنتم بتكتبوا. المتهم أتقبض عليه في بيته ومراته هربت برا البلد.
اتسعت عيني "عاصي" على مصراعيها بصدمة ألجمته وقال بتلعثم:
- حضرتك عارف بترمي التهمة على مين؟
رفع "وحيد" حاجبه وهو لا يهاب شيئًا ثم قال بغلاظة:
- لو كان المتهم هو غفران الحديدي بشحمه ولحمه هرميه في السجن. ثم أنا برمي اللي فهمته من اللي قرأته. مهمتكم بقي تعيدوا التحقيق وتقطعوا الشك باليقين وتركزوا في تحرياتكم بقى عن تيا الزوجة الثانية لأن حسب تواريخ الزواج المذكورة ملك هي الزوجة الأولى. وتبلغوني أول بأول باللي توصلوا له. اتفضلوا.
خرج الاثنان من المكتب بصدمة قاتلة وهم لا يعرفون ماذا يفعلون مع رئيسهم الذي يتهم شخص لن يحدث خيرًا بتفكيره.
***
[[ قصر الحديدي ]]
ترجل "غفران" صباحًا من الأعلى مرتديًا بدلة باللون الزيتي وقميص أبيض مع ربطة عنق بلون البدلة ويده اليمنى محاطة بالشاش الأبيض بعد جرح الأمس. وجد الخادمة انتهت من تحضير السفرة فجلس على المقعد ووجد "فاتن" على وشك المغادرة ليقول:
- قُسم مصحيتش.
- صحيت بس رافضة الأكل.
قالتها بهدوء ليترك السكين من يده من جديد قبل أن يأكل شيئًا. وتنهد بهدوء بعد فعلتها أمس هي الغاضبة والمتمردة عليه. وقف من مكانه وقال بكبرياء ونبرة قوية:
- سيبها على راحتها.
غادر القصر متوجهًا إلى الشركة دون أن ينتبه إلى وجودها على الدرج من الأعلى وقد سمعت كلماته بوضوح مما أشعل الغضب بداخلها لتقول:
- والله لأوريك يا غفران.
صعدت إلى حيث غرفته وهي في أقصى درجات الغضب ليسمع الجميع من الأسفل صوت تكسير شيء. ركضت "فاتن" إلى الأعلى حيث الصوت وكان باب غرفته مفتوحًا وصُدمت حين رأت "قُسم" تكسر مزهريات الورد وكل صور معلقة على الحائط. مسكت مزهرية بيضاء منقوشة باللون الأسود فهرعت "فاتن" نحوها وهي تقول بخوف:
- أرجوكي بلاش دي، أنتِ متعرفيش ثمنها كام دي؟ دا يخرب بيتي فيها.
تركتها "قُسم" بهدوء وهي تمرر يدها على شعرها وتلتقط أنفاسها بأريحية بعد أن أنفثت عن غضبها وأفرغته في تكسير كل شيء بغرفته وهتفت:
- طيب خلاص ما دام غالية أوي كده بلاش.
أحتضنت "فاتن" المزهرية بأريحية وقد أنقذت من نار العناد المشتعلة بداخل هذه الفتاة. لكنها صُدمت عندما رأتها تحمل المقص في يدها وتتجه إلى غرفة ملابسه. فوضعت المزهرية على الأريكة وقالت بغيظ من تصرفاتها الطفولية:
- أنتوا بتتفرجوا عليا، نضفوا الأرض بسرعة.
دلفت لتراها تمزق كل بدلة وقمصانه البيضاء قد وضعتها في إناء ملأ بالماء الملون وهكذا بقية القمصان وضعتها في إناء ملأ بالكلور لتمزق كل شيء يخصه. لتمتم "فاتن" بصدمة ألحقت بها قائلة:
- أنتِ علمتي كل دا امتى؟
- من ساعة ما صحيت.
قالتها "قُسم" بلا مبالاة وكأنها لم تفعل شيء ولم تحل الكارثة. لتصرخ "فاتن" بذعر قائلة:
- أنتِ بتقولي أيه؟ أنتِ متعرفيش غفران بيه، دا بيكره أن حد يلمس حاجاته. لما يسألني مين اللي عمل كل دا؟ ااااه.
وضعت يدها على رأسها من الصداع الذي أصابها مع الصدمة وكيف ستتحمل غضبه حينما يعلم. اقتربت خادمتان يمسكان بذراعي "فاتن" قبل أن تفقد الوعي من الضغط الذي أصابها. هرعت "قُسم" للخارج وأخذت المزهرية بعناد أكبر وألقت بها من النافذة بحماس يقتلها. لتُصدم عندما صرخ رجل حراسة من الأسفل. فنظرت ورأت رأسه ينزف دماء بعد أن سقطت المزهرية على رأسه. فأرتجفت خوفًا وقررت أن تهرب من القصر مجددًا. فصرخت "فاتن" بجنون أصابها:
- أمسكوها قبل ما تولع في القصر بينا.
ركض الخدم بأكمله خلفها بينما أتصل رئيس الأمن بهاتف "عُمر" ليخبر بما يحدث في القصر بعد أن سقطت المزهرية على رأس أحد الحرس. سمع "عُمر" ما حدث ليُدهش من طاقتها وأعطى الهاتف إلى "غفران" يقاطع اجتماعه قائلًا:
- تليفون من القصر.
نظر "غفران" إلى "عُمر" وكان وجهه يحمل تعابير الدهشة. فأخذ الهاتف وقال بينما يغادر طاولة الاجتماعات:
- نعم؟
حملق الرجل بوجه "قُسم" وقد مسكها الرجل وتقف أمامه بلا خوف تخرج لسانها تغيظه بطفولية. فقال بهدوء:
- مدام قُسم.
حرك "غفران" رأسه يمينًا بأستغراب وقال:
- مالها؟
لم يتوقع أبدًا أن يسمع عن طفولتها الشرسة. ما بدأ يقوله رئيس الحرس هاتفًا:
- فتح رأس واحد من الرجالة ومسكت المقص وجرحت كل العربيات وكسرت مرايات عربيتين و...
سرقت "فاتن" الهاتف من يده بغيظ وهي لا تقوى على السيطرة عليها. فقالت بعجز هي الأخرى:
- يا مسيو غفران خربت القصر كله وخصوصًا جناح حضرتك مبقاش فيه حتة سليمة و...
صمتت حينما سمعت صوت ضحكة خافتة منه. خرجت منه ضحكة رغم من صدمته وهو لا يتخيل ما فعلته وكيف ضربت حارس الأمن وجرحت رأسه وسياراته التي تبلغ ملايين. ولما كل هذا الغضب الكامن بداخله ولأجل ماذا تنتقم منه؟ كل هذا فقط لأنه أجبرها على ركوب السيارة معه. قال بتمتم:
- يا لها من طفلة.
- نعم!
قالتها "فاتن" بدهشة وكيف يكن سعيدًا بعنادها. فقال بجدية وحزم:
- أديها التليفون.
نظرت إليها والحرس يمسكان يديها. ثم قالت:
- اتفضلي.
- مش هكلمه وخليهم يسيبوني أنا مش حرامي قبضين عليا.
قالتها بعناد ونبرة شرسة. فضحك "غفران" بينما أجابته "فاتن":
- زي ما حضرتك سمعت.
- افتحي المايك.
قاطعها "فاتن" بغيظ وضغطت على الزر كما طلب. ليقول "غفران" بجدية:
- كسري زي ما تحبي وأحرقي قد ما تعوزي يا قُسم، فداكِ القصر كله. لكن إياكِ تتأذي بسبب عنادكِ.
اتسعت أعين الجميع على دلاله لها. تابع حديثه الموجه للجميع بنبرة خشنة والغيرة تأكل قلبه من لمسهم لها قائلًا:
- أبعدوا أيدكم عنها اللى هيلمسها هقطع أيده، دي مش حرامية بالعكس دي سيدتكم مرات غفران الحديدي وحبيبة قلبه.
فور كلمته تركوها بخوف من تهديده وعادوا خطوة للخلف بعيدًا عنها. أغلقوا الهاتف لتعود إلى القصر. بينما "فاتن" والخدم على وشك الانفجار من أفعالها. صعدوا الخدم لتنظيف الفوضى التي أضرمتها في القصر. لتصرخ "قُسم" بهن بغضب وهي تشعر أنه من انتصر عليها:
- إياك تلمسوا حاجة.
تركوا كل شيء محله وبداخلها الغضب يقتلها. ورغم كل ما فعلته لم تنجح في أغضابه أو فقده لأعصابه. كانت تريد الانتقام منه لكن نارها لم تحرق أحدًا سواها. ظلت تحملق في كم الزجاج المنثور على الأرض بغلاظة وقالت:
- يا أنا يا أنت يا غفران.
سارت بين الزجاج المكسور حتى وصلت إلى صورته الموجودة على الأرض وجلست تحملق بها وكلما نظرت إليه جن جنونها.
وصل إلى القصر ليلًا. ترجل من سيارته مع "عُمر" أمام البوابة فرأى الحارس المصاب. وكانت رأسه ملفوفة بشاش طبي وكأن هو أول كارثة فعلتها يراها. ليقول "غفران" بجدية:
- راضيه يا عُمر.
التفت لكي يغادر من أمامه. فأوقفه الرجل بنبرته الهادئة:
- أنا مش عايز فلوس يا غفران بيه، يكفي أن مدام قُسم تعرف أزاي تعاملنا وأننا بشر.
استدار "غفران" له وكأنه فهم أن هذا الرجل يريد معاقبة زوجته. فقال بحدة:
- بشر وعلى رأسنا ويكفي أنكم هنا لحمايتنا. لكن فتاتي مش للعقاب.
غادر من أمامه وخلفه "عُمر" الذي رن هاتفه برقم "سليم" فأنهى الحديث بكلمة واحدة:
- ماشيين.
نظر إلى "غفران" بينما يضع الهاتف في جيبه ووصلوا إلى مرآب السيارات. وكأنه يبحث عما فعلته زوجته الطفولية. ليرى الزجاج أرضًا وقد خدشت سياراته بقوة. فلمس الخدش بأغلى سيارة يملكها تجاوز سعر فوق الـ10 ملايين وقال:
- طفلة.
- نالا اتحجزت في المستشفى ولازم تجري العملية ومحتاج لأبوها عشان يتبرع. وكندا اتنقلت من مكانها زي ما حضرتك أمرت.
هز "غفران" رأسه بضيق من فعله لها فقد لأجل إرضاء زوجته. ثم قال:
- بس لأجل قُسم.
- تحب أبلغها بطريقة غير مباشرة أن حضرتك وافقت على علاج نالا؟
قالها "عُمر" بنبرة خافتة حتى تخمد نيران غضبها وهو يرى الكوارث التي فعلتها. لكن "غفران" مرر سبابته على الخدش والغريب أنه كان سعيدًا بتنفيس غضبها وقال:
- لا، متقولهاش حاجة خالص، خليني أكتشف جانب جديد في حبيبتي وأقصى درجات غضبها.
أومأ "عُمر" بنعم ثم وصلوا إلى القصر لتستقبله "فاتن" وقال:
- حمدًا لله على السلامة، أنا جهزت الجناح الغربي لحضرتك.
التفت إليها مندهشًا من تغيير غرفته. فقالت "فاتن" قبل أن يسأل:
- جناح حضرتك ميسمحش أبدًا أن حضرتك تدخله.
دُهش من كلماتها ولم يسأل. بل ركض الدرج بحماس ليرى ماذا فعلت به. فتح باب الجناح ليجد الفوضى تعم المكان والزجاج بكل مكان. لم يتخيل أنها تفعل هذا الجنون؟ توقف عن التحليق عندما رأى فتاته نائمة أرضًا وسط الزجاج. فأقرب وصوت تكسير الزجاج لجزيئات أكثر تحت حذائه يطرب أذنيه. وصل إليها ليرى صورته في يدها وهي نائمة مرتدية فستان نومها القصير المصنوع من القطن وفوقه روب قطني أبيض اللون يصل لركبتيها وشعرها مسدول بفوضوية. قدميها متسخة من الأسفل وبه بعض العشب الأخضر. ليمسح قدميها بيديه بحنان مدركًا أنها ركضت بالحديقة بهذه الملابس مما أشعل نيران الغيرة بداخله. وكيف تخرج أمام الرجال بهذه الملابس وتذكر حديثها صباحًا عن القبض عليها. فهل أمسكوها وهي بهذا الجمال مما جعله يكز على شفتيه بأسنانه من الغيظ. حملها بلطف من بركة الزجاج التي تنام بها ووقف بها لترتطم رأسها بكتفه وغطى وجهها شعرها الحرير. رفعها بإحكام قاصدًا تحريكها حتى يظهر وجهها الملاكي. خرج بها من الغرفة وكان الخدم أمام الغرفة ليقول:
- نظفوا الأوضة.
دل بها إلى الغرفة المجاورة التي جهزتها "فاتن". وضعها بالفراش برفق. ففتحت عينيها ورأته أمامها. لتعـ ـتدل في جلستها بعيني شبه مغمضتين وتتمتم بصوت مبحوح:
- أنت بتعمل أيه في أوضتي؟
نظر حوله ثم إلى صغيرته الجميلة وقال:
- يعني مش أنتِ اللي في أوضتين؟
نظرت حولها بعد أن فتحت عينيها جيدًا ووجدت نفسها بغرفة جديدة. لتقول بعناد:
- لا، أنا كنت في أوضتك التانية أنت اللي جبتني هنا، بس أحسن بتستاهل اللي أنا خربته.
رفع يده إلى وجنتها يداعب خصلات شعرها وعينيه تتفحصها مجيبًا عليها بنبرة خافتة:
- بستاهل.
رمقته بعناد وقالت بنبرة شريرة وقوية:
- أنت بتقول كده لأنك متعرفش أنا عملت إيه؟ فاتن قالت لي إن الفازة بتسوى مبلغ كبير أوي وأنا كسرتها عندك.
أقترب منها برأسه ليشعر بأنفاسها الدافئة مع غضبها الجذاب بوجهها الطفولي. قال بهمس يضرب وجهها بدفء أنفاسه:
- فداكِ يا قُسم.
ابتـ ـلعت لعابها من قربه الشديد ويده التي تلمس وجنتها وتتسلل إلى عنقها الناعم ببرود أنامله الذي يضرب الكهرباء بعنقها الدافئة. فتحدثت بنبرة هادئة وعينيها تحملق بعينيه:
- وكسرت عربيتك الطويلة.
رفع عينيه بجمال عينيها الخضراء الخلاب وقال بهمس أكثر:
- تحت رجلك يا قُسم، المهم تكوني ارتحتي بعد كل دا.
- لسه متغاظة منك وحابة أضربك.
قالتها بعناد أكثر فضحك بعفوية عليها. وهذه الفتاة جريئة بدرجة لم يتخيلها. لم تكتفِ بجراءتها في الكوارث التي تفعلها والآن تصبو لضربه. ولم يجرأ أحد بالنظر إليه لكنها تطمح بالضرب. ضربت كتفه بقبضتها الصغيرة بقوة وهي تقول بغيظ:
- ضحكك ده اللي بجنني، كأن كل اللي بعمله ولا فارق معاك ودائمًا أنت اللي منتصر وأنا مش عارفة أعصبك.
ابتسم "غفران" أكثر وقال:
- ليشهد التاريخ أنك الأولى اللي أجريتِ وضربتي غفران الحديدي، لكن ضربي له عقاب.
صمتت بدهشة وهو يتحدث عن معاقبتها. لتقول:
- تعاقبني، طب جرب وأنا بحرق القصر على رأسك يا غفران لتكن فاكر.
أسكتها بقبلة ناعمة تخمد نيران قلبها المحترق من الغضب والغيظ ويروض عقلها الطفولي المتمرد. انتفض جسدها بقشعريرة العشق التي أصابتها بقبلته وشرارة الحب تغتصب روحها التي ذابت كليًا بقربه. تسللت يديه إلى خصرها يجذبها بقوة نحوه حتى التصقت به. لترتطم يديها بصدره حتى شعرت بنبضات قلبه القوية لأجلها. وتحولت قبلته إلى وجنتها وعنقها. حتى شعرت أنه يهزمها مرة أخرى بعشقه. لتسمعه يقول بكلمات متقاطعة بين قبلاته الناعمة:
- أعملي اللي أنتِ عايزة وقد ما تحبي بس ارجعي لحضني في الآخر.
تبسمت من هذا الاعتراف وهو يقدم لها طريق انتقامها الجديدة على طبق من فضة دون وعي. فهمست بتلعثم وهي تلهث بقوة من أنفاسها التي كادت تنقطع من قوة التهامها إليها:
- انتقامي الجاية هيكون طلبي للطلاق.
توقف عن تقبيلها بصدمة ألجمته وأبعد قليلًا ينظر بعينيها. لتبتسم بانتصار وشعرت بيده تترك أثر خصرها. وقال بجدية:
- إياكِ تفكري تلفظي الكلمة دي مرة تاني فاهمة يا قُسم.
- طلقني.
قالتها بعناد وتحدٍ أكثر. وكأنها وجدت الطريقة الأمثل حتى تضغط عليه وتجبره على الإفراج عن "كندا" وطفلتها. فوقف من مكانه وعينيه يتطاير منها الشر. ثم قال:
- إياكِ يا قُسم وإلا.....
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نور زيزو
وقفت "قُسم" على ركبتيها فوق الفراش تتحداه بلا خوف ثم قالت:
- وألا ... أوعى تفكر أنى هخاف منك، وهطلق يا غفران بالعند فيك.
ضحك بسخرية وهو يقف على حافة الفراش بركبته اليسري ومسك فك وجهها بغيظ يكاد يمزقه من تحديها إليه وجراءتها ثم قال بخباثةٍ مُتكبرٍ:
- جربي، وريني أنهى مأذون هتجيله الجراءة أنه يطلقك مني يا قُسم.
رفعت حاجبها بينما يده تعتصر عظام فمها من قوة ضغطه عليها لكنها تحمست أكثر لإغاصته ثم قالت:
- هرفع قضية طلق يا غفران وهتطلق منك، أنا مش هعيش مع راجل من غير قلبه، مستحيل.
ترك وجهها ببسمة خافتة على سذاجتها البريئة وهى تعتقد أن هناك من سيتجرأ على تقديم دعوة الطلاق للمحكمة بأسمه، أستغربت بسمته الماكرة وتابعت تصرفه حين أخرج الهاتف من جيبه وأتصل على "عُمر" وعينيه ترمق فتاته بغرور يمزقها لأشلاء وفور أستجابة "عُمر" إلى الأتصال قال بحدة صارمة:
- كلم المحامي يجي بكرة المكتب ضرورى ويجيب معاه ورق لرفع دعوة طلاق يا عُمر.
تعجبت "قُسم" بصدمة ألجمتها من صرامته الحادة وتنفيذه لحديثها، قالت مُتعجبة:
- أنت بتهزر صح؟
أغلق الهاتف وسط دهشة "عُمر" أيضًا الذي لا يفهم من سيطلق فإذا كانت "كندا" فلما القضية، أبسط شيء سيطلقها، وإذا كان الأمر يتعلق بزوجته التى أفتعلت الكوارث اليوم فلن يُصدق أنه سيطلق فتاة أحبها بكل صدق من قلبه، ضحكت "قُسم" على هذا الحديث بعنادٍ أكثر وقالت بمكر:
- اه ياريت يكون بسرعة، بصراحة أنا لو مكانك أطلقني بدل المرمطة فى المحاكم.
ضحك بخباثة شديدة ثم قال:
- نسيت أقوله يجهز مليون جنيه مؤخرك يا زوجتي الغالية.
كزت على أسنانها بينما هو يغادر الغرفة تاركاها خلفه تشتعل من الغيظ والغضب برغم كل ما فعلته اليوم لتنتقم منه لكن فى نهاية الأمر هى من أحترقت بنار الأنتقام وليس هو.
دلف إلى غرفته بعد أن أنتهوا الخدم من تنظيفها قاصدًا غرفة ملابسه ليُدهش عندما وجد ملابسه دُمرت بالكامل فتمتم بعفوية:
- بنتي العنيدة، تحمل يا غفران تحمل عنادها.
أخذ ملابسه ليبدل ثيابه بعد أن أخذ حمام دافئ ووجد جلس على الأريكة بجسده المبلل يتابع أخبار شركته والمشاريع التى سيناقشها غدًا فى الاجتماع، قطعت الأضواء كاملة بالقصر مما أدهش "غفران" ووقف من مكانه ليغادر الغرفة فسمع صوت الخدم بالأسفل وأضواء خافتة من هواتفهم، سمع صوت صراخها من الخلف فأستدار وقبل أن يتحرك شعر بها ترتطم بجسده بأندفاع قوة من ركضها حتى سقط على الأريكة المجاورة له بقرب الدرابزين الخاص بالسلم وهى بين ذراعه، تشبثت بعنقه بشدة ورأسها فوق صدره تستمع لنبضات قلبه حتى قاطعها صوته بينما يقول:
- قُسم.
تمتمت بصوت مبحوح قائلة:
- غفران.
تبسم بخفة عليها من دقائق معدودة كانت تطلب الأنفصال عنه والآن تتشبث بعناقه فتمتم بخفوت شديد بأذنها:
- عجيب أمرك يا ستات.
ظلت بين ذراعيها مُتشبثة به حتى غفت فى نومها العميق بأريحية بينما هو ظل ساكنًا يستمع لصوت أنفاسها، رن هاتفه يعلن عن أستلام رسالة من "عُمر" الذي يخبره برسالته أن حصل عطل فى الكهرباء بسبب زوجته الشرسة التى حاولت تخريب صندوق الكهرباء بالقصر، ضمها إليه بسعادة أكثر وهو يقول:
- فداكِ قصري وملاييني وروحي وعمري كله يا قُسم.
أغمض عينيه على الأريكة مطوقها بذراعيه.
***
خرجت "رزان" من غرفة المكتب تحمل بيدها دفتر الشيكات الخاص بـ "نورهان" وقالت بجدية:
- أتفضلي.
وقعت "نورهان" الأيصال بينما تقول بحدة صارمة:
- مش هوصيكي يا رزان إياك يعرف أن الفلوس دى مني، خليه يفهم أن البنك سمح بالقرض.
تمتمت "رزان" بلهجة خافتة:
- متقلقيش، بس فى حاجة لازم حضرتك تعرفيها.
- خير.
تحدثت "رزان" بنبرة جادة تقول:
- أنس وصله خبر موت ملك وأتحجز فى المستشفي والشيء الأهم أن رئيس المباحث وحيد أمر رجالته بالتحقيق من جديد فى القضية كأنه شاكك أن أنس ممكن يكون بريء.
وضعت "نورهان" فنجان القهوة من يدها على الطبق ببرود شديد وهى لا تبالي بشيء نهائيًا ثم قالت:
- مفيش حاجة أسمها برئ يا رزان، أنس هو القاتل ومتسمحيش بأى حقيقة غير دى تحصل، مش قُلتِ أن أن ميعاد الجلسة أتحدد.
- أممم، بس رئيس المباحث دا مش مطمن، وبحث عن خليفته.
قالتها وهى تفتح الجهاز اللوحي لـ "نورهان" وتقدمه إليها بتقرير عن "وحيد" ثم قالت:
- عنده 35 سنة أرمل، معرفة فى الشرطة بنزهته وصرامته ومبيخافش من حد، وعنده صوت الحق لا يعلو عليه حاجة وسجله فى الشرطة أبيض من القطن، نضيف جدًا.
ظلت "نورهان" تنظر إلى صورته فى صمت مُستمعة إلى حديث "رزان" ثم قالت:
- مفيش حد مبيخافش يا رزان، المهم تيا عاملة أى؟ أطمنتي عليها؟
أومأت إليها بنعم ثم قالت:
- رجالتنا متابعينها من هناك والحمل مستقر وحياتها أهدا بكتير ونفسيتها مرتاحة.
أومأت إليها بنعم ثم قالت وهى تقف من مقعدها تهندم سترتها الزرقاء النسائية:
- ودا أهم شيء أن بنتي تكون بخير هى وحفيدتي.
خرجت من القصر إلى سيارتها كي تنطلق إلى شركتها وعند مغادرة السيارة رأت الحارس المُصاب فسألت "رزان" عن سبب أصابته لتنادي "رزان" عليه فأقترب من السيارة حتى فتحت "نورهان" نافذتها وقالت:
- أى اللى عمل فيك كدة؟
أخبرها بما أفتعلته "قُسم" أمس فى القصر وأنها أوشكت على حرق القصر بأكمله كطفلة صغيرة فتبسمت "نورهان" بخفة وقالت مُتمتمة:
- طفولتها دى اللى سرقت قلب ابني.
- حضرتكِ قُلتِ حاجة؟
قالها الحارس بنبرة خافتة لتبتسم "نورهان" بلطف وقالت:
- لا، ابقي عدي على المستشفي والتكاليف كلها عندي.
أطلحت.
تحرك السائق بها بينما بسمتها تزداد مع تفكيرها فى "غفران" طفلها الغاضب رغم هجره لها لكنها لم تتمني له سوى السعادة فى حياته.
***
توقفت سيارة زرقاء مرسيدس سيدان أمام الشركة وترجل منها "سليم" يفتح الباب الخلفي لها حتى ترجلت "قُسم" من السيارة مُرتدية بدلة نسائية سوداء عبارة عن تنورة قصيرة تصل لركبتها وسترة طويلة تصل إلى الركبة مع طول التنورة وقميص أحمر بأكمام وشعرها مُنسدل على ظهرها والجانب الأيمن فتقدمت للأمام بكعبها العالي ذو اللون الأحمر وحقيبة يدها الصغيرة الحمراء، دلفت مع "سليم" إلى الشركة تحت أنظار الجميع الذين أعتقدوا أنها شخصية مهمة جاءت للقاء الرئيس حتى وصلت إلى بوابة الدخول الألكترونية الخاصة بالموظفين ففتحتها الأمن لأجلها، تبسمت بمكر وهى تقول:
- أنت اللى جبته لنفسك يا غفران.
ضغط "سليم" على رز المصعد الخاص بالرئيس فصعدت للأعلى وحدها ووقف هو ينتظر بالأسفل.
دلفت "ليلي" إلى مكتبه وقالت بهدوء:
- المحامي فى أنتظار حضرتك.
- خليه فى مكتبه لحد ما أبعت له.
قالها "غفران" بلا مبالاة وهو لا يُصدق بأنها ستأتي لتطلب الطلاق منه، عينيه تركز فى الأوراق المنثورة أمامه ويده تحمل فنجان القهوة إلى شفتيه يرتشف القليل منه، خرجت "ليلي" من المكتب وتركته يكمل عمله ، نزع رابطة عنقه من شدة التركيز وأكمل فنجان قهوته حتى فُتح الباب من جديد ليقول بضيق:
- ما خلصنا يا ليلي.
قالها بأنفعال وهو يلقي القلم من يده رافعٍ رأسه للأعلي بنظارته الخاصة بالنظر ليرى زوجته من دخلت للمكتب فأتسعت عينيه على مصراعيها من أناقتها وهى لأول مرة تشبه سيدات الأعمال كوالدته تمامًا ، وقف من مقعده ليسير نحوها مُندهشًا جدًا من أناقتها وقدومها إلى هنا الآن يعنى أنها كانت تعني كل كلمة عن الأنفصال، وصل إليها وهو لا يبالى بالطلاق بقدر أهتمامه بملابسها فقالت:
- مالك متنح كدة ليه؟ أي أول مرة تشوفني؟
تحدث بنبرة خافتة وعينيه تتفحصها من الرأس لأخمص القدم:
- لا، بشوفك وطالعة زى القمر بس يا بنت جميل.
تحولت نبرته للصراخ بوجهها ويده تمسك ذراعها بقوة مُتابعًا الحديث:
- أنتِ أزاى خرجتي من القصر بالهدوم دى، مش قصيرة الجيبة دى ... يخربيت أبوكِ دا ركبتك باين ... أنتِ كنتِ جاية فى الشارع وقدام الموظفين كدة.
رفعت رأسها بغرور وبداخلها قلبها يتراقص من السعادة لأثارة غضبه وقالت ببرود شدي:
- مش أنت اللى شاريهالي؟
جذبها من ذراعها بقوة نحوه غاضبًا والغيرة تلتهم قلبه الآن وعقله يصور له كم رجل رآها فى طريقها من القصر إلى هنا بهذا الجما، صارخًا بها:
- مكنتش أعرف أنها قصيرة كدة؟ أنتِ أزاى تعملى كدة ورحمة أبويا يا قُسم.
قاطعت قسمه عليها بلا مبالاة وهى تزيد من غضبه أكثر حين خلعت سترتها عن أكتافها وتقول بهدوء:
- يالهوي المكتب بتاعك حر موت.
أتسعت عينيه على مصراعيها حين رأى قميصها الأحمر بأكمامه الشفاف التى تظهر ذراعيها من الأسفل فكانت جميلة جدًا وفاتنة ليسرع نحوها وهو يضع السترة على أكتافها من جديد قائلًا:
- دا أكيد قميص نوم مش هدوم خروج دى.
ضحكت بخفة عليه وهو واقفًا أمامها يكاد يكون مُلتصق بها يُلبسها سترتها من الغيرة وعينيها الخضراء تحملق به بسعادة حتى لمع بريقهما بالعشق والفرحة تغمرها من رؤيتها لغيرته عليها فكان جذابًا وجميلًا جدًا فى غيرته ونظراته يتطاير منها العشق والخوف من أن يراها رجل غيره فهمست إليه بنبرة مُثيرة خافتة:
- غيران !!
تنحنح ببرود وهو يتذكر أن سبب قدومها إلى هنا هو الطلاق فقال ببرود شديد:
- مستحيل أنى أغار يا قُسم، أنا غفران الحديدي.
كزت على أسنانها بغيظ شديد من كبرياءه القاتل لها فقالت بعناد وتحولت إلى قطة شرسة تطلق مخالبها عيله:
- طب أنا عايزة أطلق.
أبتعدته عنه لتجلس على المقعد المقابل لمكتبه فأتصل بـ "ليلي" ليطلب المحامي وعاد إليها بسترته المُعلقة بجوار مكتبه ووضعها على ركبتيها العارتين ثم قال بتحذير شديد:
- إياكِ ترفعيها يا قُسم.
كان تحذيره مُرعب جعلها تُدرك أنه يتحمل جنونها وعنادها لكن فى غيرته سيقتلها إذا خالفت أمره فأبتلعت لعابها بهدوء تحاول إخفاء خوفها وقبل ان تتلعثم فى الحديث فُتح باب المكتب ودلف المحامي فذهب "غفران" خلف المكتب يلزم مقعده وأشار للمحامي بأن يجلس على المقعد المقابل لها، سأل المحامي بعد الترحيب بهدوء:
- ممكن أعرف أسباب الطلاق؟
- أسباب شخصية.
قالتها بلا مبالاة فكرر المحامي سؤاله من جديد وقال:
- مدام قُسم أعذرني بس عشان نقدم دعوة لطلب الطلاق للمحكمة لازم نكتب السبب مينفعش تقولى أسباب شخصية، يعنى مثلًا بيضربكِ، فى تعنيف؟
هزت رأسها بلا وعقدت ذراعيها أمام صدرها فقال مُجددًا:
- الحالة المادية .. لا متقعدش الأمر هيتعلق بالماديات دا غفران بيه الحديدي، بيتعاطي شيء؟
تنحنح "غفران" بحدة ليسحب المحامي سؤاله بسرعة بخوف منه وقال:
- معتقدش برضو، طيب بخيل مثلًا؟
قالها المحامي فضرب "غفران" مكتبه بلطف من أسئلة المحامي البلهاء فقالت "قُسم" بعقلانية:
- أزاى بخيل، أنت بتتكلم عن غفران الحديدي.
عقد المحامي يديه فى بعضهما وقال بلطف:
- ما هو ما دام مفيش سبب أسحميلي أقولك أنى مقدرش أرفع قضية طلاق بلا سبب؟
تبسم "غفران" بمكر على فشلها فى الأنفصال لتقول بغضب سافر:
- مش عايز يرجعني شغلي ولا سايبلي حريتي، دا سبب كافي.
نظر المحامي إلى "غفران" فتحدث "غفران" بنبرة جادة يتحداها قائلًا:
- ومحتاجة الشغل ليه؟
- عايزة أشترى اللى عايزاه وأخرج لأنك ط حارمني من المصروف، مبيدنيش أى مصروف حضرتك مش دا سبب كافي لأن أطلب الطلاق.
قالتها للمحامي ليبتسم "غفران" وهو يخرج بطاقته البنكية السوداء وألقي بها علي المكتب وقال:
- أصرفي على قد ما تقدري يا قُسم.
ضحكت بخباثة ثم قالت:
- أنا مُسروفة وهفلسك.
ضحك بينما يشير للمحامي بأن يذهب وهو الأخر يقف من مكانه حتى وقفت "قُسم" من مقعدها بخوف وسقطت السترة عن قدميها ثم قالت:
- أنا.
لمس وجنتها بأنامله يتحسس نعومتها بإثارة ثم قال:
- متقلقيش أنا مبفلسش يا قُسم، أصرفي على قد ما تقدري فداكِ ملايين.
عقدت ذراعيها أمام صدرها ببرود شديد وقالت بضيق:
- مغرور!! إذا كُنت مبتفلسش وعندك ملايين ترمي تحت رجلي أصرفها فى أى حاجة، ليه تحرم طفلة من العلاج؟
تغيرت تعبير وجهه من الدفء والسلام إلى الغضب ليكز على أسنانه وهو يقول:
- للمرة الكام أقولك متفتحيش الموضوع دا؟ للمرة الكام يا قُسم أقولك أرحمي وجعي وأنتِ فى كل مرة بتدوسي عليه بكل برود منك؟، أنا راجل أتخانت لعشر سنين، عشر سنين مراتي بتخوني وأنا بحسن معاملتها وبدللها زى الملكات ومشفتش مني غير حنية وحُب ودلل وأحترام.
- لكن فى طفلة بتموت.
قاطعها بصراخ وقد نفد صبره عليها وترك العنان لأوجاعه تنفجر بها:
- لكن فى طفلة أتكتب على أسمها وهى مش من صلبي، ليه هى مفكرتش فى بنتها وهى أكتر الناس عرف مين هو غفران؟ ليه دست عليا وكملت ومرحمتش بنتها؟ عايزاني أنا أرحم بنتها وهى نفسها مرحمتهاش... أمشي يا قُسم ، أمشي لأن حتى أنتِ مرحمتش وجعي ورجولتي اللى أتهانت وحزني ولا قدرتي ألم.
وضعت يدها على صدره بعد أن شعرت بتأنيب الضمير على قسوته وهى تهتم لأمر "كندا" وطفلتها ولم تبالي لأمره هو وما يشعر به ليدفع يدها بعيدًا عنه غاضبًا منها بحق هذه المرة وقال:
- أمشي يا قُسم وبكرة هخلى عُمر يشوفلك شغل فى الشركة عشان مبقاش حرمتك من حاجة ومتفكريش تطلبي الطلاق مرة تانية لأني مش هستحمل طفولتك دى أكتر من كدة.
- بس أنا مش طفلة.
قالتها بغضب سافر ثم تابعت بالحديث:
- ولا جارية عندك عشان تتحكم فيا براحتك، أنزلى أشتغل أنزل، متطلبيش الطلاق مطلبش وأصرفي أصرف، أنا مش جارية بتلبي أوامرك يا سي السيد، أنا حرة فى حياتي وأعمل اللى أنا عايزاه، أنا مش خادمة شاريها بفلوس يا غفران تنفذ أوامرك وبس ولا.
كانت كلماتها تزيد من غضبه أكثر وأكثر فلم يتمالك أعصابه أكثر وهى تتابع الحديث ليُسكتها هذه المرة عن هذا الحديث السام بشفتيه فى قبلة قوية لتضربه على صدره بغضب رافضة هذه القبلة منه لتدمع عينيها وهو يحكم رأسها بيديه بقوة ويجبرها على قبلته فدمعت عينيها بألم من ضعفها أمامه ليبتعد عنها وهو يلهث فكادت أنفاسها تنقطع مثله وقال بضيق يزيد من قسوته عليه:
- أنتِ ملكي وجاريتي يا قُسم لو حكم الأمر، ولأخر مرة اوعي تتحديني. أمشي.
أغلقت قبضتيها بأحكام من الغضب وهو تريد لطمه الآن بعد أن قبلها بالقوة رغمٍ عنها لتغادر المكتب كالمجنونة وصعدت سيارتها وحدها بعد أن رفضت مرافقة السائق و"سليم".
***
دلف "خالد" إلى مكتب "وحيد" الذي أطفئ سيجارته فور رؤيته وقال:
- عملت أي؟
- تيا الحديدي موجودة فى أستراليا لكن وقت أرتكاب الجريمة كانت فى المستشفي بتجرى عملية أجهاض ودا حجة غياب كفيلة تبراها، أنا قلت لحضرتك أنها فوق مستوى الشبهات.
قالها "خالد" ليحك "وحيد" لحيته بقوة من تعقيد القضية لكن رغم أن الجميع يشير إلى أن "أنس" القاتل لكن بداخله حدس أنه برئ ورغم نسبة هذا الحدس لكنه يُصدقه ويسعي وراءه، فقال بجدية:
- طيب هاتلى سجل المكالمات والرسائل الخاص بتيا الفترة اللى قبل الجريمة، لعل العملية دى تكون مجرد صدفة حصلت فى نفس الوقت.
أومأ "عاصي" بنعم له ثم خرج من المكتب ليري فتاة مُنهارة من البكاء وصوت أنينها مبحوح تكتمه بداخلها، ألتف لينظر إلى الفتاة وكانت جميلة جدًا ورقيقة مع أناقتها، ملابسها توحي أنها من العائلات العليا وترتجف خوفًا بينما يدها مقيدة فى الأصداف مع رجل أخر من الطبقة الوسطي ضخمة ويرتدي بدلة بنية، تحدث العسكري بنبرة قوية:
- تعالى هنا يا ب.
رفعت "قُسم" يدها إلى صدرها تُشير على نفسها قائلة بخوف:
- أنا.
أومأ إليها بأشمئزاز وقال:
- أمال أمي، تعالي يا أختي.
- عاملة فيها بنت ناس وعشان بنت ناس تدوس على الغلابة اللى زي، أنا عايز حقي يا باشا ماليش دعوة البلد دى فيها قانون ولا أي يا بوليس.
أنتفضت من صراخ هذا الرجل فتمتمت بخفوت قائلة:
- هو أنا ممكن أعمل مكالمة تليفون؟
- لا.
قالها العكسري بعناد من تكبرها وصمتها فأشار "خالد" له بضيق من معالمته لها:
- سيبها تعمل مكالمة.
- أيوة أهى حقي بدا يطبخ.
قالها الرجل فرمقه "خالد" بعيني حادة فأبتلع الرجل لعابه بخوف ليشير "خالد" لها بنعم كي تجرى المكالمة فأخرجت الهاتف من حقيبتها.
***
دلف "غفران" إلى القصر مساءٍ مُنهكٍ من التعب خصيصًا أن الساعة تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل وهو لا يرغب بالعودة إلى القصر غاضبًا منها، أوقفت "فاتن" على الدرج قبل أن يصعد وقالت بخوف منه مُتلعثمة:
- مسيو غفران.
تحدث وهو يصعد الدرج بتعب وقلبه يتمزق من الألم قائلًا:
- مش قادر أسمع أى حاجة يا فاتن.
تابع صعود حتى تجمدت قدميه فى أرضه من جملتها عندما قالت:
- مدام قُسم مرجعتش.
توقف محله فى صدمة ألجمته ليستدير إليها بدهشة فترجل الدرج مرة أخرى حيث تقف "فاتن" وقال بصدمة وعينيه مُتسعة:
- مرجعتش لحد دلوقت؟
أومأت إليه بنعم ليرن على هاتفها فكان مُغلقة فأمر رجاله بالبحث عنها كالمجنون خصيصًا أن والدتها أخبرته أنها لم تأتي إليها، فقال بصراخ والخوف تملكه عليها:
- لو ملاقتهاش يا عُمر هعاقبك أنت ورجالتك على أهملكم ليها ومخالفة أوامري.
أرتعب "عُمر" من غضبه ونظر إلى "سليم" الذي فقدها فحاول "سليم" أن يتحدث ويخبره أنها من أرمت بذلك قائلًا:
- بس حضرتها اللى طلبت.
صرخ "غفران" بجنون قاتل هز جدران القصر بأكلمه:
- روح دور عليها ولما تلاقيها لينا حساب وأدعي أن ميكنش حصلها حاجة. غوروا من وشي يا شوية بهايم.
كان قلبه يرتجف من الخوف عليها بعد أن حل منتصف الليل وهو لا يعرف عنها شيء ولا ماذا تفعل بالخارج الآن؟ فتمني ألا يصابها شيء، قاطع صراخه صوت الهاتف وكان اسمها فرد عليخا بسرعة جنونية:
- قُسم.
وقف "عُمر" محله حين سمع أسمها، توقف قلبه من الخوف عندما سمع صوت بكاءها ليقول:
- أهدئي يا قُسم، أنتِ فين؟ .... قسم!!
خرج كالمجنون مع رجاله حتى وصل إلى القسم ورآها تقف وحيدة فى زواية تبكي بخوف بعد أن فك "خالد" قيودها مع هذا الرجل الذي أنتفض من مكانه بذعر بعد أن رأى "غفران" يدخل القسم وخلفه رجاله ودخلته للقُسم أوحت للجميع أنه شخصية قوية ذو مكانة وسلطة، رأته يدخل القسم لتركض نحوه بخوف وأرتطمت بصدره تختبي بين ذراعيه من قسوة هذا المكان البارد وجسدها يرتجف، ضمها بقوة يطمئن قلبه على محبوبته ويطمئنها بكلماته الدافئة:
- متخافيش ، أنا هنا يا حبيبة قلبي، أطمنك.
كانت كلماتها لا تقوي على الخروج من ضلوعها وأنفاسها تخرج بصعوبة من الخوف وخصيصًا من معاملة العسكري الذي كان يُهينها مع الرجل لصمتها فنظر إليها وكانت جبينها مجروحة والدماء جفت عليها ويدها متورمة وحمراء مما أشعل الغضب بداخله من حالة زوجته وما تعرضت له فحملق بالرجل وكان بلا خدش واحد، أقترب "عُمر" الذي تحدث مع الضابط وقال:
- أتفضل.
أخذها "غفران" إلى مكتب رئيس المباحث الذي دُهش بوجود زوجة "غفران" فى قُسم من ساعات ولم يعلم سوى الآن من "عُمر" فقال بهدوء:
- أتفضل أرتاح.
- حادثة عربية والرجل سليم برا مجرلهوش حتى خدش واحد، يعني صحته سليمة زى الحصان وقالت أنها هتدفع تكاليف العربية، لا تكاليف أى دا لو حب أجيبه عربية جديدة وعلى الرغم من كل دا مراتي أنا المصابة جسدًا ومع ذلك رجال الشرطة مفكروش حتى يأخدوها على المستشفي يطمنوا عليها الأولى ... وتقولى أرتاحت.
تحدث "غفران" بنبرة قوية غاضبًا ومع ذلم لم يبالى "وحيد" بقوته ولا بمكانته فقال بهدوء:
- دا ميمنعش أن هى اللى خبطته.
دلف المحامي المكتب بهدوء وقال بمهاجمة:
- ودا ميمنعش أن رجال الشرطة أساءة المعاملة ليها حتى لو كانت المهتمة، فأنا بقدم شكوى سب وقذف للعسكرى اللى أساء ليها وبطلب تحول المدام للمستشفي للفحص.
كان خلف المحامي "عُمر" ومعه الرجل الذي تسبب فى الحادثة وقدم شريط كاميرات المراقبة إلى "وحيد" ليقول المحامي:
- دا تسجيل لكاميرات المراقبة الخاص بسيارة مدام "قُسم" ولو تعبت حضرتك هتلاقي أنه هو اللى كسر عليها الطريق.
- يا باشا أنا متنازل ومش عايز حاجة.
قالها الرجل بعد أن رمقه "عُمر" الذي وعده بسيارة جديدة من شركتهم لأجل التنازل، رمق "وحيد" وجه "غفران" فقال:
- خلصهما أجراءات الصلح يا خالد وأن شاء الله نتقابل على خير قريب يا غفران بيه.
لم يفهم كلماته لكنه الآن لا يهتم سوى بزوجته التى ساندها بلطف للخارج وبمجرد خروجها من القسم وشعرت بطمأنينة وجوده معها فلم تخشي شيء بوجوده فقدت الوعي تمامًا ليتشبث "غفران" بها بأحكام ونطق اسمها بخوف:
- قُسم.
حملها على ذراعيه ليسرع بها إلى المستشفي خوفٍ أن يكون أصابها شيء أخر غير الظاهر بها، فحصها الأطباء بخوف بعد أن رآوا "غفران" حتى خرج مدير المستشفي بنفسه وقال:
- الحمد لله كان كسر بسيط فى المعصم وجبسنا والحمد لله ان الجنين محصلهوش حاجة.
أتسعت عيني "غفران" على مصراعيها بدهشة ألجمته وقال بتلعثم شديد من هول الصدمة:
- جنين!!
- حضرتك متعرفش ولا أي؟ مدام قُسم حامل فى شهر وأسبوع.
قالها الطبيب بحماس مُبتسمٍ وبدأ يتحدث ويهنئه وهو لا يسمع شيء من كل هذا ولا يفكر سوى بمحبوبته التى تحمل طفله فى أحشاءها وعقله لا يصدق الذهول الذي أصابها بينما قلبه تسارعت نبضاته من الفرحة فأبتلع لعابه من السعادة التى لا يستوعبها ودلف إلى غرفتها ليراها نائمة كالملاك، أقترب منها حتى وضع يده على بطنها وقال بلطف:
- قُسم يا حبيبة قلبي وسلطانة عُمرى.
أنحني ليضع قبلة على جبينها فتمتمت أثناء نومها:
- غفران.
فتحت عينيها بتعب حين رفع جسدها إلى صدره يُضمها و هو لا يصدق أنه سينجب طفل من محبوبته الجميلة التى سرقت قلبه منه وهزمته بعشقها الكامن بداخله.
رواية غفران هزمه العشق الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور زيزو
وضع رأسها برفق جدًا على الفراش حتى لا تستيقظ من نومها.
في الليل، لكن ما أخشاه حدث.
فتحت عينيها بتعب، مُرهقة من يومها الطويل وجهودها المبذولة وأثر الاصطدام بالسيارة، وهكذا الوقوف على قدميها طيلة اليوم في القسم قد استنفد كل طاقتها مع حملها.
تحدثت بتلعثم شديد:
- أنت هترفض تطلقني صح؟
تبسم بخفة على عنادها ورخامة تعبها الشديد وما حدث، لكنها ما زالت تُصر على الانفصال ولسبب لا قيمة له.
ضحك بينما يمسح على رأسها وقال:
- ارتاحي ولما تصحي هعملك اللي أنتِ عايزاه يا حبيبة قلبي.
أغمضت عينيها بتعب وظل جوارها حتى نامت في سبات عميق، ليسحب يده من يديها الصغيرة ويتسلل من الغرفة بهدوء ليترجل للأسفل.
وكانت "فاتن" جمعت كل الخدم بأمر منه، وهكذا "عُمر" جمع كل الرجال والأمن ووقفوا في البهو أمام الدرج ليرمقهم بغضب شديد بعد ما حدث لزوجته.
وقال بنبرة قوية جعلت قلوبهم تنتفض رجفًا في صدورهم:
- أمرتك أنها متخرجش من القصر ولا عينيك تغفل عنها يا فاتن، وخلفتوا أمري مرتين في أسبوع واحد.
- يا مسيو غفران مدام قُسم عنيدة جدًا وإحنا مالناش سلطة عليها، بل بالعكس كلنا تحت أمرها بأوامر من حضرتك.
صرخ بجنون في وجهها غاضبًا أكثر بينما يقول:
- أنا مش عايز أسمع مبررات، اللي حصل النهاردة كلكم مسؤولين عنه، وأنا لو هترجم دا لشيء فهيكون أنه إهمال وتقصير منكم وأن كل شخص فيكم مش قد وظيفته.
كان يبحث عن "سليم" بين الواقفين، فهو أول شخص تركها وحدها في الشارع، لكن عينيه المريضة لم تتعرف عليه مما زاد من غضبه.
تحدث "سليم" بنبرة هادئة:
- أنا آسف جدًا يا ميسو غفران، لكن صدقني مدام قُسم دماغها حجر ودائمًا بتستخدم التهديدات لتنفيذ أوامرها.
أدار رأسه نحو "سليم" حين سمع صوته الذي ميزه جيدًا وقال بتهديد واضح للجميع:
- مبررات سخيفة غير مقبولة، عُمر الشمس تطلع مش أشوف وش أي حد فيهم في القصر، اللي مش قد وظيفته يتخلى عنها للي يستحقها أحسن.
التفت لكي يصعد الدرج ببرود دون أن ترجف عيونه للحظة وهو يطرد الجميع من عملهم.
فتحدثت "همس" الخادمة بعينين باكيتين راجية إليه:
- غفران بيه، أرجوك أنا محتاجة لشغلي وماليش ذنب في اللي حصل، أنا من يوم ما جيت هنا وكانت وظيفتي الاهتمام بمدام قُسم وأكلها وعملت شغلي كله، أرجوك أنا عائلتي محتاجة لشغل دا أوي.
استدار لها بشموخ وقلبه المتحجر لن يخضع لأي سبب أو ظرف لشخص منهم أمام سلامة زوجته.
فبدأت الخادمة واحدة تلو الأخرى في الرجاء منه.
فتأفف بهدوء وقال:
- لآخر مرة، آخر إنذار ليكم. المرة الجاية هتكون رقبتكم الثمن مش وظيفتكم.
أومأ الجميع له بنعم، لينظر إلى "فاتن" وقال بهدوء:
- قُسم حامل مش هوصيكِ يا فاتن، بلاش بعد العمر دا كله معايا تخسري وظيفتك.
هزت رأسها بنعم وبدأ الجميع في المباركة له، بينما "قُسم" نفسها لا تعرف بحملها بعد.
انتشر خبر الحمل بين الجميع في القصر ومن القصر إلى الآخر حتى وصل داخل قصر اللؤلؤ.
فقدمت الخادمة العصير والكيك المحلي بالفراولة إلى "نورهان" التي تعجبت من الخادمة ورفعت رأسها إليها بحدة تقول باستغراب:
- أنا مطلبتش غير قهوتي.
تبسمت الخادمة بلطف وفرحة تغمر قلبها بينما قالت:
- دي هدية تعبير مننا لمباركة حضرتك.
رفعت حاجبها ونظرت إلى "رزان" التي تجلس على المقعد المجاور لها، ثم قالت:
- مباركة!!
- على حمل مدام قُسم ونتمنى أنها تقوم بالسلامة.
قالتها الخادمة بفرحة.
فأنزلت "نورهان" قدمها عن الأخرى بدهشة ألجمتها مما سمعته والخبر وقع على أذنيها كالقنبلة التي انفجرت للتو في وجهها.
وقالت بتلعثم:
- حامل!!
أومأت إليها بنعم.
فـنظرت إلى "رزان" ثم وقفت كالمجنون وهي تقول:
- ازاي...
[[ في قصر الحـــديــــدي ]]
تعجبت "قُسم" من دلل الخدم لها.
ومُنذ أن استيقظت اليوم ويُقدم لها العصائر والفاكهة.
فتأففت بضيق شديد من "همس" وقالت:
- هو في إيه، دا مجرد إيدي مكسورة مش محتاجة التغذية دي كلها.
- ألف سلامة على حضرتك بس مالهاش علاقة بالكسر.
قالتها "همس" بهدوء شديد.
فقـتركت "قُسم" المجلة من يدها على الأريكة ثم وقفت أمام "همس" وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهتفت بحدة:
- أمال إيه؟
بصراحة مليت وشبعت جدًا من كمية الأكل دي، حد قالكم أن عندي جفاف.
تحنحت "همس" بهدوء وهي لا تفهم تصرف "قُسم".
من المفترض أنها أول شخص تكون على علم بحملها.
فقالت بهدوء:
- بعد الشر عن حضرتك، إحنا بس نتمنى أنك تقومي بالسلامة أنتِ والبيبي.
اتسعت أعين "قُسم" على مصراعيها بصدمة وترمق وجه "همس" بذهول تام وكلماتها علقت في حلقها.
فتمتمت مُتلعثمة بشدة:
- بيبي!!
- هو حضرتك متعرفيش أنك حامل؟ غفران بيه قالنا امبارح.
قالتها "همس" بهدوء مما جعل "قُسم" تُصدم.
ونظرت إلى بطنها بصدمة وبداخلها مشاعر مُختلطة لا تعرف أهي فرحة أم خوف، سعادة أم تردد.
الصدمة شلت أطرافها.
أيمكن بهذه السهولة أن تحمل طفله بأحشائها.
هتفت بحيرة وهي لا تصدق ما تسمع:
- ممكن تجيبلي اختبار حمل.
أومأت إليها بنعم وهي تقول:
- سهلة، نتصل بالصيدلية نطلب واحد.
أومأت إليه بنعم وركضت "قُسم" إلى الأعلى.
وبعد ربع ساعة وصل طلبها لتجري الاختبار بخوف مُترددة من الجواب.
حتى رأت الخطين باللون الأحمر يلمعان في الاختبار.
فتنفست الصعداء بأريحية وقلبها ينبض بجنون من هذا الخبر.
وشعرت أن بداخلها شيء دافئ جعلها تحتضن بطنها من السعادة وتناست كل شيء.
وبدأت تضحك بقوة وخرجت ركضًا من المرحاض إلى هاتفها تتصل بوالدتها.
فبمجرد أن سمعت صوت والدتها عبر الهاتف تقول:
- قُسم عاملة إيه؟
- ماما أنا حامل.
قالتها بفرحة شديدة تغمرها والضحكات تسيطر عليها.
اتسعت عيني والدتها بسعادة رغم أنها كانت قلقة من زواجها من "غفران"، لكن الآن بعد أن سمعت بخبر حمل طفلتها في حفيدها الأول لم تشعر بشيء سوى السعادة.
وبدأت تبارك لها بحماس وفرحة:
- يا روح قلبي مبروك يا حبيبتي، لا.. لا مينفعش في التليفون أنا هلبس وأجيلك على طول، اقفلي مسافة الطريق يا روح قلبي وهكون عندك.
أغلقت مع والدتها والسعادة تغمرها ولا تعرف ماذا تفعل وأين تفرغ مشاعرها الجميلة.
حتى سمعت صوت ضجة بالأسفل.
فخرجت من الغرفة ونظرت من أعلى الدرابزين لترى "نورهان" تحاول الصعود لكن "فاتن" تقف أمامها على الدرج قائلة:
- أرجوكِ يا دكتورة متحطنيش في موقف وحش قصاد غفران بيه، حضرتك عارفة أن غير مسموح بدخولك هنا كمان مُصرة تطلعي فوق وحياتك عندكِ امبارح كان إنذار كافي بقطع رؤوسنا كلنا... رجاءً.
كانت تستشيط غيظًا وهي تقول بحدة صارمة وعينيها يتطاير منها الغضب:
- ابعدي عن طريقي يا فاتن.
ترجلت "قُسم" من الأعلى بعدم فهم لسبب غضب "نورهان" هكذا وقالت بهدوء:
- في إيه؟
التفتت "فاتن" إليها بهدوء ثم نظرت إلى "نورهان" بجدية وقالت بترجي ونبرة خافتة:
- أرجوكِ يا دكتورة.
دفعتها "نورهان" بعيدًا عن الطريق وسحبت "قُسم" من يدها نحوها حتى كادت أن تسقط عن الدرج من قوة سحبها لتفزع "فاتن" من الخوف.
أتصلت "همس" بـ "عُمر" تخبره بقدوم "نورهان" وافتعال المشاكل هنا.
______________________
كان "صابر" يقود السيارة مُتجهًا من المصنع إلى الشركة حين تلقى "عُمر" الاتصال.
فأغلق الهاتف بهدوء ونظر للخلف حين يجلس "غفران" وقال بقلق شديد:
- دكتورة نورهان في القصر.
رفع رأسه عن الجهاز اللوحي الموجود في يده بدهشة من دخول أمه إلى قصره دون إذن منه.
ليتابع "عُمر" بقلق شديد:
- وكالعادة بتفتعل مشاكل، لكن المرة دي مُصرة تأخذ مدام قُسم.
أغلق قبضته بغضب سافر محاولًا كبح غضبه على والدته وقال بضيق:
- مُصرة تختبر صبري عليها، أطلع على القصر يا صابر.
غير "صابر" وجهته بسرعة جنونية خائفًا أن يتأخر على هذه الكارثة.
_________________________
[[ قصــــــر الحـــديــــدي ]]
نفضت "قُسم" ذراعها من "نورهان" بقوة غاضبة من تصرف هذه المرأة وقالت بعناد:
- أنا مش هروح في حتة.
اقتربت "نورهان" منها بخطوات ثابتة مُخيفة وحدقت بعينيها بشرارة ثم قالت بمكر:
- يبقي شكي في محله.
رفعت "قُسم" حاجبها بعدم فهم لتمسكها "نورهان" من عنقها بهدوء وقالت بتهديد:
- ارفضي زي ما أنتِ عايزاه، لكن طلبك للطلاق من ابني ودلوقتي حامل دا مالهوش غير تفسير واحد أنك حامل من راجل تاني زي اللي قبلك.
اتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها من بشاعة التهمة التي لحقت بها الآن وتجمعت الدموع في عينيها.
لتبتسم "نورهان" بخباثة وقالت بمكر شيطاني:
- عيطي.. عيطي العياط بيغسل الوساخة اللي انتوا فيها.
كزت "قُسم" على أسنانها بغضب سافر من وقاحة هذه المرأة وسقطت الدمعة من عينيها وهي لا تستوعب قذارة هذا العقل الذي ألحق بها تهمة كهذه.
تمتمت بصوت مبحوح:
- اطلعي برا، لأن أنا لحد دلوقتي بحاول أحترم أنك أم جوزي، لكن مواعدتكيش أني هستحمل وقاحة أكتر من كدة.
- الوقاحة الحقيقية أنك ترفضي تعملي التحليل عشان نتأكد أنه ابن غفران، لكن صدقيني سواء قبلتي أو لا هتعملي التحليل لأن حملك من الأساس مشكوك فيه ودموع التماسيح دي شوفتها كتير في اللي قبلك، يا أما يكون ابن غفران أو تقوليلي مين أبوه من أولها.
قالتها "نورهان" بتهديد صريح.
لترفع "قُسم" يدها للأعلى كي تصفعها وهي لم تتحمل قذارتها أكثر من ذلك مما أدهش الجميع من جراءة هذه الفتاة.
حدقت "نورهان" بيدها المرفوعة بذهول، لكن "قُسم" لم تقوى على فعلها.
فتبسمت "نورهان" وسحبتها من يدها معها للخارج وهي تصرخ بها غاضبة:
- سيبني أنا مش هاجي معاكِ... اااه ابعدي عني أنتِ بتوجعيني.
توقفت "نورهان" عن السير حين رأته يقف أمامها والغضب يتملكه، بل مُسيطرًا كليًا عليه وعينيه يتطاير منها الشر.
فأقترب أكثر منها وأخذ زوجته من يدها بلطف وقال بهدوء مُحذرًا إياها:
- قالتلك بوضوح أنكِ بتوجعيها.
- غفران.
قالتها بهدوء ليقاطعها صارخًا بوجهه بغضب ناري يحرق الجميع:
- كفاية يا دكتورة، كفاية، كفاية تتدخلي في حياتي وبيتي، إياكِ تفكري تقربي من قُسم مرة تانية ورب الكعبة ما هيمنعني عنك حاجة أكتر من كدة.
تشبثت "قُسم" بذراعيه مُستمعة لهذا الشجار القائم بينهما وجسدها المريض لا يتحمل الأمر أكثر من هذا.
فـأتـكأت برأسها على ظهره مُتعبة.
ليتوقف عن الحديث حين شعر برأسها تسقط على ظهره وألتف ليراها تُتمتم بخمول شديد:
- أنا تعبانة يا غفران..... اااااه.
خرجت صرخة منها وهي تنحني بقوة للأسفل مُمسكة ببطنها ليفزع الجميع.
وهكذا "غفران" الذي حملها على ذراعيه بفزع صارخًا بخدمه يقول:
- اتصل بالدكتور يا عُمر.
صعد بزوجته مُرعبًا عليها وهي تزداد في الصراخ أكثر وأكثر من الألم المتزايد في بطنها بحزن.
وهو جالسًا بجوارها يمسك يدها بخوف ويقول:
- استحملي يا قُسم، دقائق والدكتور هيوصل... استحملي.
ظلت تتلوي في الفراش من الوجع وتصرخ بقهرة مُتألمة حتى وصل الطبيب.
وكانت "نورهان" تقف أمام الغرفة ليفحصها الطبيب.
فطلب جهز الأشعة التي جلبتها "فاتن" من الغرفة المجاورة الخاصة بغرفة "كندا" السابقة.
ومع الفحص ظهرت ملامح الحزن على وجه الطبيب.
فقال "غفران" بقلق:
- في حاجة.
حقنها الطبيب بمسكن وترك الممرضة معها ثم خرج مع "غفران" وقال بهدوء شديد:
- مخبيش عليكِ يا غفران بيه، مدام قُسم عندها مشكلة في الرحم والحمل خطر على حياتها.
ونصيحتي كطبيب نعمل عملية إجهاض وخصوصًا أننا في بداية الحمل مش هتعرضها للخطر.
اتسعت عيني "غفران" على مصراعيها وهو لا يصدق ما يسمعه.
فلم تدوم السعادة في حياته من قبل.
دمعت عينيه بخفة على سعادته التي سُرقت منه للتو.
وقبل أن يتحدث أكثر مع الطبيب رأى الخادمة تصعد مع "صفية" التي جاءت فور علمها بحمل ابنتها.
ليقول "غفران" بهمس:
- طيب خلاص متقولش حاجة دلوقتي، امشي.
غادر الطبيب ليمسح "غفران" دمعته سريعًا قبل أن يستدير إلى والدتها.
تحدث بهدوء شديد قائلًا:
- اتفضلي.
- مبروك يا غفران ربنا يقومها لك بالسلامة.
قالتها بسعادة تغمرها.
فتبسم بسمة مزيفة يخفي بها أوجاعه.
ثم ترجل للأسفل يحلق بوالدته وقال:
- رجاءً متختبريش صبري عليكِ كتير لأني لحد دلوقتي أنا مراعي جدًا أنك والدتي.
ضحكت "نورهان" بسخرية ثم قالت بجدية صارمة:
- أنت بتهددني يا غفران وليه؟
لأني خايفة عليك، خايفة تتخدع تاني من واحدة ويضحك عليك باسم الحب، كندا كمان كنت عاشقها وعاملها أميرة مدللة ولا نسيت.
كز على أسنانه حتى أن صريرها قشعر بدن والدته من الغضب الكامن بداخله.
فقال بتحذير وعينيه يبث منها الشر:
- إياكِ تفكري تجيب سيرة قُسم بكلمة متعجبنيش، قُسم أشرف من أي بنت وأوعي تقارنيها بكندا مرة تانية وأقفلي الموضوع دا بقي عشان متخسرنيش أكتر من كدة.
تنهدت "نورهان" بنبرة خافتة ثم قالت بتردد دون أن تخشاه:
- طيب نعمل التحليل ونتأكد أنه من صلبك ونتعلم من اللي فات ومش هتخسر حاجة و....
كان يستمع لحديثها ونيرانه مشتعلة بداخلها لا يقوى على تحملها أكثر ويديه تحك لحيته بغضب.
وهي تفكر في شيء بينما عقله مرعوبًا عليها من مرضها وخسارته المحسومة لطفلهما.
حتى تزيد والدته غضبه أكثر.
فقاطعها صارخًا:
- خلاص بقي، خلصنا وإياكِ تفكري في الموضوع دا تاني لأن قُسم حامل في ابني أنا وأنا بحذركِ دكتورة نورهان أوعي تفتحي الكلام الزبالة دا قصاد قُسم مرة تانية فاهمني... اتفضلي على قصرك.
قاطعه دخول الخادمة تحمل في يدها فنجان قهوة ليقول بحدة:
- رجعي القهوة يا همس هي مش هتشرب حاجة عندنا.
اتسعت عيني "نورهان" على مصراعيها بصدمة قاتلة وعينيها تحدق بالخادمة.
فلم تكن "همس" وظلت عينيها تتجول بين ابنها والخادمة وتبحث عن "همس" تلك التي يحدثها وعينيه تحدق بها بوضوح.
تحدثت الخادمة بقلق:
- حضرتك عايز همس.
أرتجف عقله من الخوف حين أخطأ في التعرف على خادمته أمام والدته.
فلأول مرة يتحدث دون أن ينظر إلى الشارة الموجودة على أكتافهم.
خرجت والدته من القصر وهي تفكر كيف لفظ اسم الخادمة خطأ رغم أن عينيه تحدق بها بوضوح.
لتشعر أن هناك شيء غريب بطفلها.
_______________________
كان "عُمر" موجود في المستشفى الموجود بها "نالا" ويتحدث مع الطبيب الذي قال بجدية:
- لازم نعمل العملية في أقرب وقت.
هز "عُمر" رأسه بهدوء ثم قال بنبرة خافتة:
- أوعدك نحاول نوصل لباباها.
غادر المستشفى خائفًا من حالة الغضب التي تتملكه وبسبب هذا الغضب هناك طفلة صغيرة تصارع الموت ولم يشفق عليها نهائيًا.
انطلق بسيارته إلى الشركة وكان يفكر من أين يبدأ بالحديث مع "غفران" ليحاول معه أن يعيد "نالا" إلى والدها.
فعذابها لم يعد شيئًا من السابق ولن يمتص غضبه وألمه.
وصل إلى مكتب "غفران" وعقله شاردًا يفكر في ترتيب الحديث وكلماته حتى يصفها أمامه.
أرتشف "غفران" القليل من القهوة ثم وضع الفنجان على المكتب ووقف مستعدًا لمغادرة المكتب بينما يقول بتعجل:
- جمع كل البيانات اللي طلبتها منك.
أومأ "عُمر" بنعم مما جعل "غفران" يبتسم بمكر وقال أثناء مغادرته:
- طيب يلا بينا عشان منتأخرش على الناس.
أستوقفه "عُمر" بنبرة خافتة يقول:
- غفران بيه.
نظر "غفران" إليه مُندهشًا ليتابع "عُمر" حديثه بهدوء شديد خائفًا من غضب هذا الرجل:
- أنا لسه جاي من المستشفى عند نالا، حقيقي البنت بتموت حرفيًا وحتى الأجهزة مش مساعدها بالقدر اللي حضرتك متخيله.
تنهد "غفران" بهدوء شديد ثم قال بخفوت:
- عايز تقول إيه يا عُمر؟
- عايز أقول أن البنت مالهاش ذنب، البنت اتقالها أنك والدها وهي كانت بتقولك يا بابا وبتعمل بدا زيها زي حضرتك مجرد ضحية للخيانة والغدر اللي حصل.
قالها "عُمر" بثبات وعينيه ترمق "غفران" الذي صمت يستمع لحديث "عُمر" باهتمام.
ثم قال بحدة:
- فالمفروض أكفي واحد زي عفيفي وأديله بنته يتمتع بيها وأطلع أنا الوحيد الخسران في اللعبة القذرة اللي لعبوها دي.
- معنديش جواب لدا لكن الأكيد أني مش قابل بظلم الطفلة دي.
قالها "عُمر" بجدية رغم خوفه من معارضة "غفران" لكنه تحلى بالجراءة الكاملة كي يتحدث أمامه ويواجهه بظلمه القائم.
فـتابع حديثه بجدية:
- أرجوك فكر في كلامي والحمد لله أن ربنا عوضك عن خيانتهم بزوجة زي مدام قُسم وكرم حضرتك بطفل من جديد.
تذكر ما لم ينساه بحمل زوجته وطفله المحكوم عليه بالموت مما جعل "غفران" يحتد أكثر في كلماته من وجعه قائلًا:
- خلاص يا عُمر، نخلص الاجتماع دا ونشوف الشريك اللي رايح يبيع وبعدين نشوف المشاكل الرهيبة دي.
خرج من مكتبه مُتجهًا إلى غرفة الاجتماعات بمكتبه؛ليقف الجميع من أماكنهم بحضوره احترامًا وتقديرًا له.
فتحدث بنبرة خافتة:
- اتفضلوا.
بدأ اجتماعهم والتحدث عن قرارات الشركة في المنتج الجديد وعن مشروع القائد الذي سيعلن عنه الذي يحتوي عن سيارة قائدة بلا سائق توفر كل الإمكانيات لتساعد على توفير الراحة التامة لراكبها.
ليقاطع الحديث دخول "عفيفي" إلى المكتب مع رجلين مما جعل "غفران" يشتعل من الغضب من طريقة اقتحامه بعد أن همس "عُمر" في أذنيه باسم "عفيفي" يعرفه بهوية المقتحم لشركته.
فقال "عُمر" بنبرة خافتة:
- ممنوع تدخل هنا، ممكن تفضل.
وضع ورقة على صدر "عُمر" بغرور وعينيه تحملق بـ "غفران" الجالس على مقعده متوهجًا كالملك لم يتحرك له ساكنًا.
فنـظر "عُمر" إلى الورقة وكانت العقد بشراء "عفيفي" جزءً من الأسهم عوضًا عن الشريك الأجنبي.
مما جعل "عُمر" يرفع رأسه إليه بصدمة قاتلة وعقله لا يستوعب ما يراه.
والآن قد بدأت الحرب بوضع "عفيفي" قدميه في أرض "غفران" وقد دخل إلى عرين الأسد بنفسه.
أقترب من "غفران" بالعقد ليقدم إليه بذعر يحتله من الداخل من رد الفعل الذي سيأخذه "غفران".
قرأ "غفران" العقد وأشتعل غضبًا من مكر "عفيفي".
والآن بعد أن كان يفكر أن يعطيه طفله سيعلن حربه ويصوب أسلحته كاملة بوجهه.
تبسم "عفيفي" بمكر شيطاني إلى "غفران" الذي غادر الغرفة بصمت يكبح غضبه.
فـأستوقفه صوت "عفيفي" الذي جاء من خلفه يقول:
- غفران.
توقف عن السير دون أن يستدير إليه.
فأقترب "عفيفي" منه ووقف أمامه فقال بهدوء:
- مش كنت أديتني مراتي وبنتي أحسن، أنت اللي أعلنت الحرب.
تبسم "غفران" بهدوء ووضع يديه في جيوبه بغرور مُصطنع البرود والكبر يحتل ملامحه كنبرته هاتفيًا:
- تفتكر هيفرق معاك جثثهم، واثق من نفسك أوي.
- متقدرش تقتلهم.
قالها "عفيفي" بجدية صارمة والخوف ظهر في عينيه التي لم تقوى على إخفائه.
فتبسم "غفران" بسمة خبيثة بطرف شفتيه وقال حادقًا به:
- اديني سبب واحد يمنعني أقتلهم بعد خيانتهم، سبب واحد يخليني منتقمش من واحدة خانتني وحاطت شرفي في الطين.
لم يجد "عفيفي" جوابًا على سؤاله فكز على أسنانه.
ليرفع "غفران" يده إلى صدر "عفيفي" بتهديد وقال بحدة صارمة:
- اطلع من شركتي وإياك تفكر في شراكتي لأن الشراكة الوحيدة اللي بينا هو مكان قبرهم دا لو عايز تعرفه عشان تترحم عليهم، لأنك مش قدي، أنت راجل بتاع فن ومياعة مالكش في أنياب السوق ولا تعرف تقف قصادي.
ربت على عنقه بلطف تهديدٍ إليه ثم غادر من أمامه قائلًا:
- ارميه برا يا عُمر.
أقترب رجال "غفران" منه وقبل أن يلمسه فسأل "عفيفي" يستوقفهما بكلماته المُرعبة:
- مقولتليش قُسم عملت إيه عند الدكتور؟
ألتف إليه "غفران" ببرود ليبتسم "عفيفي" بمكر وأقترب منه بعد أن نفض ذراع رجله عنه وقال بخباثة:
- مش واجب تتطمن على مراتك الحامل لما تخرج من عند الدكتور؟
رفع "غفران" هاتفه ليتصل بزوجته وعينيه ترمق "عفيفي" بهدوء بعد أن أدرك أنه يعلم بخبر حمل زوجته.
لكنه لم يجد جواب.
ليقول "عفيفي" ببرود قاتل:
- مبتردش... لا أعتقد أنه اتقفل دلوقتي.
كان هاتف "قُسم" مُغلقًا حقًا مما جعله يفقد أعصابه ويمسك لياقته بانفعال وقال ساخطًا:
- لو فكرت تقرب من مراتي.....
قاطعه "عفيفي" بنبرة حادة يساومه بعقل شيطاني:
- مراتك وابنك قصاد مراتي وابني وقسمًا بربي يا غفران لو طلعوا أموات بحق، ما هتلاقي مني غير رأس قُسم على باب قصرك ومعها ابنك اللي هطلعه من بطنها عشان تملي عينيك منه.
دفعه بقوة وغادر مما أرعب "غفران" ولأول مرة يُهزم هذا الوحش أمام أحد ويشعر بالعجز.
لأول مرة يترك أحد يهينه يذهب هباءً دون قتله.
لكن هذه "قُسم" فتاته الشقية ومحبوبة قلبه.
رواية غفران هزمه العشق الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور زيزو
خرجت "قُسم" من عيادة الطبيب وبجوارها "أحلام" فتاة فى أواخر العشرينات تعمل كحارسة شخصية لترافقها فى أى مكان.
فتحت لها باب المصعد ورأت فتاة بالداخل تتحدث فى الهاتف بدلال مُفرط.
ضغطت على زر المصعد ليغلق أبوابه فى الطابق الثامن.
نزل المصعد إلى الطابق السادس وتوقف حتى دلفت سيدة أربعينية مع رجل يتحدثان.
سحبت "أحلام" "قُسم" من يدها برفق للخلف ترتطم بالمصعد من الأزدحام.
مما جعل "أحلام" تنظر إلى اللافتة الموجودة وقالت بتمتمة واضحة:
- هو مش المصعد بيكفي لأربع أشخاص بس.
نظر الرجل إليها وبسرعة البرق قبل أن تتوخي الحذر كانت الفتاة التى بجوارها من البداية طعنتها فى عنقها بحقنة مُخدرة.
أفقتها الوعي بسرعة البرق فصرخت "قُسم" بذعر.
ليضع الرجل يده على فمها يمنعها من الصرخ وهى تقاومه لكن بنيته الجسمانية كانت أقوي بكثير من ضألتها.
لتحقنها الأخرى بمخدر حتى فقدت الوعي.
ثم حملها الرجل على ذراعيها وترك الهاتف وحقيبتها فى المصعد مع جسد "أحلام".
ثم ترجل جميعًا من المصعد فى الطابق الثاني ومنها دخول إلى شقة وتسللوا بـ "قُسم" من الباب الخلفي للمطبخ الذي يصلهم بمرأب السيارات حيث سيارتهم المصفوفة.
وأنطلقوا دون أن ينتبه "سليم" وهكذا رجاله الذين يقفون أمام البناية فى أنتظار قدوم "قُسم".
***
دلفت "رزان" إلى مكتب "نورهان" تقاطع أجتماعها مع الخبراء التجميلين بذعر وهى تقول:
- دكتورة نورهان.
ألتفت إليها بدهشة من طريقة دخول "رزان" وتجرأها على أقتحام أجتماعها لتقول بفزع وصدمة تحتل وجهها الجاد بصرامته:
- مدام قُسم أتخطفت.
وقفت "نورهان" من مكانها بصدمة قاتلة ألجمتها وجعلت عقلها المتمرد يشل فى رأسها الجميل.
لم تتوقع خبر كهذا فخرجت من الشركة مع "رزان" مذعورة وهى تقول:
- مين اللى عملها؟
- عفيفي ابن داغر الصوفي وابوه نال.
أ قالتها "رزان" بقلق شديد من القادم وهذا الأحمق تجرأ على تحدي "غفران وليس وحده، بل تجرأ على الوقوف أمام "نورهان" المرأة التى تقتل من يقترب من أملاكها بكل برود دون أن ترجف لها عين.
تابعت "رزان" وهى تفتح باب السيارة الخلف لها:
- وأشترى أسهم فى شركة الحديدي كنوع من التحدي بمساعدة ابوه اللى اشترى من الشريك الأجنبي.
وقفت "نورهان" بذهول من الحرب القائمة على ابنها دون علمها فقالت بغضب شديد:
- مكتفاش بخيانة ابني والغدر بيه... أطلع على الصحراوي.
أتسعت أعين "رزان" على مصراعيها بصدمة قاتلة وقشعر بدنها من الخوف وهى تقول بتمتمة تأبي كلماتها الخروج من هول الصدمة:
- هتروحي الصحراوي بنفسك.
جذبت "نورهان" لياقة "رزان" بغضب يحرق ما بداخلها وقريبًا سيحرق الجميع فقالت بتهديد:
- أنا اللى يقرب من عائلتي أفعسه برجلي يا رزان ... دا مش أى حد دا غفران فلذة كبدي وفرحتي الأولى، أنا اللى يرفع عينيه فى غفران أمحيه من على وش الدنيا.
دفعتها بقوة وصعدت إلى السيارة لتبتلع "رزان" لعابها بخوف وجعلت السائق يترجل من السيارة لتأخذ هى القيادة بيدي مُرتجفة.
وصلوا إلى الطريق الصحراوي لتنعطف "رزان" عن الطريق الرئيسي ووصلت إلى منزل يكاد يبدو مُصفحًا من الخارج.
ثم وقفت "رزان" أمامه ليفتح الباب بعينيها وضربات قلبها.
دخلوا معًا وكان المنزل فراغًا لكن لم يكن فراغه سوى رعبًا.
ترجلوا للقبو وكان بداخله باب أخر وحين فُتح كان المكان مُختلفًا وكأنهم ذهبوا إلى أرض غير الأرض فكان المكان عبارة عن حلبة من القتال ورجال كثير يمارسون جميع أنواع القتال الموجودة فى العالم.
لكن حين لمحوا طيف "نورهان" توقف الجميع عما يفعلوا وأنحنوا لها أحترامًا لتذهب كي تجلس على المقعد أمامهم ترمقهم بغضبها.
نظرت "نورهان" إليهم وبعد الترحيب فتحت الجهاز اللوحي على صورة "قُسم" وألقت به أمامهم قائلة:
- البنت دى أتخطفت من 3 ساعات من عمارة فى الكروبة، أنا عايزاها سليمة.
أقترب قائد الرجال ليأخذ الصورة وقال بجدية:
- أمرها يهمك !!
- حامل بحفيد.
قالتها بجدية صارمة مما جعل الجميع يرتعبوا خوفًا بعد كلمتها فهى لن تتساهل مع خاطفها أو معهم إذا فشلوا.
ثم أشارت إلى "رزان" التى قدمت لهم صور لـ "عفيفي" وقالت:
- دا اللى خاطفها، معاك ساعتين زمن.
- دكتورة منضحكش على بعض الساعتين مش هنلحق نراقب فيهم حتى خطواته، أديني لأخر اليوم لكن فى المقابل أوعدك برقبتي أنها ترجع حية من غير ما يمسها طفرة أو أذيت.
أنـهـدت "نورهان" بهدوء شديد تفكير فى حديثه بصمت أفزع الجميع فطالما كان صمتها جحيمًا وحده.
أومأت إليه بنعم ثم قالت بجدية:
- معاك لأخر الليل بس هعوز منك حاجة تانية كمان.
نظر الرجل إليها بهدوء مُنتظر ضربتها القادم فطالما جاءت إليه ستسعى للأنتقام وحرق أحدهما وسحبه للجحيم فتبسمت "نورهان" بمكر شيطانية لا يليق بوجهها الملاكي الناعم.
***
وصل "غفران" إلى المخبأ الذي يخفي فيه "كندا" وكانت حزينة وشاحبة، جسدها هزيل وضعيفة جدًا.
كان يستشيط غيظًا من أختطاف زوجته وحبيبة قلبه الذي يحترق بداخله وأوشك على التوقف عن النبض بسبب تعرضها للخطر وكونها بين يدي هذا الرجل المُختل.
نظرت "كندا" إليه بذعر من قدومه وتسائلت هل حان الوقت كي يتخلص منها.
جلس أمامها بوجه حاد لتسحب يديها إلى ركبتيها المُقيدة وقالت:
- خلاص هتقتلني.
تمتمت بصوت هادئ أرعب أوتار قلبها وجعل الدم تتجمد فى أوردتها قائلًا:
- تفتكري يا كندا أنا اللى يتجرأ على مراتي ويفكر أنه يخطفها وهى حامل ممكن أعمل فيه اي؟
أبتلعت لعابها بصمت قاتل ألجمها فى مكانها وجعلها كالصنم فقالت بهدوء:
- مش هيكفيك أنك تقطعه وترمي لكلاب حراستك.
تبسم بخباثة بسمة مُنكسرة لما يشعر به قلبه الآن بأختطاف زوجته المريضة وحملها سيقتلها وحده فماذا عن حادثة الأختطاف.
أشار إلى رجاله ليذهبوا نحو "كندا" التى بدأت تصرخ بذعر وهم سيقتلوا الآن فقال بحزم:
- أقفلي بوقك لأني مانع نفسي عن موتك بالعافية.
نظرت إلى الرجلين اللذان يمسكان يديها بخوف وقالت:
- أرجوك يا غفران، أمحينى أو أطردني من البلد، خد كل حاجة فى حياتي وأرميني فى الشارع أنا وبنتي بس متقتلنيش، أقسم بالله ما خُنتكِ، أنا عفيفي ضحك عليا وخدرني وحملت غصب قبل جوازنا لكن يشهد ربنا عليا أنى من يوم ما بقيت مراتك وأنا مخلصة لكَ.
أقترب كالثور الهائج ومسك فك وجهها يحملق بها بغضب سافر وقال بعيني يتطاير منهم الشر:
- أستغفلتني ونسبتي بنت مش بنتي ليا، عشر سنين بتخدعيني.
- غصب عني أنا أكتشفت أنى حامل فى أسبوع فرحنا كنت هعمل أي؟
قالتها بحزن يمزقها لأشلاء من خطأ أرتكبته فى الماضي ولم يمحي أثره حتى الآن وحان وقت العقاب على ما مضى.
كز على أسنانه لتسمع صوت صريره مما جعل جسدها يقشعر ونظراته الحادة تزيد من رُعبها.
أستدار لكي يغادر المكان ورجالة يسحبونها معهم.
***
كان "عفيفي" يجلس فى المصنع الخاص بوالده ليلًا ومعه "قُسم" التى تنتفض فزعًا وهى جالسة على المقعد الخشبي.
حملق بها فى هدوء قبل أن يتحدث بكلماته السخيفة فقال بمكر:
- تعرفي أن حملك جه فى وقته.
أبتلعت لعابها بلطف كي تخفي أثر خوفها منه بباطنها ولا يتمكن منها.
تحدثت بنبرة:
- تعرف إنك متستحقش أنى أخاطر بجوازي وخاطر جوزي عشان خاطر بنتك وكندا.
رفع حاجبه للأعلى بأستغراب شديد وسأل بحيرة:
- إنتِ شوفتيهم.
ضحكت "قُسم" بسخرية منه ثم قالت بتهكم:
- طبعًا، كانت شبه بتموت فعلا نالا ظلمها الحقيقي أن واحد زيك هو أبوها.
وقف من مكانه ليتقدم خطوة واحدة أمامها ولم يجرأ على تخطي الأخري حين أستوقفته بكلماتها الحاد الجريء:
- أوعي تفكر تقرب خطوة كمان، لتكون فاكرة أن لو لمست منى شعر ممكن غفران يقبل بمساوماتك القذرة.
نظر "عفيفي" إليها وقال بحدة:
- واثقة في نفسك أوى؟!
تبسمت بشجاعة وقالت بتحدٍ ومكرٍ:
- واثقة في غفران.
كز على اسنانه بأغتياظ قوى يكاد يفتك بعقله مما جعل "قُسم" تبتسم بثقة ورغم أختطافه لها لكنه ما زال يخشي ذكر أسم "غفران" الذي يُذكر أمامه.
تأفف بضيق قوي حتى وصل زفيره إليها لتضع قدم على الأخر بأنتصار فقالت ببرود شديد:
- أتفضل أرتاح متتعبش نفسك بالوقفة، سلامتي مهمة أوى لضمان سلامة اللى ليك.
جاء أحد الرجال إلى المكان مُسرعة وهمس فى أذنه قائلًا:
- غفران بيه وصل.
هز رأسه بنعم ليُشير إليه بان يفتح له أبواب المصنع.
فتح باب المصنع ودلفت سيارة "غفران" وخلفها سيارة حراسته الشخصية.
فتح "عُمر" الباب الخلفي لأجل "غفران" الذي ترجل مُسرعًا يرمق فتاته المُبتسمة إليه رغم ما تتعرض له لكنها تبتسم بثقة تُطمنه عليها وتخمد نيران قلقه المُشتعلة بداخلها.
تنهد "غفران" بأريحية لرؤيتها سالمة فقاطع نظراتهما الدافئة صوت "عفيفي" الذي سأل بقلق:
- هم فين؟
أشار "غفران" إلى "عُمر" الذي أشار إلى الرجال بدوره ففتح باب سيارة الحراسة وأخرجه "كندا" من الخلف مما أدهش "عفيفي" ونظر إلى بأشتياق وإمتنان كونها على قيد الحياة كل هذا الوقت.
نظرت إلى وجهه بصدمة وهى لا تستوعب الأمر وسبب "غفران" فى إحضارها إلى "عفيفي" حتى وقع نظرها على "قُسم" المُقيدة فى المقعد لتفهم سبب سؤال "غفران" لها.
أشار "عفيفي" لرجله بأن يفك "قُسم" فى نفس اللحظة التى كان بها الشرطة بالخارج ومن بين رجالة رجل شرطي يعمل لصالح "نورهان" وأرسل لها رسالة بأنه عثر على "قُسم" وشغل كاميرا هاتفه خلسًا لترى "نورهان" ما يحدث ومقايضة "غفران" "كندا" بزوجته مما جعلها تستشيط غيظًا لترسل رسالة إلى الرجل تأمر بقتل "كندا".
سأل "عفيفي" بضيق عن طفلته قائلًا:
- فين نالا؟
- فى المستشفي تحت الأجهزة لو كنت جبتها معايا ورفعت الأجهزة عنها كانت مات.
قالتها بثقة وأخبره بموقع المستشفي.
ليدفع "قُسم" بخفة نحو زوجها فتقدمت إلى "غفران" بنفس اللحظة التى تقدمت فيها "كندا" إلى مُنتصف الطريق وقالت بذعر:
- لا، أنا مش عايزة أروح معاه.
نظر "غفران" إليها بخباثة وقال بضيق:
- روحي متخافيش.
- أنت متتأمنش يا غفران فى غدرك.
قالتها بثقة وهى تعلم أن هذا الحادث ليس النهاية ولا الهزيمة، بل "غفران" يخلص فتاته أولًا قبل أن يُعلن قنبلة غضبه عليهم.
تبسم إليها بغرور وقال:
- العيب على راجلك اللى أخترتي عليه لو معرفش يحميكي مني.
أخذ زوجته وتقدم نحو السيارة بينما جمعت "كندا" شجاعتها لتهرب منه.
كانت تركض نحوه بسرعة جنونية خائفة من هذا الوحش الذي أختطفها دون رحمة منه.
فظهرت بسمة خافتة على شفتيه لأجل رؤيته لها عائدة إلى قلبه وذراعيه لكن لطالما كان للقدر رأي أخر يمزق القلوب.
حين تلاشت بسمته وأنتفض فزعًا عندما رأى هذه الرصاصة تخترق جسدها توقفها عن الركض وتسمرت مكانها أرضًا بجسدٍ مُتشنجٍ والدماء خرجت من فمها بغزارة.
فرفعت نظرها ترمقه وهو كالصنم جُمد مكانه من هول الصدمة ولم يقتل صدمته وتشنجه سوى سقوطها أرضًا أمام جثة هامدة بعد أن قُتلت أمام عينيه كأن القدر يُعاقبه على أفعاله القذر برؤيته لحبيبته تُقتل أمامه وهو عاجزًا لا يقوى على أنقاذها.
سار "غفران" بها يحيطها بذراعه ويساندها إلى سيارته بطمأنينة عليها ليرى رجال الشرطة تقتحم المكان وسمع صوت إطلاق نار.
فضم "قُسم" إلى صدره يخفيها عن الأنظار وألتف رجاله حوله يحموه من الغدر القادم.
ليُصدم عندما رأى "كندا" تسقط على الأرض غارقة فى دمائها.
فزعت "قُسم" مما رأته وتشبثت بزوجها من الخوف.
فى حين أن "عفيفي" سحب سلاحه بوجع أحرق قلبه الآن وأوشك أن يصوب على "غفران" و"قُسم" تحت أنظار رجال الشرطة الذين يبحثون عن الفاعل الذي تجرأ على الضغط على الزناد وأشعال النار بينهما.
تحدث ضابط الشرطة بغضب شديد:
- أرمي سلاحك وسلم نفسك.
نظر إلى "كندا" التى فارقت الحياة للتو فور تلقيها للرصاصة بحزن شديد والوجع يمزقه الآن خصيصًا برؤيته لـ "غفران" مُنتصرًا بعودة حبيبته سالمة فى هذه الحرب.
ليصوب عليه بغضب ناري وأوشك على قتله حقًا وأطلق رصاصته ليتلقاها رجل الأمن فى اللحظة التى صوب عليه رجل الشرطة يقتله فى الحال.
نُقل إلى المستشفي فأمر" غفران" رجاله بأن يحضروا "نالا" إلى نفس المستشفي.
فأحضرها "عُمر" لتُجرى جراحتها أثناء جراحة "عفيفي" بالأكراه وبدون علم "داغر".
***
تنهد "غفران" بأريحية وسأل بجدية:
- يعنى العملية تمت على خير.
أومأ إليه "عُمر" بنعم ثم قال بسعادة تغمره:
- أه الدكاترة طمنونا على نالا وقالوا أن العملية مفيهاش أى مخاطر عليها ونسبة نجاحها كبيرة جدًا ما دام حصلت على التبرع المطلوب.
نظر "غفران" إلى زوجته التى تجلس جواره على الفراش تستمع لصوت "عُمر" بأريحية وطمأنينة من مكبر الصوت.
تبسمت بسعادة وقالت:
- شكرًا.
تبسم "غفران" على بسمتها وهمستها الدافئة بينما تشكره على أستجابته لطلبها بإنقاذ "نالا" كونها طفلة لا تعرف شيء عما بدر من والدتها.
ألقي بالهاتف جانبٍ وقال بحزم بينما يقترب أكثر منها:
- أقفل يا عُمر.
تعجب "عٌمر" لطلبه ونبرة صوته فقال بهدوء:
- أيوة يعنى أسيبها فى نفس المستشفي ولا.....
توقف عن الحديث عندما سمع صوت قبـلته فى الهاتف ودلال زوجته المشاكسة تقول:
- غفران... لا يا غفران عيب ..
أغلق الهاتف سريعًا وهو يبتلع لعابه بحرج.
صرخت "قُسم" به برقة مُفرطة:
- أتلم يا غفران.
حملق بوجهها عن قرب ويده اليمنى تداعب وجنتها الناعمة بألمه وقال:
- طلعتلي منين يا قُسم؟
ضحكت وهو يحاصرها فى الفراش ثم قالت بدلال:
- من الأرض ... لا نزلتلك من فوق ...لا تفتكر طلعتلك منين ؟
رمق عينيها الخضراء بهيام وقال بنبرة خافتة جدًا:
- أنا هائم فى عيونك الخضراء دى، سحرينى من أول نظرة، خطفوني من أرضي وغروري من النظرة الأولى.. عملتيها أزاى يا قُسم؟، أزاى طول الوقت كنتِ استثناء عن الكل.
كان يسألها لم وجهها الوحيد الذي يستطيع رؤيته بوضوح فى حين أنه لم يستطيع رؤية أحد من قبل.
أجابته بعفوية وهى لا تفهم شيء عن هذا الحديث:
- يمكن لأنك حبتني من النظرة الأولى.
هز رأسه بنعم ووضع رأسه على كتفه يغرق فى نومه الهادئ بين ذراعيها مُستسلمًا لهذا السلام والآمان الذي يشعر بهما بجوارها.
فتبسمت عليه وطوقته بذراعيها ويديها تمسح على رأسه بأصابعها التى تتغلغل بين خصلات شعره الناعم بكثافته الجاذبة.
***
ضحكت "نورهان" بشدة على جراءة هذا الرجل الذي توقع أنه يستطيع أن يقف أمامها.
قدمت عشرات الحقائب المليئة بالمال لرجالها فى الصحراوي على قتل "كندا" و"عفيفى" ثم خرجت من المكان مُبتسمة وقالت:
- رزان.
نظرت "رزان" إليها بهدوء مُنتظرة الحديث فقالت "نورهان" بجدية صارمة:
- بكرة الصبح تبعتي لداغر تحذريه أن الأسهم اللى أبنه أشتراها فى شركة غفران ترجع وألا هيندم.
أومأت "رزان" إليها بنعم فتبسمت "نورهان" بلطف وقالت:
- ما عاش ولا كان اللى يمس شعرة من ولادي.
تبسمت "رزان" برسمية وقالت:
- متقلقيش حضرتك.
صعدت إلى سيارتها كى تعود إلى شركتها وفور دخولها إلى المكتب وجدت السكرتيرة تخبرها بقدوم "يحيي" رئيس المباحث وظل ينتظرها والآن ترجل إلى الكافيتريا الخاصة بالشركة لطلب القهوة وسيعود.
تنهدت بهدوء وقالت بحزم:
- لما يجي دخليه على طول يا رزان لما نشوف أخرتها معاه وكأنه مبيخافش ولا عنده اللى يخاف عليه.
- لا.
قالها "يحيي" الذي يقف وراءها وقد أستمع لحديثها.
أستدارت إليه لتراه يقف بفوضويته ويحمل فى يده كوب القهوة الورقي.
نظرت إليه بأشمئزاز من هيئته وقالت:
- دخليه يا رزان.
ولجت إلى مكتبه بغرور فدخل خلفها بينما يقول إلى "رزان":
- أنا بسمع وبمشي لوحدي، مش فاهم أى دخليه دي.
ولج إلى المكتب ليرى تجلس على مقعدها بكبرياء وبرود شديد.
تحدث بأنبهار:
- وووواااو مكتب مُدهش.
- معتقدش أنك تعبت نفسك وجت لحد هنا عشان تديني رأيك فى المكتب، خير لأن معنديش وقت.
قالتها "نورهان" بنبرة ساخطة.
فجلس على المقعد المقابل إلى مكتبها وسأل:
- حضرتك تبقي حماة أنس مش كدة.
- حماة !!
قالتها بأشمئزاز وأزدراء من طريقته وقالت بوجه عابس:
- ناقص تقول خالة... أه وبعدين.
ضحك عليها وأرتشف رشفة من قهوته صادرٍ صوتٍ من فمه يزعجها أكثر فتأففت بضيق شديد وقالت:
- يا ريت يا حضرة الضابط تنجز لأني معنديش وقت.
- معرفتيش أن أنس حالته الصحية صعبة وأتعرض على مستشفي أمراض نفسية بسبب وفأة مراته.
قالها بخباثة شديد لتبتسم "نورهان" ببرود ثم سألت بجدية:
- تفتكر كوني حماته زى ما حضرتك ما قُلت وأكتشفت أنه أتجوز على بنتي وكسر قلبها وبسبب أنه كان سايبها فى البيت لوحدها أجهضت وملاقتش اللى ينجدها هى وابنها هيفرق معايا حالته هو أو مراته.
- لا، بس مش ممكن يفرق معاكِ تنتقمي لكسرة قلب بنتكِ.
قالها بمكر لتقترب "نورهان" من مكتبها وتتكئ عليه بذراعيها حاقدة بوجه "يحيي" بثبات أنفعالي قائلة:
- أنتقم أي أكتر من سجنه وخسارته لابنه وموت مراته... تفتكر باقي له حاجة أنتقم منه فيها يا حضرة الضابط... دا واحد القدر عاقبه على خيانته يوم ما مات ابن بنتي فى بطنها من قبل ما يتولد وبموت مراته اللى خان بنتي معاها وكمل عليه لما خد عمره منه.. مبقالهوش حاجة أخدها منه.
تبسم "يحيي" بهدوء ثم نظر إلى "نورهان" وهو يقترب من المكتب وقال:
- مش جايز دا أنتقامك.
قهقهت ضاحكة بسخرية على كلماته وكأنه ينتظر منها أن تخبره أنها القاتلة أو المجرمة مثلًا.
رن هاتفه وكان "عاصي" الذي قال بذعر:
- أنس انتحر.
اتسعت عيني "يحيي" على مصراعيها بصدمة ألجمته بينما ظهر الخباثة على وجه "نورهان" التى تبسمت كالشيطان كأنها تخبره الآن أن هذا هو أنتقامها الحقيقي وعادت بظهرها للخلف تسترخى ثم قالت بجدية:
- روح يا حضرة الضابط.. روح شوف لأن من الواضح أن عندك شغل كثير وكمان أنا مش فاضية لكَ.
خرج من المكتب مصدومًا وبداخله شيء من اليقين أن هذا من فعل "نورهان" التى تبسمت من تعابير وجهه وقالت مُتمتمة:
- كأن لازم يحسبها ألف مرة قبل ما يكون خصمي.
***
ترجل "غفران" من الأعلى بوجه غاضب صارخًا بها:
- هتنزليه يا قُسم.
صرخت ببكاء وعينيها تتلألأ بهما الدموع الغزيرة قائلة:
- لا يا غفران، أنا مش هقتل أبني بأيدي.
- أفهمي الحمل فيه خطر على حياتك وأنا مش هجازف بيكِ عشان خاطر طفل.
قالها بغضب يحتله الخوف عليها وقلبه لا يقوى على العيش بدونها.
فجهشت باكية بأنهيار والعناد يتملكها، هتفت بتحدٍ أكثر:
- ماليش دعوة أنا مش هنزله، خليه وأنا هخلى بالي من صحتي ومنه لأن حرام تقتله.
- دا مش حرام، دا بأمر الدكاترة.
قالها بصراخ أكثر ليخرج الخدم على صوته.
بينما "قُسم" كانت اكثر عنادًا مع صراخه المتزايد فقالت بخنق:
- بردو لا، ولو فكرت تعملي العملية غصب أقسم بالله ما هتشوف وشي بعدها أنت فاهم.
- يا قُسم أنا ....
أبتلع كلماته حين شعر بألم فى رأسه شديد وصفارة تلازم أذنيه ليرفع يده يضعها على جبينه من الألم.
فأقتربت منه بقلق وسألت بتلعثم:
- غفران أنت كويس؟
- أبعدي عني.
قالها بتلعثم وتكاد كلماته تخرج من فمه فشعر بدوران يُصيب عقله حتى سقط أرضًا فاقدًا للوعي.
فصرخت "قُسم" بذعر عليه وركضت الخادمة للخارج تحضر رجاله.
حملت رأسه بين ذراعيه وهى تجلس أرضًا جواره:
- غفران، غفران رد عليا...
لم يستجيب إليها فأخذه "عُمر" ورجاله إلى المستشفي وحُجر فى غرفة العناية المركزة.
نظر "عُمر" إلى الأشعة الموجودة مع الطبيب ويستمع جيدًا إليه بينما يقول:
- الورم دا لازم يتشال لأنه هيأثر على الجهاز البصرية.
أتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها وهى تستمع لحديثه والورم الموجود برأس زوجها فقالت بتلعثم:
- الورم دا ظهر فجأة، غفران مشتكاش من أى حاجة.
نظر الطبيب إلى وجهها هى و"عُمر" الذي يقف صامتًا بهدوء فى حالة من الصدمة وقال:
- لا، مستحيل يكون ظهر فجأة، منطقة التلفيف المغزلي متضررًا بشكل جامد جدًا.
- يعنى أى أنا مش فاهمة حاجة.
قالتها بعيني باكية وصدمة تحتلها مما تسمعه.
فقال الطبيب بحزم:
- منطقة التلفيف المغزلى دى مسئولة عن التعرف على الوجوه وكونها مُتضررًا بالشكل دا عند غفران بيه يعنى أنه عنده عمي وجوه ومستحيل يكون قادر على التعرف على وجوه الأشخاص الموجودين قصاده.
أتسعت عيني "قُسم" على مصراعيها من هول الصدمة التى حلت بها وهى لا تستوعب ما تسمعه عنه وكيف يكون مُصاب بهذا المرض العجيب.
زاد الصدمة صوت "نورهان" التى تلعثمت فى الحديث قائلة:
- أنت بتقول أي؟
ألتف "عُمر" إليها بصدمة أكبر من قدومها وكيف سيواجه "غفران" الآن بعد كشف سره الوحيد.
انهارت "قُسم" من البكاء وجلست "نورهان" تستمع إلى تشخيص الطبيب إلى مرض أبنها فنظرت إلى "عٌمر" بغضب سافر من إخفاء مرض أبنها عليها.
كان "عُمر" مرعوبًا من معرفتها بسر "غفران" فربما يتخطي عن معرفة "قُسم" لكن "نورهان" التى تسببت له بهذا المرض فبالنسبة إلى "غفران" يعرف العالم أجمع عن مرضه لكن "نورهان" والدته لا، كيف ستحمل عواقب ما حدث عندما يستعد "غفران" وعيه.