الفصل 11 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
23
كلمة
7,856
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

قد وهن العظم منها واشتعل الرأس شيبًا، بعدما مرضت بداء السكر حزنًا وكمدًا. بعد تكدر قلبها مباشرةً، راحت تلهو مع حفيدها الأصغر والأحب لقلبها. وللصدق كلهم لديهم محبةٌ خاصة بقلبها، لكن هذا الصغير شيءٌ آخر للغاية. ربما لأن اسمه على اسم العزيز؟ أم لعجبها من نفسه؟ فهو راجح العقل للغاية، يبدو أكبر من سنه. قاموا بتدريبه فنون الدفاع عن النفس، وللعجب تعلم دون أدنى محاولة مرةٌ ثانية. في كل مرة يثير دهشتها وحبها وعجبها.

تمتم الصغير يوسف متسائلًا بسؤم: -يعني مش هتحكيلي اروى فين؟ رفعت لمار حاجبها تُردد في دهشة وهي تهزه من مقدمة ملابسه: -ولا صوتك بيعلى عليَّ ليه؟ دا انا محدش بيقدر يعملها غيرك، كله كان اول ما يشوفني يخاف. نفض ياقة قميصه منها وهو يعتدل في خيلاء مرددًا: -هو انا اي حد؟ أنا يوسف الشرقاوي. وراح يلامس باعتزاز على مؤخرة شعره في كبرياء. لتنخرط لمار في نوبة ضحك جعلتها تسعل. ما هذا؟

الاسم والشبه والطباع هذا غير ممكن، كأن نسخة مصغرة من أخيها أمامها. يا الله من عوضك كم جميل! غابت بسمتها بغتة وهي تحيد ببصرها نحو إطار صورة معلقة بغرفتها أمام فراشها لأخيها الحبيب ورفيقة البسمة السعيدة تزين ثغورهم وأعينهم بدت لامعة سعيدة مشرقة. وأخذت تتأملهما بعينان حزينتان مشتاقتان قتلهما الحنين وأطفأ بهجتهم. أطرقت بذكرى حزينة حيثُ لم يغب أشهر على موت أخيها ولحق به صديقه.. صديق حياته ويبدو أنه رفيق جنته إن شاء الله.

زهد في الحياة دون شطر قلبه فـ زهدت فيه.

وقف خلف نافذة غرفته.. يُطالعها بذات الشغف ككل يوم وهي ترسم إحدى لوحاتها. يحفظ حركاتها عن ظهر قلب، ويحفر في قلبه طريقة رسمها بكفها الرقيق وهي تسير بخفة على اللوحة أمامها. أعتاد أن يصحو باكرًا لأجلها فقط. منذُ بدأت تجلس بالحديقة والأدوات حولها وترسم في جوٍ هادئ لطيف. تشد الشال على كتفيها تصمت ساهمة ساكنة عن الحركة تتأمل لوحتها بعينان شاخصتان تتخيل الرسمة في ذهنها قبلًا، قبل ان تترك يداها لتبدع. ربما أتخذت من الفرش والتلوين ملاذًا لتخرج به ما بجعبتها؟

لم يمض طويلًا حين نظرت لساعة معصمها لتقف تلملم أشياءها على عجل وتدلف. فـ أستدار هو ليستعد ليذهب خلفها. كم حال دون ان تدرك أنه يتبعها إلى مقر المركز الخاص لذو الاحتياجات الخاصة. ربما تجد سجيتها بينهم، تجد عالمها وأن ثمة من يفهمها وتفهمه بيسر دون عُسر! هبط الدرج سريعًا وهو يرتدي جاكته على عجل. وأوقف سيارة أجرى وتبعها. ولم يغادر حتى اطمئن أنها دخلت للمبنى.

قاد مجددًا ليذهب لصديقه الذي سيقابله في الجامعة. لم تكن بعيدة عن مقر المركز التي به. وقبل أن يهبط من سيارته التي صفها، اغمض عينيه مستحضرًا صورتها في إنتشاء لتغمره الراحة غمرًا... وكذا السعادة. ضحك فجأة متذكرًا حين كانت صغيرة وتأتي إليه راكضة متذمرة تدب الأرض بقدميها تبكي بصمت وهي تخبره أن يخبر من تحادثه بما تريده. كان الوحيد الذي يفهمها.. يفهم إشارتها ولغتها. هل كان الحب هو من جعله هكذا؟

منذُ ذاك الحين وهو يشعر انه مسئول عنها. لقد بات مغرمًا بها وحسم الأمر. أسرت قلبه وصار جزءٌ منه غائبًا لديها فقط. خرج من السيارة وتوجه لداخل الكلية. ليطلب منه صديقه المكوث مع الطلبة حتى يعود فورًا لأمر هام. وقف أمام الطلبة شباب وفتيات وعرف عن نفسه وحكاهم بإيجاز نبذة عن المادة، قبل ان ينصرف. وما لبث ان عاد بصندوق صغير وضعه امامه مسندًا كفيه عليه وهو يردد: -يقول رسولنا الحبيب، صلوا عليه قبلًا.

صلوا الجميع على الحبيب، فأستطرد معاذ قائلًا: -أن الصدقة تغفر الذنوب وتطفئ الخطيئة. تقطر الدهش في اعين الطلاب الذين جحدوه بأستغراب، لا يدركون ما دخل الصدقة في مادتهم. بينما تابع معاذ في تفهم وقد قرأ صفح وجوههم: -هذا الصندوق احضرته اليوم معي صدفة لم تكن محددة، خطرت لي الفكرة الآن، عله يكون لنا جميعًا نجاة من النار. علكم تتسألون ما الذي أقوله. معكم حق! هذا لا يخص المادة في شيء لأنها أهم ربما بالقدر الكافي.

صمت هنيهة وتابع وهو يجوب بعيناه في وجوههم: -اتدرون أن للصدق باب للمتصدقين فقط؟ وأضاف يجب نفسه وقد بدأ يتحرك تجاههم: -باب ينادى منه فقط المتصدقين، تخيل ان تقف يوم القيامة فتسمع اسمك بغتة وتدخل في زمرة المتصدقين الجنة من باب الصدقات. لماذا نتصدق؟

نتصدق حتى يغفر الله لنا. كي يُشفى مرضانا ونتقرب إلى الله حتى ندخل من بابه متهللين الوجه سعداء القريرة من النجاة من النار، ربما كانت صدقتك التي تستهين بها هي نجاتك من جهنم ولا تدري. فـ الرسول قال (اتقوا النار ولو بشق تمرة) حل عقدة كفيه من خلف ظهره وهو يعود واقفًا خلف الصندوق مغمغمًا في أمل:

-سيبقى هذا الصندوق هنا لآخر السنة، كل يومًا سنضع به ما تيسر لنا لتحل علينا البركة وتنفرج همومنا، وسنتبرع به لإحدى المستشفيات. وسأخبر محمود بهذا. رفع رأسه إليهم سائلًا: -هل أحد عنده سؤال لهذا الأمر؟ هز الجميع رؤسهم بتأثر وبدأ الجميع يقف ليضع به ما تيسر له واولهم فعل معاذ متمنيًا ان تكن ملك من نصيبه.

لم يلبث طويلًا بعد عودة رفيقه، ولم يطل حديثهم وخرج مسرعًا إلى الشركة التي يعمل بها وكذلك حبيبته. أنطلق بسرعة حتى وقف أمام بناء شاهق الطول، يحيط به الزجاج، وترجل في رزانة وهو يحث الخطى للداخل. ساقته قدماه إلى مكتبها. كانت منهمكة في الكتابة على الحاسوب، حين فوجئت به أمامها يقول: -ملك! أنتِ جيتِ؟ نظرت تجاه وجهه محركها أناملها بعلامة «أنت شايف مين قدامك يا بني.. أيوه جيت». قال معاذ باسمًا بتحرج: -مش قصدي كنت بطمن عليكِ.

في حياء هزت ملك رأسها وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل وهي مطرقة وقد علا وجيب قلبها. فتأملها لدقيقة قبل أن يتنحنح قائلًا بارتباك: -مروحتيش الكلية انهاردة؟ هزت رأسها نفيًا دون ان تلتفت له، فسئل بأهتمام: -هتخلصي تدريبك امتى؟ هزت رأسها مجددًا. فنفخ قائلًا في ضيق: -ملك اطلبي نقلك من الشركة دي؟ رفعت رأسها إليه في حدة، وعينان تشعان غضبًا ليبرر قائلًا برفق: -بقولك كدا عشان خايف عليكِ.

ضيقت عينيها تشير إليه وقد بدت الحيرة على ملامحها «من أي؟ قطب معاذ حاجباه قليلًا مفكرًا فما الذي سيقوله لها عن مدير هذه الشركة وانه يخشى عليها منه. تنهد في ثقل ثم أرتسمت بسمة مطمئنة على محياه بثت الأمان في فؤادها وردد في ثقة: -تشغليش بالك أنا هنا.

أستدار ليغادر إلى مكتبه فأرتطم بتلك اللزجة، لا يحبذها ولا يحبذ هذا النوع من الفتيات. كم راودته عن نفسه واستعملت تلك الفتاة لعوب بدرجة تخيفة لكنه قادر على صدها في كل مرة. غض الطرف عنها سريعًا وهو يتراجع للخلف في عنف وما همت بالأسف في دلال حتى أجتازها بخطوات سريعة جعلتها تشخص عيناها في صدمة. وهي تُردد: -دا تجاهلني!

رأت ملك كل ما دار أمام عيناها لكن لم يرف لها جفن، فهي تثق ثقة عمياء في معاذ لا يشوبها شائبة. وعادت بعيناها للحاسوب كأن شيئا لم يكن. في تلك اللحظة، رنت صديقة الفتاة التي ارتطمت في معاذ مغمغمة في تشفي: -دا تجاهلك يا سهيلة، أحسن ابعدي عنه عشان شكله مبيحبش غير ملك. استدارت لها سهيلة منفعلة وصاحت في غضب هادر: -بقولك أي شوفي شغلك، هيحب واحدة خرصة؟ ليه خلصت البنات من الدنيا؟

بعد إنتصاف النهار، وبينما هو في مكتبه إذ دخل زميلٌ ليه وأخبره بأن المدير أخذ ملك معه للإشراف على المبنى الذي يُعد. فوقف مصعوقًا كأنه يغلي كـ القدر الذي بداخله ماء يُغلي. وسرعان ما تنبه ليجذب جاكته وهاتفه ويسرع ركضًا للخارج بعد ما طلب من صديقه تولي أمره في غيابه.

أنطلق بسيارته في سرعة فائقة للمكان المنشود. وصل أمام بناء ما زال يُشيد والعاملين يتابعون عملهم في انتظام. طافت عيناه في المكان بدقة وحذر، فأبصرها تُكاد تُرى من بين الرجلين الذين يقفون وأجسادهم تسترها لرفع وقصر قمتها. أبتسم بأرتياح لوهلة لم تبق طويلًا إذ تهجم وجهه واتسعت عيناه في خوف وركض بكل قوته تجاهها. على غفلة كانت يد قوية تدفعها بحدة لتسقط أرضًا.

خرجت من الشقة وهي تعدل عويناتها على أرنبة أنفها. وانتفضت فجأة مستديرة بحركة مفاجأة، على صوت مالك الذي تعالت ضحكاته في مرح. وحرك كتفيه متنحنحًا وهو يرى وجومها وغمغم: -لمياء.. كنت بهزر يا بت اتخضتي ليه كدا؟ رمته بنظرة غاضبة وردت بصوتٍ قوي النبرات لا يوحي للأنوثة بشيء: -أنت شفتني بنت أختك ولا حاجة عشان تخضني؟ قطب مالك حاجباه في غيظ وتمتم بصوت مختنق: -لا يا عم عبد السميع.

قالها وهبط الدرج راكضًا حتى لا ينال صوتها الطليق. لتدب الأرض بقدميها تتبرم في تذمر: -أنا عبد السميع؟ ليه هو مش شايف الحلاوة الأعمى ده؟ أنهى درجات الدرج برشاقة وما زالت الضحكة تظلله. أبصر لمار جالسة فتوجه لها مطوقًا عنقها من خلف المقعد، وقال: -لمورتي عاملة إيه.. وحشاني يا تيتا والله! لمست لمار على ذراعه في حنان وهي تجيبه: -بخير يا حبيبي طالما انتوا بخير! رايح فين كدا؟ لثم جبهتها، وقال:

-المشفى يا حبي يعني هكون رايح فين؟ خبطته لمار في كتفه. تفاجأ فجأة بمنشفة تضرب وجهه وصوت لمياء يصدح في ظفر وهي تتخصر: -مش أنا عبد السميع؟ فـ اشرب بقا يا مالك. لوت فمها وهي تتخطاه في عصبية وتذمر كالأطفال. فـ ارتفعت ضحكاته وهي يضرب كف بكف متمتمًا في بلاهة: -وحياة عمي زحلف أنتِ عم عبد السميع فعلاً. أكذب يعني؟

تعمد علو صوته في آخر عبارته، واختلس نظرة فيما وراءه فوجدها ترفع كفها لتقذفه بمظهرية هذه المرة. فصرخ منفزعًا وهو يستتر منها في لمار. وقف حمزة بعد ساعة من مجيئه إلى الفندق برفقة أروى التي كانت تنتظره. فأشار لها لتتبعه إلى موظف الاستقبال. فمال حمزة إلى الشاب الذي استقبلهما باسمًا مرحبًا، وسئله فجأة: -هل ممكن ان تتصل بغرفة صديقي كريم عبد الله أنه يقيم هُنا؟

لم يخف على حمزة ارتجاف الشاب والزعر الذي تجلى عليه وقال متعلثمًا: -من.. من كريم عبد الله.. بيس لدينا نزيل بهذا الاسم؟ تظاهر حمزة بالتفاجؤ وهو يقول في دهشة: -اوه حقًا.. كيف هذا؟ أنا متأكد أنه هُنا لقد أخبرني بنفسه، لكنه للأسف لا يجيب على اتصالاتي في هذا الوقت! تحمحم الشاب، وقال بوجهًا شاحب: -لا أدري لكنه ليس هنا! خبط حمزة بقبضته على المكتب صائحًا في غضب: -كيف ليس هنا يا هذا؟ هل تود إصابتي بالجنون؟ أين كريم عبد الله؟

تعمد علو صوته وهو يلفظ اسم رفيقه، جذب دفتر المدون بها الأسماء من أمام الشاب الذي تفاجأ وهو يقول هادرًا: -سأرى بنفسي إن كان هنا أو لا. ما كاد يفتحه إذ انتشله الشاب سريعًا وقال في نبرة يشوبها الحدة: -لا تفعل سيد حمزة هذا غير لائق، كم أنك تضع عملي في موقف حرج! رماه حمزة بنظرة متوعدة وهو يغادر صائحًا: -سأجده يا هذا كريم عبد الله هنا. لاح شبه ابتسامة على شفتيه وهو يرمق الشاب في طرف خفي وهو يسرع مجريًا اتصال.

صعدا إلى جناحهما، كانت الأفكار تتوافد على ذهنها لا تدرك ما الذي يفعله حمزة بالضبط. رفعت رأسها إليه بينما كان يتحرك أمامها ذهابًا وإيابًا في صورة سفرت أنه يفكر. قطعت أفكاره وهي تسأله في لهجة حائرة: -حمزة... أنا مش فاهمة حاجة ليه عملت كدا تحت؟ ابتسم ساخرًا ورد في تهكم بين: -حبيت ألعب.. يعني أكون عملت كدا ليه؟ ترقرقت دمعة في عينيها ونكست رأسها. وسكنها الحرج للحظات قبل ان يجلس أمامها ويتنهد في صوت مسموع وقال

برفق راق لها وطابت نفسها: -معلش يا أروى أنا مخنوق شوية أعذريني! دماغي فيها مليون حاجة وبفكر. رمقته بنظرة سريعة قبل ان تغض الطرف عنه. فقال حمزة بنبرة جادة: -اسمعيني كويس.. الموظف ده بيخفي حاجة. قاطعته صائحة وهي تهب واقفة: -عرفت ازاي؟ وليه مقبضناش عليه؟ مسح وجهه في عنف بكفه وطلب منها ان تجلس بعد ما سيطر على انفعاله. وأستطرد من بين أسنانه: -متقطعينش يا أروى لو سمحتِ. أومأت وهي تنصت في اهتمام، فتابع وهو يميل للأمام:

-بما ان الموظف ارتبك أول ما سمع اسم كريم يبقى يعرف حاجة ومش بعيد يكون مشترك مع الخاطفين. قبل ان يتابع كلامه معها أستمعا طرقًا على الباب، فضيق حاجباه وهو يقترب من الباب متسائلًا: -من؟ -خدمة الفندق يا فندم. فتح حمزة الباب، فتفاجأ بهذا العميل يدفعه بحدة ويغلق الباب خلفه مشهرًا سلاحه في وجهه. تقهقر حمزة للخلف رافعًا ذراعاه فوق رأسه. واتسعت حدقتا أروى رعبًا وهي تحدق في السلاح المصوب نحوهما. تبادلت نظرة سريعة مع حمزة،

قبل أن يسئل الرجل في غلظة: -من أنتما؟ ومن أرسلكم؟ هل أنتم من المخابرات؟ تقدم حمزة إليه حتى باتت فوهة السلاح ذا الكاتم للصوت ملتصقة بصدره، وحدق في عين الرجل وهو يسئل في لهجة تخلع القلوب من شدتها: -أين أخفيتم كريم يا هذا؟ أين مكانه؟ زاغت عينا الرجل قليلًا وأرتجفت كفه وهو ينظر له في تزحزح وقد دب الرعب في أوصاله: -من كريم عبد الله يا هذا وما دخلك به؟

رفع في بسمة ماكرة فوهة السلاح لجبهة حمزة الساكن، بينما شهقت أروى كاتمة فمها، وسحبت أنفاسها حين غمغم الرجل بصوت أجش: -سلام أيها الرجل كنت أتمنى أن يطول الوقت معك. -أوه ما هذا.. سحقًا يا رجل! قالها حمزة وعيناه معلقة فيما خلف الرجل الذي ألتفت ليرى فركل حمزة السلاح ليسقط من يده، وباغته بلكمة أطاحت فكه أعقبها بأخرى في معدته ودفعه إلى الجدار جعلته يخر أرضًا. تناول السلاح وصوبه نحوه وهمس في برود: -ما رأيك الآن يا هذا؟

كان يجب أن تطلق النار فورًا! والآن ام ان تخبرني أين كريم أم ودع حياتك. قال الرجل وهو يرتعد خوفًا: -لن تفعلها.. مستحيل ماذا ستخبر إدارة الشركة والشرطة! هز حمزة كتفاه في بساطة، وقال: -لا شيء، كنت ادافع عن نفسي وعن زوجتي! وقعت الكلمة على قلب أروى صادمة.. سعيدة و وقرت به، وتبسمت في استحياء ما أن دار بخلدها في غير أوانه أنها ترتدي فستانًا أبيض وتزف إليه. تنهدت حالمة وأجفلت على صوت حمزة: -أروى.. أروى.

نظرت له في دهشة كأنها تنبهت أين هي واشار لها أن توثق الرجل بحبل في حقيبته، وانصاعت فورًا تنفذ، قبل ان يهتف على عجل وهو يحثها على تتبعه: -امشي بسرعة. لم يجد المصعد فأضطرا أن يهبطا الدرج ركضًا، واثناء نزولهما برز رجلين واخرجا أسلحتهما في وجوههما. ارتعدت أروى وهي تتراجع وفجأة صرخت في حمزة: -أنا مش عايزة أموت أنا لسه صغيرة يا ربي أي اللي وقعني معاك أنا يا فاشل.

حدجها بنظرة غاضبة جعلت انظار الشابان تنحرفان عليها، فأسرع بلطم أحدها بالحقيبة في وجهه ثم انهال عليه لكمًا. واشتد بينهما الاشتباك إذ دفعه الشاب ليترنح للخلف والتحما فجأة بالأيدي فوق بعضهما على الأرض. دفعه حمزة من فوقه وقفز ببراعة واثبًا، فهجم عليه الشاب بلكمة تفاداها حمزة وهو ينحني بمهارة ثم رفعه في الهواء بذراعيه والقاه أرضًا.

في أوان ذلك تراجعت أروى للخلف مرتعدة وهي تتفحص ذو الهيئة الضخمة التي تزيدها أضعاف وبدأت ترتجف وهي على وشك البكاء. تنادي بهمس على حمزة كأنها تخشى أن يصل صوتها لذاك السمين الباسم في خبث، كأنه مستمتع برعبها ويحلو له ذلك. أستطاعت الإفلات منه قبل ان يسدد لها لكمة، فضربت قدمها في قدمه وسددت له لكمة في معدته لم تؤثر به البتًا، لكنه استشاط غضبًا فرفع كفه ولكمها بقوة جوار عينيها جعلها تصرخ وهي تندفع على الحائط من إثر اللكمة. هم الرجل أن يندفع إليها مجددًا، لكن قبضة قوية من الخلف جذبته من ملابسه وهوت به أرضًا. وكـ طلقة مدفع انطلق حمزة عليه بلا هوادة يضربه في غل مغمغمًا:

-قاتل رجل في قوتك يا هذا ولا تتفاخر! تناهى له وقع أقدام وتجمع الناس مزهولين حول ما يحدث ليجذب كف أروى على غفلة وأسرع هربًا من المكان. في بهو الفندق وجد الشرطة قد وصلت فوقف مكانه، واقبل عليهما الضابط وتساءل: -ما الذي يحدث هنا سيد حمزة؟ -أنتم من ستخبروني ما الذي يحدث هنا؟ احتدمت نبرة حمزة وقال منفعلًا: -لقد كدت أخسر حياتي وأخسر زوجتي لقد تأذت انظر، ولن أسكت على هذا!

تبسمت من وقع الكلمة رغم ألمها، وأغمضت عيناها متمنية. في حيث أتى مدير المشفى واعتذر لهم وعهدهما أنه سيهتم بهذا الأمر ولن يحدث هذا مجددًا. مر كل هذا على مرأى من آجار الواقف يشاهد في ملل، ولاحت منه نظرة إلى أروى وتأملها قليلًا وهو يضع كفيه في جيبي سترته. بعد قليل كان يجلس أمام رجل طويل القامة أشيب الرأس نحيل الجسد، وغمغم في برود: -ولماذا أساعدك يا سفاح؟ أردف السفاح في ثقة وهو يميل للأمام ناظرًا في عمق عيناه:

-لن آخذ بثأري من قتلكم بأخي؟ ران الصمت فور انتهاء جملته عليهما، ثم تراجع آجار بظهره ورأسه منفجرًا في موجة من الضحك لم تدم طويلًا إذ غابت وأكفهر وجهه و وجم وهو يميل بدوره قائلًا في برود: -تريد أن تخبرني أن دم أخيك لا يعنيك؟ يا حسرتي كم أنا آسف على هذا، وهل تظن نفسك أخ؟ ما بك يا رجل قتلنا أخيك قم وقاتل وخذ حقه! نفى السفاح برأسه في بساطة وقال دون اكتراث: -لا يهم.. هل ستساعدني؟

تصنع آجار التفكير مليًا وهو يتجاهل تساءلت السفاح، ثم قال وه هو ينهض ويدور حوله: -ربما سأساعدك إذ... إذ وافقت أن تكون تحت طوعي تلبي ما أطلبه منك دون أدنى اعتراض! رد السفاح تلقائيًا: -أوافق.

غادرها حمزة بعد ما أخبره أن لديه مشوار هام و أن تنتظره ولا تفتح الباب لأي أحد. طرق الباب فجأة فـ انتفضت وهبت واقفة وهي تفرك كفها في قلق. لم يتوان الطرق بل زاد بخفوت وبقت هي على حالها لدقائق كانت تتقدم إلى الباب بقدمين مرتعشتين. قربت أذنها ترهف السمع وهي تتساءل عن هوية الطارق. لم يصل لها رد بل تجدد الطرق مع صوت خافت همس كأنه سيشي بسر خطير: -افتحي الباب يا سيدة سأخبرك بأمر هام بخصوص السيد حمزة.

فتحت الباب مسرعة دون تفكير متلهفة.. خائفة عليه. وفي لمح البصر كان يظهر آجار ونثر شيءٌ ما على وجهها لتقع للأمام فتلقفها ورفعها على كتفه وهو يتلفت حوله. عاد للجناح فلم يجدها، بحث فلا أثر. جن جنونه وأمسك في المدير وكاد ان يقتله وهو يسأل أين اختفت. فرغ الكاميرات لكن لا أثر لها لم تخرج حتى من الغرفة منذ دخلاها سويًا وتركها. بلغ القلق في نفسه إلى ذروته، وكاد يموت هلعًا. مادت به الأرض تحت قدميه.

رويدًا رويدًا بدأت تصحو وهي تفتح عيناها في وهن. دار بصرها في المكان بتفحص دقيق كانت غرفة منظمة فظلت مكانها حتى دلف إليها آجار. سرت في عروقها الرعب فـ جمده وازدردت لعابها وهي تنكمش على نفسها وتضمها بحماية. فـ أبتسم هو ساخرًا، وقال في برود: -لا تخافي يا روحي لن أؤذيكِ! مال إليها وأردف في همس رهيب: -أنتم من الاستخبارات المصرية، ما رأيك أن تدليني ببعض المعلومات وأتركك؟ تحلت بالشجاعة فجأة وبصقت في وجهه صائحةً فيه:

-اقتلني يا حقير لا أخون وطني! اعتدل في هدوء ماسحًا بمنديل ورقي وجهه، ورفع كفه يود صفعها ألا أنه تراجع قائلًا وهو يكور قبضته: -لحسن حظك أني لا أرفع يدي على امرأة مهما كانت. تحرك في الغرفة قليلًا حتى رد على اتصال جاءه وتهللت أساريره وقال لها في فرحة ضاحكًا: -سيموت رفيقك يا بنت.. سيموت متفجرًا؟

اتسعت حدقتاها صدمة وهي تندفع نحوه كالسهم امسكت ملابسه تصرخ فيه وتهدد فدفعها بحدة سقطت على أثرها واستدار مغادرًا وقد شعر بشوكة حادة توخز قلبه لم يدرك سببًا لها.

في ذاك الحين كان حمزة يقود سيارته. لمَ خرجت سيارة في موازته ظلت تقترب من سيارته عمدًا. حاول أن يتجاوزها لكن سائقها لم يسمح له، فلم تتسن له الفرصة أن يرى وجهه الملثم. حاول أن ينعطف يمينًا ويتخطاها لكنها أبت إلا أن تتركه. وعلى غرة فُتح نافذة السائق الذي كان يشد فتيل قنبلة يدوية بنظرة خبيثة وألقاها في سيارته. اتسعت عينا حمزة وحين كان يلقي القنيلة كانت يده تُسرع لتفتح الباب ويهوي بجسده للخارج قفز سريعًا معتدلًا وركض بكل قوته وهو يسب السيارة التي اندفعت مبتعدة، ودوى صوت الانفجار خلفه دويًا ارتجت له الأرض.

كان القلق ينهش قلب وعقل أروى. كانت خائفة للغاية أن يموت حمزة. قد قُتل.. قُتل؟ لا لا لن يموت ستبعد هذا الاحتمال تمامًا ولن يكون له أثر. لكن ماذا لو كان هذا الشخص صادقًا وأنهم قتلوه. أسبلت جفناها تكتم حزنها وقلقها وهي تدعو أن يكون بخير. تناهى لها طلق نار بالخارج كأن الحرب قائمة فتنبهت كل حواسها و وثب قلبها بترقب شديد.

بالخارج كان حمزة مستترًا خلف إحدى الحوائط يترصد لحارس المكان الذي به أروى بعدما أخبره مدير الشركة بمكانها بعد ما ضربه وهدده. ما أن أعطاه الحارس ظهره حتى انقض عليه مكممًا فمه.. مسيطرًا على حركته وكانت قبضته الأخرى تهوى بشدة فوق عنقه في مكان محدد ليسقط فاقد الوعي، فتناول مدفعه وسار بحذر شديد للداخل. رآه حارس آخر كان يسير فما هم برفع مدفعه حتى أصابته رصاصة حمزة الذي كان أسرع منه. صوت إطلاق النار جعل كل الرجال تتجمهر

يتلفتون حولهم بزعر، بينما توارى حمزة عن أعينهم متسلقًا السور وقف بطوله وأخذ يطلق عليهم بمهارة. قفز من فوق السور بحركة بارعة بعد ما فحص المكان بسرعة، وخطى للداخل ما كاد بتجاوز البوابة إذ دُفع للخلف بسبب ركلة قوية مفاجأة طرحته على ظهره وظهر آجار فجأة بوجه مخيف. قفز حمزة سريعًا وركل المدفع بعيدًا وتلاحما بالأيدي، كل منهم قد نال من الجروح ما يكفي في وجوههما، دفع آجار حمزة أرضًا وانقض عليه يشل حركته وراح كالمجنون يلكمه

بوحشية كأنه متغيب عن الوعي. غمغم حمزة

بصوت متحشرج مفعم بالألم: -أروى فين؟ رد آجار بتهكم: -من هذه؟ وخلال ذلك صدح صوت أروى وهي تدفع الباب من الداخل تنادي عليه بصراخ. فنهض آجار من فوقه وأستدار ببسمة مخيفة هامسًا بذات النبرة الساخرة: -لما لا نخرج رفيقتك لتشاهد موتك؟ أتجه وفتح الباب لتدفعه أروى مهرولة إلى حمزة الذي كاد يفقد وعيه من ذاك الدم السائل من خلف رأسه عندما باغته آجار بضربة مباغتة خائنة. أقترب آجار بقلب ميت وأشهر سلاحه لصدر حمزة مغمغمًا:

-ودعيه يا فتاة! دوى صوت الرصاصة أعقبها صمت.. مخيف.. مهيب طويل. قال جومالي أمرًا نجيب وهو يقول في صوت مهيب وهما في حديقة منزله: -اجهز يا نجيب يجب أن ننزل مصر لأمر مهم للغاية أمر شخصي، وربما انتقام شخصي لا بُد منه يجب أن أواجه لمار الشرقاوي. أومأ نجيب في احترام وهو يقف أمامه في كل أدب: -أمرك يا عمي كل شيء سيكون كما تريد؟ تبسم جومالي في ثقة وقال: -لم تخب ظني بك أبدًا يا نجيب. ثم بجدية تابع وهو يميل

للأمام بمرفقيه على فخذيه: -ننهي فقط الأعمال التي على عاتقنا ونشغل آراس حتى لا يدرك ونذهب، لكن احذر أن يعرف آراس أي شيء! عاد نجيب يومأ في ثقة وقال في تأكيد: -لا تخف يا عم آراس لن يعرف شيء. ما الذي يخطط له جومالي؟ ما الذي سيحدث لحمزة وأروى في جحر المافيا؟ خالد أين اختطف؟ حمزة وشيماء... أبناء أنس وسمر. أروى ويوسف... أبناء ياسين وسجى. خديجة وخالد... أبناء عمرو وورد. ملك ومالك... أبناء حذيفة وأسماء. لمياء ومعاذ...

أبناء عثمان ومكة. عاصم... ابن رحيم ووعد. دارين... بنت عائشة وزين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...