الفصل 12 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
16
كلمة
9,666
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

الحياة لا تعطينا كل ما نحتاج، ربما حفنة من السعادة والكثير من الأحزان. لن يرضى إلا من كان على يقين بالله أن بعد كل هذا البلاء عوضٌ جميل سينسينا مرارته.

البلاء يأتينا فجأة، نعم. ربما في فقدان عزيز، أو خسارة حبيب، أو خذلان من قريب. ربما في المال أو الأولاد، وربما مرض يطرحنا على الفراش لسنوات كثيرة. هنيئًا لمن علم أن الموت آتٍ، آتٍ لا محالة. وذاك اختبار نجاح وخسارة. إن نجحت فحبذا لك الجنة وطوبى لك. أما إن خسرت فياحسرة عليك وأسفي.

تنقلب حياتنا فجأة، كما انقلبت حياتي بغتة. لا بأس، لقد ران في قلبي فقدان الشغف، الأمل، والأهم هدفي. هدفي الذي لطالما سعيت لأجله كثيرًا. ها هو شخص واحد غريب يكدر حياتي ويسلبني أمني وأماني وهدوء حياتي. انتابني الهرب طبعًا، لكن كيف للمرء أن يهرب من أقداره.

كنت ما زلت أنتفض، ربما قلبي يرتجف وروحي باتت ذبيحة. أحس أني أحيا في كابوس، الرعب يحيطني من كل جانب. ما زال منظر ما رأيت يفجعني. حين أطلقت صرخة فزع وأنا أتقهقر للخلف وقد تجمد دمي في شراييني. ما هذا يا الله؟ منظر لم أتصور يومًا أن أراه حتى في أحلامي. رجال تتناثر فوق بعضها يغرقهم الدماء بشكل بشع. وددت لو اختفي. حملقت بهم وقد انخلع قلبي وتيبست قدماي وشلت أطرافي.

صرختي جعلته ينتبه فجأة. ركضًا واقفًا أمامي يحول بيني وبين ذاك المنظر. لم يتوقع أن منظرهم قبع في مقلتي وأبت أهدابي أن تبثقه. أغمض عينيه في عنف كأنه يعاتب نفسه على تركي لثوانٍ معدودة وحيدة. فتح جفنيه ببطء وهو يهمس بقلق لم أدري كنهه: "خديجة، أهدئي.. أهدئي فقط. تنفسي بانتظام. ليس هناك شيء مخيف، هذا لا شيء. فقط اهدئي.. تنفسي، هيا تنفسي."

بدأت أتنفس بهدوء كما قال. أبذل قصارى جهدي حتى أطرد ذاك المنظر من خيالي، لكنه ترك أثرًا بي. أثرًا مرعبًا مخيفًا. من كان يتخيل أن يحدث كل هذا؟ تلك كلها أمور مستترة في ضمير الغيب لا يعلمها إلا الله. خرجت معه من هذا الجانب وقد زادت شهقاتي دون دموع. بقيت الدموع عالقة في أهدابي وأبى كبريائي أن يحررها ويرى ضعفي. جلست محملقة في الفراغ. لم أستمع لكمة مما يرددها حتى ناولني كوبًا من الماء تجرعته برعشة.

بعد ما هدأت نفسي قليلًا، أودعني عند أخته ورحل. فجأة خيم علينا السكون مليًا دون أن يقطعه أحد. وأخيرًا تكلمت كـ المترددة: "خديجة.. هل أنتِ بخير؟ هززت رأسي دون أن أنبس. فوضعت كفها على منكبي واقتربت جالسة مني تكاد تلتصق بي وهمست بلطف وهي تمسد على ظهري بحنو: "أتمنى ذلك. ما رأيتيه ليس هينًا.. لكن اعتبري نفسك رأيتي مرضى حدث لهم حدث وتوفاهم الله! بالطبع الأمر ليس هينًا، ومن يظنه هين؟

أنا الآن في جحر مجموعة من المافيا أسرتني قسرًا لأنقذ لهم أخيهم. ولا أدري ماذا سيكون مصيري معهم. هل سيتركوني؟ لا أظن ذلك بتاتًا. أفقت من شرودي حين قالت تطمئني كأني صفحة مقرؤة أمامها: "سترحلين من هنا، أعدك. ستتابعين حياتك أيضًا وستنسين كل ما مررتِ به." قلت فجأة خاطر يخيفني: "وماذا لو مات آجار هذا؟ هل سأرحل؟

لم أتمم عبارتي حيث انتابها سعال فجأة أفزعني. وما إن هدأ حتى بدأت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي تلهث بشدة. فهلعت وأنا أنتصب واقفة لوهلة. لم أعرف ما عليّ فعله، كأني نسيت أني طبيبة. سرعان ما بدأت أعاونها على تكوير قبضة يدها وتقريبها من فمها. وسألتها سريعًا عن بخاختها فهي تبدو مريضة ربو. أشارت لي على حقيبة يد فأفرغت ما فيها وبت أُقلب محتوياتها حتى وجدتها وأعطيتها لها. دقائق وبدأت تعود لطبيعتها لكنها كانت ساهمة. وخُيل لي أنها دامعة العينين. فجلست بجوارها وكـ طبيعة قلبي بدأت أمسح على خصلاتها بحنو. حتى وإن كانت شخصًا غريبًا، يستحوذني شعور أنها لطيفة السيرة.

"أنتِ تخافين أن تفقدي آجار." عُلق سؤالي بالهواء واعتقدت أنها لن تجيب، لكنها قالت بعد برهة: "بل.. أخشى أن أخسر أحدهم. إن كان آجار أو أراس أو أبى أو أخي آركان الذي غادرنا! "هل لديكم أخ آخر؟ هل مات؟ قالت ببسمة بها مرارة وهي تهز رأسها: "لا، لم يمت. لكنه بعيد للغاية وقريب أيضًا. أقرب قريب ربما.. لكنه تركنا نعيش بمفرده لا نعلم عنه شيء." "لماذا يعيش بمفرده؟ لِمَ ليس معكم يا هنا؟ نظرت في عيني وهي تبوح:

"أخي يعمل في الاستخبارات، أي أنه كان. لأنه انفصل من عمله.. لم يرد العيش مع.." تبسمت هازئة وأضافت: "مع أناس يسفكون الدماء يعملون في السلاح! ضيقت عينيها لوهلة وتابعت وكأن هم الحياة بات يحملها على منكبيها: "أخي آركان أقوانا وأطيب منا جميعًا. دائمًا ما كنت أحسه أبي وليس أخي.. أتعلمين؟ كادت أن تجهش في البكاء لكنها تماسكت وتابعت وهي تشير لي بالبخاخة التي ما زالت تقبع في قبضتها:

"هذه أول مرة تنتابني الحالة وأجد أحدًا بجواري قلقًا متلهفًا لنجاتي! "أليس لديك أحد اخت أو أم مثلًا؟ "بلا، معي أم وليس لدي أخت. لكن في أحيان كثيرة أود أن تكون عائلتي كلها بجواري. لا لشيء إلا أنهم خائفون عليّ. أود أن أتذوق طعم العائلة حين تكون بالقرب بقلب نقي. حين كنت أذهب للمشفى ليس معي أحد بالطبع. إخوتي وأبي في أعمالهم وأمي في البيت. كنت أشعر بالخنقة وأحسد المريض الذي تجتمع حوله كل عائلته."

رق قلبي لحالها وتخيلت لوهلة حياتي دون عائلتي. يا الله أنا لا شيء دونها، أنا صفر ليس له وجود. فحمدت الله كثيرًا ولهج قلبي بشكره. فجأة استمعنا لطلق نار، ففزعت ودب الهلع روعي. بينما هي تبسمت بمرح وانحنت فجأة لتنهض بمسدسين. ودون أن تلتفت إلي قالت: "ادخلي عند آجار يا خديجة ولا تخرجي!

كدت أن أرفض تركها بمفردها، لكن ضرب النار أنهال علينا فجأة فدفعتني تجاه الغرفة حتى أغلقتها عليّ. وقفزت سريعًا خلف إحدى النوافذ وبدأت تطلق عليهم بمهارة أدهشتني. كنت أراقبها من خلف الزجاج. فـ الداخل، أنين خافت جذب انتباهي. فـ التفت فوجدته آجار بدأ يفيق. هرولت نحوه ورحت أُفحصه بينما تساءل هو قاطبًا حاجبيه: "من أنتِ؟ "الطبيبة خديجة." قلتها وأنا ما زلت أُفحصه فسكن لثوانٍ قبل أن يقول فزعًا ما أن تنبه لطلق النار بالخارج:

"ماذا يحدث؟ أجبته: "لا أدري. هجم رجال على المكان وهنا بالخارج! ضيّق عينيه وهو يسأل بقلق: "بمفردها؟ هززت رأسي فكاد ينهض متلهفًا قلقًا لكنه سقط مكانه من أثر الدوار. وساندته سريعًا وأنا أقول على عجل: "ابقَ مكانك، أين تذهب؟ ما زال جرحك لم يلتئم! حاول النهوض مجددًا وقال: "لا، يجب أن أخرج. لن أتركها بمفردها." ثبته من كتفيه هادرةً فيه: "لا تتحرك يا بُني، ما بك؟ أنا طبيبتك وهذا أمر. سمعت؟

قلتها في عصبية، وعجبي حين أغلق عينيه كأنه مستمع بتعنيفي وامتثل لكلامي. فُتح الباب وقالت هنا من خلفي: "خديجة.. أنتما بخير! أومأت برأسي وخرجت وراءها بعدما أمرت آجار ألا ينهض من مكانه. فبطاعة أدهشتني هز رأسه في خفوت وهو مغلق العينين في إرهاق. بالخارج ثمة رجال ينقلون الجثث. لماذا أشعر أني اعتدت الأمر؟ وكان أراس يقف مواجهًا لرجل آخر يبدو كبيرًا في العمر، ربما قرب عمر ياسين وعثمان!

حاولت أن أستشف ما يقولون لكن لم أستطع. نادتني هنا فجلست بجوارها. فبت قريبة منهما وصلني صوتهم! "لا تخبرني أنك حقًا تخاف أن يصيبه أذى؟ " قالها أراس بعينين تطلق شرار. فرد عليه الآخر في نبرة هادئة: "هل تسأل أب إذا كان قلقًا على ابنه أم لأ؟ قال أراس في تهكم: "أبيه؟ أين هذا الأب؟ لا أرى! كاد الآخر أن يتجاوزه ليمر، وقال: "آراس، اتركني. أريد أن أطمئن على ابني! دفعه أراس للخلف غير عابئ بكبر سنه وغمغم في حدة:

"لن تراه يا هذا.. ارحل يا ماهر من هنا وكن بعيدًا عنه، وإلا أقسم لك بأني سأجعلك تتمنى الموت ولن تجده! أطبق ماهر أهدابه محاولًا مسك أعصابه وقال: "آراس، سأراه وأرحل! ولن آتي مجددًا؟ لم ينتظر الرد وإنما اندفع للداخل، لكنه تصنم حين سأله أراس في غموض: "هل يعرف آجار أنك لست أباه؟ استدار ماهر في تؤدة وقال بتروّ: "يعلم.. يعلم يا آراس، كل شيء." همس أراس بجوار أذنه بلهجة كالفحيح: "إذن لا تقترب منه يا هذا."

جز ماهر على أسنانه وقال: "آجار يتيم يا آراس. أنا جئت به من الملجأ." أشار له أراس بـ ازدراء ليطمئن على آجار.

لم أُكث طويلًا معهم. عودة مجددًا لحياتي، وكأن شيئًا لم يكن. لكن بداخلي ظل أثر كل شيء قابعًا في حناياي. لم يظهر أي منهم أمامي مجددًا، لكن دائمًا كنت أشعر بشبح يلاحقني أينما ذهبت. من السكن للمشفى والعكس. حتى انتهت فترة تدريبي وعدت إلى أهلي ووطني التي لا أحس إلا بالأمان فيها. لم أروِ لأحد شيئًا مما حدث، وبات كل ما حدث في نفسي كأنه خيالي لم يعد له أثر.

حتى ذاك اليوم الكئيب الحزين الذي تحطمت فيه كل أحلامي وتكسر فيه قلبي وتفطر، وتصدعت روحي. أعجب بي شاب طبيب كان في ذات القسم الذي أعمل به. حاول أكثر من مرة محادثتي لكني كنت أصده وأتجاهله. وسرى في نفسي شيء لطيف لم أعشه قبلًا. هذه أول مرة يهتم بي شاب. يعلم الله أني كنت أغض البصر دائمًا وأحافظ على قلبي.

جاء لخطبتي ووافقت. وكان متعجلًا لزفافه بحجة أنه حصل على وظيفة بمرتب مجزي بإحدى البلدان. كان فقط شهرًا. شهر لم نتحادث ولم نتقابل. وإن جاء لبيتنا كان معنا أخي خالد أو أبي، وكان نقابي يسترني دائمًا. وكانت كلماتنا مقتضبة مختصرة. وأقترب يوم الزفاف. كان ثمة وخزة في قلبي غريبة لم تنتابني قبلًا، كأنها تحذرني من حدث مجهول سيحدث. ولكني فسرتها بأنه قلق فقط.

كان الجميع يجهز للعرس، الكل على قدم وساق. كان الشباب يهتمون بالزينة وأجواء الحفل برمته. وكانت فرحتي في أوجها، وخاصة حين عاهدني أننا سنحج قريبًا. كان شابًا مهذبًا وخلوقًا جميل الطلعة مرح النفس. لكن.. منظر المرء أحيانًا يكون مرآة تعكس ما بداخله. فخلف المظاهر الحسنة تقبع النفوس الخبيثة. وليس كل جميل جميل السيرة، ربما مجرد مظهر فقط.

كان يقترب الوقت وتزداد دقات قلبي وتوتري. فستان الزفاف الأبيض، كنت أطل منه كالبدر في ليلته. بينما نقابي زادني جمالًا وكأني كوكب دري طلع في ليلة من ليالي الدجى. بكاء والدتي والفتيات الممزوج بالفرح حطم قلبي ولم أتخيل أني سأغادر وأتركهم.

كان كتب الكتاب والزفاف في يوم واحد. انقطعت الأنوار فجأة بعد انتهائي من الزينة وصرت جاهزة. فخرجوا جميعًا ليروا ما حدث، ورحل الفتيات. منهم من ذهب للمساعدة ومنهم ومنهم من تركني ليعلم متى سيكتبون الكتاب. ظللت أذكر الله وأنا أفرك في أصابعي حتى شهقت فجأة صارخة وأنا أتوثب حين لاح لي شبح رجل يلج من الباب. كدت أرتعش ولا أرى أي بصيص نور بينما الشبح يتقدم حتى أصبح قريبًا مني. يا إلهي، إنه هو (آراس) . ما الذي أتى به؟

ظلام.. ظلام حالك ابتلعني بغتة. وكان آخر ما رأيته وجهه. وآخر ما التقطته أذناي كان صوته الغاضب: "لن تكوني لغيري يا خديجة... "العروسة اختفت." "اختفت إزاي، راحت فين؟ "دي أكيد هربت يا أختي، بنات آخر زمان. يمكن هربت مع واحد." "أكيد غلطت مع واحد فـ هربت من الفضيحة." سرى الهمز واللمز بين المعازيم كالنار في الهشيم ما أن علموا باختفاء خديجة المفاجئ. كان العريس لم يعرف بعد؟ ولم يأت بعد.

البشر دائمًا هكذا، يقولون ما يحلو لهم ويحملون وزرًا دون أن يعرفوا السبب، دون أن يذكروا ما يحدث. يحيكون قصصًا من عقولهم وينشرونها على هواهم وكما يحلو لهم يخوضون أعراض الناس دون اهتمام. يجرحون، يُوجعون دون أهمية دون حساب دون شفقة. بعض الناس قلوبهم كالصخر أو أشد قسوة. لا يعلمون معنى الرحمة. ها هم الآن لم يصمت الجميع إلا حين هدرت لمار بصوتها المهيب فغشاهم الصمت والسكون. عاد الجميع للبحث عن خديجة، وفجأة طُلّت. من أين؟

وأين كانت؟

لا أحد يدري. علا الدف من حولها وهي تهبط الدرج متأبطة ذراع عمرو ذو الثغر الباسم والوجه المشرق. أجلسها برفق وتجمع حولها الفتيات. واقترب عمرو من العريس بجوار المأذون. وعُقدت أفواه المعازيم في حرج بيّن. ما أن المأذون أن يبدأ وإذ بالعريس ينهض ضاحكًا في هستيريا وهو يقلب كفيه. تعلقت أعين الجميع عليه في صدمة وبهت شديد. هدأت نوبة الضحك التي انتابته وأرتكن على المقعد يجول بعينيه في الوجوه حتى استقرت على خديجة الساكنة في هدوء مبهم. وكتم ضحكه كادت أن تفلت منه. وران ببصره على وجه عمرو الواقف يطالعه في زهول والصدمة تطل من عيناه.

وأردف في تهكم: "معلش يا عمي، أنا آسف." كتم بسمة هازئة وهو يضيف: "هو أنت فكرة إني ممكن أتزوج بنتك المعقدة دي؟ وأشار بسبابته على خديجة. كور عمرو قبضته. وتحرك خالد وقد فار غضبًا لولا أن لمار جذبتة من ذراعه فبقى في مكانه. تحفز الشباب جميعهم في غضب. في حين راح (طارق) العريس يدور بينهم وهو يقول في تهكم ممزوج بالسخط:

"يا جماعة أنا مستحيل أتزوج بواحدة زي خديجة، ده كان رهان وربحته. واحدة معقدة، كلام لأ، خروج لأ، تكلمني لأ، تقعد معايا لوحدنا لأ، أربعة وعشرين ساعة متكفنة خلف نقابها. أنا عاوز أتزوج واحدة نتكلم ونخرج من غير اللي على وشها ده. الناس تفكرني متزوج واحدة قبيحة الجسم والشكل."

هُنا واستشاط الشباب غضبًا وفي لمح البصر كانوا ينهالون عليه ضربًا حتى كاد أن يدركه الموت. لقد ظن أنه سيفر هاربًا بعد هذه الفضيحة التي سينسبها لها. لكن هيهات كيف له هذا؟ أشار خالد بكفه لأبناء أعمامه بترك طارق فـ ابتعدوا. وأمسكه من مقدمة ملابسه ثم قال وهو يغرس عينيه في عيني طارق التي تقرحت من أثر الضرب: "يا بني، أنت متأكد أنك راجل؟ أنا بشك فيك! ما هو طبيعي المرة متحبش غير مرة زيها." هوى بقبضته على فكه في غضب وتابع:

"أنا أختي أميرة تليق بأمير زيها يا... مش لاقي لك لقب ألقبك به." ألقاه بكل قوته على إحدى الطاولات ليتراجع الناس في صيحة فزع. وهجم هو مجددًا عليه وصاح فيه وهو يقبض على عنقه: "أنا أختي رهان يالا." كـ الوحش الضاري بات يلكمه دون هوادة والجميع يشاهد في سكون تام وربما خوف. علا صوت خالد وهو يرفع طارق من الأرض: "انت ما كنتش أصلًا نازل من زور لولا أنها وافقت، بس نقول إيه بقا الكلاب اللي زيك آخرتها بتبقى تحت رجل أميرتهم."

قالها وكان يلقي به تحت أقدام خديجة الثابتة في مقعدها دون حراك. هجم حمزة فجأة عليه وهو يدفع خالد برفق وكال له اللكمات وهو يجأر: "يالا، أنت عار على الرجالة اللي عايز يعرض مراته شرفه واسمه للناس. ده إيه؟ مش لاقيلك وصف." لكمة بقوة فتلقاه معاذ فجأة وصوب له ركلة طرحته أرضًا وهو يغمغم: "اللي ضايق أميرتنا يالا يبقى دفن نفسه بالموت، فما بالك باللي عملته."

صاح الناس مجددًا فصرخ فيهم خارجًا طاردًا ففروا هاربين. في أوان ذلك كان جسد طارق الذي لم يعد جسدًا، بين يدي مالك الذي تأمل وجهه قليلًا وغمغم في أسف متصنع: "يا عيني، دول نسوا نصيبي. يلا زيادة الخير خيرين؟ في لمح البصر كان مالك يحرك كفيه باللكمات في أماكن متفرقة في جسده بطريقة سريعة تثير الدهشة.

صمت ثقيل حل في المكان بعد صوت لمار الأمار ليتركوه وإشارة لهم بالابتعاد فبعدوا متحفزين بأنفاس متلاحقة. مالت لمار على طارق وسحبته من ملابسه ليواجه عينيها الحادتين وغمغمت في خفوت مهيب رهيب: "أنت فكرة بأنك هتهرب بعد عملتك؟ ضحكت ساخرة وأسترسلت: "يا بني، اللي بيأذي حد يخصني يبقى لازم يواجه اللي واجهته ده. أنت آذيتنا كلنا، بس عارف صعبان عليا! صمتت هنيهة وأردفت:

"عقليتك صغيرة، ما عندكش مروءة ولا كرم ولا شهامة ولا غيرة على أهل بيتك واللي منك. أنت مفكر أنك جرحتنا؟ صكت أسنانها وهي تهز رأسها في عنفوان، وقالت: "إحنا مبنتوجعش لكن بنوجع. أنت اللي هتعرف يعني إيه خديجة؟ روح اتجوز وعيش حياتك." ثم هزت كتفيها في حيرة: "بس هتتجوز إزاي وأنت.... طب والله مش قادرة أقول عليك راجل لأني بأهين الرجولة." وفجأة انتصبت وهوت بقدمها مرتكزة أسفل حزامه وغمغمت: "ابقى اتجوز....

كان عمرو جالسًا كالحجر، بينما ورد أغرق وجهها بالدموع والفتيات يتجمهرن حول خديجة، حتى سحبوها للأعلى. وحين أغلقوا الباب تعجبوا حين ولت وجهها عنهم وأبت نزع نقابها. بعد معافرة نزعته وإذ بها غير خديجة تمامًا. صدمة وأي صدمة طافت على وجوههم. أين خديجة؟ رويدًا رويدًا بدأت خديجة تفيق. تطلعت حولها في تيهة وتلمست حجابها وألقت نظرة على فستانها كأنها تتأكد من أنها مستورة تمامًا. انتفضت كمن لدغته عقرب ما أن تذكرت (آراس)

فـ راحت تجول بعينيها في الغرفة قبل أن يطل هو بملامح مكفهرة، لم تخلو من القلق. وسأل ما أن لمحها قد أُفِيقَت: "كيف حالك الآن؟ حدقت فيه بغل، كيف يسألها عن حالها وقد خطفها توًا من وسط عائلتها دون ذرة خجل؟ ومن عرسها الذي سيقام! ماذا سيقول عنها الناس؟ لا بد أن الجميع قلق عليها. اندفعت نحوه وصاحت فيه: "كيف تجرؤ على اختطافي يا هذا؟ من الذي سمح بك، وكيف تفعل هذا... لا بد أن الجميع قلق لاجلي... ماذا سيقول عني طارق؟

سأتسبب له في فضيحة لن أغفرها لنفسي أبدًا." (آراس) ببرود نافيًا: "لا، لن يشعر بغيابك أحد! أجفلتها عبارته فرفرفت بأهدابها تستوعب كلماته ظنته جن، أنه يهذي لا محالة. ران عليها الصمت برهة قبل أن تهمس بهدوء: "لماذا جئت بي إلى هنا؟

أشار لها برأسه لتتبعه ففعلت، فـ أشعل الحاسوب ووضعه أمامها في صمت مطبق. كادت تفور غضبًا لكنها كبحته وهي ترى فتاة ترتدي ذات فستانها ونقابها وكل شيء تهبط الدرج مع والدها. فكادت تتحدث لكنه أشار بإصبعه على فمه لتسكت. فأمتثلت وحدقت في شاشة الحاسوب وشاهدت كل ما حدث. كانت الدموع تغرق وجهها، لا تصدق كل ما مر. هل طارق كان خدعة؟ كانت لعبة له؟! كان يرسم الفضيلة والخلق الحسن كأنه شيخ ليوقعها في فخ؟!

راق لها ما فعله فيه الشباب، لكن صدمت! هل ثمة أناس حقًا قلوبهم جاحدة قاسية لتلك الدرجة كـ قلب طارق هذا؟! بكت.. بكت بشدة وتركها هو تفرغ ما بجعبتها وقلبه يتفطر كمداً. آه لو تعلم ما تفعله دموعها في قلبه، كـ الكي هي تكويه وتتلظى. كان يطالعها برفق وود لو يضمها. لو يسحب الحزن القابع بداخلها. أراد أن يخفي هذا الأثر من قلبها لكن كيف؟ كيف السبيل لقلبها أساسًا. أيغضب أم يحزن؟ هل تبكي لرجل لا يعني للرجولة شيئًا؟ هل أحبته خديجة؟

معذور هو لا يدرك ولا يعرف أن قلب قلب خديجة غامر بالإيمان محفوف بالرضا له سياج باليقين. لا يبكي إلا لله. كانت تبكي نعم، لكن حمدًا للرحمن المنجي نجاها من كرب عظيم وبلاء شديد. انتشلتها عناية الله في لمح البصر من غياهب الضلال لنور الهدى. تبكي فرحًا وقد تزينت حياتها مع طارق لو تزوجته؟

كانت ستتغير، ستتحطم ربما نزعها من نقابها الذي هو تاجها، ربما حرمها من الاقتداء بأمهات المؤمنين، وأجبرها أن تكون كاسية عارية. أو ربما ظل الرجل المطيع لله الذي لا يخطئ وهو يخونها ويخون الأمانة. ضحكت فجأة ضحكة أدهشته. ضحكة ليست حزينة، ضحكة مفعمة بالأمل. ضحكة داعبت أوتار قلبه. كان يتطلع للرجال الذين يصطفون بالخارج يستشف إذا تناهى لأحد صوتها أم لا. نهضت خديجة وشكرته قائلة: "أشكرك أراس، لقد.. لقد أنقذتني؟ سألت في حيرة:

"كيف عرفت.. ولماذا خطفتني؟ لا أعرف السبب للآن! تنهد وهو يقف وقال في نبرة حادة ممزوجة بالحنو: "علمت بطريقتي يا خديجة.. وخطفتك لأني أعلم أن وقع ما حدث بوجودك لن تنسيه، وخاصةً والناس متجمعة يا حبيبة! اتسعت عينيها وبدت عليها دلائل التفكير، قبل أن تسأله: "أظن خطفتني لأنك تعلم أني لم أكن أقدر على تحمل ما حدث وأنا أراه بعيني... لماذا فعلت هذا؟ فيمَ يهمك حزني؟ "يهمني.. يهمني كثيرًا يا خديجة." "لماذا تفعل معي كل هذا؟

"لأني أريدك... قاطعته في حدة وهي تتراجع للخلف: "ماذا؟ دس كفيه في جيبيه وهو يهز رأسه في برود مغمغمًا ببساطة: "ستكونين ليّ.. زوجتي ولن تكوني لغيري." مادت بها الأرض فجأة وداهمها الدوار فـ انهارت على المقعد خلفها. لم تهتز له شعرة وهو يقول في حدة: "ستتزوجيني برضاكِ أو غصب عنك! قالت في تلعثم وكأنها في كابوس: "أنت.. أنت مجرم! ابتسم في مرارة واردف بتهكم: "نعم عزيزتي، أنا أفعل كل ما لا يتخيله عقلك الصغير." قالت خديجة

بأعين غارقة في الدموع: "وإن رفضت! هز كتفيه وقال: "ستكونين سببًا في قتل كل عائلتك! "أنت تمزح! قال أراس متعجبًا: "أمزح!؟ أنا لا أمزح يا روحي، أنا أنفذ!

أقترب من النافذة بمنظار وراح يتطلع من خلاله لشخص فوق إحدى البنايات مع بندقية مزودة بمنظار متهيأً للإطلاق وجاهز. أشار لها فدنت ببطء وقدمين مرتعشتين تناولت منه المنظار ووجهه للشاب الذي يوجه البندقية إلى منزلهم الذي عاد له الجميع للتو. والآن فقط تنبهت أنها في منزل قريب من منزلهم للغاية كان لجار لا يأتيه إلا في الإجازات. وقف خالد أخيها يروح ويجي أمام البوابة، بينما الشاب يتطلع بإحدى عينيه من خلال المنظار المزود في البندقية وكفيه على وضع الإطلاق. كانت تتطلع تارة لأخيها وتارة للآخر وهزت رأسها في جنون وهي تبكي،

قائلة بصوت متهدج مخنوق: "لن تفعلها يا أراس، هذا أخي، هذا مني أنا أفديه بروحي؟ رق قلبه وقال برفق: "وأنا لن أؤذي روحك يا خديجة، فإن آذيتك آذيت قلبي." تمسكت ببصيص أمل من كلماته فقالت في حذر: "لن تؤذيه؟ وضع كفيه في جيبي معطفه وهو يهز رأسه نفيًا، وقال: "ولكن لي شروطي! حلقها وهي تسأله في ترقب: "ما هي؟ قالت والدموع تنساب على وجنتها بقهر، فرد ببرود متظاهر:

"لن تتزوجي يا خديجة أبدًا. سأرحل إلى بلدي، لكن أخبارك ستأتيني حركة بحركة. لن تقبلي بأي أحد، فهمتِ؟ في الوقت الحالي، كان معاذ في غرفة الكشف بعد ما سقط فوقه لوح خشب هرس قدمه. بقت ملك بالخارج تبكي في صمت ينهشها القلق، ويستبد بها. تضمها خديجة بحنو. لم يلبثوا طويلًا واخبرهم الطبيب أنه بحاجة ماسة لإجراء عملية لتمزق الأربطة.

كان شهاب مدير الشركة يقف قريبًا، يتميز غيظًا فقد فشل ما كاد أن ينفذه بسبب معاذ. أراد أن يختلي بـ ملك يحاول التقرب منها حتى تخضع له. كان سيرشيها، سيرقيها لمرتبة أعلى لتسلم له نفسها. شيء ما بتلك الفتاة يجذبه ليس كالآتي يعرفهن. فهي بريئة وصادقة، ربما بدأ يعجب بها وهذا ما لا يريده. أقترب بغتة منهما وقال موجهًا حديثه لـ (ملك) "ملك، تعالي أوصلك في طريقي ومتقلقيش، أنا هرجع أطمئن عليه."

أسرعت خديجة في الرد بنبرة هادئة ليست مرتاحة لنظراته التي لم تروق لها: "ملك هتفضل جنب معاذ. اتفضل أنت! (شهاب) على أسنانه مغمغمًا: "أنا بتكلم مع ملك! نهضت خديجة غاضبة وأردفت بأدب: "لو سمحت، وجودك مش مسموح به هنا. اتفضل وملكش دعوة بملك غير في حدود العمل." طالعها بنظرة ازدراء من رأسها لأخمص قدميها قبل أن يبتلع إهانته ويغادر.

لم يمض وقت طويل حين جاء عاصم مصابًا هو الآخر وارتجت المشفى بكل العائلة وقد علم الجميع باختفاء خالد المبهم. في مكان آخر يغشاه الظلام خالي من أي شيء إلا من مقعد خشبي موثوق القدمين ومكبل اليدين خلفه. بدأ يئن بخفوت من أثر جروحه. حرك رأسه بثقل. وتدريجيًا بدأ يرفرف بأهدابه يحاول تذكر ما حدث له. انتفض بغتة معتدل الرأس يجوب بنظراته حوله. ما هذا الظلام الذي يغرق فيه؟ أين هو؟

كل ما يذكره إصابة عاصم ولم يشعر بشيء بعدها. تناهى لسمعه وقع أقدام تقترب. حاول وجاهد وهو يتفحص ذاك المكان على الأقل يعرف الباب الذي سيدخل ذاك المجهول منه. تكه بسيطة اخترقت أذنه فـ أسرع بإغلاق عينيه وأسند رأسه كما كانت. أحس بخطوات تقترب وتقترب حتى بقت قريبة للغاية. أنفاس كريهة لفحت وجهه تلاها صوت أجش يقول قريبًا من وجهه: "خالد باشا، هتنورنا هنا لحد ما تخضع لينا." لم يستطع خالد التظاهر أكثر فـ ابتسم ساخرًا وقال بتهكم:

"لا والله، وأنتوا مين بقا؟ قهقه الرجل في انبساط تام وقال: "إحنا مين مش مهم تعرف يا أستاذ خالد، ولكن... غمغم خالد برفع حاجب: "ولكن؟ أردف الرجل وهو يميل نحوه: "هنردك لحد ما تخضع لينا وتكون تحت طوعنا. أنت مطلوب جدًا يا راجل في كل حتة. وبما إننا قدرنا نجيبك لحد هنا فمش بعيد نخليك زي الخاتم في صباعنا." بصق خالد في وجهه، وقال: "بتحلم يا كلب." ضربه الرجل بلكمة قوية في فكه سالت على أثرها الدماء من جانب فمه، ثم قال متهكمًا:

"بنحلم والحلم هنحققه وهتكون كلب لينا." كان خالد يزوم في مكانه كوحشًا كاسر وهو يتحرك بعنف هادرًا بصوت كالفحيح: "أنت اللي كلب يا كلب.. الكلاب اللي زيك هيا بس اللي تقاتل بالطريقة دي. واجهني كـ رجال لو راجل." دفعه الرجل بحدة من صدره وصوب نظراته في وجهه وقال: "أنا راجل غصب عنك يا عم. أنت وعيلتك كلها هنخلص عليكم واحد واحد." "كان غيرك فلح! وتبسم ساخرًا: "يا راجل."

قالها خالد بنبرة وبسمة ساخرة. أثارت سخط الآخر فـ انهال عليه ضربًا، لكن خالد كان يضحك ليستفزه أكثر وهو يلفظه بكلمات ساخرة، فما تعب من ضربه وقف يلهث وخرج صافقًا الباب خلفه. عاد الظلام يكتنفه مرة أخرى، وحرك كفيه ربما يتخلص من قيده. طاف مجددًا حوله لكن الظلام كان يبتلعه فسكن مكانه، داعيًا الله أن ينجي عاصم. كانت تجلس بمقعدها المتحرك جار النافذة تتمأمل الخضرة حول منزلها، تستشعر بنخزة تنخر فؤادها. "حبيبي عامل إيه؟

" قالها رحيم وهو يقترب من وعد ملثمًا جبهتها فـ استقبلته ببسمة رائعة وهي تجيبه: "بخير يا حبيبي الحمد لله." أمسك بكفيها بين كفيه وهو يجثو أمامها متسائلًا بقلق: "مالك يا وعد حاسة إنك قلقانة؟ ردت وعد بعينين خاويتين يملؤها القلق: "حاسة إن عاصم فيه حاجة! تلقى رحيم دمعة كادت أن تفر من عينيها بسبابته وقال بثقة: "وإن حصل.. إخواته معاه وعيلته كلها، متقلقيش! سطعت عيناها في بريق مطمئن وقالت باسمة:

"معاك حق، هخاف إزاي عليه وأخواته معاه." غمز لها رحيم وانتصب في وقفته واستند بظهره على النافذة وما زال كفيها قابعان بين كفيه بلطف. كانت وعد تتأمله بلمحة حزينة مشوبة بالألم. فتنبه لها وسأل برفق: "مالك يا وعد.. ليه الزعل تاني شايفه في عينيكِ؟ هزت وعد رأسها نفيًا: "مش حزن.. بس أنا مديونالك بشكر." قطب رحيم حاجبيه حيرة وسأل مندهشًا: "شكر! شكر إيه يا حبيبتي؟ غمغمت وعد وهي تبعد كفها لتضم هي كفيه بكفيها:

"شكر عشان فضلت جنبي ومتخلتش عني ومفكرتش ولا مرة تسبني، عشان ولا عيرتني ولا مرة بعجزي، عشان دايمًا كنت بتعاملني حلو وكأني بنتك بتهتم بيا وبعلاجي وبنفسي، وبتخاف عليا وبتحتويني رغم تقصيري معاك." ثبتت نظراتها في عينيه وهي تقول دامعة: "بشكرك يا رحيم عشان ولا مرة حسستني إني وحيدة، بتخرجني وبتدخلني المطبخ عشان أطبخ وبتساعدني عشان محسش إني عاجزة، بتعاملني كأني واحدة مش مشلولة."

أطرقت برأسها فجأة تداري عن عينيه دمعها، فتأثر من كلماتها وفاضت عيناه ومال بغتة ورفعها بين كفيه لتشهق متفاجئة سرعان ما تبسمت ساكنة، وهو يجلس ويحتويها في أحضانه. لاح شبح ابتسامة على شفتيه وهو يقول لها برفق:

"ده واجبي يا حبيبتي إني أكون احتواء وسند ليكِ في الدنيا. يوم ما خدتك من بيت أبوكِ، البيت اللي فيه دفء وأمان وسند من إخواتك ووالدك، فيه إخوات يشاركنك همومك وحزنك وفي أم بتخاف عليكِ من الهوا الطاير وتسهر جنبك وقت تعبك. يوم ما خدتك خدت أمانة تشاركني حياتي وأكمل بيها نص ديني، فـ كان لازم أكون قد الأمانة وأكون ليكِ كل دول وأكثر. أنتِ أمانة وسكن في قلبي زي ما أنتِ سكن ليا."

ترقرق الدموع في مقلتيها وقد وقرت كلماته في قلبها الحارق فـ أثلجته. وقف أراس صائحًا هائجًا أمام آجار الملفوف ذراعه في شاش من أثر رصاصة أراس التي أصابته في ذراعه حين كاد يطلق على حمزة: "يا معتوه، ما الذي كدت تفعله؟ كنت ستقتل الشاب يا بُني، أتدري من يكون هذا؟ دفعه آجار بحدة من صدره بذراعه السليم هاتفًا بغضب: "لا أعلم من يكون حتى تطلق النار على صديقك، من يكون؟ أخبرني، هيا؟ أزاح أراس ذراعه بغضب وغمغم:

"إنه قريب الطبيبة خديجة يا معتوه! خديجة التي أنقذت حياتك.. وتدين لها." سكن الاثنان برهة، رمش خلالها (آجار) عدة مرات مزهولًا لا يصدق ما تفوه به رفيقه، فـ حدق فيه مصدومًا وهو يهمس بتوتر: "حقًا؟ اكتفى (آراس) بإشارة من عينيه، فصاح (آجار) مبهوتًا: "يا إلهي." ثم وجه بصره إلى وجه (آراس) وتابع: "طلب مني السفاح قتله حين طلب مقابلتي و....... قاطعه (آراس) متسائلًا برفع حاجب: "من الذي قابلك يا هذا؟! التمساح كيف؟ (آجار)

كتفه وردد: "كيف؟ ماذا يا أخي؟ أقول لك طلب مقابلتي وتقابلنا وطلب مني قتل حمزة وقتل كري... بتر باقي عبارته حين صدحت قهقهات (آراس) بغتة، فسأله قاطب الحاجبين مضيقًا عينيه: "ما المضحك في هذا؟ لماذا تصر على إثارة جنوني؟ رنا إليه (آراس) ممسكًا بمنكبيه غارسًا عينيه في عينيه، وقال بحدة وحزم:

"السفاح لا يظهر يا بُني لأي كان، وخاصةً أعداءه يرسل رجاله فقط. أي أن الذي قابلته إحدى رجاله. السفاح يخطط لشيء ما. أظن أنه يخطف كريم فقط ليستدرج حمزة وأروى لسبب مجهول وليس من أجل تصميم وما شابه هذا. الرجل يود أن يوقعنا في بعض واعتقد أن ثمة من وراءه." حل منكبيه وعقد ذراعه وهو يضيف: "عليك الآن أن ترد الدين للطبيبة خديجة وتحافظ على سلامة حمزة وأروى."

كان ما زال يحدق فيه مزهولًا لوقت قصير بعد أن أنهى ما بجعبته، فـ أطبق جفنيه قليلًا يستوعب ما استتبع عليه توًا جملة واحدة، ثم قال: "يا إلهي، هذا السفاح داهية! أفتر شفاه عن بسمة ماكرة متلاعبة وهو يتابع باستمتاع: "إذن لنواجه السفاح ليعود حمزة والفتاة بخير ونرد دين خديجة." ساد الصمت بينهما لوهلة قبل أن يهمس (آراس) لنفسه بتمني: "وأتمنى أن تنجح هنا فيما كلفتها فيه."

لازمت أروى حمزة الذي بدأ يفيق تدريجيًا، وانتفض فورًا جالسًا حتى رآها تقبل نحوه بتلهف وخوف، فـ اطمأن قلبه أنها بخير. سأل عما حدث، فقصت له ما جرى وعن تغيرهم المفاجئ معهما، فدُهش. وفكر قليلًا يجوب الغرفة بعينيه بحثًا عن مخرج حتى تبسم بظفر وعيناه معلقة على النافذة. نظر من خلالها للأسفل فوجد المسافة قريبة عن الأرض، فـ رنا لها قائلًا: "اسمعي، هننزل من الشباك تمام؟ ... هتنزلي الأول وأنا وراكِ."

اتسعت عينيها وتجلى فيهما الارتياب والاستنكار وهي تردد بخوف: "لا لا، افتراض موت! لوى شفتاه ساخرًا، وقال وهو يجز على أسنانه: "أروى، موت إيه؟ هتنزلي." ألقت نظرة للأسفل فحثها على النزول. ساعدها حتى باتت جالسة على حافة النافذة ساقاها متدلية للأسفل. فقالت وهي تنظر له بترجّ: "حمزة، انزل أنت الأول، أنا لا؟ مسح وجهه بكفه وهو يقول من بين أسنانه: "يا أروى، يا بنتي، مفيش وقت، اخلصي."

وفي لمح البصر كان يقفز برشاقة جاذبًا إياها معه دون حتى أن تدرك ما فعله. وهوى بجسديهما على الأرض وكفه كان سريعًا للقبض على فمها حتى لا تصيح. لم يمهلها أن تستوعب ما حدث فما شال كفه حتى جذبها من ذراعها مهرولًا بها للخارج ذاك المنزل مستترًا في ظلام الليل. فما إن باتا في مكان آمن بعيد عن المنزل نسبيًا، راحت تدور حول نفسها صائحة بنبرة على وشك البكاء مضحكة:

"مجنون، مجنون رماني من فوق. أنا موت، أنا ميتة يا لهوي، اتكسرت مش عارفة إيه اللي حصل لي يا مرارك يا أروى يا حزينة يا فقرية." لم يستطع كتم بسمة تلألأت على شفتيه وهو يقول بخفوت: "ممتيش، لسه عايشة." رمقته بنظرة نارية فقال بهدوء: "أنتِ متأكدة إنك دخلتِ شرطة ودربتي كويس؟ تخصرت وهي تجيبه بحدة: "ليه يا أخويا، مش بشبه ولا مش بشبه؟ ثم باغتته بلكمة تفاداها ببساطة وهو يقول ضاحكًا: "بس بس، أنا متأكد إنك في الشرطة خلاص."

رفعت رأسها بكبرياء وقالت: "أيون كدا، هنروح فين؟ حاد ببصره نحو سيارته التي تركها مذ مجيئه وما زالت في موضعها. وأشار لها لتتبعه. وبعد أن استقرا بداخلها وانطلق قالت أروى: "يا ترى هو الشاب اللي جه في الآخر أنقذك ليه؟ أسترَقَ نظرة سريعة عليها من المرآة ولم يجبها. فضمت ذراعيها وسرحت مفكرة.

في صباح اليوم التالي كانا يتحركان لمكان لا تدرك كنهه ولكنها آثرت الصمت ولم تتفوه بحرف. ركن السيارة فجأة عن بُعد لمنزل مهيب، وقال ملتفتًا نحوها: "أروى، خليكِ هنا ومتخرجيش، تمام؟ أومأت دون أن تنبس فترجل من السيارة وسار تجاه البيت ودار حوله ثم ظهر فجأة أمام الباب برفقة شاب طرق على الباب. بينما توارى (حمزة)

خلف الجدار. فُتح الباب وتحادث الشابان وبغتة برز حمزة من مكمنه ودفع الشاب المرافق له على الذي فتح الباب فـ انطرحا الاثنان أرضًا فدفعهم بقدمه وهو يشهر سلاحه وأغلق الباب خلفه. وجد أربع شباب أخرى ما أن أبصروه بادروا برفع أيديهم فوق رؤوسهم. ثم صاح حمزة فجأة، موجهًا حديثه للشاب والذي كان ذاته مدير الفندق: "أين كريم يا هذا؟

أطرق المدير بصمت يأبى أن يبوح، فـ باغته حمزة بحركة سريعة إذ لف ذراعه حول عنقه ولصق فوهة المسدس في جبهته، وهدر بانفعال: "ستخبروني بكل شيء! صرخ المدير صائحًا بهلع وهو يغمغم بتلعثم: "ليس لنا ذنب في كل ما جرى يا هذا، لقد أُمرنا بفعل كل شيء بأمر من السفاح. أما هذا كريم فهو بخير." (حمزة) أسنانه وهو يسأله: "من هو السفاح يا هذا؟ وأين يخفي كريم؟ اضطراب المدير قليلًا ورمى الشاب الذي باح بمكانه بنظرة حاقدة متوعدة وقال متلعثمًا:

"لا أحد يرى السفاح ولا يعرفه. هو لا يظهر لأحد أبدًا، يجد طريقه دائمًا ويراسلك." طافت بسمة ساخرة على وجه (حمزة) وهو يزجره بعنف: "أين كريم؟ صمت (المدير) تمامًا فشد (حمزة) ذراعه على عنقه أكثر فـ تمتم مخنوقًا: "إنه في... على يخت خاص بالسفاح يُسمى... أفلته حمزة وأطرحه فوق الرجل وفر هاربًا فصاح المدير أن يتبعوه. كانت أروى تنتظره بالسيارة وهي تستعد للانطلاق فما صعد حتى داست بنزين وانطلقت بسرعة.

كان حمزة يوجهها للطريق لمبتغاه، وقص لها بإيجاز ما سيفعلونه. استئجار يخت وراح يشق طريقه في البحر وبالتحديد إلى حيث يخت السفاح. أوقف يخته عن مقربة من الآخر وراح يتطلع خلاله ويفحصه بدقة سريعة. التفت إلى أروى وأمرها: "هتفضلي هنا لحد ما أديكِ إشارة تقربي تمام." "تمام، بس... بس خلي بالك من نفسك."

أومأ بهدوء وهو يثبت أنبوب الأكسجين على ظهره، وانهى سريعًا ارتداء ملابس الغطس. وقفز برشاقة سابحًا نحو اليخت، حام حوله أكثر من مرة يكتشف ثغرات ويسد ثقوبه ويضع الخطة. تسلقه وبات بداخله فـ أسرع بالاختباء من الحراس وهو ينحني. مر شاب فأنتظر حتى أهداه ظهره وانقض عليه كاتمًا فمه وضغط على إحدى عروقه ليفقد الوعي مباشرة. وما أن جذبه ليواريه وإذ بآخر يصيح لرفاقه بوجوده. ففي غمضة عين كان يخترق المسافة ويلكمه بقسوة عدت لكمات دون

هوادة، لكمات متفرقة متتابعة طرحته أرضًا. تجمع الحراس حوله وشلوا حركته فـ طفق يزوم في سورة من الغضب. كاد يحاول الإفلات منهم بشتى الطرق، لكن الكثرة تغلب الشجاعة، وهو كان كـ أسد جامح صعب رضروخه. ران الصمت كأنه رداء ألقى بعباءته فوقهم حين ارتفع صوت خطوات مهيبة

مصحوبة بصوت مهيب رهيب: "أخيرًا جئت يا سيد حمزة، كنا في انتظارك يا رجل، طالت غيبتك وطال انتظارنا حتى مللنا." بإشارة بسيطة من إصبعه ترك الرجال حمزة الذي اعتدل فورًا مواجهًا ذاك الرجل الغامض ذا الحلة البنية ونظرات حادة تخلع القلب ولكن فيها فخامة تعبر عن ذوق راقي. وقف كالطود واضعًا إحدى كفيه في جيبه، ونظراته تتمعن في وجه حمزة وكذلك حمزة يفترسه بنظراته. "أين كريم يا هذا؟

أومأ السفاح برأسه وطرقع بأصابعه وخرج رجلان يجذبان كريم الموثوق الذراعين أسفل ظهره، ووجهه امتلأ بالجروح. صرخ (حمزة) على أسنانه غاضبًا ما أن رأى صديقه الواهن الذي لا يكاد يبصره من عينيه التي تحيطها الزرقان. هم أن يهرول إليه لكن السفاح خطى خطوة واحدة ووقف قبالته وقال: "أين يا حبيب؟ .. لم نتفق بعد! "إتفاق ماذا؟ "إتفاق بسيط للغاية يا رجل، سيرحل صديقك على أن تُؤسر أنت." تبسم (حمزة) بعبث وخبث، وقال:

"ليكن هذا إذن، لكن سأطمئن أولًا على ذهابه؟ في برود قال السفاح: "ليكن هذا يا بُني، صديقك والفتاة لهم الأمان حتى يصلا لأرض مصر ويأتي رفيقك الآخر." توقع حمزة بأنه أحد أبناء أعمامه فهجم عليه، وكاد الحراس أن ينالوا منه لولا إشارة السفاح لهم بكفه، ثم نزع ببرود كفي حمزة ودفعه برفق، وقال: "كل شيء سيصير كما أريد يا حمزة حتى لا تخسر الجميع هنا."

لم يجبه حمزة وإنما اقترب من سياج اليخت وأخرج شيئًا ما من جيبه وأطلقه في السماء ليصدر نور. وكان يخت أروى يقترب. صعد عليه كريم بمساعدة أروى. وحين لم يقفز (حمزة) وجهت إليه سؤالها قائلة بخفوت: "حمزة، يلا أنت... قاطعها حمزة قائلًا بحسم: "امشي! "لكن؟ "هذا أمر أيها الملازم." فاضت عيناها بالدموع وهي تهمس: "خلي بالك من نفسك يا حمزة! أومأ حمزة قائلًا بثقة: "متقلقيش، هرجع."

أهدته بسمة واثقة قبل أن يشير لها لترحل فأنصرفت مسرعة حتى تداوي كريم أيضًا الذي فقد وعيه. بينما استدار (حمزة) ليقول السفاح: "أحسنت صنعًا يا حمزة.. والآن لنتصافح يا صاح." فـ ماهر بانتظارك. مد كفه لـ حمزة فمد حمزة كفه وما كادت تستكين في كفه حتى سحبه حمزة لافًا ذراعه حول عنقه يعصره عصرًا، أما الآخر لم يقاوم إلا بصورة بسيطة بدت لـ حمزة إنه مستسلم. بلا ربما أراد ذلك.

هجم الحراس على حمزة الذي أخذ من السفاح ركنًا فتحمل عليه ورفع قدمه ليركل أحدهما في وجهه تلاها الآخر، وبحركة سريعة أدار السفاح ليقبض على عنقه فتوقف الرجال فورًا في عجز وعلت قهقات حمزة المخيفة قبل أن يتحدث بغضب: "من أنت يا هذا.. ولماذا تفعل ذلك؟

لم يجبه السفاح فكرر سؤاله مرارًا حتى فاض به فأبرحه ضربًا بقبضته. فجأة هجم عليه الرجل من الخلف وانهالوا عليه، وعلى حين غفلة كانوا يتساقطوا حوله واحدًا تلو الآخر فرفع رأسه لم يجد حوله أحد حتى السفاح اختفى. وكان ذورق يحوم حوله ويقترب حتى قفز آجار وهو يقول: "مفاجأة.. لماذا هربت يا هذا؟ "لماذا ساعدتني؟

كاد أن يجيبه آجار لكن حمزة لم يمهله وهوى فجأة برأسه بحديدة تناولها في طرفة عين، فـ أمسك آجار رأسه وداهمه الدوار كالأعصار فسقط على ركبته منحنيًا. غمغم حمزة غاضبًا: "كنت سأغفر لولا أنك اقتربت من شيء لا يخصك." كان يقصد أروى لا غير، هجم عليه ممسكًا بحفنة من خصلاته ورفع وجهه إليه صارخًا: "لا تحلم مجددًا بلمس أحد من أقاربي يا هذا." شق ثغر آجار بسمة شاحبة وهو يردد بوهن:

"فلتبقَ كما أنت يا حمزة.. لقد وفيت بديني وهذا ما يهم وأنت بخير يا فتى." قالها بثقل وأغمض عينيه وسكن تمامًا. خطوات رقيقة حادة راحت تقترب منه، فأطرق السمع لولا الظلام لكن أدرك فورًا من الآتي مختلسًا. أحس بكفين ناعمتين تفك قيده برفق وعجل في آن واحد، فما أن حلت ذراعه حتى بدأ يفركها بألم من أثر القيد. وانحنت الفتاة أمامه تفك ساقيه قبل أن ترتفع. فـ أمعن النظر إلى وجهها الملثم فحصها بنظرة سريعة، كانت غامضة بشيء محير.

وسألها وهو يمد ذراعيه: "أنتِ مين؟ لم تجبه فظن أنها خرساء. أشارت له بكفها لتتبعه وسار خلفها في الظلام الدامس حتى انحنت أسفل الجدار وإذ بها تظهر فتحة يتخللها الضوء. قفزت بمهارة فتبعها. ثم قفزت مجددًا مستندة بقدميها وأخفت الفتحة تحت دهشته. وقفت أمامه تنفض كفيها، فسألها مجددًا قائلًا: "أنتِ مين، وليه ساعدتيني؟ هزت الفتاة كتفيها وقالت: "ليس مهم أن تعرف يا هالد."

رفع حاجبه مندهشًا وقد فغر فاه من فرط زهوله حين ركضت وكأن وحشًا مخيفًا يهرول خلفها. كاد يلحق بها، لكنه وقف ساكنًا لوهلة يفكر في أمرها. ونظر حوله وخرج كما خرجت وأوقف سيارة ليعود لمنزله.

تعافى عاصم تمامًا أما معاذ فـ كان ما زال يلزم الفراش بسبب قدمه. وعاد حمزة وأروى. وقصوا ما حدث للمار التي باتت شاردة مترقبة تئن على الجميع قبل خروجه. تحولت تمامًا وغدا خوف الفقد يقبع بين ثناياها. اسم ماهر لا يخيفها، الذي يخيفها أنها لا تدري من يكون؟ خرج آجار من المنزل بهيبة متوجهًا إلى السيارة. لكن أراس ناداه من خلفه يستوقفه: "آجار." استدار آجار وهو يزيل عويناته فتقدم أراس مغمغمًا:

"أين تخرج والصحافة تحوم حولنا منذ أن ألقاك حمزة أمام إحدى المستشفيات." نفخ (آجار) بحنق مرددًا: "أنا لا أخشى صحافة أو غيره يا أخي وسأخرج." أنهى جملته واستدار مغادرًا قبل أن يتحدث أراس مرة أخرى، الذي رمقه بحنق أشد وهز رأسه بقيلة حيلة وعاد للداخل.

قاد آجار سيارته قاطعًا البوابة التي أغلقت خلفه. وكاد أن ينحرف يمينًا حتى داس على المكابح وقد اتسعت عيناه حتى كادت تخرج من محجريهما. لقد توقفت دراجة نارية أمامه جعلت دقات قلبه تتوثب وفار جنونه. فخرج صافقًا الباب خلفه بعنف هادرًا: "أمجنون أنت يا هذا حتى تخرج أمامي بتلك الطريقة! إن كنت... لم يتمتم عبارته إذ بصاحبة الدراجة أزالت الخوذة ونفضت رأسها ليتطاير شعرها فجأة ونظرت له بنظرة مرحة مغمغمة:

"أتعبتني يا سيد آجار لي وقت أبحث عنك من أجل الحوار." قطب جبينه وهو يتساءل: "حوار ماذا يا بنت؟ أسندت وجهها إلى كفها وهي تجيبه: "حوار صحفي يا سيد، ما بك." رمقه بمقت وهو يشير لها بغضب: "لا تثيري أعصابي واغربي عن وجهي." ترجلت عن دراجتها واقفة أمامه وهي تحرك الخوذة بين كفيها قائلة بتصميم: "لقد تعبت حتى وجدتك ولن أرحل قبل أن آخذ الحوار معك."

صك أسنانه وكظم غيظه واستدار ليركب سيارته فوقفت أمامه تسد طريقه عاقدة الذراعين. فقطب حاجبيه قبل أن يقود بسرعة لتبتعد فورًا بعنف. سقطت أرضًا على ظهرها، واعتدلت سريعًا تتلفت حولها وهي تمسك ظهرها مغمغمة: "معتوه أحمق، ولكني سأعمل اللقاء معك طالما أتيت لن أرحل بدونه." وثبت سريعًا وصعدت دراجتها وأدارتها لتحلق بها. وما أن أدركته حتى أخذت تصيح باسمه حتى فتح النافذة فبادرت صائحة:

"يا سيد آجار أنا عنيدة للغاية ولن أرحل قبل المقابلة. ضع هذا في ذهنك، سأتبعك حتى توافق فـ أحسن لك أن تنفذ." أغلق النافذة مجددًا ببرود وركز بصره للطريق أمامه. كان يسمع صياحها لكنه لم يعبئ به ألبتًا. راقه تتبعها له وإلحاحها على ما تريد، فانطلق دون وجهة. ولوقت طويل وهي على حالها لم تيأس ولم تعود أدراجها قط. كان يتبسم على صوتها الغاضب وهي تصيح فيه. وعلى غرة تنبه لسيارة تلحق به فقطب حاجبيه وخشى أن يصيبها مكروه بسببه،

ففتح النافذة وصاح فيها: "يا امرأة انطلقي بسرعة من هذا المكان.. هيا." ضحكت ساخرة وهي تختلس النظرات إليه وتعيدها للطريق وتقول: "أنا لم أقطع كل هذا الطريق خلفك حتى في الآخر تخبرني أن أرحل." جز على أسنانه هادرًا فيها: "سأفعل معك اللقاء يا بنت، ارحلي حالًا." قالها وهو يرمق السيارات بطرف خفي، لكنها نفت بعناد وقالت بإصرار: "انسى، لن أغادر قبل الـ... لم تكمل جملتها وإذ بطلقة نار مرت بجوارها لتصرخ. وصاح هو فيها:

"أسرعي هيا..... كان قد أخرج مسدسه وهو يطلق من النافذة عليهم في حين سبقته هيا للأمام كان يحاول حمايتها. لكنها أيضًا أبت الفرار وتركه. فبعدما ظن أن عرض أقل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...