الفصل 14 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
25
كلمة
7,717
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

ذو الهيئة السوداء» دار رأسه مصدومًا إلى جسد والده وهو يذدرد لعابه في مرار كـ الحنظل. استمع لصوت فتاة في الأسفل تُسئل عنه، يليها وقع أقدامها على الدرج. كانت أروى التي وقفت مكانها تتطلع له في دهشة، إلى وقوفه الغريب ووجهه الشاحب وعيناه الغائرتين. تساءلت في ارتباك وهي تنظر له في اهتمام: «أراس، أأنت بخير؟ هل حصل شيء؟ لم تتلق ردًا، فتابعت في ارتباك أشد وحرج: «لقد أتيت لأخبرك أن... أن حمزة لا يعلم عنك شيء و...

يا إلهي، ما هذا؟! صرخت في زعر وهي تبصر جسدًا ملقى أرضًا والدماء تسيل من جسده على إثر عدة طلقات نارية. ارتقَت باقي الدرجات متجاوزة أراس دون أن تعيره أي اهتمام، ومالت على جسد السيد جومالي تتحسس نبضه قبل أن تصرخ في أراس الذي تطلع لها ممتقع الوجه. لم يتحرك قيد أنملة، ينظر لها في ترجٍّ لإخباره أن والده بخير. فصرخت فيه عن ضرورة نقله للمشفى حالًا. كان نجيب قد وصل إليها وحمل جومالي، تتبعه أروى التي صرخت في وجه

أراس قبل أن تهزه صائحة: «والدك سيكون بخير يا أراس، فوق يا هذا.» تنبه أخيرًا لها وهبط الدرج مهرولًا وهي خلفه. كانت لمار في طريقها إليهم حين أبصرت ما يجري، فأسْرعت معهم إلى السيارة. توجه نجيب للطريق إلى المشفى. أسرعن الممرضات بنقل جومالي وتم فحصه سريعًا من قِبل الطبيب قبل أن يؤمر بنقله إلى غرفة العمليات حالًا.

جلس أراس والقلق والخوف من فقدان والده يأكل شغاف قلبه. خفق قلبه خفقانًا عظيمًا وجِلًا، ووابل من الأفكار عصفت به. فتلقائيًا حدَّ ببصره نحو لمار الواقفة بجانب حفيدتها في صمت. هل لمار هي من قتلت والده؟ حين خرج من المنزل لم يكن أبيه موجودًا، فما الذي جعله يعود؟ هل لحق مقابلة لمار بهذه الدقائق المعدودة؟ وما الذي حدث دفع لمار لقتل أبيه؟

شعر باحتياجه الشديد لصب جام غضبه في شيء، فقفز واقفًا وراح يلكم الحائط هائجًا مزمجرًا. لولا نجيب الذي أحاط بجدعه ليبعده، لكان حطم أنامله في الحال. في خلال ثوانٍ كان يدفع نجيب بقسوة من خلفه، وينطلق إلى لمار مشيرًا بسبابته في وجهها، ويصيح بوجهها مسودًا: «لمـــــــــــاذا؟ لماذا قتلتيه؟ ما الذي فعله لكِ؟ ما الذي أخبرك به دفعك لقتله؟ لماذا يا لمــــــــــار... بُترت كلماته ما أن ظهرت خديجة حائلًا بينه وبين لمار،

هادرة في وجهه: «لماذا تصرخ يا هذا؟ ومن قتل من؟ هل تدرك ما تتفوه به؟ إن كانت قتلته، فلماذا ستنقذه؟ كان ينظر إليها في تشتت وأنْفاسه متلاحقة. أنزل كفه ما أن تنبه أنه يرفع سبابته بوجه خديجة، وبدا عليه الاقتناع. استدار دون أن ينبس، وذرع الرواق جيئة وذهابًا بذهن يكاد ينفجر. وقف ساكنًا حين قالت لمار وهي ساهمة:

«ذهبت للمطعم المتفق أن نلتقي فيه ولم أجده، فقررت أن أنتظره على مضض. لكن وصلت ليّ رسالة أن تم هجوم على المنزل وتذكرت أن الرجال جميعهم بالخارج وهم فقط في البيت، فخرجتُ في هلع حتى وصلت، والباقي أنت تعلمه.» حدجها بنظرة حادة قبل أن يُصرح قائلًا في حيرة: «قبل الهجوم بدقائق خرج أبي بالتحديد قبل خروجك بثوانٍ بسيطة، أي أنه من المفترض أن يصل قبلك، فما الذي حصل؟ لم يتلق إجابة مباشرة لدقائق، قبل أن تقول لمار بعد ما تجلى على

ملامحها التفكير العميق: «ثمة تحليل واحد لِمَ جرى. هناك شخص لم يرد أن نتقابل، فخطط للهجوم على المنزل وإرسال رسالة ليّ لأتوجه مباشرةً عائدة. وقتل والدك ليظهر أني السبب.» أمعنت النظر في وجهه قبل أن تقول: «ثمة شخص يعلم ماهية الأسرار التي أراد والدك البوح ليّ بها ولم يردني أن أعلمها! نهضت وأقبلت نحوه، وقالت: «ما الذي أراد والدك أن يخبرني به؟ إزدادت دقات قلب أراس وهو يهمس في ضياع:

«لم يخبرني بأي شيء، متعللًا أنكِ أول من يعرف وأنه ذنب أراد أن يتوب عنه.» سألته لمار تلقائيًا وقد لمعت عيناها بغتة: «بخصوص زين؟ «من زين؟ «يبدو أنك لا تدري شيئًا.» عقد أراس ذراعيه وهو يقول ساخرًا: «بالطبع لا أدري، من أنا لأعلم... من زين هذا؟ علا رنين هاتفه مقاطعًا حديثهم، فرد وهو يبتعد. ولم يلبث أن عاد بوجه لا يفسر، كأنه فقد روحه. وتخطاهم نحو نجيب الذي رنا إليه يسأله في قلق: «هل حدث شيء آخر؟

لم يجب أراس، ولم تتلاش نظرة الصدمة من مقلتيه. فسأل نجيب مترقبًا: «هل حدث شيء لـ هنا؟ صمت هنيهة وسأل مجددًا: «آجار؟ تجمعت الدموع بحدقتي أراس، فصاح نجيب فزعًا: «ما الذي حصل له؟ هل هو بخير؟ ماذا حدث؟ تحدث! قل شيئًا! انهار أراس على أقرب مقعد وراح يقص له ما عرفه توًا، بينما نظرات الثلاثي تتابعهم في فضول. قبل أن تتلقى لمار اتصالًا قلب ملامحها وهي تصيح: «بتقولي إيه؟ دارين مالها... طيب طيب تعالي...

أهدي يا حبيبتي، خير، أنا هروح أتابع بنفسي.» ما همت بإغلاق الرد حتى انهالت عليها أسئلة البنتين في قلق. قبل أن يسأل أراس وهو يقف: «هل أحد يقرب لكم كان في الطائرة التي لا أثر لها؟ أومأت لمار في تيهة قبل أن تهمس بقلب متهاوي: «دارين... حفيدتي.» شهقت الفتاتين في صدمة وهما يكمما شفتاهما بعدم تصديق. *** دارين»

كان الأمر كـ انسحاب الروح من الجسد حين تهاوت الطائرة للأسفل، كأن ثمة مغناطيس يسحبها لعمق المحيط. لم أشعر بأي شيء بعد ما دوى الصراخ حولي يكاد يصم أذني، قبل أن أفتح عيناي في ثقل وأنا أسعل لأتذوق طعمًا لاذعًا في فمي. فانتفضت لأرفع رأسي لأجد نفسي على الشاطئ ساقطة على بطني ووجهي وملابسي مدرجين تمامًا بالرمال. وبدا لي إن أمواج البحر العاتية هي من قذفت بي لشاطئها. وثبت واقفة أنظر حولي لأجد المكان خاليًا تمامًا من الحياة، إلا من الأشجار التي بدت أوراقها مخيفة، وأغصانها كـ أشباح ليل مستتر. أنساب الخوف في عروقي، وخفق قلبي. الآن فقط أحسست بالجائحة التي أصابتني، وكيف السبيل للعودة الآن؟

لقد ضاقت بي السبل في هذا المكان الساكن، الهادئ هدوء القبور. داهمني البرد بغتة، فضممت جسدي بذراعي وقررت أن أسير ربما أجد ذورقًا للنجاة. لا بد أن أجد أحدًا يرشدني للخروج.

تقدمت كمن أصيب بالشلل، أقدم قدمًا وأؤخر أخرى. وسرت متوغلة بين الأشجار وأنا أتلفّت حولي ودموعي تسيل على وجنتاي في خوف جم. هبت رياحٌ عاتية فجأة هزت غصون الأشجار لأجفل صارخة في ارتعاب، قبل أن يعلو صوت نحيبي وأنا أتابع السير منتفضة، تارة أنظر للشمس الموشكة على المغيب، وتارة أنظر أمامي خشية أن يظهر لي أي حيوان ويلتهمني. ورن في خلدي خاطر مخيف: ماذا سأفعل إن حل الليل؟ كيف أسير في الظلام بمفردي وأنا في هذا المكان؟

أقسم إني سأموت رعبًا، لن أتحمل. بدأت قدماي في الركض، لكن الطريق لا ينتهي وأنا لا أدري إلى أين سيأخذني المطاف، وهل هو الدرب الصحيح أم لا. وماذا سأواجه.

رويدًا رويدًا بدأ الليل يسدل رداءه الحالك، وألقاه على قلبي تمامًا الذي أحسست أنه توقف عن النبض لوهلة. ووقفت ساكنة قبل أن أبكي مجددًا بنحيب ونشيج يمزق فؤادي، والرعب يسري في أوصالي. كان الظلام قد خيم على المكان، أكاد لا أبصر يداي ولا قدماي، وكأن أحدًا ألقى بي في مقبرة توًا، فجثوت على الأرض وأخذت أتلمس أي جزع نخلة أحتمي به. أسندت ظهري إليه وتكورت على ذاتي في هيئة تصيب الناظر بالشفقة. كان جسدي ينتفض ويرتجف مع كل نسمة هواء تحرك أوراق الشجر الذي بدا كالأشباح.

فدفنت رأسي في قدماي أبكي كمن استسلم لمصيره. أنا هالكة لا محالة... لا أعرف كم مضى وأنا بتلك الحالة، حتى أحسست بحركة مفاجأة تحوم حولي. وما أن رفعت رأسي في حدة ممسكة عن بكائي، مر طيف سريع أمام نظري، فاجفلْت واقفة أكفف دمعي وأنا أذرد ريقي في رهبة. اضطرب قلبي مع صوت غريب مخيف صدح فجأة قرب أذني، فبتُ أتلفّت حولي قبل أن أركض بكل ما أوتيت من قوة صارخة أستغيث بأي أحد، لكن صدى صوتي كان يتردد فما يصيبني إلا خوفًا.

بدأ ركضي يضعف... ويضعف، وصرت منهكة للغاية أكاد لا أتنفس من الوهن الذي استعر بيّ. لكني كنت أواصل الركض، أحس بـ أحد يتبعني. وبينما ألتفت ورائي، صدمت بجسد ما طرحني أرضًا، فأغلقت عيناي في عنف خشية أن أرى موتي أمامي. ولا أكاد أتخيل ما الذي ينتظرني، وددت الموت فقط دون أن أنظر لشبح الموت المتمثل أمامي. كان قلبي يخفق في عنف وأزحف للخلف وفمي يبسمل. وصوت آخر تناهى لي يستعوذ...

مهلًا، هذا الصوت سمعته قبلًا، أيقن من هذا. فتحت إحدى عيناي ببطء فرأيته الشاب الذي صدمت به في هذا الصباح في المطار، كان يستعوذ وهو مطبق الأجفان. انتظمت أنفاسي، وهدأ روعي قليلًا ما أن أبصرته. ففتح عيناه وصرنا ننظر لبعضنا البعض ذاهلين. صرخ مستهجنًا ما أن استوعب إني أمامه: «إنتِ؟! لم أستطع أن أرد عليه. فنهضت مقتربة منه، وما أن رأى دموعي العالقة في أهدابي حتى لاذ بالصمت وإطراق. فقلت والدموع تنساب من عيناي بينما أشير

إلى المكان الذي جئت منه: «يوجد... يوجد أحد كان يتبعني.» أذرد ريقه وهو ينظر لي في قلق، وقال كأنه يحاول طمئنة نفسه المضطربة: «احتمال أنه أحد الراكبين الذين كانوا في الطائرة.» نفيت برأسي سريعًا قائلًا: «لا، هذا ليس بشر.» اتسعت حدقتاه وغمغم في خوف حذر: «لا بد أنكِ تتوهمين من شدة خوفك.» كدت أن أجيبه حين دوى صوت غريب مخيف كزمجرة أو صرخة لم ندرك كنهه، فتيبست أقدامنا ونحن نلتصق في بعضنا.

وفجأة شهقنا متراجعين ما أن ظهر أمامنا جسد ضخم مفرط الطول يرتدي عباءة سوداء كاحلة كـ وجهه المظلم تمامًا، كأنه مسحة ظلام. لولا بياض عيناه الأحمر وبؤبؤهما الأبيض، لما كنا نعرف أين وجهه من جسده أو الظلام بمعنى أصح. تراجعنا بخطوات وائيدة وهو يمسك في كفي، قبل أن يصيح الشاب فزعًا: «أركـــــضـــــــــــــــي! يا الله ما هذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم.»

ركضنا بكل ما أوتينا من قوة ونحن نمسك بأكف بعضنا، نعبر بين الأشجار كريشتين تتقاذفهما الرياح. صرنا نبسمل بصوت عالٍ نحن الاثنان، قبل أن يهجم كف ذو الهيئة السوداء ممسكًا بي يرفعني من ملابسي للأعلى وهو يخنق على عنقي، بينما دموعي تسيل وأنا أنظر إلى عيناه المخيفة وقد عقد لساني.

تلفت الشاب حوله قبل أن يقفز نازعًا غصن نخلة، وفي لمحة خاطفة كان يقفز قفزة عالية أدهشتني، غارسًا الغصن في عيني ذي الهيئة السوداء، قبل أن يصرخ صرخة مجلجلة تصم الآذان وهو يتقهقر للخلف، قبل أن أنزلق من قبضته ساقطة أرضًا زاحفة للخلف. فهرع الشاب إليّ وساندني على الوقوف وأمسك بقفي وهَرَعنا هاربين.

وأثناء ركضنا بعد فترة وجيزة، مر طيف غير مرئي أوقعنا أرضًا مندفعين للخلف على وجوهنا. وإذ فجأة كان الشاب يطير بقوة خفية في الهواء رافعًا رأسه ممسكًا بعنقه كأنه يختنق، وأخرج لسانه وراحت قدماه تتحركان في عشوائية وأزرق لونه. فوثبت واقفة وأحسست بكفين ترفعانني للأعلى فصرختُ وسبحان من ألهمني ذكره في تلك اللحظة. أسرعت بقراءة القرآن قبل أن ترج المكان صرخة مخيفة رجت لها قلبي رعبًا. وفجأة سقط الشاب على وجهه. في أوان ذلك، أحسست إن جسدي يرتفع ثم طار في الهواء قبل أن يهوي أرضًا.

طرفَت بعيناي قليلًا وأنا أعلق بصري بالشاب الفاقد الوعي تمامًا، قبل أن يثقل جفناي ولا أشعر بشيء آخر. ***

لم يدركا كم مر عليهما وهما غائبي الوعي. تململ آجار وهو يئن في ألم وكل عضلة في جسده تصرخ من شدة التعب. أطلق آهة وجع وهو يعتدل جالسًا ينظر حوله في تشتت وقد غمر ضوء الشمس المكان حوله. تنهد حامدًا الله وتعجب من ضياء الشمس كيف تبث الأطمئنان للقلوب وتدفئها. جال في ذهنه دارين وقد نساها في لحظة استيقاظه. هب واقفًا باحثًا بعينيه وهو يسير حتى وجدها راقدة على وجهها. اندفع إليها بقوة ودار جسدها، فهاله وجهها الملطخ بالدماء إثر

السقطة الساحقة. فمسح وجهها بكفه ليزيل عنه الأتربة وانتصب واقفًا. خلع قميصه ولفه حول جذعه قبل أن يميل واضعًا ذراعًا أسفل رأسها وآخر أسفل ركبتيها ورفعها بين ذراعيه. دار حول نفسه في تيهة خائفًا من أن يقطع الطريق الخاطئ. أطبق جفنيه مفكرًا للحظات، وفتحهما وقد استقر على أن يتجه إلى البحر مجددًا. وخطى متوكلًا على الله. ظل يسير لوقت لا بأس به، حتى لاح له زرقة البحر من بعيد وصدى أمواجه المتلاطمة، فحث الخطى نحوه. تركها جانبًا

وأسرع يملأ كفيه بالماء ليمسح وجهها يزيل الدماء العالقة فيه. وأخذ يلطم على وجنتها حتى تململت وهي تفتح جفنيها قبل أن تنشقع الغشاوة عنهما لتبصره، فانتفضت جالسة تتلفت حولها في رعب. فهدأها قائلًا:

«لا تخافي، نحن على الشاطئ.» تطلعت فيه للحظات تستشف صدق عبارته كأنها لا تصدق عينيها الناظرة للبحر أمامها، وقالت متلعثمة: «ما الذي حصل؟ هل ما حدث حقيقي أم كابوس؟ هل ما زلنا على قيد الحياة؟ أشفق عليها فابتسم ماسحًا على خصلاتها بحنو قائلًا: «مجرد كابوس وانتهى يا صغيرة.» ثم أردف في تهكم: «أظن أننا موتى!؟ هل عقلك ما زال موجود أم فقدتيه؟ أننا بخير، لم يحصل لنا شيء.» نظرت له شزرًا قبل أن تدفع كفه صائحة بانفعال:

«من الصغيرة يا هذا؟ أنت تقصدني؟ أنا صغيرة! أأنت أعمى أم ماذا! يقول صغيرة سيصيبني بالجنون.» قالت آخر جملتها محدثة نفسها بصورة مضحكة. استفزته كلماتها فلوى جانب فمه مغمغمًا بسخط: «فيمَ تفكرين يا بنت، أنظري أين نحن وفكري فيمَ قد يحصل لنا، وانظري إلى نفسك على ما تعترضين. بالفعل أنتِ معتوهة. أنا مخطئ إن كنت حملتك حتى جئت بكِ إلى هُنا.»

قالها وقد نهض مهتاجًا يضع كلا كفيه في جذعه يتنفس في سرعة. فرمقها برفع حاجب حين ترقرقت الدموع في مقلتيها، وقالت بنبرة متهدجة مختنقة بالبكاء: «هل سأعود لأهلي مجددًا؟ أيمكنني رؤيتهم مرة أخرى؟ يا ترى كيف حال والدتي الآن؟ رفعت بصرها إليه، وقالت والدموع تنساب على وجنتيها: «أقسم بأن أمي قد جُنت أو قد غادرتها روحها مع خبر فقدي. أظنها تظن أني ميتة الآن.» غطت وجهها بكفيها وعلا نحيبها وشهقاتها وهي تتابع:

«أخشى أن نموت هنا ولا نعود، نحن لن ننجو.» رق قلبه لها. كلماتها ضربت في أذنه كالسوط. تنهد في عمق، وقال: «سنجو وسنخرج من هنا، أنا على يقين من ذلك، لن يخيب من قال يا رب.» «يا رررب، الآن ما خطوتنا التالية؟ إذ لم ننج من هذا المكان وتقتلنا أشباحه، سنموت جوعًا لا محال.» نظر لها في تهجم. معها حق فيما قالت، لكن لا ضرر من المحاولة إذ كان الموت يحوطهم هكذا عاجلًا أم آجلًا.

قفز فجأة متسلقًا الأشجار يخلع أغصانها قبل أن يقفز مجددًا ويسنّن مقدمتها، فساءلته مندهشة: «ماذا تفعل؟ «أصنع ما يمكن أن يحمينا في سيرنا يا فتاة.» ابتسمت في تهكم وقالت مستنكرة: «أنت أبله، وهل هذه ستحمينا؟ لم يعرها اهتمامه وصب كل تركيزه على ما يفعل، حتى انتهى. فتقدم منها وناولها واحدة وهو يقول في جدية: «إن حدث شيء وتفارقنا، وظهر أمامك أي وحش، فقط اغرزي هذه في عينيه ليفقد البصر واهربي.» تساءلت في جزع: «وهل سنفترق؟

هز كتفيه وقال: «لا ندري ما الذي يخبئه لنا هذا المكان، كل شيء وارد.» أشار لها لتسير خلفه، وفي هذه المرة اختاروا طريقًا آخر، طال بهم المسير. في تلك الأثناء استراحا قليلًا منهكي القوة، يكادان يموتان جوعًا. كانا يسترحا ليستردّا أنفاسهما ويتابعا السير. وما زال على حالهما حتى لاح من بعيد صحراء جافة ذات أرض صلدة. فتلفت آجار حوله مذهولًا وقد تنبه غياب الأشجار. لاحظ تشبث دارين به فسأل تلقائيًا وهو يشد على يدها يطمئنها:

«ما اسمك؟ «دارين.» وقفا ساكنين يتأملا الصحراء في دهشة، فقالت دارين في إحباط: «ماذا سنفعل؟ هل سنعود؟ هز آجار رأسه قائلًا: «العودة ليست آمنة، واعتقد أننا قد نجد إحدى الجزر التي قد يساعدنا أهلها لطريق العودة.»

أومأت موافقة على كلامه، وخطيا معًا. لفح دارين القلق أكثر، فضغطت على كف آجار الذي شدد من ضم كفها في راحته. وفجأة وبينما يسيرا، انزلقت قدم آجار مصحوبًا بصرخة دارين، قبل أن تتسع حفرة وانزلق جسده بداخلها خلفه دارين التي لم تكف عن الصراخ وهما ينزلقا على منزلق رملي في سرعة فائقة.

كانا ينزلقان بسرعة شديدة في هوة عميقة. سقط آجار فوق رأسه منقلبًا وخلفه دارين مباشرةً. اصطدم جسداهما سرعان ما تماسكا. ونظر ذاهلين للفجوة والمنزلق اللذان تلاشى ولا أثر لهم. رمشا بأجفانهما في حيرة وقلق. ونهضا فورًا ينفضَا الغبار عن ملابسهما، ودار بصرهما في الصحراء الذهبية المفترشة أمامهما. تبادلا النظر في قلة حيلة وعجز، قبل أن يكررا السير. اقشعر جسدها فبادرت بوضع كفها في راحت كفه، فأبتسم يطمئنها. ***

طال بهما المسير، قلبهما امتلأ بالرجفة والأضطراب، وأرواحهما استسلمت تسليمًا عظيمًا للموت في أية لحظة، وتسرب الرعب في أوردتهما. وفجأة تراقص قلبيهما فرحًا، وتهلل وجهيهما سرورًا، والأمل بدد الخوف في أفئدتهما. قرب آجار ساعة معصمه دون تصديق وهو يهتف بلهفة ونظره معلق على دارين التي صاحت صيحة فرح وهي تطالعه في ترقب: «أراس! يا هذا أنت تسمعني أم أني أهزي فقط؟ «أيها الوغد، قلت لك ألا تسافر. لماذا تصر على موتي بسكتة قلبية؟

أقسم لك أني كدت أفقد روحي ما أن سمعت بخبر الطائرة... وصاح منفعلًا صيحة أرجفت دارين: «أيـــــــــــــــــــن انت يا هذا؟ أقسم بأني سأبرحك ضربًا ما أن أراك.... قاطعه آجار قائلًا وعيناه تجوب الصحراء الممتدة أمامه: «أهدأء يا هذا، أظن إني سأموت حقًا. أنا لا أدري أين أنا، كم إني معي بنت.» سأل أراس في ترقب: «من؟ هل تعرف دارين زين القاضي؟ هل كانت معك على متن الطائرة؟ هُنا صاحت دارين في لهفة: «أنا... أنا هي! من أنت؟ تعرفني؟

واستطردت في نبرة على وشك البكاء: «لو سمحت اخبر جدتي لمار الشرقاوي أنني على قيد الحياة، أخبرها أن تنقذني في أسرع ما يمكن.» ربت آجار على كتفها، بينما قال أراس بنبرة هادئة: «لا تقلقي يا بنت، معك آجار أكبر زعيم مافيا لا يهاب من أي شيء. وبخصوص جدتك سأخبرها برسالتك، ولا تقلقا سأرسل من يبحث عنكم حتى تعودا.» كان يتابع حديثه بينما ارتجفت دارين وهي متسعت العينين في آجار، وكلمة واحدة تضرب في أذنيها: زعيم مافيا!

هل هكذا ستطمئن حقًا وهي مع رجل مافيا؟ يقتل، يسرق، يتلذذ بقتل ضحاياه كيفما يشاء، كيف لا بد أنه معتوه هذا الآخر. أذرد آجار لعابه وهو يبتسم لها في بلاهة، وقال: «أراس يا هذا، ما بك؟ تقولها بفخر يا رجل.» رنتين حادتين أعلنتا عن إغلاق الساعة في وجه أراس بعد فقدانها الشحن، وهربت هي الأخيرة كأنها لا تريد إنصافهما... ولا نجاتهما. فتبادلا النظرات المفعمة بالإحباط، واقترب آجار منها قائلًا: «ماذا سنفعل؟

هل نتابع السير أم ننتظر هنا؟ قالت دارين وهي تمعن النظر في وجهه: «هل حقًا أنت زعيم مافيا؟ أومأ برأسه في برود فتقهقرت للخلف محدقةً فيه. أُفتر ثغره ببسمة باردة وقال متهكمًا: «لن آكلك يا بنت، أنا لست من آكلي لحوم البشر ولا أستغيثه.» اشمأزت ملامحها، بينما تابع: «لا تهابيني، لا أؤذيكِ، وخاصةً أن أراس يعرفك، فـ اطمئني. أنا لا أؤذي الجنس الرقيق.» أشاح بوجهه وأتمتم ساخرًا: «رغم إنك بعيدة كل البعد عن الجنس الرقيق.»

تدلى فكها من فرط الصدمة، وقالت وهي تشير لنفسها بسبابتها: «أنا؟! أنا يقال ليّ بأني بعيدة كل البعد عن الجنس الرقيق.» هز رأسه في برود ولاعب حاجبه في استفزاز، فاندفعت تدفعه من صدره وهي تصيح: «إيها المجنون، لا بد إنك أعمى القلب وأعمى العين حتى لا ترى كتلة الجمال هذه أمامك.» تراجع بخطواته مبتعدًا عن سيل ضرباتها، ورفع كفيه في استسلام مرددًا: «حسنًا، حسنًا أيتها الفاتنة. أردت فقط استفزازك لأشعر أننا على قيد الحياة.»

تخصرت وهي تنفث غضبها في زفرة عميقة وزمت شفتيها مغمغمة: «اعتدل يا سيد ولا تثر جنوني، فـ أنا حين أفلت أعصابي أصبح مخيفة، لا يغرك تلك الرقة.» قالتها وهي تزجر وتكشف عن أنيابها مثل نمر يتربص الانقضاض على فريسته. فضحك عليها وغشاهما السكون للحظات، قطعته دارين وهي تمسك بطنها مدمدمة بأسى: «إني جائعة... يبدو إننا سنموت جوعًا هُنا؟ نفى بثقة يحسد عليها وهو يشير لها برأسه لتتبعه، وقال:

«كفاكِ كسل وهيا نتابع السير. أما الموت أو أن نجد أي شيء يسد جوعنا. لن نستسلم وربما وجدنا بعض الركاب الذين كانوا معنا، هيا بنا.» سارت خلفه تترنح من إثر الإنهاك بينما كان يسير هو في حماس ويحثها على الإسراع. وقفت مجددًا واستوقفته ليستدير لها في سخط، فتجاهلت سخطه وغمغمت وهي تزم شفتيها كطفلة: «أنا عاوزة آكل يا بغل أنت، أنا إيه ذنبي إنك ثور مبتحسش وجسمك يستحمل... في رأيك الجسم السكر العسل الرقيق ده يتحمل زيك؟

دا أنا بذوب زي السكر في الشاي والله حرام.» بدا على ملامحه التهجم وأنه لم يفهم أي حرف مما تفوهت به، فضيق عينيه وقطب حاجباه وردد مندهشًا: «ماذا تقولين؟ لا أفهم، أعدلي فمك وتكلمي جيدًا.» في سورة من الغضب صاحت دارين غاضبة: «أقــــــــــــــــــــول إني جائعة، أريد أن آكل، جسدي الرقيق هذا لا يتحمل مثلك، تصرف.» رمقها بنظرة سريعة من رأسها لأخمص قدميها في ازدراء زائف وهمس: «من تعنين بصاحبة الجسد الرقيق؟ أنتِ؟

ثم صاح ليتجنب انفعالها غير المبرر بمثل هذا الوقت وتلك النكبة: «إنك فاتنة يا بنت ولست جميلة.» ابتسمت وهي تنكس رأسها في حياء، فـ تفل عن يمينه وهو يدمدم: «سحقًا للفتيات، وسحقًا لوجودهم معنا، وهم في أصعب لحظاتهم ومصائبهم يهتمون بأنفسهم وبمن يلقي على مسامعهم كلمات غزل، ويصبحون وحوشًا إن قلل أحدهم بجمالهم... أوغاد.» «ماذا تقول... هل قلت شيئًا؟ تنبه فورًا وهز رأسه في عنف: «لا لا لا، ماذا قد أقول أنا فقط....

بُترت كلماته صهيل أحصنة وأزيز حوافرها يصدر صوتًا يرج الأرض رجًا من أسفلها، بينما عاصفة من الغبار والضباب كانت تعبئ المكان فجأة. فدنت منه دارين هامسة بانبهار: «ما هذا؟ ثم انفجرت أساريرها وقالت وهي تقفز: «الحمد لله يا رب! في ناس، في حد هينقذنا، هييييه!

صمتا وارتكزت أبصارهما نحو الأحصنة التي راحت تتقدم في سرعة نحوهما. مرت الثواني محملة بكل مشاعر الخوف والترقب، منتظرًا عما سيسفر هذا المشهد المهيب. وفجأة اتسعت أعينهما وفغرت أفواههما وهما يُمعنان النظر بالرجال ذوي الهيئة الغريبة وقلنسوات أغرب، واندفعت الأحصنة تدور حولهم وهم يدوروا حول نفسهم كما تدور. وبغتةً صوت مهيب يهتف: «من أنتما؟

لم يردا من فرط زهولهما. اصطفت الأحصنة جوار بعضها، قبل أن يتجلى أحدهم ويقترب منهما متأملًا إياهما بفترة، وقال: «من أين أنتم؟ هتف صوت أحد الرجال من خلفه: «يبدو إنهما غريبان يا سيدي وخطران! تبادلت دارين النظر دهشة مع آجار، قبل أن يعلقا بصرهما في الواقف أمامهما يروح ويجيء عاقدًا كفاه خلف ظهره متفكرًا. وعلى غرة وقف والتفت إليهما. لتصيح دارين فجأة: «الأميرة ميليا... مين دي؟ وإيه الاسم الغريب ده؟

ما كانوا سموها ملايين أحسن.» صاحت صيحة دهشة حين أسرع الرجل بوضع كفه موضع قلبه والآخر ظل خلف ظهره وانحنى برأسه قائلًا بوقار: «مولاتي، أين هي؟ ترقّع بأنامله وفوجئ آجار بالرجال تندفع خلفه ليجبروه على الركوع أرضًا، فلكم أحدهم من فرط عصبيه. فـ إنهالوا عليه ضربًا بأقدامهم، في حين كانت دارين تتأمل الرجل في انبهار مغمغمة في ابتهاج: «أميرة؟ من هي الأميرة أيها الوسيم؟ صاح آجار مستغيثًا: «أيتها الساذجة أنا سأموت!

أنقذيني، افعلي شيئًا! شوحت بكفها دون النظر إليه، وتابعت تحديقها في القابع أمامها في إجلال: «من هي الأميرة؟ رد الرجل في هدوء وهيبة: «كيف من هي؟ أين الأميرة؟ نحن لم نكف عن البحث عنها! انتفضت فجأة تخبره أن يأمر الرجال بترك آجار، فتركوه فورًا. وظل يسبها وهي غير مبالية به البتًا. بينما قال الرجل الذي أمامها في نبرة حادة وقورة: «يجب أن تري الأمير حالًا! «أمير!!!

رددتها دارين مبهوتةٌ قبل أن يجروا آجار عنوة ويسحبها الشاب في رفق. *** لم يهدأ لهم بال بالبحث عن دارين. حتى أن لمار استغلت مكانتها في إرسال طائرة للبحث عنها وعن المفقودين. ألهبت الصدمة قلوبهم، وخاصةً قلب سجى التي تعتبرها ابنتها التي لم تلدها، فهي التي اهتمت بها منذ الصغر. كان جو البيت مشحونًا بالكآبة.

طرق أراس على باب حجرة مكتب خديجة في المستشفى ووقف في انتظار أن تدعوه للدخول، الذي لم يطل وجاءه صوتها المحبب يأذن له. ففتح الباب وطل منه، لتنظر إليه في وجل وهي تترك الملفات من يدها. تنحنح من سطوة تأثيرها الطاغي عليه وتقدم تاركًا الباب خلفه مفتوحًا وجلس أمامها دون أن يأذن له بذلك. غشاهما السكون لدقائق، كانت خلالهما تنقر بالقلم على المكتب في توتر. قال وهو ينظر لها فجأة: «دارين قريبتك بخير! لم تستطع كبح

لهفتها وهي تنظر له منتفضة: «جد؟ كيف عرفت؟ من أخبرك؟ أذرد لعابه متنهدًا من لهفة نظرتها الخاطفة إلى عيناه وغمغم: «هي بخير، مع آجار، وقد حادثتها.» هتفت خديجة بحنق وقد خالجها شعور أنه يكذب: «حقًا؟ وكيف حادثتها؟ أخبرني! نظر لها شزرًا وقال وهو يجز على أسنانه: «لا تلفي أعصابي يا خديجة بسخريتك.» وهدأت نبرة صوته مستطردًا: «أردت فقط أن أطمئنك لتطمئني أهلها أنها بخير، وطالما آجار برفقتها فهي ستعود سالمة.»

سألته خديجة وهي تصرف كل جوارحها بعيدًا عنه: «أود أن أعرف كيف علمت بذلك، وهل يمكنك التواصل معهم؟ هل تعرف مكانهم؟ قال أراس وهو ينظر لساعة مرفقه المستند إلى المكتب: «لدي أنا وآجار هنا ساعة قادرة على بث أصواتنا لبعضنا في أي مكان كان.» رفعت خديجة حاجبيها وقالت في استنكار: «هذا عجيب؟ وهل الساعة تعمل بعد سقوطهم؟ نهض أراس في إشارة لغلق النقاش ويقول:

«الساعة من صنع آجار، وهأنذا أخبرك دارين بخير وستعود حتمًا. أنا أعمل ما بوسعي لأصل لمكانهما.» هم أن يغادر لكنها استوقفته منادية باسمه، وهتفت وهي تقوم: «هل يمكنني أن أحادثها؟ قال دون أن يلتفت: «يؤسفني أن بطارية ساعته قد انتهت.» قالها وتقدم حتى ما أن وصل إلى الباب قال: «سآخذ أبي ما أن تستقر حالته وأسفره لأطمئن، وحينها سأفضي للحديث معك، فـ حان الوقت...

انصرف فور جملته، تاركًا إياها تنظر لأثره مبهوتة تتوجس خوفًا، وقد فطنت أن كلامه الغامض مغلف بقرارات تبغضها. ماذا يريده منها؟ وما سيفعله؟ زفرت في استسلام للقادم وعادت جالسة خلف مكتبها تتذكر صياحها وهي في عمر الثانوية في ياسين ومشاكستهما أمام الباب التي انتهت بنزولها الدرج قائلة بتذمر مرح: «ظباط، العيلة كلها ظباط ومفيش ولا ظابط بص في خلقتنا ولا عريس نط في وشنا..»

ثم تابعت في هيام: «ولا مجرم خطفني ووقعنا في غرام بعض وعشنا جو من الأكشن والمغامرات. يااااه، عيلة فقر.» اجترت بعض الذكريات الأليمة وفاقت منها ببسمة أليمة هامسة في نفسها: «يبدو أن كلامي التافه اللي مكنش له معنى هيتحقق.» وتابعت في ثقة وكره: «بس أنا مستحيل أحب مجرم، مستحيل قلبي يدق لـ أراس مهما كان...

انتشلها من دوامة نكبتها طرقات على الباب، فرفعت عينيها تأذن للطارقة ببسمة مرحبة وهي تتقدم نحوها وعانقتها وهي تدعوها للجلوس. كانت والدة لإحدى الحالات لديها، جلست تفرك كفيها في توتر، فحثتها خديجة ببشاشة: «ليه التوتر يا أم يمنى؟ قولي على طول إحنا أخوات.» بشاشة خديجة جعلت المرأة تهش وتبش وابتسمت وهي تردف لها وإمارات القلق على وجهها:

«فكرت كتير قبل ما أقرر أجلك، والصراحة أنا مترددة لأن الموضوع مش بخصوص يمنى ولا حتى علاجها، دا موضوع شخصي ومش هلاقي أفضل منك ينصحني فيه؟ انصتت خديجة إليها كليًا ومالت بجذعها في اهتمام، لتذرد المرأة ريقها وتابعت في حذر يشوبه التوتر:

«معايا اخت يمنى الكبيرة، والدها جاب لها تلفون وعمل لها صفحة على الفيسبوك بغرض أنها تنشغل عشان ما تصابش بحالة نفسية بعد بُعد اختها وحجزها في المستشفى، فـ لاحظت امبارح بالصدفة لما رجعت أجيب هدوم أنها بتكلم شباب.» سكتت المرأة تستشف رد فعل خديجة التي بدت هادئة للغاية ومترقبة لتتمة الحديث مما شجعها لتتابع:

«لحظت عليها كمان أنها ليل نهار قاعدة عليه، حتى على الأكل بتأكل وهو في إيدها، تنام على نفسها وهي ماسكة، مبتسبهوش غير على الصلاة اللي بقيت تقروتها وتصلي في سرعة وتقعد تمسكه.» صمتت برهة وقالت في رجاء: «حاسة إن بنتي بتضيع مني! اعمل إيه؟ ردت خديجة في حكمة وهي تضم ذراعيها وتتراجع لظهر المقعد:

«الحكاية كلها عاملة زي إننا بنرمي الطفل في النهر ونقول له يا إما تسبح وتُعوم وتخرج يا هتغرق. وبنتك غرقت ملقتش ذورق نجاة ينجيها، وتخللتوا عنها كلكم وسبتوها تغرق لوحدها من غير ما تعلموها إزاي تعوم. وده حال التلفون عامةً والفيسبوك، طالما بندي عيالنا تلفون وخد العب واعمل ما بدالك من غير ما نوجه ونعرفه الغلط من الصح، فطبيعي العيل يتوه وينغمس في حاجات جديدة عليه مش فاهمها.» صمتت لهنيه وقالت موضحة أكثر:

«كان لازم حد كبير يقعد مع العيل ساعة على الأقل يعلمه أضرار الفيسبوك وخطورته، يعلمه أن زي ما فيه حلو فيه وحش، وزي ما ليه مميزات ليه أضرار. مينفعش أرمي ابني في النار وأكتف إيدي وأتفرج، كدا هيضيع ومش هو السبب. الغلط الأكبر بيبقى مننا إحنا الكبار. مينفعش أعاتبه وأمنعه وأحرمه من التلفون وأعاقبه، لأن قبل كل ده الغلط يكمن من الأكبر لأنهم بيحتاجوا توجيه.»

«بنتك مكنتش بتتكلم ولا كانت تعرف يعني إيه فيس ويعني إيه ماسنجر، ولا كان في حد يوجهها، فبالتالي هي لقيت عالم تاني. لقيت حد يكلمها ويشاركها يومها. هي عارفة إن ده غلط بس بترجح أنه عادي طالما والدها عملها الصفحة، متعرفش أضرار دا كله عليها. وتسليت الشباب احتويها، وخذي مهلة كوني جنبها وصاحبيها وعرفيها الصح من الغلط، هتلاقيها بدل ما بتتكلم بتغير الدفة، هتقرا كلام مفيد وهتتعلم من غلطها وتستعمله في الخير. متسمحيش لبنتك تنغمس أكتر في العالم المخيف ده والحقيها.»

أنهت خديجة كلامها والبسمة تزين ثغرها، فشكرتها المرأة وسألتها بضع أسئلة قبل أن تنصرف، أعقبها انصراف خديجة لتخبرهم بما قاله أراس. *** بعد إصرار عائشة التي جاءت منذ ساعات من السفر، لم تجد أروى بُدًا من أن تصطحبها إلى منزل أراس. فبعد ما علمت من خديجة ما قاله، جن جنونها وثارت وترجتها لتذهب بها إليه، فقبلت قسرًا وأخذتها خفية دون أن يعلم أحد.

رنت أروى الجرس ووقفت في انتظار أن يفتح لها بجوارها عائشة الشاحبة شحوب الموتى. لم يدم انتظارهما طويلًا وإذ بـ أراس يهل من فرجة الباب ورمقهما في دهشة، لكنه سرعان ما ابتسم لأروى مرحبًا وتنحى جانبًا وهو يشير لهما بالدخول: «تفضلا، تعالي يا أروى تفضلي.» دخلت أروى في توتر في أثرها عائشة. أغلق أراس الباب ودعاهم للجلوس، لكن باغتته عائشة منفجرة في البكاء هاتفة بقلب منفطر: «هل حادثت ابنتي صدقًا؟ هي بخير؟ ستعود أم أنها ستم...

لم تستطع إتمام عبارتها وظلت تنتحب، فأجفل أراس وقال في حنو: «رفقًا بقلبك يا أمي، أبنتك بخير، ثقي في كلامي... فلتجلسي أولًا.» ضمتها أروى وأخذتها لتجلسا، فغادرهما أراس وعاد سريعًا بكوب من الماء ناوله لعائشة لترتشف منه قليلًا وأعادته له، فجلس على حافة الطاولة أمامها ومال بجذعه وأردف: «أنتِ بخير الآن، أحسن؟ أومأت عائشة وكانت قد هدأت نوبة نحيبها وشهقاتها وكفكفت دموعها وهي تقول: «بخير... دارين ابنتي هي بخير حقًا.»

أدمعت عينيها وهي تتابع بصوت مبحوح: «أنا لن أستطع أن أخسر أحد مجددًا، لم يعد لي قلب ليتحمل، ما حصل لوالدها وأخويها ما زال يوجعني، أمات قلبي. إن رحلت سأفقد روحي.» أدمت كلماتها فؤاده فقال بلطف: «لا تتحسسي ندوب قلبك يا أمي. الراحلون ليسوا موتى، هم أحياء في القلوب ينيرون عتمتها. دارين بخير، هي مع أخي.» صمت لبرهة وغمغم:

«لا أدري إن كان معهم أحد آخر، لكن ثقي أن أخي معها وسيحميها وستعود لكِ. كما أنني لم يهدأ لي بال وأرسلت من يبحث عنهم، لن يغمض لي جفن قبل أن يعودا بخير، حتى لو اضطررت لقلب العالم بحثًا عنهم سأفعل، لكن أنتِ طمئني قلبك ليس هناك فقد مجددًا وستعود بحضنك قريبًا، وهذا وعدٌ مني.» «سأثق بك فلا تخيب ظني يا بُني.» «ثقي بأني سأعيدها إليكِ يا أمي.»

شكرته أروى وعائشة ورحلتا وقد انقلب حال عائشة وتبدد حزنها وقلقها لأمل. الآن تعلم أن ابنتها على قيد الحياة.. وليست بمفردها وهذا يكفي. ستتضرع إلى الله ليلًا ونهارًا حتى تعود، سيعيدها الله إليها، هو أعلم بحال قلبها المكلوم وسيجبره ولن يخيب ظنها فيه، إنه مجيبٌ قريب. ***

تجمعت الفتيات في جلسة مليئة بالبهجة والسرور ممزوجة بالقلق القاتل الذي يحاولون وأده بأشد الطرق. الفرحة لم تكد تسعهم، وخاصةً بعد مجيء وعد هي الأخرى التي ما أن جاءها الخبر حتى حضرت في خلال ساعات برفقة رحيم.

بينما تجمع الرجال في حديقة المنزل يتسامرون هم والشباب. قرروا أن يصلوا قيام الليل معًا، تامهم خديجة. فوقفن جميعهم الفتيات والكبار في شقة ياسين. بينما جلست وعد لتصلي على مقعدها المتحرك. بدأت خديجة الصلاة وما أن صوتها بأختراق أذن وعد حتى صارت تتنهد في صورة غير طبيعية، وصدر عنها صوت مهيب مخيف وهي متسعة الحدقتين حتى كادتا بؤبؤهما أن يخرجا من محجريهما. صار رأسها يتحرك يمنة ويسرة، وقبضتيها تضرب في ذراعي المقعد. لم تكن تدري بذاتها، فهي قد سُحبت أو بالاحرى سُجنت لدى عالم آخر في روح أخرى.

تناهى لهن صوت غريب يصدر من وراءهن فلم تلتفت أي منهن أو تعطي له بالًا، إذ كانت خديجة في خشوع تام وقلب مرفرف يبكي كدموعها التي بدأت تهوى هويًا إلى وجنتيها.

بعد ما فرغن التفتن جميعًا ليعرفن مصدر الصوت، فهالهم منظر وعد التي بدأت تزوم وهي تنظر في سورة من الغضب إلى خديجة تحدق فيها بهيئة غريبة كأنها ستنقض عليها. الصدمة شلت أقدمهن. رويدًا رويدًا بدأت وعد تغلق عينيها وتهدل جسدها تمامًا وسكن. فهرعن نحوها مزعورين. وراحت خديجة تضرب بخفة على خدها فراحت تهمهم بعد دقائق من القلق الذي استعر بقلوبهم.

فتحت مقلتيها في وهن وهي تمسك رأسها بصداع حاد كاد أن يفجرها وداهمها دوار جعل رأسها تميل على جانب واحد ولم تنطق ببنت شفة غير: «آه رأسي أنا... أنا دايخة.» أسرعت أروى إلى المطبخ وأعدت كوب ماء محلى بالسكر وسقته لها على مهل، فشكرتها وعد وانفض الجمع وعادوا ليتسامرون معًا. رغم ضحكاتهم وإظهارهم المرح، ألا أن القلق والخوف كان يغلف أفئدتهم. ***

وقفت خديجة أمام المشعل تعد العشاء للجميع. لم يكن هنالك غيرها. وبينما هي تعد وتقلب ما أمامها، ظهرت وعد بغتة خارج المطبخ على مقعدها بمقلتين تقدح شرارًا ووجهًا يطفح غضبًا. حدقت في النار المشعلة أسفل الإناء فإذا بنار مهيبة مخيفة ترتفع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...