في مصنعٌ خالي من كل شيءٍ، ما عدا شابٌ مذعورٌ بمدفعٍ يروح ويجيء أمام آجار والفتاة اللذان جالسا في خشوعٍ مقيدان الأيدي خلفهم. مالت الفتاة قليلًا على آجار وهمست: -ماذا سنفعل؟ غمز لها آجار قائلًا بعبث: -ليس الآن يا حلوة، سترين! لم يمهلها فرصة الحديث مجددًا إذ أشار للرجل الذي يحرسهما في برودٍ وغمغم: -إنت! التفت له الشاب، فأشار لهُ آجار برأسه ليقترب، فحدجه في مقتٍ ودنا منه، فتطلع إليه آجار وسئله: -من مديرك يا هذا أخبرني؟
من أمركم بخطفي؟ ألقى عليه الشاب نظرةً هازئةً وهو يقول بلا اهتمام: -وما دخلك يا هذا؟ فطن آجار من لهجة الشاب وابتعاده أنه لن يحصل منه على أي معلومة، ولن يبوح أبدًا، فأطرق مفكرًا مليًا قبل أن يرفع رأسه هامسًا في حزنٍ مصطنعٍ وحسرةٍ للفتاة: -تدرين؟ أنني أكثر الناس حظًا تعسًا بسببك، فلولاكِ لكنت الآن أتجول وأعبث وليس مكتفًا هكذا! عضت الفتاة على أسنانه وهي تجيبه في استنكار: -أنا؟ من مِن المفترض أن يلوم الآخر؟
أنت السبب في أسري في هذا المكان.. والآن كيف سننجو؟ ابتسم في مكرٍ وبساطةٍ، سألها: -ما اسمك؟ -منة. تأمل ملامحها قليلًا، وقال في لطف: -إذن يا منة أنتِ مسؤلة مني وعليَّ إخراجك من هنا وهذا سهلٌ، ولكن ستفعلين ما أقوله دون أسئلة، حسنًا؟ أومأت برأسها وهي تسأله في عناد: -وستقبل أن أعمل معك حوار؟ فغر فاه من فرط دهشته، فيمَ تفكر تلك وهو لا يدري هل سيخرجان أحياءً أم جثتان، رمش بأهدابه مغمغمًا في حنق:
-يا لكِ من غبية ومعتوهة، فيمَ تفكرين أنتِ؟ قالت منفعلة: -ستوافق أم لا؟ تنهد في غضبٍ بيّن وقال من بين أسنانه: -أوافق يا منة، أوافق. ابتسمت في راحةٍ فزم شفتيه حنقًا، تحمحم قبل أن ينادي للشاب فألتفت إليه، فهتف آجار فيه بوجهٍ محتقن: -أريد أن أشرب يا بُني، أم ليس لديكم ماء؟ وقف الشاب ساكنًا يحدجه في غضبٍ قبل أن يدمدم وهو يبتعد عنهما.
فحرك آجار بحذرٍ كفيه وجذب بأنامله نصلًا من بين أكمام كفه الأيسر، وفي يسرٍ كان يحركه على الحبال المعقودة حول مرفقيه حتى حلّت العقدة، فتهدل منكباه في آنٍ ذلك وصل الشاب وانحنى بفوهة القارورة إلى فم آجار، الذي مال بفمه ولكن قبل أن يلمسها حرر كفه ليضرب الزجاجة في وجه الشاب الذي تقهقر للخلف وكانت الزجاجة تلقائيًا تنسكب أرضًا، وثب آجار وركل الزجاجة بقدمه، وقبل أن يستوعب الشاب اندفع آجار نحوه وصوب له لكمةً في صدره تلاها أخرى
في معدته، وأنهال عليه ضربًا، فدفعه الشاب بغتةً للخلف وابتعدا ثم التحما ودارت بينهما معركةٌ شرسةٌ، ومنة تشاهد بأعينٍ مبهرةٍ متسعةٍ وفاهٌ فاغرٌ من فرط الذهول، سدد الشاب لكمةً في بطن آجار الذي مال متأوهًا لثوانٍ كانت كفيلةً أن يخرج الشاب نصلًا ويغرزه في ذراع آجار مع صيحةٍ منه الفزعة المحذرة، تفادى آجار النصل الذي كاد يُغرز في جنبه إذ مال لجانبه فمر في الهواء وأمسك بذراع الشاب وطفق يضربه حتى انزلق من كفه وثنى ذراعه خلفه
ثم دفعه على الجدار وأمسك بمؤخرة رأسه ودفعه على الحائط مرةً والأخرى وكان الشاب يفقد وعيه منهارًا..
تركه وهرول نحو منة وفك قيدها وامسك بكفها وخرج بها من المصنع، كادت تثرثر حين رمقها بنظرةٍ كانت كفيلةً أن تبتلع كلماتها وتلزم الصمت، التفت حوله. يفحص الطريق فوجد سيارةً بدا له أنها تابعةٌ لصاحب المصنع، فنظر من النافذة فوجد المفتاح فيها فأمر منه أن تصعد.
دار محركها وقاد في سرعةٍ، بعد فترةٍ وجيزةٍ تنبه لسياراتٍ تتبعه مجددًا فضرب بكفه عجلة القيادة ناظرًا لـ منة بنظرةٍ حارقةٍ فوجدها شاردةً، ويخشى أن يصيبها شيءٌ ويكون بسببه، تنبهت لـ نظراته التي أصابتها بحرجٍ شديدٍ، فغضت الطرف وهمست بخجل: -آسفة.
لم يعرها انتباهه بل صب جُل تركيزه على الطريق وذاد من سرعة القيادة فجأةً كان الرصاص يخترق عجلات السيارة التي راحت تدور حول نفسها قبل أن تقف، فترجل سريعًا وهو يصيح فيها أن تنزل وأمسك بمرفقها في عنفٍ وركض في سرعةٍ تجاه الغابة فلحق به الرجل، وقفا وراء شجرةٍ وأخذ يتابع الرجال، بحدقتين حادتين كـ الصقر قبل أن يزمجر كنمرٍ متوحشٍ.. ألتقط حجرًا وألقاه بعيدًا لجهةٍ أخرى فركض الرجال جميعًا خلف الصوت الذي أصدره الحجر وفلح في تشتيتهم.
نظر لـ (آجار) الساكن أمامه وقال: -أتتعرفين كيف تتسلقين؟ نظرت له دون فهمٍ وهزت رأسها فأعطاها ظهره وهو يغمغم: -إذن ستعرفين يا فتاة، تشبثي.
ترددت قليلًا قبل أن تضع كفيها على منكبيه ولفت ساقيها حول جذعه في سرعةٍ كان يتسلق بها الشجرة في خفةٍ وقد ساعدته نحافتها وجسدها الهزيل، تركها متعلقةً على جذع نخلةٍ وقفز هو فورًا وراح يسير في حذرٍ خلف الرجال الذين كان يتبعه فسار العكس وبات هو يتبعهم، لمح طيف أحدهم فتوارى وتربص به حتى هم أن يمر فوضع ساقيه فتعثر فيها الآخر وقبل أن يصيح كانَ (آجار)
يلتقط سلاحه الذي وقع منه حين تعثره وأطلق على جبهته فسقط صريعًا في الحال، التفت حوله والسلاح في يده على وضع الاستعداد تربص بآخر وهوى بمؤخرة السلاح على رأسه ففقد وعيه ودفعه لـ يُطرح أرضًا، برز أمامه أحدهم فـ ألقى السلاح بعيدًا وتفرس ملامحه وانقض على بعضهما، كاد أن يركله لكنه صد ركلته وأمسك بقدمه ولواها ودفع الشاب ليسقطا أرضًا وثب ووثب الآخر صوب له لكمةً فـ أمسك (آجار)
بقبضته وهو يتراجع برأسه وكال له الضربات بقبضته الأخرى، داره و أطبق ذراعه على عنقه وسأله في حِدة: -من خلفك يا هذا؟ أزرق وجه الشاب وشحب لونه وهو يهمس بأنفاسٍ متقطعةٍ بصعوبة: -الـ.. السفاح.
نطق بأحرفٍ متقطعةٍ، فشدد آجار على عنقه حتى خرجت روحه وتركه وهو ينفض كفيه ويعود لـ منة، لينزلها من فوق الشجرة، كانت ساهمةً.. مرتعشة الأطراف ترتجف وتنتفض تأملها وهم أن يسألها إذا بخير لكن بدلًا عن ذلك دفعها في هلعٍ للجانب الآخر وقفز هو لتخترق رصاصة الشجرة، وثب منطلقًا إلى الشاب الذي أطلقها وركل يده ليقع السلاح منه، ودفعه الشاب فسقط فضرب آجار ساق الشاب فوقع على ظهره فتدحرج ملتقطًا السلاح وقبع بركبته على صدره وأطلق رصاصةً في وسط جبهته أعقبها صرخة منة الفزعة فـ أعتدل واستدار لها، فراحت تتراجع في خوفٍ وهي تهز رأسها والدموع تتلألأ في أهدابها، أطبق جفنيه لفترةٍ قصيرةٍ وبتُروٍ
همس: -منة، كان يجب أن أفعل هذا وفعلت، كان إما أن نموت أو يموتون. وقفت ساكنةً وسالت دموعها تهوى إلى وجنتيها فـ أضناه التعب وزراعه النازف، تقدم إليها في تريثٍ شديدٍ وقال في تنهيدة: -منة لو سمحتِ أنا... هزت رأسها وهي تشهق قائلةً بصوتٍ مختنق: -لن أخبر أحدًا، لا تقتلني! أوجعته كلماتها كانت كالجمر ينقذف لفؤاده دون ذرة رحمةٍ، فقال بصوتٍ مرتجف: -ماذا تقولين؟ دمدمت قائلةً: -لا تقتلني رجاءً.
أمسك بكتفيها وهزها في عنفٍ صارخًا لتفوق وكان لا بُد من ذلك: -منة أنا لن أؤذيكِ ويستحيل أن أجعل أحدًا يؤذيكِ بسببي! طرفّت قليلًا وأجفلت من كلماته ونظرت له وفجأةً ارتتمت بين يديه باكيةً بقوةٍ، فتخشب قليلًا وهو يربت على ظهرها برفقٍ مغمغمًا: -لا بأس.. لا بأس لم يحدث شيءٌ، أنتِ بخير ستعودين إلى أمك.
هُنا وذاد بكاؤها أكثر وتشبثت أكثر في ثيابه، فغمغم قائلًا وقد فقه أنها فقدت والدتها حين بدأت تهمس بذلك فـ أشفق عليها ورحلا من هذا المكان، كان يقود أحد سيارات هؤلاء الرجال الذين كانوا يتبعونه وهو يختلس النظر إليها، انطفائها فجأةً أرعبه، ضحكتها الغائبة هالته، ألتقى بها منذُ دقائق وكانت كتلةً من الحماس والحيوية والحياة، وأنطفئت بسببه.. كانت ساكنةً تسند رأسها للنافذة شاردةً، أوقف السيارة بجوار منزله هو...
حتى تستعيد رباطة جأشها... فدَلفت معه وتعرفت على أخته هنا التي أخذتها معها لغرفتها وراحت تهدأها بكلماتها المرحة وغسلت لها وجهها وأهدتها ملابس أخرى، وغادرت بعد أن صارتا رفيقتين، أوصلها آجار بنفسه ورَ منزلها ولمح والدها الذي كاد يجن من فرط قلقه عليها وأخذها في عناقٍ طويلٍ ليطمئن قلبه إنها بخير، لم ينصرف إلا بعد أن توارت وراء الباب وهي ما زالت تتشبث في والدها...
أوقف دراجته وتأمل سكونها قليلًا قبل أن يخطو إليها، كانت تقف تتأمل أمواج البحر المتلاطمة، تعقد ذراعيها، وشعرها يتطاير مع كل نسمة هواء تداعبة، وكذا كان فستانها الرقيق الذي ترتديه، تواثبت دقات قلبها فعلمت فورًا بحضوره فـ استدارت مستنيرة الوجه وهي تهمس بصوتٍ رقيق: -جان. حل الزعر على ملامحها وهي تشخص نظرها في ذراعه المجروح بشقٍ غريبٍ وامسكت كفه تقلب فيه بلهفةٍ ووجل: -جان ما هذا؟ كيف جرحت؟ متى جرحت؟ هز كتفيه
للأعلى وهو يجيبها في هدوء: -لا أدري! رفعت نظرها إليه قائلةً في غيظ: -كيف لا تدري يا جان، إلى متى ستظل مهمل؟ -سأسافر غدًا لدي حفلةٌ مهمة! أجفلت منتفضةً للخلف وفلتت ذراعه، تنظر في خوفٍ وقالت: -أنت تمزح.. أليس كذلك؟ طالعها هنيهةً في صمتٍ قبل أن يدنو واقفًا أمامها، ورفع ذقنها بسبابته، وثبت عيناه في عينيها وهو يقول بلطف: -لن أغيب فور انتهاء الحفل سأعود. هزت رأسها نفيًا تودُ أن يستنكر لها ما يقول فضمها بحنوٍ مغمغمًا بقلبٍ
متفطر: -سأعود يا ناردين، أنتِ كل عائلتي يا فتاة، لن أتخلى عنكِ، ليس ليّ غيرك يا قرةُ عيني. راقت له كلماته وطابت نفسها فغمغمت: -كم ستغيب؟ لم يود إخبارها إنه سيغيب لأن لديه الكثير من الحفلات فتجاهل سؤالها عن عمدٍ وقال: -سآتيكِ بـ فيو (فيديو) الحفل كاملةً لتشبعي منها. توهجت نظراتها وقالت في حبور: -ولن تغيب. هز رأسه لها نفيًا: -لن أغيب. -ستذهب كل الفرقة معك؟ -بالطبع.
جلسا على الشط وضم كتفها وراحت رأسها على كتفه، يتأملان معًا البحر في جوٍ بديعٍ مبهجٍ للروح. كانت حاضرةً معه وغائبةً في ذاك الوقت، ما زال خبر سفره يؤلمها، تخشى أن يغيب عن عينيها كما حدث بالسابق، ولكن إن غاب هذه المرة ستموت حتمًا، لن استطيع فراقه أو إكمال حياتها بدونه.
كان يقبل رأسها وكفه يُداعب خصلاتها يُطمئنها وكأنه يبث لها أن هذه المرة لن يغيب، في السابق كان شيئًا والآن شيئًا آخر، في الماضي كان لابد له أن يهرب من الملجأ..... صباحُ يوم الجمعة، اليوم المميز للجميع.. وخاصةً لقلبُ خديجة، ففي هذا اليوم ستعطي محاضرةً للبنات في المسجد. في الصباح الباكر كان الشباب يتدربون في الحديقة فيما بينهم وتراقبهم لمار ببسمة فخرٍ لم تفارق ثغرها حتى انتهوا.
خرجوا جميعهم وتوزعوا في السيارات التي ستقلهم للمسجد، وبعد أداء صلاة الجمعة، والاستماع للخطبة بقلبٍ مفروغٍ من كل شيءٍ، طاردًا الحياة الدنيا حتى لا تشغله وهي في رحاب الإيمان، مع صوتُ الشيخُ الرخيم الذي ينفذ إلى القلوب السليمة مباشرةً، تربعت خديجة في أحد زوايا المسجد مسندةً ظهرها إلى جداره في راحةٍ تامةٍ، وفؤادٌ مطمئنٌ، عامرٌ بذكرُ الله، وروحًا تحلق في فضائه، تربعت الفتيات حولها في حلقةٍ دائريةٍ، أقارب وغرباء، في انتظار ما تقصه لهم، مما طلبوا وكما أرادوا.
قالت وعيناها تجوب في سكينةٍ في الوجوه المتعلقة في وجهها في اهتمام: -جاهزون أنتم لنحلق معًا في رحاب الحبيب، ربما نروي ظمأ الفؤاد من عبق أريجه، ونقتنص لحظات طمأنينةٍ معه، نحلق في سمائه ونلتحف من سيرته برداءٍ يلهمنا على السير قدمًا، ونطمئن الفؤاد أن اللقاء قريب عند كوثره، لنهدأ من اشتياقنا إليه فنتخيل، هلموا نحلق معًا بأرواحنا نُسرى مع الرسول إلى المسجد الأقصى ونعرج معه إلى السماء.
صمتت هنيهةً وإذ بالوجوه ازدادت تعمقًا، لهفًا، شوقًا والآذان تترقب والأعين تتلألأ كأنها نجومٌ ثاقبةٌ، تابعت بتنهيدةٍ مستكينةٍ كأنها تحلق حقًا، وكيف لا؟! وهي تتحدث عن الحبيب المصطفى:
-كان العام العاشر للبعثة، حيثُ خيم الحزن على قلب الحبيب وألقى رداءه بظلالٍ ثقيلةٍ في ثناياه، عُرف بعام الحزن فقد مات عم الحبيب أبو طالب وماتت زوجته خديجة التي كانت تسانده وتزيح عنه الأذى أول من آمنت به وأول من واساه، فقد الحبيب حبيبان في عامٍ واحدٍ، وازداد أذى المشركين له، وتأذى بسببهم كثيرًا، كان يدعوهم لعبادة الله الواحد الأحد فيعرضون قلوبهم صماءٌ قاسيةٌ، يؤذونه فيدعو لهم، يغيبون عن إيذائه فيسأل، يمرض أحدهم فيعوده، وحين أضناه أذى المشركين وظل يدعو الله، فعرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، فأبى الحبيب وراح يدعو لهم ويسأل الله أن يُخرج من أصلابهم من يوحد بالله لا شريك له.
سكتت للحظاتٍ والدموع تترقرق بين جفنيها، تتأمل كيف كانوا المشركين يؤذون الحبيب وهو يدعو لهم بقلبٍ مسامحٍ لا يحمل لأحدٍ شيئًا، كيف تحمل؟ تابعت خديجة ساهمةً أو غائبةً محلقةً: -وجاءت البشرى، وفرحة الحبيب، وتضميد الجروح، أنها الإسراء والمعراج.. الإسراء هو ذهاب الرسول ﷺ من مكة إلى المسجد الأقصى بالشام وصلى بالأنبياء جميعهم ثم عرج إلى السماء.
وقد قال الله تعالى في سورة الإسراء { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } أما المعراج فهو رحلةٌ سماويةٌ عرج فيها الرسول مع جبريل إلى السماء... وتبدأ القصة عندما نزل جبريل إلى النبي –صلى الله عليه وسلم
–بصحبة ملكين آخرين، فأخذوه وشقوا صدره، ثم انتزعوا قلبه وغسلوه بماء زمزم، ثم قاموا بملء قلبه إيمانًا وحكمةً، وأعادوه إلى موضعه. ثم جاء جبريل عليه السلام بالبراق، وهي دابةٌ عجيبةٌ تضع حافرها عند منتهى بصرها، فركبه النبي -صلى الله عليه وسلم –وانطلقا معًا، إلى بيت المقدس. وفي هذه المدينة المباركة كان للنبي -صلى الله عليه وسلم
–موعدٌ للقاء بإخوانه من الأنبياء عليهم السلام، فقد اصطحبه جبريل عليه السلام إلى المسجد الأقصى، وعند الباب ربط جبريل البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء جميعًا، ثم دخلا إلى المسجد، فصلى النبي –صلى الله عليه وسلم –بالأنبياء إمامًا، وكانت صلاته تلك دليلًا على مدى الارتباط بين دعوة الأنبياء جميعًا من جهةٍ، وأفضليته عليهم من جهةٍ أخرى.
ثم بدأ الجزء الثاني من الرحلة، وهو الصعود في الفضاء وتجاوز السماوات السبع، وكان جبريل عليه السلام يطلب الإذن بالدخول عند الوصول إلى كل سماءٍ، فيؤذن له وسط ترحيبٍ شديدٍ من الملائكة بقدوم سيد الخلق وإمام الأنبياء –صلى الله عليه وسلم وفي السماء الدنيا، التقى –صلى الله عليه وسلم –بآدم عليه السلام، فتبادلا السلام والتحية، ثم دعا آدم له بخيرٍ، وقد رآه النبي –صلى الله عليه وسلم
–جالسًا وعن يمينه وشماله أرواح ذريته، فإذا التفت عن يمينه ضحك، وإذا التفت عن شماله بكى، فسأل النبي –صلى الله عليه وسلم –جبريل عن الذي رآه، فذكر له أن أولئك الذين كانوا عن يمينه هم أهل الجنة من ذريته فيسعد برؤيتهم، والذين عن شماله هم أهل النار فيحزن لرؤيتهم. ثم صعد النبي –صلى الله عليه وسلم –السماء الثانية ليلتقي بـ عيسى و يحيى عليهما السلام، فاستقبلاهُ أحسن استقبالٍ وقالا: "مرحباً بالأخ الصالح والنبيّ الصالح".
وفي السماء الثالثة، رأى النبي –صلى الله عليه وسلم –أخاه يوسف عليه السلام وسلّم عليه، وقد وصفه عليه الصلاة والسلام بقوله: (..وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن) رواه مسلم. ثم التقى بأخيه إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، وبعده هارون عليه السلام في السماء الخامسة. ثم صعد جبريل بالنبي –صلى الله عليه وسلم –إلى السماء السادسة لرؤية أخيه موسى عليه السلام، وبعد السلام عليه بكى موسى فقيل له: "ما يبكيك؟
فقال: "أبكي؛ لأن غلامًا بُعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي". ثمّ كان اللقاء بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، حيث رآه مُسندًا ظهره إلى البيت المعمور -كعبة أهل السماء -الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة لا يعودون إليه أبدًا، وهناك استقبل إبراهيم عليه السلام النبي –صلى الله عليه وسلم –ودعا له، ثم قال:
(يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي. وبعد هذه السلسلة من اللقاءات المباركة، صعد جبريل عليه السلام بالنبي –صلى الله عليه وسلم –إلى سدرة المنتهى، وهي شجرةٌ عظيمة القدر كبيرة الحجم، ثمارها تُشبه الجرار الكبيرة، وأوراقها مثل آذان الفيلة، ومن تحتها تجري الأنهار، وهناك رأى النبي
–صلى الله عليه وسلم –جبريل عليه السلام على صورته الملائكية وله ستمائة جناح، يتساقط منها الدرّ والياقوت. ثم حانت أسعد اللحظات إلى قلب النبي –صلى الله عليه وسلم
-، حينما تشرف بلقاء الله والوقوف بين يديه ومناجاته، لتتصاغر أمام عينيه كل الأهوال التي عايشها، وكل المصاعب التي مرت به، وهناك أوحى الله إلى عبده ما أوحى، وكان مما أعطاه خواتيم سورة البقرة، وغفران كبائر الذنوب لأهل التوحيد الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك، ثم فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة. وعندما انتهى –صلى الله عليه وسلم –من اللقاء الإلهي مرّ في طريقه بموسى عليه السلام، فلما رآه سأله: (بم أمرك؟ فقال له:
(بخمسين صلاة كل يوم) فقال موسى عليه السلام: (أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف) ، فعاد النبي صلى الله عليه وسلم –إلى ربه يستأذنه في التخفيف فأسقط عنه بعض الصلوات، فرجع إلى موسى عليه السلام وأخبره، فأشار عليه بالعودة وطلب التخفيف مرةً أخرى، وتكرر المشهد عدة مرات حتى وصل العدد إلى خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، واستحى النبي
–صلى الله عليه وسلّم أن يسأل ربه أكثر من ذلك، ثم أمضى الله عز وجل الأمر بهذه الصلوات وجعلها بأجر خمسين صلاة. وقد شاهد النبي –صلى الله عليه وسلم –في هذه الرحلة الجنة ونعيمها، وأراه جبريل عليه السلام الكوثر، وهو نهرٌ أعطاه الله لنبيه إكرامًا له، حافتاه والحصى الذي في قعره من اللؤلؤ، وتربته من المسك، وكان عليه الصلاة والسلام كلما مر بملأ من الملائكة قالوا له: "يا محمد، مر أمتك بالحجامة". وفي المقابل، وقف النبي
–صلى الله عليه وسلم –على أحوال الذين يعذبون في نار جهنم، فرأى أقوامًا لهم أظفار من نحاس يجرحون بها وجوههم وصدورهم، فسأل جبريل عنهم فقال: "هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم"، ورأى أيضًا أقوامًا تقطع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار، فقال له جبريل عليه السلام: "هؤلاء خطباء أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟ ورأى شجرة الزقوم التي
وصفها الله تعالى بقوله: { والشجرة الملعونة في القرآن } (الإسراء: 60) وقوله: { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طلعها كأنه رءوس الشياطين } (الصافات: 64 –65) ورأى مالكًا خازن النار، ورأى المرأة المؤمنة التي كانت تمشط شعر ابنة فرعون، ورفضت أن تكفر بالله فأحرقها فرعون بالنار، ورأى الدجال على صورته، أجعد الشعر، أعور العين، عظيم الجثة، أحمر البشرة، مكتوب بين عينيه "كافر".
وفي تلك الرحلة جاءه جبريل عليه السلام بثلاثة آنية، الأول مملوء بالخمر، والثاني بالعسل، والثالث باللبن، فاختار النبي –صلى الله عليه وسلم –إناء اللبن فأصاب الفطرة، ولهذا قال له جبريل عليه السلام: "أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك" رواه البخاري. قاطعتها فتاةٌ تسأل في حيرة: -لدي سؤال إذ الرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى بالأنبياء جميعًا فلماذا سُئل عنهم جبريل ولم يعرفهم؟ أجابت خديجة في نبرةٍ تنبض حبًا:
-سؤال مميز، وإجابته بسيطة للغاية، فالرسول قد صلى بهم لكنه لم يتعرف عليهم في حين لقيهم في السموات سأل سيدنا جبريل عن أسمائهم وتعرف عليهم... بقت (خديجة)
لفترةٍ مع الفتيات الذين انهالوا عليها ببعض الأسئلة وكانت تجيبهم بكل رفقٍ حتى انتهوا، وخرجت مع الفتيات متعلقين بها يتأبطون أذرع بعضهم، وخلفهن يسير كبار العائلة يتسامرون، كان الشباب في انتظارهم بجوار السيارات، رفعت أروى عيناها باغتةً تمشط الوجوه عن وجه والدها فتلاقت عيناها في عينا حمزة الذي أسرع في إبعادهم والتصنع بالتشاغل بالحديث مع خالد، لكن تلك النظرة لم تمر مرور الكرام، كان لها وقع على القلوب فقد زاد الوجيب وفاض
ألمًا وكل منهما يتعذب بداء الحب، طرفت بعينيها مستغفرةً لكنها ليس لها سلطان على القلب العاشق الذي أُغرم به منذُ نعومة أظافرها، لكن ذاك الحب لم يهدها إلا الوجع، فحمزة لم ولن يلتفت لها يومًا، وقد تأكد حدسها بعد ظهور أخرى معه شرطية، تراه كيف يعاملها، انتشلها من صراعها القائم في نفسها أصوات الفتيات وكفوفهن فأنتزعت بسمةٌ مصطنعةٌ رسمتها ببراعةٍ مخلفًا وراءها فؤادًا مكلومًا وندوبًا لا تبرأ، ربما يلفت لها حمزة يومًا.. امتقع
وجه أروى ما أن وقعت عيناها فجأةً على الفتاة
(ريتاج) رأت خطواته نحوها، راقبت كيف ابتسم ودعاها ليوصلوها معهم، حسنًا ريتاج تبدو أنضج منها، ناجحة في كل مهمةٍ تقوم بها، جميلة عنها، غلبها الحزن ولم تشعر إلا وهن يتوزعن في السيارات ورأت (ريتاج) تستقل السيارة التي هي بها بعدما جاءت بها سمر وأنتقلت السيارات إلى المنزل، كان الجميع موجود إلا (شيماء) التي انزوت بعيدًا عن العائلة وشملها. تجمع الشباب في الحديقة يتسامرون وقد التفوا حول الطاولة، زفر "مالك" بمللٍ وجال ببصرهُ
في الشباب وتمتم في حنق: -هنفضل قاعدين كده؟ أنا زهقان! رمقهُ "خالد" بنظرةٍ هازئةٍ، وقال وهو يلوي فمه متهكمًا: -زهقان؟ ومش عاجبك قعدتنا؟ عايز تعمل إيه يعني؟ ولا حابب خديجة تعلم عليك؟! زمّ "مالك" شفتيه في حُزنٍ مُصطنعٍ، وقال: -أنتَ دايمًا كاسر بنفسي كده يا بني؟ طب وربنا ما ينفع قعدتنا كده. طاف ببصره بالشباب وقال وهو يمد أنامله على الطاولة ويبدأ في الدق بتناغم: -وربنا لهغني، خديجة طلعت هي والبنات أصلًا مش هتسمعني.
أنهى جملته مصحوبًا بدويّ صوته وهو يدندن ويحرك كتفيه: -أنا جدع، أيوه أنا جدع، ولا مرة حد مني توجع، ولا لساني نطق بكلمة ورجع...
أخذ مالك يدندن وشاركه باقي الشباب بالتصفيق والترديد خلفه ما عدا خالد، انتبه "خالد" لقدوم "ديجا" بوجهٍ لا يُفسر بينما احتدمت عيناها في غضبٍ قد يحرقهم حرقًا، استوى واقفًا وهو يزدرد ريقه في توترٍ جليّ، نكز مالك عدة مراتٍ في كتفه، لكنه لم ينتبه له واستمر في الغناء، صمت الشباب بخوفٍ وهم يحلقون في خديجة في رعبٍ ملأ أفئدتهم، نظر مالك لهم في بهتٍ لتوقفهم عن الترديد، وما هم أن يتسائل حتى جاءه الرد من خديجة التي دوىّ صوتها كـالرعد:
-بتغني يا مالك؟ هاااا، طب أنا هوريك.
اتسعت حدقتا مالك على إخرهما ووقف في تلكؤٍ وهو يستدير ببطءٍ شديدٍ فما كاد أن يبرر فعلته، حتى كانت خديجة تميل لتلتقط نعلها في ثانيةٍ، وتلقيه عليه فـ صاح مالك في رهبةٍ فما هم بالركض حتى تعثرت قدمه في المقعد المجاور له وكاد أن يسقط على وجهه، ولكنه لحق ذاته فـ تلقائيًا تمسك بكفه في الطاولة، ركض بكل ما أُتي من قوةٍ وهو يصيح ويستغيث بأحدٍ وخديجة تركض خلفه وهي ترغد وتزبد، لذا وقع الشباب أرضًا من فرط الضحك ومنظر مالك وخديجة. وتعالت ضحكات الفتيات وهم يتخذن بقعةً للجلوس في الحديقة وانضمت لهن خديجة، ران فجأةً عليهن خالد وطلب أروى لثوانٍ فنهضت فورًا ووقفت أمامه في مكانٍ قريبٍ عنهم ولكن أصواتهم لا تصل للحاضرين، باغتها متسائلًا
في قلق: -مالك يا أروى أنتِ كويسة؟ من لما خرجتِ من الجامع وأنتِ زعلانة، في حاجة حصلت؟ نفت برأسها وقالت في حبور: -لا يا خالد اطمئن مفيش حاجة. -متأكدة؟ متأكد بأنكِ تخبئين حاجة!! غابت ابتسامتها لثوانٍ شاردةً ثم قالت: -مفيش بجد مجرد إرهاق ممكن. ارتطمت في ظهرها كرةٌ جعلتها تئن في صمتٍ وهي تمسد ظهرها في ألمٍ وقد احتقن وجهها وهي تنظر لأخيها الضاحك المنبسط، في حين جز خالد على أسنانه وركض خلفه قائلًا:
-ولا أنا مش قلت تبطل العادة دي؟ افتراض حصلها حاجة! ركض يوسف ضاحكًا وخلفه خالد وشاركهم الشباب وأخذ يلهون كرة القدم وأخذن الفتيات في مشاهدتهم ببسمة. ابتسمت أروى فقد رُزقت بـ أخٍ يتمثل في خالد منذُ الطفولة وهو يشاركها كل شيءٍ ألعابه خباياه و أسراره، يخاف عليها ويهتم بها وكأنه أبوها الثاني.
أما ملك فكانت ولم تكن، فهي حاضرةٌ لكن غائبةٌ ليس بعالمهم، لم تمكث طويلًا وصعدت غرفتها وجلست فوق فراشها تحملق في الفراغ بضياعٍ وربما تيه.... ارتمى الشباب على المقاعد يلتقطوا أنفاسهم، قبل أن يفجر مالك قنبلته قائلًا: -أنا احتمال أسافر... أتصل بيا مدير مستشفى للأمراض العقلية وعرض عليا الشغل معاها بعد ما اطلع على كل الحالات اللي عالجتها وبفكر أسافر وأغيب لفترة... غشاهم الصمت للحظاتٍ قبل أن يهتف معاذ مستنكرًا: -بتفكر إيه؟
تسافر! في هدوءٍ أجاب مالك في بساطة: -أيوه هناك أفضل؟ لكزه خالد في صدره مغمغمًا في ضيق: -أنت عايز تقولي إنك عايز تاخد علمك وتقدمه لغير بلدك؟! هي المستشفى هنا قصرت معاك في حاجة طب سيبك منها العيادة. أطبق مالك جفناه وفتحهما مجيبًا وهو يهز كتفيه للأعلى: -أنا شايف فين مصلحتي ومستقبلي وحاسس أن هناك هكمل حلمي اللي مبدأتهوش وهتابع وهبحث أكتر وهطور.... في سَورةٍ من الغضب قاطعه معاذ منفعلًا وهو يضرب بقبضته سطح المكتب:
-يعني إيه تسافر؟ طب وأختك مفكرتيش فيها؟ ولا هتعمل إيه بعد ما تمشي، أنتِ أناني للدرجة دي. كان غاضبًا يهتف في سخطٍ.. جعل الجميع ينهدشون من غضبه الغير مبررٍ فما زال يتناقشون، حرك مالك رأسه وهو ينهض متسائلًا: -في إيه يا بني أنا مش هقوم أسافر دلوقتي! وبعدين مالها أختي؟ حدجه معاذ بنظرةٍ مقيتةٍ قبل أن يشوح له ويبتعد من أمامهم. فتبادلوا الشباب النظر في بهتٍ شديدٍ..
ارتقى معاذ الدرج بوهجٍ محتقنٍ من الغضب، وولوج للشقة ومنه إلى غرفته وصفع الباب خلفه في عنفٍ جعله يصدر صوتًا عالٍ، جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يتنفس في اختناقٍ، يبدو أن مالك نسي تمامًا حالة ملك، وأنها بحاجةٍ لرعايةٍ خاصةٍ فهي ما زالت تعاني من الخوف، يتملكها رهابٌ من كل شيءٍ، منهم ومن الجميع تخشى أن تحب أحدًا ويهجرها، فمنذ اختلاف والديها وهو عائقٌ في طريقها.. تظن أن الجميع يخدعها وقد يهجرها ويتركها تعاني كما فعل والدها وترك والدتها ثم عاد.. ما زالت تملك رهابًا من الدم أن رأته....
ما زال أثر الحادث تاركًا أثرًا في فؤادها لا يبرأ جعلها تتقوقع في نفسها وتنزوي، ظنت أن مالك سيعالجها فورًا لكنه يبدو أنه تناسى تمامًا ولم يستطع أن يحادث أحدًا بهذا الموضوع خشية أن يظنوها مجنونةً. انتشله طرقٌ خفيفٌ على الباب.. وقبل أن يسمح للطارق بالدخول، طل مالك من فرجته مغمغمًا: -ولا ممكن أدخل؟ أشار له معاذ.. فدخل مالك وجلسا متجاورين على الفراش، سكنًا قليلًا قبل أن يقول مالك موضحًا: -أنا منستش ملك يا معاذ دي أختي.
رفع معاذ عينيه إليه مندهشًا وما هم بالأستفسار حتى بادر مالك مشيرًا له: -أنا اخترت أكون طبيب نفسي بس عشانها، و بديها العلاج في الخفاء عشان متحسش بحاجة هي رافضة تعترف أنها مريضة نفسية بتعاني. ابتسم هزئًا وقال في مرارة:
-إحنا ما زلنا مجتمع جاهل بنفكر في كلام الناس اللي حوالينا حتى على حساب حياتنا في حين أن الناس مش بتهتم بمشاعرنا بتؤذينا بس بإستمتاع، مجتمع جاهل بيفكر إن اللي بيعاني من اضطرابات نفسية مجنون، برغم أن المجانين دول أكتر الناس ذكاء، دول عالم توجعت وربما طُعنت من أقرب قريب أو فقدت وبدل ما نساعد بنحطمهم أكتر ونموتهم بالبطيء. فاضت عيناه بالدمع وهو يكور كفه قائلًا بحزن:
-ما زلت فاكر يوم ما ملك حاولت تنتحر، لما كانت جثة ما بين إيدينا أنا وأنت.. ربت معاذ على كتفه مقاطعًا حديثه، وقال: -مالك إنت لازم تقنعها تسيب الشركة اللي بتدرب فيها دي! أُندهش مالك وهو يتساءل عن السبب فروى له معاذ ما يُقال عن المدير وبأنه فقط ينتظر الدليل ليودعه السجن على أفعاله الدنيئة. صاح أراس في فزعٍ وهو ينتفض واقفًا: -سافر؟ تقولها ليّ بكل بساطة يا نجيب؟ لماذا لم تخبرني! غض نجيب بصره في حرجٍ وتمتم أسفًا:
-أنت تدري أوامر أبيك يا أراس. أشار له أراس بعد دقائق أن يغادر، وجلس واضعًا رأسه بين كفيه مغتم الوجه ودمدم محدثًا نفسه: -ماذا لو قتل لمار، يا إلهي.. أو جمع رجاله وقتل كل العائلة... خديجة! ومضت صورة خديجة فورًا في خلده، وعند هذا الخاطر كان يوثب واقفًا ويخرج عازمًا على السفر فورًا... تجمعت الفتيات جوار لمار في غرفتها مع غياب أدهم بالخارج.. جالت لمار عينيها في وجوههم وهي تتسائل: -أمال فين ملك؟ هزت لمياء كتفيها مجيبة:
-أكيد في أوضة الرسم. شردت لمار قليلًا قبل أن تحثهم: -حاولوا تخلوها تقعد معاكم يا بنات، متخلوهاش تتحبس وسط لوحاتها. أومأت الفتيات لها في حين قالت أروى وهي تعقد ذراعيها: -يلا كملي لنا عن جدو يوسف وفيكتور. اتسعت ابتسامة لمار وتهلل وجهها وبدأت أن تقص لهم عن الأحبة الذين رحلوا وذكراهم لم ترحل ما زالت تسكن شغاف القلب كما يسكنوا سويداءه. -الحبايب متجمعين في أوضتي بيعملوا إيه؟
قاطع حديثهم صوت أدهم وهو يدخل فركضت الفتيات مرحبين به وساندوه على الجلوس في ارتياحٍ بينما ذهبت إحداهن لتحضر له كوبًا من الماء وظل الباقيات يدردشون معه عن يوسف وفيكتور. في حين ذلك كانت لمار غائبةً عنهم، تضيق عينيها في حيرةٍ شديدةٍ وهي تقرأ الرسالة التي أُرسلت لها أنفًا: -سيدة لمار معك جومالي جيهان.. هل تتذكريني؟
أعلم إنك ما زلتِ تتذكريني جيدًا، أود مقابلتك لشيءٍ هام أريد إراحة ضميري وأخبارك بأشياء كثيرة، أتمنى أن تحددي موعدًا والمكان لنتقابل، الموضوع لا يقبل الانتظار. تبسمت ساخرةً وهي ترسل له في تهكم: -« أوه سيد جومالي، أراك ما زلت تتذكرني؟ ماذا هل قررت بعد بكل هذه السنوات الانتقام يا رجل أم ماذا، ما رأيك في المفاجأة التي تركتها لك قبل رحيلي؟ قطبت جبينها زاهلةً ما أن جاءها الرد في سرعةٍ لم تتوقعها وكأنه
كان في انتظار رسالتها: -« سيدة لمار رغم سخرية حديثك والتي سأتجنبها تمامًا فالأمر هام وبالأخير أنتِ الخاسرة، أردت فقط أن أخبرك بما أعلمه بأشياء ربما تغير حياتك.. بخصوص مفاجأتك ليّ فهي راقت ليّ صدقيني سيدتي كنت في حاجة لهذا السجن وأنتِ لم تفعلي إلا واجبك، أنا لم آتِ لشن حرب بيننا ولا إراقة دماء ولا إثارة كره وانتقام، أريد فقط إخبارك بعدت أسرار مخبأة منذُ سنين.»
أعادت قراءة الرسالة عدة مراتٍ، وتقلب كلماته في ذهنها، ماذا يريد أن يخبرها؟ وما هي الأسرار التي يقصدها؟ انتبهت من شرودها على أصوات البنات لتندمج معهم متناسيةً أمره تمامًا..... في صباح يومٍ جديدٍ قضته لمار في التفكير بأمر جومالي وطلبه بالمقابلة انتهى بها الحال إلى الموافقة وأرسلت له رسالةً بأنها ستقابله في إحدى المطاعم في نهار اليوم التالي. ما أن جال في ذهنها خاطرٌ إنه ربما يود إخبارها شيئًا بخصوص ماهر!؟
بينما استيقظ جومالي على أراس فوق رأسه هائجًا ثائرًا يصرخ فيه بإنفعال: -ماذا تريد من لمار يا أبي؟ اعتدل جومالي جالسًا ومسح بكفه وجهه وهو يكظم غيظه وقال: -ما هذه الحالة يا بني هل يوجد ابن يحادث أباه هكذا؟ صرخ فيه أراس في غضبٍ يتفاقم: -يوجد يا أبي يوجد، ماذا تريد بالتحديد من لمار لن أسمح لك أن تؤذيها أو تؤذى خ........ أزاح جومالي الغطاء ونهض وهو يقاطعه في برود:
-خديجة حبيبتك لا تقلق لن أؤذيها ولن أسمح لأحد أن يؤذيها ما دمت حيًا، لا تنسى يا هذا أني أنا الذي كان يحميها من كل شخص أراد أذية لمار فيها ولم أنسى أنك تحبها. كانت نظرته الثاقبة ونبرته الحادة قادرةً على لجم أراس الذي ارتبك لدقائق وهو يطرق برأسه، يسمع والده كـ المخطئ، في حين تابع جومالي وهو يلكزه:
-لم آتِ إلى هنا للانتقام وإن أردت كنت فعلتها منذُ سنوات فور أن أدخلتني السجن وأنت اعلم بهذا، ما بيننا شيءٌ آخر ذنبٌ يقبع في صدري أود أن أتوب عنه. نظر أراس في عينيه وهو يسأل في بهت: -ذنب؟ ما هو هذا الذنب الذي سيكون بينك وبين لمار؟ ولى جومالي ظهره ينهي النقاش في إيجاز: -هذا أمرٌ بيننا يا بني لا أستطيع إخبارك به حتى أبوحه لها وهي تقرر ما تفعله... وتستفعل بيّ حتى إن أردت قتلي فسأرحب أستحق ذلك.
خرج أراس من عند والده مفكرًا بذهنٍ شاردٍ وهو يتجه إلى الشرفة يتطلع لمنزل خديجة ويراقبه بشوقٍ كان يعلم أنها بهذا الوقت تكون بالمشفى لكنه لم يفقد الأمل بأن يراها، ربما تقر عيناه المشتاقة، ويرتوي فؤاده الذي فاض حنينًا. علا رنين هاتفه بغتةً، ابتسم وهو يرى اسم آجار يضيء الشاشة وأسرع بالرد عليه، لكنه سرعان ما ابتلع حروفه حين وصله صراخ آجار الذي كاد أن يصم أذنيه:
-كيـــــــــــــــف تفعل هذا يا أراس، تنزل مصر دون إخباري، ليس هذا فقط ومعك عمي جومالي يا بني فيما تخططون لماذا لم تخبروني، سأجهز وأكون عندك في أقرب وقت، ما زلت لا أصدق أنك بالفعل سافرت..... كان أراس قد أبعد الهاتف عن أذنه قليلًا قبل أن يصرخ بدوره ليسكته وغمغم: -ما هذا يا معتوه متى أصبحت ثرثارًا يا بني؟ أعطني فرصة الرد يا هذا. سكت له هنيهةً وأسترسل وهو ينقر بسبابته على سياج الشرفة بينما عيناه معلقة
على منزل آل الشرقاوي: -نحن كلها يومين وسنكون لديك فلا داعي أن تأتي، فليكن أحد منا موجود بالوسط وحتى من أجل هنا لا تبقى بمفردها. في برودٍ رد آجار قبل أن يغلق الهاتف في عناد: -ساعات وستجدني عندك يا أراس، هذا آخر ما لدي. بعد ساعاتٍ كان آجار يترجل من سيارة أجرةٍ أمام بوابة المطار على موعد الحجز الذي حجزه أنفًا، سار في تمهلٍ للداخل ولكن قبل أن يجتاز البوابة كانَ هتاف (منة)
بأسمه يوقفه فـ استدار وهو يخفض يده الممسكة بالحقيبة لترتخي تمامًا كانت قد وقفت أمامه تثرثر دون انقطاعٍ رغم لهاثها: -يا سيد آجار ما هذه السرعة يا رجل؟ هذه ثاني مرة ألحق بك من المنزل! أين تذهب قبل المقابلة، لن أتركك قبل أن أجريها معك لا يمكنك الهرب مني....... صاح فيها بلهجةٍ أجفلتها: -كفي عن الثرثرة يا فتاة. تقهقرت للخلف ما أن علا صوته غاضبًا: -لماذا تلحقين بيّ؟ ماذا تريدين مني؟
اغربي عن وجهي وألا لا أدري ما قد أفعله بكِ إن خرجتِ أمامي مجددًا! لذلك لا تريني وجهك مجددًا مهما كلفك الأمر. كانت عيناه متسعةً على آخرهما يشعُ الغضب منهما، عروقه نافرة وملامحه بدت مخيفةً جعلتها ترتعش، ودب الخوف منه في أوصالها، تجمعت الدموع في مقلتيها اللاتين انخفضتا وقالت بتوجسٍ متلعثمة: -أنا.. أنا آسفة لن أخرج أمامك مرة أخرى اعتذر. همت أن تبتعد فرق قلبه ما أن ألتمس رنة البكاء في نبرتها وغمغم بصوتٍ أرفق: -إنتظري.
توقفت دون أن تلتفت كـ إشارةٍ ليتابع ما يريد فدار حتى وقف أمامها وهمس: -اعتذر لكِ عن فظاظتي معك يا منة. رفعت إليه حدقتين مندهشتين فقال في مرح: -أنا رجل لا أجيد التعامل مع الجنس اللطيف الرقيق مثلك. ضحكت في خفوتٍ فـ ابتسم وقال في جدية: -كيف حالك بعد ما حدث؟ ردت وهي تتحاشى النظر إليه: -بأفضل حال الحمد لله. فهز رأسه قائلًا في عجل: -حمدًا لله لقد قلقت عليكِ، ما أن أعود من السفر إن شاء الله سأجري معك المقابلة. قالت في لهفةٍ
لم تستطع مداراتها: -ستسافر؟! هل ستغيب! ابتسم في هدوءٍ وهو يرد: -لن أغيبُ يا منة، كما أننا سنتقابل كثيرًا. فركت كفيها في ارتباكٍ وهمست وهي مطرقة الرأس: -تعود سالمًا يا سيد آجار إن شاء الله.. إلى اللقاء. غمز لها بعينه مغمغمًا قبل أن يُلقي بحقيبته على كتفه ليبتعد: -إلى اللقاء يا منة. توقف بعد خطوتين ساكنًا للحظةٍ فرفعت نظرها إليه في ترقبٍ فـ استدار وخطاها مجددًا وقال في اهتمام:
-منة كفاكِ ما تفعلينه، تصرفاتك ستلقيكِ في مأزقك يا بنت انتبهي، بعض البشر لا يعرفون الرحمة فلا تلقي بنفسك في جحورهم. هزت كتفيها وهي تجيبه بنبرةٍ تنبضُ بالحماس: -لم أستطع فعل هذا، أبي أيضًا يحذرني دائمًا لكني لا أستطيع، هذا عملي وأنا أحبه وأحب المخاطرة وخاصةً مساعدة الشرطة في الإمساك بالذين يستترون خلف قناع الشرف والخلق وهم يرتكبون أبشع مما نتخيل. أزد ر د لعابه وهو يسعل باختناقٍ وأمتقع وجهه وأغتصب بسمةً وأردف:
-الله يوفقك فيما تفعلين ولكن خذي حذرك فـ في بعض الحماس والمخاطر قد نفقد أرواحنا. ابتسمت مبتهجةً وودعها بتلويحه وهو يسير بظهره قبل أن يستدير ليتخفى من أمامها، فمالت بوجهها قليلًا وازدادت ابتسامتها وهي تراقبه قائلةً: -يبدو إنك أسرت قلبي يا سيد آجار، حفظك الله.
ابتعد عنها ناقصًا شيئًا.. شيئًا قد علق معها هنالك حيثُ تقف، شيئًا لا يدرك كنهه بعد، لكن كلماتها الأخيرة كانت كالمطرقة تضرب أذنه بلا هوادةٍ فتشتت تفكيره وتبدد أفكاره فيها، ضُرب في جسدٍ ما أثناء شرودٍ فتنبه سريعًا وتلقائيًا كانَ يمسك بخصر الفتاة التي كادت أن تقع، هم أن يعتذر لها، لكنها فاجأته حين صرخت فيه: -يا أعمى أين تظن نفسك تسير يا هذا، لا أدري كيف يتركون المعتوهين يسيرون هكذا بيننا.
صرخ آجار على أسنانه وأمسك ذراعها في قسوةٍ وغمغم: -هل تسمع أذنيكِ ما تتفوه به شفتاكِ. جذبت الفتاة ذراعها في حدةٍ وصرخت فيه: -أجل تسمع يا هذا، لم يبقَ إلا أنت. رمقته بنظرةٍ ساخرةٍ قبل أن تنصرف مبتعدةً في غمضة عينٍ فوقف آجار مكانه مصدومًا وما استوعب إهانتها له وألتفت حوله كانت قد اختفت.. فكور قبضة يده وذهب جالسًا على مقاعد الانتظار وهو يغلي. على الطرف الآخر كانت الفتاة ترغي وتزبد، قبل أن يسألها ضياء:
-دارين ما بكِ لماذا تحدثين نفسك بهذه الطريقة، هل أحدٌ أضاقك؟ نفت دارين وهي تحرك كفيها في سخط: -وهل يوجد أحدٌ يستطيع أن يضايقني؟ أنا آكله بأسناني. قالتها وهي تعصر كفها وتكشف عن أسنانها وهي تصر في سخطٍ، أغمضت عينيها وراحت تهدأ نفسها قبل أن ترسم بسمتها ببراعةٍ لتزين ثغرها وتقول في هدوء: -أوه لا أصدق أني أخيرًا سأنزل مصر سأرى الفتيات يا الله كم اشتقت لهم، ستكون زيارتي هذه المرة جد مفاجأة.
-لا شك في هذا جميعهم يحبونكِ وسيفرحون. ثم تابع وهو يهم بالمغادرة: -سأجري اتصالًا على عمتك وأأتي حالًا حسنًا؟ إن أعلنت المضيفة عن الصعود إلى الطائرة فأفعلي وسألحق بكِ. أومأت دارين دون اكتراثٍ وهي تجلس تهز في قدميها، بينما ابتعد ضياء تمامًا عنها، لم يمضِ طويلًا وانساب صوت المضيفة تطلب من المسافرين إلى مصر بالتوجه للطائرة.
فوثبت واقفةً والتقطت حقيبتها في عجلٍ وتسير شبه راكضةٍ إلى الطائرة وأتخذت مقعدها وهي تتنهد في ارتياحٍ فما هي إلا ساعاتٍ وستلتقي بهم كان الفؤاد مترقبًا في لهفةٍ إلى الأحبة وخاصةً والدتها الأخرى سجى. ارتفع صوت المضيفة مرةً أخرى تطلب من الجميع ربط حزام الأمان لأن الطائرة ستقلع، ففتحت عينيها وربطته وما كادت أن تريح رأسها لظهر المقعد حتى فُغرت فاها من شدة الدهشة وهي تصيح في غضب: -هذا أنت يا أبله؟
لم يعرها آجار أي اهتمامٍ لدقيقةٍ قبل أن يتمتم في تهكم: -يظن المعتوهين أن الجميع معتوهين مثله. اتسعت حدقتاها وهي تهمس في عدم تصديق: -معتوهين، أنتِ تقصدني أليس كذلك. هز رأسه يؤكد ظنها بينما تتابع: -أنا معتوهة يا هذا؟ أنا؟! أنت مجنون أكيد ولن أعدي هذا الأمر على خير. أغمض عينيه وأسند رأسه إلى الخلف دون ذرة اهتمامٍ، فظلت ترغي وتزبد قبل أن تريح رأسها هي الأخرى في غيظ.
مع استقرار الطائرة في الفضاء فك رباط الأحزمة، وراحت دارين تنظر كـ الطفلة عبر النافذة إلى السحاب تكاد تلصق وجهها بالنافذة، فكتم آجار ضحكته عليها... بعد وقتٍ طويلٍ سمع آجار صوت شابٍ يُناديه من الخلف فـ أجفل مستغربًا وإلتفت للخلف في اندهاشٍ، قبل أن يقف متسمرًا من الصدمة ما أن رأى الشاب مُبعدًا عن طرفا معطفه ليسفر عن قنبلةٍ يرتديها، ضحك الشاب وهو ينظر إليه يه في شماتةٍ متمتمًا في زهو:
-السفاح يُرسل لك سلامه و وداعه يا آجار. انتفض آجار مذعورًا يهز رأسه في صدمةٍ بينما هاج الركاب وعلت الهمهمات ممزوجةً ببكاء الصغار، دارت مقلتا آجار في الأطفال حتى استقرتا على دارين التي نهضت واقفةً بجواره تكتم فمها بأناملها في خوفٍ جليٍ، ردد آجار بنبرةٍ يهددها القلق والخوف: -ثمة أطفال على متن الطائرة يا هذا.. لا تفعلها أعدك ما أن تستقر الطائرة سأسلم لك نفسي أفعل بها ما تشاء لكن لا تؤذي أحد.
بسمة الشاب المتهمة أكدت له أنه لم يتأثر فتابع وعيناه تجري في خوفٍ على الصغار: -ثمة أرواحٌ كثيرةٌ هنا يا هذا.
ارتجت الطائرة فجأةً فأرتج الجميع وسقطوا أرضًا، يعلو الصراخ في ذعرٍ، بكت دارين وهي ترتعش لم تتخيل أن الموت قريب للغاية بل وياتي قبل أن ترى أحبتها، ذاد نحيبها وهي تتذكر الجميع وطفولتها معهم، وسرعان ما راحت تذكر كلمات خديجة عن الحوقلة فحوقلت وذكرت الله تدريجيًا كان صوتها يعلو فعلاً معها صوت الركاب يقولون كما تقول.
في تلك اللحظة كان جسد آجار يتهاوى على إحدى الركاب سرعان ما استجمع ثباته وانقض على الشاب ليشل حركته دارت بينهما تشابك بالأيدي كان خلالها آجار يتعامل معه بحذرٍ قبل أن يقفز خلفه ويباغته بحافة كفه على عنقه في وريدٍ محددٍ فسقط متهاويًا فاقدًا الوعي وذاد ارتجاج الطائرة بصورةٍ غير طبيعيةٍ جعلت ق عرض أقل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!